وأمّا إذا ادّعى: أنّ الذي أصابه من العدد لم يقبضه، فإنّهما يتحالفان؛ لأنّ العقد لم يتمّ، وقد اختلفا في المعقود عليه، فيتحالفان ويفسخ العقد كالبيع.
فإن قال أحدهما: أخذتَ إحدى وخمسين غلطًا، وأخذتُ أنا سبعة وأربعين، وقال الآخر: ما أخذتُ إلا خمسين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنّ شريكه يدّعي عليه استيفاء ما ليس له، فلا يُقبَل قوله.
قال: وإذا اقتسم رجلان دارًا، وأخذ كلّ واحدٍ منهما طائفةً، فادّعى أحدهما بيتًا في يد الآخر، وقال: هذا فيما أصابني، وكذّبه الآخر، فإنّ عليه البيّنة، فإن أقاما جميعًا البيّنة أخذت ببيّنة المدّعي، وقد بيّنا هذا.
ولو لم يشهدا على القسمة، واختلفا في هذا البيت، تحالفا؛ لما بيّنا أنّ العقد لم يتمّ، وقد اختلفا في المعقود عليه، فيتحالفان.
قال: وإذا اختلفا [في الحدّ] فيما بينهما، فقال أحدهما (١): هذا الحدّ لي، فأَدخَل في نصيب صاحبه، وقال الآخر: هذا الحدّ لي، فأَدخَل في نصيب صاحبه، فإن قامت البيّنة [لهما] (٢) أخذت ببيّنة [هذا] وبيّنة هذا، فإن قامت البيّنة لأحدهما، أخذت ببيّنته، وإن لم تقم لهما بيّنةٌ، حلف كلّ واحدٍ منهما على دعوى صاحبه؛ وذلك لأنّ الأكبر منهما ادعّى [حدًّا] ممّا في يد الأصغر، والأصغر ادّعى حدًّا آخر ممّا في يد الأكبر، فإذا أقاما البيّنة قضي لكلّ واحدٍ منهما بما قامت بيّنته عليه، فأمّا إذا لم تقم بيّنة تحالفا؛ لأنّه اختلافٌ في المعقود عليه، فإن أراد أحدهما أن يردّ القسمة، ردّها بعد أن يتحالفا؛ وذلك لأنّ العقد
стр. 5042
عندنا [لا ينفسخ] بالتحالف حتى [يفسخه] (١) الحاكم، والحاكم إنّما يفسخ بمطالبة الخصم، فإن طالب فسخ، وإلا لم يفسخ (٢).
стр. 5043
بَابٌ القسمةِ يستحقُّ منها الشيءُ
قال محمدٌ: إذا كانت دارٌ بين رجلين نصفين، فاقتسماها، فأخذ أحدهما الثلث من مقدّمتها وقيمته ستمائة، وأخذ الآخر الثلثين من مؤخّرها، وقيمتها ستمائة، ثم استحقّ نصف ما في يد صاحب المقدّم، فإنّ أبا حنيفة قال في هذا: يرجع صاحب المقدّم على صاحب المؤخّر بربع ما في يده، وقيمة ذلك مائة وخمسون دينارًا (١)، وإن شاء نقض القسمة، وهو قول محمدٍ.
وقال أبو يوسف: يردّ ما بقي في يديه، ويبطل القسمة، ويكون ما بقي في أيديهما بينهما نصفين.
وقد نقل الحاكم في هذه المسألة قول محمدٍ مع قول أبي يوسف، والصحيح ما ذكره أبو الحسن؛ لأنّ ابن سَمَاعة كتب إلى محمدٍ فقال له: قولك في هذا مثل قول أبي حنيفة؟ فقال: نعم.
وجه قولهما: أنّ القسمة فيها معنى البيع، ومعلومٌ أنّ المتبايعين إذا استُحِقّ بعض نصيب أحدهما، كان بالخيار: إن شاء أمسك الباقي ويرجع بحصّته، وإن شاء فسخ البيع، وكذلك القسمة؛ لأن الاستحقاق إذا حصل في نصف ثلث المقدّم، بقي للمستحقّ عليه نصف الثلث، وبقي حقٌّ له فيما في يد الآخر.
ولو كانت الدار ابتداءً بينهم: الثلث المقدّم منها للمستحِقّ نصفه، وللشريكين
стр. 5044
نصفه، والثلثان بينهما، جاز أن يبتدأ بالقسمة، فيأخذ أحدهما نصف الثلث المقدم، ويُبقي لنفسه ربع الثلثين مع شريكه، فإذا جاز ابتداء القسمة على هذا الوجه، جاز البقاء.
لأبي يوسف: أنّ الاستحقاق تبيّن به أنّه كان لهما شريكٌ ثالثٌ في الدار، ومعلومٌ أنّ الدار إذا كانت بين ثلاثةٍ واقتسمها اثنان منهم، فالقسمة باطلةٌ، كذلك هذا، ولأنّ هذا الاستحقاق يؤدي إلى إثبات الشيوع (١) في النصيبين، ألا ترى أنّ المستحَقّ عليه يصيرُ شريكًا للمستحِقّ، ثم رجع على شريكه فيشركه فيما في يده، وإذا أدّى إلى الإشاعة في النصيبين صار كالشريك الثالث.
والجواب: أنّ الشريك الثالث يثبت حقّه في جميع الدار، فلا يجوز أن تصحّ القسمة من دونه، وليس كذلك الاستحقاق من مكانٍ بعينه؛ لأنّه لا يؤدي إلى الإشاعة [في] كلّ الدار، فكما يصحّ أن يبتدأ القسمة على هذا الوجه، فكذلك البقاء، وإنّما (٢) رجع صاحب الثلث المقدّم [بربع] (٣) ما في يد صاحب الثلثين؛ لأنّه لو استحق جميع الثلث رجع بنصف الثلثين، فإذا استحقّ نصفه، رجع بالربع؛ ولأنّ الدار كان قيمتها ألفًا (٤) ومائتين، فلما استحقّ نصف المقدّم تبيّنا أنّ المشترك بينهما [تسعمائة] (٥)، لكلّ واحدٍ منهما أربعمائة
стр. 5045
وخمسون، (وفي يد صاحب المؤخّر ستمائة، فقد فضل معه مائةٌ وخمسون) (١)، وذلك ربع ما في يده.
قال: ولو كان صاحبُ المقدّم باع نصف ما في يده، واستحقّ النصف الباقي، فله أن يرجع [على صاحبه] في قول أبي حنيفة ومحمد، بربع ما في يده.
وفي قول أبي يوسف: يغرم نصف قيمة ما باع، [ويضمّ] (٢) ما بقي إلى الثلثين، فيقتسمانه نصفين.
أمّا على أصلهما: فالقسمة لا تنفسخ بالاستحقاق، وإنّما يثبت للمستحَقّ عليه الخيار، فإذا باع بعض (٣) نصيبه سقط خياره، فلم يبق إلا الرجوع.
فأمّا على قول أبي يوسف: فالقسمة فاسدةٌ، فإذا باع أحدهما ما حصل في يده بعقدٍ فاسدٍ [نفذ] (٤) بيعه، كما يحصل في يده ببيعٍ [فاسدٍ]، ويجب عليه نصف قيمته؛ لأنّ الذي باعه حصل له بعضه بحقّ الملك وبعضه على طريق العوض، فيردّ نصف قيمته ويقتسمان ما بقي نصفين.
قال: فإن كانت مائة شاة بين رجلين نصفين، فاقتسما وأخذ أحدهما أربعين شاةً تساوي خمسمائة، وأخذ الآخر ستين شاة تساوي خمسمائة، فاستُحِقّت شاةٌ من الأربعين تساوي عشرة دراهم، فإنّه يرجع بخمسة دراهم في الستين شاةً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمدٍ؛ وذلك لأنّ استحقاق الشاة [لا] يتبيّن به
стр. 5046
أنّه كان للمتقاسمين شريكٌ ثالثٌ، فلم يوجب ذلك نقض القسمة على قول أبي يوسف، إلا أنّا تبيّنا أنّ بينهما ألفًا إلا عشرة [دراهم]، حقّ كلّ واحدٍ منهما أربعمائة وخمسة وتسعين، وقد أخذ صاحب الأربعين أربعمائة وتسعين، وأخذ الآخر خمسمائة، فبقي لهذا الشريك [خمسةٌ]، فوجب أن يضرب في الستين شاة بخمسة دراهم، ويضرب فيها شريكه بأربعمائة وخمسة وتسعين، فيقتسمانها على ذلك.
