← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

على ذلك، فإنّي لا أقسمها، وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ؛ وذلك لأنّ القاضي لا ولاية له على الغائب، فلم يجز أن يحكم عليه مع غيبته، وليس كذلك الميراث لما قدّمناه. وقال أبو يوسف: إذا كانت الدار ميراثًا، وفيها وصيةٌ بالثلث، وبعض الورثة غائبٌ، وبعضهم شاهدٌ، فأراد الموصى له بالثلث أن يقسمها، فأقام البيّنة على المواريث والثلث، فإنّ الدار تقسم على ذلك؛ [وذلك] لأنّ الموصى له شريك الوارث، ولو حضر الوارثان قسمت الدار وإن كان هناك وارثٌ [واحدٌ] غائبٌ، فكذلك إذا حضر وارثٌ وموصىً له. وقال أبو حنيفة: إذا كانت الدار بين ورثةٍ، قسمت كلّ دارٍ على حدةٍ، ولم أجمع نصيب أحدهم في دارٍ واحدةٍ إلا أن يتراضوا على ذلك، وكذلك الداران المتلاصقان، فأمّا المنزلان في دارٍ واحدةٍ إذا كانا متلاصقين، فإنّي أقسمهما جملةً واحدةً. وقالا (١): ينظر القاضي في ذلك، فإن كانت إذا جُمعَت أنصباء كلّ واحدٍ [منهم] في دارٍ كان أعدل للقسمة، جُمِع ذلك. قال محمدٌ: لو كانت إحدى الدارين بالرَّقَّة، والأخرى بالبصرة، قسمت أحدهما في الأخرى (٢). لأبي حنيفة: أنّ اختلاف [الدور قد أُجري مجرى اختلاف الأجناس؛ لأنّ

стр. 5007

الأغراض تختلف فيها باختلاف البلدان] والفلوات (١) والمحالّ في كلّ بلدٍ، ومواضع الدار في كلّ محلّةٍ، ولهذا لو تزوّج على دارٍ لم تصحّ [التسمية] (٢)، كما لو تزوجها على ثوبٍ، وإذا جرت مجرى الأجناس، لم يجز أن يقسم بعضها في بعضٍ إلا بالتراضي، وأمّا المنزلان المتلاصقان وهما في دارٍ واحدةٍ، فحكمهما حكم الشيء الواحد، فإن افترق المنزلان في دارٍ، قسم كلّ واحدٍ على حدته كما يقسم الداران. فأمّا هما فقالا: بأنّ (٣) القاضي غرضه في القسمة إيفاء كلّ واحدٍ حقّه، واستعمال العدل في القسمة، وإذا كان جمعُ النصيب في دار أنفع [لمن يأخذها] (٤) من التفريق، فعل ما هو الأحوط. قال: ولو اختلفا في قيمة البناء، فقال بعضهم: اجعل قيمة البناء بذرع من الأرض، وقال بعضهم: اجعلها على الدراهم، فإن القاضي يجعلها على الذرع. قال (٥): وجملة هذا أنّ القاضِي لا ينبغي أن يقسم (٦) ويدخل في القسمة الدراهم، فإن فعل ذلك، جاز.

стр. 5008

وقال مالكٌ: إن كانت يسيرةً جاز، وإن كانت كثيرةً لم يجز وأفسدت القسمة. والوجه في ذلك: أنّ القسمة من حقوق الملك المشترك، والشركة بينهم في الدار، ولو أدخلنا الدراهم لقسمنا ما ليس بمشترك، وهذا لا يصحّ؛ ولأنّ الذي يُعطى الدراهم يتعجل استيفاء زيادة النصيب في الدار، ويجعل الدراهم في ذمته، ويجوز أن يسلّم لحصتِهِ (١)، ويجوز أن لا يسلّم، فلم يجز للقاضي أن يعجّل نصيب أحدهم ويؤخّر نصيب الآخر. فأمّا إذا فعل ذلك جاز؛ لأنَّه قد لا يمكن القسمة إلا بالتعديل بالدراهم، ألا تري أنّ قيمة البناء في أحد الحيزين يكثر، فلو عدّلناه بالعَرْصة (٢) لم يبق لصاحب البناء في العَرْصة ما ينتفع به، فيبدل (٣) ذلك بالدراهم حتى ينتفع كلّ واحدٍ منهم بقطعةٍ من العَرْصة، إلا أنّ الأولى أن لا يفعل ذلك ما أمكن؛ لأن الدراهم في مقابلة البناء بيع، والقاضي يجبر على القسمة، ولا يجبر على البيع. قال: فإن اختلفوا في رفع الطريق، فقال بعضهم: ارفع طريقًا بيننا، وقال بعضهم: لا ترفع، فإن الحاكم ينظر في ذلك: فإن كان يستقيم لكلّ واحدٍ منهم طريقٌ مستقيمٌ يقيمه (٤) في نصيبه، فإنّه يقسم بينهم لغير طريقٍ يرفع لجماعتهم، وإن كان لا يستقيم ذلك رفع الطريق بين جماعتهم؛ لأنّه إذا كان كلّ واحدٍ يمكن أن ينفرد بطريق، فالمانع من رفع الطريق يطلب قسمة [كل المال] (٥)، والآخر

стр. 5009

يطلبُ قسمة بعض الملك دون بعضٍ، فالواجب أن يقسم كلّ ملكٍ مشتركٍ إذا أمكن قسمته من غير ضررٍ، فأما إذا لم يكن، فالواجب رفع الطريق بينهما على الشركة؛ لأنّا لو لم نرفعه لم ينتفع كلّ واحدٍ بنصيبه، فالقسمة لا تقع على وجه الضرر بالمتقاسمين. قال: ولو اختلفوا (١) في سَعةِ الطريق وفي ضيقه (٢)، جُعِل على عرض باب الدار وطوله على أدنى ما يكفيهم؛ وذلك لأنّ الطريق يُحتَاج إليه ليُسلَك منه إلى الباب (٣)، فمقدار الباب يُحتَاج إليه، وما زاد عليه لا تدعو الحاجة إليه، فلا وجه لتركه. قال: وإذا وقع حائط بين قسمين، وذلك الحائط لأحد القسمين، وعليه جذوعٌ للآخر، فوقعت القسمة على أن يكون هكذا، أو لم يذكروا في القسمة شيئًا، فإنّه يُترَك على حاله، إلا أن يشترط [قلع الجذوع عنه] (٤). وكذلك لو كان [أَزَجٌ (٥)] (٦) وقع على حائط على هذه الصفة، أو درجةٌ، وكذلك الأسطوانة وقع عليها جذعٌ، وكذلك روشَنٌ وقع لصاحب العلو مشرفًا على نصيب الآخر، فأراد صاحب السِّفل أن يقطع (٧) الروشَن، فليس له ذلك،

стр. 5010

إلا أن يشترط قطع ذلك، ألا ترى أنّ أحدهما لو [أصابه] (١) بيت علو وأصاب الآخر سفله، لم يكن لصاحب السفل أن يهدم العلو؛ وذلك لأنّ القاسم لمّا قسم بينهما وجعل الحائط لأحدهما والحيّز الآخر لخصمه، فقد حصل له بالقسمة الروشن والسقف الموضوع على هذا الحائط، فلو جوّزنا لصاحب الحائط إزالة ما عليه، لم يسلم للمقاسم ما سُلّم إليه بالقسمة؛ فلذلك وجب تبقيته على ما هو عليه، وإن لم يشترط. وأمّا إذا شرط قطعه (٢)، فلم يجعل لمن هو في نصيبه حقّ الاستقرار على الحائط، فلم يجز تركه. وقد قالوا في المتقاسمين: إذا كان لأحدهما أطراف خشب على حائطٍ طاعنة في قسمة شريكه، فإن كانت ممّا يمكن أن يُجعل عليها سقفٌ لا يُكلّف قطعها؛ لأنّ هذا لم يشترط قطعه، وهو مما ينتفع به، فصار كالعلوّ والروشَن. وإن كانت الأطراف لا يمكن التسقيف عليها، فإنّ صاحبها يكلف قطعها؛ لأنّه إذا لم ينتفع بتبقيتها، لم يجز أن يكون ذلك من حقوق القسمة المستقرة، فصار صاحبها شاغلًا بها نصيب صاحبه لما له بغير حق، [فيؤمر بإزالتها] (٣). وذكر ابن رستم في نوادره في المتقاسمين: إذا مُيّز نصيب أحدهما وفيه شجرةٌ أغصانها مطلّةٌ على قسمة الآخر، فإنّ الأغصان تقطع؛ لأنّه لما لم يمكن أن يستقرّ هذا الحق حتى يصير شرطًا في القسمة، صار كالأطراف التي لا سقف (٤) عليها

