← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وروي: (أنّ النبيّ ﷺ حاصر أهل الطائف لعشرٍ بقين من المحرّم) (١)، والحصار نوعٌ من القتال؛ ولأنّ القتال أمرٌ بالمعروف ونهْيٌ عن المنكر، وذلك يجوز في الأشهر كما يجوز بغير قتال. وأمّا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فقد قيل: إنها نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقيل: إنّ الأمان كان بين النبيّ ﷺ وبينهم إلى هذه المدّة، فأمر بقتالهم عند انقضائها ليقضى الأمان لا لذهاب الأشهر (٢). ٢٨٢٤ - فَصْل: [حكم الجهاد] والجهاد من فروض الكفاية: إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين، وإن لم يقم أحدٌ وجب على جميع الناس ولحقهم الإثم بتركه، والدليل على ذلك: أنّ النبي ﵊ كان يخرج في السرايا ولا يخرج جميع أهل المدينة، ولو كان الفرض على الأعيان لم يتركهم؛ ولأنّ الجهاد أمرٌ بمعروفٍ ونهيٌ عن منكرٍ، فكان على الكفاية. ولأنّه لو وجب على جميع الناس، لتعطّلت مصالح دار الإسلام، وبطلت الزراعة والمنافع، فلا يقدر المجاهدون على الجهاد، فيؤدي ذلك إلى إبطاله. قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: فرض الله تعالى الجهاد على الناس فرضًا مجملًا، فإذا قام به فريقٌ منهم فيهم جرأة [وغَنَاءٌ] (٣) ومكافأة للعدو ومقاومةٌ له،

стр. 5217

سقط فرض الجهاد عن الباقين (١)، وليس فرض الجهاد لازمًا لكلّ أحدٍ في نفسه، وهذا لمَا قدّمنا. قال: ولا ينبغي أن يَخْلو ثغور المسلمين من ذلك: ومن أن يكون فيها من يفي بالعدو وقتالهم، والاستظهار عليهم، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]: أراد به التقاء المقاتلين (٢)؛ لأنّه [لا] يجب قتال جميع الكفار، وهذه الآية تدلّ على وجوب الجهاد، وقد بيّنا ذلك. قال: فإن ضَعُف مَنْ بالثغور بإزاء العدو، ولحق من العدو أمرٌ يُخَاف عليهم منه من قَتْلٍ أو سَبْيٍ، أو ظهورٍ عليهم، فضعفوا عن دفعهم عن ذلك، فعلى من وراءَهُم من المسلمين أن ينفروا إليهم الأقرب فالأقرب منهم، حتى يزول ما يخاف عليهم من ذلك، وأن يمدّوهم بالسلاح والرجال والكراع حتى يكون الجهاد أبدًا قائمًا، والدعاء إلى الله تعالى وإلى دينه متصلًا، وهذا لما بيّنا أنّ الجهاد فرضٌ على الكفاية، فإذا قام به فريقٌ سقط عن الباقين، فإذا ضعف أهل

стр. 5218

الثغور، وليس هناك من يقوم به، [تعيّن] (١) الفرض على جميع الناس، والأقرب فالأقرب أخصّ به، فيجب عليهم جميعًا أن يسدّوا الثغور بأنفسهم وبأموالهم إذا احتيج إلى السلاح والكراع، وجب على الناس ذلك لتحصل المقاومة، فيسقط عنهم الفرض. قال: وكذلك لو احتيج إلى من يَقرُب من الثغور، ومن ينأى عنها في سدّ الثغور والقيام في مجاهدة العدو، لم يسع أحدًا ممّن فيه غناءٌ ودفاعٌ أن يتأخّروا؛ وذلك لأنّ الفرض إنّما يسقط بحصول الكفاية، فإذا لم تحصل تعيّن الفرض على كلّ الناس، فلزمهم القيام به. وإنّما شُرط من فيه غناءٌ ودفاعٌ؛ لأنّ من لا يُنتَفع به في الحرب بنفسه ولا ماله ولا رأيه، لا يتوجّه عليه القيام به للعجز عنه، كما لا يخاطب بسائر العبادات من يعجز عنها. قال: فإن كان فيمن احتج إليه عبدٌ، جاز أن يخرج بغير إذن سيّده. وجملة هذا: أنّ العبد لا يجوز له الجهاد مادام بالمسلمين غناءٌ عنه إلا بإذن مولاه؛ ولأنّ الفرض لا يجب عليه إذا كان هناك من يقوم به، وما لا يتعيّن وجوبه على العبد، فحقّ المولى مقدّمٌ عليه، كصوم التطوّع، وصلاة التطوّع. فأمّا إذا وقع النفير واحتاج الناس إليه، فالفرض قد تعيّن، والفروض المتعيّنة تقدّم على حقّ المولى كصلاة الفرض؛ ولهذا قالوا: إنّه يقاتل بغير إذن مولاه (٢).

стр. 5219

قال: وكذلك النساء إذا اضطروا إلى قتالهنّ، فليخرجن بغير إذن أزواجهنّ، وهذا على ما قدّمنا في العبد؛ لأنّ المرأة لا يجب عليها القتال إذا كان هناك من يقوم به، وما لا يجب عليها القتال (١)، لا يجوز لها (قطع حقّ الزوج بفعلها، كما لا يجوز لها) (٢) التطوّع بالصوم. فأمّا إذا تعيّن الفرض واحتاج الناس إليها، صار القتال من فروض الأعيان، فلم يقف على إذن الزوج كالصلاة والصيام. والدليل على أنّ المرأة يجوز أن تقاتل إذا كانت تقدر على ذلك: "أنّ أم سُلَيم بنت ملحان كانت مع النبيّ ﷺ يوم حنين حين انهزم الناس عنه" (٣). وقالت أم عطية: "غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات، كنت أصلح لهم الطعام، وأُداوي الجرحى، وأقوم على المرضى" (٤). قال: وكذلك الولد، إذا احتيج إلى خروجه وَسِعَه أن يخرج بغير إذن أبويه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتًا. والأصل في هذا: أنّ فرض الجهاد إذا لم يتعيّن، لم يجز للولد أن يخرج إلا بإذن والديه، أو بإذن (٥) أحدهما إن كان الآخر ميتًا؛ وذلك لأنّ الجهاد إذا قام به بعض الناس سقط فرضه عن الباقين، وطاعة الوالدين فرضٌ، فلا يجوز أن يتركها لما ليس بفرضٍ.

стр. 5220

وقد روي أنّه ﵊ سئل عن [أفضل] (١) الأعمال، فقال: "الصلاة لوقتها، ثم بِرّ الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله" (٢)، فقدّم برّ الوالدين على الجهاد. وروي أنّ ابن عباس بن مرداس [السلميّ] جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: إنِّي أريد الجهاد معك، (فقال: "ألك أمٌّ؟ " قال: نعم) (٣)، قال: "الزم أمّك، فإن الجنة عند رِجْل أمك" (٤). وروي أنّ رجلًا قال للنبيّ ﵊: إني كنت أجاهد معك، وتركتُ أبويّ يبكيان، فقال: "ارجع فأضحكمها كما أبكيتهما" (٥). قال أصحابنا: إنّ كلّ سفرٍ لا يؤمن فيه الهلاك ويشتدّ فيه الخطر، لا يحلّ للإنسان أن يخرج إليه إلا بإذنهما (٦)؛ لأنّ الإشفاق عليه يضرّ بهما، وقد أُمِر بمصاحبتهما بالمعروف، وترك أذيتهما، فأمّا السفر الذي لا خطر فيه، فيجوز أن يخرج إليه بغير إذنهما إذا لم يضيّعهما (٧)؛ لأنّه لا يضرّ بهما بالخوف عليه، فيجوز له. ومن أصحابنا المتأخرين من قال: يجوز السفر في طلب العلم بغير إذن

