← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

أوجبها مضاعفةً، فتكون ثمانين. قال ابن رستم عن محمدٍ: في رجل قال: لفلانٍ عليّ غير ألف، فعليه ألفان، فإن قال: عليّ (١) غير ألفين، فعليه أربعة آلاف، فإن قال: عليّ غير درهمٍ، فله عليه درهمان، فإن قال: غير درهمين، فعليه أربعة [دراهم]؛ لأنّ الغير ما قابل الشيء حتى يغايره، فكأنّه أوجب عددًا من الألوف غير الألف، وأقلّ ذلك ألفان، فأوجب عددًا من الدراهم غير درهمٍ، وأقلّ ذلك درهمان. قال أبو حنيفة: إذا أقرّ الرجل فقال: لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ إلا شيئًا، أو إلا قليلًا، أو قال: له عليّ زهاء الألف أو عِظَم ألفٍ، أو جلّ ألفٍ، أو قريبٌ من ألفٍ، فعليه خمسمائة وشيءٌ، والقول في الزيادة [قوله]، ولا يُصدّق في النصف وما دونه؛ وذلك لأنّ قوله: "إلا شيءٌ" إنّما يستعمل في القليل في العادة، وأقلّ الشيء ما نقص عن نصفه. فأمّا إذا قال: زهاء [ألفٍ] (٢) أو عِظَمُه أو جلّه، فهو عبارة عن أكثره، وذلك يحصل بالزيادة على النصف وإن قَلَّت، وكذلك إن قال: قريبٌ من الألف؛ لأنّه إذا زاد على النصف فهو إلى الغاية أقرب. قال: وإذا قال: لفلانٍ عليّ ما بين مائةٍ إلى مائتين، فإنّ عليه في قول أبي حنيفة مائة وتسعين؛ لأنّ من أصله أنّ الابتداء يدخل والغاية لا تدخل، فإذا جعل الغاية جملةً، أسقط منها أبو حنيفة العدد الذي يكمّل به الجملة، ومعلومٌ أنّ المائة تتركب من العشرات، فسقطت العشرة التي تكمل بها المائة.

стр. 5147

فأمّا على قولهما: فإنّ الغاية تدخل في الكلام، فيلزمه المائتان. ولو قال: له عليّ ما بين كُرّ شعيرٍ إلى كُرّ حنطةٍ [لزمه في قياس قول أبي حنيفة كُرّ شعيرٍ وكُرّ حنطةٍ] إلا قفيزًا؛ وذلك لأنّ الكُرّ اسمٌ لجملةٍ من القُفَزَان، وقد جعل كُرَّ الحنطة غايةً لما أقرّ به، فيسقط منه العدد الذي يكمله [وهو] القفيز. فأمّا على قولهما: فيلزمه الكُرّان؛ لأنّ الغاية داخلةٌ عندهما [في الكلام] (١).

стр. 5148

بَاب الإقرار بعدَدين يُبهم أحدَهما ويسمي الآخر قال في الأصل: إذا قال: له عليّ ألفٌ، ولم يبيّن، فالقول [قوله] يقرّ بما شاء؛ لأنّ الألف عددٌ مبهمٌ يصحّ أن يُفسّر بكلّ معدودٍ، فوجب أن يرجع في بيان ذلك إلى قول المقِرّ. ولو قال: له عليّ مائة وثوبٌ، فالقول قوله في المائة، يقرّ بما شاء، وكذلك كلّ شيءٍ لا يكال ولا يوزن ولا يعدّ (١)؛ وذلك لأنّ قوله: علي مائةٌ، يقتضي ثبوتها في الذمّة، وقوله: ثوبٌ، والثوب ممّا لا يثبت في الذمّة بنفسه، فيقتضي تغاير الأمرين، فلم يجز أن يُجعَل أحدهما من جنس الآخر بظاهر اللفظ؛ فلذلك رجع إلى البيان، وكذلك لو قال: وثوبان، كان القول في المائة [قوله]؛ لما بيّنا. ولو قال: مائةٌ وثلاثة أثواب، [كان ذلك كلّه ثيابًا، لأنّ قوله: مائةٌ وثلاثةٌ، إقرارٌ بعددين مبهمين، وقوله: أثواب، تفسيرٌ] وكلّ واحدٍ منهما يحتاج إلى التفسير، فكان ذلك تفسيرًا لهما. وقال ابن سَماعة عن أبي يوسف في نوادره: إذا قال: لفلانٍ عليّ ألفٌ وعبدٌ، فعليه عبدٌ وألفٌ (مما شاء) (٢)، وكذلك لو قال: له عليّ عشرةٌ وعبدٌ؛ وذلك لأنّ العبيد لا يقسم بعضها في بعضٍ، فهي كالأجناس المختلفة، ولا يكونُ عطفُ أحد العددين على الآخر يقتضي مساواتهما، فوجب الرجوع في

стр. 5149

العدد المبهم إلى التفسير. ولو قال: له عليّ ألفٌ وشاةٌ، فعليه ألف شاةٍ وشاةٌ، وكذلك ألفٌ وبعيرٌ، [وكذلك عشرةٌ وثَورٌ، وعشرةٌ وفَرَسٌ، لأنّ هذا كلّه يقسم بعضه في بعضٍ]، فصار جنسًا واحدًا، وحكم المعطوف (١) حكم المعطوف عليه، فيثبت الجميع من جنسٍ واحدٍ. وقال في الأصل: إذا قال: له عليّ عشرة آلافٍ ووصيفٌ، جعلت عليه الوصيف، وجعلت عليه عشرة آلافٍ من أيّ نوعٍ شاء، وهذا كما قدّمنا. ولو قال: [له عليّ] ألف وشاةٌ، جعلتها من الشياه كلّها، أستحسن ذلك، وأصرفه على (٢) معاني كلام الناس. وجه القياس: أنّ قوله: [له عليّ] (٣) ألفٌ، عددٌ مبهم، وذكر الشاة ليس بتفسيرٍ له، فبقي العدد الأوّل على إبهامه. وجه الاستحسان: أنّ الشاة لمّا كانت ممّا يقسم بعضها في بعضٍ، صارت كالشيء الواحد، وحكم العطف حكم المعطوف عليه، ولأنّهم [يستثقلون] (٤) التكرار في البيان، ولا يقولون: مائة درهمٍ ودرهمٌ، ومائة شاةٍ وشاةٌ، وإنّما يقولون: مائةٌ ودرهمٌ، والمراد بالجمع جنسٌ واحدٌ، فحمل ذلك على العادة. قال: وإذا أقرّ فقال: لفلانٍ عليّ عشرة دراهم ونيفٌ، فالقول في النيف ما

стр. 5150

قال من شيءٍ، درهمٌ أو أكثر منه، وله أن يجعله أقلّ من درهم؛ وذلك لأنّ النيف: ما زاد وأناف؛ ولهذا سُمّي الأنف أنفًا، ويقال: جبلٌ منيفٌ، وإذا كان الاسم عبارةً عن الزيادة، حمل عليها قلَّت أم كثرت. وإذا قال: عليّ بضعةٌ وخمسون درهمًا، فإنّ البضعة ثلاثة دراهم فصاعدًا، وليس له أن ينقص من ثلاثةٍ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، فخاطر أبو بكرٍ قريشًا على أن الروم تغلب فارس [إلى ثلاث سنين]، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: ("ما البِضع في لغتكم؟ " فقال) (١): من ثلاثةٍ إلى تسعةٍ، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "زد في الخطر وأبعد في الأجل" (٢)، وهذا يدلّ على أنّ أقلّ ما يتناوله اسم البضع ثلاثةً، فلم يُصدّق في النقصان منها. قال: وإذا قال: لفلانٍ عليَّ عشرة [دراهم] ودانقٌ، أو قيراطٌ، فالدانق والقيراط فضةٌ؛ لأنّ الدائق عبارةٌ عن جزءٍ من درهمٍ، فكأنّه قال: عشرةٌ وسُدُسٌ؛ ولأنّ الظاهر أنّ حكم العطف حكم المعطوف عليه، فإن قال: مائةٌ ودينارٌ، فالمائة كلّها دنانير، [وإن قال: مائةٌ وقفيز حنطةٍ، فالمائة حنطةٌ]، وإن قال: مائةٌ ودرهمٌ، فالمائة دراهم على ما قدّمنا في القياس وفي الاستحسان. وكان القياس: أن يرجع في المائة إلى بيانه؛ لأنّها عددٌ مبهمٌ، والاستحسان: أنهم يذكرون [ذلك] على طريق الاختصار، ويجعل من جنسٍ واحدٍ في العادة (٣).

