وجه قول أبي يوسف: أنّ العبد في هذه الأحكام كالحرّ، بدلالة أنّه لو أقرّ بها نفذ إقراره، فتُسمَع عليه البيّنة كما تُسمع على الحرّ.
قال: فإن كانوا شهدوا عليه بإقراره، وهو يجحد، لزمه القَوَدُ والقذف، ولم يلزمه ما سواهما؛ لأنّ الرجوع عن الإقرار بالقصاص والقذف لا يُقبَل، والرجوع عن الإقرار ببقية الحدود مقبولٌ، فجحوده كرجوعه.
قال: ولو شهد الشهود على صبيٍّ مأذونٍ له، أو معتوهٍ مأذونٍ له بقتلِ عمدٍ أو بقذفٍ أو بشرب خمرٍ أو بزنًا، ومن أذن لهما حاضرٌ، لم يلزمه من ذلك شيءٌ إلا بالقتل، فإنّ على عاقلته الدية؛ لأنّ الصبي والمعتوه لا يجب عليهما الحدود، فلا معنى للشهادة عليهما بأسبابهما، وأما القتل فعمده عندنا في حكم الخطأ، فيلزم العاقلة.
قال: وإن كان الشهود شهدوا بإقرارٍ لبعض ما ذكرنا، لم يجز؛ لأنّ قول الصبيّ لا يتعلّق به حكمٌ، فوجوده وعدمه سواءٌ.
قال: ولو شهد على المأذون شاهدان بسرقة عشرة دراهم، وهو يجحد، فإن كان مولاه حاضرًا قطع ولم يضمن السرقة، إلا أن تكون قائمةً بعينها، فترد، وإن كان المولى غائبًا ضمن العبد السرقة ولم يقطع؛ وذلك لأنّ المولى إذا حضر فالشهادة بالسرقة شهادةٌ باستحقاق [يده]، فتُسمَع البيّنة على المولى كما تُسمَع باستحقاق نصفه أو ثلثه.
وأمّا الضمان؛ فلأنه لا يجتمع عندنا مع القطع، فإن كانت العين قائمةً رُدّت، وإن كانت هالكةً فلا ضمان.
стр. 5112
وأمّا إذا غاب المولى، فالشهادة بالمال مقبولةٌ؛ لأنّ المأذون يملك الخصومة في المال، ولا يجوز القضاء بالقطع مع غيبة المولى لما قدّمنا، فيقضى بالمال دون القطع.
ولو شهدا على سرقة أقل من عشرة دراهم ضمّنه القاضي السرقة (١) ولم يقطعه، ولا ينظر في ذلك إلى غيبة المولى ولا إلى حضوره؛ لأنّ القطع لا يتعلّق بسرقة ما دون العشرة، فالخصومة إنّما هي في الضمان، والمأذون يملك الخصومة في المال، فتسمع البيّنة.
قال: ولو كان المشهود عليه صبيًا أو معتوهًا شهد عليه بسرقة عشرة دراهم، (ضمنه القاضي ولم يقطعه، ولا ينظر في ذلك إلى غيبة الذي أذن له؛ لأنّ الصبيّ والمعتوه لا يلزمهما حدٌّ، والخصومة إنّما هي في الضمان، والصبيّ المأذون يملك المخاصمة في ذلك، فسمعت البيّنة عليه.
قال: ولو شهدوا على إقرار المأذون بسرقة عشرة دراهم) (٢)، وهو يجحد، فإنّ القاضي يلزمه ضمان السرقة وإن كان المولى (٣) غائبًا؛ لأنّ إقرار المأذون بالمال جائزٌ، وهو خصمٌ فيه، والقطع لا يثبت مع جحوده كما لا يثبت بعد (٤) رجوعه، فلم يبق إلا المال، وهو خصمٌ فيه.
قال: ولو كان العبد محجورًا عليه، فشهد عليه بسرقة عشرة دراهم، وهو
стр. 5113
يجحد، فإن كان المولى غائبًا لم يقض عليه القاضي بشيءٍ من ذلك حتى يحضر مولاه، فإن حضر وشهد عليه شاهدان، قضى القاضي بقطع الغلام وردّ السرقة إن كانت [قائمةً] بعينها؛ لأنّ المحجور لا يملك الخصومة في المال، فلا تسمع عليه البيّنة مع غيبة المولى في القطع، ولا في الردّ.
وإذا حضر (١) المولى سمعت عليه البيّنة في القطع، ووجوب القطع يُسقِط [الضمان].
قال: ولو كانت الشهادة على إقرار العبد، وهو يجحد ذلك، فالشهادة باطلةٌ، ولا يُقضَى عليه بشيءٍ من قطعٍ ولا ضمانٍ، كان المولى غائبًا أو حاضرًا؛ لأنّ الشهادة لا تسمع في إقرار السارق مع جحود السارق لمعنًى يعود إلى إثبات القطع؛ لأنّه يسقط بالرجوع، وإذا لم يثبت القطع لهذه البيّنة، لم يثبت المال بإقرار المحجور؛ لأنّا نثبته تبعًا للقطع، وقد سقط القطع، فسقط المال بالتابع له (٢).
стр. 5114
بَابُ اختلافِ المأذونِ والمولى وغيره في مالٍ في يد المأذون
قال: وإذا كان في يد المأذون مالٌ، فقال المولى: هو مالي، وقال العبد: هو مالي، وعلى العبد دينٌ، فالقول قول العبد، ولا يُصدّق المولى على ذلك، حتى يقضي الدين؛ لأنّ يد العبد يدٌ للغرماء، فكأنّ المولى والغرماء اختصموا في أيديهم، فلا يقبل قول المولى فيه.
قال: وإن كان المال في يد المولى وفي يد العبد، فهو بينهما نصفان؛ لما بيّنا أنّ العبد يده لنفسه، فصارا كالأجنبيين إذا تداعيا الملك كان بينهما؛ لتساويهما في اليد التي هي سبب الاستحقاق.
قال: وإن كان معهما يد [رجلٍ] أجنبيٍّ، فالمال بينهم أثلاثًا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم له فيه يدٌ صحيحةٌ، والتساوي في اليد يقتضي التساوي في الملك.
قال: فإن كان العبد لا دين عليه، فالمال بين المولى والأجنبي نصفان؛ لأنّ العبد الذي لا دين عليه يده لمولاه، (فكأنّ المولى ممسكٌ) (١) للشيء بيديه، والأجنبيّ بيدٍ واحدةٍ، فيكون بينهما نصفين، ولا يترجّح زيادة أحد اليدين.
وقالوا جميعًا: لو كان ثوبٌ في يد رجلٍ وعبدٍ مأذونٍ له، وكلّ واحدٍ منهما يدَّعيه، فهو بينهما نصفان؛ لأنّ المأذون له يدٌ صحيحةٌ، فصار كالحرّ.
стр. 5115
قال: وإن كان في يد أحدهما معظمه، وفي يد الآخر بعضه، فهو بينهما نصفان، وإن [لم] يكن أحدهما متعلّقًا إلا بطرفه؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يده ثابتةٌ عليه، فقد تساويا في ثبوت اليد من جنسٍ واحدٍ، فلا معتبر بزيادة التمسّك.
وإن كان أحدهما متزرًا به، أو مرتديًا به، أو كان قميصًا فكان لابسه، والآخر متعلّقٌ به، أو كانت دابّةً وأحدهما راكبٌ عليها، والآخر ممسكٌ باللجام، فهو للراكب واللابس؛ وذلك لأنّ أحدهما له تصرّفٌ وللآخر إمساكٌ بغير تصرّفٍ، والتصرف أظهر في اليد [وأدلّ] (١) على الملك، فكان أولى.
قال: ولو أنّ رجلًا حرًا، أو عبدًا مأذونًا له في التجارة، أو مكاتبًا آجر نفسه من رجلٍ بأجرٍ (٢) يبيع معه [البزّ] (٣)، أو آجر نفسه من خياطٍ يخيط معه، وكان في يد الآخر ثوبٌ، فقال المستأجِر: هو لي، وقال الأجير: هو لي، فإن كان في حانوت التاجر والخياط، فهو للتاجر والخياط؛ وذلك لأن الأجير إذا كان في منزل المستأجِر فالظاهر أنّه يتصرّف في ماله، فدعواه أظهر من دعوى الأجير، فكان أولى بما في يده.