قال: فإن كان كُرُّ حنطةٍ بين رجلين نصفين، يكون أربعين قفيزًا، منها عشرة أقفزةٍ طعامٌ جيدٌ، وثلاثون قفيزًا رديءٌ على حدةٍ، فأراد أحدهما أن يأخذ عشرة أقفزةٍ طعامًا (١) [بحقّه]، ويأخذ الآخر ثلاثين قفيزًا، فإن هذا لا يجوز؛ لأنّ القسمة فيها معنى التمليك، وتمليك الحنطة بأكثر من كيلها لا يجوز.
قال: فإن زاده صاحب الثلاثين قفيزًا ثوبًا، فاقتسما على ذلك فهو جائزٌ؛ وذلك لأنّ العشرة الجيدة لا يجوز أن تكون في مقابلتها أكثر من عشرة، ويبقى بينهما عشرون قفيزًا أخذها [أحدهما] وأعطى ثوبًا بدلًا عن عشرةٍ منها، وهو حقّ صاحبه، فيجوز ذلك، وهذا على أصلنا في قسمة [الاعتبار] (٢)، وقد بيّنا ذلك في البيوع.
قال: فإن استَحقّ [عليه] في الثلاثين عشرة مخاتيم (٣)، فإنّه يرجع عليه بنصف الثوب؛ لأنّ عشرةً من الثلثين بالعشرة الخيار، والثوب بحصّة صاحب
стр. 5047
العشرة من العشرين الباقية، فلمّا استحق نصفها رجع عليه بنصف الثوب.
قال: وهذا الجواب في كتاب القسمة، وقال في زيادة الزيادات: إذا استحق عشرة أقفزةٍ من الطعام الرديء، رجع [عليه] بثلث (١) الثوب وثلث الطعام الجيد، فمن أصحابنا من قال: بأنّ ما في الزيادات هو القياس، وما في الكتاب هو (٢) الاستحسان.
وجه القياس: أنّ العشرة مستحقةٌ من جملة الثُلُثين مُشاعًا، فقد استحقّ من كلّ عشرةٍ ثلثها، ومعلومٌ أن عشرةً منها بإزاء الثوب، فرجع بثلثه، وعشرةً منها بإزاء العشرة [الجياد] (٣)، فيرجع بثلثها، وعشرة مال المستحَقّ عليه، فلا يرجع بما اسْتُحِقّ منه.
وجه الاستحسان: أنّ الاستحقاق إذا حصل من الجملة مشاعًا، وجب أن يُجعَل من جميعها إذا كان لها حكمٌ واحدٌ، فإذا اختلف حكمها، جاز أن يُجعَل من بعضها دون بعضٍ؛ بدلالة ما قالوا فيمن باع إبريقًا وزنه عشرة دراهم وثوبًا بعشرين درهمًا، وتقابضا وافترقا، ثم استُحِقّ من العشرين عشرةٌ: جُعلَت من ثمن الثوب، ولم تُجعَل من جملة (٤) ثمن الثوب وثمن (٥) الإبريق؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى بطلان جواز (٦) الصرف، فلمّا صار لأحد الأمرين مَزيّةٌ على الآخر، جعل
стр. 5048
الاستحقاق من أحدهما، كذلك في مسألتنا: العشرة الجيدة بالعشرة الرديئة قسمةٌ، والعشرة بالثوب بيعٌ، فإذا جعلها الاستحقاق من حصة البيع، لم يحتج إلى إعادته، وإذا جعلناها من حصة القسمة، وجب إعادة القسمة، فوجب أن يُجعَل من حصة الثوب دون حصة القسمة.
وإذا كان الاستحقاق مما يسوّي (١) القسمة، صار من العشرين الباقية، فخمسة أقفزةٍ مستحقّةٌ من بدل الثوب، وهي نصف ثمنه؛ فلذلك رجع بنصفه.
قال: وإذا اقتسم رجلان دارًا واحدةً، وأرضًا واحدةً، فبنى أحدهما فيما صار له، أو غرس ثم استُحِقّ كلّه أو بعضه فيما فيه [من] البناء، فإنه [يقلع] (٢) المستحِقّ البناء والغرس، ولا يكون المستَحَقِّ عليه مغرورًا، ولا يكون له أن يسلم ما نقض إلى شريكه، ويضمّنه قيمة ذلك مَبْنِيًّا أو مغروسًا.
قال: وجملة هذا: أنّ القسمة إذا وقعت بإجبار الحاكم، [أو] (٣) وقعت بتراضيهما فيما يجبر الحاكم عليه، ثم استحقّ أحد النصيبين، لم يرجع الذي أخذه بقيمة البناء والغرس؛ لأنّ الرجوع بذلك إنّما هو لأجل الغرور، ألا ترى أن البائع قد غرّ المشتري [حين] (٤) أوجب له البيع في أرضٍ ضَمِن (٥) أنّها ملكه، فأنفق فيها مغترًا بالضمان، وهذا لا يوجد في القسمة؛ لأنّ المقاسم [إنّما] أُخِذ منه نصف العقار بغير اختياره حين أجبره القاضي.
стр. 5049
وإن كان لم يجبره فقد كان معرّضًا للإجبار لو لم يقسم، فلم يكن غارًّا فلم يضمن قيمة البناء والغرس.
ولهذا قالوا: إنّ الشفيع إذا أخذ العقار بالشُّفعة فبنى فيه، ثم استُحِقّ، فقلع البناء، لم يرجع بقيمته على المشتري؛ لأنَّه لم يغرّه فيه، وإنّما أخذه بغير اختياره.
وكذلك قال محمدٌ في الجارية المأسورة إذا اشتراها رجلٌ من أهل الحرب، فأخذها المولى الأول بالثمن، واستولدها، ثم استحِقّت: [لم] (١) يرجع بقيمة الولد؛ لأنّه أخذها بغير اختيار المشتري، فلم يكن المشتري غارًّا.
فكذلك قال في جاريةٍ بين شريكين استولدها أحدهما، ثم استُحِقّت وضمن قيمة الولد، لم يرجع به على الشريك؛ لأنّ الشريك لم يوجب الملك فيها، وإنّما أُخِذت بغير اختياره.
وكذلك قال في الأب إذا وطئ جارية الابن، فعلقت واستُحِقّت فضمن قيمة الولد، لم يرجع به على ابنه؛ لأنّه أُخِذ من المالك بغير اختياره.
وقد قال أبو يوسف في غاصب الجارية: إذا لم يقدر على ردّها فضمّنه المولى القيمة، ثم رجعت، فاستولدها الغاصب، ثمّ استُحِقّت، رجع الغاصب على مولاها بالقيمة التي ضمن له، وبقيمة الولد، ولم يحك خلافًا، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الملك يحصل باختيار المولى للتضمين، فقد أوجب الملك فيها بالضمان، فصار كالبائع.
قال: ولو كانت بينهما، داران، أو أرضان، فأخذ كلّ واحدٍ منهما واحدةً،
стр. 5050
فبنى فيها، ثم استُحِقّت، ونقض البناء، رجع بقيمة البناء؛ وذلك لأنّ من أصل أبي حنيفة أنّ الدارين لا يُجبر على قسمة إحداهما في الأخرى، فلمّا وقعت القسمة بغير اختيارٍ، صار كلّ واحدٍ منهما كالبائع لنصيبه من شريكه، فيصير غارًّا.
ومن أصحابنا من قال: إن على قول أبي يوسف ومحمدٍ لا يرجع؛ لأنّ من أصلهما أنّ الدارين تقسم إحداهما في الأخرى، فهما كالدار الواحدة.
والصحيح: أنّه لا خلاف في هذا؛ لأنّ عندهما إنّما تقسم إحدى الدارين في الأخرى إن رأى القاضي ذلك صلاحًا، وإن لم ير فيه صلاحًا لم تقسم، فإذا اقتسماها بغير حكمٍ لم تقع القسمة على ما يجبر القاضي عليه، فصارت في معنى البيع.
وقد قالوا في الجاريتين المشتركتين: إذا اقتسماهما وأخذ كلّ واحدٍ من الشريكين (١) [جاريةً] فاستولدها، ثم استُحِقّت، رجع على شريكه في قول أبي حنيفة؛ لأنّ الرقيق عنده لا يقسم بعضه في بعض، فصارت القسمة كالبيع.