стр. 5151

بَاب الرجل يُقر بشيءٍ لا يُسمي عددهُ قال أبو حنيفة: إذا أقرّ الرجل أنّ لفلانٍ عليه دراهم، ولم يسمّها، فإنّ الذي يلزمه ثلاثة دراهم، وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ؛ لأنّ الدراهم اسم جمعٍ، وأقلّ ما يتناوله اسم الجمع على الحقيقة: ثلاثة دراهم، فحمل الاسم على ذلك. فإن قال: دراهم كثيرةٌ، فهي عشرة دراهم (١) عند أبي حنيفة، وقالا (٢): مائتا درهمٍ. وإن قال: دنانير كثيرةٌ، فعشرون دينارًا، وقد بيّنا هذه المسألة وذكرنا أنّ أبا حنيفة يقول: إنّ جنس ما يسمّى دراهم عشرةٌ، وما زاد على ذلك يقال له أحد عشر درهمًا، فوجب أن يحمل الكثير على الجنس. وهما يقولان: إنّ الدراهم الكثيرة ما يقع (٣) بها الغنى، وذلك لا يكون فيما دون النصاب. وإذا قال: غصبتك شياهًا كثيرةً، فهي أربعون شاةً، فإن قال: إبلًا كثيرةً، فهي خمسةٌ وعشرون، وإن قال: حنطةً كثيرةً، فهي خمسة أوسق، وقد بيّنا هذا. فأمّا على قول أبي حنيفة: فيرجع إلى بيان المقِرّ فيما يسمّى كثيرًا في العادة.

стр. 5152

وقال أبو يوسف إذا قال: مالٌ كثيرٌ، أو مالٌ عظيمٌ، فعليه مائتا درهم، وأما إن قال: أموالًا عظامًا، فستمائة، وقد بيّنا هذه المسألة (١). [والله أعلم].

стр. 5153

بَاب الرجل يقرُّ بشيءٍ من الكيل أو الوزنِ أو غيرهما من صِنفين قال أبو حنيفة ﵀: إذا أقرّ الرجل أنّ لرجلٍ عليه مائتي مثقال ذهبٍ وفضةٍ، فعليه من كلّ واحدٍ النصف، ولو قال: [كُرّان] (١) من حنطةٍ وشعيرٍ، فعليه من كلّ واحدٍ كُرٌّ، وإن قال: استودعني عشرة أثواب يهوديّة (٢) ومرويّة، فهي نصفان. وكذلك هذا في التزويج إذا تزوّجها على كُرّين حنطةٍ وشعيرٍ، أو اشترى بكُرّين حنطة وشعير، كان عليه من كلّ واحدٍ [منهما] النصف. فإن أقرّ لرجلٍ بكُرّ حنطةٍ وشعيرٍ وسمسمٍ، كان عليه من كلّ واحدٍ الثلث؛ وذلك لأنّه دخل في الإطلاق على وجهٍ واحدٍ، فاقتضى التساوي، كقولنا: هذه الدار لزيدٍ وعمروٍ. قال الله تعالى في ولد الأم: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، فاقتضى ذلك تساويهم؛ ولأنّه لو أضاف الإقرار إلى اثنين، فقال: لفلانٍ وفلانٍ عليّ ألف [درهمٍ]، كان المقَرّ به بينهما [على السواء]، وكذلك إذا ذكر المقَرّ به من جنسين. قال: ولو قال: استودعني ثلاثة أثواب زُطِّيٍّ ويهوديٍّ، [كان القول قول المقِرّ، إن شاء قال: زطِّيَّيْن ويهوديّ] مع يمينه؛ وذلك لأنا قد علمنا أنّ التساوي

стр. 5154

لا يوجد، وأنّ أحد الجنسين أكثر من الآخر، فلزمه ثوب زُطِّي وثوب يهوديٌّ بيقينٍ، وشككنا في الثوب الآخر أنّه زُطّيٌّ أو يهوديّ، فكان القول قوله مع يمينه في بيانه (١).

стр. 5155

بَاب إقرار الرجل بمال اقتضاه من آخر قال أبو الحسن: وإذا قال (١) الرجل: إنّي اقتضيت (٢) من فلانٍ ألف درهمٍ كانت لي عليه، وقبضتها، وقال المقَرّ له قد أخذت منّي [هذا] المال ولم يكن لك عليّ شيءٌ، فردّه عليّ! فإنّه يُجبَر على ردّه بعد أن يحلف ما كان لفلانٍ عليه شيءٌ. وكذلك لو أقرّ أنّه قبض من فلانٍ ألف درهمٍ كانت له عنده وديعةً، وقال فلانٌ: بل هو مالٌ قبضتَه منّي، فإنّه يردّ المال عليه بعد أن يحلف [أنّه] ما استودعه؛ وذلك لأنّ الاقتضاء قبضٌ مضمونٌ، وكذلك القرض (٣) يتعلّق به الضمان لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "على اليد ما أخذت حتى تردّه" (٤)، وقد اعترف المقِرّ بالضمان وادّعى (٥) السقوط؛ لأنّه زعم أنّه صار قصاصًا بحقٍّ له، فلا يُصدّق على ذلك؛ ولأنّ ما ظهر بإقرار المقِرّ [فهو] في حكم ما ظهر بالمشاهدة، ولو شاهدنا قبضه من غيره شيئًا، وزعم اقتضاءه من دينه أو قبضه من وديعةٍ، لم يقبل قوله، ولزمه الردّ، فكذلك هذا.

стр. 5156

ويُستحلَف المقَرّ له؛ لأنّ المقِرّ يدعي عليه حقًّا، فالقول قوله [مع] (١) يمينه. قال أبو حنيفة: لو أنّ رجلًا قال: أسكنت فلانًا بيتي هذا، ثم أخرجته، فادّعى الساكن في البيت أنّه له، فالقول قول صاحب البيت، وعلى الساكن البيّنة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: القول قول الساكن بعدما يحلف ما أسكنه. وقال أبو حنيفة: لو أقرّ (٢) أنّ هذه الدابّة له أعارها فلانًا، ثم قبضها منه، وقال فلانٌ: بل هي دابّتي، فالقول قول الذي في يده الدابّة، مثل الأوّل. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: بل يردّ على الذي قبض منه. لأبي حنيفة: وهو استحسانٌ أنّ المقِرّ أثبت اليد لنفسه، ثم أقرّ أنّه أوجبها لغيره، فلم يقِرّ للغير باليد على الإطلاق، وإنّما زعم أنّه الموجب لها، فكان القول قوله في كيفيتها؛ ولأنّ للناس ارتفاقًا بالعواري، فلو لم يقبل قول [المعاري] (٣) فيما أعاره امتنع الناس من ذلك، فانقطعت منافعهم منه، (وهذا لا يصحّ. وجه قولهما، وهو القياس: أنّه أقرّ بيد الساكن والراكب، ثم ادّعى ما يوجب استحقاقها) (٤)، فلا يُعبَأ (٥) بدعواه في ذلك؛ ولأنّ ما ظهر بإقراره كالظاهر بالمشاهدة، ولو رأينا الدار يسكنها فلانٌ، فأخذها المقِرّ منه، وزعم أنّه أعاره

стр. 5157

إياها، لم يقبل قوله، فكذلك إذا أقرّ به. قال: فإذا أقرّ أنّ فلانًا الخياط خاط [له قميصًا] (١) بنصف درهمٍ، وقبض منه القميص، فقال الخياط: بل هو قميصي أَعَرْتَكَهُ، فالقول فيه مثل الأوّل، وكذلك الثوب يُسلَّم إلى الصَّبَّاغ، وهذا على الخلاف. فأبو حنيفة يقول: إنّه أقرّ بأنّه الموجب لليد، فالقول قوله كيف أوجبها. وهما يقولان: أقرّ باليد للخياط، فلا يقبل قوله في استحقاقها. قال: فإن قال ربّ الثوب: خاط لي الخياط قميصي هذا بنصف درهمٍ، ولم يقل: قبضته منه، لم يردّ على الخياط [الثوب] في قولهم جميعًا (٢)، وكذلك الصبّاغ؛ وذلك لأنّ قوله: خاطه لي، ليس باعترافٍ للخياط باليد؛ لجواز أن يخيط له في منزل ربّ الثوب، فلا تثبت يده عليه، فإذا لم يوجد الاعتراف باليد لم يردّ على الخياط في قولهما. قال: وإذا كان الثوب معروفًا أنّه للمقِرّ، أو الدابّة (٣)، أو الدار، فيقال: أَعَرْتَ فلانًا هذه الدار، وهذه [الدابّة]، وقبضتها منه، فالقول قول المقِرّ في قولهم؛ وذلك لأنّه إذا عُلِم أنّ الشيء على ملك المقِرّ، فثبوت يد غيره فيه لا يوجب استحقاقه، فبقي على حكم ملكه. قال: وإذا أقرّ رجلٌ أنّ فلانًا ساكنٌ في هذا البيت والبيت لي، فادّعى فلانٌ

