وليس كذلك الموهوب والكسب؛ لأنّ الدين لا يتعلّق به من طريق السراية، وإنّما يتعلّق به لأنّه كسب المديون، (والكسب الأوّل والآخر سواءٌ، يبيّن الفرق بينهما أن الأمة لا تملك بيع ولدها وتملك بيع كسبها، فما لا تملك بيعه لا يتعلّق به الدين إلا على وجه السراية) (١).
قال: وما وجب لها من أرشٍ (٢) [هو] كالولد؛ وذلك لأنّ الأرش ليس من كسبها، وإنّما يتعلّق به الدين لتعلّقه بالرقبة، فما كان من أرشٍ قبل الدين لم يتعلّق به حقّ الغرماء، وما كان من أرشٍ بعد الدين تعلّق به حقّهم.
قال: وإذا أذن لعبده في التجارة ودفع إليه مالًا يعمل به، فباع واشترى، ولحقه دينٌ، فإنّه لا يكون في المال [الذي] دفعه إليه المولى من دينه شيءٌ، والمولى [أحقّ] (٣) بما دفع إلى العبد؛ وذلك لأنّ الدين إنما يتعلّق بأكساب العبد، وهذا مالٌ للمولى ليس بكسبٍ، فصار كسائر أموال المولى؛ ولأنّ المولى لم يرض بتعلّق حقّ الغرماء بهذا المال، فلم يتعلّق به.
قال: وإن أقرّ العبد بجنايةٍ على عبدٍ أو حرٍّ، أو بمهرٍ وجب عليه بنكاحٍ جائزٍ أو فاسدٍ أو بشبهة نكاحٍ، فإقراره باطلٌ لا يلزمه حتى يعتق؛ لأنّ المأذون يملك الإقرار بالتجارة وما كان من أنواعها، والجناية والتزويج ليسا من التجارة في شيءٍ، فإقراره فيها كإقرار المحجور.
стр. 5077
قال: فإن صدّقه المولى جاز عليه ولم يجز على الغرماء؛ وذلك لأنّ تصديق المولى يجوز في حقّه، ولا يجوز في حقّ غيره (١).
قال: فإن قامت على العبد بيّنةٌ: بأنَّه تزوّج بإذن مولاه (٢)، لزمه المهر، تحَاصّ به المرأةُ الغرماءَ؛ وذلك لأنّ هذا الدين لزمه بسببٍ ثابتٍ في حقّه وحقّ مولاه، فهو كالدين اللازم بالبيع؛ ولأنّ دخول البضع في ملكه متقوّمٌ، فتحاصّ المرأة في عوضه، كما تحاصّ بثمن المبيع.
قال: فإن أقرّ بوطء أمةٍ بنكاحٍ، وجحد المولى، فإقراره باطلٌ حتى يعتق؛ وذلك لأنّه لا يملك الإقرار بالنكاح؛ لأنّ الإذن لم يتناوله، فصار فيه كالمحجور.
قال: وكذلك لو أقرّ أنّه افتضّها بأصبعه غصبًا، كان إقراره باطلًا في قياس قول أبي حنيفة ومحمدٍ، وفي قياس قول أبي يوسف: إقراره جائزٌ، كان عليه دينٌ أو لم يكن [عليه]، ويضرب مولاها بمهرها مع الغرماء.
وجه قولهما: أنّ هذا إقرارٌ بجناية؛ بدلالة أنّه إتلاف جزءٍ من الآدمي لا يتعلّق بسبب التجارة، فصار كالإقرار بسائر الجنايات.
ولهذا قال أبو حنيفة في المأذون: إذا غصب جارية ثم افتضّها بإصبعه، فأراد مولاها تضمينه بالغصب، قُبِل إقراره؛ لأنّ ضمان الغصب من التجارة، وإن أراد تضمينه بالافتضاض، لم يكن له ذلك؛ لأنّه جنايةٌ، فلا يثبت بإقراره.
وكذلك قال في المأذون يتزوّج جاريةً بغير إذن مولاها [وينقلها] (٣) إلى
стр. 5078
منزله، فافتضّها وهي بِكْرٌ: إنّ لمولاها أن يضمّنه النقصان بنقلها، وليس له أن يضمّنه بالافتضاض.
وجه قول أبي يوسف: أنّ هذا الضمان يجري مجرى ضمان الغصب دون ضمان الجناية، بدلالة أنّه لو ثبت بالبينة لزم المولى [بيعه فيه]، وضمان الأموال يثبت بإقرار المأذون، فيصير (١) كسائر الديون (٢).
стр. 5079
بَابْ شراء المأذونِ وبيعِهِ
[قال]: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة، فاشترى وباع فيما يتغابن (١) الناس فيه، [فهو] جائزٌ [في] قولهم؛ لأنّه تصرف على عادة التُّجار، وهذا القدر من الغبن يتفق للتجار (٢).
وأمّا إذا باع واشترى فنقص في البيع نقصانًا كثيرًا لا يتغابن فيه، أو زاد في ثمن (٣) المشترى زيادةً كبيرةً، فذلك جائزٌ في قول أبي حنيفة، وقالا (٤): لا يجوز.
стр. 5080
لأبي حنيفة: أنّ المأذون يتصرّف لنفسه؛ بدلالة أنّه لا يرجع بالديون على مولاه، فجاز تصرفه بالقليل والكثير كالحرّ؛ ولأنّه مأذونٌ في جميع البياعات، ولو لم يجز تصرّفه بما لا يتغابن فيه، لصار تصرّفه خاصًا، وهذا لا يصحّ.
وقد قال أبو حنيفة في الوكيل بالبيع: إذا باع بالقليل والكثير جاز، وقال في الوكيل بالشراء: لا يجوز شراؤه إلا بزيادةٍ يسيرةٍ، وقال في المأذون: إنّ الشراء والبيع سواءٌ.
والفرق بينهما: أنّ الوكيل بالبيع يتصرّف بالأمر، فاعتُبِر عموم الأمر، والوكيل بالشراء يتصرّف من طريق الحكم، فصار كالوصيّ والأب، وأمّا المأذون فإنه يشتري ويبيع لنفسه، فحكم أحد الأمرين حكم الآخر
ولأنّ الوكيل بالشراء ينتقل المبيع إليه، وينتقل منه إلى الموكل، فتلحقه تهمةٌ في الزيادة، (والمأذون يلزمه اليمين دون المولى، فلا يلحقه تهمةٌ في الزيادة) (١).
وجه قولهما: أنّ المغابنة الكثيرة تبرّعٌ؛ بدلالة أنّها في حال المرض من الثلث، فصارت كالهبة، والمأذون لا يملك الهبة، كذلك المغابنة.
والصبي المأذون كالعبد المأذون؛ لأنّه يتصرف لنفسه، وعلى قولهما: لا يصح تبرّعه، فلا يجوز حطّه.
قال: ولو اشترى المأذون عبدًا بألفٍ، [وقبضه]، ونقد الدراهم، ثم باعه بجاريةٍ أو بعوضٍ، فبيعه (٢) جائزٌ، وكذلك بيعه المكيل والموزون إذا كان بعينه
стр. 5081
أو بغير عينه؛ لأنّه يتصرّف على عادة التُّجَّار، ومن عادتهم أن يبيعوا بالأثمان والسلع.
ولو أسلم شيئًا ممّا في يده من عروضٍ أو طعامٍ، جاز؛ وذلك لأنّ السَّلَم قد يكون أنفع من البيع، وإذا جاز له البيع، فكذلك السَّلَم.
ولو قبل السَّلَم، جاز؛ لأنّ التجار يقبلون السَّلَم لينتفعوا بالأثمان، ويتأخر عنهم العوض، وللمأذون غرضٌ صحيحٌ في ذلك، فجاز له. [والله أعلم] (١).
стр. 5082
بَابْ تأخير دين العبدِ المأذون له
قال: وإذا وجب للمأذون [دينٌ] على رجلٍ آجره (١)، فأخّره سنة، جاز؛ وذلك لأنّه لو قبضه ثم باعه نسيئةً جاز، فإذا أخره ابتداءً، جاز؛ ولأنّ التأخير يؤدي إلى الاستيفاء؛ لأنّه قد لا يمكن مَن عليه الدين توفيته عاجلًا؛ ولأنّه يتصرّف على عادة التجار، ومن عادتهم التأخير.