стр. 5221

الوالدين؛ لأنّه لا خطر على النفس فيه، وهو فرضٌ، فلم يقف على إذنهما. فأمّا إذا وقع النفير واحتاج الناس، جاز الخروج بغير إذن الوالدين؛ لأنّ الخروج في هذه الحالة فرضٌ معيّنٌ لا يُستدرَك، وبرّ الوالدين والقيام [عليهما] يمكن استدراكه. قال: وينبغي للمسلمين إذا استفرغوا جهدهم، ولم يبق لهم أمرٌ يمكنهم استعماله في جهاد العدو وإظهار حكم الله ودينه إلا وقد استعملوه، وأن يثقوا بوعد الله تعالى لهم بالنصر، فإنّ الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠] وهذا إخبارٌ من الله تعالى بأنّه ناصرهم. وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وقد وعد الله نبيّه ﵊ والمؤمنين بإتمام نوره، وأنّه حائلٌ بين عدوهم وما يقصد إليه من إطفاء نوره، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الله تعالى لمّا وعد بالنصر وهو صادقٌ في وعده، كان علينا بذل الجهد ليتحصّل ما وعد الله به، ويسقط عنّا التكليف، ويزول التفريط (١). * * *

стр. 5222

بَاب ما جاء في فضل الجهادِ ذكر عن أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القائم الراكع الساجد الخاشع" (١)، فجعل فضيلة الجهاد كفضيلة الصوم والصلاة باجتماعهما؛ لأنّ الجهاد فيه خطرٌ بالنفس، وليس في الصوم والصلاة خطرٌ؛ فلذلك صار الجهاد كمجموع العبادتين. وذكر عن أبي سعيدٍ قال: سئل رسول الله ﷺ : أيّ الناس خير؟ قال: "مؤمنٌ مجاهدٌ بنفسه وماله في سبيل الله"، قال: ثم مَن؟ قال: "مؤمنٌ في شِعْبٍ من الشِّعَاب يتقي [ويدع] (٢) الناس من شره" (٣)، وهذا يدلّ على فضيلة الجهاد؛ لأنّه جعل المجاهد خير الناس لبذله نفسه وماله في طاعة الله تعالى. وعن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: "غَدْوَةً (٤) أو رَوْحَةً في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها" (٥)، وهذا حثٌّ على الجهاد؛ لأنّ ما وعده الله المجاهدين من رحمته ونعمه أكثر من الدنيا وما فيها (٦).

стр. 5223

وعن الحسن أنّ رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لغَدْوَةٌ أَو رَوْحَةٌ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها" (١)، وذكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على [المسلمين] (٢) لأحببت أن لا أُخلّف خلف سَريّةٍ تخرج في سبيل الله، ولكن لا أجد ما أحملهم ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا بعدي، فلوددت أنّي أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل" (٣)، وهذا بيانٌ لفضل الجهاد، وأنّه ﵊ لا يترك الخروج في سَريّة إلا إشفاقًا على الناس، وتمنّي القتل يدل على فضيلة الشهادة حتى تمنّى تكراره، مع ما فيه من المشقة. * * *

стр. 5224

بَابْ وصايا الأمراء ذكر حديث سليمان بن بردة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا أو صاحب سَرِيّة، أوصاه في خاصّة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فإذا لقيت عدو الله من المشركين، فادعُهُم إلى ثلاث خصالٍ أو ثلاث خلالٍ، فأيتهنّ ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك إليه (فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم) (١) ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أنّ لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبو فأخبرهم أنّهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المسلمين، ليس لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيءٌ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبو ذلك فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل وكفّ عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم، وإذا حاصرتم أهل حصنٍ فأرادوكم أن تُنزِلوهم على حكم الله، فلا تُنزِلوهم (على حكم الله) (٢)، فإنّكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثمّ اقضوا [فيهم] بما رأيتم، وإذا سألوكم ذمة الله وذمّة رسوله، فلا تعطوهم، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم، ثم فُوا لهم" (٣).

стр. 5225

أمّا وصيته ﵊ للأمراء، فلأنّهم يتقدّمون على الناس، فصلاحهم صلاح العامّة، وفسادهم فسادها، فالواجب أن يوصَوا عما يقع [عليهم عمله] (١). وتخصيص الأمراء بالوصيّة يدلّ على أنّ الجيش يجب عليهم طاعته، فلذلك وصَّاهُ بهم، ولم يُوْصِهم به. وأمّا قوله: "أوصاه في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين خيرًا"؛ فلأنّ الإنسان يجب أن يبتدئ بإصلاح نفسه، ثمّ بغيره؛ ولهذا قال النبي ﵊: "ابدأ بنفسك، ثم بأهلك، ثم بولدك (٢)، ثم بمن تعول، ثم الأقرب فالأقرب" (٣). وأمّا قوله: "اغزوا باسم الله"، فافتتح الكلام بذكر الله تعالى تبرّكًا به. وقوله: "وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله"، [بيان] لما خرجوا فيه من طاعة الله تعالى في قتال أعدائه. وأمّا قوله: "لا تغُلُّوا"، فالغلول: الخيانة في المغنم، وهي محرمةٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، قيل في التفسير: إن الغُلول يُجعَل في قعر جهنم، ثم يقال للغالّ: احمله، فإذا حمله وبلغ إلى بابها عاد فيه إلى قعرها، وقال النبي ﷺ : "ردوا الخيط والمخيط، فإنّه عارٌ ونار وشنارٌ إلى يوم القيامة" (٤). وأمّا قوله: "ولا تَغْدِرُوا"، [فإنّ] الغدر: هو الخفر بالأمان، ونقض العهد،

стр. 5226

وذلك محرمٌ، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال ﵊: "يبعث الغادر يوم القيامة لواؤه عند إسته، يقال له: هذا لواء غدرك" (١). وأمّا قوله: "ولا تُمَثِّلوا"؛ فلِما روى عمران بن الحصين قال: (ما خطبنا رسول الله ﷺ بعد العُرنيّين خطبةً إلا نهانا فيها عن المُثلة) (٢). وقوله: "ولا تَقْتُلُوا وَلِيْدًا"، فقتل الصبيان لا يجوز إلا أن يقاتلوا، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، فدلّ على أنّ القتل يكون لمن يقاتل، والصبيّ لا يقاتل، وروي أنّ النبي ﷺ قال: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم" (٣) يعني شبابهم، وفي حديث عطيّة القرظي: "أنّ النبيّ ﵊ أمر في بني قريظة بقتل من اخضرّ مئزره" (٤)، وبعث أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فقال له: "لا تقتل شيخًا كبيرًا، ولا صبيًّا صغيرًا" (٥)، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكيرٍ؛ ولأنّ القتل عقوبةٌ على الكفر، والصبيّ لا يُعاقَب. وأمّا قوله: "وإذا لقيت عدوًّا من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصالٍ"،

стр. 5227

فهذا عندنا على وجهين: إن كان الكفار لم تبلغهم دعوة النبيّ ﷺ ، لم يجز مقاتلتهم حتى يُدعَوا إلى الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال ابن عباسٍ: (ما قاتل النبي ﵊ قومًا حتى دعاهم إلى الإسلام) (١). فأمّا إذا بلغتهم الدعوة، فالأفضل أن تُكَرَّر عليهم الدعوة؛ لجواز أن يسلموا عند الدعاء، فيُكفى المسلمين القتال، وإن قوتلوا من غير تجديد الدعوة جاز؛ لما روي: "أنّ النبيّ ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارّون، ونَعَمُهم تسقي الماء" (٢)، وهذا يدل على جواز القتال من غير تجديد الدعوة، وعن أسامة بن زيد قال: "عهد إلي رسول الله ﷺ أن أغر على أُبْنَى (٣) صباحًا وأُحرِّق" (٤). وأمّا قوله: "فإن أجابوا إلى الإسلام، فكفّ عنهم"؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقال النبيّ ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها" (٥). وأمّا قوله: "ثمّ ادعهم إلى التحوّل من دارهم [إلى دار المهاجرين] "؛ فلأنّ