قال: ولو كان في السكَّة التي فيها منزل الأجير، فهو للأجير؛ لأنّه إذا لم يكن في منزل المستأجِر فلا يد [له] عليه، فبقيت اليد لنفسه، فصار كغير الأجير.
قال: ولو أن عبدًا محجورًا عليه آجره مولاه من رجلٍ، وكان مع العبد ثوبٌ، فقال المستأجِر: هو لي، وقال مولاه: هو لي، كان ذلك الثوب للمستأجِر؛ لأنّ
стр. 5116
مولاه قد آجره منه؛ وذلك لأنّ العبد في يد المستأجر، وقد زالت يد المولى عنه، فهو يتصرّف للمستأجِر في الظاهر، وصارت يده يدًا له.
قال: فإن كان العبد في غير منزل المستأجِر، أو في السكَّة أو في السوق، في يده ثوبٌ، أو كان راكبًا على دابّةٍ، فادّعى ذلك المولى، فادّعاه المُستأجِر، فهو للمستأجِر (١)، ولا يُصدّق المولى في شيءٍ من ذلك؛ لأنّ العبد تثبت عليه اليد، وقد صار في يد المستأجر بعقد الإجارة، فيده يدٌ له في منزله وغير منزله، فالقول قوله، ولا يُلتفَت إلى قول العبد؛ لأنّ يده إذا كانت مستَحقَّةً، فالقول قول المستَحِقّ لها، وليس هذا كالأجنبيّ الحرّ؛ لأنّ اليد يده، وإذا خرج فيده لنفسه.
وقالوا جميعًا: لو كان العبد في منزل المولى، (وفي يده ثوب) (٢)، فقال المستأجِر: هو لي، وقال المولى: هو لي، فهو للمولى؛ لأنّ منزله في يده، فإذا كان العبد فيه، فقد ثبتت يده عليه وزالت يد المستأجِر، فالقول قوله فيه.
ولو كان العبد المأذون له في التجارة وعليه دينٌ في منزل مولاه، وفي يده ثوبٌ، فقال المولى: هو لي، وقال العبد: هو لي، فإن كان الثوب من تجارة العبد فهو له، وإن لم يكن من تجارته فهو للمولى؛ لأنّ لكلّ واحدٍ منهما فيه يدًا، فرجحت [يد] العبد [بالعلامة] (٣)، فالظاهر فيما كان في تجارته أنه له، وما لم يكن من تجارته فلا ظاهر معه، وهو والثوب في يد المولى، فالقول قوله.
стр. 5117
قال: ولو كان العبد راكبًا على دابَّةٍ، أو لابسًا ثوبًا، فقال العبد: هو لي، وقال المولى: هو لي، فهو للعبد إن كان من تجارته أو لم يكن؛ لأنّ للعبد يدًا وتصرفًا، وليس للمولى تصرّفٌ، فلم تُساوِ [يده] يد العبد، فكان العبد أولى.
تم كتاب المأذون
(بحمد الله ومنه، ويتلوه كتاب الإقرار) (١)
стр. 5118
[٨١] كتابُ الإقرار
قال ﵀: الأصل في لزوم الإقرار (١) للمقِرِّ قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلو لم يلزم المقِرَّ ما أقرّ به لم يرجع إلى إملائه، ثم ذمّه على الكتمان، فلولا أنّه إذا ظهر تعلّق بإظهاره الحكم، لم يكن لذمّه معنًى، ألا ترى أنّ الله تعالى لما ذمّ الشهود على كتمان الشهادة، دلّ على أن إظهارها يتعلّق به حكمٌ، ويَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، قال ابن عباس: [شاهدةٌ] (٢)، وروي أنّ ماعزًا أقرَّ عند النبي ﵊ بالزنا، فرجمه النبي ﵊ (٣).
وقال في قصة العَسيف: "واغد يا أُنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٤)، وهذا يدلّ على أنّ الاعتراف يثبت به الحدّ، فلأن يثبت به المال أولى.
ولأن المقرّ غير متّهمٍ على نفسه فيما يقرّ به، فوجب أن يلزمه حكم إقراره.
قال أبو الحسن: وإذا أقر البالغُ العاقلُ الحُرُّ بشيءٍ في ذمّته، أو فيما في يده، أو في بدنه بشيءٍ من حقوق الناس، جاز ذلك عليه وأُخِذ به، فإن رجع عنه
стр. 5119
بعد إقراره لم يقبل رجوعه عنه، وسواءٌ كان الحق الذي أقرّ به لآدميٍّ مالًا أو غير مالٍ.
أمّا لزوم الإقرار؛ فقد بيّناه، وأمّا اعتبار البلوغ والعقل؛ فلأن قول الصبي والمجنون لا يتعلّق به حكمٌ؛ لقوله ﵊: "رفع القلم عن ثلاث … " (١).
فأمّا شرط الحريّة؛ فلأنّ العبد إذا أقرّ بالأموال، لزمته بعد الحريّة، وإذا أقرّ بالحدود والقصاص، لزمته في الحال، [فلما اختلف] (٢) حكم إقراره، شُرِط في جواز الإقرار الحريّة.
وأمّا إذا رجع لم يقبل رجوعه؛ لأنّ الحقّ قد لزمه للمقَرّ له، وفي رجوعه إسقاط حقّه، فلا يقبل قوله فيه.
قال: فإن كان ما أقرّ به حقًّا لله تعالى مجرّدًا من حقوق الناس، مثل الزنا، وشرب الخمر، و [حدّ] السرقة، فإن أقرّ بذلك ثم رجع عنه قبل استيفاء الحدّ، بطل الحدّ؛ لما روي أنّ ماعزًا لما مسّه حرّ الحجارة هرب، فاتبعوه فقتلوه، وذُكر ذلك للنبي ﵊، فقال: "هلا خلّيتم سبيله" (٣)، فجعل الهرب [الدالّ] على الرجوع كالرجوع.
فإذا وجد [صريح] (٤) الرجوع أولى أن يسقط الحد؛ ولأنّ الحدود تسقط بالشبهة، والرجوع شبهةٌ، فسقطت به [الحدّ].
стр. 5120
قال: ويثبت عليه جميع ذلك بإقراره مرّةً واحدةً، إلا الإقرار بالزنا، فإنّه لا يلزمه إلا أن يقرّ أربع مرات.
[وقال أبو يوسف: عدد الإقرار معتبرٌ بالشهود، فما كان الشهود فيه أربعةً، فالإقرار أربعةٌ، وما كان الشهود فيه اثنين، فالإقرار مرتان في الحدود].
وجملهُ هذا: أنّ كل ما جاز إثباته بشهادة شاهدين، جاز إثباته بإقراره مرّةً واحدةً (١) كالمال؛ ولأنّ السارق أقرّ عند النبي ﷺ بالسرقة فقطعه (٢)، ولم يعتبر تكرار الإقرار.
لأبي يوسف: أن العدد في الإقرار بالحدود معتبرٌ بعدد الشهود فيها، كالإقرار بالزنا.
فأمّا الإقرار بالزنا، فقد بيّناه في كتاب الحدود، وقد روى بشرٌ عن أبي يوسف في نوادره: أنّه رجع في الإقرار بالسرقة إلى قول أبي حنيفة.
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف قال: وإذا قال: سرقت من هذا عشرة دراهم، لا بل سرقت من هذا عشرة دراهم، قال أبو حنيفة: أضمّنه للأوّل عشرةً، وأقطعه للثاني، وقال أبو يوسف: لا أقطعه حتى يقرّ للثاني مرّة أخرى.
وقال بشر: رجع أبو يوسف إلى قول أبي حنيفة.
стр. 5121
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ قوله: لا رجوع - ورجوعه مقبولٌ في الحدّ - غير مقبولٍ في المال، فيضمن للأوّل، ولا يقطع، ثم قد استدرك على نفسه الإقرار بالسرقة للثاني، واستدراكه مقبولٌ على نفسه (١)، والعدد غيرُ معتبرٍ عند أبي حنيفة، فيُقبَل (٢) ويُقطَع.
