← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

المشتري تأخّر عن القبض أو الإجازة، فصار ملك البائع أقوى، فنفوذ عتقه أولى. قال: ولو كان البائع مكرَهًا، والمشتري غير مكرَه، فأعتقه المشتري قبل القبض، فعتقه باطلٌ؛ وذلك لأنّ العبد على ملك البائع، لم يزل ملكه عنه لعدم الرضا، وقبض المشتري لم يوجد، فلم ينفذ عتقه، كالبيع المشروط فيه الخيار للبائع، وكالبيع الفاسد إذا أعتق المشتري قبل القبض، فإن أجاز البائع البيع بعد العتق نفذ البيع ولم ينفذ العتق؛ لأنّ المشتري ملك المبيع بالإجازة، وهي متأخّرةٌ عن العتق، فصار كمن أعتق عبد غيره ثمّ ملكه. فإن أعتقاه معًا [نفذ] (١) العتق من البائع وبطل عتق المشتري؛ لأنّ العبد على ملك البائع، فصادف عتقه [ملكه]، وعتق المشتري صادف ملك غيره، فلم ينفذ. قال: ولو كان المشتري قبض العبد فأعتقه البائع والمشتري معًا نفذ عتق المشتري؛ لأنه ملك العبد بالقبض، وزال ملك البائع عنه، فنفذ العتق من المالك، وبطل عتق البائع الذي زال ملكه عنه. قال: ولو كان البائع والمشتري أكرها على البيع والشراء والقبض، [ففعلا] (٢) ذلك، فقال أحدهما بعد ذلك: قد أجزت البيع بغير إكراهٍ، كان البيع جائزًا من قِبَلِه، وبقي الآخر على خياره بمنزلة لو لم يكره عليه؛ لأنّ الإكراه في حقهما كشرط الخيار لهما، فإذا أجاز أحدهما سقط خياره [وكأنه عقد بغير إكراه]، وبقي خيار الآخر بحاله.

стр. 4972

وإن أجازا جميعًا بغير إكراه جاز البيع؛ لأنّ خيار كلّ واحدٍ منهما سقط بإجازته، فكأنّه عقد بغير إكراه. قال: وإن لم يجيزا حتى أعتق المشتري العبد، كان عتقه جائزًا، وكان ضامنًا لقيمته، فإن أجاز الآخر بعد ذلك لم يلتفت إلى إجازته؛ لأنّ عتق المشتري إجازةٌ منه، فسقط خياره، وصار كأن البائع [أكرِه] (١) دون المشتري، فإذا أعتقه بعد القبض نفذ عتقه كالمقبوض على وجه بيعٍ (٢) فاسدٍ. فإن أجاز البائع بعد ذلك لم تعمل إجازته؛ لِمَا بيّنا أنّ الإجازة من طريق القول لا تصحّ إذا كان [المبيع] (٣) لا يصحّ التصرّف فيه. قال: وإن كانا لم يتقابضا وقد (٤) عقد البيع بالإكراه، فأجاز أحدهما بغير إكراه، فالبيع فاسدٌ على حاله، والعبد في ملك البائع حتى يجيز الآخر، وهذا على ما قدّمنا (٥). قال: فإن أعتقا جميعًا معًا [وقد أجاز أحدهما]، فعتق [البائع] (٦) جائزٌ، وعتق المشتري باطلٌ؛ لأنّ المشتري إن كان هو أجاز فقد تمّ البيع من جهته، ووُقِف لحقّ البائع، فصار كالبيع المشروط فيه الخيار للبائع إذا أعتقه البائع والمشتري نفذ عتق البائع، وإن كان البائع أجاز البيع، ثم أعتقا فعتق البائع أيضًا

стр. 4973

أولى، وكأنّ البائع باع بغير إكراهٍ، والمشتري مكرَه، فأعتق البائع والمشتري نفذ عتق البائع؛ لأنّ عتق البائع بعد إجازته فسخٌ للعقد وعتق، وعتق المشتري بعد إجازة البائع إجازةٌ للعقد، ومتى اجتمع ما يوجب فسخ العقد وإجازته وتساويا كان الحكم للفسخ. قال (١): وإن كان البائع أجاز البيع ثم أعتق المشتري وأعتق البائع بعده، نفذ عتق المشتري، وعليه الثمن؛ لأنّ البائع لما أجازه وقف العقد على إجازة المشتري، فعتقه إجازةٌ، فكأنّهما أجازا العقد ثم أعتق المشتري. وإن كان البائع أعتق أولًا ثم المشتري جاز عتق البائع وانتقض البيع، ولا يجوز عتق المشتري؛ لأنّ البائع لمّا أجاز وُقِف العقد على حقّ المشتري، فإذا فسخه البائع قبل إجازة المشتري جاز فسخه، كما لو كان المشتري هو الذي أكره [وحده]، فأعتق المشتري. قال: ولو كان المشتري أجاز البيع وحده، ثم أعتقه البائع، وأعتق المشتري بعده، أو أعتق المشتري، ثم البائع بعده، فعتق البائع أولى؛ لأنّ المشتري لمّا أجاز تمّ العقد من جهته، ووُقِف لحقّ البائع، فكأنّ الخيار مشروطٌ للبائع، وإن أعتق نفذ وانفسخ البيع، وإن أعتق المشتري لم ينفذ العتق من جهته؛ لأنّه لم يملك، فعتق البائع بعده أولى، وقد شبّه محمدٌ هذا برجلٍ اشترى عبدًا على أنّ المشتري بالخيار، ثم أعتقا جميعًا معًا، أو أحدهما بعد الآخر، وقد بيّنا هذا فيما تقدّم (٢).

стр. 4974

بَاب الخيارِ في الإكراهِ قال (١): فلو أنّ لصًا غالبًا أكره رجلًا مسلمًا بوعيدٍ بقتلٍ على أن يعتق عبده، أو يطلّق امرأته ولم يدخل بها، فقال له: لأقتلنّك أو لتعتقنّ عبدك [هذا]، أو لتطلقنّ امرأتك هذه، أيهما شئت، ففعل المكرَه أحدهما فهو واقعٌ، ويغرم الذي أكرهه [الأقلّ] (٢) من قيمة العبد ومن نصف مهر المرأة الذي تزوجها عليه. وأمّا وقوع العتق أو الطلاق؛ [فلأنّ] (٣) الإكراه لا يمنع من وقوعهما، وأمّا الضمان؛ فلأنّ الإكراه لمّا وقع على أحد الأمرين، والمكره لا يتخلّص من الإكراه إلا بفعل أحدهما، صار مكرَهًا على ذلك، فوجب له الضمان على المكرِه (٤). فإن كان الذي أوقعه أقلّهما ضمانًا، فقد تلف عليه بالإكراه، فيجب على المكرِه ضمانه، فإن أتلف أكثرهما، فقد كان يقدر على التخلّص من ضرر الإكراه بفعل الآخر، فلمّا عدل إلى أكثرهما ضمانًا (٥) صار هو المختار لإتلاف الفضل، فلم يرجع به على المكرِه. قال: ولو كان الزوج دخل بالمرأة وفعل المكرَه أحدهما، لم يغرم الذي

стр. 4975

أكرهه في ذلك قليلًا ولا كثيرًا؛ لأنّ المدخول بها لا يجب على المكرَه بطلاقها غرمٌ، ألا تري أنّ (١) وجوب المهر استقرّ بالدخول، فلم يتلف عليه بالطلاق أكثر من منفعة البُضْعِ، وذلك غير متقوّمٍ. فإذا ثبت هذا: فقد كان المكرَه يقدر على التخلّص من ضَررِ الإكراه بفعل ما لا يتلف عليه [به] مالٌ، فلمّا عدل إلى عتق العبد صار هو المختار للإتلاف، فلا يرجع على المكرِه بشيء. قال: ولو كان الإكراه على ذلك بحبسٍ أو قيدٍ، ولم يخف أكثر من ذلك، ففعل أحدهما، ولم يدخل بالمرأة؛ لزمه الذي (٢) فعل، ولم يغرم الذي أكرهه شيئًا؛ وذلك لأنّ الإكراه بالقيد والحبس ليس بإكراه في الأفعال، ولا بإكراهٍ فيما يستوي جِدّه وهزله، ووجوده وعدمه سواءٌ، وكأنّه فعل ذلك [باختياره] بغير إكراهٍ. قال: ولو أُكره بقتلٍ على أن يكفر بالله تعالى، أو يقتل هذا الرجل عمدًا، فإن كفر بالله وقلبه مطمئنٌ بالإيمان فذلك يسعه عندنا، ولا تَبِينُ منه امرأته، وإن أبى أن يكفر حتى يُقتل؛ فذلك أعظم للأجر (٣)، ولا يحلّ له أن يقتل الرجل المسلم. فإن لم يكفر وقتل الرجل المسلم، فالقياس: أن يقتل المكرَه، والاستحسان: أن أدرأ عنه القتل (٤)، وأضمّنه دية المقتول في ماله ثلاث سنين، إن لم يكن عالمًا بأنّ الكفر يَسَعُه في هذا الوجه؛ وذلك لأنّه لما أكرهه على إظهار