стр. 5228

الهجرة كانت فرضًا على كل مسلم حتى فتحت مكة، فقال ﵊: "لا هجرة بعد الفتح" (١). وقوله: "فإن فعلوا، فأخبرهم أنّ لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين"؛ لأنّ المهاجرين يثبت لهم حقٌّ في الخُمس والغنيمة، ولا يثبت لغيرهم. ثم قال: "فإن أبَوا فَأَخْبِرهُم أنّهم كأعراب المسلمين، ليس لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيءٌ إلا أن يجاهدوا [في سبيل الله] مع المسلمين"؛ وذلك لأنّ من لم يهاجر، لم يحصل للمسلمين به قوةٌ، فلا يثبت له حقٌّ في الخمس، كالأعراب الذين لم يثبتوا في الديوان لا يستحقّون من خمس المسلمين شيئًا؛ لأنهم لا يدافعون عنهم. وأمّا قوله: "إلا أن يقاتلوا مع المسلمين"؛ فلأنّ من حضر الوقعة يستحقّ بالحضور سهمًا من الأربعة الأخماس (٢)، سواءٌ كان من أهل الديوان أو غيرهم. وأمّا قوله: "وإن أبَوا فَادْعُهُم إلى إعطاء الجِزْيَةِ"؛ فهذا عندنا على وجهين: إن كانوا من أهل الكتاب أو المجوس أو عبدة الأوثان من العجم، دُعُوا إلى الجزية (٣)، وإن كانوا عبدة الأوثان من العرب، لم تقبل الجزية منهم، فلا معنى لدعائهم إليها، فيجوز أن يكون النبيّ ﷺ ذكر هذه الوصيّة حين بعث إلى من يجوز قبول الجزية منهم، وقد دلّ على سقوط [القتال] (٤) ببذل الجزية قوله

стр. 5229

تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، [فأمر بقتال أهل الكتاب، وجعل غاية ذلك إعطاء الجزية]. وقوله: "فإن فعلوا فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم"، فلأنّهم إذا بذلوا الجزية، قام ذلك في حقن الدم والمال مقام الإسلام. وأمّا قوله: "وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم"؛ فلأنّه أعذر إليهم، فأقاموا على عدواتهم، فوجب مناجزتهم (١) والاستعانة بالله. وأمّا قوله: "فإن أرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم"، فقد اختلف أبو يوسف ومحمدٌ في هذه المسألة، فقال أبو يوسف: يجوز إنزالهم على حكم الله؛ لأنّ الأحكام قد استقرّت وعُرفَت، وإنّما كان لا يجوز ذلك في زمن رسول الله ﷺ ؛ لأنّ الأحكام لم تستقرّ، فيجوز أن [ينسخ] (٢) الحكم بعد فراقهم، فإذا أنزلوهم على حكم الله وهم لا يعرفونه، كان حكمًا مما قد نُسِخ؛ فلذلك منع النبي ﵊ منه، فأمّا الآن فقد استقرت الأحكام، وعُرِف حكم الله، فيجوز أن ينزلوا عليه. وقال محمدٌ: لا يجوز أن يُنزَلوا على حكمه؛ لأنّ من أحكامه الاجتهاد، وهم لا يعرفون ذلك، وإنّما يعرفون النص، ولو علموا أنّ الأمير يجتهد فيهم لم ينزلوا، وقد قيل إنّ حكم الله ظاهرٌ في المشركين إذا غلبناهم وظهرنا عليهم عنوةً، (وإذا أسلموا أو صاروا ذمّةً، وحكمه فيمن نزل إلينا بغير غلبةٍ أو أمانٍ شبيه؛ فلذلك لم يجز أن يشترط لهم) (٣).

стр. 5230

[وأمّا قوله] (١): "وإذا سألوكم ذمّة الله وذمّة رسوله فلا تعطوهم ذمّة الله ولا ذمّة رسوله، ولكن أعطوهم ذممكم، [وذمم آبائكم، ثم فوا لهم"؛ [وذلك أنّ المسلمين قد يضطرون إلى ترك الوفاء ويتفق ذلك لهم، فإذا أعطوهم ذممهم] فالغدر حرامٌ، لكن الغدر بذمّة الإنسان أيسر من الغدر بذمّة الله تعالى، فأمرهم ﷺ بالوفاء، ثم أمرهم أن لا يعطوا ذمّته احترازًا من الغدر بذمته. وذكر بعد هذا حديث زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كان النبيّ ﷺ إذا بعث جيشًا من المسلمين، قال: "انطلقوا باسم الله [وفي سبيله] وعلى ملة رسول الله، لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا عليهم، وادعوا القوم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، فإن أجابوكم فإخوانكم، وإن أبوا فناصبوهم حربًا واستعينوا بالله، ولا تقتلوا وليدًا طفلًا، ولا امرأةً ولا شيخًا كبيرًا، ولا تغوّروا عينًا، ولا تعضدوا شجرًا، إلا شجرًا يضركم، ولا تمثلوا بآدميٍّ ولا بهيمةٍ، ولا تغلوا، ولا تغدروا، وأيّ رجل من أقصاكم أو أدناكم أشار إلى رجل من المشركين فأقبل إليه بإشارته، فله الأمان حتى يسمع كلام الله، فإن قبل فإخوانكم، وإن أبى فردوا إليه مأمنه، واستعينوا بالله ولا تعطوا ذمّة الله ولا ذمّتي، فإن ذمّتي ذمّة الله، والمُخفِر لذمّة الله لاقى الله وهو عليه ساخطٌ، أعطوا القوم ذمّتكم وفُوا لهم" (٢)، وهذا الخبر في معني حديث سليمان بن بردة. [وقوله: "لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا عليه"، يريد: حتى تدعوهم؛ لأنّ

стр. 5231

الدعاء ليس يكون إلا بإظهار الحجة]. وقوله: "لا تقتلوا طفلًا" فقد بيّناه، وقوله: "ولا امرأةً" فلا يجوز قتل النساء إلا أن يقاتلن، أو تكون المرأة مَلِكةً فتُقتَل ليتفرّق المشركون بقتلها، والدليل على تحريم قتل النساء: أنّه ﵊ مرّ بامرأةٍ مقتولة، فوقف عليها وقال: "إن هذه لا تقاتل" (١)، وهذا تنبيهٌ على أنّه لا يقتل إلا من كان من أهل القتال، وروي "أنّه ﵊ نهى عن قتل النساء والولدان" (٢). وأمّا الشيخ، فإنّما يراد به الشيخ الهِمّ (٣) الذي لا يقدر على القتال، ولا له رأيٌ في الحرب، فلا يقتل؛ لأنّه ليس من أهل القتال، فصار كالصبيّ، والذي روي: "أنّ النبي ﷺ قتل دريد بن الصِّمّة، وقد أتت عليه مائة وثمانون سنةً" (٤)؛ فلأنّه (أُخرج يوم حنين) (٥) يُستعان برأيه في الحرب، وأشار عليهم بتأخير النساء والولدان، فأبوا عليه، فقتله ﵊، لأنّه ممن يستعان برأيه. وأمّا قوله: "ولا تغوّروا عينًا، ولا تعضدوا شجرًا إلا شجرًا يضرّكم" فإنّما يعني بذلك الشجر الذي يكون بينهم وبين عدوّهم، فيمنعهم من القتال، فأمّا ما سوى ذلك، فإنّ المسلمين بالخيار: إن شاؤوا قطعوه، وإن شاؤوا تركوه؛ لأن الله قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]،: وروي: "أنّ النبيّ ﷺ لمّا حاصر بني النضير، أمر بقطع نخلهم" (٦)، "وحاصر