стр. 5158

البيت، فإنّه يقضى [به] للساكن (١) على المقرّ؛ وذلك لأنّ السكنى يدٌ وتصرّفٌ يُستَحَقِّ بهما (٢) الملك في الظاهر، فإذا أقرّ بها لغيره ثم ادّعاها لنفسه لم يقبل. قال: فإذا أقرّ أنّ فلانًا زرع هذه الأرض، أو بنى هذه الدار، أو غرس هذا الكَرْم، أو هذا البستان، وذلك كلّه في يد المقِرِّ، فادّعى الباني والزارع والغارس، الأرض والزرع والغرس والبناء، فقال المقِرّ: بل هو كُلّه لي، استعنت بك، ففعلت ذلك، أو فعلته بأجرٍ، فإن القول في هذا قول المقِرّ مع يمينه؛ وذلك لأنّ الغرس والبناء والزرع ليس بإقرارٍ باليد، لجواز أن ما يبني هو في يد غيره ويغرس، وإذا لم يعترف له باليد، لم يقبل قول المقَرّ له في استحقاقه. قال ابن سَماعة في نوادره سمعت أبا يوسف قال: إذا قال الرجل: هذه الدابّة لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ، فإنه يردّها على الذي أقرّ بها له، ويدفع قيمتها إلى الذي دفعها إليه إذا أنكر أن يكون لفلانٍ المقرّ له. وهذا في قياس قول أبي حنيفة: يدفعها إلى المقِرّ، ولا يدفعها إلى الذي زعم أنّه دفع إليه شيئًا، وكذلك إذا قال: هي لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع هذا، فإنّه يدفعها إلى فلانٍ، ولا يضمن لهذا الذي زعم أنّه رسولٌ شيئًا. وفرّق أبو حنيفة بين الدابّة والشيء بعينه، وبين الدراهم وما يكون دينًا. أمّا أبو يوسف، (فذهب إلى أن) (٣) قوله: هذه الدابّة لفلانٍ، إقرارٌ [له] بالملك، [وقوله] (٤) أرسل بها إليّ مع فلانٍ، إقرارٌ لفلانٍ بيدٍ في عينٍ أقرّ بها

стр. 5159

للغير، فلا يُقبَل إقراره في ملك غيره، فإن كان دفعها إلى الأول بقضاءٍ، فلا ضمان عليه للثاني؛ لأنّه مؤتَمنٌ لم يفعل ما يقتضي الضمان، وإنّما الحاكم أزال يده، فلا شيء عليه. فإن دفعها إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني قيمتها؛ لأنّه أقرّ بقبضها من الثاني، فقد أتلفها عليه بتسليمها إلى الأوّل، فصار كالوديعة إذا ضيّعها. فأمّا ما ذكره من قياس قول أبي حنيفة، فإنّه بناه على قوله: هذه الدار لي أسكنتها فلانًا. ووجه البناء: أنّه لمّا قال: هذه الدابّة لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ، فقد أثبت اليد للأوّل، وزعم أنّه أوجبها للثاني، فلم يقرّ بالثاني بيدٍ مطلقة، فلم يتعلّق بها الاستحقاق. وقد ذكر مسألة العارية في الأصل في موضعين، قال في أحدهما: لا ضمان عليه للثاني؛ لأنّه زعم أنّه رسولٌ، وقد انتهت الرِّسالة بالتسليم، ولم يعترف له بحقّ الردّ، فلم يجب له (١) شيء. وقال في الموضع الآخر: [إن سلّمها] (٢) إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني (٣). ووجهه ما قدّمناه، وأصحابنا يقولون: إنّ هذا أقيس.

стр. 5160

فأمّا قوله: إنّ أبا حنيفة فرّق بين هذا وبين الدراهم وما يكون دينًا، فمعناه: أنّه إذا قال: لفلانٍ عليّ مائةٌ قبضتها من فلانٍ، فادّعاها كلّ واحدٍ منهما، لزمه لكلّ واحدٍ مائةٌ؛ لأنّه أقرّ للأوّل بدينٍ في الذمّة، وأقرّ للثاني بالقبض، فلزمه الأمران (١). وفي مسألتنا: أقرّ بالعين لفلانٍ، ثم زعم أنّه قبضها من غيره، والعين إذا استحقّها الأوّل لم ينفذ إقرار المقِرّ فيها. ٢٨٢١ - مسألةٌ [في موت المُقِرِّ بعد القول: هذا الألف لفلان وسمَّاه] قال ابن سَمَاعة (٢): سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ أقرّ أنّ هذا [العبد] (٣) الذي في يده وديعةٌ عنده لفلانٍ، وسمّاه، ولا يُعرَف إلا بالاسم الذي سمّاه به الذي هو في يديه، ثم مات المقِرّ، قال: يوقف هذا العبد حتى يحضر المقَرّ له، وكذلك لو أقرّ أنّ هذه الألف التي في يديه لفلانٍ، وسمّاه، فإنّي لا أجعلها ميراثًا وأوقفها حتى يحضر المقَرّ له. قال: ولو قال: لرجلٍ - ولم يسمّه - عليّ ألفٌ، أو قال: هذا العبد وديعةٌ عندي، ولم يسمّ صاحبه، فهو ميراثٌ؛ وذلك لأنّه إذا سمّى المقر له فقد تعلّق حقّه بالمال، فلا ينتقل إلى الوارث، وإذا لم يسمّ المقَرّ له، فليس هناك حقٌّ ثابتٌ؛ لاستحالة أن يكون الحقّ لا مستحِقّ له، وإذا بطل الاستحقاق، انتقل إلى الوارث (٤). [والله أعلم].

стр. 5161

بَاب الإقرارِ بكذا، لا بل بكذا قال أبو حنيفة (١): إذا أقرّ الرجل أنّ لفلانٍ عليه ألف درهمٍ، لا بل ألفين، فعليه ألفا درهم، وكان ينبغي في القياس أن يكون عليه ثلاثة آلاف، ولكنّا تركنا القياس، وهو قول أبي يوسف ومحمدٍ. وجه القياس: أنّه أقرّ بألفٍ ثم رجع عنها؛ لأنّ "لا" للرجوع، ثم استدرك الإقرار بألفين؛ لأنّ "بل" للاستدراك، ورجوعه لا يُقبَل، واستدراكه مقبولٌ [منه] على نفسه، فيلزمه المالان، كما لو قال: لفلانٍ علي ألفٌ، لا بل مائة دينارٍ. ووجه الاستحسان: أنّ الإقرار خبرٌ، والخبر قد يقع فيه الغلط، [وهو غير متهمٍ]، فإذا قال: ألفٌ لا بل ألفان، فالظاهر أنّه استدرك الزيادة على نفسه، وهو غير متّهمٍ؛ لأنّه ألزم نفسه أكثر ممّا أقر به أولًا، فكان الظاهر أنّه استدرك الزيادة، فيُقبَل إقراره (٢) فيها. وليس كذلك إذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً، لا بل اثنتين؛ لأنّ الطلاق وإن كان لفظه لفظ الخبر، فهو إيقاعٌ في الشرع، والمُوقَع يستحيل أن يوقَع ثانيًا، فرجوعه عن الموقَع الأول لا يُقبَل، وإيقاعه للثاني يلزمه. فأمّا الإقرار فهو خبرٌ، والمُخبَر عنه قد يخبَر عنه ثانيًا وثالثًا، فوِزَان الإقرار من الطلاق أن يقول: كنت قد طلقت امرأتي واحدةً، لا بل اثنتين، فيُصدّق في

