← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وقد قال محمد في السّير: إني أكره لرجلٍ من المسلمين به قوّةٌ أن يفرّ من رجلين كافرين، [ولمائةٍ] (١) أن يفروا من مائتين، [ولألفٍ] (٢) أن يفروا من ألفين، ولا بأس أن يفرّ الواحد من الثلاثة، والمائة من الثلاثمائة؛ [لأنّ الله تعالى قال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية، فما جعله الله غالبًا] فلا ينبغي أن يفروا من المشركين وإن كانوا [أكثر من ذلك] (٣)، لقول رسول الله ﷺ : "خير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغْلَب اثنا عشر ألفًا من قلّةٍ كلمتهم واحدة" (٤). وجملة هذا: أنّ الأمر على ما يغلب في ظنّ المقاتل، وإن غلب في ظنّه أنّه يُغلب ويقتل، فلا بأس أن ينحاز إلى المسلمين ليستعين بهم ويتقوّى على عددهم ثم يرجع إليه، وليس في ذلك عددٌ محصورٌ، وإنّما المعتبر بغالب الظنّ. وقد قالوا في الواحد إذا لم يكن معه سلاحٌ: لا بأس أن يفرّ من الاثنين معهما السلاح، فدلّ على أنّ المعتبر بما ذكرناه (٥).

стр. 5252

بَاب من يستحق الإمارةَ قال أبو الحسن: ينبغي أن يولّى على الجيوش الرجل البصير بوجوه الحرب، المتأنّي في تدبيرها؛ ليتقدّم على القتال في الحالة التي يَصلحُ فيها التقدّم، ويكفّ عن القتال في الحالة التي يرى فيها أنّ التأخر والكفّ أصلح، ويكون ممّن يعدل بينهم في القِسمة. قال محمد: يولى الرفيق العالم بأمر الحرب، العادل بينهم في القسمة وغيرها، فإذا كان هكذا فهو موضع الإمارة عربيًّا كان أو مولىً. وإنّما وجب أن يولّى البصير بالحرب المتأني؛ حتى لا يقدم بالمسلمين على المهالك فيضر بهم، ولا يتوقف فيحصيهم (١). وروي عن عمر بن الخطاب أنّه كتب إلى بعض عماله بالعراق: (لا يتولّى البراء بن مالك جيشًا من المسلمين؛ فإنّه هلكةٌ من المهالك يقدم بهم) (٢). وأمّا اعتبار العدل في القسمة، فلأنّها ولايةٌ، فلا بد من اعتبار العدالة فيها كسائر الولايات. وإنّما استوى العربيّ وغير العربيّ؛ لقوله ﵊: "أطيعوا ولو وُلِّيَ عليكم عبدٌ حبشيٌّ ما حَكَم فيكم بكتاب الله" (٣).

стр. 5253

قال محمدٌ: وإذا أمرهم أمير الجيش من أهل الحرب بأمرٍ لا يدرون أينتفعون به أو لا ينتفعون، فينبغي لهم أن يطيعوه وإن كانوا يرون خلاف [ذلك]، ما لم يأمرهم بأمرٍ يخافون فيه الهلاك، وعلى ذلك رأي أكثرهم لا يشكّون فيه، فلا طاعة له عليهم. وإن اختلف الناس، فمنهم من يقول فيه الهلكة، ومنهم من يقول فيه النجاة، فليطيعوا الأمير فيما أمرهم به. وجملة هذا: أنّ الأمير له عليهم حقّ الولاية، فيجب عليهم طاعته وإن خالف رأيهم، كما يجب اتباع الحاكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد وإن خالف ذلك رأي المحكوم عليه. وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا اختلف المعسكر فيما أمر به الإمام، والخطأ ليس بظاهرٍ فيه، وإنّما هو مُجتَهدٌ فيه، فالواجب اتّباع الأمير كما يُتّبَع القاضي فيما يختلف الناس فيه. فأمّا إذا أمرهم الأمير بما فيه معصية الله تعالى، فلا يحلّ لهم اتّباعه؛ لأنّه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وقد روي أنّ النبيّ ﷺ بعث خالد بن الوليد بعد فتح مكة إلى بني جذيمة، ومعه بنو سليم وطائفةٌ من المهاجرين والأنصار، فأمر بقتلهم، فامتنعت المهاجرون والأنصار، وأطاعته بنو سليم فقتلوهم، فأنكر رسول الله ﷺ قتلهم، ولم ينكر على من امتنع من طاعته من المهاجرين والأنصار (١). وأمّا إذا أمرهم بأمرٍ لا يُؤمَن فيه الهلاك لا محالة، وذلك ظاهرٌ لا يختلفون

стр. 5254

فيه، فلا يجوز لهم أن يُطيعوه؛ لما روي أنّ النبي ﷺ أنفذ سريّةً فخالفوا أميرهم، فغضب وأوقد لهم نارًا، وأمرهم بأن يلقوا أنفسهم فيها، فمنهم من قال: [نلقي] نفوسنا، فإنّ الطاعة واجبةٌ، ومنهم من قال: إنّا لا نتبعك، فلمّا قدموا على النبي ﷺ ذكروا ذلك [له]، فقال: "لو ألقيتم أنفسكم فيها لم تخرجوا منها" (١)، يعني أنّ الله يعذبهم بالنار. [والله أعلم] (٢).