لف
قال: ولو صالح على أن أخّر ثلثًا سنةً، وقبض ثلثًا، وحطّ ثلثًا، كان التأخير جائزًا والحطّ باطلًا؛ لأنّ الحط هبةٌ، وهو لا يملك الهبة، وليس كذلك التأخير؛ لأنّ الدين بحاله لا يسقط منه شيءٌ.
قال: ولو وجب له مالٌ [بقرضٍ] (٢)، فأخّره لم يجز التأخير؛ لأن الحر لا يجوز تأخيره للقرض، فالعبد أولى، فإذا وجب للمأذون ولرجلٍ آخر على رجلٍ ألف درهمٍ هما فيه شريكان، فأخّر العبدُ نصيبه سنةً (٣)، فالتأخير باطلٌ في قول أبي حنيفة، [وقال أبو يوسف ومحمدٌ: التأخير جائزٌ.
وجه قول أبي حنيفة]: أنّه لا يخلو: أن يؤخّر نصيب [نفسه] خاصّةً، أو يؤخّر نصف الدين من الدينين (٤)، ولا يجوز أن يؤخّر نصيبه خاصةً؛ لأنّ ذلك
стр. 5083
قسمة الدين حال كونه (١) في الذمّة، وقسمة الدين في الذمّة لا يجوز.
والدليل على أنّ ذلك قسمةٌ؛ أنّ أحدهما ينفرد بمقدارٍ من الدين لا شركة للآخر فيه.
وجه قولهما: أنّ التأخير إسقاط للمطالبة في وقتٍ معلومٍ، فهو كالبراءة التي تسقط المطالبة في جميع الأوقات، ولو أبرأ أحد الشريكين من نصيبه جاز، وكذلك إذا أخّر.
ثم فرّع على قولهما، فقال: إذا أخذ [الذي] (٢) لم يؤخّر قبل حلول الأجل شيئًا، فهو له خاصّةً، لا شركة فيه للعبد؛ وذلك لأنّ العبد أسقط حقّه بالتأخير، فلم يثبت له حقّ المطالبة، فإن حلّ الأجل، وقد استوفي شريكه، فالعبد بالخيار: إن شاء أخذ من شريكه نصف ما أخذ، ثم رجع على الغريم بما بقي، وإن شاء أخذ حقّه من الغريم؛ وذلك لأنّ الأجل إذا انقضى صار المال حالًّا، والدين الحالُّ بين الشريكين إذا قبض أحدهما بعضه فشريكه بالخيار: إن شاء أجاز قبضه ورجع على الغريم، وإن شاء شاركه في المقبوض؛ لأنّه قبض ما تعلّق حقّه به.
قال: فإن قبض العبد قبل الأجل ما أخّره، كان للشريك أن يأخذ نصف ما أخذ؛ لأنّه لمّا قبض [فقد] أسقط الأجل فيه، فصار كالدين الحال إذا أخذ بعضه.
قال: ولو كان دينهما في الأصل إلى سنةٍ، فأخذ أحدهما شيئًا قبل محل الأجل، دخل معه صاحبه فأخذ منه نصفه؛ لأنّ الغريم لما دفع، فقد رضي بإسقاط الأجل، فصار كالمال الحالّ.
стр. 5084
قال: ولو كان المال كلّه لهما إلى سنةٍ (على الغريم، فأخّره العبد سنةً) (١) أخرى، كان تأخيره جائزًا في قول أبي يوسف ومحمدٍ، فإن أخذ شريك العبد من الغريم نصيبه من السنة الأولى، لم يكن للعبد أن يرجع فيما أخذ شريكه بقليلٍ ولا كثيرٍ حتى يحلّ دينه، فإذا حلّ دينه أخذ من شريكه نصف ما أخذ؛ لأنّه لمّا أجّل حقّه سقطت مطالبته، فلم يجز أن [يشركه] (٢) في المقبوض مع ثبوت الأجل، فإذا جاء الأجل صار [كأنّ] المال حالٌّ [بالبيع] في الأصل، فله الخيار: بين تضمين القابض، وبين تضمين الغريم. [والله أعلم].
стр. 5085
بَابْ وكالة المأذون له في التجارة بالبيعِ ووكالة الحرّ له بالشراء
قال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا أذن الرجل لعبده في التجارة، وأمره رجلٌ أن يشتري له عبدًا أو أمة أو طعامًا أو غير ذلك بألف درهمٍ نقدًا، ولم يدفع إليه الألف، أو دفعها إليه فاشترى له العبد [على] ما أمره به، فالشراء جائزٌ، والعُهْدَة (١) عليه.
وليس هذا كمال الكفالة (٢)، وقد كان القياس عندهما أن لا تجوز الوكالة؛ وذلك لأنّ المأذون إذا ابتاع لزمه الثمن في ذمّته، وحصل المبيع ملكًا لغيره، فيصير كالكفيل عن الموكل بالثمن، وكفالة المأذون لا تجوز، وكذلك وكالته.
وإنما استحسنوا إذا وكلّه أن يشتري بالنقد؛ لأنّ المبيع ينتقل إلى الوكيل ويثبت له حقّ الحبس حتى يستوفي الثمن، فيصير كالبائع.
ويفارق ذلك الكفالة؛ لأنّها تبرعٌ، ألا ترى أنّ حقّ الكفيل لا يتعلّق بعينٍ يتوثّق بها، وفي مسألتنا يتعلّق الدين بعين المبيع، فيخرج من معنى التبرع.
قال: ولو كان الآمر أمر العبد أن يشتري له ذلك نسيئةً، فاشترى العبد ذلك
стр. 5086
كما أمره [الأمر] (١) جاز (٢) جميع ما اشترى العبد من ذلك للعبد، ولا شيء للآمر؛ وذلك لأنّ الشراء للموكل بثمن [نسأً] (٣) لو صح لم يملك العبدُ حبس ذلك المبيع، ولزمه تسليمه، وصار الثمن دينًا عليه للبائع، ويثبت له على الموكل مثله، فيصيرُ في معنى الكفالة، وكفالة العبد لا تجوز إلا أن يأذن فيها المولى ولا دين عليه، فإذا [لم] يصح له الشراء بالوكالة، صار مشتريًا لنفسه.
قال: ولو وكّل المأذون رجلًا ببيع شيءٍ مما في يده، أو شراء شيءٍ، فهو جائزٌ، وهو في ذلك بمنزلة الحرّ؛ وذلك لأنّ الإذن ينصرف إلى العادة بين التُّجَّارِ، ومن عادتهم التوكيل؛ ولأنّ الإنسان لا يقدر أن يتولى جميع العقود بنفسه، بل يحتاج إلى من يتولاها له، فالمأذون والحرّ في ذلك سواءٌ.
قال: وإذا دفع رجلٌ إلى المأذون جاريةً يبيعها نقدًا أو نسيئةً، فالبيع جائزٌ؛ وذلك لأنّ العبد لا يلحقه في البيع ضمانٌ في الحال، فلم يكن في معنى الكفالة، فلذلك جاز؛ ولأنّ المحجور لو وكّل بالبيع جاز بيعه، فالمأذون أولى، إلا أنهما مختلفان في أنّ المحجور لا يتعلّق به الحقوق في الحال؛ لأنّه لا يملك التصرّف في حقّ مولاه، والمأذون يملك التصرف، فتتعلّق به الحقوق.
ولا يجوز أن يقال: إنّه يلحقه ضمان (٤) الدَّرَك، وهذا بمعنى الكفالة؛ لأنّ
стр. 5087
ذلك يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، فلا يبطل العقد في الحال بالتجويز.
وليس كذلك الوكالة بالشراء نسيئةً؛ لأنّ الضمان يلزمه في الحال؛ فلذلك لم يجز الشراء للموكِّل (١).
стр. 5088
بَاب عتق المولى عبدَه المأذون ورقيقَه والدَّعوى في ذلك
قال: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة، فلحقه دينٌ، ثم أعتقه المولى، فعتقه جائزٌ، فإن كان الدين أقل من القيمة، ضمن الدين لغرماء العبد، وإن كان الدين أكثر من قيمته، غَرِم قيمته، وإن كان قيمته (١) عشرين ألفًا، غرم ذلك كله إن علم بالدين أو لم يعلم، واتبع العبدَ الغرماءُ بما بقي من دينهم، فأخذوا منه.