وقال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: إذا أقرّ بسرقةٍ أو شرب خمر أو زنًا بعد حين، أُخِذ بذلك، إلا شرب الخمر، فإنّه لا يؤخذ به في قول أبي حنيفة [وأبي يوسف]، ويؤخذ به في قول محمدٍ.
وقد كان القياس: أن يُقبَل إقرار الإنسان بعد حينٍ بجميع الحدود؛ لأنه غير متهمٍ [على نفسه فيما يقرّ به، فصار التقديم والتأخير سواءً، وإنّما استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف] في الشرب إذا أقرّ به بعد ذهاب ريحه أن [لا] يقام عليه الحد؛ لحديث ابن مسعودٍ: "أنّ رجلًا جاء بابن أخيه، فقال: إن هذا ابن أخي، وإنه كان يتيمًا في حجري، وقد شرب الخمر، فسأله ابن مسعود، فأقرّ، فقال لعمه: بئس كافل يتيمٍ أنت، إنّك لم تحسن أدبه ولا سترت خِزيته، ثم قال ترتروه، مزمزوه، فإن وجدتم ريحًا فاجلدوه" (٣)، فهذا يدلّ على أنّ بقاء الرائحة معتبرٌ في إقامة الحدود، ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة خلاف ذلك، وأمّا محمدٌ فذهب إلى القياس.
قال: وإن جاء السكران في حال سكره يقرّ على نفسه، لم يؤخذ بإقراره؛ لأنّ السكران زائل العقل، والحدود يُعتبر فيها الاحتياط، فلا تثبت بقوله (٤).
стр. 5122
باب الإقرار بما يكون مضمونًا وبما لا يكونُ
قال أبو حنيفة: إذا أقرّ لرجل أنّ لفلانٍ عليّ ألف درهم، فهو جائزٌ، وهو دينٌ (١)؛ لأنّ "علي" من ألفاظ الوجوب، قال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولأنّه جعل الألف عليه، وذلك لا يكون إلا وهي في ذمته.
قال: وكذلك إذا قال: له قِبَلي؛ لأنّ القبالة اسمٌ للضمان، ولهذا قالوا: بأنّ القِبالة والكفالة واحدٌ، وإذا كانت من ألفاظ الضمان اقتضت الذمّة، فإن قال المقرّ: هي وديعةٌ، ولم يوصلْ ذلك بإقراره، لم يُصدّق؛ لأنّ ظاهر قوله: "عليَّ وقِبَلي" يفيد الدين، فإذا قطع الإقرار، لزمه.
فإذا قال بعد ذلك: هو وديعة، ويريد أن يسقط عن نفسه ما لزمه، فلا يُقبل قوله، وأمّا إذا وصل ذلك بالكلام، فقال: له عليّ ألف [درهمٍ] وديعةً، أو قبلي، أو قبلي ألف وديعةً) (٢) صدِّق؛ لأنّ الكلام لم يستقرّ حتى وصل [به] ما يفيد سقوط الضمان، فكأنّه وصل به استثناءً، فيقبل قوله، ويصير قوله: عليّ، أي: عليّ تسليمها وحفظها.
فإن قال: له عندي ألف درهمٍ، فهي وديعةٌ؛ لأنّ هذا يقتضي (٣) إقرارًا بالحقّ
стр. 5123
في يده، وذلك وديعةٌ، إلا أن يُعلَم غير ذلك.
وكذلك لو قال: معي، لأنّ "مع" للمقارنة، وهذا يقتضي ما يثبت فيه في يده، وكذلك لو قال: في منزلي، أو بيتي، أو صندوقي، أو في كيسي؛ لأنّ هذا اعترافٌ بكونها في يده، [وقد تكون في يده المضمونة]، وقد يكون في يده الأمانة، والمضمون مثل الغصب، إلا ما لا يعلم (١) بالضمان، فيثبت المتيقَّن: وهو الأمانة، فإن قال الطالب: هي قرضٌ، لم يُصدّق؛ لأنّ القرض ثابتٌ في الذمّة، والمقرّ أقرّ بحقٍّ في يده.
فإن قال: له في مالي ألف درهمٍ، فهذا إقرارٌ له بذلك في ماله، ولم يبيّن محمدٌ في الأصل أنّه يكون مضمونًا أو لا يكون.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إنّ هذا إقرارٌ بشركةٍ؛ لأنّه جعل ماله ظرفًا لما أقرّ به، وذلك يقتضي اختلاطه.
وكان الشيخ (٢) أبو عبد الله يقول: إن كان ماله [محصورًا] (٣)، فهو إقرارٌ بشركةٍ؛ لأنّ الشركة يصحّ أن تثبت في مال محصورٍ، وإن كان غير محصورٍ فهو إقرارٌ في ذمّته؛ لأنّ الشركة في غير المحصور لا تثبت، فقد أقرّ أنّ ذلك في جملة ماله، فإذا لم يحضر حتى يستحق [سهمًا] (٤) منه، فقد حكمنا بذلك المال للمِقرّ، فيلزمه عوضه للمقَرّ له.
стр. 5124
قال: فإن قال: له من مالي ألف درهمٍ، فهذه هبةٌ لا تجوز عليه إلا أن يدفعها؛ لأنّ "مِنْ" قد تكون للابتداء، فكأنّه قال: له مائة ابتداءً استحقاقها (١) من مالي، فهذا لا يكون إلا أن يملكه إياها، وقد تكون "مِنْ" للتبعيض، والتبعيض لا يصح فيما هو ماله، إلا أن يهب جزءًا منه.
قال: فإن قال: له من مالي ألف درهمٍ لا حق لي فيها، فهذا إقرارٌ؛ لأنّ ما وهبه له ينقطع حقه عنه بالتسليم (٢)، ولا يصحّ أن يحمل الإقرار على [هبةٍ غير مقبوضةٍ، فلم يبق إلا أن يُحمل على] ما قُبِض وتعلّق الاستحقاق به.
قال: فإن قال: له في دراهمي هذه ألفٌ، فهذا إقرارٌ، وهذا يجب أن يكون إقرارًا بالشركة على ما قدّمنا.
فإن قال: لفلانٍ عندي ألف درهم وديعةً قرضًا، وادّعى الطالب القرض، فهو قرضٌ، وكذلك وديعة دينٍ أو بضاعةٍ (٣)، وكذلك مضاربة قرضًا أو دينًا، أو وديعةً دينًا أو بضاعةً قرضًا؛ لأنّه لمّا جمع في إقراره بين الأمانة والضمان - والأمانة لا تطرأ على الضمان، والضمان يطرأ على الأمانة - وجب أن يُحْمَلَ إقراره على الضمان، وأنّ الشيء كان وديعةً، ثم صار قرضًا أو غصبًا.
قال: وإذا قال: لفلانٍ عندي ألف درهمٍ عاريةً، فهو قرضٌ، وكذلك كلّ ما
стр. 5125
يكال أو يوزن أقرّ بعاريته؛ لأنّ العارية تقتضي استيفاء المنفعة المقصودة من العين، وذلك لا يكون في الدراهم إلا بالاستهلاك، وهذا معنى القرض أنّه: أذن باستهلاك العين بشرط ضمان الردّ (١).
стр. 5126
بَاب الإقرار بشيء مجهولٍ
قال: وإذا أقرّ أنّه غصبَ رجلًا شيئًا، ولم يبيّن ما هو، فإنه يلزمه من ذلك ما شاء، والقول قوله مع يمينه، ولا بد أن يقِرَّ بشيءٍ يتمانعه الناس، ويحلف على دعوى المغصوب منه.
أما جواز الإقرار، فقد بيّناه، وأما الإقرار بالمجهول، فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، ولم يُفَصّل؛ ولأنّ المقِرّ إنّما يقر بما لزمه الإقرار به ويثبت في ذمته، وقد يلزم الإنسان الحقوق المجهولة، فإذا أقرّ بها جاز.
وليس كذلك الشهادة؛ لأنّ الشهادة لا بد أن يعلم ما يشهد به، والمجهول لا يعلمه؛ ولأنّ الشهادة لا يتعلّق بها حكمٌ، إلا أن ينضمّ إليها حكم الحاكم، والحاكم لا يحكم بتسليم المجهول.