و [يجيء] على قول أبي يوسف ومحمدٍ: أن لا يرجع؛ لأنّ القسمة في الرقيق يجبر القاضي عليها، فصارت كالدار الواحدة (٢).
стр. 5051
بَابْ ما يوجبُ نقض القسمة
قال محمد: إذا اقتسم الورثة دارًا للميت، وعلى الميت ديونٌ، فجاء الغرماء يطلبون دَيْنَهُمْ، فإن القسمة تردّ قليلًا كان الدين أو كثيرًا، فإن كان للميت مالٌ سوى ذلك، جعلته في الدين وأنفذت القسمة؛ وذلك لأنّ الدين يمنع الوارث من التصرف؛ لتعلّق حقّ الغرماء بالمال، وإذا لم يجز التصرّف - والقسمة تصرّفٌ - لم تنفذ؛ ولأن الدين [إذا] كان مستغرقًا، فالورثة لا يملكون الدار، فلا تصحّ قسمتهم، وإذا كان غير مستغرقٍ، فالحقّ متعلّقٌ بالتركة، فيمنع التصرف كالرهن.
وأمّا إذا كان للميت مالٌ، جُعِل الدين فيه؛ لأنّ الحاكم لا حاجة به إلى إبطال القسمة، ألا ترى أنّ الغرماء لا حقّ لهم إلا في مقدار دينهم، فإذا استوفوه من بقية المال، لم يُحتَج إلى فسخ القسمة.
قال: فإن لم يكن للميت مالٌ، فأدّى الورثةُ الدينَ من مالهم على قدر واريثهم، فالقسمة جائزةٌ؛ وذلك لأنّ القسمة إنّما بطلت (١) لأجل الدين، فإذا قضي الدين (٢) زال المعنى المانع، فنفذت القسمة.
قال: وكذلك إن كان الميت قد أوصى بالثلث، فاقتسم الورثة وصاحب الثلث غائبٌ، ثم جاء، فإنّه يبطل القسمة إذا كانوا اقتسموا بغير قضاء القاضي؛
стр. 5052
وذلك (١) لأن الموصى له شريك الوارث، فصار غيبته كغيبة أحد الورثة، فتمنع القسمة، وإنما شرط أن تكون [القسمة] بغير قضاءٍ؛ لأنّ القاضي إذا قسم مع غيبة أحد الشركاء نفذ حكمه؛ (لأنّه موضعٌ يسوغ فيه الاجتهاد.
قال: ولو كان للميت وصيٌّ، فقسم حصّة صاحب الثلث، لم يجز عليه؛ لأنّه لا ولاية له على الموصى له) (٢)، فلم يجز قسمته في حقّه.
قال: وكذلك إن اقتسم الورثة وفيهم وارثٌ غائبٌ، وليس للميت وصيٌّ ولا للغائب وكيلٌ، ثم قدم الغائب، فله أن يبطل القسمة.
وكذلك لو كان في الورثة صغيرٌ ليس له وصيٌّ، [فكبر، فله] (٣) أن ينقض القسمة، فكذلك كلّ قسمةٍ وقعت بين الشركاء وأحدهم غائبٌ؛ وذلك لأنّه لا ولاية لهم على الغائب والصغير، فلا يجوز قسمتهم لحقّه.
قال: ولو أدّى بعض المقتسمين دينًا، وأقام بيّنةً، فله أن ينقض القسمة، فلا تكون قسمته إبراءً من دينه؛ وذلك لأنّ القسمة قد تقع مع وجود الدين [ثم يقضى] (٤) الدين من مالٍ آخر، أو تقضيه الورثة من أموالهم، فتنفذ القسمة، فلم يكن في دخول هذا الوارث معهم في القسمة إقرارًا بعدم الدين؛ فلذلك جاز أن يقيم عليه البيّنة.
فإن ادّعى وارثٌ وصيةً لابنٍ له صغيرٍ بعد القسمة، فإن القسمة لا تُبطِل
стр. 5053
حقّ الصغير، ولكنّ الأب لا يملك أن يقيم البيّنة؛ وذلك لأنّه لمّا قاسم فقد اعترف بصحة القسمة، والوصية لابنه حقٌّ في عين الدار، فيمنع من جواز القسمة، فصار الأب مدّعيًا لبطلان القسمة، فلا تقبل بيّنته على ذلك، ولا يسقط حقّ ابنه من الوصيّة؛ لأنّ الأب لا يملك إسقاط حقّ الولد، وليس في دخوله معه في العقد أكثر من الاعتراف بسقوط حقّه.
قال: و [كذلك] لو ادّعى بعض المقتسمين أنّ أخًا له من أبيه وأمّه قد ورث أباه معهم، وأنّه مات بعد أبيه، وورثه هو وأراد ميراثه، وقال: إنّما قسمت (١) ميراثي من أبي، وجحد بقية الورثة، وأقام المدّعي البيّنة؛ فإنّه لا يُقضَى له بحقّه، ولا تُقبَل بيّنته على ذلك، ولا تبطل القسمة إن كانوا كتبوا في القسمة أن لا حقّ لبعضهم فيما اقتسموا، أو لم يكتبوا؛ لأنّ المدّعي يدّعي ملكًا في غير ما قاسم عليه، وذلك يمنع من صحّة القسمة، فكان في دخوله في القسمة إسقاطٌ لحقّه في هذه الدعوى، فلم تُقبَل.
وكذلك كلّ ميراثٍ يدّعيه أو هبةٍ أو شراءٍ أو صدقةٍ؛ لأنّ هذه الحقوق تقتضي ثبوت ملكه فيما قاسم فيه، وقسمته على أنّه ميراثٌ يخالف ذلك، فلم تُقبَل.
قال: وقسمة المُكاتَب شركاءه مثل قسمة الحرّ، [وكذلك قسمة المأذون؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يملك التصرّف فيما في يده كما يملك الحرّ]، وكذلك قسمة الأب على الصغير والمعتوه، وكذلك كل من يجوز بيعه على الصغير، فقسمته عليه جائزةٌ؛ لأنّه يلى عليه، فجاز [له] أن يقسم بحقّ الولاية، كما يجوز [له أن يبيع] (٢).
стр. 5054
قال: وإذا قاسم على الصغير وصيُّ أمّه، أو وصيُّ أخيه، أو [وصيّ] عمّه، جازت قسمته في غير العقار، ولا يجوز في العقار؛ لأنَّه يملك بيع غير العقار، فيملك قسمته لِمَا في ذلك من الحظّ وللميت من الحفظ لماله (١)، ولا يملك العقار، فكذلك لا يملك قسمته (٢).
стр. 5055
بَابْ المهايأة
قال: وهذا النوع من المسائل لم يورده أبو الحسن، فذكرناه في القسمة؛ لأنّه أشبه بها.
والمهايأة (١) عندنا في المنافع المشتركة عقدٌ واجب إذا طلبه أحد الشريكين ولم يطلب شريكه قسمة [الأصل]، وقال الشافعي: لا يجوز (٢).
لنا: قوله تعالى حكايةً: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وهذه مهايأةٌ في الشرب، وروي أنّ امرأةً جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: وهبت نفسي منك، فقال: "لا حاجة لي في النساء"، فقام رجلٌ فقال: زوّجنيها يا رسول الله، فقال الله ﷺ : "هل معك ما تعطيها"؟ فقال: هذا الإزار، فقال: "إن تزوجتها على نصفه جلست في البيت يوما لتلبسه، ولبسته هي يومًا" (٣)، وهذا يدل على وجوب المهايأة؛ لأنّ المنافع ملكٌ مشتركٌ يجوز استحقاقه بالعقود، فجاز وقوع القسمة فيه كالأعيان.
وقد قال أصحابنا: إنّ العقود إذا اختصّت باسمٍ، انفردت بمعنىً،
стр. 5056
والمعنى الذي انفردت المهايأة به أنّها ليست بإجارةٍ؛ لأنّها استيفاء منفعةٍ على ملك المنتفع، والإجارة: استيفاء منفعةٍ من ملك الغير.
ويفارق العارية؛ لأنّ الاستحقاق يتعلّق بها، ولا يبطل بالموت وإن بطلت الإجارة والعارية بالموت، ويجوز لأحد الشريكين نقضها إذا [التمس] (١) عقد القسمة، وليس في الأصول عقدٌ لازمٌ يجوز فسخه باختيار عقدٍ آخر [إلا المهايأة].