أمّا جواز العتق؛ فلأنّ العبد على ملكه وهو صحيح القول، وإنما تعلّق حقّ الغرماء به؛ وذلك لا يمنع من وقوع العتق كعبد الرهن؛ ولأنّ تعلّق حقّ الغرماء ليس بأكثر من حقّ أحد الشريكين، فإذا لم يمنع ذلك العتق، فلأن لا يمنع حقّ الغرماء أولى.
وأمّا وجوب الضمان على المولى؛ فلأنّه أتلف ما تعلّق [به] حقّ الغرماء؛ بدلالة أنه لو لم يعتق ثبت لهم [حقّ] بيع العبد واستيفاء [الدين] (٢) من ثمنه، وقد فوّت ذلك عليهم، فلزمه الضمان كالراهن (إذا أعتق عبد الرهن) (٣).
وإنّما لزم المولى الأقل من قيمته ومن الدين؛ لأنّ الدين إذا كان [أكثر] (٤) من القيمة، فلم يتلف عليهم إلا مقدار الدين، فلا يلزمه ضمان ما زاد على ذلك.
стр. 5089
وإنّما ضمن قيمته بالغةً ما بلغت؛ لأنّ هذا ضمان مالٍ وليس بضمان جنايةٍ، وضمان العبد بالمال لا يتقدّر، وإنما يتقدّر بالجناية.
وإنّما استوى في ذلك العلم والجهل؛ لأنّ هذا ضمان استهلاكٍ، فيستوي فيه العلم والجهل.
وأمّا ما زاد على قدر قيمته من الدين، فإن الغرماء يتبعون المعتق به؛ وذلك لأنّ الدين في ذمّة العبد، وإنّما لزم المولى منه مقدار ما أتلف من الرقبة، فما زاد على ذلك باقٍ في الذمّة على ما كان عليه.
قال: وإن كان قتلٍ عبدًا أو حرًا فأعتقه مولاه وهو يعلم بذلك، كانت عليه قيمة العبد المقتول بالغةً ما بلغت، وإن كان أكثر من قيمة عبده، إلا أن تكون عشرة آلاف أو أكثر، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة [دراهم]، وإن كان المقتول حرًا غرم المولى ديّة الحرّ؛ وذلك لأنّ الجناية لازمةٌ للمولى في رقبة العبد؛ بدلالة أنّ المولى هو المخاطب بها دون العبد، ولو [لم] يعتق العبد لم يلزمه شيءٌ عنها، فإذا أعتق مع علمه بها، وقد كان مخيرًا بين الدفع والفداء، فمنع الدفع بالعتق، فتعيّن عليه الفداء، فلزمه ذلك باختياره؛ فلذلك لزمه إن زاد على قيمة عبده.
قال: وإن كان لا يعلم بالجناية، غرم المولى قيمة عبده لأولياء الحر، إلا أن يبلغ عشرة آلاف، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة [دراهم]، وإن كان المقتول عبدًا غرم المولى الأقلّ من قيمة عبده ومن قيمة المقتول، إلا أن تكون [القيمة] (١) عشرة آلاف أو أكثر، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة.
ولا يشبه ذلك (قتل الدابّة) (٢)، وغصب الأموال؛ وذلك لأنّ المولى إذا
стр. 5090
أعتق عبده وهو لا يعلم بجنايته، لم يصر مختارًا؛ لاستحالة أن يثبت الاختيار مع عدم العلم، فلم يبق [إلا] إتلاف الرقبة التي تعلّقت بها الجناية، فيغرم الأقلّ من قيمتها ومن ديَة الحرّ، أو قيمة العبد على ما ذكره (١) في ضمان الأموال، إلا أن يكون أقلّ القيمتين عشرة آلاف فصاعدًا، فيغرم عشرة آلاف إلا عشرة [دراهم]؛ لأنّ قيمة العبد بالجناية لا تبلغ دية الحرّ، وليس كذلك ضمان المال؛ لأنّه لا يتقدّر، فيضمن قيمة عبده بالغةً ما بلغت إذا كان الدين مثلها أو أكثر منها.
وقالوا جميعًا: إذا كان قيمة المأذون عشرين ألفًا، فأَدَان دينًا كثيرًا يحيط بقيمته (وجنى جناياتٍ تحيط بقيمته) (٢)، فأعتقه [المولى] وهو لا يعلم بالجناية، فإنّه يغرم لأصحاب الدين قيمته كاملةً، علم بالدين أو لم يعلم، ويغرم لأصحاب الجناية عشرة آلاف إلا عشرةً إذا لم يعلم، ولا يدخل أصحاب الجناية في قيمة أصحاب الدين، ولا أصحاب الدين في قيمة أصحاب الجنايات (٣).
وإن كان المولى أعتق العبد وهو يعلم بالجنايات، ضمن الجنايات كلّها، ولم تدخل في قيمة أصحاب الدين.
وإنّما ضمن المولى لأرباب الدين؛ لما ذكرنا أنه يُتلف عليهم الرقبة التي ثبت لهم (استيفاء بدلها بدينهم، ويضمن لأصحاب الجناية؛ لأنه منع من تسليمها في الجناية، وقد كان ثبت لهم) (٤) حقّ التسليم أو الفداء (٥).
стр. 5091
فإن قيل: لو قتل أجنبيٌّ هذا العبد لزمته قيمةٌ واحدةٌ، فإذا أتلفه المولى بالعتق ألزمتموه (قيمته لأصحاب الدين، وألزمتموه) (١) بدلًا آخر لأرباب الجناية، (وأقلّ أحوال المولى أن يكون كالأجنبيّ) (٢).
قيل له: المولى مفارقٌ للأجنبي؛ لأنّه كان يلزمه حقٌّ لأرباب الجناية (٣)، وهو الدفع أو الفداء، ويلزمه حقٌّ لأرباب الدين، وهو البيع [في دينهم، إلا أنّ حق أولياء الجنايات مقدّمٌ، فيدفع إليهم إن اختار عوض الدفع]، ثم يباع في أيديهم لحقّ الغرماء، فلمّا أعتق المولى أبطل حقّين (٤) لزمه كلّ واحدٍ منهما، وكان عليه عوضٌ لهؤلاء وعوضٌ لهؤلاء حين منع بالعتق ما لزمه من الحقين، فأمّا الأجنبي، فلم يلزمه حقٌّ لهم، وإنّما أتلف ملك غيره، فلزمه البدل بالإتلاف، ولا يجب بالإتلاف أكثر من قيمةٍ واحدةٍ.
وإنّما لم يشارك أرباب الجناية أرباب الدين، ولا أرباب الدين أرباب الجناية؛ لأنّ محلّ (٥) كلّ واحدٍ من الحقّين مخالفٌ لمحل الآخر، وحكمه مخالفٌ له، ألا ترى أنّ الجناية متعلّقةٌ بالرقبة، ويخاطب المولى بالدفع أو بالفداء، والدين متعلّقٌ بالذمّة، فقد اختلف محلّ الحقّ، واختلف الحقّ في نفسه؛ لأنّ الجناية لازمةٌ للمولى في رقبة العبد، والدين لازمٌ للعبد، والاشتراك إنّما يكون في الحقوق المتساوية؛ ولأنّ العبد لو لم يعتق لم يشترك أرباب الدين وأرباب الجناية فيه، بل ينفرد حقّ أحدهما عن الآخر، ألا ترى أنّه يُدفَع بالجناية،
стр. 5092
ثم يبيعه أرباب الدين، فإذا لم يشتركوا في رقبته (١)، فكذلك في عوضها.
وإذا أذن الرجل لعبده المُدبَّر في التجارة، أو لأمّ ولده، فلحق واحدًا منهما دينٌ كثيرٌ، ثم إنّ المولى أعتق المدبر وأعتق أمّ الولد، فعتقه جائزٌ، ولا ضمان عليه من الدين، ولا من قيمة المدبر ولا أمّ الولد؛ وذلك لأنّ الغرماء لم يثبت لهم حقٌّ في ثمنهما، ألا تري أنه لا يجوز [لهم] بيعهما، وإنّما كان حقّهم متعلقًا بالذمّة، فإذا أعتق المولى فلم يبطل حقًّا لهم، بل قويت لهم الذمّة التي تعلق بها الحق؛ لأنّ ذمة الحرّ أقوى من ذمّة المملوك، وإذا لم يتلف بعتقه حقًّا لهم لم يلزمه الضمان.