فإذا ثبت لزوم الإقرار والبيان إلى المقرّ، فإن بيّن وإلا أجبره القاضي على البيان؛ لأنه أقرّ بلزوم حقٍّ في ذمّته، ومن لزمه حقٌّ مجهولٌ فبيانه عليه، كمن أعتق أحد عبيده، وكمن باع قفيزًا من صُبرةٍ لزمه تمييزه، [ولا بدّ أن يقرّ] (١) بشيءٍ يتمانعه الناس ويقصدونه بالغصب؛ لأنّه أقر بالغصب، وما لا يُتمَانع لا يُغصَب.
ولهذا قالوا: لو بيّن ما يغصبه الناس مما لا قيمة له أو لا يُضمَن، صُدِّق،
стр. 5127
مثل أن يقرّ بغصب العقار، أو بغصب خمرٍ على مسلمٍ، أو بغصب صبيٍّ حرٍّ، أو بغصب جلد ميتة، فإنه يُقبل ذلك كلّه، وإن لم يضمن؛ لأنّ الناس يقصدون ذلك بالغصب.
وأمّا اليمين، فإن ادَّعَى المقَرّ له أكثر مما قاله المقِرّ استُحلِف على الزيادة؛ لأنّ الأصل براءة الذمة، فما بيّنه تيقّنّا لزومه، وما لم يبين به لا يُعلَم لزومه، فيُستحلَف عليه.
قال: فإن أقرّ أنّه اغتصب من رجلٍ عبدًا، أو ثوبًا، أو شاةً، أو بقرةً، أو بعيرًا، أو شيئًا من العروض، فإنّه يلزمه واحدٌ من ذلك، والقول قوله أنّه هذا، صحيحًا كان أو معيبًا، وما كانت قيمته إذا كان قائمًا في يده؛ لأنّ الغصب إيقاع فعلٍ في عين، ولا يقتضي صحة العين، فإذا بيّن ما يتناوله الاسم، فالقول قوله فيه؛ لأنّا لم نتيقّن وجوب ما زاد عليه، فإن كان مُستهلَكًا فعليه قيمته.
والقول قول المقرّ فيها مع يمينه؛ لأنّ الغصب يقتضي ردّ العين ما أمكن ردّها، أو ردّ قيمتها إذا تعذّر ردّ العين، ومن لزمه ضمان شيءٍ، فالقول قوله في مقداره مع يمينه (١)، وكذلك الدار والأرضُ، يعني: إذا أقرّ بغصبها.
قال: ولو أقرّ أنّه غصب دارًا، وقال: هي بالبصرة، فالقول قوله؛ لأنّ الإقرار يقتضي غصب دارٍ، فلا يختصّ بمكانٍ.
فإن قال: هي هذه التي في يد زيدٍ، وزيدٌ ينكر، فالقول قوله في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر، ولا ضمان عليه في قولهما، ويضمن قيمتها في قول
стр. 5128
محمدٍ؛ وذلك لأنّ من أصلهما أنّ العقار لا يُضمَن بالغصب، وقد بيّنا ذلك، فإذا بيّن ما غصبه على وجهٍ لا يلزمه ضمانه، صُدّق فيه.
وأمّا على قول محمدٍ: فالعقار يُضمن بالغصب، فإذا أقرّ بغصبه وتعذّر ردّه لزمه ضمانه.
قال: وإذا أقرّ (١): أنّ لفلانٍ عليّ حقًّا، أو [قال]: لفلانٍ علي شيءٌ، فالقول في ذلك ما قال المقرّ يقرّ بما شاء، لما بيّنا أنّ من لزمه حقٌّ مجهولٌ، فالقول قوله في بيانه، ولا بدّ أن يبيّن هاهنا ماله قيمة؛ لأنّ "علي" تقتضي ثبوت الحق في الذمة، ولا يجوز أن يثبت في ذمّته إلا ما يتقوّم.
وإذا قال: له عليّ قفيز حنطةٍ، فهو بقفيز البلد، وكذلك الرطل والأَمْنَاء (٢) والصنَجَات، فذلك كلّه على وزن البلد؛ لأنّ إطلاق الكيل والوزن انصرف إلى المعتاد في المصر بدلالة البياعات (٣).
стр. 5129
بَابُ الإقرارِ بالدراهم
وإذا أقرّ الرجل أن لفلانٍ عليّ ألف [درهمٍ]، وذكر عددًا أقل من ذلك أو أكثر، فإنّه على ما يتعارفه أهل البلد من الأوزان.
فإن ادّعى المقِرّ أقلّ من ذلك الوزن، لم يُصدّق، فإن أقر بذلك بالكوفة فعليه وزن سبعة، ولا يُصدّق على النقصان إذا لم يبيّن وزنها مع كلامٍ موصولٍ، وذلك لأنّ الدراهم اسمٌ للوزن، ألا ترى أنّ الدرهم موزون، وجملة الموزون موزونٌ (١)، والوزن يرجع فيه إلى غالب وزن البلد؛ لأنّه هو المعتاد الذي ينصرف إليه الإطلاق، كما يعتبر الغالب من نقد البلد في إطلاق العقود.
فأمّا بالكوفة فوزنهم وزن سبعةٍ، ولا يُصدّق المقِرّ في أقل من ذلك، ومعنى قوله وزن سبعةٍ أي: كلّ عشرةٍ منها وزن سبعة مثاقيل، وكلّ درهمٍ وزن أربعة عشر قيراطًا، وهذا هو الوزن الشرعي الذي يتعلّق به نصاب الزكاة ونصاب السرقة؛ وذلك لأنّ الدراهم كانت مختلفةً، منها ما وزنه مثقال عشرون قيراطًا، ومنها ما وزنه اثنا عشر قيراطًا، ومنها ما وزنه عشرة قراريط، وكان الناس إذا تبايعوا اختلفوا، فاستشار عمر ﵁ الصحابة ﵃ في ذلك، فأشاروا عليه أن يجعل الدرهم الوسط من ذلك، فجمع (٢) ثلاثةً منها من كل نوع درهمٍ، فكان اثنين
стр. 5130
وأربعين قيراطًا، فجعلها بثلاثة دراهم متساوية (١)، واستقرّت أحكام الشريعة على ذلك.
فالوزن إذا أطلق حمل عليها، إلا أن يكون في بلدٍ غالب وزنهم أقل من سبعةٍ، فيحمل عليه.
قال: فإن كان في بلادٍ يتبايعون فيها على دراهم معروفة الوزن فيما [بينهم] ينقص من وزن سبعةٍ، فالقول قول المقِرّ، فإن أراد أن ينقص من قدر وزن ذلك البلد لم يُصدَّق؛ وذلك لما بيّنا أنّ الوزن ينصرف إلى المعتاد في المصر الذي وجد (٢) فيه الإقرار، وإذا اعتادوا وزنًا ناقصًا حُمِل الإقرار عليه، فإن كان في بلدٍ أوزانهم مختلفةٌ، فهو على أقلّها؛ وذلك لأنّ العادة في الوزن إذا اختلفت ولم يغلب بعض الأوزان على بعضٍ تساوت، والأقلّ متيقّنٌ دخوله تحت الإقرار، وما زاد عليه مشكوكٌ فيه، فلا يُسْتَحقّ.
قال: ولو أقرّ بضربٍ من الدراهم، فقال له علي مائة درهمٍ أصبهبدية (٣) عددًا، ثم قال بعد ذلك: إنما عنيت (هذه الصغار) (٤)، فإنما عليه وزن سبعةٍ؛ لما بينا أنّ الدراهم اسمٌ للوزن، فكأنه ذكر الوزن وضم العدد إليه، فلا يتعلّق بذكر العدد [حكمٌ].
стр. 5131
والأصبهبدية: بيان نوعٍ، كقوله: سودٌ (١)، فلا [يتغير] (٢) حكم الوزن بها.
وقال أبو حنيفة: لو أقرّ [أنّ] عليه مائة درهم سوداء [كبار] (٣)، ثم قال بعد ذلك: هي عليّ وزن سبعةٍ، وقال الطالب: هي مائةُ مثاقيل، فالقول قول المقرِّ مع يمينه.