ولا يجوز أن يقال: إنّ المهايأة تمليك منافع بمنافع من جنس واحدٍ، فهو كإجارة دارٍ بدارٍ؛ لأنّ [المتهايئين] (٢) ما يأخذه كلّ واحدٍ منهما في التقدير كأنّه ما ملكه بالأصل، وهذه المنفعة هي التي يستحقّها بملكه، وليست [عوضًا عما] (٣) انتفع به شريكه، فإن طلب أحدهما القسمة قسم الحاكم بينهما، وفسخ المهايأة؛ لأنّ القسمة هي الأصل، والمهايأة إنّما تثبت إذا عدلا عنها؛ بدلالة أنّ أحدهما لو طلب القسمة في الابتداء، وطلب الآخر المهايأة لم يُهايَأ بينهما، فإذا طلبها في الثاني سقطت المهايأة كالابتداء.
وإنّما قلنا: إنّ المهايأة لا تبطل بالموت؛ لأنّها لو انتقضت احتاج الحاكم إلى إعادتها في الحال، فلا معنى لنقضها واستئنافها.
٢٨١٠ - فَصْل: [التهايؤ في الدار بين رجلين]
فإذا كانت الدار بين رجلين فتهايأا فيها على أن أخذ هذا طائفةً، وأخذ (٤)
стр. 5057
هذا طائفةً يسكنها، جاز ذلك؛ لأنّ قسمة الأرض تجوز على هذا الوجه، فالمنفعة غير مختلفةٍ، فجازت المهايأة، وسواءٌ ذكر المهايأة مدّةً، أو لم يذكر؛ لأنّها عقد قسمةٍ، ولا يفتقر إلى التوقيت، كقسمة الأصل.
فإن شرط كلّ واحدٍ منهما أن يستعمل ما أصابه بالمهايأة، جاز؛ لأنّ المهايأة قسمة المنافع، فقد ملك كلّ واحدٍ منهما ما أصابه من المنفعة، فجاز له أن [يستغلّها] (١) ويأخذ العوض عنها، وإذا جاز ذلك، فشرطها له في العقد شرطًا لمقتضى العقد، فلا يفسد بالشرط.
وكان أبو علي الشاشي يقول: إنّ الاستغلال إنّما يجوز بالشرط، فإن وقع بالعقد ولم يشترطا الاستغلال، لم يجز لواحدٍ منهما أن يؤاجر، كما لا يجوز ذلك من المستعير، فظاهر الكتاب يدل على جواز الاستغلال من غير شرطٍ.
وإن تهايأا على أن أخذ أحدهما السفل والآخر العلو، جاز؛ لأنّ قسمة الأصل تجوز على هذا الوجه، فكذلك قسمة المنفعة.
٢٨١١ - فَصْل: [التهايؤ في دارين]
وإن تهاأا في دارين: فأخذ أحدهما دارًا والآخر دارًا، على أن يسكن كلّ واحدٍ منهما ما أخذ ويستغل، جاز، وهذا ظاهرٌ على قول أبي يوسف ومحمدٍ؛ لأنّ قسمة الأصل تجوز على هذا الوجه، فكذلك قسمة [المنفعة] (٢).
فأمّا على أصل أبي حنيفة: فلا يجوز قسمة إحدى الدارين في الأخرى؛
стр. 5058
فلذلك لا تجوز قسمة المهايأة، فمن أصحابنا من حمل المسألة (على أنّ ذلك جائزٌ بتراضيهما، ولو تراضيا على قسمة العقار (١) بعضها في بعضٍ جاز) (٢)، ومن أصحابنا من قال: إن المهايأة تقع بفعل الحاكم، فلو رأى الحاكم قسمة العقار (٣) بعضها في بعضٍ جاز.
وكان أبو الحسن يقول: معنى قول أبي حنيفة: إنّ العقار لا يقسم بعضه في بعضٍ: أن الأولى أن [لا] يفعل ذلك، فإن لم يفعل الأولى، جاز، فعلى قول أبي الحسن: القسمة في الأصل جائزةٌ، وكذلك المهايأة.
٢٨١٢ - فَصْل: [التهايؤ في دار واحدة لا تتسع لسكناهما معًا]
وإن كان بينهما دارٌ واحدةٌ لا تتسع لسكناهما فيها معًا (٤)، فتهايأا على أن يسكنها هذا شهرًا وهذا شهرًا جاز، أو كان له عبدٌ واحدٌ، تهايأا على أن يخدم هذا يومًا وهذا يومًا، جاز؛ لأنّ المهايأة في العبد والدار الصغيرة لا يمكن إلا بأن [يقدّم] (٥) أحدهما بالانتفاع، فيجوز ذلك، إلا أنّ هذه المهايأة تصير في معنى العارية؛ لأنّ قسمة الأصل على هذا الوجه لا تجوز؛ لأنها تمليكٌ مؤقّتٌ، فكذلك قسمة المنفعة، وإنّما يحمل هذا على أنّ كلّ واحدٍ منهما [أباح] لصاحبه الانتفاع في تلك المدّة.
ولهذا قالوا: إنّهم لو شرطوا الاستغلال لم يجز، كما لا يجوز للمستعير أن
стр. 5059
يؤاجر، فإن استغلّ كلّ واحدٍ منهما تقاسما الفضل؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما أجّر بإذن شريكه ملكًا مشتركًا؛ [فكأنّه] (١) وكّله بالإجارة، فإن تساويا في الاستغلال، كان ذلك قصاصًا، وإن استغل أحدهما أكثر، ردّ نصف [الفضل] (٢).
وليس كذلك الداران (٣)؛ لأنّ أحدهما إذا [استغلّ] (٤) أكثر من الآخر سلمت له الزيادة؛ لأنّه ملك المنفعة، فحصل له العوض عن ملكه، فلا يلزمه ردّ شيءٍ منه.
٢٨١٣ - فَصْل: [التهايؤ بين شريكين في خدمة العبد]
ولو تهايأا، وأخذ أحدهما عبدًا يخدمه، والآخر عبدًا، جاز، وهذا ظاهرٌ على قولهما في جواز قسمة الرقيق، فأمّا على أصل أبي حنيفة: فلا تجوز القسمة في العبدين، إلا أنّه قال في المنافع: إنّها تجوز؛ لأنّها جنسٌ واحدٌ غير مختلفٍ، فصار كمنفعة الدارين.
وأمّا الدواب المشتركة إذا أخذ أحدهما دابّةً يركبها، والآخر دابّةً، وشرطا الاستغلال، فعند أبي حنيفة لا يجوز.
وقالا (٥): يجوز، وقولهما ظاهرٌ؛ لأنّ قسمة الأصل تجوز على هذا الوجه، فكذلك المنفعة، ولأنّ أبا حنيفة جوّز المهايأة في العبدين وإن لم تجز قسمتهما،
стр. 5060
فلأن يجوز في [الدابتين] (١) مع جواز قسمتهما أولى.
إلا أنّ أبا حنيفة قال: إنّ المنافع في الدوابّ مختلفةٌ؛ بدلالة أنّ من استأجر دابةً ليركبها، لم يجز له أن يؤاجرها، وإذا اختلفت المنفعة لم تصحّ المهايأة، وليس كذلك منفعة العبدين والدارين؛ لأنّها غير مختلفة؛ بدلالة أنّ من استأجر [عبدًا ليخدمه، جاز له أن يؤجّره، ومن استأجر] دارًا ليسكنها، كان له أن يؤاجرها، وكأنّ أبا حنيفة اعتبر كون المنفعة من جنسٍ واحدٍ غير مختلفةٍ.
٢٨١٤ - فَصْل: [التهايؤ بين شريكين في النخل والشجر]
وإذا كان النخل والشجر بين شريكين قد تهايأا على أن يأخذ أحدهما طائفةً يستثمرها وأخذ الآخر طائفةً، أو كانت [الغنم] (٢) مشتركةً واتفقا على أن يأخذ كلّ واحدٍ [منهما] طائفةً يرعاها وينتفع بألبانها، لم يجز ذلك؛ لأنّ المهايأة تختصّ المنافع، فلو جوّزناها في مسألتنا، استحقّ بها الأعيان، وهذا لا يصحّ؛ ولأنّ ما يحصل من الولد والثمر (٣) يتفاوت، والأعيان لا يجوز قسمتها إلا بالتعديل؛ ولأنّ المنافع بنا ضرورةٌ إلى قسمتها قبل وجودها.