стр. 4976

الكفر أو القتل، والضرورة تبيح إظهار الكفر على ما قدّمنا، ولا تبيح قتل المسلم، كان له أن يظهر الكفر الذي أُبيح له عند الإكراه إظهاره، ولا يُقدم على قتل المسلم الذي لم يبح له، فإذا أظهر كلمة الكفر فقد تناولها الإكراه، وقد بيّنا أنّ المكرَه على الكفر لا يُحكم بكفره، وأمّا إذا صبر حتى قُتل فهو مأجورٌ؛ لأنّه قصد إعزاز الدين والتمسّك به، وتَرَك الإقدام على قتل المسلم، وذلك أفضل من إظهار الكفر لما قدّمنا (١). وقد روي أنّ مُسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبيّ ﷺ ، قال لأحدهما: أتشهد أنّ محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال: لا أدري ما تقول، فكرّر ذلك عليه ثمّ قتله، وقال للآخر: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال: نعم، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: " [أمّا] الأوّل فقد أوتي أجره مرّتين، وأمّا الثاني فلا إثم عليه" (٢). وأمّا إذا قتل المسلمَ ولم يُظهر الكفرَ، فالقياس أن يُقتصّ منه؛ لأنّه كان يقدر على التخلّص من ضرر الإكراه بإظهار الكفر، ولا يأثم بذلك، ولا يستضرّ به، فلمّا عدل عنه إلى قتل المسلم صار مختارًا لقتله، فوجب عليه القصاص. وأمّا الاستحسان: فلأنّ الشبهة موجودةٌ في هذا القتل إذا كان لا يعلم بإباحة إظهار الكفر؛ لأنّ النفوس تتلف لأجل الكفر، ألا ترى أنّا نقتل الكفار لإظهار (٣) الكفر، فيجوز أن يكون المكرَه استعظم [الكفر]، ورأى أنّ الدم أيسر منه، فعدل إليه، فصار ذلك شبهةً، وتمكّن الشبهة في القتل يسقط القصاص.

стр. 4977

وقد شرط محمدٌ: أن يكون لا يعلم بأنّ الكفر يَسَعُه، فمن أصحابنا من قال: إنّ المكرَه إذا كان فقيهًا يعلم أنّ إظهار الكفر يجوز عند الإكراه، فلم يظهر وقتل: إنّ القصاص واجبٌ عليه؛ لأنّه لا شبهة له حينئذٍ في القتل. ومنهم من قال: لا قصاص في الوجهين استحسانًا: لأنه وإن علم بإباحة إظهار الكفر، فقد ثبت (١) أنّ الدماء تتلف لأجل الكفر، فيجوز أن يشتبه عليه في هذا الوجه. وأمّا إيجاب الدية في ماله؛ فلأنّه عمدٌ محضٌ يسقط القصاص فيه بشبهةٍ، ولا يرجع بالدية على المكرِه؛ لأنّه كان يقدر أن يتخلّص من إكراهه بإظهار الكفر، فلا يلزمه ضمانٌ، فلمّا عدل إلى القتل، صار هو المختار لالتزامه الضمان، فلا يرجع [به]. قال: ولو كان الإكراه بالقتل على أكل ميتةٍ أو قتل مسلمٍ فلا بأس بأكل الميتة، فإن لم يأكلها حتى قَتَل فهو آثمٌ، وعليه القود؛ وذلك لأن الإكراه ضرورة، وقد أباح الله تعالى له الميتة عند الضرورة، فهو يقدر على التخلص من ضرر الإكراه بما لا مأثم فيه، فإذا عدل إلى القتل فقد قتل باختياره من غير إكراهٍ، فيلزمه القود. قال: ولو أكره (٢) بقتلٍ على قتل مسلمٍ أو الزنا بامرأةٍ، فليس ينبغي له أن يفعل واحدًا منهما حتى يُقتَل، فإن صنع واحدًا منهما كان آثمًا، وإن أبى أن يفعل حتى قُتِل كان مأجورًا، وقُتِل به الذي قتله. وإن زنى فالقياس أنّ عليه الحدّ، ولكنّا نستحسن: أن ندرأ عنه الحدّ،

стр. 4978

ونجعل عليه المهر (١)، وإن قَتَل الرجل المسلم، لم يكن عليه قتلٌ، (وقُتِل به الذي أكرهه على القتل) (٢)، و [كان] على [الذي ولي] القتل الأدب بالحبس والتعزير. وإنّما لم يبح واحدٌ من الأمرين؛ لأنّ الإكراه لا يبيح قتل النفس لما قدّمنا أنّه لا يجوز أن يُحْيِي نفسه بقتل غيره، وكذلك الزنا لا يبيحه الإكراه؛ لأنّ الضرورة لا تبيحه، فإذا أُكرِه على أحدهما كان عليه أن يصبر حتى يُقتَل (٣)، فإن لم يصبر فهو آثمٌ؛ لأنه أقدم على ما لا يجوز الإقدام عليه، فإن اختار قتل المسلم فقد تناول الإكراه ذلك، ومن قتل رجلًا [مسلمًا] مكرَهًا، وجَب على المكرِه القَود في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: الدية، وقد بيّنا ذلك. فإن عدل إلى الزنا فالقياس أن يُحدّ، والاستحسان أن يُدرأ عنه الحدّ، فمن أصحابنا من قال: القياس (إنّما أراد قول أبي حنيفة؛ لأنّ عنده الإكراه لا يُتصوّر في الزنا، فكأنّه اختار ذلك، والاستحسان قولهما. ومن أصحابنا من قال: القياس) (٤) أن يُحدّ؛ لأنّه لو عدل إلى القتل لفَعَل ما يضاف فعله إلى غيره، ويصير المكرِه كالفاعل [له]، فلمّا عدل إلى ما لا يضاف إلى غيره صار هو المختار له، فوجب عليه الحدّ. وجه الاستحسان: أنّ القتل أمرٌ مستعظَمٌ، فيجوز أن يكون عدل عنه لاستعظام حرمة الدم، فصار ذلك شبهةً في سقوط الحدّ، وأما التعزير [فلانّه] (٥)

стр. 4979

أقدم على فعلٍ محرّمٍ لا يسوغ الإقدام عليه. قال: فإن أكرهه على الزنا أو قَتْل مسلمٍ بوعيدٍ بسجنٍ أو قيدٍ، (فزنى، أُقيم عليه الحدّ، وإن قتل فيلزمه القَود؛ وذلك لأنّ السّجن والقيد ليسا بإكراهٍ في الأفعال، فكأنّه فعل بغير إكراهٍ. قال: ولو أُكرِهت المرأة على الزنا بوعيدٍ بقيدٍ أو سجنٍ) (١)، درأنا عنها الحدّ، ولا تشبه المرأة في الإكراه بالسجن والقيد الرجلَ؛ وذلك لأن السجن والقيد ينفي الاختيار، وليس من جهة المرأة أكثر من التمكين، فإذا لم تكن مختارةً [له]، لم يجب عليها حدٌّ (٢). قال: ولو أُكره (٣) بقتل على: قتل رجلٍ أو أخذ مال الآخر، والمال أكثر من الدية أو أقلّ، فلا بأس بأن يأخذ المال ويستهلكه، فإن فعل، فضمان المال على الذي أكرهه إن كان أكثر من الدية أو أقلّ. فإن قتل الرجل المسلم ولم يستهلك المال، [قتل به] (٤) الذي ولي القتل، ولو لم يفعل واحدًا منهما حتى يُقتَل كان عندنا غير آثمٍ، وإنّما جاز له الإقدام على استهلاك المال؛ لأنّ مال الغير يجوز استهلاكه عند الضرورة وإن كره [مالكه] (٥)، بدلالة أنّه لو اضطر إلى طعام غيره وخاف الموت، وسعه أن يأكله بغير رضاه، ويضمنُ له، فلما أُكرِه على ما لا تبيحه الضرورة، وهو القتل،