قال أبو حنيفة: إذا لحق المأذون دينٌ كثيرٌ أو قليلٌ، ثم أعتق المولى أمةً من رقيقه، فعتقه باطلٌ، كان الدين قليلًا أو كثيرًا، ثم رجع أبو حنيفة بعد ذلك فقال: إن كان الدين كثيرًا يحيط برقبة العبد وبجميع ما في يده فعتقه باطلٌ، وإن كان في قيمته وفيما في يده فضلٌ عن دينه، عتقت الجارية التي أعتقها المولى، وضمن قيمة الجارية المُعتَقة، فإن كان معسرًا كانت القيمة دينًا على الجارية المعتقة، [ويضمن]، ويرجع بذلك على الذي أعتقها في قياس قول أبي حنيفة، وكذلك التدبير.
وقال أبو يوسف: عتقه وتدبيره جائزٌ، ويضمن المولى قيمة الجارية المعتقة للغرماء إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا فللغرماء أن يضمّنوا الجارية، ويرجع بذلك على المولى.
وهذا مبنيٌّ على أصلٍ: وهو أنّ المولى عند أبي حنيفة لا يملك اكتساب عبده إذا كان عليه دينٌ مستغرقٌ، وكان قوله الأوّل: إنّه لا يملك وإن كان الدين
стр. 5093
غير مستغرقٍ.
وقال [أبو يوسف ومحمدٌ] (١): هو مالكٌ في الوجهين:
أمّا وجه قوله الأوّل: فلأنّ المولى يملك الأكساب من جهة عبده، وتعلّق حقّ الغرماء يمنع من الانتقال قليلًا كان الحقّ (٢) أو كثيرًا، كما يمنع الدين من انتقال الملك في الرهن وإن كان أقلّ منه.
وأمّا وجه قوله الثاني: فلأنّ الأكساب تنتقل إلى العبد، ومن جهته تنتقل إلى مولاه من طريق الحكم، كما ينتقل من الميت إلى ورثته، ومعلومٌ أنّ دين الميت إن كان مستغرقًا منع الانتقال، وإن كان غير مستغرقٍ لم يمنع، فكذلك دين العبد؛ ولأنّ الدين إذا لم يستغرق لا يخلو إمّا أن يمنع الانتقال في قدره أو في كلّ الكسب، ولا يجوز أن يمنع في جميع الكسب؛ لأن المانع هو الدين، فما فضل عن الدين لا معنى يمنع من الانتقال.
ولا يجوز أن يمنع الانتقال في بعض الكسب دون بعضٍ؛ لأنّ حكم الأكساب حكمٌ واحدٌ، فلا تتبعّض في الانتقال.
وجه قولهما: أنّ المولى مالك لكسب عبده، كما يملك [رقبة عبده، ومعلومٌ أنّ الدين لا يغير ملكه] في الرقبة، فكذلك في الأكساب، فإذا ثبت أن المولى لا يملك ما في يده لم ينفذ عتقه فيه.
وعلى قولهما: هو مالكٌ للكسب، إلا أنّ حق الغرماء يتعلّق به بعد العتق،
стр. 5094
[فينفذ العتق، ويغرم]، ويضمن.
وأمّا إذا كان معسِرًا، فللغرماء أن يستسعوا المُعتَق؛ لأنّ الرقّ كان حقّهم متعلقًا به فسُلِّم للمُعتَق، فصار المولى كالغاصب، والمُعتَق كغاصب الغاصب، وإنّما رجع المُعتَق بما غرم؛ لأنّه لزمه قضاء دينه من طريق الحكم، ولأنّه هو الذي أدخله في هذا الضمان، فكان عليه غرمه.
٢٨١٩ - فَصل: [لحوق المأذون دين يحيط برقبته]
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: إذا لحق المأذون دينٌ كثيرٌ يحيط برقبته وبجميع ما في يده، ثم إنّ المولى وطئ جاريةً من رقيق العبد، فجاءت بولدٍ، فادّعاه، فالولد ولد المولى، وأمّه أمّ ولدٍ له، ويغرم المولى قيمة الجارية، ولا يغرم من عقرها كثيرًا ولا قليلًا.
وقال: لا يشبه [الدعوة] (١) في هذا العتق والتدبير.
أمّا [على] أصل أبي يوسف ومحمدٍ: فلا شبهة [فيه]؛ لأنّ المولى مالكٌ لها، ووطء الرجل لملكه يوجب ثبوت النسب والاستيلاد، [كوطء جارية الابن].
وأمّا على قول (٢) أبي حنيفة: (فإنّه لا يملكها، إلا أنّ حقّ الملك كنفس الملك في ثبوت النسب والاستيلاد، كوطء جارية الابن) (٣)؛ ولأنّ شبهة المولى في جارية عبده أقوى من شبهته في جارية ابنه، [ألا ترى أنّه يقدر أن يتملّك هذه،
стр. 5095
ولا يقدر أن يتملّك جارية ابنه] إلا باختياره.
فإذا كان الوطء في جارية الابن يثبتُ النسب والاستيلاد، فهذا أولى، وليس يمتنع أن لا ينفذ عتقه فيها ويثبت استيلاده كجارية الابن.
وإنّما غرم قيمتها؛ لأنّه أتلفها على الغرماء، وحقّهم متعلّقٌ بها، ولا عُقْر (١) عليه؛ لأنّ ضمان العقر ضمان جزءٍ، وضمان القيمة ضمان الكلّ، فإذا اجتمعا وتعلقا بسببٍ واحدٍ دخل الأقلّ في الأكثر.
قال: وإذا كان على العبد دينٌ يحيط برقبته وبجميع ما في يده، ثم إنّ المولى أعتق جاريةً من رقيق عبده، فعتقه باطلٌ في قول أبي حنيفة، فإن قضى العبدُ الغُرَمَاءَ دَيْنَهم، أو أبرأ الغرماءُ العبدَ من دينهم، أو أبرأه بعضهم حتى صار في يده فضلٌ عن الدين، فعتق المولى جائزٌ؛ وذلك لأنّ عتق المولى وإن لم [ينفذ] (٢) فهو موقوفٌ، فإذا أبرأ الغرماء من دينهم أو استوفوا، زال المانع من تمليك المولى، فملك الجارية بسببٍ سابق للعتق، فينفذ عتقه فيها.
(وهذا كما قالوا فيمن مات وعليه دينٌ مستغرِقٌ، فأعتق الوارث جاريةً من التركة: لم ينفذ عتقه، فإن قضى الدين أو أبرأ الغرماء، نفذ العتق) (٣)؛ لأنّ الدين لما سقط انتقل الملك إلى الوارث [فينفذ عتقه.
وقد قال الحسن بن زياد: إنّ عتق الوارث] والمولى لا ينفذ بعد قضاء
стр. 5096
الدين؛ لأنّه ملكٌ بعد إيقاع العتق، فصار كالمضارب إذا أعتق عبدًا من المضاربة ولا فضل في المال، ثم صار فيه فضلٌ، لم ينفذ عتق المضارب؛ لأنّه ملك بعد العتق، فكذلك هذا.
وذكر هذا محمد بن الحسن فقال: هذا يُوجب أنّ النصراني إذا مات وترك ابنين نصرانيين، وعليه دينٌ مستغرِق، فأسلم أحدهما، ثم أبرأ الغرماء من دينهم، أن تنتقل التركة إلى النصراني دون المسلم، ولا خلاف أن الميراث لهما، فدل على أنّ الغرماء إذا أبرؤوا، انتقل الملك بالموت لا بالبراءة؛ فلذلك نفذ العتق.
فإن قيل: لو عتق المولى عبد مكاتَبه، ثم عجز المُكاتَب، لم ينفذ عتق المولى.