قال محمدٌ: الدراهم عندنا في بلادنا [كلّها] على وزن سبعةٍ، لا ينقص ولا يزيد، إلا أن يبيّن زيادةً تُعرَف أو نقصانًا يُعرف في الوزن موصولًا؛ وذلك لأنّ السود بيانٌ للجنس، والدراهم [اسمٌ للوزن، فلا يتغيّر حكم الوزن بذكر الجنس]، فأمّا إذا ذكر المقِرّ زيادةً على ذلك، فقد فسّر أكثر ممّا يقتضيه الظاهر، فيقبل قوله، وإن فسّر أقلّ من ذلك موصولًا صُدّق، وصار بذلك كالاستثناء من الجملة.
فإن قال: لفلانٍ عليّ مائة درهمٍ مثاقيل، كان عليه ما قال؛ لأنّه بيّن قدرًا (٤) زائدًا، فإن قال: [له] عليّ مائةٌ وزن خمسةٍ، فهو كما قال؛ لأنّه بيّن النقصان ووصله بكلامه، فصار كالاستثناء المتّصل، فإن قال له عليّ درهمٌ وزنه نصف درهمٍ، فهو مُصدّقٌ إذا وصل، وإذا لم يصل وسمّى درهمًا فهو وزن سبعةٍ؛ وذلك لأنّه إذا وصل فقد عدل عن إطلاق الكلام بلفظٍ متصلٍ، فصار كالاستثناء، وإذا قطع استقرّ الوزن عليه، فلا يُصدّق في النقصان فيه.
فإن قال: عليّ دريهمٌ أو دنينيرٌ، فعليه درهمٌ تامٌّ، ودينارٌ تامٌّ (٥)، وذلك لأنّ
стр. 5132
التصغير قد يذكر لحجم (١) الدينار، وقد يذكر عن طريق الاستقلال له، فلم يجز أن ينقص من الوزن الذي اقتضاه الظاهر (٢) بالاحتمال.
وقال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجل قال: لفلانٍ عليّ شيءٌ من دراهم أو شيءٌ من الدراهم، قال عليه ثلاثة دراهم؛ وذلك لأنّ قوله: "شيءٌ" إقرارٌ مبهمٌ، وقوله: "من الدراهم" تمييزٌ لما أقرّ به، وأقلّ اسم الدراهم يتناول (٣) ثلاثةً، فيحمل عليها.
قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: وإذا قال: لفلانٍ علي دراهم [كثيرةٌ، أجعل عليه عشرة دراهم]؛ وذلك لأنّ الدراهم اسمٌ يتناول [الجمع]، أقلّه ثلاثةٌ، وأكثره عشرةٌ، وما زاد على ذلك من العدد لا يفسر بدراهم، فصار أكثر ما يتناوله الاسم عشرة، فحمل اللفظ عليها.
ولم يذكر قولهما: وقيل (٤) قالا في هذه المسألة: إنّه يلزم المقِرّ مائتا درهمٍ، أدنى ما يجب فيه الزكاة من النوع الذي أقرّ به؛ لأنّ النصاب في حكم الكثير، ألا ترى أنّ الإنسان يخرج به من حيّز الفقر إلى حيّز الغنى (٥).
وقال أبو يوسف: إذا قال: له عليّ مالٌ كثيرٌ أو عظيمٌ، فعليه مائتا درهمٍ، وإن قال: أموالٌ عظامٌ، فإنّي أجعلها ستمائة؛ لأنّ النصاب مستعظمٌ في الشرع حين خرج به الإنسان من الفقر إلى الغنى، فحُمِل الإقرار عليه، ولم يُصدّق في
стр. 5133
النقصان عنه.
فإذا قال: أموالٌ عظامٌ، فهو جمع للمال، فيحمل على ثلاثة أموال، ولم يذكر في الأصل قول أبي حنيفة في هذا [الفصل] (١)، فمن أصحابنا من قال: [إنّ] قوله مثل قولهما، ومنهم من حمله على العشرة وجعله كدراهم كثيرةٍ، ومنهم من قال: أعتبر فيه حال المقِرّ وما يستعظمه مثله في العادة.
وقد قال الشافعي: إنّ المرجع في ذلك إلى بيانه، [وألغى] (٢) الصفة (٣). وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ المفهوم من قولنا: "مالٌ عظيمٌ"، أكثر ممّا يفهم من قولنا: "مالٌ"، ولا يجوز إلغاء اللفظ مع إمكان حمله على وجهٍ صحيح.
قال: ولو قال: غصبت إبلًا كثيرةً، جعلت عليه خمسًا وعشرين إبلًا (٤)؛ وذلك لأنّ الكثير عنده هو النصاب، ونصاب الإبل المستكثرة هو ما يجب فيه الزكاة من جنسها، فأمّا الخمسة وإن كان نصابًا فلم تُجعَل في حدّ الكثير؛ فلذلك يوجب [الغنم] (٥).
قال: فإن قال: له علي حنطةٌ كثيرةٌ، فإنّي أجعل عليه خمسة أوسق، والوَسْقُ ستون صاعًا، وهذا على أصلهما: أنّ النصاب في الخارج من الأرض يتقدّر بالأوسق، فيُحمل العليه، كما يحمل على النصاب في بقية الأموال.
стр. 5134
فأما على قول أبي حنيفة: فلا نصاب للحنطة، فيرجع في ذلك إلى بيان المقِرّ، إلا أنّه لا بدّ من أن يبيّن زيادةً على ما يقبل بيانه فيه لو قال: عليّ حنطةٌ، حتى لا يلغي الصفة.
فقال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره فيمن قال: لفلانٍ علي ألف درهمٍ طبرية، أو درهمٍ طبريٍّ: فإن قال هذه المقالة ببغداد، فعليه ألف درهم وزن سبعةٍ من الطبريّة، ولو قال عليه ألف درهم مروزيّةٌ، فقال هذا ببغداد، كان عليه دراهم بوزن بغداد مروزيَّةٌ؛ [وذلك] لأنّ الدراهم اسمٌ للوزن، وذِكْر الطبرية والمروزيّة بيانٌ للصفة، فلا يغيّر حكم الوزن.
ولو قال ببغداد: له عليّ كُرّ حنطةٍ (١) موصليٌّ، كان عليه موصليّةٌ (٢) بكُرّ بغداد.
ولو قال بالموصل: له عليّ كُرّ حنطةٍ سواديٌّ، فعليه كُرّ حنطةٍ سواديٌّ بكيل الموصل؛ لأنّ الكُرّ اسمٌ للكيل، فإذا ضم إليه الموصل والسوادي، فهو بيانٌ للصفة، فلا يغيّر حكم الكيل عن ظاهره.
وقال ابن سَمَاعة في موضعٍ آخر في نوادره: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ قال: لفلانٍ عليّ درهمٌ طبريٌّ، فعليه درهمٌ وزنٌ من الطبرية، فكذلك لو قال: عليه أو [سنديّةٌ، أو نَجيَّةٌ) (٣)، إنما هذه أجناسٌ، فهو على ما سمّى من الجنس وزن سبعةٍ، وهذا على ما قدّمنا.
стр. 5135
ولو قال: لفلانٍ عليّ دينارٌ شاميٌّ، أو كوفيٌّ، أو دينار مثقال (١)، والدينار مخالفٌ للدرهم في هذا، إنّما ينسب الدينار إلى الوزن، وليس إلى الجنس، ألا تري أنّ نقصان الدينار وضيعةٌ فيه ليس على النقصان، ولكنّه لا يجوز كما يجوز الدينار الوازن، إنّما يجوز كما يجوز التبر، وله وضيعةٌ لنقصانه، ليس نقصان الوزن، ولكنّه نقصانٌ، لأنه لا يجوز مكانه دينارٌ وازنٌ، ألا ترى أنّ رجلًا لو كان له على رجل دينارٌ فأعطاه دينارين صغيرين (يكونان دينارا، فإنّا لم نجبر على قبض ذلك، فأمّا الدراهم فإنّي أجيز درهمين صغيرين) (٢) وزنهما درهمٌ بدرهمٍ، فكأنه أشار إلى [أنّ] الدينار الشاميّ والمثقال ينصرف الإقرار فيه إلى الوزن والعدد، فلا يجوز أن يعطي دينارين صغيرين، وهذا على عادةٍ عرفها: أن الدينار النّاقص الوزن ينقص ثمنه، لا لنقصان وزنه خاصّةً (٣)؛ ولكن لأنّ نقصان الوزن معه نقصان الصفة، فيعتبر الوزن والعدد.