стр. 4980

أو ما تبيحه الضرورة، وهو استهلاك المال، كان له أن يعدل إلى ما تؤثّر الضرورة فيه. فإن قَتَل اقتُصّ منه؛ لأنّه كان يقدر أن يتخلّص من ضرر الإكراه بإتلاف المال، وذلك مباحٌ، فلما عدل إلى القتل صار مختارًا له (١) من غير ضرورةٍ. وأمّا قوله: إنّه لو صبر ولم يفعل واحدًا منهما لم يكن آثمًا؛ لأنه جوّز له أن يصبر على القتل دفعًا عن ماله؛ فلأن يجوز [له] الصبر على القتل دفعًا عن مال غيره أولى، يبيّن ذلك أنّه يجوز له أن يقاتل عن ماله حتى يُقتَل، وكذلك يجوز له أن يقاتل عن مال غيره حتى يُقتَل، فإذا صبر على القتل ولم يستهلك مال الغير لم يأثم، كما لو دفع عنه حتى قُتِل. وعلى هذا (٢) قالوا: إنّ المضطر إلى طعام غيره إذا امتنع صاحبه من بذله يجوز له أخذه بغير رضاه، فإن صبر حتى مات لم يأثم؛ لأنّه دفع عن مال غيره، فكأنّه قاتل عنه. قال: ولو قيل: [له]: لنقتلنّك أو لتطلقنّ امرأتك، أو لتعتقنّ عبدك، فلم يفعل حتى قُتِل، فلا إثم عليه؛ وذلك لأنّه صبر على القتل لحفظ ماله وملكه، وذلك ليس بمحظورٍ [عليه]، كما لو قاتل دونه (٣).

стр. 4981

بَاب الإكراهِ في الوكالةِ قال محمدٌ: لو أنّ رجلًا (١) لصًّا غالبًا أكره رجلًا بوعيد بقتلٍ أو ضربٍ يَخاف منه تَلَفًا على أن يوكِّل رجلًا بعتق عبده أو بطلاق امرأته، ولم يدخل بها، ففعل، فجميع ما صنع [الوكيل] من ذلك جائزٌ، ولا ضمان على الوكيل، ويرجع الموكِّل على الذي أكرهه بقيمة عبده ونصف الصداق الذي غرم لامرأته (٢). أمّا الوكالة فقد كان القياس: أن لا تصحّ مع الإكراه؛ لأنّ جِدّها وهَزْلها يختلف، فصارت كالبيع، وإنّما استحسنوا فقالوا: إنّ المكرَه على البيع ينعقد بيعه، ويثبت له حقّ الفسخ، كما يثبت لو شرط شرطًا فاسدًا، فكذلك توكيله ينعقد، فكأنّه شرط فيه شرطًا، والوكالة لا تبطلها الشروط، وإذا لم تبطل فقد تصرف الوكيل فينفذ تصرفه. وأمّا الرجوع على المكرِه فقد قالوا: إنّ القياس أن لا يرجع عليه؛ لأنه إنّما أكرهه على الوكالة، وقد يعتِق الوكيل وقد لا يعتق، ولم يكره على العتق، فلم يكن المكره متلفًا، فلا يضمن. وهذا كما قالوا في شاهدين شهدا أنّ فلانًا وكّل بعتق عبده، فأعتقه الوكيل، ثم رجعا: لم يضمنا؛ لأنّهما أثبتا بشهادتهما الوكالة، وقد يعتق الوكيل وقد لا يعتِق.

стр. 4982

وجه الاستحسان: أنّ المكرِه إنّما قصد الإضرار بالمكرَه حين ألزمه التوكيل بالعتق، فإذا أعتق صار المكرِه هو المتلِف (١)، فلزمه الضمان. والفرق بين هذا وبين الشهود: أنّ الشهود شهدوا على أمرٍ ماضٍ، وهو التوكيل، والعتق مستقبلٌ بعد الشهادة، فلم تتضمنه شهادتهم. وأما المكرِه، فإنّما أكره على توكيلٍ مستقبلٍ بالعتق مستعمل، فقد تضمنه الإكراه؛ فلذلك ضمن المكرِه. قال (٢): ولو كان أكرهه بوعيدٍ بحبسٍ أو قيدٍ حتى وكّله (كان ذلك جائزًا) (٣)، ولم يكن على الذي أكرهه ولا على الوكيل ضمانٌ؛ لأنّ الإكراه بالقيد والحبس ليس بإكراهٍ فيما [لا] يختلف جِدُّه وهَزْله، فلم يعتدّ به في العتق والطلاق، فكأنّه وكّل بغير إكراهٍ. قال: ولو أُكره رَبُّ العبد بقتلٍ على أن وكّل (٤) ببيع عبده من هذا الرجل بألف درهمٍ، وأكرهه على دفعه إليه حتى يبيعه، [فباع الوكيل العبد] (٥) وأخذ الثمن، ودفع العبد إلى المشتري، فهلك في يده، والوكيل والمشتري غير مكرَهين، فمولى العبد بالخيار: إن شاء ضمّن المشتري (قيمة عبده، وإن شاء الوكيل، وإن شاء ضمّن الذي أكرهه، فإن ضمّن المشتري) (٦)، لم يرجع على

стр. 4983

أحدٍ بشيءٍ، وإن ضمّن الوكيل، رجع على المشتري بالقيمة، ولم يكن على المكرِه سبيلٌ، وردّ الثمن إن كان قبضه، ولا يكون الثمن له بما ضمن من القيمة؛ لأنّه باعه للمكرَه (١). قال محمدٌ: ولا يشبه هذا الغصب، فإن ضمّن الذي أكرَهه القيمة، كان للذي أكرهه أن يرجع على المشتري بالقيمة، وإن شاء رجع بها على الوكيل، ورجع بها الوكيل على المشتري؛ وذلك لأنّ الإكراه يؤثّر في البيع؛ لأنّه ممّا يختلف جدّه وهَزْله، فالمقبوض بهذا العقد كالمقبوض ببيعٍ فاسدٍ، فإذا هلك ضُمن بالقيمة. وإنّما كان للمولى أن يضمّن المشتري؛ لأنّه تلف (٢) في يده، وقد قبضه بحكم عقدٍ فاسدٍ، وإنّما كان له أن يضمّن الوكيل؛ لأنّه قبض العبد، وسلّمه (بغير إكراهٍ، فهو كالغاصب. وله أن يضمّن المكرِه؛ لأنّه هو الذي ألزمه التسليم، فانتقل فعله إليه، فكأنّه أخذه وسلّمه) (٣). فإن ضمّن المشتري لم يرجع على أحدٍ بشيء؛ لأنّ حاصل الضمان عليه، ألا ترى أنّه قبض العبد بغير إكراهٍ، فهلك في يده. فأما إن ضمن الوكيل رجع على المشتري بالقيمة؛ لأنّه قام مقام المالك بالتضمين، فرجع بما كان يرجع به المالك، ولا يرجع الوكيل على المكرِه؛ لأنّه

стр. 4984

لم يكرهه على القبض ولا على البيع، وإنّما فعل ذلك باختياره، فلا يرجع عليه. ولا يصحّ البيع بتضمين الوكيل؛ لأنّه لم يعقد لنفسه، وإنما عقد للموكِّل، فإذا ضمن القيمة انفسخ ذلك العقد، فليس هذا كالغاصب إذا باع ثم ضمن القيمة جاز بيعه؛ لأنّه عقد لنفسه، فإذا ضمن ملك [ذلك] بالغصب السابق من طريق الحكم، فكأنّه باع ملك نفسه. وأمّا إذا ضمّن المولى المكرِه، كان له أن يرجع بالقيمة على المشتري، فإن شاء رجع على الوكيل، ورجع الوكيل على المشتري؛ لأنّ المولى لمّا ضمنه أقامه مقام نفسه، فكان له أن يُضمِّن أيهما شاء، كما (١) كان للمالك. قال: فإن قال الوكيل للمكرِه: لا أضمن لك شيئًا؛ لأنك أنت (٢) أمرته أن يدفع إليّ، لم [ينفعه] (٣) ذلك شيئًا؛ لأنّه قبض بغير إكراهٍ، وقد كان يقدر على الامتناع، فصار هو المتلِف للملك. قال: فإن قال الوكيل حين ضمّنه القيمة: إنى أجيز بيعه فيما بينه (٤) وبين المشتري، ويكون الثمن لي بمنزلة عبد غصبته فبعته، فإذا ضمنت قيمته كان الثمن لي، قيل له: لا يشبه هذا الغصب؛ وهذا لِمَا بينا أنّ الوكيل إنّما باع لغيره، ولم يبع لنفسه (٥) فوقف العقد على الإجازة بالثمن، فإذا ضمن القيمة لم يجز ذلك البيع، والغصب بخلاف ذلك.