стр. 5162

ذلك، ولا يلزمه أكثر من اثنتين. قال أبو الحسن: وهذا الباب على ثلاثة معانٍ: أحدهما: الاستدراك في القلّة والكثرة، فيلزمه أكثر المالين، مثل أن يقول: [الفلان عليّ ألف درهمٍ، بل ألفان، وقد بيّنّا ذلك، أو يقول]: لفلانٍ عليّ ألفان، لا بل ألفٌ، فيلزمه الألفان؛ لأنّه متهمٌ في الاستدراك الذي يسقط به بعض الإقرار، فلا يقبل قوله، ويلزمه الزيادة، وتكون الألف من جملة الألفين [لأنّه إنّما استدرك حتى يسقط نصف الألفين]، ولم يقرّ بألفٍ غيرها. والنوع الثاني: أن يستدرك في الصِّفَة، فيكون عليه أعلى الصفتين، وهذا مثل أن يقول: له عليه ألفٌ سودٌ، لا بل بيضٌ، أو بيضٌ لا بل سودٌ، فيلزمه الأفضل (١) منهما؛ لأنّه إذا بدأ بالأدون ثم بالأفضل (٢)، لم يُتّهم في الاستدراك، فصار كقوله ألفٌ لا بل ألفان، وأمّا إذا بدأ بالأجود فيريد [أن يستدرك الصفة ليسقط] (٣) عن نفسه بعض ما أقرّ به، فلا يُقبل قوله فيه. والنوع الثالث: أن يستدرك في الجنس، فيقول له عليه ألف [درهمٍ] لا بل مائة دينارٍ، أو كُرّ حنطةٍ لا بل كُرّ شعير، فيلزمه الأمران؛ لأنّ الإنسان لا يستدرك في العادة في الجنس، وإنّما يستدرك في القدر أو الصفة، فهذا ليس باستدراكٍ، وإنّما رجع عن الأوّل وأقرّ بالثاني، فرجوعه عمّا أقرّ به لا يُقبَل، وإقراره على نفسه بحقٍّ آخر مقبولٌ (٤).

стр. 5163

بَاب الإقرارِ بمالٍ دفعهُ إليه فلانٌ لآخر قال: وإذا أقرّ الرجل فقال: دفع إليّ فلانٌ هذه الألف، وهي لفلانٍ، وادّعى كلّ واحدٍ منهما الألف، فإنّها للدافع. فإن قال: هذه الألف (١) لفلان دفعها إليّ فلانٌ، فهو للمقَرّ [له] الأوّل، ولا يكون للدافع منه شيءٌ. فإن ادّعاه الدافع وحلف الدافع ما هو لفلانٍ، ضمن المستودَع ألفًا آخر؛ وذلك لأنّه إذا ابتدأ فقال: هذه الألف دفعها إليّ فلانٌ، فقد أقرّ بوجوب الردّ عليه؛ لأنّ التسليم يقتضي وجوب الردّ، فإذا قال: وهي لفلانٍ، فقد أقرّ بها بعد ثبوتها للأوّل، فلا يقبل قوله في حقّ الأوّل. وإذا قال: هذه الألف لفلانٍ دفعها إليّ فلانٌ، فقد أقرّ بها للأوّل، ثم اعترف للدافع بوجوب الردّ بعد ثبوت الألف لغيره، فلا يقبل قوله في حقّ الأوّل، فإن دفع إلى الأوّل بقضاءٍ، فلا ضمان عليه للثاني عند أبي يوسف، وقال محمدٌ: يضمن. لأبي يوسف: أنّ قوله: دفعها إليّ فلانٌ، إقرارٌ بالوديعة، ولم يوجد [فعلٌ] فيها على وجه التعدّي، وإنّما أزال الحاكم يده، (والمُودَع إذا أزيلت يده عن الوديعة بغير فعله، لم يضمن.

стр. 5164

وجه قول محمدٍ: أنّ الحاكم إنّما أزال يده) (١) بحكم اعترافه، فصار هو الموجب لإزالة اليد، فكأنّه دلّ على الوديعة من أتلفها؛ (ولأنّه ضيّع الحفظ في الوديعة حين أقرّ بها لغير المودِع، فيلزمه ضمانها) (٢). وأمّا إذا سلّم إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني في قولهم؛ لأنّه لمّا سلّمها فقد زالت يده عن الوديعة بفعله، والمودَع إذا سلّم الوديعة إلى غير المودِع ضمن. قال: وإذا قال: هذه الألف لفلانٍ، أقرضنيها فلانٌ الآخر، وادّعاه كلّ واحدٍ منهما، فإنّه للذي أقرّ له أوّلًا، وللمقرض عليه ألفٌ؛ وذلك لأنّه أقرّ للأوّل بالألف، وأقرّ للثاني بعقدٍ يتعلّق به وجوب الضمان، فيلزمه المال لكلّ واحدٍ منهما. [قال]: ولو قال: هذا الألف لفلانٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ وديعةً، وادّعاه كلّ واحدٍ منهما، فإنّه للأوّل، فإن قال الأوّل: ليس لي ولم أرسل به، وادّعاه الرسول، فهو للرسول؛ و [ذلك] لأنّه بدأ بالإقرار لفلانٍ، ثم أقرّ باليد للرسول، فلا يقبل قوله في حقّ المقَرّ له. قال: فإن كان المقَرّ له غائبًا، فأراد الرسول أن يأخذه، وادّعاه لنفسه، لم يأخذه، وإن قال: إنّه لفلانٍ [وإني كنت] (٣) رسولًا فيه، فذلك [له] أبعد؛ لأنّ الرسالة قد انقطعت، وهذا قول أبي يوسف؛ وذلك لأنّه لمّا أقرّ للغائب بالألف استحقّها، ثم أقرّ للرسول باليد، فلا يقبل قوله، فإن ادّعاها الرسول لنفسه، لم

стр. 5165

يقبل قوله بعد استحقاق الغائب لها، فإن زعم أنّه رسولٌ، فقد انقطعت الرسالة بالتسليم، فلا يثبت له حقّ المطالبة. وقال أبو يوسف: لو قال هذه الألف لفلانٍ دفعها إليّ فلان، كان مثل ذلك. ولو قال: هذه الألف لفلانٍ، أخذتها من فلانٍ، فادّعياه جميعًا، فالألف للمقَرّ له [الأوّل]، ويضمن للذي أقرّ أنّه أخذه منه ألفًا مثلها، ولا يشبه هذا الأوّل. وقال محمدٌ: أرسل به، ودفعه إليّ، وأخذته، كلّه سواءٌ إذا ادّعياه جميعًا، دفع الألف إلى الأوّل، وضمن للثاني، وهذه ثلاث مسائل: أوّلها: إذا قال: هذه الألف لفلانٍ بل لفلانٍ، فإن دفع إلى الأوّل بقضاءٍ لا يضمن للثاني؛ لأنّ الأوّل استحقّ الألف، فلما أقرّ بها للثاني لم يقبل إقراره في حقّ الأول، ولم يلزمه الضمان للثاني؛ لأنّه إنّما أقرّ في ملكه، والحاكم ألزمه التسليم، ومجرّد الإقرار في ملك الغير لا يتعلّق به الضمان. فأمّا إذا دفع إلى الأوّل بغير قضاءٍ، ضمن للثاني؛ لأنّه أقرّ بها للثاني، وقد أتلفها بالتسليم إلى الأوّل، فيضمن بالتسليم لا بالإقرار. والمسألة الثانية: إذا قال: أودعني فلانٌ لا بل فلانٌ، أو هذه الألف لفلانٍ دفعها إليّ [فلانٌ]، فهو مثل الأوّل عند أبي يوسف، وقال محمدٌ: يضمن للثاني سواء سلّم إلى الأول بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ، وقد بيّناه. والمسألة الثالثة: إذا قال: غصبت هذا العبد من فلانٍ لا بل من فلانٍ،

стр. 5166

وادّعى كلّ واحدٍ منهما العبد، سلّمه إلى الأوّل، وضمن للثاني، سواءٌ سلّم بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ؛ لأنّ الغصب يجب ضمانه على الغاصب وإن زالت يده عنه بغير فعله. وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا قال: هذه الألف لفلانٍ، أخذته من فلانٍ، ضمن للثاني؛ لأنّ الأخذ فعلٌ مضمونٌ، فيجب عليه الردّ، سواءٌ سلّم إلى الأوّل بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ كالغصب. قال: وإذا أقرّ الخياط أنّ هذا الثوب الذي في يده لفلانٍ، سَلَّمه إليه فلانٌ، وكلّ واحدٍ منهما يدّعيه، فإنّه للذي أقرّ له أوّل مرّةٍ، وكذلك القصّار والصبّاغ والصائغ، وكلّ عاملٍ من العمال، فلا يضمن للثاني شيئًا في قياس قول أبي حنيفة، ويضمن قيمة الثوب للثاني في قول أبي يوسف ومحمدٍ، وهذا إذا كان سَلَّمه إلى الأوّل بقضاءٍ؛ وذلك لأنّ من أصل أبي حنيفة: أنّ الأجير المشترك مؤتمنٌ لا يتعلّق بقبضه الضمان، فهو كالمودَع، وإذا أقر للأوّل استحقّ الثوب، فلمّا أقرّ للثاني ودفع إلى الأوّل بقضاءٍ، فقد زالت يده عن العين بغير فعله، فكأنّها هلكت. فأما على قولهما، فقَبْض الأجير مضمونٌ كقبض الغاصب، وإذا استحقّ الأوّل العين بالإقرار، صار كالهلاك، فيضمن قيمتها للثاني. قال: وإن أقرّ أنّ هذا الثوب أسلمه إليه فلانٌ ليقطعه قميصًا، وهو لفلانٍ، فادعّاه كلّ واحدٍ منهما، فإنّه للذي سلّمه [إليه]، وليس للثاني شيءٌ؛ لأنّ قوله: أسلمه إليّ، اعترافٌ له بالثوب، وقوله: وهو لفلان، إقرارٌ في ملك المقَرّ [له]، فلا يقبل قوله.