فأمّا الدراهم فلم يكن نقصان الوزن فيها وضيعةً، فاعتبر الوزن خاصّةً دون العدد (٤).
стр. 5136
بَاب الإقرارِ بالدراهم ثم يَدعي أنها زُيوفٌ
قال في الأصل: قال أبو حنيفة: إذا أقرّ الرجل بألف درهم وزن سبعةٍ قرضًا، أو [من] ثمن بيعٍ، ثم قال بعد ذلك: هي زيوفٌ، أو بَهْرَجةٌ، فإنّه لا يُصدّق، وهي جيادٌ على ما يتبايع الناس [ويتقارضون] (١)، وكذلك لو وصل بنطقه لم يُصدّق على ذلك في قول أبي حنيفة، (وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إن وصل صُدّق، وإن قطع لم يُصدّق.
أما البيع، فوجه قول أبي حنيفة) (٢): أنّ العقد يقتضي صحّة المعقود عليه، فلا يقبل قوله في استحقاق المبيع (٣)، كما لو قال: بعتك هذا العبد على أنّه معيبٌ، لم يُصدّق على ذلك وإن وصل.
وجه قولهما: أنّه لما وَصَلَ ذلك بإقراره فقد التزم ثمنًا (٤) بصفةٍ، فهو كما لو قال: ألفٌ سود مِن ثمن مبيعٍ.
فأمّا القرض فعنه روايتان: جعله في هذه الرواية كالبيع؛ لأنّه معاوضةٌ وتمليك الشيء بمثله، فهو كالبيع، وقال في الرواية الأخرى: يُقبَل قوله إذا وصل؛ لأنّ
стр. 5137
القرض يتمّ بالقبض، فهو كالغصب، ولو قال: غصبته ألفًا زيوفًا، كان القول قوله، كذلك القرض.
قال: ولو أقرّ أنّه غصبه ألف درهمٍ، ثم قال بعد ذلك: هي بهرجةٌ أو زيوفٌ، كان كما قال، وَصَلَ أو قَطَعَ (١)، وكذلك لو قال: له ألف عندي درهمٍ وديعةً، ثم قال بعد ذلك، هي بهرجةٌ أو زيوفٌ، كان كما قال، وصل أو قطع؛ لأنّ الوديعة والغصب إيقاع فعلٍ في عينٍ لا يقتضي صحّة العين، فالقول قوله فيما وقع عليه الغصب، ألا ترى أنّه لو قال: غصبته عبدًا، أو أودعته (٢) عبدًا، ثم جاء بعبدٍ معيبٍ صُدّق، كذلك العيب في الدراهم.
[قال]: فإن قال: له عليّ ألف درهمٍ، ولم ينسب ذلك إلى بيعٍ ولا قرضٍ، ثم قال: هي زيوفٌ، لم يُصدّق إن قطع الكلام، وإن وصل صُدّق في قول أبي يوسف ومحمدٍ.
وهذا الأصل (٣) لا خلاف فيه؛ لأنّه لم ينسب ذلك إلى عقدٍ يقتضي صحّة المعقود عليه، فإن وصل بكلامه الزيوف (لزمه على ما أقرّ به، فإن قطع فقد ثبت الحقّ في ذمّته، وإطلاق الدراهم يقتضي الجياد) (٤)، فإذا فسّر بالزيوف منقطعًا (٥) فقد عدل عن ظاهر كلامه، فلا يُصدّق.
وأمّا إذا قال: أودعني ألف درهمٍ، قال: هي رصاصٌ، أو سَتُّوقةٌ (٦)، فإن
стр. 5138
وصل الكلام صُدّق، وإن قطع لم يُصدّق؛ لأن الستُّوقَة ليست من جنس الدراهم، فإذا قطع لزمته الدراهم، فلا يُصدّق في بيان ما ليس من جنسها، وأمّا إذا وصل فقد عدل عن ظاهر كلامه بلفظٍ متصلٍ، فيصير كعدوله عن العدد بالاستثناء.
قال بشرٌ عن أبي يوسف: في رجلٍ (١) قال: غصبتك ألف درهم زيوفًا، فإنّ أبا حنيفة قال: أصدّقه، وقال أبو يوسف: إن قطع ما بين الزيوف والألف بكلامٍ، لم أصدقه، وهذا خلاف الرواية الأولى.
والظاهر: أنه يُصدّق في الوجهين؛ لأنّ الغصب لا يقتضي صحّة المغصوب، فالقول قوله قطع أو وصل.
ووجه هذه الرواية (٢): أنّ إطلاق الدراهم يقتضي الجياد، والغصب يثبت في الذمّة، فإذا استقرّ الإقرار بالسكوت لم يُصدَّق في بيان ما لا يقتضيه الظاهر.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: أودَعَني ألف درهمٍ، أو أعطاني ألف درهمٍ، ثم جاء بها زيوفًا أو بهرجةً، فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يصل ذلك بالكلام الأوّل، وكذلك قال أبو يوسف.
أمّا أبو حنيفة فمضى على الظاهر: أنّ الوديعة قبضٌ لا يقتضي صحة المقبوض، فالقول قول المودَع في البيان.
وأمّا أبو يوسف: ففرّق في إحدى الروايتين بين الغصب والوديعة؛ لأنّ الغصب ثبت في الذمّة، فإذا استقرّ الإقرار بالسكوت لم يُصدِّق في نقصان
стр. 5139
الصفة، وأمّا الوديعة فلا تثبت في الذمّة، فالقول قوله في بيانها.
قال أبو يوسف: إذا قال: سَتُّوقة، صدّقته في الغصب والوديعة إذا وصل، وكذلك قال أبو حنيفة (إذا وصل.
قال أبو حنيفة) (١): ولا أصدّقه إذا قطع؛ لأنّ الستُّوقَة ليست بدراهم، فإذا بيّن ذلك بكلامٍ منقطعٍ، فهو رجوعٌ عمّا أقرّ به من الوديعة، فلا يُصدّق.
قال: وإذا قال: ابتعتها بألفٍ سَتُّوقة، لم يُصدَّق في قول أبي حنيفة، وهي جيادٌ، وقال أبو يوسف: يُصدَّق، والبيع فاسدٌ.
أمّا أبو حنيفة: فمضى على أصله: أنّ العقد يقتضي صحة المعقود عليه، وكما لا يُصدّق في الزيوف، فكذلك في السَّتُّوقة.
وأمّا أبو يوسف فقال: أقرّ بالبيع بثمنٍ موصوفٍ فيُصدَّق فيه، كالسود والبيض، إلا أنّ البيع فاسدٌ؛ لأنّ الستُّوق لا فاسد؛ لأنّ الستُّوق لا يصح إطلاقها في العقد، كما لا يصح إطلاق العروض، فيفسد البيع لذلك.
قال ابن سَمَاعة: سمعت أبا يوسف قال: في رجلٍ أقرّ فقال: لفلانٍ عليّ ألفٌ بيضٌ زيوفٌ، أو سودٌ زيوفٌ، أو مكسرةٌ زيوفٌ، أو وضحٌ (٢) زيوفٌ، فهو مُصدِّقٌ إذا وصل؛ لأنّ الزيوف قد تكون بيضاء، وقد تكون سوداء، فالقول قول المقِرّ في ذلك.
ولو قال: له عليّ ألف درهمٍ جيادٍ زيوفٍ، فهي جيادٌ، وكذلك لو قال: نقد
стр. 5140
بيت المال زيوفٌ، فإنّه لا يُصدّق؛ وذلك لأنّ الجياد لا تكون زيوفًا، فلمّا أقرّ بالجياد ثم ذكر الزيوف فقد رجع عن إقراره، فلا يقبل (١)، وكذلك نقد بيت المال عبارةٌ عن الجياد، فلا يقبل قوله في الزيوف.
ولو قال: له عندي ألف درهمٍ وديعةً، ثم جاء بألف زيوفٍ، صُدّق، وهذا على ما قدّمنا.
فلو جاء بسَتُّوقة وقال: هي هذه، لم يُصدّق؛ لأنّ الستُّوقة ليست بدراهم، وقوله يقبل (٢) في بيان صفة ما أقرّ به، فأمّا إذا بيّن جنسًا غير الجنس (٣) المقَرّ به، لم يقبل قوله فيه.