стр. 4985

قال: فإن كان أكرهه في هذا كلّه بوعيد بحبس أو قيدٍ، لم يغرم الذي أكرهه (١) من ذلك شيئًا، وكان له أن يضمّن الوكيل في هذا الوجه، كما كان له أن يضمّنه في الوجه الأوّل؛ وذلك لأنّ الإكراه بالقيد والحبس ليس بإكراهٍ في الأفعال، فلا يكون مكرهًا على التسليم، فلا يلزم المكرِه الضمان، وهو إكراه على العقود فيؤثّر في البيع؛ فلذلك كان للمولى حقّ التضمين للوكيل والمشتري (٢). [والله أعلم].

стр. 4986

بَاب الإكراه الذي يَخْطُرُ على بال المكرَةِ غير ما أُكْرِهَ عليه قال محمدٌ: ولو أنّ رجلًا قال له أهل الحرب - وقد أخذوه أسيرًا -: لتكفرنّ بالله، أو لنقتلنّك، فقال: قد كفرت بالله، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، وله عندنا امرأةٌ، لم تَبِنْ امرأته منه، وقد بيّنا هذا فيما مضى. قال (١): فإن قال: قد كان خطر ببالي أن أقول لهم: قد كفرت بالله، أريد الخبر عن أمرٍ مضى، فقلت ذلك أريد به الخبر عمّا مضى (٢) والكذب، ولم أكن فعلت ذلك فيما مضى، بانت امرأته منه [عندنا] في الحكم، ولم تبن فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأنّه اعترف أنّه فعل (٣) ما لم يكرهوه عليه، ألا ترى أنهم أكرهوه على إظهار [الكفر] (٤)، ولم يكرهوه على الخبر عما مضى، فإذا فعل ما لم يكره (٥) عليه صار كالمبتدئ، ومن أخبر عن كفر سابق بانت [منه] امرأته في الحكم، ولم تَبِن فيما بينه وبين الله ؛ لأنّه لم يعتقد الكفر. ولو قال: قد خطر على بالي أن أقول: قد كفرت بالله، أريد [به] الخبر بالباطل (٦) عمّا مضى، [فقلت: قد كفرت بالله أريد به ما طُلب منّي، ولم أُرد به

стр. 4987

الخبر عمّا مضى]، فإنّ هذا عندنا كافرٌ تبين منه امرأته في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأنّه لما خطر بباله الخبر عمّا مضى (١)، كان يقدر على التخلّص من الضرر بغير إظهار الكفر، فلمّا أظهره وهو غنيٌّ عنه، صار كالمبتدئ بإظهار كلمة الكفر، فتبين امرأته (٢). ولا يقال: إنّه لم يعتقد الكفر، والكفر يكون بالاعتقاد؛ لأنّه لمّا قدر على ترك إظهار الكفر، فأظهرهُ من غير اعتقادٍ، صار كالهازل بالكفر، والهازل بالكفر تبين امرأته، ويُحكَم بكفره. ولو قال: إنّ ذلك لم يخطر على بالي، ولم يحضرني، وكفرت بالله تعالى كفرًا مستقبلًا على غير [إخبارٍ] بما مضى، وقلبي مطمئنٌّ بالإيمان، لم تبن امرأته منه؛ لأنّه لما لم يخطر على باله غير ما أكره عليه، فقد أظهر الكفر بالإكراه، وذلك لا يكفر به، فلم تبن امرأته. وعلى هذا لو قالوا له: [لنقتلنّك أو] (٣) لتصليّن لهذا الصليب، فقام يصلّي، فخطر بباله أن يصلّي لله تعالى وهو مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، فينبغي أن ينوي الصلاة لله تعالى، (فإن قال: نويت ذلك، بانت امرأته في القضاء، ولم تبن فيما بينه وبين الله تعالى) (٤)؛ لأنّه فعل غير ما أكره عليه، وإن صلى للصليب ولم يصلِّ لله تعالى، (وقد خطر ذلك على باله) (٥)، فهو كافرٌ، وتبين منه امرأته في

стр. 4988

القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وإن لم يخطر على باله شيءٌ وصَلَّى للصليب وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، (لم تبن امرأته) (١)؛ لأنّه فعل ذلك بإكراهٍ (٢). وكذلك لو قالوا: [لَنَقْتُلَنَّكَ أو] (٣) لَتَسُبَنَّ محمدًا، فخطر بباله أن يسبّ (٤) رجلًا سُمِّي بهذا الاسم ليس هو رسول الله ﷺ ، ففعل وأخبر بذلك، بانت امرأته في الحكم؛ لأنّه فعل ما لم يُكرَه عليه، ولم تبن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه لم يعتقد الكفر، وإن سبّ محمدًا ﷺ ، وقد خطر بباله غيره، [فترك ما خطر بباله وشَتم محمدًا ﷺ ]، كفر وبانت منه امرأته في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وإن لم يخطر على باله شيءٌ، فسبّ محمدًا، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، لم تبن امرأته؛ لأنَّه فعل ذلك بإكراهٍ (٥).

стр. 4989

بَابْ الرجلِ يُكرَهُ على قتل من يرثُهُ قال أبو الحسن: وإذا أُكره رجلٌ (١) بقتلٍ على قتل أبيه أو أخيه، فقتله المكرَه، لم يكن على المكرَه القاتل قَودٌ ولا ديةٌ، ولا يمنع الميراث للقتل، وللقاتل الوارث أن يقتل الذي أكرهه على القتل في قياس قول أبي حنيفة ومحمدٍ؛ وذلك لأن فعل المكرَه في القتل ينتقل إلى المكرِه، فيصيرُ كالفاعل [له]، فكأنّ المكرِه هو القاتل، فلا يجب على المكرَه قودٌ ولا ديةٌ، ولا يحرم الميراث كمن لم يقتل. ويجب القصاص على المكرِه عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: تحب (٢) عليه الدية (٣). قال: ولو أنّ المكرَه على القتل كان غلامًا لم يبلغ، فأكرهه السلطان على القتل، لم يكن على الغلام شيءٌ، وكان القَود على الذي أكره الغلام على ذلك في قياس قول أبي حنيفة ومحمدٍ. وكذلك لو كان معتوهًا (٤)، إلا أنّه يعقل ما أمر به؛ وذلك لأنّ المكرَه إذا

стр. 4990

صار كالآلة للمكرِه، فكأنّه أخذ بيده وفيها سيف وضربَ بها، فيجب القَود على الضارب دون الذي في يده السيف. وقد استشهد محمد على ذلك فقال: ألا ترى أنّ رجلًا لو أَكره رجلًا [كبيرًا عاقلًا] (١) على قطع يد نفسه، فقطعها، كان للمكرَه أن يقتص من المكرِه وإن كان فعله بنفسه، ولو عري عن الإكراه لم يتعلّق به حكمٌ، فكذلك فعل الصبي والمعتوه وإن كان القود لا يتعلّق به، فإذا انتقل إلى المكرِه تعلّق به القَود. قال: ولو كان الآمر غلامًا لم يحتلم إلا أنّه يعقل، وهو مسلّطٌ يجوز إكراهه ويطاع في ذلك، أو رجل به مِرةٌ (٢) مختلط العقل، وهو مسلطٌ يجوز إكراهه، فأكره رجلًا على قتل رجلٍ بتهدد بقتلٍ أو تلف [عضوٍ] حتى قتله، فلا قَود على القاتل ولا دية، ولا يحرمُ الميراث بقتله إن كان وارثًا، (وإن كان قتلًا بسيفٍ) (٣)، فتكون الدية على عاقلة الذي أكرهه في ثلاث سنين، وهذا على ما بيّنا أنّ فعل المكرَه ينتقل إلى المكرِه، فكأنّ الغلام هو القاتل (٤)، فتجب الدية على عاقلته وإن كان عامدًا، ولا يحرم المأمور الميراث. قال: وإن كان المكرِه وارثًا للمقتول، لم يحرم الميراث؛ لأنّ قتل الصبيّ لا يتعلّق به حرمان الميراث، كما لا يتعلّق بالقتل بالسبب (٥).