٢٨١٥ - فَصْل: [التهايؤ بين شريكين في إطعام العبد]
وقد قالوا في الشريكين إذا أخذ كلّ واحدٍ [منهما] عبدًا يخدمه، وشرط كلّ واحدٍ منهما على نفسه (٤) طعام العبد: جاز استحسانًا.
стр. 5061
وجه القياس: أنّ الطعام يجب عليهما، فإذا شرطاه على أحدهما، صار كالعوض عما شرط على الآخر، وهو مجهولٌ.
ووجه الاستحسان: أنّ التفاوت في الطعام لا يعتدّ به في العادة لقلّته، فسومح به؛ لأنّه من توابع العقد.
ولو شرط كلّ واحدٍ منهما كسوة العبد، لم يجز؛ لأن التفاوت في الكسوة يكثر، فبقي ذلك على أصل القياس (١).
تمّ كتاب القسمة
(ولله الحمد والنعمة، والصلاة على محمد وآله) (٢)
стр. 5062
[٨٠] كتابُ المأذونِ (١)
قال ﵀: يجوز الإذن للعبد في التجارة (٢)، والدليل عليه ما روي: (أنّ النبي ﷺ كان يركب الحمار، ويجيب دعوة المملوك) (٣)، ومعلومٌ أنّه لا يجيب المحجور، فلم يبق إلا أنّه يجيب المأذون، وهذا يدلّ على جواز الإذن.
وروي أنّ العباس كان له عشرون عبدًا، كلّ واحدٍ يتجر بعشرة آلاف (٤)، وكان هذا بحضرة الصحابة من غير نكيرٍ؛ ولأنّ العبد ممنوعٌ من التصرف لحقّ المولى، فإذا أذن المولى فقد أسقط حقّ نفسه، فجاز التصرف، ولا خلاف في هذا.
والإذن [للعبد] عندنا: إطلاقٌ من حجرٍ؛ لأنّ المانع من تصرّف العبد مع صحة قوله الحجر الثابت بالرّقِّ، فإذا أذن المولى زال الحجر بالإذن، كما يزول بالعتق، فيجوز تصرف العبد؛ ولهذا نقول: إنّه يتصرف لنفسه؛ بدلالة أنّه لا يرجع
стр. 5063
بالديون على مولاه، فلو تصرّف بالإذن لرجع عليه (١) كالمضارب والوكيل.
والإذن [يثبت] لمعانٍ: منها: أنّ من أُذِن له في التجارة إذنًا عامًا، أو أُذِن له في شيءٍ خاصٍّ يفوّض إليه الرأي فيه ممّا لا يُفعل في العادة على وجه الاستخدام، أو يراه يتصرّف ولا ينكر عليه، أو يضع عليه غلّةً في كلّ يومٍ، أو في كلّ شهرٍ، أو يقول له: إذا أدَّيْتَ إليّ ألفًا فأنت حرٌّ، (أو أدِّ إليَّ ألفًا وأنت حرٌّ) (٢).
وأمّا إذا أذن له إذنًا عامًا جاز تصرّفه في جميع الأشياء؛ لأنّها دخلت تحت الإذن الصريح، فيجوز التصرّف كما يجوز في المضارب
وأمّا إذا أذن في نوعٍ خاصٍّ، جاز له أن يتصرّف في كلّ نوعٍ استحسانًا، والقياس أن لا يجوز تصرّفه إلا في ذلك النوع، وهو قول زفر.
وجه القياس: أنّه أذن له في نوعٍ فلم يجز أن يتجاوزه كالمضارب والوكيل.
وجه الاستحسان: أنّه أطلق حجره بالإذن كما أطلقه بالعتق، ولو أعتقه لم يتخصّص الإذن (٣)، كذلك إذا أذن [له]؛ ولأنّ الإذن في نوعٍ يدخل فيه كل الأنواع من طريق المعنى؛ بدلالة أنّه إذا قال له: أذنت لك في البزّ (٤)، جاز أن يبيع البزّ بالحنطة، ثم يبيع الحنطة بالدراهم، وجاز [له] أن يشتري البزّ بالحنطة، ثم يبتاع الحنطة ويوفيها، فلو اختصّ الإذن بنوعٍ دخل غيره فيه حكمًا، فلذلك قلنا: إنّه عامٌّ.
стр. 5064
وليس هذا كالوكيل والمضارب؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يرجع بما يلزمه من الدين، وللآمر غرضٌ صحيحٌ في أن لا يوجب الرجوع على نفسه في كلّ شيءٍ، ولا [غرض] (١) للمولى في التخصيص؛ لأنّ العبد لا عليه، وإنما تعلق رقبته بالدين، ولا فرق بين استحقاقها في النوع الذي عينه أو في غيره.
وعلى هذا قال أصحابنا: إذا أذن لعبده دهرًا (٢) أو شهرا، كان مأذونًا أبدًا، إلا أن يحجر عليه؛ لأنّ الإذن إطلاقٌ من حجر، فلا يتوقّت كالبلوغ.
وقالوا: إذا قال له: أذنت لك في شراء البزّ، فلا تشتر غيره، ولا تتّجر في غيره، فهو إذنٌ في جميع التجارات؛ لأنّه حجر عليه مع بقاء الإذن، وهو لا يملك إلا الإذن على الإطلاق، أو الحجر على الإطلاق.
وقالوا: لو أمره بضربٍ من الصنائع فقال: [اقعد] (٣) قصّارًا أو صبّاغًا، فقد أذن له في جميع الصنائع وجميع التجارات، وله أن [يقعد] (٤) صيرفيًا، وأن يشتري ما بدا له من الدوابّ (٥) والرقيق وغير ذلك؛ لأنَّه لمّا أذن له في الصِّناعة، فقد أذن له في ابتياع آلاتها، وفي استئجار الأُجَرَاء للعمل، والإذن في نوعٍ [من] الشراء إذنٌ في كلّ نوعٍ؛ لأنّ العمل (٦) يلزمه في جميعها على وجهٍ واحدٍ.
وأمّا إذا أمره فيما يجري مجرى الاستخدام، فلا يكون إذنًا، وهو مثل أن
стр. 5065
يرسله ليشتري له ثوبًا أو لحمًا بدرهمٍ، أو ثوبًا يلبسه المولى أو العبد أو طعامًا لرزق المولى أو لرزق أهله، فالقياس أن يكون هذا إذنًا؛ لأنّ الإذن [لا] يتبعض، وإنّما استحسنوا فقالوا: إنّه لم يفوّض إليه الرأي، وإنّما عيّن له التصرّف؛ ولأنّا لو جعلنا هذا إذنًا تعذّر على المولى استخدام عبده؛ لأنّه يستخدمه بهذه الألفاظ؛ فلذلك لم يكن إذنًا.
وعلى هذا، لو قال (١): اشتر (٢) من فلانٍ ثوبًا فاقطعه قميصًا، أو طعامًا ففعله، فهو كالأوّل؛ لِمَا بيّنا أنّه لم يفوّض الرأي إليه على الإطلاق، وإنّما هو استخدامٌ في العادة (٣).
٢٨١٦ - فَصْل: [بيع العبد مال مولاه والمولى ساكت]
فأمّا إذا رأى المولى العبد يبيع متاعًا للمولى أو لغيره فلم ينهه، كان إذنًا من المولى للعبد في التجارة، ولا يجوز بيع العبد متاع المولى ولا متاع غيره إذا لم يأذنا في بيع ذلك، وقد كان القياس أن لا يكون السكوت إذنًا؛ لأنّ الساكت قد يكون راضيًا وساخطًا، فلم يدل السكوت على الرضا.
وهذا هو القياس في البكر إذا سكتت؛ [لولا] قوله ﵊: "سكوتها رضاها" (٤)، وهو القياس في [الشفيع] (٥) إذا سكت، لولا قوله ﵊: "الشفعة
стр. 5066
لمن واثبها، والساكت ليس بمواثب" (١).
وإنّما استحسنوا في سكوت المولى؛ لأنّ العادة أنّه إذا أذن لعبده في التجارة لم يشهد على نفسه، وإنّما يتصرف العبد فلا ينهاه (٢)، فصار المعتاد كالمنطوق [به]؛ ولأنّ العبد يتصرّف بنفسه، وللمولى حقٌّ في المنع، فسكوته عن الإنكار يجوز أن يكون إذنًا، كما أن المشتري يتصرف في ملك نفسه وللشفيع حقّ الاعتراض، فكان سكوته إسقاطًا لحقّه؛ ولأنّا لو لم نجعل سكوته إذنًا، كان ذلك تغريرًا بالناس؛ لأنّهم إذا عاينوا المولى لا ينكر عليه بايعوه، فيؤدّي الغرور إلى إسقاط حقّهم، وهذا لا يصحّ.