والجواب: أن ملك المُكاتَب موقوفٌ عليه وعلى مولاه، وليس أحدهما أخصّ من الآخر؛ لجواز أن يعتق فيملك، أو يعجز فيملك المولى، وإذا لم يكن أحدهما أخصّ بالملك من الآخر، لم ينفذ عتق أحدهما.
وفي مسألتنا: الملك موقوفٌ على المولى، والغرماء والمولى أخصّ به على ما بيّنا، فلذلك وقف عتقه فيه.
قال: ولو كانت المسألة [بحالها]، فوطئ المولى (١) الجارية التي أعقتها، فجاءت بولدٍ وادّعاه، فدعوته جائزةٌ، والولد حرٌّ، والمولى ضامنٌ لقيمة الجارية للغرماء، والجارية حرّةٌ بالعتق الذي كان من المولى قبل الوطء، وعلى المولى العُقْر للجارية؛ وذلك لأنّ المولى لما أعتقها فالعتق موقوفٌ عند أبي حنيفة على ما قدمناه، فلما وطئها فجاءت بولدٍ فادّعاه، سقط حقّ الغرماء عنها [ونفذ العتق
стр. 5097
الموقوف، كما لو أبرؤوا من الدين]، ألا ترى أنّه لو لم يكن أعتقها يثبت نسب ولدها، وصارت أمّ ولدٍ، وإذا سقط حقّ الغرماء [نفذ] (١) العتق الموقف كما لو أبرؤوا من الدين، وإذا عتقت بالإعتاق دون (٢) الاستيلاد يثبت النسب، ولزمه [العُقْر] (٣)، فصار كالوطء لامرأة حرّةٍ بشبهةٍ فيلزمه العُقْر لها (٤).
стр. 5098
بَاب ما يجوزُ للعبد المأذون أن يفعلهُ وما لا يجوز
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: ليس للعبد المأذون أن يكاتب عبدًا من عبيده ولا أمةً من إمائه، إلا أن يجيز ذلك المولى ولا دين عليه؛ وذلك لأنّ الإذن يقتضي التصرّف في التجارة، والكتابة ليست من التجارة، وما لم يتناوله الإذن [فهو فيه] باقٍ على أصل الحجر، أصله التزويج (١).
وأمّا إذا كاتب ولا دين عليه فأجاز المولى، جاز؛ لأنّ هذا العقد له مجيزٌ؛ بدلالة أنّ المولى يملك ابتداء الكتابة، فوقف العقد على إجازته، فإذا أجاز فمال الكتابة للمولى لا سبيل للعبد على قبضه؛ وذلك لأنّ حقوق عقد الكتابة لا يتعلّق بالعاقد، وإنّما يتعلّق بالمعقود له، وقبض المكاتبة من حقوق العقد، فيملكها المولى دونَ العبد.
قال: فإن دفع المكاتب إلى العبد، لم يبرأ منها، إلا أن يوكله المولى بقبضها؛ لأنّ العقد اقتضى التسليم إلى المولى، فإذا سلّمَ إلى غيره لم (٢) يعتق.
قال: فإن لحق المأذون دينٌ بعد إجازة المولى الكتابة، فالمكاتبة للمولى ليس للغرماء فيها قليلٌ ولا كثيرٌ؛ لأنّ الكتابة لمّا صحت بإجازة المولى، خرج العبد من كسب [المأذون] (٣)، وصار في يد المولى، وما أخذه المولى من
стр. 5099
أكساب المأذون (١) قبل الدين، لا يتعلّق به حقوق الغرماء.
قال: ولو كان العبد كاتب عبدًا، وعليه دينٌ قليلٌ أو كثيرٌ، فالكتابة باطلةٌ وإن أجازها المولى؛ لأنّ المولى لا يملك التصرّف في أكساب العبد مع وجود الدين، فلا يملك إجازة المُكاتَب.
قال: فإن لم يؤد (٢) المكاتبة حتى أدّى المكاتب جميع الكتابة، فإن كان المولى لم يجز الكتابة، لم يعتق، ورُدّ رقيقًا، وكان جميع ما أخذ المأذون من المكاتب له يقضي به دينه، والمكاتَب عبدٌ على حاله.
وإن كان المولى أجاز الكتابة وأمر العبد بقبضها، فقبضها، وعلى العبد دينٌ يحيط برقبته وبجميع ما في يده، فهذا والأول سواءٌ في قياس قول أبي حنيفة، والمكاتب عبدٌ بحاله يباع في الدين.
وأمّا في قول أبي يوسف: فالمكاتب حرٌّ، والمولى ضامنٌ لقيمته للغرماء، والمكاتبة التي قبض العبد للغرماء يستوفونها من دينهم؛ وذلك لأنّ العبد إذا كاتب، فالكتابة موقوفةٌ، فإذا أدّى [قبل] الإجازة، لم يتعلق بالأداء في [عقدٍ] (٣) موقوفٍ عتقٌ، فبقي العبد على حاله.
وأمّا إذا كان المولى أجاز الكتابة وأذن المأذون في القبض، فقبض وعليه دينٌ مستغرقٌ، لم ينفذ العتق عند أبي حنيفة؛ لأنّه لو ابتدأ بالعتق لم يقع، كذلك لا يقع العتق المعلّق بالشرط، وأمّا على قولهما: فلو ابتدأ المولى عتق هذا العبد،
стр. 5100
نفذ عتقه فيه، كذلك إذا عتق بالأداء، والكسب الذي أدّاه المكاتَب، يُردّ إلى الغرماء؛ لأنّ دينهم (١) متعلّقٌ بكسب عبد المأذون كما يتعلق بكسب المأذون، فلم يجز للمولى أن يستوفيه من دين الكتابة.
وأمّا إذا كان (٢) الدين غير مستغرقٍ، عتق المكاتب في قولهم، وضمن المولى قيمته؛ لأنه يملك العتق بالإيقاع، فكذلك يملكه بالشرط، ويضمن القيمة؛ لأنّه أتلف على الغرماء رقبة العبد، وحقهم متعلّقٌ بها.
٢٨٢٠ - فَصْل: [هبة وصدقة المأذون]
وقالوا جميعًا: ليس للمأذون أن يهب درهمًا، ولا يتصدّق به، ولا يكسو ثوبًا؛ لأنّ ذلك صريح التبرع، والعبد لا يملك ما في يديه، فلا يملك التبرع فيه.
وقد كان القياس عندهم: أن لا يجوز تبرعه في جميع الأشياء، وإنّما استحسنوا في هدية الطعام اليسير الذي يفعل مثله التجار إذا وهب ذلك، أو أطعمه للناس، لما روي: "أن النبي ﷺ كان يجيب دعوة المملوك" (٣)، وروي: "أنّ سلمان أهدى إلى النبي ﷺ وهو مملوكٌ، فقبل [وأكل]، وأكل أصحابه، وأتاهم بصدقة، فأمر الصحابة فقبلوها، ولم يأكل منها شيئًا" (٤).
وسئل عمر عن العبد يتصدّق؟ فقال: "بالرغيف ونحوه" (٥)، [فجوزوا
стр. 5101
له] (١) ذلك للأثر، فأمّا هبة الدراهم والثياب فعلى أصل القياس؛ ولأنّ من عادة التُّجَّار أن يطعموا الشيء اليسير [ويستجلبون] (٢) بذلك المعاملة، والإذن يقع على ما تعتاده التجار، والكثير لم تجر به عادةٌ (٣)، فبقي على أصل القياس.
وقد قال أصحابنا: لا بأس بأن تتصدّق المرأة من منزل زوجها بالشيء اليسير كالرغيف ونحوه؛ لأن ذلك غير ممنوعٍ منه في العادة، ولا يجوز في الكثير.
قال: وليس للمأذون أن يتكفل بنفسٍ ولا مالٍ، كان عليه دينٌ أو لم يكن؛ وذلك لأنّ الكفالة عقدٌ موضوع للتبرّع، وهو لا يملك التبرع، وليس هذا كالوكالة بالشراء؛ لأنّ عقد الشراء ليس بموضوعٍ للتبرع.
ولو أعار دابةً أو ثوبًا، فلا بأس بذلك، كان عليه دينٌ أو لم يكن؛ لأنّ من عادة التجار في الدوابّ إعارتها وإعارة الثوب، وقد بيّنا أنّ الإذن ينصرف إلى عادة التجار.