قال أبو عبد الله: ولو قال: له عليّ عشرة دراهم إلا درهمًا زائفًا، ففي قول أبي يوسف: له عليه عشرة [دراهم] جياد، [وعلى المقَرّ له درهمٌ زائفٌ، فيدفع المُقِرّ عشرة دراهم جياد]، ويأخذ درهمًا زائفًا، وفي قول أبي حنيفة: عشرة [دراهم] جياد.
أما أبو حنيفة فقال: إنّ الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا، لا قيمة لها؛ ولهذا قال: إن من اقتضى دينه زيوفًا وهو لا يعلم به، فأنفقه، لم يرجع بشيء، فإذا قال: له علي عشرةٌ إلا درهمًا زائفًا؛ لو صحّحنا الاستثناء لزم المقَرّ له درهمٌ زائفٌ، والمقِرّ عشرةٌ جيادٌ، والزائف عنده يصير قصاصًا بالجيد، وكان يلزمه تسعةٌ جيادٌ، ويصير الاستثناء في درهمٍ جيدٍ، وهو لم يستثن هذا، فبطل الاستثناء.
стр. 5141
وأمّا أبو يوسف: فعنده أنّ الجودة لا يسقط حكمها، ويلزم المقِرّ عشرةٌ جيادٌ، والمقَرّ له درهمٌ زائفٌ، وهما مختلفان، فلا يثبت بينهما القصاص، فدفع كلّ واحدٍ منهما ما وجب عليه.
قال: ولو قال: عشرة دراهم إلا درهمًا سَتُّوقًا، فعليه عشرة دراهم إلا قيمة درهم سَتُّوق، وكذلك قياس قول أبي حنيفة؛ [لأنّ] الاستثناء من غير الجنس يجزئ عندهما، والستوق يجري مجرى العروض، ألا ترى أنّها لا تصير قصاصًا بالجياد، فيسقط من العشرة قيمة الدرهم السَّتُّوق (١).
стр. 5142
بَاب ما يكون إقرارًا بقبضِ ما أقر به أو لا يكون
قال ابن سَماعة عن أبي يوسف في رجل قال: أقرَضني فلانٌ ألف درهمٍ، ثم قال: لم أقبضها منه، إنّما طلبت إليه فأقرَضني ولم أقبض، قال: لا أصدّقه، والمال لازمٌ له.
و [قد] كان القياس أنّ يصدق؛ لأنّ [القرض] (١) اسمٌ للعقد، والقبض يتمّ العقد به كما يتمّ عقد البيع، ومعلومٌ أن الإقرار بالبيع لا يشتمل على الإقرار بالقبض، فكذلك القرض؛ ولأنّه أضاف الفعل إلى المقرض، ولم يضفه إلى نفسه، فلم يكن في اعترافه ما يدلّ على القبض.
وجه الاستحسان: أنّ القرض لا يتمّ إلا بالقبض، فهو كالقبول في البيع، ومعلومٌ أنه لو أقرّ بالبيع وجحد القبول لم يقبل قوله، كذلك إذا أقرّ بالقرض وجحد القبض.
وليس هذا كمن أقرّ أنّه اشترى عبدًا بألف درهمٍ، وزعم أنّه لم يقبضه؛ لأنّ عدم القبض في البيع لا يخرجه من أن يكون بيعًا، فلم يكن في دعواه عدم القبض رجوعٌ عمّا اعترف به من البيع، وعدم القبض في القرض يبطل القرض، فدعواه لذلك رجوعٌ.
قال ابن سَمَاعة عن محمدٍ في رجلٍ قال: أعطيتني ألفًا، أو أقرضتني ألفًا،
стр. 5143
أو أودعتني ألفًا، أو أسلفتني ألفًا، أو أسلمت إليّ ألفًا، ثم قال بعد ذلك: لم أقبضها، لم أصدّقه، وإن وصل الكلام بهذا صدّقته.
والقياس في هذا على ما بيّنا: أنه أضاف العطاء والقرض والوديعة والسلف إلى المقَرّ له، فلم يدلّ ذلك على الاعتراف بفعله.
والاستحسان في القرض ما قدّمناه، وكذلك قوله: أعطيتني؛ لأنّه إذا لم يقبض فإنّما عرض عليه العطاء، ولم يعطه، وهو إنما اعترف بالعطاء، وقوله: أودعتني اعترافٌ بما قبض؛ لأنّه لو لم يقبض لكان قد عرض عليه الوديعة، [وأمّا] (١) قوله: أسلفتني، أو أسلمت إليّ، فهي عبارةٌ عن القبض؛ لأنّ السلم والسلف في اللغة عبارةٌ عن عقدٍ يتضمن تعجيل أحد البدلين وتأخير الآخر.
فإذا قال: لم أقبض متصلًا بكلامه، فهو كالاستثناء المتصل، فيُصدّق فيه.
قال: ولو قال: نقدتني ألفًا فلم أقبضها، أو دفعتَ إليّ ألفًا (٢) فلم أقبض، لم يصدّق في قول أبي يوسف وإن وصل، وقال محمدٌ: يُصدّق.
لأبي يوسف: أنّ قوله: نقدتني، يقتضي القبض؛ بدلالة أنّهم يقولون: فلانٌ يبيع بالنقد، فيفهم من ذلك التقابض، فكأنّه قال: أقبضتني، ثم رجع.
وجه قول محمدٍ: أنه أضاف النقد إلى فعل نفسه (٣)، فهو كقوله: أقرضتني وأعطيتني، فيصدق إذا وصل.
стр. 5144
[قال]: فإن قال: بعتني دارك بألف درهمٍ، أو أجّرتني، أو أعرتني، أو وهبتها لي، أو تصدّقت بها عليّ، ثم قال بعد ذلك: لم أقبض، فإنّي أصدقه، وصل أو لم يصل؛ وذلك لأنّ البيع يتم دون القبض، وكذلك الإجارة، فلم يلزم الاعتراف بهما اعتراف بالقبض.
وأمّا الهبة والعارية والصدقة، فإذا قال: لم أقبضها، فإنّه أسقط حقّ نفسه عنها، وقول الإنسان مقبولٌ فيما يسقط به حقّه، وإن خالف ظاهر كلامه (١).
стр. 5145
بَاب الإقرارِ بعددٍ مجهولٍ
قال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف فيمن قال: لفلانٍ عليّ دراهم مضاعفةٌ (١)، فعليه [ستّةٌ] (٢)؛ لأنّ اسم الجمع أقلّ ما يتناوله ثلاثة، والتضعيف ([أقله] مرةٌ واحدةٌ) (٣)، وضعف الثلاثة ستّةٌ.
فإن قال: له عليّ دراهم أضعافًا مضاعفةً، فله عليه ثمانية عشر درهمًا؛ لأنّ الأضعاف جمعٌ فيقتضي أقلّه ثلاثةً، والدراهم أقل ما يتناول ثلاثةً، فإذا ضعّفت ثلاث مراتٍ كانت تسعةً، وقوله: مضاعفةً، يقتضي ضعف ذلك، فيكون ثمانية عشر.
ولو قال: له عليّ دراهم أضعافًا، فهو تسعةٌ؛ لأنّ الأضعاف جمعٌ فإذا ضوعفت الثلاث ثلاث مرات، كانت تسعةً.
ولو قال: له عليّ دراهم مضاعفةً أضعافًا، فعليه ثمانية عشر؛ لأنّ الدراهم المضاعفة ستةٌ، فإذا أوجبها أضعافًا اقتضى ذلك ثلاث مرات، فيكون ثمانية عشر.
قال: ولو قال: له علي عشرة دراهم وأضعافها مضاعفةً، فعليه ثمانون درهمًا؛ لأنّ أضعاف العشرة ثلاثون، فإذا ضُمّت إلى العشرة كانت أربعين، وقد
стр. 5146
أوجبها مضاعفةً، فتكون ثمانين.
قال ابن رستم عن محمدٍ: في رجل قال: لفلانٍ عليّ غير ألف، فعليه ألفان، فإن قال: عليّ (١) غير ألفين، فعليه أربعة آلاف، فإن قال: عليّ غير درهمٍ، فله عليه درهمان، فإن قال: غير درهمين، فعليه أربعة [دراهم]؛ لأنّ الغير ما قابل الشيء حتى يغايره، فكأنّه أوجب عددًا من الألوف غير الألف، وأقلّ ذلك ألفان، فأوجب عددًا من الدراهم غير درهمٍ، وأقلّ ذلك درهمان.