стр. 5232

الطائف وأمر بقطع كرومهم" (١)، وإنّما نهى في هذا الخبر عن قطع الشجر وتغوير العيون؛ لأنّه علم أنّ المسلمين يغنمون ذلك، فأراد أن يبقيه على عمارته. قال محمدٌ في السِّيَرِ الكبير في ذكر وصية أبي بكر ﵁: إنّا نأخذ بهذا، ولكن بعض الناس فسّر شيئًا منها على غير ما وضع [عليه]، أبو بكر لم ينه المسلمين عن هدم البيوت، وقطع الشجر المثمر، وتغريق النخل، وتحريقه، وذبح البقرة والشاة؛ لأنّه رأى ذلك مكروهًا، لكنّ الشام كانت ممّا أخبرهم رسول الله ﷺ أنّهم سيظفرون به، ألا ترى إلى قوله في وصيته: (إنكم ستأتون الشام، وإن الله ناصركم، وممكّنٌ لكم، حتى تتخذوا فيها مساجد، فلا يعلم الله أنكم تأتونها تلهّيًا) (٢). قال محمدٌ: ولم يكن لأبي بكرٍ ﵁ ليقول: إن الله ناصركم وممكّنٌ لكم، إلا بخبرٍ أخبره رسول الله ﷺ ، وبلغنا أيضًا عن رسول الله ﷺ حديثٌ معروفٌ، أنّه ﵊ قال لأصحابه: "إنكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر" (٣). وإنّما كره أبو بكر لهم أن يفسدوا ما علموا أنهم سيرثونه، ويكون لهم دون أصحابه، ولم يكرهه لأنّه لا ينتفي في الدين. قال محمدٌ: وقد جاء في غير حديثٍ، ولا حديثين ولا ثلاثة، أن رسول الله ﷺ أحرق وقطع النخل وخرّب البيوت، وخرّب على بني النضير، وقول الله تعالى أصدق، قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا

стр. 5233

فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. قال محمدٌ: اللِّيْنَة: النخلة الكريمة. قال: وأفضل ذلك عندنا ما كان فيه كبتٌ وغيظٌ للمشركين. وروى محمد عن أسامة بن زيد: "أن النبي ﵊ عهد إليه أن يغير على أُبْنَى (١) صباحًا، ثم يحرِّق" (٢)، وعن الزهري: "أنّ رسول الله ﷺ لمّا مرّ من أوطاس يريد الطائف، بدا له قصر عمرو بن مالك النضري، فأمر بتحريقه، وانتهى إلى الطائف، فأمر بكرومهم أن تقطع" (٣). قال الزُّهْرِي: وقطع رسول الله ﷺ نخل بني النضير، وخرّب البيوت، روى ذلك نافع عن ابن عمر (٤). وذكر عن أبي بكرٍ أنّ محمد بن عمرو بن حزم قال: لمّا تحصَّنَ بنو النضير من رسول الله ﷺ ، أمر بقطع نخلهم وتحريقه، فقالوا: يا أبا القاسم: ما كنت ترضى الفساد، فأوحى الله تعالى في ذلك: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] (٥)، فبيّن أن ذلك ليس بفسادٍ. قال الحسن بن زياد في تفسير حديث أبي بكرٍ وغيره، قال: وكان أبو حنيفة

стр. 5234

يأخذ بهذا الحديث، ويقول: إنّ قوله: (لا تخربنّ عمرانًا، ولا تحرقن نخلًا، ولا تقطعنّ شجرًا مثمرًا، ولا تقتلنّ راهبًا، ولا أكّارًا) (١)، قال: وذلك إذا افتتح بلادهم وظفر بها وصارت في أيديهم، فلا ينبغي لهم أن يفعلوا شيئًا من ذلك؛ لأنّ ذلك قد صار فيئًا للمسلمين. فأمّا إذا كان الجيش لا يقدرون على أن يقيموا في تلك البلاد، ولا أن يولّوا عليها أحدًا، ولا يقدروا على أن يحرزوها فتصير لهم، فليحرق حصونهم ومبانيهم وبِيَعِهم ومداينهم وكنائسهم، ويعقر نخلهم وشجرهم وتحرق، وما أصابوا من دوابّهم ومواشيهم فلم يستطيعوا أن يخرجوه معهم، ذبحوه وأحرقوه، وكذلك كان يقول زفر وأبو يوسف، وبه نأخذ. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ النبي ﵊ إذا صحّ عنه (٢): أنّه قطع النخل والشجر وأحرق البيوت، ودلّ القرآن على ذلك، لم يكن للنهي وجهٌ إلا ما ذكره محمدٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، ومعلومٌ أنّ تخريب ديارهم وقطع نخلهم يُدخِل الغيظ عليهم، وهو عملٌ صالح بظاهر القرآن، وقد بيّن محمدٌ ما فعله النبيّ ﷺ من ذلك. وروي أنّه أمر بتحريق البويرة، فقال حسان بن ثابت: وهان على سَرَاة بني لُؤَيٍّ … حريقٌ بالبُوَيرَة مستطير (٣)

стр. 5235

فأمّا البهائم والمواشي، إذا لم يقدر المسلمون على إخراجها، فإنّها تُذبح وتُحرق، وقال مالكٌ: وتعقر، وقال الشافعيّ: تترك كما هي (١). والدليل على أنّها لا تُعقر، أنّ في عقرها مُثْلةً، وقد نهى ﷺ عن المُثْلة، وأمّا تركها فلا يجوز لما في ذلك من قوة المشركين بها على المسلمين، فإذا ذبحت وأحرقت ضعفوا، وما أدّى إلى ضعفهم جاز فعله؛ ولأنّ الذبح يجوز إذا احتاجوا إلى الأكل أو إلى الجلود، والانتفاع بإدخال الضرر على الكفار أعظم من الانتفاع بالجلد، فجواز الذبح بذلك أولى. والذي روي: "أنّه ﵊ نهى عن ذبح الحيوان إلّا لمأكلةٍ" (٢)، فبيّن أن الذبح يجوز لغرضٍ: وهو الأكل، فنبّه بذلك على جواز الذّبح لكلّ غرضٍ، وهو مثل الأكل في المنفعة أو أكثر، وقد بيّنا أنّ الانتفاع يوهن المشركين، وضعفهم أعظم، فالذّبح لأجله أولى. وأمّا تحريقها بعد الذبح؛ فلأنّها لو لم تحرق انتفعوا بلحومها وجلودها، فوجب على الإمام أن يحرّقها ليُبطل عليهم الانتفاع بها (٣). * * *

стр. 5236

بَاب كيفيةِ القتال قال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: إذا خرج من المسلمين جيشٌ أو سَرِيّةٌ غازين، فلقوا العدو، فلا بأس أن يُغِيْروا عليهم ليلًا أو نهارًا، وينتهبوهم وإن لم يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنّ الدعوة قد بلغتهم، وهذا على ما قدّمنا أنّ تجديد الدعوة مستحبٌّ، وليس بواجبٍ؛ فلذلك جاز أن يغير عليهم من غير دعوةٍ، وقد بيّنا أنّ النبي ﵊ قال لأسامة: "أغر على أُبْنى (١) صباحًا، وحرّق" (٢)؛ ولأنّ المقصود تفريق جمعهم وإزالة الكفر، فإذا أعلمهم تأهّبوا للقتال، وإذا أغار عليهم كان ذلك أمكن منهم. قال: (ولا يقتلوا صبيًا، ولا امرأةً، ولا شيخًا كبيرًا، ولا زَمِنًا، ولا أعمى، ولا مُقْعَدًا، [ولا معتوهًا]) فإن فعلوا فقد أساؤوا ولا شيء عليهم في ذلك، وهذا على ما قدّمنا أنّ القتل إنّما يكون فيمن هو من أهل القتال، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. والمقاتلة تكون بين اثنين، والمرأة والمُقْعد والأعمى لا يقاتل؛ ولأنّ النبي ﵊ نهى عن قتل النساء، وعَلَّلَ ذلك حين رأى امرأةً مقتولةً فقال: "أما إنّ هذه لا تقاتل" (٣)، فصار ذلك تنبيهًا على كلّ من لا يفعل القتال.