стр. 5011

فيقطع. وذكر ابن سماعة في نوادره: أنّها لا تقطع؛ لأنّ في ذلك ضررًا على الشجرة، وقد استحقّ صاحب الشجرة هذه الشجرة على وجهٍ لا يستضرّ به، فصار بقاء أغصانها حقًّا على شريكه، كأطراف الجذوع التي يمكن التسقيف عليها. قال: وإذا أصاب رجلًا مقصورة (١) في دارٍ، وأصاب الآخر منزل آخَر، طريقُ هذا المنزل في هذه المقصورة، [ولم يذكروا ذلك عند القسمة، فلا طريق له في المقصورة]. قال: وجملة هذا: أنّ القسمين إذا كان طريق أحدهما في الآخر، أو مسيل ماء أحدهما في الآخر أو على عُلُوِّه، فاقتسموا ولم يبيّنوا ذلك، ولم يذكروا الحقوق، فإنّه ينظر: فإن كان يقدر كلّ واحدٍ من المتقاسمين أن يفتح لنفسه طريقًا ويُسيل ماءه في مِلْكِه من غير أن يستطرق في نصيب الآخر ولا يسيل فيه الماء، فإنه يقطع طريقه ومسيله من نصيب شريكه، فالقسمة جائزةٌ؛ لأنّها موضوعةٌ لتمييز حقّ أحد الشريكين من حقّ الآخر، [وقد أمكن ذلك ولم يشترط لأحدهما حقٌّ في نصيب الآخر]، فوجب أن يصرف طريقه ومسيله عنه. وإن كان لا يمكنه أن يُسيل ماءه إلا على نصيب شريكه، ولا طريق له إلا ملك شريكه، فهو على وجهين: إن شرط القاسم في القسمة أنّ ما أصاب كلّ واحدٍ [منهما] فهو له بحقوقه، فإنّه يترك الطريق والمسيل في حقّ الآخر على حاله؛ لأنّه لا يمكن صرفه إلا

стр. 5012

بضررٍ؛ ولأنّه يبقى بلا طريق ولا مسيل، فصار الاستطراق في نصيب الشريك حقًا له، وقد شرط له في القسمة الحقوق، فوجب أن يترك حقه في الاستطراق على ما كان عليه. وإن كان القاسم لم يشرط في القسمة الحقوق، فالقسمة باطلةٌ، ويستأنفها القاسم على وجهٍ يمكّن كلّ واحدٍ منهما أن يجعل لنفسه (١) طريقه أو مسيله؛ لأنّه لمّا لم يشرط الحقوق، لم يجز أن يُترك له حق الاستطراق في نصيب شريكه، فبقيت القسمة لا ينتفع [كلّ واحدٍ منهما] (٢) بنصيبه، وهذا غلطٌ من القاسم، فوجب أن يفسخ قسمته ويستأنفها على وجه ينتفع به كلّ واحدٍ من الشريكين (٣) بنصيبه. قال: وإذا وقع للرجل في القسمة ساحةٌ لا بناء [فيها]، ووقع للآخر بناءٌ، فأراد صاحب الساحة أن يبني ساحته ويرفع بناءه، فقال صاحب البناء: تسدّ عليّ الريح والشمس، فلا أدعك ترفع بناءك، فلصاحب الساحة أن يرفع بناءه ما بدا له، وليس للآخر أن يمنعه؛ لأنّه حقّه يَصنعُ فيه ما بدا له، وهذا قولهم. ولو أراد أن يصنع في الساحة مَخْرَجًا أو تَنُّورًا (٤)، أو أراد أن يبني حمّامًا ومنعه صاحبُ البناء، فليس له منعه من ذلك. وكذلك لو جعل فيها رحًا (٥)، أو قصّارًا (٦)، أو صانعًا، ولو كفّ عن شيءٍ

стр. 5013

يؤذي جاره كان أحسن له، ولكن لا يُجبر على ذلك؛ لأنّ صاحب الساحة يتصرّف في ملكه، وله ذلك وإن أذى (١) غيره، ألا ترى أنّ الدكاكين الشارعة في الطريق يستضرّ أهلها، بغبار [الرِّكاب] (٢) والتراب الذي تنثره الدوابّ، ولا يُمنع أهل الطريق من ذلك؛ لأنّهم يتصرّفون في حقّهم وإن أضرّ بغيرهم. وكذلك أرباب الحوانيت، يوقدون النار فيها، فيستضرّ [بهم] مارّة الطريق، ولا يمنعوهم من ذلك؛ لأنّهم يتصرفون في ملكهم، فكذلك هذا. وإنما قال: إنّ الكف عمّا يؤذي الجار أولى (٣)، لما روي أنّ النبي ﷺ قال: "أوصاني جبريل بالجار حتى ظننت أنّه يورثه" (٤). قال: ولو فتح صاحب البناء في علوه وفي بنائه بابًا أو كُوّةً فطلب صاحب الساحة أن يسدّ ذلك، وتأذّى به، لم يكن له سدّه، ولكن يبني في ملكه ما يستره من ذلك (٥). وكذلك جميع هذا القول في دارين إحداهما لرجل، والأخرى [الآخر] (٦)؛ وذلك لأنّ صاحب البناء لو أراد أن يرفعه لم يكن لجاره منعه من ذلك، فإذا فتح فيه بابًا فإنّما رفع بعضه دون بعضٍ، فله ذلك.

стр. 5014

وأمّا إذا بنى صاحب الساحة في ملكه ما يستر ذلك الباب [جاز]؛ لأنّه متصرّفٌ في ملكه، فجاز ذلك، وإن منع [به] (١) الغير من الاطلاع عليه. قال: ولو اتخذ رجلٌ في منزله في ملكه [كرياسًا (٢)] (٣) أو بالوعةً (٤) أو بئرًا استقى منها الماء، [فنزّ] (٥) منها حائط جاره، فطلب جاره تحويل ذلك، فإنّه لا يُجبر على تحويله؛ لأنّه ملكه، يصنع به ما بدا له، وإن سقط الحائط من ذلك، لم يضمن صاحب البئر شيئًا؛ لما بيّنا أنَّه ملكه يصنع فيه ما بدا له، أنّه تصرف في ملكه فلم يمنع من ذلك وإن أضرّ بغيره، وإذا لم يكن متعدّيًا في السبب، لم يضمن ما يتولّد (٦) منه (٧). وذكر بعد هذا مسألة في النصيبين، إذا كان لأحدهما على الآخر مسيلٌ أو طريقٌ، وقد بيّنا (٨) ذلك. قال: ولو رفع (٩) طريقًا بينهما، وكان على الطريق ظُلّةٌ (١٠)، وكان طريق

стр. 5015

أحدهما على تلك الظلّة، وهو يستطيع أن يجعل طريقًا آخر، فأراد صاحب الممر (١) أن يمنعه [المرور] على ظهر ظلته (٢) لم يكن له ذلك؛ لأنّ حُكم العلو حُكْمُ السفل [إلا أن يشترط غير ذلك، وإذا كان لهم في السفل الاستطراق] فكذلك العلو لا يمنع من الاستطراق عليه. قال: ولو أنّ رجلين اقتسما دارًا فوقع الباب لأحدهما، ووقع قسم الآخر في الناحية الآخرى، و [ليس] له طريقٌ يمرّ فيه، فإنّ أبا حنيفة قال: إن كان له موضعٌ (٣) يفتح فيه بابًا آخر أخّرت القسمة، وأمرته أن يفتح في ذلك بابًا، وإن لم يكن له في ذلك مفتح بابٍ، (أبطلت القسمة؛ لأنّ هذا ضررٌ، وهذا على ما قدّمنا: إذا أمكن الذي لا باب له أن يفتح بابًا) (٤) لم يجز أن يستطرق نصيب شريكه إلى الباب، وإن [كان] (٥) لا موضع له وقد شرط (٦) الحقوق، فله أن يسلك في نصيب شريكه إلى الباب، وإن لم يشترط الحقوق، فسخت القسمة على ما قدّمنا. ولم يذكر أبو الحسن في هذا (الفصل إذا شرطت الحقوق وذكره في) (٧) الفصل الذي قبله، وهذا محمولٌ عليه وإن سكت عنه (٨).