стр. 4991

بَابْ الإكراهِ على ما يجبُ به العتقُ أو الطلاق أو ما يجب به الضمانُ قال أبو الحسن: وإذا أكره الرجل بقتلٍ (١) على شراء عَبْدٍ هو ذو رَحِمٍ مَحْرمٍ من المشتري، أو كان المشتري جعلهُ حرًّا إن ملكه فأكره على أن يشتريه بعشرةِ آلاف درهمٍ، وقيمته ألفٌ، ففعل، فهو حرٌّ، ويغرم المشتري قيمته للبائع، ويبطل عنه تسعة آلاف درهمٍ (٢)، ولا يرجع المشتري على الذي أكرهه بقليلٍ ولا بكثيرٍ. وكذلك لو أكرهه على أن يشتري أمةً قد ولدت منه، أو جارية جعلها مُدبَّرة [إن] (٣) ملكها؛ وذلك لأنّ الضمان لا يخلو: [إمّا] أن يلزم المكره بالشراء، أو بالعتق، ولا يجوز أن يُلزمه بالشراء؛ لأنّه أدخل في ملك المكرَه مثلما أخرج منه؛ لأنّه لا يلزمه من الثمن [إلا ألف، وهو] قيمة العبد، والفضل يسقط عنه، ومتى حصل في ملكه مثل ما أُخرج منه، لم يلزمه ضمانٌ (٤). ولا يجوز أن يلزمه الضمان بالعتق؛ لأنّ العتق وقع بسببٍ من جهة المكرَه، لا صنع للمكرِه فيه، فصار كالمبتدئ بعتقه. قال محمدٌ: ألا ترى أنّ رجلًا لو قال: عبده حرٌّ إن دخل هذه الدار، فأُكره بالوعيد بالقتل حتى دخل، عتق عبده ولا يضمن الذي أكرهه شيئًا، وهذا صحيحٌ؛

стр. 4992

لأنّه أكرهه على الدخول وهو غير متقوّمٍ، والعتق وقع بيمينه، فلا يلزم المكرِه ضمانه. قال: وكذلك إن قال: إن تزوّجتُ فلانةً فهي طالقٌ، فأُكره حتى تزوجها بمثل مهر مثلها، فالنكاح جائزٌ، وهو ضامنٌ لنصف المهر للمرأة، ولا ضمان على الذي أكرهه في شيءٍ من هذا؛ وذلك لأنّه أكرهه على التزويج، فقد حصل له مثل ما أخرج من ملكه، والطلاق وقع بيمينه، ولا صنع للمكرِه في ذلك. قال: ولو أنّ رجلًا أُكرِه حتى جعل أمر امرأته (١) - ولم يدخل بها - في يد هذا الرجل الذي (٢) أكرهه بقتلٍ أو تلف، ففعل ذلك، وطلّقها الذي جعل ذلك إليه، أو كان أكرهه على أن جعل عتق عبده في يد هذا الرجل، ففعل ذلك، فطلّقها الذي جعل ذلك إليه، أو أعتق العبد، كان القياس في هذا أن يُعْتَق العبد وتَطْلُقُ المرأة، ولا يغرم الذي أكرهه من ذلك شيئًا، ولكنّي أستحسن أن أُضمّن الذي أكرهه قيمة عبده، ونصف المهر الذي غرم، وقد بيّنا هذه المسألة في باب الإكراه على الوكالة. قال: ولو أنّ رجلًا أُكره على أن يجعل كلّ مملوكٍ يملكه فيما يستقبله حرًا، ففعل ذلك، ثم اشترى مملوكًا، أو وُهب له، أو تُصدِّق به عليه، أو أُوصِي له به، عتق ولم يغرم الذي أكرهه من قيمة المملوك قليلًا ولا كثيرًا؛ وذلك لأنّه لا يملك في هذه الوجوه إلا بقبوله، واختياره وقبوله للعقد مع تقدم اليمين رضًا بالحرّية، فلا يجب على المكرِه شيءٌ. قال: فإن ورث مملوكًا، كان في القياس: أنّه لا يضمن أيضًا الذي أكرهه شيئًا، والاستحسان: أن أضمّن الذي أكرهه قيمة المملوك (٣).

стр. 4993

وجه القياس: أنّه أكرهه على اليمين، ولم يكرهه على العتق، (فقد يرث بعد اليمين) (١)، وقد لا يرث، فلم تكن اليمين مختصّةً بالضمان، فلم يضمن؛ ولهذا قالوا في شاهدين شهدا بنسبٍ ثم مات المشهود عليه، فورثه المشهود له، ثم رجعا: لم يضمنا؛ لأنّهما لم يوجبا الميراث، ألا ترى أنّهما قد يشهدان بالنسب، فيرث، وقد لا يرث. وجه الاستحسان: أنّه لمّا أكرهه في ذلك [على اليمين بالعتق فيما يستقبل، والعبد بالميراث يدخل في ملكه بغير اختياره، صار المكرِه كأنّه أتلف العبد عليه بإكراهه على اليمين، فضمن. قال: ولو أكرهه على ذلك] بحبسٍ أو قيدٍ لم يضمن؛ لأنّ الحبس والقيد ليسا بإكراهٍ فيما [لا] يختلف جِدّه وهَزْله، فلم يعتدّ بهما. قال: لو أنّ رجلًا أكره رجلًا (٢) بقتلٍ أو تلف عضوٍ على أن قال لعبده: إن شئت فأنت حرٌّ، وشاء عبده العتق، عتق وغرم الذي أكرهه قيمة العبد. وكذلك لو أكرهه حتى قال لعبده: إن دخلت هذه الدار فأنت حرٌّ، ودخل العبد؛ وذلك أنّه لمّا أكرهه على اليمينِ - والعتق وقع بغير اختيار المكرَه - صار الإتلاف بسبب من جهة المكرِه، فلزمه الضمان. قال: ولو أُكره على أن علق العتق بفعل نفسه، ففعل المولى ذلك الفعل، فإن كان فعلًا مفروضًا على المولى [فعله]، أو يخاف المولى [من تركه] تلف نفسه، مثل الأكل والشرب، ففعل المولى ذلك، عتق العبد وضمن المكرِه؛

стр. 4994

وذلك لأنّه إذا قال له: قل (١): إن أكلت أو شربت فعبدي حرٌّ، وهو لا يقدر على ترك الأكل والشرب إلا بضررٍ في نفسه يخاف منه التلف، وكذلك إن قال له: قل: إن صليت فعبدي حرٌّ، فقال ذلك وهو لا يقدر على ترك الصلاة لما يخاف من المأثم، فصارَ مكرهًا على فعل الشرط، وفعل المكرَه ينتقل إلى المكرِه، فيصير كأنّه هو الفاعل له، فيلزمه الضمان. ولو أكرهه على أن يقول: إن تقاضيت دَيني الذي على فلان، أو أكلت [طعام] كذا وكذا - لطعامٍ خاصٍّ يجد منه بُدًّا - ثم فعل ذلك الذي حلف عليه، عتق العبد، ولم يغرم المكرِه شيئًا؛ وذلك لأنّه لا يخاف على نفسه بترك تقاضي الدين، وكذلك لا يخاف إذا كان ترك أكل طعام بعينه، وإنّما يلحقه من ذلك ضررٌ، فصار الإكراه به كالإكراه بالقيد والحبس، فلا يؤثّر في حكم العتق. وقد قالوا في المريض [إذا قال] لزوجته: إن تقاضيتِ دينك على فلانٍ، فأنت طالقٌ، فاقتضت دينها: إنّها تطلق وترث؛ وذلك لأنّه يلحقها بترك الاقتضاء ضررٌ، فصار كأنّ الزوج أكرهها بالقيد والحبس، حتى سألته الطلاق، ولو فعل ذلك لم يسقط ميراثها، فكذلك تقاضي الدين. وفي مسألتنا ترك الاقتضاء يُلحق به ضررًا لا يخاف منه تلفًا (٢) على نفسه، فهو كالقيد والحبس، ولو أكرهه على العتق بذلك لم يضمن. وبالله التوفيق (٣) (٤). تم كتاب الإكراه

стр. 4995

[٧٩] كتابُ القِسْمَة قال ﵀: القسمة (١) من الحقوق اللازمة في المال المشترَك إذا التمسها أحد الشركاء (٢). والدليل على جوازها: أنّ النبي ﷺ قسم خيبر بين أصحابه (٣)، ونَصّب عليًّا قاسمًا يقسم للناس (٤) بالأجر، وهو فعل المسلمين من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا. وإنّما وجبت بطلب أحد الشركاء (٥)؛ لأنّ كلّ واحدٍ [منهم] منتفعٌ في حال الإشاعة يملك صاحبه، فإذا التمس القسمة فهو مانعٌ لصاحبه من الانتفاع بملكه، فله حقٌّ في ذلك. والقسمة عندنا على ضربين:

стр. 4996

أحدهما: وضع لتمييز الحقوق، وهو القسمة فيما لا يُختلف فيه (١)، كالمكيلات والموزونات والمعدودات التي لا تتفاوت (٢)، وإذا قُسمت فكأنّ كلّ واحد من الشريكين أخذ ما استحقه في الأصل؛ فلذلك جاز له أن يبيعه مرابحةً. والنوع الثاني: قسمةٌ في معنى المعاوضة، وهي قسمة ما يتفاوت، كالثياب والعقار، فما يأخذه كلّ واحدٍ منهما فبعضه بحقّ ملكه، وبعضه عوضٌ عمّا له في يد الآخر (٣)؛ فلذلك لا يجوز له أن يبيعه مرابحةً (٤).