وأمّا إذا باع العبد مال مولاه، والمولى ساكتٌ، فسكوته عن تصرّفه يتضمّن أمرين: أحدهما: الإذن في التجارة، والآخر: التوكيل في البيع، والإذن يثبت بالسكوت، والوكالة لا تثبت بالسكوت، فصار مأذونًا [له]، فلم يجز البيع، وكذلك لو رآه يبيع متاع الأجنبيّ، كان مأذونًا وإن لم يجز البيع.
ولا يقال: إنّ الملك إذا لم ينتقل بهذا العقد، فكيف يثبت به الإذن؛ لأنّ البيع بشرط الخيار يثبت بسكوت المولى عند الإذن (٣)، [والوكالة لا تثبت بالسكوت، فصار مأذونًا له، ولم يجز البيع]، وإن كان لا ينقل الملك.
وعلى هذا، لو رآه المولى يشتري أو يبيع بيعًا فاسدًا فلم ينهه، فهو إذنٌ؛
стр. 5067
لأنّ البيع الفاسد ينقل الملك بانضمام القبض إليه، فهو كالصحيح.
٢٨١٧ - فَصْل: [الإذن للعبده بالتجارة]
ولو قال المولى لعبده: أدّ إليّ الغلّة في كلّ شهرٍ خمسة دراهم، فهو إذنٌ في التجارة؛ وذلك لأنّه لا يتوصّل إلى الغلّة إلا بالتصرّف، فصار الأمر بأداء الغلّة أمرًا بما لا يتمّ إلا به، وكذلك لو قال له: أدّ إليّ ألف درهم وأنت حرٌّ، أو قال: إذا أديت إليّ ألفًا فأنت حرٌّ؛ وذلك لأنّ العبد لا يقدر على [أداء] المال إلا بالتصرّف، فلمّا علق حريته بأداء المال، كان ذلك إذنًا فيما يتوصّل به إلى الأداء.
وإنّما ذكر في جواب الشرط "الفاء"، فقال: إذا أديت إليّ ألفًا فأنت حرٌّ؛ لأنّ "الفاء" جواب الشرط، ولو لم يذكر الفاء فذكر الواو عتق في الحال.
وأمّا إذ لم يأت بالشّرط فقال: أدّ إلى ألفًا، فلا بدّ من الواو؛ لأنّه إذا قال: [أدّ] إليّ ألفًا، فأنت حرٌّ عتق في الحال، فلذلك ذكر محمدٌ "الفاء" مع الشرط، و "الواو" إذا لم يأت بالشرط (١).
стр. 5068
بَابْ الدين الذي يلحق المأذونَ في التجارةِ
قال أصحابنا: إذا أذن لعبده في التجارة، فما لحقه من دينٍ من شراءٍ أو بيعٍ، أو استئجارٍ أو أجرةٍ، أو من غَصْبٍ، أو من وَدِيْعَةٍ، أو [من] مُضَارَبةٍ، أو [من] بِضَاعةٍ، أو [من] عَاريةٍ، فجحوده لشيء (١) من ذلك، أو دابّةٍ عقرها، أو ثوبٍ خرقه، أو مهر جاريةٍ اشتراها فوطئها، فاستُحِقّت [عليه]، فهذا كلّه لازمٌ له يباع فيه، إلا أن يفديه مولاه (٢).
قال ﵀: [وجملة هذا] أنّ كلّ تصرّفٍ يتضمّن الإذن، فما يلحقه فيه من الدين يتعلق برقبة المأذون، فيبيعه الحاكم فيه، إلا أن يفديه المولى؛ وذلك لأنّه حقٌّ يمكن استيفاؤه من الرقبة، فإذا لزم العبد بسببٍ ثابتٍ في حقّ مولاه استوفى من رقبته كالجناية؛ ولأنّ تصرّف العبد موقوفٌ على إذن المولى، فلا يخلو: إمّا أن يكون وقوف (٣) الإذن ليثبت الدين في رقبته، أو ليثبت في ذمّته، ولا يجوز أن يقف التصرّف على إذن المولى ليثبت الدين في الذمّة؛ لأنّ المحجور لو تصرّف بغير إذن مولاه يثبت الدين في ذمته، فلم يبق إلا أن يكون التصرّف وقف ليثبت الدين في رقبته.
وقد قال أصحابنا: إنّ ديونه تُستَوفى من اكتسابه ورقبته، ولا شبهة في
стр. 5069
استيفائها من الكسب؛ لأنّ الديون سببٌ (١) في حصول الاكتساب فيستوفى منها كديون الحرّ.
وإذا ثبت أنّ الدَّيْنَ يتعلّق بالرقبة وهى مالٌ، بيعت فيه كالرهن.
وأمّا إن أدّى المولى الديون لم يجز البيع؛ لأنّه لا حقّ للغرماء إلا في ذممهم، فإذا استوفوا، لم يبق لهم حقٌّ في المطالبة بالبيع.
وقد ذكر أبو الحسن جهات الديون المتعلّقة بالإذن: فذكر الشراء والبيع، وهذا مضمون الإذن، وذكر الاستئجار والإجارة من التجارة، وذكر الغصب، وهو ضمان مالٍ متعلّقٌ بالقبض، كالمقبوض على وجه بيعٍ فاسدٍ، والوديعة والمضاربة والبضاعة والعارية إذا جحدها: [فهي] (٢) غصبٌ، والمأذون يملك من التصرّف ما جرت به عادة التجار، وقد جرت عادتهم بقبول الودائع، وأخذ المضاربة والبضاعة، فما يلحق بذلك من الضمان يتعلّق بسبب إذن المولى فيه، فيصير (٣) كالبيع والشراء.
وأمّا المهر، إذا اشترى جاريةً فوطئها ثم استُحِقّت، فهذا الضمان متعلّقٌ بعقد البيع، ألا ترى أنّه لولا البيع لوجب عليه الحدّ، والضمان المستند إلى البيع يلزم المأذون في الحال، وهذا لا خلاف فيه.
وإنّما اختلف أصحابنا في المأذون إذا أقرّ أنّه افتضّ جاريةً [بِكرًا] بإصبعه، فقال أبو حنيفة ومحمدٌ: لا يلزمه في الحال؛ لأنّه غير متعلّقٍ بالتجارة، وقال أبو
стр. 5070
يوسف: يلزمه في الحال؛ لأنّه مالٌ يتعلّق ضمانه بالفعل كالغصب.
و [قد] قال أبو حنيفة ومحمدٌ: فيمن غصب جاريةً بِكْرًا وذهب بعُذْرتها (١)، فإن ضمّنه المولى نقصان البكارة بالغصب ضمنه في الحال، وإن ضمّنه بالوطء لم يلزمه حتى يعتق؛ لأنّ الغصب ضمانه ضمان التجارة، والوطء ليس هو من ضمان التجارة (٢).
٢٨١٨ - فَصْل: [اقتسام الغرماء ثمن العبد بالحصص]
[قال]: وإذا بيع العبد، اقتسم غرماؤه ثمنه بالحصص؛ وذلك لأنّ ديونهم (٣) متعلّقة برقبته، ويتحَاصَّون (٤) في بدله كغرماء الميت في تركته.
قال: ولا فرق بين أن تثبت ديونهم بإقرارٍ من العبد (٥) أو ببيّنةٍ قامت عليه؛ لأنّ إقراره جائزٌ مع الإذن كإقرار الحرّ، ومعلومٌ أنّ ما لزم الحرّ بإقراره وبالبينة سواءٌ، فكذلك العبد.
قال: ولا يجوز بيع المولى العبد إلا بإذن الغرماء له في ذلك، أو يقضي الدين، أو يكون القاضي هو الذي أمره ببيعه للغرماء؛ وذلك لأنّ الملك للمولى، وللغرماء فيه حقٌّ، وفي بيعه إسقاط حقّهم، ألا ترى [أنّهم] يختارون ترك البيع ليستوفوا الديون من الكسب، فإذا كان لهم حقٌّ في ذلك، لم يجز إسقاطه إلا
стр. 5071
بإذنهم، فإذا باع بغير إذنهم وقف البيع كما نقول في بيع الرهن والإجارة، فإن قضى المولى الديون نفذ البيع؛ ولأنّ القاضي ملك البيع، فإذنه للمولى في البيع كإذنه للأجنبيّ.