قال: وليس للمأذون أن يقرض؛ وذلك لقوله ﵊: "قرضٌ مرتين صدقةٌ مرةً" (٤)؛ ولأنّ القرض موضوعٌ للتبرّع كالهبة.
قال: ولو أعتق عبدًا على مالٍ لم يجز؛ وذلك لأنّ العتق موضوعٌ للتبرع، فلا يدخل تحت الإذن؛ ولأنّه ليس من التجارة، وقد بيّنا أنّ ما ليس من التجارة مبقىً على [أصل] الحجر.
стр. 5102
فإن أجاز المولى عِتقه ولا دين عليه، جاز؛ لأنّ العتق موقوفٌ على المولى؛ لأنه يملك أن يبتدئه، فوقف على إجازته، وقبض [المال] (١) للمولى دون العبد؛ لأن حقوق [العتق] (٢) لا تتعلّق بالعاقد.
قال: وإن لحق العبد دينٌ بعد عتق هذا، لم يكن للغرماء من المال الذي على المعتَق قليلٌ ولا كثيرٌ؛ لأنّه بالعتق خرج من كسب المأذون، وما خرج من كسبه قبل لزوم الدين لا يتعلق به [الدين] (٣).
وإن كان على العبد دينٌ مستغرقٌ (٤)، فأجاز المولى العتق، جاز، وضمن قيمة العبد لغرماء المأذون، (والمال الذي على المعتَق للمولى) (٥)، ولا سبيل للغرماء عليه.
ولا يشبه هذا المُكاتَب؛ وذلك لأنّ الدين [إذا لم] يستغرق فملك المولى في الأكساب بحاله، إلا أنّ حقوق الغرماء في الاستيفاء تتعلّق به، فلا يمنع ذلك العتق كالعبد المرهون، وإذا ملك المولى العتق، ملك الإجازة، ويغرم قيمة العبد؛ لأنّ حق الغرماء يتعلّق به، وقد أتلفه عليهم بالعتق، فيضمنه لهم كما يضمن الراهن القيمة بإعتاق العبد المرهون، والمال للمولى؛ لأنّه كسب المعتَق بعد الحريّة، فحقوق الغرماء لا تتعلّق به.
стр. 5103
وليس كذلك مال الكتابة؛ لأنّ [المُكاتَب] ما لم يعتق على حكم الرقّ، فأكسابه تتعلّق حقوق الغرماء بها.
وقالوا جميعًا: ليس للمأذون أن يتزوّج بغير إذن مولاه؛ لأنّه مأذونٌ [له] في التجارة، والتزويج ليس من التجارة، وما لم يدخل تحت الإذن يبقى على أصل الحجر.
وإذا لم يجز النكاح، فُرّق بينهما لفساد العقد، فإن كان دخل بها، فالمهر عليه [بعد] (١) الحرية؛ لأنه دين لزمه بسببٍ غير ثابتٍ في حقّ [المولى، فهو كدين المحجور.
وقالوا جميعًا: ليس له أن يزوّج عبده؛ لأنّ تزويج العبد فيه ضررٌ؛ بدلالة أنّ رقبته تُستَحَقّ بالمهر والنفقة، ولأنّ تزويج العبد لا يملكه أحدٌ في حقّ] غيره.
وقال أبو حنيفة ومحمدٌ: ليس له أن يزوّج أمته، وقال أبو يوسف: يجوز [له] تزويجها.
وجه قولهما: أنّ تصرّفه خاصٌّ في التجارة، والتزويج ليس من التجارة.
وجه قول أبي يوسف: أنّه جعل المنفعة التي ليست بمالٍ مالًا، فصار كما لو آجرها.
قال: ويجوز عندهم جميعًا أن يأخذ المأذون مالًا مضاربةً [ويدفع مالًا مضاربةً]؛ لأنّ الإذن ينصرف إلى عادة التجار، ومن عادتهم أن يأخذوا المضاربة ويدفعوها؛ ولأنّه إذا أخذ مالًا مضاربةً فإنّه [يحصل] (٢) لنفسه الربح والضمان،
стр. 5104
ويرجع به على ربّ المال، فهو أنفع له من الشراء لنفسه.
وأمّا إذا أعطى مالًا فيجوز أن يستأجر فيه من يعمل مثل عمل المضاربة بأجرةٍ مضمونة، فإذا دفع المال بأجرةٍ (١) غير مضمونة فهو أولى.
قال: ويجوز أن يشارك شركة عِنَان؛ لأن الشركة من التجارة، ولأن شركة العنان تتضمّن الوكالة، وهو يملك أن يوكّل ويتوكّل، ولا يجوز أن يشارك [شركة] مفاوضةٍ؛ لأنّ المفاوضة تنعقد على الكفالة، وهو لا يملك الكفالة، فإذا عقدها انعقدت شركة (٢) عنان؛ لأنّ المفاوضة تشتمل على العنان وزيادة، فإذا بطل منها الكفالة بقي معنى العنان.
ويجوز له أن يأذن لعبده في التصرّف (٣)؛ لأنه يتصرف على عادة التجار، ومن عادتهم أن يأذنوا لعبيدهم.
قال: ولو اشترك العبدان شركة عنانٍ على أن يشتريا بالنقد والنسيئة، (جاز ما اشترياه بالنقد، وكان بينهما، وما اشترياه نسيئة) (٤) فهو للذي اشتراه خاصةً؛ لما قدّمنا أنّ العبد لا يجوز أن يتوكّل فيما يشتريه نسيئًا؛ لما فيه [من] معنى الكفالة، ويجوز أن يتوكّل فيما يشتريه نقدًا، فإذا تضمنت الشركة الأمرين، جاز أحدهما، ولم يجز الآخر (٥).
стр. 5105
باب الغرورِ (١) في العبدِ المأذون
[قال]: وإذا جاء الرجل بالعبدِ إلى السوق، فقال: هذا عبدي فبايعوه، وقد أذنت له في التجارة، فبايعه أهل السوق ولحقه دينٌ، ثم عُلِم بعد ذلك أنّ العبد كان حرًا، أو مُدبّرًا، أو مُكاتَبًا، أو كانت أمةً فكانت أمّ ولدٍ، أو اسْتُحِقّ العبد، فإنّ على الذي أمرهم بالمبايعة الأقلّ من قيمة العبد ومن الدين، وإن شاؤوا رجعوا بدينهم على الذي ولي مبايعتهم إن كان حرًا، فإن كان عبدًا، أو مُدبّرًا، أو مُكاتَبًا، أو كانت أمّ ولد، لم يرجعوا عليه بشيءٍ حتى يعتق، فإذا أعتق اتّبعوه ببقيّة دينهم؛ وذلك لأنّه [لمّا] أضاف العبد إلى نفسه، وأمرهم بالمبايعة، فصار [غارًّا] (٢) لهم في البيع؛ لأنّ ذلك يقتضي أن يستوفوا ديونهم من ثمنه، فإذا كان حرًا أو مكاتبًا أو عبدًا لغيره تعذّر الاستيفاء، وثبت [به] الغرور، والغرور يتعلق به الضمان [كمن زوّج رجلًا أمةً على أنّها حرّةٌ، ولا بدّ في إثبات الضمان] من شرطين: أحدهما إضافة العبد إلى نفسه، والثاني أمرهم بالبيع.
وإن أضاف العبد إلى نفسه وأخبرهم أنّه أذن له، ولم يأمرهم بالبيع، لم يرجعوا عليه؛ لأنّه أخبرهم [بحاله] (٣)، ولم يأذن لهم في مبايعته، وأمّا إن أمرهم
стр. 5106
بمبايعته ولم يقل [لهم]: إنّه عبدي، فلا ضمان عليه؛ لأنّ الأمر بالبيع ليس فيه استيفاء الدين من الثمن، ولم يثبت الغرور، وإنما قال: إن العبد إذا كان حرًا فلهم الرجوع عليه في الحال؛ لأنّ الدين لزمه بالعقد، ولزم الغار بالغرور، فصار كالكفيل عنه، فلهم أن يرجعوا على أحدهما.
وأمّا إذا كان مستَحَقًا أو مكاتبًا أو مدبرًا، فالرجوع عليه في الحال لا يمكن، فلم يبق إلا الرجوع على الغار.