стр. 5016

بَابْ قسمة غير العقارِ قال علي بن الجَعْد عن أبي يوسف: إذا كانت غنمٌ بين رجلين ميراثًا أو شراءً، فأقرّا بذلك، فإنّ أبا حنيفة قال: أقسمها بينهما وإن لم يقم بيّنةٌ على الميراث بعد أن يكون في أيديهما ويقرا أنّه لا وارث [له] غيرهما، وكذلك قال أبو يوسف. وكذلك الإبل والبقر والثياب المَرَويّة (١) والهَرَويّة (٢). قال: وهذا على ما قدّمنا فيها، أن العروض يخاف عليها التَّوَى (٣) والتلّف، فللحاكم ولايةٌ في حفظها، فإذا قسمها كان أقرب إلى حفظها؛ لأنّ كلّ واحدٍ من الورثة ينفرد بحفظ ما يحصل في يده منها؛ ولأنّ ما سلمه إلى كلّ واحدٍ يصير مضمونًا عليه، وفي ذلك حظٌّ للميت. قال: فأمّا الثوب الواحد فلا يستقيم فيه القسمة؛ لأنّه لا ينقسم إلا بقطعه، وذلك إتلاف جزءٍ منه، وهذا فيه ضررٌ على المتقاسمين، فلا يجوز أن يفعله القاضي، فإن تراضيا عليه لم يقسم أيضًا لما فيه من إتلاف الملك، ولكنهما يقتسمانه إن اختارا بأنفسهما. قال: وكذلك الثوبان إذا اختلفت قيمتهما لا تستقيم القسمة، إلا أن يزاد مع

стр. 5017

الأوكس (١) دراهم مسمّاةٌ؛ وذلك لأنّ الثوبين المختلفين لا يتعدّل أحدهما بالآخر إلا بزيادة دراهم مع الأوكس، وقد بيّنا أنّ إدخال الدراهم في القسمة لا يُجبَر عليها إلا أن يتراضى (٢) بها الخصمان، فإن تراضيا فعلها الحاكم؛ لأنّه ليس في ذلك إتلاف مالٍ لهما. قال: وثلاثة أثواب يستقيم فيها القسمة (على ما فسّرت لك من القيمة) (٣)، ثوبٌ بثوبين، أو ثوبٌ وربعٌ بثوبٍ وثلاثة أرباع، أو دراهم يردّها الذي نصيبه الأفضل على صاحب الأوكس، أمّا بالدراهم فلا يصحّ إلا بالتراضي لما بيّنا، وأمّا إذا قسم على أن يصيب أحدهما ثوبٌ وربع، والآخر ثوبٌ وثلاثة أرباع، على أن تكون الشركة في هذا الثوب بينهما، فهو جائزٌ؛ لأنها قسمةٌ [في بعض] (٤) المشترك دون بعضٍ، ألا ترى أنّ كلّ واحدٍ منهما تفرّد بثوب، وتبقى الشركة في ثوبٍ، وذلك جائزٌ إذا لم يكن غيره (٥). كما لو قُسمَت الضيعة وتُركَت العين على الشركة أو النهر، جاز ذلك وإن كان فيه قسمة بعض الملك دون بعض، كذلك هذا. قالوا: إن كان ثوبًا، من [كلّ] ذلك صنفٌ أو قَبَاء (٦) وجُبَّةٌ وقَمِيص وبِسَاط ووِسَادَة، فإنّ هذا لا ينقسم، وكذلك شاةٌ وبعيرٌ، وبرذون وحمارٌ؛ وذلك لأنّ

стр. 5018

الأجناس المختلفة لا ينقسم بعضها في بعضٍ إلا بالتراضي؛ لأنّ القسمة إنّما هي لتمييز أحد الحقّين من الآخر، وليس بين الجنسين اختلاطٌ حتى تكون القسمة للتمييز فيها، فلم يبق إلا أن يكون معاوضةً، وذلك لا يجوز إلا بالتراضي. قال أبو حنيفة: لا أقسم الرقيق، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقسم. لأبي حنيفة: أنّ تفاوت الرقيق أكثر من تفاوت الأجناس للتفاضل بين الآدميين، فكما لا يقسم أحد الجنسين في الآخر (١)، كذلك لا يقسم الرقيق؛ ولأنّ الآدمي يظهر من نفسه خلاف ما هو عليه في الحقيقة (٢) فيتعذّر مع ذلك التعديل، (والقسمة موضوعةٌ للتعديل) (٣). وجه قولهما: أنّه جنسٌ واحدٌ، فيقسم بعضه في بعضٍ كالغنم والإبل. وقد قال في الأصل: إذا كان مع الرقيق غيره، قسمته (٤). وكان أبو بكر الرازي [يقول]: معناه قسمته بتراضيهما، وقال (٥): لأنّ الجنسين إذا كان كلّ واحدٍ منهما يقسم على الانفراد، لم يقسم أحدهما في الآخر، فإذا كان أحدهما [لو] انفرد لم يقسم، فأولى بأن لا يقسم مع الآخر. ومن أصحابنا من قال: إنّ الرقيق إذا كان معه غيره صار تبعًا في القسمة، وقد يتبع العقود ما لا يفرد، كدخول الشَّرْبِ والطريق في البيع، فكذلك دخول

стр. 5019

العين والنهر في القسمة. وقال في مسألة الرقيق عطفًا عليها: وكذلك اللؤلؤ واليواقيت والزمرد [والزبرجد]، يعني أنّ هذه الأجناس المختلفة لا يقسم بعضها في بعضٍ كما لا يقسم سائر الأجناس، فأمّا إذا انفرد جنسٌ منها، فالتعديل فيه ممكنٌ، فيجوز قسمته. قال: فأمّا الفضة التِّبْر (١)، فإنّها تقسم، والذهب التِّبْر والحديد التِّبْر والنحاس التِّبْر، ولا يقسم الآنية من ذلك؛ لأنّ التبر يمكن قسمته [بالوزن] (٢)، فينعزل نصيب كلّ واحدٍ منها. وأمّا الآنية، فإنّ الصناعة فيها تجعلها كالأجناس المختلفة؛ فلذلك لا يقسم بعضها في بعضٍ. قال: ويقسم قليل الموزون والمكيل وكثيره؛ لأنّ التمييز يمكن في القليل كما هو ممكنٌ في الكثير. قال: ولا يقسم حائطٌ بين جارين، ولا حمّامٌ، ولا حانوتٌ صغيرٌ لا ينتفع كلّ واحدٍ منهما بما يصيبه منه؛ لأنّ الحائط لا يقسم إلا بنقضه، وذلك إتلافٌ لملكهم، والحمّام إذا قسم استضرّ كلّ واحدٍ منهما، وكذلك الحانوت الصغير، ومتى استضر كلّ واحدٍ من المتقاسمين بالقسمة، لم يكن فيها حقٌّ لواحدٍ منهما، فلا يصحّ مطالبته به. فأمّا إذا كان الذي يصيب أحدهما من الحانوت ينتفع به، فقد بيّنا الكلام

стр. 5020

فيه فيما مضى. وقال أبو يوسف في قسمة العقار: لا يجعل لبعضهم طريقًا على بعض ولا مسيل ماء إذا وجد سبيلًا إلى ذلك، ولا يضمّ نصيبًا إلى نصيب إلا برضًا منهما؛ لأنّ القسمة موضوعةٌ للتمييز ولإزالة الشركة، فإذا أمكن تمييز الطريق والشِّرب [والمسيل] (١) لم يجز تبقيته بالشركة، فإذا لم يمكن ذلك فلا بأس به؛ لأنّ التمييز لا يمكن من [كلّ] وجهٍ، فوجب أنّ يميّز أصل الملك وإن بقيت الشركة في الحقوق، وأمّا ضمّ بعض الشركاء إلى نصيب بعضٍ، فيجوز إذا رضوا بذلك، لأنّ القسمة إنّما ثبتت لحقهم، فإذا اصطلح الشريكان على [ضمّ] (٢) نصيبهما، فقد اختارا تمييز نصيب بقية الشركاء، ولم يختارا تمييز (٣) نصيب كلّ واحدٍ منهما من نصيب الآخر، فوجب أن يترك على الشركة. قال: وخيار [الرؤية] (٤)، وخيار (٥) الشرط (٦)، والردّ بالعيب في القسمة مثله في البيع، لا يختلفان، ما كان فيه خيار الرؤية في البيع فكذلك في القسمة، [وما لم يوجب خيار الرؤية في البيع، فهو كذلك في القسمة، وما لم يجز في البيع فليس بجائزٍ في القسمة]، (وما جاز من خيار الشرط في البيع، فهو جائز

стр. 5021

في القسمة) (١)، وما لا يوجب ردّ البيع في العيب، لا يوجب ردّ القسمة، وسواءٌ اقتسم الشريكان، أو قسمه الحاكم بينهما. أمّا خيار الرؤية والشرط، فيصحّان في القسمة إذا كانت بتراضيهما؛ لأنّها في معنى البيع، وأمّا إذا كانت بحكم الحاكم فلا معنى لخيار الشرط والرؤية؛ لأنّ الخيار يثبت للفسخ، فإذا تفاسخا أجبرهما القاضي على إعادة القسمة، فلم يكن في ذلك فائدةٌ. فأمّا خيار العيب، فيثبت (٢) في القسمة بكلّ وجهٍ؛ لأنّ القسمة موضوعةٌ للتعديل [فإذا ظهر العيب بنصيب أحدهما، فلم يقع التعديل من الحاكم، فوجب أن يفسخ لتحصيل التعديل] المستحَقّ. قال: وما يرجع بنقصان العيب فيه [في المبيع]، رجع بمثل ذلك في القسمة، إلا أنّه يرجع على شريكه بنصف ما نقص نصيبه ذلك العيب؛ لأنّ الردّ بالعيب واجبٌ في القسمة كما يجب في البيع، فإذا تعذّر الردّ من طريق الحكم، وجب الرجوع بنصف النقصان، وإنّما رجع بنصف النقصان؛ لأنّ ما يأخذه يأخذ بعضه بحقّ الملك، وبعضه عوضًا عمّا له في يد الآخر، فما كان من نصيب نفسه لا يرجع به، وما كان من نصيب شريكه يرجع به (٣).