قال: ولو باع المولى بإذن بعض الغرماء لم يجز بيعه، إلا أن يجيز الباقون؛ وذلك لأنّ امتناع البيع حقٌّ لجماعتهم، فإذا أذن بعضهم فقد رضي بإسقاط حقّه، فبقي حقّ الآخرين بحاله.
قال: ولو رافعه (١) بعض الغرماء إلى القاضي، ومن بقي منهم غائبٌ، فباعه القاضي للحضور، جاز بيعه، ويدفع إلى الحضور حصّتهم من ثمنه، ويوقف حصّة الغُيّب حتى يحضروا فيأخذوا حقوقهم؛ وذلك لأنّ البيع حقٌّ لجماعتهم، فغيبة بعضهم لا تسقط حقّ الحاضرين، ولأنّ القاضي له ولايةٌ على الغائب فيما يؤدي إلى حفظ ماله، ونقل الدين من الرقبة إلى الثمن حفظٌ للمال؛ لجواز أن تتلف، فينفذ قول القاضي في البيع لمطالبة الحاضرين، [فيدفع] (٢) إلى من حضر حصّته؛ لأنّ البيع وقع لحقّه، وإنّما قصد بالبيع سلامة الحقّ من الثمن، ويقف نصيب الغائب؛ لأنّه ليس [له] من يملك [قبضه] (٣)، فيجعله القاضي في يد أمين.
قال: فإن قال العبد قبل أن يُبَاع: لفلانٍ عليّ كذا [وكذا]، وصدّقه المولى أو كذّبه، وفلانٌ غائبٌ، وأنكر غرماؤه الحضور، فإنّ العبد يُصدّق ويُبَاع، ويُوقف من ثمنه حصّة الغائب الذي أقرّ له العبد حتى يحضر.
стр. 5072
فإن ادعى ما قال العبد (١) أخذ حقّه، وإن كذّبه قُسم ما وُقف من ثمنه بين
الغرماء؛ لأنّ العبد ما لم (٢) يبع على حكم الإذن، وإقرار المأذون بالدين جائزٌ؛ ولأنّ لزوم الدين لا يوجب الحجر في الإقرار، كالحرّ إذا لزمته الديون، لم يوجب [ذلك] الحجر [عليه] عند أبي حنيفة.
وعلى قولهما: يحجر القاضي لأجل الدين، ولم يحجر [له] في مسألتنا، [فنفذ] (٣) الإقرار، ووجبت المحاصّة بنصيب المُقَرّ له، فإن حضر وصدّق العبد أخذ ذلك؛ لأنّ التصديق انضم إلى الإقرار، فكأنّه صدّقه حين أقرّ، وإن كذّبه بطل الإقرار ووجب ردّ ما أقرّ [به] إلى الغرماء.
قال: ولو لم يقرّ العبد حتى بيع في الدين، ثمّ أقر بعد البيع، لم يجز إقراره وإن صدّقه المولى؛ لأنّ البيع سببٌ للحجر، بدلالة أنّ الإذن كان ثابتًا في الملك الأول، وقد زال الملك الأول، فلم يجز تبقية الإذن في ملك من لم يأذن، فإذا صار محجورًا لم [ينفذ] (٤) إقراره.
قال: فإن قَدِم الغائب فأقام بيّنةً على حقّه، اتّبع الغرماء بحصّته فيما أخذوا من الثمن، ولم يكن له على العبد ولا على مولاه البائع ولا على المشتري سبيلٌ؛ وذلك لأنّ (ثبوت الدين) (٥) بالبينة لا يلحقها ثمنه (٦)، فيثبت الدّين
стр. 5073
بها، وحقوق الغرماء تتعلّق بالثمن كتعلّق حقّهم بتركة الميت، ومعلومٌ أنّ القاضي لو قسم التركة بين الغرماء ثم ظهر غريمٌ (١) آخر، شاركهم (٢) فيما قبضوا، كذلك هذا.
وإنما قالوا: إنّه لا سبيل لهم على العبد؛ لأنّ الدين أُبطِل (٣) من [رقبته] (٤) بالبيع، فصار كعبدٍ لا دين عليه، ولا سبيل على المشتري؛ لأنّ الثمن الذي يتعلّق به حقّ الغرماء استوفي منه، ولا سبيل لهم على المولى الأوّل؛ لأنّه لم يكن له صنعٌ في القسمة، وإنّما باع القاضي وقسم، فلم يلزم المولى الضمان.
قال: وما لحق العبد من دينٍ من تجارته من سائر ما ذكرت لك، فحقّهم (٥) في رقبته وكسبه الذي في يده، وما يحدث له من الكسب بعد ذلك، وقد بيّنا أنّ الدين يتعلّق بالرقبة والاكتساب، وإنما استوى [الكسب] الحاصل له قبل الدين وبعده؛ لأن أكساب المأذون كتركة الحرّ، ومعلومٌ أنّ ديون الحر تستوفى من أكسابه التي كانت في يده قبل لزوم الدين وما اكتسب بعد الدين، كذلك هذا.
قال: وكذلك ما وُهب له أو تُصدِّق به عليه قبل لحوق الدين وبعده، وقال زفر: الهبة للمولى لا حقّ للغرماء فيها.
وجه قولهم: أنّ الهبة من اكتساب العبد؛ بدلالة أنّه يملكها بقبوله، فصار كالاكتساب [بالشراء والبيع].
стр. 5074
وجه قول زفر: أنّ الهبة ليست من المعاملة، وإنّما ملكها المولى من جهة [الواهب]، فلم يتعلّق بها حقّ الغرماء كسائر أموال المولى.
قال: ولو اكتسب العبدُ مالًا فأخذه المولى، ثم لحقه دينٌ، سَلِم للمولى ما أخذ [منه]، ولم يكن فيما أخذه المولى شيءٌ من دين العبد؛ وذلك لأنّ المولى يملك الكسب، فإذا أخذه من يد العبد فقد حجر عليه، ألا ترى أنّ تصرّفه فيه لا يجوز، فصار كسائر أموال المولى، فلا يتعلّق به الديون الحادثة.
قال: وإن كان [أخذ المولى ما في يد العبد] (١) وعليه دينٌ، فللغرماء أن يأخذوا من المولى ما أخذه، وإن كان استهلكه [ضَمَّنُوه] (٢)؛ وذلك لأنّ ديونهم متعلّقةٌ بالكسب، فقد أخذ المولى ما تعلّق حقّهم به، فيجب [عليه] ردّه أو ردّ عوضه، كما يجب ردّ الرهن إلى المرتهن، وكما لو أخذ الوارث التركة وعلى الميت دينٌ وجب عليه ردّها، واشترك في ذلك الغرماء الأولون ومن حدث له دينٌ بعدهم؛ وذلك لأنّ حال المأذون حالٌ واحدةٌ، فالمتقدّم من دينه والمتأخّر منهما سواءٌ كديون المريض.
قال: ولو كان المولى يأخذ الغَلَّة من العبد في كل شهرٍ عشرة [دراهم]، حتى أخذ مالًا كثيرًا، فإنّ هذا جائزٌ للمولى، ولا يرجع الغرماء عليه بشيءٍ؛ لأنّه قبض غلّة مثله، وهذا استحسانٌ، وكان القياس أن لا يجوز قبضه للغلّة مع وجود الدَّيْن؛ لأنّ ما يُقبَض من جملة الكسب، وحقّ الغرماء مقدّمٌ على حقّ المولى في الاكتساب.
стр. 5075
وإنّما استحسنوا إذا أخذ غلّة مثله أن يجوز؛ لأنّ في ذلك منفعةً للغرماء، ألا ترى أنّه إذا أخذ الكسب بقاه على التصرّف واكتسب لهم، فإذا لم يأخذ الغلّة حجر عليه [فانقطع الاكتساب] (١)، وإذا كان في ذلك منفعةٌ لهم (٢) كان جائزًا؛ ولأنّ الغلّة بدلٌ عن المنفعة، ولو استخدمه جاز، فكذلك إذا أخذ عوضها.