стр. 5167

قال: وإذا أقرّ أنّ هذا الثوب استعاره من فلانٍ، فبعث به إليه مع فلانٍ، فهو للذي أعاره إيّاه في قول أبي يوسف. [قال]: فإن قال: إنّ فلانًا أتاه بهذا الثوب عاريةً من قِبَل فلانٍ (١)، فادّعاه كلّ واحدٍ منهما، فهو للرسول؛ لأنّ الذي ابتدأ بذكره قد استحقّ الثوب، فإقراره بعد ذلك لغيره لا يُقبَل. قال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجلٍ قال: لفلانٍ عليّ ألف درهمٍ، أرسل بها إليّ مع فلانٍ، فإنّه يغرم لكلّ واحدٍ منهما [ألفًا]؛ لأنّه أقرّ للأوّل بحقٍّ في الذمّة، وأقرّ للثاني بالتسليم، وما في الذمّة لا يتضايق، فلم يكن مقرًّا للثاني بنفس ما أقرّ به للأوّل، فيلزمه المالان. ولو قال: جاءني فلانٌ بألفٍ وهو لفلانٍ، فإنّه يضمنه للذي دفعه إليه، ولا يضمن للآخر شيئًا؛ لأنّه أقرّ للثاني بنفس ما أقرّ به للأوّل، وقد استحقّ الأوّل الألف، فلا يقبل إقراره للثاني. وقال في رجلٍ قال: هذه الألف لفلانٍ دفعه إليّ فلانٌ، فجاء المقَرّ له يريد أخذها، وجاء الدافع يريد أخذها، وينكر أن يكون لفلانٍ الذي أقرّ له هذا، قال: فعلى المقِرّ أن يدفعه إلى الذي أقرّ له. هذا إذا أنكر المقَرّ له أن [يكون فلانٌ] دفعه إلى هذا المقِرّ، فلو أقرّ بذلك لم يكن له أن يضمنه هذا المقرّ، ويغرم هذا المقِرّ ألفًا للذي زعم أنّه دفعها إليه؛ وذلك لأنّه أقرّ بالألف للأوّل، وزعم أنّه قبضها من الثاني، فإذا أنكر الأول أن

стр. 5168

يكون الثاني سَلَّم إليه، وجب عليه تسليمها إلى الأوّل؛ لأنّه استحقّها بالإقرار، ويضمن الدافع للثاني إن كان سلّم إلى الأول بغير قضاءٍ. فأمّا إذا كان الأوّل صدّقه أنّ الثاني دفعها إليه، فإنّه يردها على الثاني، ولا ضمان عليه للأول؛ لأنه قد برئ منها حين سلّمها [إلى من دفعها إليه، فلم يجز للأوّل تضمينه مع تصديقه أنّ الثاني سلّمها]. قال: ولو بدأ المقِرّ الذي في يده الدراهم، فقال: هذه الألف دفعها إليّ فلانٌ، وهي لفلانٍ، فإنّه يدفعها إلى الذي دفعها إليه، (ولا يضمن للمقَرّ له شيئًا من قِبَلِ أنه بدأ فأقرّ به للذي دفعه إليه) (١)؛ وذلك لأنّه لما أقر بالدفع استحقّ [الألف الدافع، فلمّا أقرّ للثاني بها، فإن كان صادقًا، فقد برئ] حين سلّمها إلى الدافع، وإن كان كاذبًا فأحرى أن لا يجب عليه الضمان. قال: ولو قال: أعرت فلانًا دابتي هذه فركبها ثم ردّها عليّ، أو قال: أعرته عبدي هذا يومًا ثم ردّه عليّ، أو أجرته داري هذه شهرًا ثم ردّها عليّ، فإنّ أبا حنيفة قال: هو مُصدّقٌ، وقال أبو يوسف [ومحمدٌ] في هذا كلّه: آخذه بقوله، [بأن يردّ] (٢) هذا الشيء على الذي أقرّ أنّه كان في يده، وقد بيَّنَّا الخلاف في هذه المسألة. قال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف: إذا قال الرجل: كان لي على فلانٍ ألفٌ فقضانيها، أو قال: أقرضت فلانًا ألفًا، فدفعها إليّ، فإنّي لا أصدّقه، وأقول له: ردّ الألف، وهات البيّنة على أنّه كان لك عليه هذا [الألف]، إذا أنكر فلانٌ أن

стр. 5169

يكون استقرض من فلانٍ هذا المقِرّ شيئًا، [وجاء يدعى] (١) الألف على المقِرّ، وكذلك قال أبو حنيفة. وقال ابن أبي ليلى: أقبل (٢) قوله، ولا ضمان عليه. وجه قولهما: أنّه أقرّ بالاقتضاء، وهو قبضٌ مضمونٌ، ثم ادّعى سقوط الضمان بادعائه القرض، فلا يقبل قوله. وجه قول ابن أبي ليلى: أنّه أثبت الحقّ لنفسه، ثم أقرّ أنّه قبض ما هو حقّه، فلا يلزمه ردّه (٣).

стр. 5170

بَاب اختلاف المولى والعبدِ فيما أخذه المولى من العبد أو جناه عليه، وقد عتق العبد فيقول المولى: فعلته وأنت عبدي، ويقول العبد: فعلته وأنا حرٌّ قال أبو الحسن: الأصل في هذا الباب: أن يُنظَر فيما أقرّ به المولى أنّه فعله بالعبد، أو أخذه منه: فإن كان لا يجوز أن يكون في حال الرقّ إلا للمولى، وهو مع ذلك مباحٌ له، فالقول قول المولى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وما كان من ذلك يجوز أن يكون لغير المولى في حال الرقّ، أو هو محظورٌ على المولى في حال الرقّ، فالقول قول العبد فيه، وهذا كلّه قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال زفر ومحمدٌ: القول قول المولى في ذلك كلّه، إلا أن يكون شيئًا قائمًا بعينه في يد المولى، فلا يُصدّق المولى، ويؤمر بردّه على العبد. وما جُعِل فيه القول قول المولى أنّه فعله في حال الرقّ، فلا (١) ضمان على المولى، وما كان القول فيه قول العبد أن المولى فعله في حال العتق، ضمنه المولى كما يضمن مال الحرّ والجناية عليه. والذي يحصل في هذا: أنّ المولى إذا قال: أخذتُ من [عبدي] (٢) في حال

стр. 5171

الرقّ كذا، وذلك الشيء قائمٌ في يده، وقال العبد: أخذته مني بعد العتق، فالقول قول العبد؛ وذلك لأنّ المولى يدّعي تملك العين وانتقالها من العبد إليه، فلا يقبل قوله في ذلك. وأمّا إذا قال: أتلفتُ عليك مالًا وأنت عبدي، وقال العبد: [بل] أتلفتَه بعد الحريّة، فالقول في ذلك قول المولى في قولهم؛ لأنّ أكساب العبد للمولى لا حقّ لغيره فيها، فإذا زعم أنّه أخذها في حال الرقّ [لم يلزمه ضمانها، كما [إذا] قال: استخدمتك في حال الرقّ]. وأمّا إذا قال: وطئت أمتي في حال الرقّ، [وقالت: وطئتني بعد العتق، فالقول قول المولى؛ لأنّ الوطء لا يملكه منها في حال الرقّ إلا المولى، فصار معترفًا باستيفاء حقٍّ مأذونٍ في استيفائه، فلا يلزم به ضمانٌ، ولأنّ وطءَ الأمة في حال الرقّ] لا يجب به ضمانٌ، ووطئها بعد العتق قد يجب به ضمانٌ، وقد لا يجب (١)؛ لأنّه إن وطئها على وجه الزنا فلا غرم عليه، وإن وطئها بشبهةٍ ضمن، فيغلّب سقوط الضمان، فلا يضمن، وهذا قولهم. وأمّا إذا قال: قطعتُ يدكَ قبل العتق، وقال العبد: قطعتَها بعد العتق، فالقول قول العبد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنّ المولى أقرّ بفعلٍ هو جنايةٌ، ألا ترى أنّه لا يحلّ له قطع يد عبده، ثم ادّعى سقوط الضمان (بإضافة الجناية إلى حال الرقّ، فلا يقبل قوله؛ ولأنّه لا يملك قطع يد عبده، فقد أقرّ بفعلٍ لا يملكه، وادعى سقوط الضمان) (٢) فيه لكونه مالكًا لحقوق العبد، فهو كما لو اعترف