وأمّا إذا أعتقوا، رجع عليهم بالباقي من الدين؛ لأنّ الذمّة صحّت بالعتق.
فإن كان الغار لم يدر شيئًا، رجع الغرماء عليهم بالجميع؛ لأنّ الغار في الحكم كالكفيل بالدين، فإذا طولب وتوى (١) ما عليه، لم يمنع ذلك من مطالبة المكفول عنه.
قال: فإن كان جاء به إلى السوق، فقال: إن هذا عبدي فبايعوه، فقد أذنت له في التجارة، أو لم يقل: قد أذنت له، فهو سواءٌ، وهو غارٌّ؛ لأنّه لمّا أمرهم بالبيع أمرًا عامًا فقد ثبت الإذن سواءٌ صرّح به أو سكت عنه.
قال: وسواءٌ أمر بمبايعته بتجارةٍ خاصّةٍ أو عامّةٍ، فمن بايعه بتلك الخاصّة أو غيرها فهو مغرورٌ، وليس للمولى أن يقول: إنّما أذنت لكم في مبايعته التمر (٢)، فمن بايعه غير التمر فلا ضمان له عليّ، ولا يُلتَفت إلى قوله؛ وذلك لأنّ إذن المولى في نوعٍ (٣)، إذنٌ في كلّ الأنواع، والتخصيص لا يتعلّق به فائدةٌ.
стр. 5107
وليس هذا كمن قال لرجلٍ: ما بايعت فلانًا من البَزِّ فهو عليّ، لم يضمن ما سوى البرّ؛ لأنّ الضمان يثبت هناك بصريح الكفالة، فوجب اعتبار ما نص عليه، وهاهنا ليس بصريح (١) الكفالة، وإنّما يثبت من طريق الحكم الضمان لأجل الغرور، والغرور عامٌّ وإن اختصّ الإذن، ألا ترى أن شراء المأذون يجوز فيما خصّ له وفيما لم يخصّ.
قال: ولو كان (٢) قال لهم: هذا عبدي فبايعوه، فقد أذنت له في التجارة، ثم إنّ المولى دبّره بعد ذلك، ثم لحق الدينُ العبدَ بعد التدبير، لم يضمن المولى من ذلك الدين قليلًا ولا كثيرًا؛ وذلك لأنّه لم يغرّهم في شيءٍ، ألا ترى أن العبد كان على ملكه، فإذا لم يكن غرورٌ، فقد دبره ولا حقّ لهم في رقبته، فلم يتلف عليهم شيئًا (٣)، فلا يضمن.
وكذلك لو أعتقه ثم بايعوه؛ لأنّهم اغتروا حين ظنوا أنّه يبقى على الرّقّ، ولم يغرّهم المولى، فلا يضمن.
قال: ولو كان القائل لهم عبدًا محجورًا، فلا ضمان عليه حتى يعتق؛ لأنّ ضمان الغرور يجري مجرى ضمان الكفالة، وكفالة العبد [المأذون] لا تلزمه إلا بعد الحريّة.
قال: ولو كان الآذن (٤) له حرًا، والذي أمرهم بمبايعته عبدًا مأذونًا له في
стр. 5108
التجارة، أو مُكاتَبًا، أو صبيًّا حرًّا قد أذن له أبوه في التجارة، فلا ضمان على الآمر في ذلك إن كان الذين بايعوه علموا أو لم يعلموا؛ وذلك لأنّ ضمان الغرور قد بيّنا أنه يجري مجرى ضمان الكفالة، فلا يلزم المأذون ولا المُكاتَب ولا الصبي.
فأمّا المأذون والمكاتب، فيلزمهما [ضمان] بعد الحريّة؛ لأن قولهما صحيحٌ، وإنّما لم يضمنا لحقّ المولى، وقد سقط حقّ المولى بالعتق.
وأمّا الصبي، فليس له قولٌ صحيحٌ، فلا يلزمه الضمان بالغرور في الحال ولا بعد البلوغ (١).
стр. 5109
باب الشهادة على العبد والمولى غائبٌ
قال: وإذا خوصم العبد في دينٍ ادُّعي عليه وهو ممّا بيّنت لك أنّه يلزمه في رقبته وكسبه، وجحد ذلك، وشهد عليه شهودٌ بإقراره بذلك، أو شهدوا عليه ببيعٍ أو شراءٍ أو إجارةٍ، فأنكر ذلك العبد، ومولاه غائبٌ، فالشهادة عليه جائزةٌ في جميع ذلك، ويقضي عليه القاضي بذلك كلّه، ولا يلتفت إلى غيبة المولى.
وكذلك الصبي والمعتوه المأذون لهما في التجارة، يجوز عليهما الشهادة، ولا يلتفت إلى غيبة الآذن لهما؛ وذلك لأنّ المأذون فيما يتصرّف فيه كالحرّ، بدلالة أنّه لا يرجع بالضمان على غيره، فإذا قامت عليه البيّنة، لم يعتبر حضور غيره، كما لا يعتبر في الحرّ.
قال: وإذا كان العبد محجورًا عليه، فشهد عليه شاهدان بغصبٍ غصبه، أو بوديعةٍ استهلكها، أو مضاربةٍ استهلكها، أو بضاعةٍ، وجحد ذلك كلّه، وشهد عليه شاهدان بمعاينة ذلك، ولم يشهدوا على الإقرار، فإن كان المولى غائبًا، فإن القاضي لا يقضي على العبد بشيءٍ من ذلك حتى يحضر المولى، فإذا حضر قضى على العبد بالغصب.
وأما المضاربة والبضاعة والوديعة، فإنّ القاضي لا يقضي عليه بشيءٍ من ذلك وإن حضر مولاه حتى يعتق؛ وذلك لأنّ المحجور لا يملك الخصومة، ولا يجوز سماع البيّنة عليه، وهو لا يقدر على دفعها بالمخاصمة، فإذا حضر المولى
стр. 5110
قضي عليه بالغصب؛ لأنّه ليس بمحجورٍ في أفعاله.
فأمّا الوديعة والمضاربة، فعند أبي حنيفة ومحمدٍ: لا يقضى بها؛ لأنّ من أصلهما أنّ العبد المحجور لا يضمنها إلا بعد العتق، فلا معني للقضاء بها.
وأمّا على قول أبي يوسف: فإنّ العبد يضمنها كما يضمن الغصب، فيُقضَى بها عليه.
قال: وإن كان الشاهدان شهدا عليه بإقراره في بعض ما وصفت، ولم يشهدوا بمعاينة شيءٍ من ذلك، لم يُقضَ على العبد بشيءٍ من ذلك حتى يعتق وإن كان مولاه حاضرًا؛ لأن المحجور لا يتعلّق بإقراره حكمٌ، فلم يجز القضاء عليه بالإقرار.
قال أبو حنيفة ومحمدٌ: إذا شهد على المأذون بقتلِ عمدٍ، أو قذفٍ، أو زنًا، أو شرب خمر، فإن كان المولى حاضرًا قضى القاضي (١) عليه بذلك، وإن كان المولى غائبًا والعبد يجحد ذلك لم يقض عليه بشيءٍ من ذلك حتى يحضر مولاه.
وقال أبو يوسف: يقضى عليه [بذلك].
وجه قولهما: أنّ هذه البينة يتعلّق (٢) بها استحقاق رقبة العبد، أو استحقاق (٣) جزءٍ منها، أو استحقاق إزالة يد المولى عنه [ليحدّ]، ولا يجوز القضاء باستحقاق الرقبة، ولا باستحقاق جزءٍ منها، ولا بإزالة اليد إلا بعد حضور المولى.
стр. 5111
وجه قول أبي يوسف: أنّ العبد في هذه الأحكام كالحرّ، بدلالة أنّه لو أقرّ بها نفذ إقراره، فتُسمَع عليه البيّنة كما تُسمع على الحرّ.
قال: فإن كانوا شهدوا عليه بإقراره، وهو يجحد، لزمه القَوَدُ والقذف، ولم يلزمه ما سواهما؛ لأنّ الرجوع عن الإقرار بالقصاص والقذف لا يُقبَل، والرجوع عن الإقرار ببقية الحدود مقبولٌ، فجحوده كرجوعه.