стр. 5022

بَابْ ما لا يقسم من العقارِ وغيره قال أبو الحسن: قال محمدٌ في الأصل: قال أبو حنيفة: لا أقسم الحائط، ولا الحمّام، وكذلك البيت الصغير إذا لم يصب واحدًا [منهم] ما ينتفع به، وقد بيّنا ذلك (١). قال: ولو كان بيتٌ بين رجلين في أرض رجلٍ قد بنيا فيها بإذنه، ثم أرادا أن يقسما البيت وأن يهدماه، وصاحب الأرض غائبٌ، فلهما ذلك، وأن يهدماه إن اتفقا (٢) على ذلك، فإن أبى أحدهما لم يُجبَر على قسمته، فإن أخرجهما صاحب الأرض هَدَمَاه؛ وذلك لأنّ البناء لو قسم كان لكلّ واحدٍ من المتقاسمين منع الآخر من بقية ما أصابه، ألا ترى أنّ الأرض مستعارةٌ لهما أو مستأجرةٌ، وكلّ جزءٍ منها حقّهما، ولأحدهما (٣) أن يمنع الآخر من الانفراد بها، فصارت القسمة تؤدي [إلى] نقض البناء، وذلك ضررٌ على الشريكين، فلا يجوز إلا بتراضيهما (٤). فأمّا إذا أخرجهما صاحب الأرض، فالنقض واجبٌ، وذلك لأنَّه ملكٌ مشترك يمكن فيه القسمة، فوجب أن يقسم. وقال أبو حنيفة: إذا اجتمع صاحبا الحائط على قِسْمَتِه قَسَمْتُه، وكذلك

стр. 5023

الحمّام؛ لأنّ هذه القسمة فيها ضررٌ عليهما، ولهما فيها منفعةٌ، ألا ترى أنّ كلّ واحدٍ منهما يجوز أن يتّخذ من نصيبه من الحمّام بيتًا، وإذا كان لهما [فيه] ضربٌ من المنفعة، جاز أن يقسم (١). فأمّا الحائط فيجب أن يكون محمولًا على أنّهما اقتسماه، فأخذ هذا طائفةً منه، والآخر مثلها، فيجوز كالحمّام، وأمّا إذا أراد نقضه وقسمة آلته، فيجب أن لا يتولى الحاكم [ذلك]، ويتركهما وما اختارا؛ لما فيه من الإتلاف بالنقض. قال أبو حنيفة (٢): إذا كان طريقٌ بين قومٍ، إذا اقتسموه كان لكلّ قومٍ طريقٌ نافذٌ، فإنّي أقسم ذلك بينهم إذا طلب واحدٌ منهم وإن أبى الآخر، وإن كان بعضهم لا يجد طريقًا، لم أقسم ذلك بينهم إلا أن يتراضوا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم إذا أصابه ما يمكن الاستطراق فيه، فهذا ملكٌ مشترك لا ضرر في قسمته، فإن كان لا يصيبه ما يستطرق فيه، فالقسمة فيها ضررٌ، فلا يجوز إلا بالتراضي كالحمّام. قال: وإن كان طريقٌ بين رجلين لو اقتسماه لم يكن لواحدٍ (٣) منهما فيه ممرٌّ، وكلّ واحدٍ منهما يقدر أن يفتح من منزله بابًا ويجعل طريقه من وجهٍ آخر، فأراد أحدهما قسمته، وأبى الآخر، فإنّي أقسم بينهما؛ وذلك لأن الضرر في الطريق إنما هو لبطلان الاستطراق، فإذا أمكن كلّ واحد منهما أن يستطرق من جهةٍ أخرى، ولم يستضرّ بقسمته هذا الطريق، فوجب أن يقسم. قال: وإذا كان مسيل ماءٍ بين رجلين، فأراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإن كان له موضعٌ يسيل فيه [ماؤه] سوى هذا قسمته بينهما، وإن لم يكن له

стр. 5024

موضعٌ إلا بضررٍ لم أقسمه، وهذا على ما بيّناه في الطريق. قال: وإن كان زرعٌ بين رجلين في أرضٍ، [والأرض] لغيرهم، وأرادا قسمة الزرع دون الأرض، وقد بلغ [وسَنْبَلَ] (١)، لم أقسمه حتى يحصد، فأقسمه بالكيل؛ لأنّه إذا بلغ دَخَله الربا، فالقسمة [فيها يدخله] (٢) الربا لا تجوز مجازفةً، وقِسْمته قبل الحصاد مجازفةً فيه ربًا، فلم يجز. وإن كان الزرع بقلًا لم أقسمه؛ لأنّه إذا قسم من غير قطعٍ، فلكلّ واحدٍ منهما منع الآخر [من] تبقية ما أصابه من الزرع لشريكه في موضعه، فصار في القسمة ضررٌ على الشريكين، وإن قطعه القاضي ثم قسمه، ففي قطعه ضررٌ عليهما؛ وذلك لا يجوز إلا بالتراضي. (قال: وكذلك الزرع بين رجلين في أرضٍ) (٣) لغيرهما؛ لأنّهما إمّا أن يكونا استأجرا، أو استعارا، [وأيّهما كان] فإذا قسم الزرع فلكلّ واحدٍ منهما منع الآخر من تبقية نصيبه، فيدخل عليهما الضرر. قال: وكذلك طَلعٌ بين قوم أرادوا قسمة الطلع دون النخل ودون الأرض، فإن اقتسموه وشرطوا تَرْكه، فإن ذلك فاسدٌ، وإن اقتسموا على أن يقطع كلّ واحدٍ منهما ما أصابه، فهو جائزٌ؛ لأنّهما إذا شرطا التبقية، فقد شرط كلّ واحدٍ منهما في القسمة الانتفاع يملك شريكه، وذلك لا يجوز، وإن شرطا القطع، فقد رضيا بإدخال الضرر عليهما، فيجوز.

стр. 5025

قال: وإن استأذن رجلٌ (١) منهم أصحابه بعد القسمة في ترك ما أصابه، فأذنوا له في ذلك، فأدرك، وبلغ، فإن الفضل له طيّبٌ؛ وذلك لأنّه لمّا حصل بإذنهم، فقد حصل له النماء من غير وجهٍ محظورٍ، فيطيب، وإن تركه بغير إذنهم تصدّق بالفضل؛ لأنّه حصل له من وجهٍ محظورٍ. قال: وإن كان ثوبٌ بين رجلين، أراد أحدهما قسمته وأن يشقّ نصيبه منه وأبى الآخر، لم أجبره على ذلك، ولم أقسمه بينهما، وكذلك السيف والخاتم والإناء الفضة والذهب (٢)، والشَّبَه (٣) والصُّفْر (٤)، وذلك لأنّ القسمة لا تمكن إلا بإتلاف جزءٍ منه بالقطع، فلا يجوز للحاكم أن يتولّى ذلك، وإن تراضيا فإنّما يتولّيان ذلك بأنفسهما (٥). قال: وإن أوصى رجلٌ بصوفٍ على ظهر غنمٍ بين رجلين، فأرادا قسمة ذلك قبل أن يجزّ، لم يقسم، وكذلك اللبن في ضروعها، وأولادها (٦) في بطونها؛ لأنّ الصوف واللبن يدخلهما الربا، فلا يجوز القسمة فيهما إلا بكيلٍ أو وزنٍ، وذلك لا يمكن مع اتصاله بالأصل، فأمّا الأولاد، فلا يمكن التعديل فيهم قبل الانفصال، والقسمة موضوعةٌ للتعديل. قال: فإن كان ساجةً (٧)، أو خشبةً، أو بابًا، أو رحًا، أو دابّةً، أو بعيرًا بين