стр. 5172

بجنايةٍ (١) وادّعى العفو. وقال زفر ومحمدٌ: القول قول المولى؛ لأنّه أضاف الإقرار إلى حالٍ متقدّمةٍ لا يجب فيها عليه الضمان، فصار كما لو قال: وطئتكِ قبل العتق، أو استهلكت كسبك. قال: وإذا أقرّ المولى بعد العتق أنّه كان يأخذ من العبد ضريبةً في كلّ شهرٍ عشرة دراهم، وهي ضريبة مثله، أو كانت أمةً فأقرّ أنّه كان يطؤها في حال الرقّ قبل العتق، فالقول قول المولى، ولا ضمان عليه فيما أخذ من الغلّة، ولا عُقْر عليه في الوطء؛ وذلك لأنّ الضريبة لا يملك أخذها من العبد إلا المولى، فقد اعترف بفعلٍ ليس بجنايةٍ، وأضافها إلى حالةٍ معلومةٍ، فالقول قوله فيها. قال: وإذا أسلم الحربيّ، أو صار ذمّيًّا، أو دخل إلينا بأمانٍ، فقال له رجلٌ مسلمٌ: قطعت يدكَ وأنتَ حربيٌّ في دار الحرب، أو أخذتُ منك ألفًا فاستهلكتُها، أو أخذتُ منك هذه الألف وأنتَ حربيٌّ، أو سبيتُ ابنكَ هذا (٢)، أو أخذتُه منكَ في دار الحرب، وقال المسلم (٣) أو الذميّ: بل فعلتَ ذلك بعدما أسلمتُ، أو صرتُ ذمّيًّا (٤) في دار الإسلام، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك كلّه: القول قول الحربيّ، [ويضمن المستهلَك، ويردّ ما كان في يده. وقال محمدٌ وزفر]: ولا يضمن شيئًا.

стр. 5173

وجه قولهما: أنّ المقِرّ اعترف بالأخذ، وادّعى التمليك في حالةٍ لا يملك التمليك فيها، فلا يقبل قوله إلا ببيّنةٍ. وجه قول زفر ومحمد: أنّه أضاف الإقرار إلى حالةٍ متيقّنةٍ لا يلزمه فيها الضمان، فصار كمن قال: أقررتُ [لك] وأنا صبيٌّ، أنّه لا يلزمه شيءٌ من الضمان.

стр. 5174

بَاب الإقرارِ بالدين في الصحة وإذا أقرّ الرّجل بدينٍ في صحته لرجلٍ أو (١) لرجالٍ، إقرارًا متفرّقًا في مواطن، أو موطنٍ واحدٍ، فذلك كلّه [له] لازمٌ، وارثًا كان المقَرّ له أو غير وارثٍ، فمن قضاه (٢) منهم دينه الذي أقرّ به فهو جائزٌ، لا يشركه فيه باقي الغرماء، إلا أن يكون إقرارًا لرجلين بدينٍ هما فيه شريكان فيشرك كلُّ واحدٍ من الشريكين صاحبه فيما قبض من دينهما. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة، ١٤]، يعني شاهدًا؛ ولأنّ المقِرّ غير متهمٍ على نفسه فيما يقرّ به، فيلزمه ذلك كما تلزمه الشهادة. ولا فرق بين أن يقرّ لوارثٍ أو لأجنبيٍّ؛ لأنّ الصحيح غير محجورٍ عليه، ألا ترى أنّه لو وهب لوارثه جاز، فإذا أقرّ له جاز. وإنّما قال: إذا قضى أحدهم لم يشركه الباقون؛ لأنّ حقّ كلّ واحدٍ منهم في الذمّة غير متعلّقٍ بالمال، فإذا قضاه ما لم يتعلق به حقّ غيره، لم يشركه فيه. قال: وما يثبت من دينٍ في الصحة، فهو في جميع المال قبل الوصايا والميراث، يتضاربون (٣) بالدين في التركة، فيكون لكلّ واحدٍ منهم ...........

стр. 5175

بقسط (١) دينه من التركة، لا يُقدَّم بعضه على بعضٍ، ولا يكون بعضهم أولى به من بعضٍ. وإنّما قُدّم الدين على الوصايا والميراث؛ [لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فأثبت الميراث حقّ الدين، وحقّ الموصى له كحقّ الوارث؛ لأنّه شريكه] فيقدّم الدين عليه؛ ولأنّ الوصية تبرعٌ بعد الدين (٢)، والدين مستَحَقٌّ، فيقدم الواجب على التبرع. وإنّما تضاربوا في التركة بديونهم؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم يستحقّ بسببٍ مثل السبب الذي يستحقّ به الآخر، فصاروا كالورثة. وإنّما لم يقدّم بعضهم على بعضٍ وإن تقدّموا في المداينة؛ لأنّ ديون الصحيح ثابتةٌ في ذمّته، وإنّما ينتقل إلى التركة بالمرض، وإذا تساوت الديون في الانتقال، صار المتقدّم منها والمتأخر سواءً. قال: فإن تَوِي (٣) من التركة شيءٌ قبل أن يقسم الدين، اقتسموا ما [بقي] (٤) من التركة على قدر ديونهم، ولا يبطل من دينهم بهلاك ما هلك من التركة شيءٌ؛ وذلك لأنّ الدين متعلّقٌ بالتركة، وبكل جزءٍ منها لاستحالة أن يثبت الميراث قبل قضاء الدين، فالهالك يكون من حقّ الورثة، ويبقى الدين بحاله. قال: وما كان من ديَةٍ وجبت للميت في نفسه، أو أَرْشٍ وجب له عن شيءٍ

стр. 5176

من جوارحه بجناية خطأ أو عمد، فحقّ الغرماء فيه [قائمٌ] يقتسمونه بدينهم؛ وذلك لأنّ [الدية] (١) حقٌّ للمقتول، [أو مالٌ] (٢) له فهو كسائر أكسابه (٣)؛ ولأنّه لو عفا عنه ولا دين عليه صحّ عفوه، فلو لم يكن على ملكه، لم يسقط بإسقاطه، وما كان على ملك الميت من الأموال، فديونه متعلّقةٌ به. قال: وإن كان القتل عمدًا فيه قصاصٌ أو قصاصٌ فيما دون النفس، فلا حقّ للغرماء في ذلك ولا قصاص؛ لأنّ القصاص حقٌّ ليس بمالٍ، فلا تتعلّق به حقوق الغرماء كالمنافع، وليس لهم أن يعفوا؛ لأنّه [لا] حقّ لهم في القصاص، فلا يصح عفوهم فيما لا يملكونه؛ ولأنّ الديون التي يتعلّق حقّهم بها إن أبرؤوا منها لم يصحّ، فالقصاص الذي لا حقّ لهم فيه أولى أن لا يصحّ إبراؤهم (٤) فيه. قال: وإن عفا بعض الورثة عن الدم، تحوّل حقّ الباقين من الورثة مالًا، فكان ذلك بين الغرماء على قدر دينهم؛ وذلك لأنّ بعضهم إذا عفا تعذّر القصاص في حقّ الباقين، ودم العمد إذا تعذّر فيه القصاص وجب الأَرْش، وقد بيّنا أنّ الأَرْش حقٌّ للميت، فتتعلّق به ديونهم. قال: وإن كان الميت امرأةً، فمهرها بمنزلة (٥) تركتها، يُقسم بين غرمائها؛ وذلك لأنّ المهر مالٌ لها، وإن كان عوضًا عمّا ليس بمالٍ كالأجرة في الإجارة (٦).