стр. 4997

بَابْ قسمةِ العقارِ قال أبو الحسن: قال أبو حنيفة: إذا كانت الدار بين رجلين، فاقتسماها مذارعةً، وذَرَعها (١) بينهما قاسمٌ، فإنّ ذلك جائزٌ، وكذلك قسمة قاسم القاضي إذا قسم بين قومٍ وأقرع بينهم، فإنّ أبا حنيفة قال: هو جائزٌ (٢). أمّا جواز القسمة إذا [تراضوا] (٣) بقاسمٍ يقسمُ بينهم ذلك؛ لأنّ القسمة حقٌّ لهم، فإذا تراضوا فيها على شيءٍ جاز، ولأنّها إن كانت في معنى العقود فعقدهم من غير حُكم جائزٌ، وإن كانت في معنى الحكم، فيصح أن يتراضى الخصمان بِحَكَمٍ يحكم بينهما، وكذلك يتراضيان [بقاسم] (٤). وأمّا إذا قسمها قاسم القاضي؛ فلأنّ القسمة مما يُجبِر الحاكم عليها، فإذا تولاها قاسم القاضي فقسمه حكمٌ منه فيجوز ذلك. وقال أبو حنيفة: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنّا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسُّنة. وجه القياس: أنّ القرعة فيها تملّكٌ معلّقٌ بخطرٍ، ألا ترى أنّ ما يخرج لكلّ واحدٍ منهم بالقرعة يملكه، وينقطع عنه حقّ الباقين، والقرعة في إسقاط الحقوق

стр. 4998

وإيجاب الملك لا تصحّ. وجه الاستحسان: أنّ السّلفَ استعملوا القرعة في القسمة من غير نكيرٍ، وقد روي أنّ النبي ﷺ لما قَسَم خيبر جعلها سهامًا، فضرب لكل فريق سهمًا (١). وقد قال أصحابنا: [إنّ] القرعة تُستعمل في كلّ شيءٍ جاز التراضي عليه، ولا تُستعمل فيما لا يجوز التراضي عليه، ومعلومٌ أنّ الحاكم إذا قَسَم جاز للخصمين التراضي بكلّ قسمٍ، وجاز للقاضي أن يقول: هذا القسم لهذا وهذا [القسم] لهذا، وإنّما وُضعت القرعة لتطييب القلوب وإزالة التهمة؛ لئلا يظنّ أحدٌ أنّ القاضي مالَ إلى خصمه؛ ولهذا قال أصحابنا: إنّ [القرعة] (٢) لا تُستعمل في العتق؛ لأنّ التراضي لا يجوز على نقل الحرّية من شخصٍ إلى شخصٍ. وقد قالوا: [إنّ القسمة إذا كانت بالتراضي، فخرجت بعض السهام، جاز لهم الرجوع عن القسمة، إلا أن تكون خرجت السهام إلا سهمًا واحدًا؛ وذلك] أنّ القسمة إذا كانت بتراضيهم، فالعقد لا يتمّ إلا بانفراد كلّ واحدٍ منهم، وما لم يتمّ العقد، جاز الرجوع كالبيع الذي لم يتمّ، وأمّا إذا بقي سهمٌ واحدٌ، فقد تعيّن مستحقّه، وتمّت القسمة، فصار كخروج جميع السهام، وأما إذا كانت القسمة بالحكم، فإن الرجوع لا يؤثّر فيها وإن لم تخرج السهام؛ لأنّهم إذا امتنعوا أجبرهم القاضي، فلا معنى لامتناعهم. قال: وإذا كانت الدار (٣) بين ورثةٍ، فاقتسموها، وفضّلوا بعضًا على بعض

стр. 4999

لفضل قيمة البناء والموضع، فهو جائزٌ؛ لأنّ القسمة لتعديل الحقوق، (وقد يكون بعض مواضع الدار خيرًا من بعض) (١)، وقد يكون بعض بنائها خيرًا من بعض، فلا يقع التعديل والقسمة " (٢) إلا بالتفضيل، فجاز ذلك. قال: وإن كان البناء حين اقتسموا الأرض غير معروف القيمة، فلا يجوز هذا في القياس، ولكنّا استحسنا فيه وأجزناه. وجه القياس: أنّ القسمة في الأرض والبناء قسمةٌ واحدةٌ، بدلالة أنّه لا يجوز أن يفرد أحدهما بالقسمة عن الآخر، فلم يجز أن يقسم العَرْصة (٣) مع جهالة البناء، كما لا يجوز أن يميّز بعض العَرْصَة [مع جهالةٍ بقيمتها. وجه الاستحسان: أنّ الذّرع إذا وقع في العَرْصَة] ومُيّزت، فالعقد موقوفٌ على تمام القسمة بتقويم البناء وتعديله، فإذا تمّ العقد تمّ مع زوال الجهالة؛ فلذلك جاز، ولأنّ العَرْصَة والبناء [قد جُعِلا] كالشيئين المختلفين، بدلالة أنّ أحدهما يُقسم على الذرع، والآخر بالقيمة، [فلم] يمنع جهالة أحدهما من صحّة الآخر. قال أبو حنيفة ﵀: إن كانت الدار بين ورثةٍ كبارٍ، وأقروا أنّها ميراثٌ بينهم، فأرادوا [من] القاضي أن يأمر بقسمتها [بينهم]، فإنّ القاضي لا يأمر بذلك إلا أن تقوم بيّنةُ على أصل الميراث (٤). قال: وجملة هذا: أنّ العقار إذا كان في يد جماعةٍ ادّعوا أنّه ميراثٌ بينهم

стр. 5000

عن فلانٍ، فإن القاضي لا يقسمه بينهم [حتى يقيموا البيّنة على الوفاة وعدد الورثة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقسم بينهم] باعترافهم، ويُشهد أنّه قسمها بإقرارهم، ولو كان في أيديهم عروضٌ أو شيءٌ ممّا يُنقل ويُحوّل، [تجوز] قسمته بإقرارهم استحسانًا (١). فأمّا إن كان العقار في يد جماعةٍ يدعون أنّه ملكٌ لهم، ولا يدعون انتقال الملك فيه من غيرهم، فإنّه يقسم باعترافهم في قولهم (٢) جميعًا. وإن ادّعوا أنّهم اشتروا ذلك من فلانٍ الغائب، فيه روايتان: رواية الأصل (٣): أنّ القاضي يقسم بينهم باعترافهم في قولهم، وروي عن أبي حنيفة: أن القاضي لا يقسم حتى يثبت انتقال الملك من الغائب. أمّا الميراث: فوجه قول أبي حنيفة: أنّ التركة باقيةٌ على حكم ملك الميت، ولهذا يردّ [الوارث] (٤) على بائع الميت بالعيب، وتنفذ منه وصاياه، وتقضى ديونه، فإذا قسم القاضي نقل الشيء من حكم ملك الميت إلى [ملك] الورثة من غير أن يكون في ذلك حظٌّ للميت، وذلك لا يجوز؛ ولأنّ القاضي يلي على الميت في حقوقه؛ فلهذا ينصّبُ له وصيًّا ليستوفي ديونه، ويقضي ديونه (٥)، وإذا ادّعوا انتقال الملك إليهم فيما للقاضي فيه ولايةٌ، لم يجز أن يعمل على دعواهم

стр. 5001

إلا ببيّنةٍ، كما لو حضر خصم ينازعهم في ذلك، وهذا هو القياس في العروض، وإنّما استحسنوا؛ لأنّ في قسمتها حظًّا للميت، ألا ترى أنّها تحتاج إلى الحفظ، فإذا قُسمت حفظ كلّ واحدٍ منهم ما حصل في يده، والعقار محفوظٌ بنفسه لا يحتاج إلى الحفظ؛ ولأنّ العروض إذا قسمها صار ما يأخذه كلّ واحدٍ [منهم] مضمونًا عليه بالقبض، وذلك أنفع للميت، وأما العقار، فلا يضمن عنده بالقبض، فلم يكن في قسمته منفعةٌ؛ فلذلك لم يقسم (١). وجه قولهما: أنّ كلّ من في يده شيءٌ فالظاهر أنّه مِلْكه، فإذا كان الظاهر أنّه على مِلْكهم جازت القسمة بقولهم. وأما إذا ادعوا الشراء من غائبٍ، فوجه الرواية الظاهرة أنّ المبيع إذا كان في يد المشتري فقد انقطع حقّ البائع عنه، ولم يبق له فيه حكم ملكٍ، ولهذا لا يردّ المشتري المبيع على بائع بائعه بالعيب، فإذا لم يبق للبائع حقٌّ فيه، قُسم بقولهم. وجه الرواية الأخرى: أنّهم اعترفوا بالملك للبائع، وادّعوا انتقاله إليهم، فلا يقبل إلا ببيّنةٍ، كما لو ادّعوا الميراث، وإنّما قالا ذلك؛ لأنَّه يكتب (٢) في كتاب القسمة أنّ القاضي قسمها باعترافهم، حتى لا يكون ذلك قضاءً على مالكٍ لها أو شريكٍ لهم. قال: وإذا كان في الورثة كبيرٌ غائبٌ أو صغيرٌ، والدار في يد الكبار الحضور، فأقرّوا بأنّها ميراثٌ بينهم، وأرادوا القاضي على قسمتها بينهم، فإنّ أبا حنيفة قال: لا أقسمها (٣).