стр. 5026

رجلين، فأراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإن هذا لا يقسم، وكذلك اللؤلؤة والياقوتة والفصّ بين اثنين؛ لأنّ القسمة في هذا لا يمكن إلا بالقطع، وفي ذلك ضررٌ عليهما، فلا يجوز. [قال: وإن كان لؤلؤًا أو ياقوتًا قسمته؛ لأنّ التعديل في ذلك ممكنٌ من غير ضررٍ]. قال: وإن كان رحلٌ (١) بين رجلين، أو جوالق، أو بساطٌ، أو شقّ محمل، فإنّي لا أقسمه؛ لما في ذلك من الضرر عليهما جميعًا (٢). فإن كانت جُبْنَةٌ (٣) بين رجلين، فأراد أحدهما قسمتها وأبى الآخر، فإن كان في قطعها ضررٌ [على أحدهما لم أقسمها، وإن لم يكن ضررٌ قسمتها، وإن كان جبنًا كثيرًا قسمته بينهما، وكذلك المصل والبيض والجوز، وإن أبى بعضهم ذلك، وكذلك الثياب المَرَويّة والهَرَويّة والإبل والبقر والغنم والخيل والحمير، أمّا الجبنة الواحدة فإن كان في قطعها ضررٌ]، فهي كالثوب الواحد، وإن كان جبنًا كثيرًا فالتعديل يمكن من غير ضررٍ. قال: وكذلك نُقْرَة (٤) فضةٍ أو ذهبٍ، وكلّ ما يوزن من القطن (٥) والأدهان؛ لما بيّنا. وكذلك علوٌ بين رجلين، يصيب كلّ واحدٍ منهما ما ينتفع به، والسفل

стр. 5027

لغيرهما، وكذلك سفلٌ بين رجلين علوه لغيرهما؛ لأنّ القسمة ممكنةٌ في العلو كما يمكن في السفل، فجازت في (١) كلّ واحدٍ منهما. وكذلك اللحم بين رجلين، والزيت، والسمن، والخلّ، والأشربة، والماء [في الإناء]؛ لأنّ التعديل في جميع ذلك ممكنٌ. قال: فإن كانت بئرٌ بين رجلين (٢)، أو عينٌ، أو قناةٌ، أو نهرٌ، وليس لهم معه أرضٌ، فإن أراد (٣) أحدهما القسمة وأبى الآخر، فإنّي لا أقسم ذلك بينهما؛ لأنّ القسمة في البئر والنهر تبطل المقصود لهما، وتدخل الضرر على كلّ واحدٍ من الشريكين، فلم يجز. قال: فإن كان مع ذلك أرضٌ ليس لها شِرْب إلا من ذلك، قسمت الأرض بينهما وإن أبى أحدهما (٤)، وتركت القناة والنهر والبئر والعين لكلّ واحدٍ [منهما] شربه منها؛ لأنّ الأرض يمكن قسمتها بغير ضررٍ، والبئر والنهر لا يمكن ذلك فيهما، فتركا على الشركة. قال: فإن كان كلّ واحدٍ منهما يقدر أن يجعل [لأرضه] (٥) شربًا من مكان الآخر، وكانت أنهار الأرضين متفرقةً، أو عيونا متفرقةً، أو آبارًا] (٦)، قسمت ذلك كلّه بينهما، العيون والآبار والأرضين؛ لأنّه يمكن أن يفرد كلّ واحدٍ ببئر

стр. 5028

ماءٍ (١) أو نهرٍ، فلا يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر. قال: وإذا كان سرجٌ، أو درع حديدٍ، أو مصحفٌ، أو فرسٌ، أو قميصٌ، أو جبَّةٌ، أو طيلسان، أو فراشٌ، أو وسادةٌ (٢)، أو بساطٌ، أو فسطاطٌ بين رجلين، أراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإنّي لا أقسمه؛ لأنّ القسمة فيها ضررٌ على المتقاسمين جميعًا، فلا يجوز للحاكم أن يفعلها بطلب أحدهما. وقال أبو حنيفة: لا أجبر واحدًا منهما على أن يبيع نصيبه من شيءٍ ممّا سمّينا، فإن أراد أحدهما البيع وأبى الآخر، فإنّه لا يجبر على البيع، ويقال للآخر: بعْ نصيبك إن شئت أو دَعْ. وقال مالكٌ فيما لا يمكن قسمته: إذا اختصم (٣) فيه الشريكان باعه الحاكم وقسم ثمنه بينهما. [وهذا فاسدٌ]؛ لأنّ البيع من غير رضًا حَجْرٌ، وليس من أصلنا الحجر على البائع العاقل الحرّ؛ ولأنّ في البيع إزالة ملك المالك بغير رضاه، وذلك غير مستحَقّ بالشركة، بدلالة ما يمكن فيه القسمة؛ ولأنّ كلّ واحدٍ منهما [يقدر] على بيع نصيبه على الانفراد، وإنّما يستضرّ؛ لأنّ الثمن يقلّ لأجل الشركة، ومَن لم يملك إلا نصيبًا مشتركًا لا يجوز أن يجبر الآخر على البيع [لينتفع من] (٤) نصيب شريكه (٥). [والله أعلم].

стр. 5029

بَابْ الدارِ فيها الطريقُ لغير أهلها قال أبو حنيفة: إذا كانتِ الدارُ بينَ رجلينِ فأرادَا قِسْمتها وفيها طريقٌ لغيرها، فأراد صاحب الطريق أن يمنعهما من القسمة، فليس له ذلك، ويُتْرَك الطريق عَرْضُه عَرْضَ [باب] (١) الدار [الأعظم] (٢) وطوله من باب الدار [إلى باب] الذي له الطريق، ويُقْسَم بقية الدار [بين الرجلين] على حقوقهما، ويُتْرَك هذا الطريق بينهما نصفين، ولصاحب الطريق ممرّه في ذلك، وليس له قسمة هذا الطريق إذا أسخط ذلك بعضهم إلا أن يتراضوا جميعًا، وإنّما لم يكن لصاحب الطريق منع القسمة؛ لأنّه لا حقّ له إلا في مقدار ما يجتاز فيه، وما سوى ذلك لهما (٣) لا حقّ له [فيه]، فيجوز قسمته (٤). و [قد] قالوا في الساحة: إذا كان فيها طريقٌ لغير أهلها، فأرادوا أن يبنوا فيها، فليس لصاحب الطريق منعهم من البناء، ولكن يُترَك مقدار ما يجتاز فيه، ويقال لهم: ابنوا الباقي، وكذلك هذا (٥). [وكان ما] (٦) بقي [من] الطريق بين الشريكين نصفين؛ لأنّ ملك البقعة

стр. 5030

كان نصفين، ولصاحب الطريق حقّ الاجتياز، فإذا بقي ذلك لم يقسم، وبقي على ما كان عليه. وإنّما جعل عَرْضُ الطريق على عَرْضِ باب الدار؛ لأنّه يحتاج إليه للاجتياز من الباب، فما زاد على عرض الباب لا تدعو الحاجة إليه (١). والذي روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "اذرعوا سبعة أذرع للطريق، فابنوا ما سوى ذلك" (٢)، فإنّما قاله في الأرض [المحياة] (٣) ترفع [فيها] الطريق للمارة، فيرفع لهم ما يحتاجون إليه حتى لا يضرّ بمحيي الأرض، وأمّا في مسألتنا، فالحاجة تدعو إلى الاجتياز، وذلك مقدار الباب. وأما قوله: إنّ هذا الطريق لا يقسم [إلا] بالتراضي؛ فلأنّ في قسمته ضررًا، وهو إسقاط حقّ [الاستطراق] (٤)، ولا يجوز إلا برضا صاحب الطريق. قال: فإن باعوا هذه الدار وهذه الطريق برضاهم جميعًا، اقتسموا الثمن، فيضرب فيه صاحب الأصل (٥) بثلثي الثمن (٦)، ويضرب فيه صاحب الممر بالثلث، وكذلك إن كان في الدار مسيل ماء (٧)، وهذا محمول على أنّ صاحب