قال: ولو شهد الشهود على صبيٍّ مأذونٍ له، أو معتوهٍ مأذونٍ له بقتلِ عمدٍ أو بقذفٍ أو بشرب خمرٍ أو بزنًا، ومن أذن لهما حاضرٌ، لم يلزمه من ذلك شيءٌ إلا بالقتل، فإنّ على عاقلته الدية؛ لأنّ الصبي والمعتوه لا يجب عليهما الحدود، فلا معنى للشهادة عليهما بأسبابهما، وأما القتل فعمده عندنا في حكم الخطأ، فيلزم العاقلة.
قال: وإن كان الشهود شهدوا بإقرارٍ لبعض ما ذكرنا، لم يجز؛ لأنّ قول الصبيّ لا يتعلّق به حكمٌ، فوجوده وعدمه سواءٌ.
قال: ولو شهد على المأذون شاهدان بسرقة عشرة دراهم، وهو يجحد، فإن كان مولاه حاضرًا قطع ولم يضمن السرقة، إلا أن تكون قائمةً بعينها، فترد، وإن كان المولى غائبًا ضمن العبد السرقة ولم يقطع؛ وذلك لأنّ المولى إذا حضر فالشهادة بالسرقة شهادةٌ باستحقاق [يده]، فتُسمَع البيّنة على المولى كما تُسمَع باستحقاق نصفه أو ثلثه.
وأمّا الضمان؛ فلأنه لا يجتمع عندنا مع القطع، فإن كانت العين قائمةً رُدّت، وإن كانت هالكةً فلا ضمان.
стр. 5112
وأمّا إذا غاب المولى، فالشهادة بالمال مقبولةٌ؛ لأنّ المأذون يملك الخصومة في المال، ولا يجوز القضاء بالقطع مع غيبة المولى لما قدّمنا، فيقضى بالمال دون القطع.
ولو شهدا على سرقة أقل من عشرة دراهم ضمّنه القاضي السرقة (١) ولم يقطعه، ولا ينظر في ذلك إلى غيبة المولى ولا إلى حضوره؛ لأنّ القطع لا يتعلّق بسرقة ما دون العشرة، فالخصومة إنّما هي في الضمان، والمأذون يملك الخصومة في المال، فتسمع البيّنة.
قال: ولو كان المشهود عليه صبيًا أو معتوهًا شهد عليه بسرقة عشرة دراهم، (ضمنه القاضي ولم يقطعه، ولا ينظر في ذلك إلى غيبة الذي أذن له؛ لأنّ الصبيّ والمعتوه لا يلزمهما حدٌّ، والخصومة إنّما هي في الضمان، والصبيّ المأذون يملك المخاصمة في ذلك، فسمعت البيّنة عليه.
قال: ولو شهدوا على إقرار المأذون بسرقة عشرة دراهم) (٢)، وهو يجحد، فإنّ القاضي يلزمه ضمان السرقة وإن كان المولى (٣) غائبًا؛ لأنّ إقرار المأذون بالمال جائزٌ، وهو خصمٌ فيه، والقطع لا يثبت مع جحوده كما لا يثبت بعد (٤) رجوعه، فلم يبق إلا المال، وهو خصمٌ فيه.
قال: ولو كان العبد محجورًا عليه، فشهد عليه بسرقة عشرة دراهم، وهو
стр. 5113
يجحد، فإن كان المولى غائبًا لم يقض عليه القاضي بشيءٍ من ذلك حتى يحضر مولاه، فإن حضر وشهد عليه شاهدان، قضى القاضي بقطع الغلام وردّ السرقة إن كانت [قائمةً] بعينها؛ لأنّ المحجور لا يملك الخصومة في المال، فلا تسمع عليه البيّنة مع غيبة المولى في القطع، ولا في الردّ.
وإذا حضر (١) المولى سمعت عليه البيّنة في القطع، ووجوب القطع يُسقِط [الضمان].
قال: ولو كانت الشهادة على إقرار العبد، وهو يجحد ذلك، فالشهادة باطلةٌ، ولا يُقضَى عليه بشيءٍ من قطعٍ ولا ضمانٍ، كان المولى غائبًا أو حاضرًا؛ لأنّ الشهادة لا تسمع في إقرار السارق مع جحود السارق لمعنًى يعود إلى إثبات القطع؛ لأنّه يسقط بالرجوع، وإذا لم يثبت القطع لهذه البيّنة، لم يثبت المال بإقرار المحجور؛ لأنّا نثبته تبعًا للقطع، وقد سقط القطع، فسقط المال بالتابع له (٢).
стр. 5114
بَابُ اختلافِ المأذونِ والمولى وغيره في مالٍ في يد المأذون
قال: وإذا كان في يد المأذون مالٌ، فقال المولى: هو مالي، وقال العبد: هو مالي، وعلى العبد دينٌ، فالقول قول العبد، ولا يُصدّق المولى على ذلك، حتى يقضي الدين؛ لأنّ يد العبد يدٌ للغرماء، فكأنّ المولى والغرماء اختصموا في أيديهم، فلا يقبل قول المولى فيه.
قال: وإن كان المال في يد المولى وفي يد العبد، فهو بينهما نصفان؛ لما بيّنا أنّ العبد يده لنفسه، فصارا كالأجنبيين إذا تداعيا الملك كان بينهما؛ لتساويهما في اليد التي هي سبب الاستحقاق.
قال: وإن كان معهما يد [رجلٍ] أجنبيٍّ، فالمال بينهم أثلاثًا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم له فيه يدٌ صحيحةٌ، والتساوي في اليد يقتضي التساوي في الملك.
قال: فإن كان العبد لا دين عليه، فالمال بين المولى والأجنبي نصفان؛ لأنّ العبد الذي لا دين عليه يده لمولاه، (فكأنّ المولى ممسكٌ) (١) للشيء بيديه، والأجنبيّ بيدٍ واحدةٍ، فيكون بينهما نصفين، ولا يترجّح زيادة أحد اليدين.
وقالوا جميعًا: لو كان ثوبٌ في يد رجلٍ وعبدٍ مأذونٍ له، وكلّ واحدٍ منهما يدَّعيه، فهو بينهما نصفان؛ لأنّ المأذون له يدٌ صحيحةٌ، فصار كالحرّ.
стр. 5115
قال: وإن كان في يد أحدهما معظمه، وفي يد الآخر بعضه، فهو بينهما نصفان، وإن [لم] يكن أحدهما متعلّقًا إلا بطرفه؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يده ثابتةٌ عليه، فقد تساويا في ثبوت اليد من جنسٍ واحدٍ، فلا معتبر بزيادة التمسّك.
وإن كان أحدهما متزرًا به، أو مرتديًا به، أو كان قميصًا فكان لابسه، والآخر متعلّقٌ به، أو كانت دابّةً وأحدهما راكبٌ عليها، والآخر ممسكٌ باللجام، فهو للراكب واللابس؛ وذلك لأنّ أحدهما له تصرّفٌ وللآخر إمساكٌ بغير تصرّفٍ، والتصرف أظهر في اليد [وأدلّ] (١) على الملك، فكان أولى.
قال: ولو أنّ رجلًا حرًا، أو عبدًا مأذونًا له في التجارة، أو مكاتبًا آجر نفسه من رجلٍ بأجرٍ (٢) يبيع معه [البزّ] (٣)، أو آجر نفسه من خياطٍ يخيط معه، وكان في يد الآخر ثوبٌ، فقال المستأجِر: هو لي، وقال الأجير: هو لي، فإن كان في حانوت التاجر والخياط، فهو للتاجر والخياط؛ وذلك لأن الأجير إذا كان في منزل المستأجِر فالظاهر أنّه يتصرّف في ماله، فدعواه أظهر من دعوى الأجير، فكان أولى بما في يده.
قال: ولو كان في السكَّة التي فيها منزل الأجير، فهو للأجير؛ لأنّه إذا لم يكن في منزل المستأجِر فلا يد [له] عليه، فبقيت اليد لنفسه، فصار كغير الأجير.
قال: ولو أن عبدًا محجورًا عليه آجره مولاه من رجلٍ، وكان مع العبد ثوبٌ، فقال المستأجِر: هو لي، وقال مولاه: هو لي، كان ذلك الثوب للمستأجِر؛ لأنّ