стр. 5002

وقال أبو يوسف ومحمدٌ: أقسم بينهم وأعزل حقّ الغائب و [حقّ] الصغير، وأُشهدُ الشهودَ على أنّي قسمتها [بينهم] بإقرارهم، وأجعل الغائب والصغير على حجّته. أمّا أبو حنيفة: فمن أصله أنّهم لو حضروا جميعًا، وطلبوا القسمة لم تقسم إلا بعد إقامة البيّنة، فمع غيبة بعضهم أولى. وأمّا هما فقالا: إنّ الظاهر أنّ الدار على ملكهم، فإذا أقرّوا بسهم للغائب فالقول قولهم فيه، فيقسمها باعترافهم، ويُشهد [الشهود] أنّه قسمها بقولهم، حتى لا يكون في ذلك تمليكٌ لنصيب غيرهم. فقال أبو يوسف: إذا كانت الدار في يد الغائب، أو في يد الصغير، أو في أيديهما منها شيءٌ [لم أقسمها حتى تقوم البيّنة على الميراث، وهو قول محمدٍ، وكذلك لو كان في يد الغائب منها شيءٌ] استودعه رجلًا وغاب، لم أقسم ذلك حتى يحضر؛ وذلك لأنّ القسمة فيه استحقاقٌ ليد الغائب والصغير، وذلك لا يجوز إلا ببيّنةٍ، ولأنّا إنّما نقبل إقرارهم؛ لأنّ الشيء في أيديهم، وإذا كانت اليد لغيرهم لم يكن بدٌّ من الرجوع إلى قول الغائب، كما يجب الرجوع إلى قولهم. قال أبو الحسن: وإذا قامت البيّنة على المواريث والحاضر اثنان أو أكثر، والغائب واحدٌ أو أكثر، فإنّ أبا حنيفة [قال]: آمر القاضي بقسمتها وبعزل نصيب كلّ صغيرٍ وغائبٍ، ويوكّل وكيلًا بحفظه (١)؛ وذلك لأنّ كلّ واحدٍ من الورثة قائمٌ مقام الميت وخصمٌ عنه، فإذا حضر اثنان وطالب أحدهما الآخر بالقسمة، قام الطالب مقام الميت، (فجاز أن يقضى عليه كما يقضى على أحد الورثة بدين

стр. 5003

المدّعِي على الميت؛ لأنّ القاضي قام مقام الميت) (١) وخصمٌ عنه، فإذا تنازع اثنان من ورثته، قام القاضي مقام الغائب [منهم] والصغير بولايته على الميت، فجاز أن ينصب عنه خصمًا ويقضي بالقسمة. وأمّا إذا كانت الدعوى [للملك] (٢) من غير المواريث، فتنازع شريكان في القسمة، ولهم شريكٌ غائب، فإنّ القاضي لا يقسمها في قولهم؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم ليس بخصمٍ عن الآخر، والقاضي لا ولاية له على الغائب، فلم يجز القضاء [عليه] من غير أن يحضر مَنْ يقوم مقامه. وأمّا إذا حضر [وارثٌ] واحدٌ وغاب الباقون، وطلب القسمة، فإنّ القاضي لا يقسم؛ لأنّ القسمة (٣) لا تصحّ إلا بين متقاسمين، فمتى حضر اثنان فالعقد يصحّ بينهما، وحقّ الغائب على طريق التبع، وإذا حضر واحدٌ وليس هناك خصمٌ [له]، فلم يصحّ الحكم به وحده؛ لأنّ المتنازعين يقوم المدّعي مقام نفسه، والآخر مقام الميت، فإذا حضر واحدٌ لم يجز أن يكون هو المدّعِي والمدَّعَى عليه؛ ولذلك لا يقسمها القاضي (٤). فإن كان الوارث الحاضر كبيرًا، وهناك وارثٌ صغير، نصب القاضي للصغير وكيلًا وقسم؛ لأنّ القاضي يلي على الصغير في حقوقه، فيلزمه أن ينصب من يدّعي له ويجيب عمّا يُدّعَى عليه، ولو أقام الوكيل مقام الصغير، فكأنّ الورثة كبارٌ حضورٌ.

стр. 5004

قال: ولو أنّ بيتًا في دارٍ بين رجلين (١)، أراد أحدهما قسمته، وأبى الآخر، فارتفعا إلى القاضي، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك: إن كان ينتفع كلّ واحدٍ منهما بنصيبه إذا قسم ويصلح لشيءٍ، فإن القاضي ينبغي أن يقسمه بينهما. قال (٢): وجملة هذا: أنّ المتخاصمين في القسمة إذا كان كلّ واحدٍ منهما ينتفع بنصيبه، قسم القاضي [بينهما]؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهما حقًا في القسمة ومنفعته، فإذا طلب ذلك أحدهما أُجبِر الآخر عليه. وأمّا إن كان أحدهما ينتفع بنصيبه، والآخر يستضرّ به لقلّته، فإن طلب القسمة الذي ينتفع بها، قسم بينهما وإن استضرّ الآخر، (وإن طلبها الذي يستضرّ) (٣)، لم يقسم. وقال ابن أبي ليلى: لا يقسم في الوجهين. أمّا إذا كان الطالب ينتفع بنصيبه وله حقٌّ في القسمة، [فهو مطالبٌ] (٤) بما له فيه حقٌّ فصحّت مطالبته، ولا يعتدّ باستضرار الآخر؛ لأنّه يريد أن ينتفع يملك شريكه، وللإنسان [أن] يمنع غيره من الانتفاع بملكه. وأمّا ابن أبي ليلى فيقول: إنّ القسمة إذا أضرّت بأحدهما لم يجز للقاضي أن يتولاها، كما لو أضرّت بهما. وهذا ليس صحيحًا؛ لأنّ صاحب النصيب القليل قد التزم هذا الضرر

стр. 5005

ورضي به حين ملك شيئًا يسيرًا، والضرر الذي التزمه يجوز أن يقضى به عليهم. فأمّا إذا طلب القسمة الذي يستضرّ، فلا حق له في هذه (١) المطالبة، ومن لا حقّ له في الشيء لا تصحّ دعواه فيه، فلا يُقضى له به. وأمّا إذا كان كلّ واحدٍ منهما يستضرّ، فإنّ القاضي لا يقسمها إلا إذا اتفقا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما لا حقّ له في المطالبة بما يستضرّ به، فلم تصحّ مطالبته، ولا يجوز القضاء له، فإن تراضيا بذلك قسمناه؛ [لأنّه] وإن استضرّ كلّ واحدٍ منهما، فقد يجوز أن يكون له فيه نفعٌ من وجهٍ، وإنّما لم يقسم لحقّه، فإذا رضي جاز. قال أبو حنيفة: لا يقسم القاضي الحائط بين رجلين، ولا يقسم الحمّام؛ وذلك لأنّ في قسمة كلّ واحدٍ منهما ضررًا (٢)، ألا ترى أنّه لا يُنتفع ببعضه دون بعضٍ، وقد بينا أن القسمة إذا استضرّ بها (٣) الشريكان لم يفعلها القاضي بطلب أحدهما. وقال أبو حنيفة: القسمة جائزةٌ على الرجال والنساء وأهل الذِّمَّةِ؛ وذلك لأنّها من حقوق الملك، والرجل والمرأة، والمسلم والذميّ، في الملك سواءٌ، فكذلك في حقوق الملك. قال: وكذلك حرٌّ وعبدٌ تاجرٌ ومُكَاتَبٌ، فالقسمة عليهم جائزةٌ؛ لأنّ القسمة من أحكام الملك، والعبد التاجر في أحكام الملك كالحرّ. قال أبو حنيفة: وإذا كانت الدار شراءً بين قومٍ وأحدهم غائبٌ، وأقاموا بينّةً