стр. 5177

بَاب الإقرارِ بالدين في المرضِ قال: وإذا أقرّ المريضُ في مرضه الذي مات فيه بدينٍ لغير وارثٍ (١)، فهو جائزٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يفصّل؛ ولأنّ المريض غير متهمٍ فيما يقرّ به للأجنبي، فينفذ إقراره. وقد قال أصحابنا: القياس يقتضي أن لا يجوز إقراره إلا في الثلث؛ لأنّه يملك ثلث ماله، ولا يملك ما زاد عليه؛ بدلالة أنّه لو وهب ما زاد على الثلث لم يجز، فما لا يملكه لا ينفذ فيه إقراره، وإنّما تركوا القياس لما روي عن ابن عمر أنّه قال في المريض إذا أقرّ بدينٍ: (جاز ذلك عليه في جميع التركة) (٢)، ولا يُعرف له مخالفٌ؛ ولأنّه غير متهمٍ في إقراره كالصحيح. قال: وإذا أقر في مرضه بدينٍ بعد دينٍ، فذلك جائزٌ، المتقدم فيه والمتأخر سواءٌ [كحال الصحة]، وهو جائزٌ في جميع ماله، يتحاصّون في التركة؛ وذلك لأنّ حال المرض حالٌ واحدةٌ، فالدين المتقدم فيها والمتأخر سواءٌ كحال الصحة. ولا يقال: إن دين المريض يتعلّق بتركته، فيسبق الدين الأوّل إلى التركة، فيكون أولى من الثاني؛ وذلك لأنّ ديون المريض لا تتعلّق بتركته؛ لجواز (٣) أن

стр. 5178

يكون عليه دينٌ في الصحة، فلم يبق إلا أن تتعلّق بذمّته، فيستوي المتقدّم والمتأخّر. قال: فإن كان على المقِرّ في مرضه دينٌ في صحته، فدين غرماء الصحّة أولى بتركته من غرماء المرض، يبدأ به حتى يستوفوا ديونهم، فإن فضل من التركة شيءٌ بعد قضاء دين الصحة، كان بين غرماء المرض، وإن لم يبق شيءٌ فلا شيء لغرماء المرض على الورثة، ودينهم باقٍ في ذمّة الميت. وإنّما يقدم دين الصحة على دين المرض - خلاف ما قاله الشافعي أنّهما سواء - (١)؛ لأنّ دين الصحة ثابتٌ في حال الإطلاق، ودين المرض ثابتٌ في حال الحجر؛ بدلالة أنّ المريض قد لحقه حجرٌ ما، ألا ترى أنّه لا يجوز هبته في أكثر من ثلث ماله [بعد أن كان جائز التصرّف لولا الدين]. قال: ودين الإطلاق مقدّمٌ على دين الحجر، كالعبد إذا أقرّ في حال حجره بدين وفي حال الإذن بدينٍ؛ ولأنّ حق غرماء الصحة يتعلّق بالمال في المرض؛ بدلالة أنّ المريض ممنوعٌ من التبرّع في ثلث ماله بعد أن كان جائز التصرف لولا الدين، فلولا تعلّق حقّهم بالمال لم يمنع، فإذا تعلّق حقّهم بالمال، كان أسبق من دين المرض، فصار كالدين الذي رهنَ به، فيقدم على ما [لا] رهن به؛ لأنّ حقّ المرتهن أسبق إلى الرهن. فأمّا إذا استوفى غرماء الصحة، فقد سقط، فكأنّه لم يكن للمريض إلا الباقي من التركة، فيستحقه غرماء [المرض] (٢)، فإن لم يبق شيءٌ، فلا حقّ

стр. 5179

للغرماء على الورثة؛ لأنّ الورثة إنّما يلزمهم القضاء (١) من تركة الميت، ولا تركة للميت. وقوله: إنّ دينهم باقٍ في ذمّة الميت، يعني: في أحكام الآخرة، فأمّا في حكم الدنيا إذا لم يكن تركة، فقد سقط الدين. قال: فإن تطوع الورثة بقضائه من أموالهم التي هي لهم، فهو جائزٌ، ويبرأ الميت من الدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأنّ الدين باقٍ في حكم الآخرة، فإذا قضى الورثة فكأنّهم تبرعوا بالقضاء في حال الحياة، فيسقط الدين؛ ولأنّ أبا قتادة لمّا قضى عن الميت دينارين، قال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "الآن بردت عليه مضجعه" (٢)، فدلّ على أن من تبرّع بقضاء دين الميت، سقط عنه الدين. قال: فإن أقرّ المريض في مرضه الذي مات فيه بعبدٍ في يده، أو بألفٍ في يده، أنّ ذلك لرجلٍ وعليه دينٌ في الصحّة، لم يجز ذلك على غرماء الصحة، وكانوا أحقّ به من المقَرّ له، يُبَاع في دينهم، فيشتركون في ثمنه، ولا يجوز على غرماء الصحة إقرار المريض بدين ولا غيره، أمانة أقرّ بها في المرض أو مضمونة، حتى يستوفي الغرماء دينهم؛ وذلك لما قدّمنا أنّ دين الصحة يتعلّق [بالتركة] (٣)، فإذا أقرّ المريض بعينٍ قد تعلّق بها حقّ الغير، لم يقبل إقراره، كما لو أقر بالعبد المرهون، فإذا قضيت ديون الصحة، فلم يبق إلا حق الورثة، وإقرار المريض مقدمٌ على حقّ ورثته.

стр. 5180

قال: وكلّ دينٍ وجب على المريض بدلًا عن مالٍ مَلَكه أو استهلكه، وعُلِم وجوبه بغير إقراره، فهو بمنزلة دين الصحة يشتركون جميعًا في تركة الميت، فيكون بينهم على قدر ديونهم؛ وذلك لأنّ هذا الدين لما علم سببه لم تلحقه فيه التهمة، فصار كدين الصحة الذي (١) لا تهمة فيه؛ ولأنّ المريض يحتاج إلى الابتياع، فلو لم يُجعَل أثمان ما يبتاع كدين الصحة، امتنع الناس من معاملته وأضرّ به ذلك، وهذا لا يجوز. قال: ولا يجوز للمريض (٢) في مرضه أن يقضي غريمًا دون غريمٍ، كان الدين عليه في الصحة أو في المرض، لا يقضي غرماء الصحة بعضهم دون بعضٍ في مرضه، ولا غرماء المرض بعضهم دون بعضٍ، إلا أن يكون استقرض في مرضه ألفًا وقبضها، أو اشترى عبدًا بألفٍ وقيمته ألفٌ، فقضى القرض ونقد ثمن العبد في مرضه، فإن ذلك يجوز على غرماء الصحّة وغرماء المرض إذا عُلِم ذلك ببيّنةٍ (٣). وإنّما لم يجز أن يقدّم بعض غرمائه بالقضاء؛ لأنّ ديونهم متعلّقةٌ بالتركة على وجهٍ واحدٍ، فإذا قضى بعضهم، فقد دفع إليه ما تعلّق به حقّ غيره، فلا يجوز، كما لو قضى (٤) الوصي من تركة الميت بعض غرمائه. وكذلك إن كانت الديون في المرض، لا يجوز أن يقضي أحدهم دون الباقين؛ لأنّ ديون المرض لا تخلو: إمّا أن يكون معها دينٌ في الصحّة،

стр. 5181

أو لا يكون، فإن كان هناك دينٌ في الصحّة، لم يجز قضاء دين المرض، وإن لم يكن دينٌ في الصحّة، فحقّ الغرماء في المرض تعلّق بالمال، فإذا قضى بعضهم ما تعلّق به حق الباقين، لم يجز، كما لو قضاهم من عين الرهن. فأمّا إذا استقرض شيئًا بمعاينة الشهود، أو ابتاع شيئًا من غير محاباةٍ بمعاينة الشهود، فقضى ذلك جاز؛ لأنّ المريض إنّما يمنع من قضاء بعض الغرماء لما فيه من إسقاط حقّ الباقين، فإذا حصل للباقين مثل ما قضى فلم يسقط حقّهم عن شيءٍ، (فجاز القضاء؛ ولأنّ حقوق الغرماء في معنى التركة لا في عينها، ولهذا يجوز تصرف المريض فيها، فإذا اشترى عبدا يساوي ألفا، وأعطى من التركة ألفا فمعنى التركة حاصلٌ لهم، لم يسقط شيءٌ منه) (١)، فجاز تصرّفه فيه. قال: وإن تزوج امرأةً في مرضه بألفٍ، ومهر مثلها ألفٌ، فذلك جائزٌ على غرماء الصحّة، تشركهم في التركة، فتكون كأحدهم؛ وذلك لأنّ التزويج يحتاج إليه المريض لمنفعة يختص بها لطعامه [وشرابه] وكسوته، فإذا عقد، لم يُتّهم في سبب المال، فصار كدين الصحّة الذي لا تهمة فيه؛ ولأنّ دخول البُضْع في ملك الزوج مقوّمٌ، فصار كالأعيان. قال: فإن نقدها المهر لم يسلم لها، وكان لغرماء الصحة أن يتبعوها في ذلك، فيأخذوا حصصهم؛ وذلك لأنّ المهر ليس ببدلٍ تعلّق به حقّ الغرماء، فلا يجوز له أن يفردها بالقضاء، كما لا يجوز له أن يفرد من [أقرّ له] (٢). قال: ولو أقرّ في مرضه - ولا دين عليه في الصحّة - لرجلٍ بدين ألف درهمٍ (٣)،