فإن أخذ أكثر من غلّة مثله ردّ الفضل على الغرماء؛ لأنّ الزيادة ليس في مقابلتها شيءٌ، فيصير كأنّه أخذها بغير عوضٍ.
قال: وإذا أذن الرجل لأمته في التجارة، فلحقها دينٌ، وقد ولدت ولدين: أحدهما قبل أن يلحقها دينٌ، والآخر بعدما لحق الدين، فإنّ الغرماء يثبت دينهم فيما ولدت بعد الدين، فيباع معها، ولا يباع ما ولدت قبل الدين في [دينها] (٣).
ولو كان وُهِب لها هبةٌ ولا دين عليها، ولم يقبضه المولى حتى لحقها دينٌ، فإنّ الدين يلحق الأمة وما وُهِب لها وإن كانت الهبة قبل أن يلحق الدين؛ وذلك لأنّ الدين حقٌّ مستقرٌّ في الرقبة؛ بدلالة أنّه ينتقل إلى القيمة، والحقوق المستقرّة في الرقاب تسري إلى الأولاد، كالاستيلاد والتدبير؛ فلذلك دَخَل الولد الحادث بعد الدين.
وأما الولد قبل الدين فلم يكن في الرقبة حقٌّ يسري إليه، فإذا حدث (٤) الدين بعده في الرقبة، فالولد منفصلٌ لم تثبت السراية مع الانفصال.
стр. 5076
وليس كذلك الموهوب والكسب؛ لأنّ الدين لا يتعلّق به من طريق السراية، وإنّما يتعلّق به لأنّه كسب المديون، (والكسب الأوّل والآخر سواءٌ، يبيّن الفرق بينهما أن الأمة لا تملك بيع ولدها وتملك بيع كسبها، فما لا تملك بيعه لا يتعلّق به الدين إلا على وجه السراية) (١).
قال: وما وجب لها من أرشٍ (٢) [هو] كالولد؛ وذلك لأنّ الأرش ليس من كسبها، وإنّما يتعلّق به الدين لتعلّقه بالرقبة، فما كان من أرشٍ قبل الدين لم يتعلّق به حقّ الغرماء، وما كان من أرشٍ بعد الدين تعلّق به حقّهم.
قال: وإذا أذن لعبده في التجارة ودفع إليه مالًا يعمل به، فباع واشترى، ولحقه دينٌ، فإنّه لا يكون في المال [الذي] دفعه إليه المولى من دينه شيءٌ، والمولى [أحقّ] (٣) بما دفع إلى العبد؛ وذلك لأنّ الدين إنما يتعلّق بأكساب العبد، وهذا مالٌ للمولى ليس بكسبٍ، فصار كسائر أموال المولى؛ ولأنّ المولى لم يرض بتعلّق حقّ الغرماء بهذا المال، فلم يتعلّق به.
قال: وإن أقرّ العبد بجنايةٍ على عبدٍ أو حرٍّ، أو بمهرٍ وجب عليه بنكاحٍ جائزٍ أو فاسدٍ أو بشبهة نكاحٍ، فإقراره باطلٌ لا يلزمه حتى يعتق؛ لأنّ المأذون يملك الإقرار بالتجارة وما كان من أنواعها، والجناية والتزويج ليسا من التجارة في شيءٍ، فإقراره فيها كإقرار المحجور.
стр. 5077
قال: فإن صدّقه المولى جاز عليه ولم يجز على الغرماء؛ وذلك لأنّ تصديق المولى يجوز في حقّه، ولا يجوز في حقّ غيره (١).
قال: فإن قامت على العبد بيّنةٌ: بأنَّه تزوّج بإذن مولاه (٢)، لزمه المهر، تحَاصّ به المرأةُ الغرماءَ؛ وذلك لأنّ هذا الدين لزمه بسببٍ ثابتٍ في حقّه وحقّ مولاه، فهو كالدين اللازم بالبيع؛ ولأنّ دخول البضع في ملكه متقوّمٌ، فتحاصّ المرأة في عوضه، كما تحاصّ بثمن المبيع.
قال: فإن أقرّ بوطء أمةٍ بنكاحٍ، وجحد المولى، فإقراره باطلٌ حتى يعتق؛ وذلك لأنّه لا يملك الإقرار بالنكاح؛ لأنّ الإذن لم يتناوله، فصار فيه كالمحجور.
قال: وكذلك لو أقرّ أنّه افتضّها بأصبعه غصبًا، كان إقراره باطلًا في قياس قول أبي حنيفة ومحمدٍ، وفي قياس قول أبي يوسف: إقراره جائزٌ، كان عليه دينٌ أو لم يكن [عليه]، ويضرب مولاها بمهرها مع الغرماء.
وجه قولهما: أنّ هذا إقرارٌ بجناية؛ بدلالة أنّه إتلاف جزءٍ من الآدمي لا يتعلّق بسبب التجارة، فصار كالإقرار بسائر الجنايات.
ولهذا قال أبو حنيفة في المأذون: إذا غصب جارية ثم افتضّها بإصبعه، فأراد مولاها تضمينه بالغصب، قُبِل إقراره؛ لأنّ ضمان الغصب من التجارة، وإن أراد تضمينه بالافتضاض، لم يكن له ذلك؛ لأنّه جنايةٌ، فلا يثبت بإقراره.
وكذلك قال في المأذون يتزوّج جاريةً بغير إذن مولاها [وينقلها] (٣) إلى
стр. 5078
منزله، فافتضّها وهي بِكْرٌ: إنّ لمولاها أن يضمّنه النقصان بنقلها، وليس له أن يضمّنه بالافتضاض.
وجه قول أبي يوسف: أنّ هذا الضمان يجري مجرى ضمان الغصب دون ضمان الجناية، بدلالة أنّه لو ثبت بالبينة لزم المولى [بيعه فيه]، وضمان الأموال يثبت بإقرار المأذون، فيصير (١) كسائر الديون (٢).
стр. 5079
بَابْ شراء المأذونِ وبيعِهِ
[قال]: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة، فاشترى وباع فيما يتغابن (١) الناس فيه، [فهو] جائزٌ [في] قولهم؛ لأنّه تصرف على عادة التُّجار، وهذا القدر من الغبن يتفق للتجار (٢).
وأمّا إذا باع واشترى فنقص في البيع نقصانًا كثيرًا لا يتغابن فيه، أو زاد في ثمن (٣) المشترى زيادةً كبيرةً، فذلك جائزٌ في قول أبي حنيفة، وقالا (٤): لا يجوز.
стр. 5080
لأبي حنيفة: أنّ المأذون يتصرّف لنفسه؛ بدلالة أنّه لا يرجع بالديون على مولاه، فجاز تصرفه بالقليل والكثير كالحرّ؛ ولأنّه مأذونٌ في جميع البياعات، ولو لم يجز تصرّفه بما لا يتغابن فيه، لصار تصرّفه خاصًا، وهذا لا يصحّ.
وقد قال أبو حنيفة في الوكيل بالبيع: إذا باع بالقليل والكثير جاز، وقال في الوكيل بالشراء: لا يجوز شراؤه إلا بزيادةٍ يسيرةٍ، وقال في المأذون: إنّ الشراء والبيع سواءٌ.
والفرق بينهما: أنّ الوكيل بالبيع يتصرّف بالأمر، فاعتُبِر عموم الأمر، والوكيل بالشراء يتصرّف من طريق الحكم، فصار كالوصيّ والأب، وأمّا المأذون فإنه يشتري ويبيع لنفسه، فحكم أحد الأمرين حكم الآخر
ولأنّ الوكيل بالشراء ينتقل المبيع إليه، وينتقل منه إلى الموكل، فتلحقه تهمةٌ في الزيادة، (والمأذون يلزمه اليمين دون المولى، فلا يلحقه تهمةٌ في الزيادة) (١).
وجه قولهما: أنّ المغابنة الكثيرة تبرّعٌ؛ بدلالة أنّها في حال المرض من الثلث، فصارت كالهبة، والمأذون لا يملك الهبة، كذلك المغابنة.
والصبي المأذون كالعبد المأذون؛ لأنّه يتصرف لنفسه، وعلى قولهما: لا يصح تبرّعه، فلا يجوز حطّه.
قال: ولو اشترى المأذون عبدًا بألفٍ، [وقبضه]، ونقد الدراهم، ثم باعه بجاريةٍ أو بعوضٍ، فبيعه (٢) جائزٌ، وكذلك بيعه المكيل والموزون إذا كان بعينه