стр. 5031

الاجتياز له [ملكٌ] (١) في نفس البقعة، فيساوي الشريكين فيها، فكانت بينهم أثلاثًا، فيقسم الثمن على ذلك. وأمّا إذا كان ملك البقعة للشريكين، وللآخر حق الاجتياز، فباعاها بإذنه، فكان أبو الحسن يقول: الثمن لهما، وقد سقط حقّ صاحب الاجتياز؛ لأنّه حقٌّ لا يجوز أخذ العوض عليه، ألا ترى أنّ بيع الطريق لا يصحّ، فلما أذن لهما في البيع أسقط الحقّ الثابت له، ولا عوض، فسقط حقّه بغير شيءٍ. وقد روي عن محمدٍ أنّه قال: يضرب كلّ واحدٍ منهما بحقّه من البقعة، ويضربُ صاحب الطريق بحقّ الاستطراق؛ لأنّ الحقّ متعلّقٌ بالبقعة على وجه التأبيد، فصار [كملك] (٢) جزءٍ منها، ومعنى هذا أنّ الأرض التي لا طريق فيها لها قيمةٌ، فإذا كان فيها طريقٌ لغير أهلها نقصت قيمتها، فيضرب صاحبُ الطريق بفضل القيمة [بين] (٣) الأرض إذا لم يكن فيها طريقٌ، وبينها إذا كان فيها طريقٌ، ويضرب كلّ واحدٍ من الشريكين بنصف قيمة البقعة إذا كان فيها طريقٌ، ويقتسمون على ذلك. قال: وإذا كانت الدار فيها طريقٌ لرجلٍ، وفيها طريقٌ لآخر من [ناحيةٍ] (٤) أخرى، فليسَ لهما [أيضًا] أن يمنعا القسمة، ويعزل لهما طريقٌ واحدٌ عرضه عرض باب الدار إلى باب كلّ واحدٍ منهما، ويقسم باقي الدار بين أهلها؛ وذلك لأنّ صاحب الطريق لا يتعلّق حقّهُ بكلّ البقعة، وإنّما يتعلق بقدر ما يستطرق فيه،

стр. 5032

ويمكن أن يستطرقا بقعةً واحدةً إلى حيث يختلف أبوابها، ثم ينفرد كلّ واحدٍ منهما بطريقٍ، فلم يجز أن يجعَل لكلّ واحدٍ منهما طريقًا مفردًا؛ لِمَا في ذلك من الضرر بصاحب الدار، فيجعل لهما طريقًا واحدًا، ويقسم باقي الدار. قال: ولو كان لرجل صُفّةٌ (١) في دارٍ، وطريقٌ إلى باب الدار، وما بقي بين الورثة، فأرادوا قسمتها، كان لهم ذلك، ورفع الطريق قدر عرض باب الدار إلى باب الصُّفَّة، وتكون ما بقي من الدار بعد الصفة والطريق يقسم بين أهل الدار على المواريث. فإن كان باب الصفة أعرض من باب الدار، فأراد صاحب الطريق أن يكون عرض الطريق عرض باب الصفة، فليس له ذلك، ولكن الطريق عرضه عرض باب الدار؛ لأن الطريق إذا كان أعرض من باب الدار، لم يمكن أن يجتاز فيه ما يزيد عرضه على عرض الباب، فلا فائدة في الزيادة. فإن أراد صاحب هذا المنزل أن يفتح في هذا الطريق بابًا آخر (٢)، كان له ذلك، وليس يستحق ببابين وثلاثة من الطريق إلا ما يستحق بواحدٍ؛ وذلك لأنّ فتحه الباب في حائطه إلى الطريق ليس بأكثر من رفع حائطه، ولو رفع حائطه جاز، فكذلك إذا فتح فيه بابًا. قال: ولو كان هذا المنزل بين رجلين قسماه بينهما، وجعل كلّ واحدٍ منهما طريقًا على حدةٍ في هذا الطريق، كان جائزًا، وكان ذلك لهما، ولا يمنعهما [من] ذلك أهل الطريق؛ لما بيّنا أنّ فتح الباب تصرّفٌ في حائطه على ملكه، واستطراقهما

стр. 5033

من بابين كاستطراقهما من بابٍ واحدٍ. قال: ولو كان صاحب المنزل واحدًا، واشترى دارًا من وراء هذا المنزل، وفتحها إلى هذا المنزل وهذا الطريق، فإن أبا حنيفة قال: إن كان ساكن الدار والمنزل واحدًا، فله أن يمر في الدار وفي المنزل وفي الطريق الموضوعة (١) بينهما، وإن كان للدار ساكنٌ وللمنزل ساكنٌ، فليس [لصاحب] الدار أن يمرّ في الطريق؛ وذلك لأنّ الساكن إذا كان واحدًا فهو يستطرق من الدار إلى المنزل، وليس لأهل الطريق منع ذلك، ثم يستطرق من المنزل إلى الطريق كما كان يستطرق قبل فتح الدار. وإذا كان [الساكن] في الدار آخر، فليس له الاستطراق إلى المنزل، وإنّما هو يستطرق من الدار إلى الطريق، ولا حق لتلك الدار في هذا الطريق. قال: ولو اختصم أهل الطريق في الطريق، وادّعى كلّ واحدٍ منهم أنّه له، فإنّ أبا حنيفة قال: هو بينهم (٢) بالسوية، ولا يُجعَل [بينهم] على قدر ما في أيديهم من ذرع الدار والمنزل؛ لأنّهم تساووا في التصرف فيه بالاستطراق، فتساووا في استحقاقهِ؛ ولأنّ الاستطراق من الذرع الكثير كالاستطراق من الذرع اليسير؛ فلهذا جوّزنا لصاحب المنزل أن يفتح إليه [بابًا] (٣) ويستطرق منه؛ لأنّه لا يزيد حقّه في الطريق، وإن استطرق من ذرعٍ كثير. وقالوا: إذا اختلف الساكنان في الدار [والمنزل]، لم يجز؛ لأنّهما إذا

стр. 5034

استطرقا استحقّ كلّ واحدٍ منهما حقًا من الطريق بتصرفه، فأضرّ ذلك بأهل الطريق. قال: ولو عُرِف أصل (١) الطريق كيف كان بينهم، جعلته على ذلك؛ لأنّ الحكم بالتساوي في التصرف بالظاهر، فإذا عرف باطن الملك بخلاف الظاهر، وجب أن يُحكَم به. قال: فإن كانت الدار لرجلٍ واحدٍ فيها طريقٌ لآخر، فمات صاحب الدار، فورثها ورثته فاقتسموا [الدار] بينهم، ورفعوا الطريق لصاحب الطريق ولهم، ثم باعوه وأرادوا قسمة ثمنه، فلصاحب الطريق نصفه، وللورثة نصفه. وإن لم يُعرَف أنّ الدار كانت بينهم ميراثًا، وجحدوا ذلك، فإنّ الطريق بينهم على قدر أرباب الأنصباء، وإن كانوا أربعة وصاحب الطريق واحدًا، فهو بينهم أخماسًا؛ وذلك لأنّهم إذا (٢) ورثوا الدار من واحد، فالورثة تقوم مقامه في الاستحقاق، فكأنّه حضر وخاصم صاحب الطريق، فيضرب له بسهمٍ (ولصاحب الطريق بسهمٍ) (٣)، وتستحقّ الورثة ما كان للميت من ذلك. وأما إذا لم يُعلم أنّها ميراث، فلكلّ واحدٍ منهم قد ثبت له حقّ الاستطراق كما يثبت للآخر، والتساوي في التصرف يوجب التساوي في الاستحقاق. قال: فإذا قسم القوم دارًا فيها كنيف شارع على الطريق العظمى أو ظُلَّةٌ على الطريق العظمى، فليس يحتسب ذرع (٤) الظُلّة ولا الكنيف من ذرع الدار، ولو كان ذلك على طريق غير نافذٍ كان ذرعه يحتسب من ذرع الدار؛ وذلك لأنّ

стр. 5035

الكنيف والظّلة إذا كانت على الطريق، فوضعها ليس بحقٍّ ثابتٍ، ألا ترى أنّ عند أبي حنيفة: لكلّ واحدٍ من المسلمين الخصومة في إزالتها، وعند أبي يوسف ومحمدٍ: وإن لم يكن لهم الخصومة إذا لم يضر فلا ملك لصاحبها في البقعة، فلم يكن لصاحب الدار فيها حقٌّ إلا بالقبض (١)، فوجب أن يحتسب بقيمة ذلك في القسمة دون الذرع. وأمّا إذا كانت على طريقٍ غير نافذٍ، فهي موضوعة لحقٍّ واجبٍ؛ بدلالة أنّه ليس لأحد قلعها، فصارت كعلو الدار، فتحسب بذرعها. وقد قال أبو حنيفة: إنّه يحسب في القسمة كلّ ذراعٍ من السفل الذي لا علو له [بذراعين] (٢) من العلو الذي لا سفل له. وقال أبو يوسف: كلّ ذراعٍ من السفل بذراعٍ من العلو (٣). وقال محمدٌ: يقسم على القيمة دون الذرع. وأصحابنا يقولون: إنّما أوجب (٤) أبو حنيفة على العادة التي عرفها بالكوفة من اختيارهم السفل على العلو، وأجاب محمدٌ على حكم سائر البلاد. لأبي حنيفة: أنّ السفل له منفعتان: منفعة السكنى و [منفعة] البناء، والعلو له منفعةٌ واحدةٌ، وهو السكنى دون البناء؛ لأنّ من أصله أنّ صاحب العلو لا يبنى