стр. 5182

ثم أقرّ بعد ذلك لآخر بألفٍ في يديه أنّها وديعةٌ، فهما دينان جميعًا، ولا يجوز إقراره بالوديعة بعد الدين في أن يستحقّها المقَرّ له، ولكنّها دينٌ في تركته؛ وذلك لأنّه لمّا بدأ بالإقرار بالدين، تعلّق حقّ الغريم بالألف الذي في يديه، فإذا أقرّ أنّها وديعةٌ فيريد أن يسقط حقّ الغريم عنها، فلا يُصدّق، إلا أنّه قد أقرّ بوديعةٍ تعذّر تسليمها بفعله، فصارت (١) كالمستهلَكة، فيكون دينًا عليه، ويتساوى الغريمان في العين. قال: وإن أقرّ بوديعةٍ ثم بدينٍ، فصاحب الوديعة أولى بها؛ لأنّه لمّا بدأ بالوديعة ملكها المقَرّ له بعينها، فإذا أقرّ بدينٍ لم يجز أن يتعلّق بمال الغير. قال: وكذلك إقرار المريض بألفٍ في يديه أنّها بضاعةٌ أو مضاربةٌ، كما بيّنا في حكم الوديعة والبضاعة والمضاربة، أمانةٌ، فهي كالوديعة. قال: وإذا أقرّ المريض لرجلٍ بوديعةٍ ألف درهم، ثم مات ولم يعرّف بعينها، فهي في تركته [مضمونةٌ] كدين المريض؛ وذلك لأنّه ضيّع الحفظ فيها حين لم يبيّن عنها، والمودَع إذا ضيع الحفظ ضمن؛ ولأنّ الظاهر أنّها باقيةٌ في يده إلى أن مات، وقد جعلنا ما في يده لورثته، فلا يجوز أن يقضى لهم بملك الوديعة إلا ويقضى عليهم بعوضها (٢).

стр. 5183

بَاب إقرارِ المريضِ باستيفاء دينٍ في مرضهِ قال: وإذا مرض الرجل وله على رجلٍ دينٌ وجب له عليه في صحّته، أو [كان] كاتب عبدًا في صحّته على ألف درهمٍ، ثم مرض فأقرّ باستيفائه، أو باستيفاء الكتابة، فهو مُصدّقٌ على ذلك، والغريم والمكاتب يبرآن، كان عليه دينٌ في المرض أو في الصحّة أو لم يكن؛ وذلك لأنّ جواز الإقرار بقبض ديون الصحة حقٌّ ثبت لمن عليه الدين بعقد المداينة، فلا يسقط ذلك الحق بمرض المريض، كما لا تسقط سائر الحقوق التي لزمته. قال: فإن مرض وعليه دينٌ في الصحّة، فقطع رجلٌ يد المريض عمدًا، فصالح من ذلك على ألف درهمٍ، ثم أقرّ باستيفائها وليس له مالٌ غيرها، فهو مُصدّقٌ على قبضها، وإن كانت إنّما وجبت له في المرض. وكذلك لو أنّ رجلًا أقرّ أنّه جرح [المريض] خطأً، فأقر المريض أنه استوفى [حصّة] أرشه، والجراحة كانت في المرض، فإنّه مُصدّقٌ على ذلك. (أمّا ما وجب بجناية العمد، فهو بدلُّ عمّا لم تتعلّق به حقوق الغرماء، فيقبل إقرار المريض باستيفائه، كما يقبل في حال الصحّة) (١). وأما ما وجب بجناية الخطأ، فالسبب الموجب له لا تتعلّق حقوق الغرماء به، فهو كجناية العمد؛ ولأنّ المريض لم يثبت له هذا الحقّ إلا وهو دينٌ في

стр. 5184

الذمّة، فتعلّق [به] حقّ الاستيفاء وهو دينٌ، فيقبل قول المريض في استيفائه، كدين الصحّة. قال: وإن أقرّ رجلٌ للمريض أنّه قتل عبدًا له في مرضه خطأً، أو قطع يده، فلزمه نصف القيمة، فأقرّ المريض أنّه استوفى ذلك وعليه دينٌ في الصحة، فهو مُصدّقٌ؛ وذلك لأنّ الجناية على العبد وإن وجب لها بدلٌ عمّا تعلّق به حقّ الغرماء، فإنّ السبب ليس هو ممّا يتعلّق حقوق الغرماء به، فصار كالجناية على الحرّ. وليس هذا كاستهلاك العبد؛ لأنّ الاستهلاك سببٌ للتمليك عندنا، فيصير كالبيع، وأمّا الجناية فليست من أسباب التمليك، فيصير كالجناية على الحرّ. قال: ولو كان الجاني قتل العبد متعمدًا، فصالحه المريض على أقلّ من قيمته، فصلحه جائزٌ، فإن أقرّ المريض باستيفاء ذلك فهو مُصدّقٌ. أمّا الصلح على أقلّ من القيمة؛ فلأنّ دم العمد ليس بمالٍ، فإذا صالح (١) منه على أقلّ من القيمة، فلم يسقط حقّ الغرماء عن شيءٍ تعلّق حقّهم به، فيجوز، ويقبل قوله في استيفائه؛ لأنّ حقّ الغرماء لم يتعلّق بالأَرْش إلا وهو دينٌ. قال: ولو تزوّج امرأةً فأقرّت في مرضها أنّها استوفت مهرها، ثم طلّقها قبل أن يدخل بها، ثم ماتت وعليها دينٌ في صحتها، ولم تَدَع غير الألف المهر الذي أقرّت باستيفائه، [وألف درهمٍ في يدها]، ولم يعلم ذلك إلا بقولها، فإنّ الألف بين غرمائها، ولا شيء للزوج منها، ولا شيء على الزوج من المهر.

стр. 5185

قال: فإن قال: أريد أن أضرب مع الغرماء بنصف المهر، لم يجز، إنّما تُصدّق على الاستيفاء، ولا تُصدّق على ما في يدها. وإنّما جاز إقرارها؛ لأنّه لمّا طلقها قبل الدخول صارت أجنبيةً، فإقرارها له كإقرارها باستيفاء دينٍ من أجنبيٍّ، وذلك الدين ليس ببدلٍ عن مال، فيقبل إقرارها باستيفائه كأَرْش، الجناية، ولا يُصدّق على إثبات المحاصّة للزوج مع الغرماء بنصف المهر؛ لأنّه إقرارٌ له بدينٍ لا يُعلَم إلا بقولها، فدين الصحّة مقدّمٌ عليه. قال: ولو كان دخل بها وقد تزوّجها في مرضها، فأقرّت باستيفاء المهر، ثم طلّقها، فانقضت عدّتها قبل أن تموت [جاز]؛ وذلك لأنّ العدة لمّا انقضت، صار أجنبيًا، فيقبل إقرارها له. قال: ولو لم تَنقَضِ عدتها حتى ماتت، وقد طلقها طلاقًا بائنًا، فأقرّت له باستيفاء المهر، فأصحاب دين الصحة أولى بمالها حتى يستوفوا حقوقهم، فإذا استوفوا نُظِر إلى ما بقي من مالها، فجعل للزوج منه الأقلّ ممّا أقرّت له [باستيفائه، وممّا يصيبه من الميراث؛ وذلك أنّها أقرّت له] بالاستيفاء مع بقاء حقوق النكاح، وهما متهمّان أن يكونا توصّلا بالطلاق إلى تصحيح الإقرار، فوجب أن يثبت مع ذلك ما لا تهمة فيه، ومعلومٌ أنّه لو لم يطلّقها لم يُقبَل إقرارها وورث، فإذا طلّقها استحقّ الأقلّ من الأمرين؛ لأنّه لا تهمة فيه (١). فإن كان الدين في الصحّة يأتي على جميع ما في يدها وعلى مهرها الذي أقرّت باستيفائه، رُجع على الزوج بجميع المهر، ولا تُصدّق على الاستيفاء؛
следующие страницы →