قال أبو حنيفة: إذا أقرّ الرجل فقال: لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ إلا شيئًا، أو إلا قليلًا، أو قال: له عليّ زهاء الألف أو عِظَم ألفٍ، أو جلّ ألفٍ، أو قريبٌ من ألفٍ، فعليه خمسمائة وشيءٌ، والقول في الزيادة [قوله]، ولا يُصدّق في النصف وما دونه؛ وذلك لأنّ قوله: "إلا شيءٌ" إنّما يستعمل في القليل في العادة، وأقلّ الشيء ما نقص عن نصفه.
فأمّا إذا قال: زهاء [ألفٍ] (٢) أو عِظَمُه أو جلّه، فهو عبارة عن أكثره، وذلك يحصل بالزيادة على النصف وإن قَلَّت، وكذلك إن قال: قريبٌ من الألف؛ لأنّه إذا زاد على النصف فهو إلى الغاية أقرب.
قال: وإذا قال: لفلانٍ عليّ ما بين مائةٍ إلى مائتين، فإنّ عليه في قول أبي حنيفة مائة وتسعين؛ لأنّ من أصله أنّ الابتداء يدخل والغاية لا تدخل، فإذا جعل الغاية جملةً، أسقط منها أبو حنيفة العدد الذي يكمّل به الجملة، ومعلومٌ أنّ المائة تتركب من العشرات، فسقطت العشرة التي تكمل بها المائة.
стр. 5147
فأمّا على قولهما: فإنّ الغاية تدخل في الكلام، فيلزمه المائتان.
ولو قال: له عليّ ما بين كُرّ شعيرٍ إلى كُرّ حنطةٍ [لزمه في قياس قول أبي حنيفة كُرّ شعيرٍ وكُرّ حنطةٍ] إلا قفيزًا؛ وذلك لأنّ الكُرّ اسمٌ لجملةٍ من القُفَزَان، وقد جعل كُرَّ الحنطة غايةً لما أقرّ به، فيسقط منه العدد الذي يكمله [وهو] القفيز.
فأمّا على قولهما: فيلزمه الكُرّان؛ لأنّ الغاية داخلةٌ عندهما [في الكلام] (١).
стр. 5148
بَاب الإقرار بعدَدين يُبهم أحدَهما ويسمي الآخر
قال في الأصل: إذا قال: له عليّ ألفٌ، ولم يبيّن، فالقول [قوله] يقرّ بما شاء؛ لأنّ الألف عددٌ مبهمٌ يصحّ أن يُفسّر بكلّ معدودٍ، فوجب أن يرجع في بيان ذلك إلى قول المقِرّ.
ولو قال: له عليّ مائة وثوبٌ، فالقول قوله في المائة، يقرّ بما شاء، وكذلك كلّ شيءٍ لا يكال ولا يوزن ولا يعدّ (١)؛ وذلك لأنّ قوله: علي مائةٌ، يقتضي ثبوتها في الذمّة، وقوله: ثوبٌ، والثوب ممّا لا يثبت في الذمّة بنفسه، فيقتضي تغاير الأمرين، فلم يجز أن يُجعَل أحدهما من جنس الآخر بظاهر اللفظ؛ فلذلك رجع إلى البيان، وكذلك لو قال: وثوبان، كان القول في المائة [قوله]؛ لما بيّنا.
ولو قال: مائةٌ وثلاثة أثواب، [كان ذلك كلّه ثيابًا، لأنّ قوله: مائةٌ وثلاثةٌ، إقرارٌ بعددين مبهمين، وقوله: أثواب، تفسيرٌ] وكلّ واحدٍ منهما يحتاج إلى التفسير، فكان ذلك تفسيرًا لهما.
وقال ابن سَماعة عن أبي يوسف في نوادره: إذا قال: لفلانٍ عليّ ألفٌ وعبدٌ، فعليه عبدٌ وألفٌ (مما شاء) (٢)، وكذلك لو قال: له عليّ عشرةٌ وعبدٌ؛ وذلك لأنّ العبيد لا يقسم بعضها في بعضٍ، فهي كالأجناس المختلفة، ولا يكونُ عطفُ أحد العددين على الآخر يقتضي مساواتهما، فوجب الرجوع في
стр. 5149
العدد المبهم إلى التفسير.
ولو قال: له عليّ ألفٌ وشاةٌ، فعليه ألف شاةٍ وشاةٌ، وكذلك ألفٌ وبعيرٌ، [وكذلك عشرةٌ وثَورٌ، وعشرةٌ وفَرَسٌ، لأنّ هذا كلّه يقسم بعضه في بعضٍ]، فصار جنسًا واحدًا، وحكم المعطوف (١) حكم المعطوف عليه، فيثبت الجميع من جنسٍ واحدٍ.
وقال في الأصل: إذا قال: له عليّ عشرة آلافٍ ووصيفٌ، جعلت عليه الوصيف، وجعلت عليه عشرة آلافٍ من أيّ نوعٍ شاء، وهذا كما قدّمنا.
ولو قال: [له عليّ] ألف وشاةٌ، جعلتها من الشياه كلّها، أستحسن ذلك، وأصرفه على (٢) معاني كلام الناس.
وجه القياس: أنّ قوله: [له عليّ] (٣) ألفٌ، عددٌ مبهم، وذكر الشاة ليس بتفسيرٍ له، فبقي العدد الأوّل على إبهامه.
وجه الاستحسان: أنّ الشاة لمّا كانت ممّا يقسم بعضها في بعضٍ، صارت كالشيء الواحد، وحكم العطف حكم المعطوف عليه، ولأنّهم [يستثقلون] (٤) التكرار في البيان، ولا يقولون: مائة درهمٍ ودرهمٌ، ومائة شاةٍ وشاةٌ، وإنّما يقولون: مائةٌ ودرهمٌ، والمراد بالجمع جنسٌ واحدٌ، فحمل ذلك على العادة.
قال: وإذا أقرّ فقال: لفلانٍ عليّ عشرة دراهم ونيفٌ، فالقول في النيف ما
стр. 5150
قال من شيءٍ، درهمٌ أو أكثر منه، وله أن يجعله أقلّ من درهم؛ وذلك لأنّ النيف: ما زاد وأناف؛ ولهذا سُمّي الأنف أنفًا، ويقال: جبلٌ منيفٌ، وإذا كان الاسم عبارةً عن الزيادة، حمل عليها قلَّت أم كثرت.
وإذا قال: عليّ بضعةٌ وخمسون درهمًا، فإنّ البضعة ثلاثة دراهم فصاعدًا، وليس له أن ينقص من ثلاثةٍ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، فخاطر أبو بكرٍ قريشًا على أن الروم تغلب فارس [إلى ثلاث سنين]، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: ("ما البِضع في لغتكم؟ " فقال) (١): من ثلاثةٍ إلى تسعةٍ، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "زد في الخطر وأبعد في الأجل" (٢)، وهذا يدلّ على أنّ أقلّ ما يتناوله اسم البضع ثلاثةً، فلم يُصدّق في النقصان منها.
قال: وإذا قال: لفلانٍ عليَّ عشرة [دراهم] ودانقٌ، أو قيراطٌ، فالدانق والقيراط فضةٌ؛ لأنّ الدائق عبارةٌ عن جزءٍ من درهمٍ، فكأنّه قال: عشرةٌ وسُدُسٌ؛ ولأنّ الظاهر أنّ حكم العطف حكم المعطوف عليه، فإن قال: مائةٌ ودينارٌ، فالمائة كلّها دنانير، [وإن قال: مائةٌ وقفيز حنطةٍ، فالمائة حنطةٌ]، وإن قال: مائةٌ ودرهمٌ، فالمائة دراهم على ما قدّمنا في القياس وفي الاستحسان.
وكان القياس: أن يرجع في المائة إلى بيانه؛ لأنّها عددٌ مبهمٌ، والاستحسان: أنهم يذكرون [ذلك] على طريق الاختصار، ويجعل من جنسٍ واحدٍ في العادة (٣).