стр. 5036

إلا برضا صاحبِ السفل؛ ولذلك جعل الذراع من السفل بذراعين من العلو، حتى يكون منفعتان بإزاء منفعتين. وأمّا أبو يوسف فيقول: إنّ صاحب العلو يسكن ويبني، وصاحب السفل يسكن ويبني، فتساويا في الانتفاع، وكذلك في ذرع القسمة. فأمّا محمد فقال: إنّ من البلاد ما يفضل العلو على السفل، كمكة وما والاها، ومنها ما يفضل السفل على العلو كبغداد والكوفة، فوجب أن يعتبر في كلّ واحدٍ منهما بالعادة فيه. والعمل في هذه المسألة على قول محمدٍ؛ لاختلاف حال البلاد في ذلك، فعلى هذا قال أبو حنيفة: إذا ذرعت مائة ذراعٍ من السفل [الذي] له العلو، ومائة ذراع من السفل الذي لا علو له، حسبتها بستةٍ وستين ذراعًا وثلثين؛ لأنّ العلو عنده بنصف السفل، فسقط من ذرع السفل المنفرد الثلث، ثم يذرع العلو الذي لا سفل له، فإذا كان مائة ذراعٍ حسبته بثلاثةٍ وثلاثين وثلث؛ لأنّ العلو المنفرد له منفعةٌ واحدةٌ، والسفل مع علوه ثلاث منافع، فجعل هذا على الثلث من ذلك. وقال أبو يوسف: إذا ذرعت مائة ذراع من السفل الذي لا علو له، جعلتها خمسين ذراعًا من السفل والعلو، فكذلك العلو المنفرد. قال ابن الوليد: وكنت أنظر إلى المواضع التي [يتفاضل فيها السفل والعلو] (١)، فأقوّمه على قدر ذلك، وقد رأيت أصحابنا يستحسنون ذلك، وهذا على قول محمدٍ (٢).

стр. 5037

بَابُ دعوى الغلطِ في القسمةِ قال محمدٌ: وإذا اقتسم القوم دارًا، وقبض كلّ واحدٍ منهم حقّه من ذلك (١)، ثم ادّعى أحدهم غلطًّا، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك: لا تعاد القسمة، ولكنّه يسأل البيّنة على الغلط، فإن أقام البيّنة على ذلك، أعدت القسمة فيما بينهم حتى يستوفي كلّ ذي حقٍّ حقّه؛ وذلك لأن مدّعي الغلط يدّعي حقّ الفسخ في عقدٍ قد عقده، فلا يُلتفَت إلى دعواه إلا ببيّنةٍ، كما لو ادّعى المشتري غِشًّا (٢) في المبيع، فإذا ثبت الغلط في القسمة بالبيّنة، استؤنفت القسمة؛ لأنّها للتعديل، وقد تبيّنا أنّ القاضي لم يعدل، فوجب أن يستأنفها على العدل، فإن لم تقم بيّنةٌ فأراد المدّعي للغلط استحلاف [الباقين] (٣) فله ذلك؛ لأنّه يدّعي حقّ الفسخ عليهم، فهو كما لو ادّعى الخيار، فمن حلف منهم لم يكن عليه سبيلٌ؛ لأنّ اليمين تقطع الخصومة، فإن نكل الآخر نظرت إلى حصة الذي نكل، (وقضيت للذي) (٤) ادّعى الغلط، فقسمت بينهما على قدر أنصبائهما؛ وذلك لأنّ الناكل كالمعترف بما ادُّعي عليه، واعترافه يلزمه في نفسه، ولا يلزم بقيّة الشركاء، فوجب أن يُعامَل في حقّ نفسه بما يُعامَل به لو لم يكن غيره، فيجمع نصيبه إلى نصيب المدّعي، ويقتسمان على قدر حقّهما في الأصل.

стр. 5038

قال (١): وإن ادّعى أحدهما الغلط بعد القسمة والقبض؛ فهو مثل ذلك، ولا يعاد ذرعٌ ولا مساحةٌ ولا كيلٌ ولا وزنٌ، يعني: إذا لم تقم البيّنة؛ لأنّ العقد قد تمّ بالتقابض، فلا يلتفت إلى دعوى الفسخ بغير بيّنة. قال: وإذا قسم الرجلان دارين، فأخذ أحدهما دارًا والآخر دارًا، ثم ادّعى أحدهما غلطًا وأقام البيّنة (٢)، فإنّه يُقضَى له بذلك الذرع، ولا تعاد القسمة، وليس هذا كالدار الواحدة. وأما في قياس قول أبي حنيفة: فالقسمة فاسدةٌ، و [الداران] (٣) بينهما نصفان، وهذا فرعٌ على اختلافهم في بيع أذرعٍ من دارٍ. قال أبو حنيفة: لا يصحّ، وقالا (٤): يصحّ. فعلى أصل أبي حنيفة: لو لم تنتقض القسمة لرجع بأذرعٍ من الدار الأخرى، وتمليك ذراعٍ من دارٍ عنده لا يجوز؛ ولأنّ الدارين لا يقسم بعضها في بعضٍ عنده إلا بالتراضي، فقسمتها في معنى البيع، والبيع على هذا الوجه لا يصحّ. فأمّا على قولهما: فهذه القسمة فيها معنى البيع؛ بدلالة أنّ القاضي لا يقسمها إلا إذا كان ذلك أصلح (٥) للشركاء، فلم يكن قسمةً محضةً، وإذا صارت في معنى البيع، لم ينقض بالغلط، فوجب استيفاء الزيادة من الدار الأخرى، وذلك (عندهما لا يفسد البيع؛ لأنّ بيع الذراع من الدار جائزٌ، فكذلك القسمة،

стр. 5039

وليس هذا عندهما كالدار الواحدة) (١)؛ لأنّ الغلط في الذرع إذا [بان] (٢) فيها وجب الرجوع بأذرعٍ من إحدى الحصتين (٣)، فتبقى الشركة بحالها، وليس فيها معنى البيع، فوجب أن ينقض فيستأنف على الوجه الجائز. قال: وإذا اقتسم الرجلان أقرحةً (٤)، فأصاب أحدهما قراحان، وأصاب الآخر أربعة أقرحةٍ، ثم ادّعى صاحب القراحين أحد الأقرحة التي في يد صاحب الأربعة، وأقام البيّنة أنّه أصابه في قسمته، فإنهُ يُقضَى له بذلك؛ لأنّه يدعي أنّه لم يستوف ما أصابه بالقسمة، فوجب أن يُقضَى له بتسليم ما أصابه. قال: وإذا اقتسم رجلان عشرة أثواب، فأخذ أحدهما أربعةً، والآخر ستةً، فادّعى صاحب الأربعة ثوبًا بعينه أصابه من القسمة، وأقام على ذلك بيّنةً، فإنّه يُقضى له به على ما قدّمنا، فإن لم يكن (٥) له بينةٌ، كان له أن يستحلف الذي في يده الثوب؛ وذلك لأنّه يدّعي حقًا في يده. قال: فإن أقام البيّنة كلّ واحدٍ منهما بقسمتهما (٦) على هذا الثوب أنّه أصابه، [فإنّه] يُقضى به لصاحب الأربعة؛ وذلك لأنّه خارجٌ، فبيّنته أولى من بيّنة صاحب اليد. قال: وإذا اقتسم رجلان مائة شاة، فأصاب أحدهما خمسٌ وخمسون،

стр. 5040

وأصاب الآخر خمسٌ وأربعون، ثم ادّعى صاحب الأوكس أنه غلط في القسمة، وقال: أخطأنا في تقويمها، فإنّه لا تعاد القسمة، ولا تُقبَ منه في ذلك بيّنةٌ، فإن قال: أخطأنا في العدّ، فأصاب كلّ واحدٍ منا خمسون شاةً، وهذه الخمس كانت منّا غلطًا، وقال الآخر: قد اقتسمنا على هذا، وليس بينهما بيّنةٌ، والغنم قائمةٌ بعينها، [فإنّهما] يتحالفان ويترادّان، فإن أقام كلّ واحدٍ منهما بيّنةً على ذلك، رددت القسمة. قال: وجملة هذا: أنّ المدّعي للغلط في القيمة لا يلتفت إلى دعواه، ولا تسمع بيّنته (١)؛ لأنّه قد تمّ العقد، ثم ادّعى فساده، فلا يُقبَل منه (٢)؛ ولأنّ القيمة تختلف بحسب الاجتهاد والأوقات، فإذا مضت القسمة عليها لم تُقبَل البيّنة بعد ذلك؛ لجواز أن تكون القيمة اختلفت؛ ولأنّ الشهود بالقيمة يشهدون على فعل أنفسهم، ولا يثبتون بالشهادة حقًا على غيرهم، فلا تُقبَل شهادتهم. وليس هذا كالشهادة بزيادة القيمة في الغصب؛ لأنّ الشهود يثبتون حقا في ذمّة الغاصب؛ فلذلك قُبلَت شهادتهم. وأمّا إذا ادّعى مدّعي الغلط: أنّه قد استوفى حقّه من [القيمة] (٣)، ثم أخذ (٤) شريكه بعض حقّه، فهذا مدّعي الغصب؛ لأنّ القسمة تمّت باستيفاء حقوقها من القبض، وغلبة أحد الشريكين بعد ذلك غصبٌ، فإن قامت به بيّنةٌ [قضي به] (٥)، وإلا استُحلِف للشريك.