стр. 5237

وأمّا قوله: إنّهم إن قتلوا هؤلاء فلا شيء عليهم، وقد أساؤوا؛ لأنّ النبي ﷺ لمّا مرّ بامرأةٍ مقتولةٍ أنكر قتلها، ولم يوجب الضمان على قاتلها؛ ولأنّ دماءهم غير مقوّمةٍ؛ لأنّها لم تحرز بدار الإسلام، ولم يحصل لها أمانٌ، فالنهي عن القتل لا يوجب الضمان، كما لو قتل الرجل على وجه المثلة كان منهيًا عنه، ولم يوجب ذلك تقويم الدم. قال: ولا بأس بأن يحرّقوا حصونهم بالنار، ويغرقوها بالماء، وينصبوا المنجنيق على حصونهم، ويهدموها عليهم؛ لما روي أنّ النبي ﵊ أحرق البويرة، وأمر أسامة أن يُغير ويحرق؛ ولأنّ في ذلك تفريق جمعهم وكسر شوكتهم، فجاز كما يجوز أنواع القتال. وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: لا بأس بتحريق حصونهم وهدمها عليهم، وإن علمنا أنّ فيهم أسيرًا أو تاجرًا (١). وقال الحسن بن زياد: لا يجوز ذلك. وليس هذا بصحيح؛ لأنّ قتالهم واجبٌ، فلا يمنع من ذلك إذا كان فيهم من لا يجوز قتاله، كما لا يمنع لأجل صبيانهم ونسائهم؛ ولأنّا لو توقّفنا [في] (٢) حصونهم لأجل المسلم أو الأسير لم يجز أن نقدم على تحريق حصونهم أبدًا؛ لأنّا نجوّز أن يكون فيهم مسلمًا. (ولأنّ خطر قتل المسلم كخطر قتل صبيانهم، فإذا أجاز أن نرميهم وإن كان

стр. 5238

فيهم الصبيان، جاز أن نرميهم وإن كان فيهم مسلمٌ) (١). وجه قول الحسن: أنّ قتل الكافر يجوز تركه، وقتل المسلم لا يجوز الإقدام عليه، فاجتمع الحظر والجواز، فكان الحكم للحظر. وقال أبو حنيفة: إذا حاصر المسلمون مدينةً من مدائن المشركين، فقام المشركون على سور مدينتهم ومعهم أطفالٌ من أطفال المسلمين يتترّسون بهم، كان للمسلمين أن يرموهم بالمَنْجَنِيق والنُّشّاب والنَّبْل يتعَمَّدُون بذلك المشركين، ولا يتعمّدون بذلك (٢) الأطفال، وكذلك القوم على قرار الأرض ومعهم أطفالٌ (من أطفال المسلمين يتترّسون بهم، كان للمسلمين أن يرموهم بالمنجنيق والنشاب والنبل، يتعمّدون بذلك المشركين، ولا يتعمّدون بذلك الأطفال (٣). وكذلك القوم على قرار الأرض ومعهم أطفالٌ) (٤) يتترسون بهم، وهم يتضاربون بالسيوف، ويطعنون بالرِّماح، فإنّهم يتعمّدن بذلك المشركين ولا يتعمّدون به أطفال المسلمين، فما أصابوا من جميع الذي أمروا أن لا يتعمدوه، فلا دية عليهم ولا كفارة، وكذلك ما أصابوا من المسلمين المستأمنين، وممّن أسلم في دار الحرب، فلا دِيَة عليهم ولا كفارة، وهذا (٥) قول أبي يوسف. قال الحسن: وفيها قولٌ آخر: إنّ ما أصابوا من أطفال المسلمين أو ممّن أسلم هناك، أو من الأسرى، فعلى الذي أصابه الكفارة، وعليه الدية إن كان

стр. 5239

أسيرًا أو تاجرًا، وإن كان أسلم منهم فلا دية له. وجه قولهم: أنّا لو امتنعنا من الرمي لتترّس المشركين بمن لا يجوز قتله، فلم نتوصّل إلى قتلهم أبدًا؛ لأنّهم إذا علموا ذلك تترّسوا بأطفالهم، وما أدى إلى إسقاط القتل لم يجز فعله. ولأنّا قد دلّلنا على جواز رمي الحصن بالمنجنيق وتحريقه، وإن كان فيهم أسيرٌ، فكذلك يجوز أن نرميهم وإن تترّسوا بالأطفال. وإذا ثبت أنّ الرمي جائزٌ مع العلم بحال المُرْمَى، لم يجب بالرمي كفّارةٌ ولا ضمانٌ، كرمي الحربيّ والمرتد. وإنّما قال: إنّهم يقصدون بالرمي الكافر دون المسلم؛ لأنّ المسلم (١) لا يجوز اعتماد قتله، وإنّما يجوز رمي الكافر، وإن أدى ذلك إلى إصابة المسلم، (فوجب أن ينوي الرامي رمي من يجوز قصده دون غيره) (٢). وجه قول الحسن: أنّ قتل الكافر يجوز تركه، وقتل المسلم لا يجوز الإقدام عليه، فاجتمع الحظر والإباحة، فكان الحظر أولى. وإذا ثبت أنّ الرمي ممنوعٌ منه، صار كقتل المسلم ابتداءً في دار الحرب، فتجب الكفارة، أسيرًا كان أو تاجرًا أو مسلمًا أسلم منهم. فأمّا الدية، فلا تجب فيمن أسلم منهم هناك؛ لأنّه لم يحرز دمه بدار الإسلام، فلا يتقوّم، وأمّا الكفارة، فواجبةٌ في الجميع.

стр. 5240

وقال أبو حنيفة: إن كان مع المشركين امرأةٌ تقاتل، أو مجنونٌ، أو زَمِنٌ، أو شيخٌ كبيرٌ، فلا بأس أن يقتله المسلمون، وذلك لأنّا نقتل الرجال وإن لم يقاتلوا؛ لأنّهم من أهل القتال، فمن قاتل (١) أولى بالقتل؛ ولأنّا لا نقاتل النساء والصبيان؛ لأنّهم من غير أهل القتال، فإذا قاتلوا صاروا كغيرهم (٢). قال أبو حنيفة: وإن طعن بعض المسلمين برُمْحٍ وأنفذ في جوفه، فلا بأس بأن يمشي فيه المسلم إلى من طعنه بالرمح حتى يقتل طاعنه؛ وذلك لأنّ هذا فيه إعزازٌ للإسلام، ونكايةٌ للمشركين، فلا يمنع [منه] وإن كان فيه تلف النفس، كما لا يمنع المسلم من الحمل على الجماعة الكثيرة وإن علم أنّه يُقتَل، إذا كان في ذلك نكايةٌ في العدو. وقد روي أنّ النبيّ ﵊ رأى كتيبةً من اليهود، فقال: "من لي بهذه الكتيبة؟ "، فقال: وهب بن قابوس: أنا لها، فحمل عليهم حتى فرّقهم، (ثمّ رأى النبيّ ﵊ كتيبةً أخرى فقال: "من لي بهذه؟ " فقال وهبٌ: أنا، فحمل عليهم ففرّقهم) (٣)، ثم رأى ﵊ كتيبةً أخرى فقال مثل ذلك، فحمل عليهم وهب، فقتلوه ﵀ (٤). وروي: "أنّ عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح حَمِيّ الدِّبْر لمّا هرب عنه أصحابه، وقف فقاتل حتى قُتِل" (٥)، فهذا يدلّ على أنّ الخطر بالنفس والتعرّض