стр. 5006

على ذلك، فإنّي لا أقسمها، وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ؛ وذلك لأنّ القاضي لا ولاية له على الغائب، فلم يجز أن يحكم عليه مع غيبته، وليس كذلك الميراث لما قدّمناه. وقال أبو يوسف: إذا كانت الدار ميراثًا، وفيها وصيةٌ بالثلث، وبعض الورثة غائبٌ، وبعضهم شاهدٌ، فأراد الموصى له بالثلث أن يقسمها، فأقام البيّنة على المواريث والثلث، فإنّ الدار تقسم على ذلك؛ [وذلك] لأنّ الموصى له شريك الوارث، ولو حضر الوارثان قسمت الدار وإن كان هناك وارثٌ [واحدٌ] غائبٌ، فكذلك إذا حضر وارثٌ وموصىً له. وقال أبو حنيفة: إذا كانت الدار بين ورثةٍ، قسمت كلّ دارٍ على حدةٍ، ولم أجمع نصيب أحدهم في دارٍ واحدةٍ إلا أن يتراضوا على ذلك، وكذلك الداران المتلاصقان، فأمّا المنزلان في دارٍ واحدةٍ إذا كانا متلاصقين، فإنّي أقسمهما جملةً واحدةً. وقالا (١): ينظر القاضي في ذلك، فإن كانت إذا جُمعَت أنصباء كلّ واحدٍ [منهم] في دارٍ كان أعدل للقسمة، جُمِع ذلك. قال محمدٌ: لو كانت إحدى الدارين بالرَّقَّة، والأخرى بالبصرة، قسمت أحدهما في الأخرى (٢). لأبي حنيفة: أنّ اختلاف [الدور قد أُجري مجرى اختلاف الأجناس؛ لأنّ

стр. 5007

الأغراض تختلف فيها باختلاف البلدان] والفلوات (١) والمحالّ في كلّ بلدٍ، ومواضع الدار في كلّ محلّةٍ، ولهذا لو تزوّج على دارٍ لم تصحّ [التسمية] (٢)، كما لو تزوجها على ثوبٍ، وإذا جرت مجرى الأجناس، لم يجز أن يقسم بعضها في بعضٍ إلا بالتراضي، وأمّا المنزلان المتلاصقان وهما في دارٍ واحدةٍ، فحكمهما حكم الشيء الواحد، فإن افترق المنزلان في دارٍ، قسم كلّ واحدٍ على حدته كما يقسم الداران. فأمّا هما فقالا: بأنّ (٣) القاضي غرضه في القسمة إيفاء كلّ واحدٍ حقّه، واستعمال العدل في القسمة، وإذا كان جمعُ النصيب في دار أنفع [لمن يأخذها] (٤) من التفريق، فعل ما هو الأحوط. قال: ولو اختلفا في قيمة البناء، فقال بعضهم: اجعل قيمة البناء بذرع من الأرض، وقال بعضهم: اجعلها على الدراهم، فإن القاضي يجعلها على الذرع. قال (٥): وجملة هذا أنّ القاضِي لا ينبغي أن يقسم (٦) ويدخل في القسمة الدراهم، فإن فعل ذلك، جاز.

стр. 5008

وقال مالكٌ: إن كانت يسيرةً جاز، وإن كانت كثيرةً لم يجز وأفسدت القسمة. والوجه في ذلك: أنّ القسمة من حقوق الملك المشترك، والشركة بينهم في الدار، ولو أدخلنا الدراهم لقسمنا ما ليس بمشترك، وهذا لا يصحّ؛ ولأنّ الذي يُعطى الدراهم يتعجل استيفاء زيادة النصيب في الدار، ويجعل الدراهم في ذمته، ويجوز أن يسلّم لحصتِهِ (١)، ويجوز أن لا يسلّم، فلم يجز للقاضي أن يعجّل نصيب أحدهم ويؤخّر نصيب الآخر. فأمّا إذا فعل ذلك جاز؛ لأنَّه قد لا يمكن القسمة إلا بالتعديل بالدراهم، ألا تري أنّ قيمة البناء في أحد الحيزين يكثر، فلو عدّلناه بالعَرْصة (٢) لم يبق لصاحب البناء في العَرْصة ما ينتفع به، فيبدل (٣) ذلك بالدراهم حتى ينتفع كلّ واحدٍ منهم بقطعةٍ من العَرْصة، إلا أنّ الأولى أن لا يفعل ذلك ما أمكن؛ لأن الدراهم في مقابلة البناء بيع، والقاضي يجبر على القسمة، ولا يجبر على البيع. قال: فإن اختلفوا في رفع الطريق، فقال بعضهم: ارفع طريقًا بيننا، وقال بعضهم: لا ترفع، فإن الحاكم ينظر في ذلك: فإن كان يستقيم لكلّ واحدٍ منهم طريقٌ مستقيمٌ يقيمه (٤) في نصيبه، فإنّه يقسم بينهم لغير طريقٍ يرفع لجماعتهم، وإن كان لا يستقيم ذلك رفع الطريق بين جماعتهم؛ لأنّه إذا كان كلّ واحدٍ يمكن أن ينفرد بطريق، فالمانع من رفع الطريق يطلب قسمة [كل المال] (٥)، والآخر

стр. 5009

يطلبُ قسمة بعض الملك دون بعضٍ، فالواجب أن يقسم كلّ ملكٍ مشتركٍ إذا أمكن قسمته من غير ضررٍ، فأما إذا لم يكن، فالواجب رفع الطريق بينهما على الشركة؛ لأنّا لو لم نرفعه لم ينتفع كلّ واحدٍ بنصيبه، فالقسمة لا تقع على وجه الضرر بالمتقاسمين. قال: ولو اختلفوا (١) في سَعةِ الطريق وفي ضيقه (٢)، جُعِل على عرض باب الدار وطوله على أدنى ما يكفيهم؛ وذلك لأنّ الطريق يُحتَاج إليه ليُسلَك منه إلى الباب (٣)، فمقدار الباب يُحتَاج إليه، وما زاد عليه لا تدعو الحاجة إليه، فلا وجه لتركه. قال: وإذا وقع حائط بين قسمين، وذلك الحائط لأحد القسمين، وعليه جذوعٌ للآخر، فوقعت القسمة على أن يكون هكذا، أو لم يذكروا في القسمة شيئًا، فإنّه يُترَك على حاله، إلا أن يشترط [قلع الجذوع عنه] (٤). وكذلك لو كان [أَزَجٌ (٥)] (٦) وقع على حائط على هذه الصفة، أو درجةٌ، وكذلك الأسطوانة وقع عليها جذعٌ، وكذلك روشَنٌ وقع لصاحب العلو مشرفًا على نصيب الآخر، فأراد صاحب السِّفل أن يقطع (٧) الروشَن، فليس له ذلك،

стр. 5010

إلا أن يشترط قطع ذلك، ألا ترى أنّ أحدهما لو [أصابه] (١) بيت علو وأصاب الآخر سفله، لم يكن لصاحب السفل أن يهدم العلو؛ وذلك لأنّ القاسم لمّا قسم بينهما وجعل الحائط لأحدهما والحيّز الآخر لخصمه، فقد حصل له بالقسمة الروشن والسقف الموضوع على هذا الحائط، فلو جوّزنا لصاحب الحائط إزالة ما عليه، لم يسلم للمقاسم ما سُلّم إليه بالقسمة؛ فلذلك وجب تبقيته على ما هو عليه، وإن لم يشترط. وأمّا إذا شرط قطعه (٢)، فلم يجعل لمن هو في نصيبه حقّ الاستقرار على الحائط، فلم يجز تركه. وقد قالوا في المتقاسمين: إذا كان لأحدهما أطراف خشب على حائطٍ طاعنة في قسمة شريكه، فإن كانت ممّا يمكن أن يُجعل عليها سقفٌ لا يُكلّف قطعها؛ لأنّ هذا لم يشترط قطعه، وهو مما ينتفع به، فصار كالعلوّ والروشَن. وإن كانت الأطراف لا يمكن التسقيف عليها، فإنّ صاحبها يكلف قطعها؛ لأنّه إذا لم ينتفع بتبقيتها، لم يجز أن يكون ذلك من حقوق القسمة المستقرة، فصار صاحبها شاغلًا بها نصيب صاحبه لما له بغير حق، [فيؤمر بإزالتها] (٣). وذكر ابن رستم في نوادره في المتقاسمين: إذا مُيّز نصيب أحدهما وفيه شجرةٌ أغصانها مطلّةٌ على قسمة الآخر، فإنّ الأغصان تقطع؛ لأنّه لما لم يمكن أن يستقرّ هذا الحق حتى يصير شرطًا في القسمة، صار كالأطراف التي لا سقف (٤) عليها
следующие страницы →