стр. 5041

وأمّا إذا ادّعى: أنّ الذي أصابه من العدد لم يقبضه، فإنّهما يتحالفان؛ لأنّ العقد لم يتمّ، وقد اختلفا في المعقود عليه، فيتحالفان ويفسخ العقد كالبيع. فإن قال أحدهما: أخذتَ إحدى وخمسين غلطًا، وأخذتُ أنا سبعة وأربعين، وقال الآخر: ما أخذتُ إلا خمسين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنّ شريكه يدّعي عليه استيفاء ما ليس له، فلا يُقبَل قوله. قال: وإذا اقتسم رجلان دارًا، وأخذ كلّ واحدٍ منهما طائفةً، فادّعى أحدهما بيتًا في يد الآخر، وقال: هذا فيما أصابني، وكذّبه الآخر، فإنّ عليه البيّنة، فإن أقاما جميعًا البيّنة أخذت ببيّنة المدّعي، وقد بيّنا هذا. ولو لم يشهدا على القسمة، واختلفا في هذا البيت، تحالفا؛ لما بيّنا أنّ العقد لم يتمّ، وقد اختلفا في المعقود عليه، فيتحالفان. قال: وإذا اختلفا [في الحدّ] فيما بينهما، فقال أحدهما (١): هذا الحدّ لي، فأَدخَل في نصيب صاحبه، وقال الآخر: هذا الحدّ لي، فأَدخَل في نصيب صاحبه، فإن قامت البيّنة [لهما] (٢) أخذت ببيّنة [هذا] وبيّنة هذا، فإن قامت البيّنة لأحدهما، أخذت ببيّنته، وإن لم تقم لهما بيّنةٌ، حلف كلّ واحدٍ منهما على دعوى صاحبه؛ وذلك لأنّ الأكبر منهما ادعّى [حدًّا] ممّا في يد الأصغر، والأصغر ادّعى حدًّا آخر ممّا في يد الأكبر، فإذا أقاما البيّنة قضي لكلّ واحدٍ منهما بما قامت بيّنته عليه، فأمّا إذا لم تقم بيّنة تحالفا؛ لأنّه اختلافٌ في المعقود عليه، فإن أراد أحدهما أن يردّ القسمة، ردّها بعد أن يتحالفا؛ وذلك لأنّ العقد

стр. 5042

عندنا [لا ينفسخ] بالتحالف حتى [يفسخه] (١) الحاكم، والحاكم إنّما يفسخ بمطالبة الخصم، فإن طالب فسخ، وإلا لم يفسخ (٢).

стр. 5043

بَابٌ القسمةِ يستحقُّ منها الشيءُ قال محمدٌ: إذا كانت دارٌ بين رجلين نصفين، فاقتسماها، فأخذ أحدهما الثلث من مقدّمتها وقيمته ستمائة، وأخذ الآخر الثلثين من مؤخّرها، وقيمتها ستمائة، ثم استحقّ نصف ما في يد صاحب المقدّم، فإنّ أبا حنيفة قال في هذا: يرجع صاحب المقدّم على صاحب المؤخّر بربع ما في يده، وقيمة ذلك مائة وخمسون دينارًا (١)، وإن شاء نقض القسمة، وهو قول محمدٍ. وقال أبو يوسف: يردّ ما بقي في يديه، ويبطل القسمة، ويكون ما بقي في أيديهما بينهما نصفين. وقد نقل الحاكم في هذه المسألة قول محمدٍ مع قول أبي يوسف، والصحيح ما ذكره أبو الحسن؛ لأنّ ابن سَمَاعة كتب إلى محمدٍ فقال له: قولك في هذا مثل قول أبي حنيفة؟ فقال: نعم. وجه قولهما: أنّ القسمة فيها معنى البيع، ومعلومٌ أنّ المتبايعين إذا استُحِقّ بعض نصيب أحدهما، كان بالخيار: إن شاء أمسك الباقي ويرجع بحصّته، وإن شاء فسخ البيع، وكذلك القسمة؛ لأن الاستحقاق إذا حصل في نصف ثلث المقدّم، بقي للمستحقّ عليه نصف الثلث، وبقي حقٌّ له فيما في يد الآخر. ولو كانت الدار ابتداءً بينهم: الثلث المقدّم منها للمستحِقّ نصفه، وللشريكين

стр. 5044

نصفه، والثلثان بينهما، جاز أن يبتدأ بالقسمة، فيأخذ أحدهما نصف الثلث المقدم، ويُبقي لنفسه ربع الثلثين مع شريكه، فإذا جاز ابتداء القسمة على هذا الوجه، جاز البقاء. لأبي يوسف: أنّ الاستحقاق تبيّن به أنّه كان لهما شريكٌ ثالثٌ في الدار، ومعلومٌ أنّ الدار إذا كانت بين ثلاثةٍ واقتسمها اثنان منهم، فالقسمة باطلةٌ، كذلك هذا، ولأنّ هذا الاستحقاق يؤدي إلى إثبات الشيوع (١) في النصيبين، ألا ترى أنّ المستحَقّ عليه يصيرُ شريكًا للمستحِقّ، ثم رجع على شريكه فيشركه فيما في يده، وإذا أدّى إلى الإشاعة في النصيبين صار كالشريك الثالث. والجواب: أنّ الشريك الثالث يثبت حقّه في جميع الدار، فلا يجوز أن تصحّ القسمة من دونه، وليس كذلك الاستحقاق من مكانٍ بعينه؛ لأنّه لا يؤدي إلى الإشاعة [في] كلّ الدار، فكما يصحّ أن يبتدأ القسمة على هذا الوجه، فكذلك البقاء، وإنّما (٢) رجع صاحب الثلث المقدّم [بربع] (٣) ما في يد صاحب الثلثين؛ لأنّه لو استحق جميع الثلث رجع بنصف الثلثين، فإذا استحقّ نصفه، رجع بالربع؛ ولأنّ الدار كان قيمتها ألفًا (٤) ومائتين، فلما استحقّ نصف المقدّم تبيّنا أنّ المشترك بينهما [تسعمائة] (٥)، لكلّ واحدٍ منهما أربعمائة

стр. 5045

وخمسون، (وفي يد صاحب المؤخّر ستمائة، فقد فضل معه مائةٌ وخمسون) (١)، وذلك ربع ما في يده. قال: ولو كان صاحبُ المقدّم باع نصف ما في يده، واستحقّ النصف الباقي، فله أن يرجع [على صاحبه] في قول أبي حنيفة ومحمد، بربع ما في يده. وفي قول أبي يوسف: يغرم نصف قيمة ما باع، [ويضمّ] (٢) ما بقي إلى الثلثين، فيقتسمانه نصفين. أمّا على أصلهما: فالقسمة لا تنفسخ بالاستحقاق، وإنّما يثبت للمستحَقّ عليه الخيار، فإذا باع بعض (٣) نصيبه سقط خياره، فلم يبق إلا الرجوع. فأمّا على قول أبي يوسف: فالقسمة فاسدةٌ، فإذا باع أحدهما ما حصل في يده بعقدٍ فاسدٍ [نفذ] (٤) بيعه، كما يحصل في يده ببيعٍ [فاسدٍ]، ويجب عليه نصف قيمته؛ لأنّ الذي باعه حصل له بعضه بحقّ الملك وبعضه على طريق العوض، فيردّ نصف قيمته ويقتسمان ما بقي نصفين. قال: فإن كانت مائة شاة بين رجلين نصفين، فاقتسما وأخذ أحدهما أربعين شاةً تساوي خمسمائة، وأخذ الآخر ستين شاة تساوي خمسمائة، فاستُحِقّت شاةٌ من الأربعين تساوي عشرة دراهم، فإنّه يرجع بخمسة دراهم في الستين شاةً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمدٍ؛ وذلك لأنّ استحقاق الشاة [لا] يتبيّن به
следующие страницы →