стр. 5241

للقتل غير محظورٍ إذا كان في ذلك إعزاز الدين. وقال أبو حنيفة: وإن غزا المسلمون في البحر والسفن، فأحرق العدو السفينة والمسلمون فيها، فلا بأس أن [يطرح] (١) المسلمون أنفسهم في البحر إذا خافوا أن يحترقوا بالنار، ولا بأس بأن يثبتوا في السفينة [حتى تحرقهم النار، وأيّ ذلك فعلوا فهم منه في سعةٍ] إذا لم يمكنهم أن يتخلّصوا من النار، فإن أمكنهم مع إلقاء أنفسهم أن يسبحوا حتى يخرجوا إلى الجَدِّ (٢)، فلا ينبغي لهم حينئذٍ أن يثبتوا في السفينة، وهذا قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمدٍ والحسن. أمّا إذا غلب على ظنّهم (أنّهم إذا ثبتوا سَلِموا، أو غلب على ظنّهم) (٣) أنّهم إن ألقوا أنفسهم [في] الماء سلموا، وجب عليهم ذلك؛ لأنّ إحياء النفس واجبٌ إذا علم ذلك أو غلب على ظنّه، فمتى دُفِع إلى أحد أمرين كان اختيار ما فيه السلامة واجبًا. وأمّا إذا كانوا إن أقاموا في السفينة احترقوا، وإن وقعوا في الماء غرقوا، فهم بالخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف (٤): إن شاؤوا أقاموا في السفينة، وإن شاؤوا وقعوا في الماء. وقال محمدٌ: لا يجوز لهم أن يلقوا أنفسهم في الماء. وجه قولهما: أنّهم قد دُفعوا إلى التلف بأحد وجهين، فكان لهم اختيار

стр. 5242

الأسهل، كما لو قال لهم العدو: إن شئتم قتلناكم بالسيف، وإن شئتم بالنار، كان لهم اختيار الأسهل؛ ولأنّهم يضطرون من جهة العدو إلى إلقاء أنفسهم في الماء من خوف النار، فكأنّ العدو أكرههم على ذلك. وجه قول محمدٍ: أنّهم إذا بقوا في السفينة تلفوا بفعل الكافرين، وإذا وقعوا في الماء تلفوا بفعل أنفسهم، فلم يجز أن يفعلوا ما يؤدي إلى التلف ويتركوا السبب الحاصل من جهة الكفار. قال محمدٌ: في السِّيَر الكبير: إذا ظهر المسلمون على أهل الحرب في قريةٍ أو مدينةٍ، فلا ينبغي أن يقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا شيخًا فانيًا، ولا معتوهًا، ولا راهبًا في صومعةٍ، ولا سائحًا في جبال يأويها لا يخالط الناس، ولا قومًا في ديرٍ ولا كنيسةٍ قد طيّنوا عليهم الباب وترهبوا فيه، ولا أعمى، ولا مقعد، ولا يابس الشق، ولا مقطوع اليد والرِّجل من خلافٍ، ولا مقطوع اليد اليمنى، وقد بيّنا الكلام على الصبيّ والمرأة، فكذلك الباقون؛ لأنّهم ليسوا من أهل القتال. فأمّا الراهب والسائح إذا لم يخالط الناس، لم يكن منه ضررٌ على المسلمين؛ لأنّه لا يقاتل ولا يجتمع مع النساء فيلقح؛ فلذلك لم يقتل. قال: وإن قتل رجلٌ من المسلمين منهم أحدًا فلا شيء عليه من ديةٍ ولا قيمةٍ ولا كفّارةٍ، وعليه الاستغفار؛ وذلك لما قدّمنا أنّ حظر القتل لا يوجب تقويم الدم، كالحربيّ إذا قتل على وجه محظورٍ. فأمّا الاستغفار؛ فلأنّ قتلهم معصيةٌ، فيستغفرون [الله تعالى] منها كسائر المعاصي.

стр. 5243

قال: وللمسلم أن يقتل الرجل يجنّ ويفيق، والأخرس، والأقطع اليد اليسرى، وأقطع إحدى الرجلين، وإن لم يقاتل منهم أحدٌ؛ وذلك لأنّ هؤلاء من أهل القتال، ألا ترى (١) أنّ قطع يد اليسرى لا يمنع من القتال باليمنى، وقطع إحدى الرجلين لا يمنع من الركوب والقتال، وكذلك الأصم والأخرس، وإذا كانوا من أهل القتال قُتِلوا. ولا بأس بأن يقتل القسيس والشَّمَامِسَة (٢) والسياحين الذين يخالطون الناس؛ وذلك لأنّهم إذا خالطوا الناس فهم من أهل القتال، والحربيّ إذا كان من أهل القتال قُتِل وإن لم يقاتل. قال: ولا ينبغي للمسلمين إن كانت بهم قوّةٌ على أَسْرهم وحملهم أن يدعوا النساء حتى يخرجوهنّ إلى دار الإسلام، وكذلك الصبيان؛ لأنّ النساء إذا تركوا في دار الحرب كان فيهنّ تقويةٌ للكفار، وكذلك الصبيان يبلغون فيقاتلون، وفي حملهم منفعةٌ للمسلمين [في تكثير الفيء، وما كان فيه إلحاق مضرّةٍ بالعدو وتحصيل منفعةٍ للمسلمين] ففعله واجبٌ. قال: والشيخ الفاني الذي لا قتال عنده ولا هو ممّن يلقح، ولا ممّن له منفعةٌ، إلا أن يفادى به، فإن شاؤوا أسروه وأخرجوه إلى دار الإسلام، وإن شاؤوا تركوه؛ وذلك لأنّه لا منفعة فيه للعدو ببدنه ولا برأيه، ولا يلقح فيكثر به نسلهم، فجاز لهم تركه حين لم يجز [لهم] قتله.

стр. 5244

وأمّا حمله إلينا فيجوز على قول من يرى المفاداة بالأسرى، فأمّا من لا يرى ذلك فلا فائدة في حمله. قال: ولا يتركوا المعتوه؛ لأنه يلقح، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ النسل تكثيرٌ لعدد الكفار، فقطعه أولى. قال: وينبغي أن يأسروا الأعمى، والمُقْعَد، واليابس الشق، والمقطوع اليد والرجل من خِلافٍ، والأقطع اليد اليمنى؛ وذلك لأنّ هؤلاء لا يجوز قتلهم على ما قدّمنا، وفي تركهم منفعةٌ للكفار؛ لأنّهم يطؤون النساء، فيكثر عدد الكفار بنسلهم. قال: وكلّ من كان (١) للمسلمين أن يقتلوه، فلهم أن يأسروه ويسترقّوه إن شاؤوا؛ وذلك لأنّ الرأي في أهل الحرب إلى الإمام، فإن كان قتلهم أنكى في العدو وأنفع للمسلمين قَتَلَهم؛ لأنّ النبيّ ﷺ قتل بني قريظة، وإن كان استرقاقهم أنفع، فعل ذلك. فأمّا من لا يجوز قتله إذا لم يقدر المسلمون على نقله (٢)؛ لأنّهم جريدة خيلٍ، فليدعوه ولا يقتلوه؛ لأنّ القتل معصيةٌ، فلم يجز أن يُتوصَّل إلى أذية الكفار بفعل معصيةٍ. قال: والعجائز اللاتي لا يرجى ولادهنّ، إن شاؤوا أسروهنّ، وإن شاؤوا تركوهنّ؛ لأنّهنّ إذا كنّ ممّن لا ينتفع بهنّ في الاسترقاق، فليس في أخذهنّ فائدةٌ، إلا للمفاداة، فيجوز أخذهن على قول من يرى ذلك.

стр. 5245

قال: وإن كان الشيخ ذا رأيٍ ومشورةٍ في الحرب، فإنّي أكره إذا ظفر به المسلمون أن يتركوه حتى يخرجوه، وأكره للمسلمين أن يفدوه بمالٍ؛ وذلك لأنّ الاستعانة بالرأي في الحرب أكثر من الاستعانة بالقتال، فلم يجز ترك من هذه صفته. قال: لا يجوز ترك المقاتل. وقد قَتَلَ المسلمون دُرَيد بن الصِّمّة، وكان شيخًا كبيرًا؛ لأنّه كان من أهل الرأي، وإذا لم يجز تركه فهم بالخيار بين قتله وبين إخراجه. قال: وإن قاتلت امرأةٌ أو غلامٌ أو مقعدٌ أو حرّض على القتال، وكان ممّن يطاع، فلا بأس بقتلهم، وقد بيّنا أنّهم يُقتَلون إذا قاتلوا، فأمّا إذا حرّضوا أو كانوا ممن يطاع، فقد حصلوا من أهل القتال، ويستضرّ (١) به المسلمون، فلذلك قُتِلوا (٢). قال: ولو أنّ راهبًا في صومعةٍ أو سيّاحًا دلّ المشركين على عورة المسلمين فلا بأس بقتله أو أسره؛ لأنّ الراهب لا يُقتَل لأنه لا يُستضَرّ به لانقطاعه عن الناس، فإذا دلّ على العورة صار الضرر به كالضرر بالمُقَاتِل؛ فلذلك قُتِل. قال: وإن كان ملك القوم غلامًا صغيرًا، وحاصروا (٣) الناس، وكان في قتله

стр. 5246

كسرٌ لهم أو هزيمةٌ، فلا بأس بقتله، وكذلك لو كانت المرأة مَلِكةً فلا بأس بقتلها؛ وذلك لأنّ في قتل الملك تفريقًا لجمعهم، فالمنفعة بقتله أكثر من المنفعة بقتل الرّجل منهم؛ فلذلك جاز. ولأنا لو جوّزنا قتلهم إذا تترّسوا بصبيان المسلمين لما في ذلك من التوصّل إلى قتل الكافر، فلأنْ يجوز قتل الصبيّ الكافر ليتوّصلوا بقتله إلى غلبة الكفار أولى. قال: وإن قُتل من لا ينبغي قتلهم ممّن وصفت لك من الصِّبْيان والنساء والرُّهبان وغيرهم، خطأً أو عمدًا، لم يكن عليهم في قتلهم ضمانٌ ولا كفّارةٌ، ولكن أكره ما صنع إن كان صنع عمدًا، وإن رأى الإمام أن يَدِيه فعل. أمّا سقوط الضمان والكراهة، فقد بيّناهما، وأمّا الدية إذا رآها الإمام؛ فلأنّ ذلك ممّا يسوغ فيه الاجتهاد، ألا ترى أنه يجوز لقائلٍ أن يقول: إن القتل المحظور يتعلّق به الضمان كقتل المسلم، ومتى رأى الإمام رأيًا يسوغ فيه الاجتهاد فَعَلَهُ. قال: وإذا قاتلت المرأة من أهل [دار] الحرب مع المشركين، فأخذها المسلمون وهم يقدرون على إخراجها وسَبْيها، فلا بأس بقتلها؛ لأنّها لمّا فعلت القتال صارت من أهله، فهي كالرجل، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أسروا. وكذلك الشيخ الفاني إذا ظفر به المسلمون وقد كان شهد الناس وحرّضهم، وكذلك الأعمى والمُقْعد والرهبان إذا قاتلوا ودلّوا على عورة المسلمين، فلا بأس بقتلهم وأسرهم؛ لأنّهم صاروا من أهل القتال. فأمّا الصبي والمعتوه الذي لا يعقل، فلا بأس بقتلهما ما داما يقاتلان أو

стр. 5247

يحرّضان، فإذا صاروا في أيدي المسلمين أسارى فقدر المسلمون على إخراجهما وسبيهما، لم يجز قتلهما وإن كانا قتلا جماعةً من المسلمين؛ وذلك لأنّ الصبيّ والمجنون لا تكليف عليهما، ولا يستحقّان العقوبة بجنايتهما، وإنما نقتلهما إذا قاتلا أو حرضا على طريق الدفع، فإذا أخذناهما فقد زال القتال، فلو قتلناهما، كان القتل عقوبةً، وهما لا يستحقان ذلك، فإن لم يقدر المسلمون على إخراجهما، وغلب في ظنهم أنهم إن تركوهما عادا إلى القتال والتحريض، جاز قتلهما؛ لأنّه يخاف الضرر بتركهما، فصارا كالرجال العقلاء (١).

стр. 5248

بَاب ما أُمرَ به من القتالِ عند التِقَاء الفِئَتَيْن قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]. فأمرهم بالثبات عند لقاء عدوهم، والصبر على مجاهدتهم، وأمر أن لا يتنازعوا فيضعفوا عند القتال، وأخبر أنه مع الصابرين ترغيبًا في الصبر ووعدًا لهم إذا صبروا بالنصر؛ لأنّ الله تعالى إذا كان مع الصابرين لم يُغلبوا. وقال في موضعٍ آخر: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى يعلِّمهم القتال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، يعني متصلًا لا خلل فيه، وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ١٥، ١٦]، فشدّد في هذا على المسلمين في ترك الثبوت لعدوهم والفرار عنهم، إلا في تحرّفٍ لقتالٍ، أو انحيازٍ (١) إلى فئةٍ، وهذا عندنا في يوم بدر خاصّةً. قال محمد في السِّير الكبير: لا بأس بالفرار من الزحف اليوم إذا جاءهم (٢)

стр. 5249

من العدو ما لا يطيقون، لا بأس بأن يفرّوا منهم حتى يلحقوا بالمسلمين، إنّما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ في يوم بدر خاصّةً. وذكر محمد في بابٍ من أبواب قسمة الغنائم: هذا كلّه ببدر، وكانت المدينة لم تصر دار منعةٍ المسلمين، كانوا يخافون فيها، والشرك ظاهرٌ عليها من اليهود وغيرهم؛ ولهذا ردّ النبيّ ﷺ أبا لبابة بن عبد المنذر من الروحاء ليستعمله على المدينة، وثعلبة بن حاطبٍ وعاصم ابن عديٍّ (١)، ردّهما لخبرٍ بلغه عن المنافقين، وهذا يدلّ على أنّ المدينة لم تصر دار [منعةٍ] (٢) [للمسلمين]. قال الحسن بن زياد عن أبي بكر الهذلي عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، قال: الآية في أهل بدرٍ خاصّةً؛ لأنّ رسول الله ﷺ كان معهم وجماعة المسلمين، ولم يكن فئةٌ ينحاز إليها، والناس اليوم لهم فئةٌ، أمراؤهم وأنصارهم. قال الحسن: قال أبو حنيفة: لا بأس إذا خاف المسلمون أن يقتلهم المشركون أن ينحازوا حتى يلجؤوا إلى بعض أمصار المسلمين، أو إلى بعض جيوشهم، فإنّ ذلك ليس بفرارٍ من الزحف. وذكر عن سعيد بن جبير: أنّ الآية في يوم بدرٍ خاصّةً. وعن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، يوم بدرٍ خاصّةً.

стр. 5250

قال: وليس الفرارُ من الزحف [اليوم] من الكبائر، وذكر عن الضحاك أنّها في يوم بدرٍ خاصّةً (١). وعن ابن سيرين قال: لمّا بلغ عمر قتل أبي عبيدة بن مسعود قال: قد كنت له فئة لو انحاز إليّ. وعن أبي سعيد في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إنّما كان هذا يوم بدر والنبيّ ﷺ فئة المسلمين، فلما كان بعد بدر، كان المسلمون بعضهم فئةً لبعضٍ (٢). وعن ابن عمر قال: أرسَلَنا رسول الله ﷺ [سريّةً] فانحاص الناس حيصةً وأتينا المدينة، فتخبّأنا فأتينا رسول الله ﷺ فقلنا: نحن الفرَّارُون، فقال: "بل أنتم العكّارون وأنا فئتكم" (٣). وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وقتادة: أنّ الآية في يوم بدرٍ خاصّةً؛ لأنّه لم يكن للمسلمين فئةٌ إلا رسول الله ﷺ ، فلم يجز لهم مجاوزة الصفوف، فأمّا الآن فلا بأس أن يفرّ المسلمون إذا كان (٤) من الكفار ما لا طاقة لهم به، وقد كان الله تعالى فرض على الواحد أن يثبت لقتال العشرة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فقوله: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، يعني: أن نفوسكم تضعفُ عن مقاومة عشرة أمثالها، فخفّف ذلك عنهم، وأوجب عليهم أن يثبتوا لضعفهم، فقال ﵊: "سلبوا من النصر بقدر ما خفِّف عنهم" (٥).

стр. 5251

وقد قال محمد في السّير: إني أكره لرجلٍ من المسلمين به قوّةٌ أن يفرّ من رجلين كافرين، [ولمائةٍ] (١) أن يفروا من مائتين، [ولألفٍ] (٢) أن يفروا من ألفين، ولا بأس أن يفرّ الواحد من الثلاثة، والمائة من الثلاثمائة؛ [لأنّ الله تعالى قال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية، فما جعله الله غالبًا] فلا ينبغي أن يفروا من المشركين وإن كانوا [أكثر من ذلك] (٣)، لقول رسول الله ﷺ : "خير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغْلَب اثنا عشر ألفًا من قلّةٍ كلمتهم واحدة" (٤). وجملة هذا: أنّ الأمر على ما يغلب في ظنّ المقاتل، وإن غلب في ظنّه أنّه يُغلب ويقتل، فلا بأس أن ينحاز إلى المسلمين ليستعين بهم ويتقوّى على عددهم ثم يرجع إليه، وليس في ذلك عددٌ محصورٌ، وإنّما المعتبر بغالب الظنّ. وقد قالوا في الواحد إذا لم يكن معه سلاحٌ: لا بأس أن يفرّ من الاثنين معهما السلاح، فدلّ على أنّ المعتبر بما ذكرناه (٥).

стр. 5252

بَاب من يستحق الإمارةَ قال أبو الحسن: ينبغي أن يولّى على الجيوش الرجل البصير بوجوه الحرب، المتأنّي في تدبيرها؛ ليتقدّم على القتال في الحالة التي يَصلحُ فيها التقدّم، ويكفّ عن القتال في الحالة التي يرى فيها أنّ التأخر والكفّ أصلح، ويكون ممّن يعدل بينهم في القِسمة. قال محمد: يولى الرفيق العالم بأمر الحرب، العادل بينهم في القسمة وغيرها، فإذا كان هكذا فهو موضع الإمارة عربيًّا كان أو مولىً. وإنّما وجب أن يولّى البصير بالحرب المتأني؛ حتى لا يقدم بالمسلمين على المهالك فيضر بهم، ولا يتوقف فيحصيهم (١). وروي عن عمر بن الخطاب أنّه كتب إلى بعض عماله بالعراق: (لا يتولّى البراء بن مالك جيشًا من المسلمين؛ فإنّه هلكةٌ من المهالك يقدم بهم) (٢). وأمّا اعتبار العدل في القسمة، فلأنّها ولايةٌ، فلا بد من اعتبار العدالة فيها كسائر الولايات. وإنّما استوى العربيّ وغير العربيّ؛ لقوله ﵊: "أطيعوا ولو وُلِّيَ عليكم عبدٌ حبشيٌّ ما حَكَم فيكم بكتاب الله" (٣).

стр. 5253

قال محمدٌ: وإذا أمرهم أمير الجيش من أهل الحرب بأمرٍ لا يدرون أينتفعون به أو لا ينتفعون، فينبغي لهم أن يطيعوه وإن كانوا يرون خلاف [ذلك]، ما لم يأمرهم بأمرٍ يخافون فيه الهلاك، وعلى ذلك رأي أكثرهم لا يشكّون فيه، فلا طاعة له عليهم. وإن اختلف الناس، فمنهم من يقول فيه الهلكة، ومنهم من يقول فيه النجاة، فليطيعوا الأمير فيما أمرهم به. وجملة هذا: أنّ الأمير له عليهم حقّ الولاية، فيجب عليهم طاعته وإن خالف رأيهم، كما يجب اتباع الحاكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد وإن خالف ذلك رأي المحكوم عليه. وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا اختلف المعسكر فيما أمر به الإمام، والخطأ ليس بظاهرٍ فيه، وإنّما هو مُجتَهدٌ فيه، فالواجب اتّباع الأمير كما يُتّبَع القاضي فيما يختلف الناس فيه. فأمّا إذا أمرهم الأمير بما فيه معصية الله تعالى، فلا يحلّ لهم اتّباعه؛ لأنّه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وقد روي أنّ النبيّ ﷺ بعث خالد بن الوليد بعد فتح مكة إلى بني جذيمة، ومعه بنو سليم وطائفةٌ من المهاجرين والأنصار، فأمر بقتلهم، فامتنعت المهاجرون والأنصار، وأطاعته بنو سليم فقتلوهم، فأنكر رسول الله ﷺ قتلهم، ولم ينكر على من امتنع من طاعته من المهاجرين والأنصار (١). وأمّا إذا أمرهم بأمرٍ لا يُؤمَن فيه الهلاك لا محالة، وذلك ظاهرٌ لا يختلفون

стр. 5254

فيه، فلا يجوز لهم أن يُطيعوه؛ لما روي أنّ النبي ﷺ أنفذ سريّةً فخالفوا أميرهم، فغضب وأوقد لهم نارًا، وأمرهم بأن يلقوا أنفسهم فيها، فمنهم من قال: [نلقي] نفوسنا، فإنّ الطاعة واجبةٌ، ومنهم من قال: إنّا لا نتبعك، فلمّا قدموا على النبي ﷺ ذكروا ذلك [له]، فقال: "لو ألقيتم أنفسكم فيها لم تخرجوا منها" (١)، يعني أنّ الله يعذبهم بالنار. [والله أعلم] (٢).

стр. 5255

بَاب من يجوزُ أمانهُ قال أبو الحسن: قال أصحابنا: أمان الحُرِّ (١) المسلم - رجلًا كان أو امرأة - جائزٌ إذا كان في منعةٍ من المسلمين آمنًا بهم، وسواءٌ أمّن جماعةً كثيرةً أو قليلةً، أو أهل قريةٍ، أو أهل مصر، فأمانه جائزٌ على جماعة المسلمين، لا يحلّ لأحدٍ من المسلمين أن يتعرّض لأحد منهم بقتلٍ ولا سبيٍ (٢) ولا أخذ مالٍ ولا غيره. والأصل في جواز أمان الواحد: قوله ﵊: "المسلمون تتكافأ دماؤهم وأموالهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" (٣)، وهذا يدلّ على أنّ الواحد من المسلمين يسعى بذمّة جميعهم. فأمّا المرأة، فقد روي: "أنّ زينب بنت رسول الله ﷺ أمنت زوجها، فأجاز النبي ﷺ أمانها" (٤)، وروي أنّ أمّ هانئ أجارت رجلين من المشركين، فتغلّب عليٌّ ﵁ عليهما ليقتلهما، وقال لها: أتحبين المشركين على رسول الله ﷺ ، فقالت: والله لا تقتلهما حتى تقتلني قبلهما، ثمّ أغلقت الباب دونه، وجاءت إلى النبيّ ﵊، فقالت: يا رسول الله، ما لقيت من ابن أمي وأبي .. وذكرت له القصة،
следующие страницы →