стр. 5255

بَاب من يجوزُ أمانهُ قال أبو الحسن: قال أصحابنا: أمان الحُرِّ (١) المسلم - رجلًا كان أو امرأة - جائزٌ إذا كان في منعةٍ من المسلمين آمنًا بهم، وسواءٌ أمّن جماعةً كثيرةً أو قليلةً، أو أهل قريةٍ، أو أهل مصر، فأمانه جائزٌ على جماعة المسلمين، لا يحلّ لأحدٍ من المسلمين أن يتعرّض لأحد منهم بقتلٍ ولا سبيٍ (٢) ولا أخذ مالٍ ولا غيره. والأصل في جواز أمان الواحد: قوله ﵊: "المسلمون تتكافأ دماؤهم وأموالهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" (٣)، وهذا يدلّ على أنّ الواحد من المسلمين يسعى بذمّة جميعهم. فأمّا المرأة، فقد روي: "أنّ زينب بنت رسول الله ﷺ أمنت زوجها، فأجاز النبي ﷺ أمانها" (٤)، وروي أنّ أمّ هانئ أجارت رجلين من المشركين، فتغلّب عليٌّ ﵁ عليهما ليقتلهما، وقال لها: أتحبين المشركين على رسول الله ﷺ ، فقالت: والله لا تقتلهما حتى تقتلني قبلهما، ثمّ أغلقت الباب دونه، وجاءت إلى النبيّ ﵊، فقالت: يا رسول الله، ما لقيت من ابن أمي وأبي .. وذكرت له القصة،

стр. 5256

فقال: "ما كان له ذلك، قد أجرنا من أجرت، وأمّنّا من أمّنت" (١). وإذا ثبت أنّ أمان الواحد جائزٌ، لم يجز لأحدٍ من المسلمين أن يتعرّض إليه بعد الأمان، كما لا يجوز أن يتعرض له لو أمّنه الإمام. قال: وينبغي للإمام إذا جاؤوه بالأمان أن يدعوهم إلى الإسلام أو إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوه إلى الإسلام، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين. وإن أبوا الإسلام وأجابوا إلى إعطاء الجزية، قبل ذلك منهم، وكانوا أهل وذمة عهد، لهم ما لأهل الذمة، وعليهم ما عليهم. وإن أبو الأمرين، ردهم إلى مأمنهم، ثم قاتلهم؛ وذلك لأنّه لا يجوز أن يتعرّض لهم مع الأمان، ولا يجوز أن يتركوا آمنين مع الكفر من غير جزية، فلا بد من أن يعرض عليهم الإسلام أو الجزية التي يجوز أن يستمر معهما [الأمان] (٢)، فإن أبوا ذلك لم يجز أن يتركوا، ووجب ردّهم إلى مأمنهم، ثم يقاتلهم كما لو خرجوا إلى الإمام بأمان. قال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد، إلا أن يكون يقاتل مع مولاه، فإن كان إنّما يخدمه، لم يجز أمانه. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: أمان العبد جائزٌ، قاتل أو لم يقاتل. وجه قول أبي حنيفة: أنّ العبد لا يملك القتال بنفسه، وهم آمنون منه، فلم يصحّ أمانه، كالأسير في أيديهم؛ ولأنّ الأمان عقدٌ من العقود، فلا يملكه بغير

стр. 5257

إذن المولى كسائر العقود؛ [ولأنّه لا يملك العقود] لما فيها من إسقاط حقّ المولى، وعقد الأمان إسقاطٌ لحقّ المولى ولحقّ جميع المسلمين، فهو أولى أن لا يملكه. وأمّا إذا كان مأذونًا في القتال، وصار من أهله بالإذن، فهو كالحرّ؛ ولأنّه لمّا أذن له في القتال وهو من جملة المسلمين، فقد جعل إليه الرأي فيه، وقد يكون الرأي القتال مرّةً، والكفّ أخرى؛ فلذلك جاز أمانه لما فيه من الكفّ عن القتال. وجه قولهما: قوله ﵊: "ويسعى بذمّتهم أدناهم"، ولأنّ العبد يملك الأمان إذا قاتل، فيملكه وإن لم يقاتل، كالمرأة، وعكسه الذميّ (١). ٢٨٢٥ - فَصْل: [أمان المراهق إذا كان يعقل الإسلام] وأمّا المراهق إذا كان يعقل الإسلام، فلا يجوز أمانه عند أبي حنيفة حتّى يبلغ، وقال محمدٌ في السير الكبير: أمان المراهق والمختلط العقل إذا كانا يعقلان الإسلام ويصفانه، جائزٌ (٢). وجه قول أبي حنيفة: أنّ الغلام لا يملك العقود، والأمان عقدٌ من العقود؛ ولأنّه لا يملك أن يعقد في حقّ نفسه، ففي حقّ غيره أولى. وجه قول محمدٍ: أنّ الغلام المراهق من أهل القتال كالبالغ. وإنّما اعتبر أن يعقل الإسلام ويصفه، حتى يصير مسلمًا بنفسه، فأمّا إذا لم

стр. 5258

يعقل ذلك، فإنّما يحكم له بالإسلام تبعًا لغيره، ولا يعتدّ بذلك. قال: ولا يجوز أمان التاجر في دار الحرب، ولا الأسير فيها، ولا من أسلم هنالك؛ وذلك لأنّ هؤلاء يضطرون إلى ما يريده الكفار ليتخلصوا بذلك من الضرر، فصار عقدهم كعقد المُكرَه؛ ولأنّ أهل الحرب في أمانٍ منهم؛ لأنّهم لا يقدرون على قتالهم، فلا معنى للأمان. وأمّا الذمي، فلا يجوز أمانه وإن أُذِن له في القتال؛ لأنّ الذمي متّهمٌ على المسلمين، ألا ترى أنّه يقصد تقوية الكفار وإظهار كلمتهم، فلم ينفذ عقده مع التهمة. قال محمدٌ (١): ويجوز أمان المسلم الأعمى والزَّمن والمريض والشيخ الكبير؛ وذلك لأنّ هؤلاء من أهل الوِلَاية على المسلمين، فصاروا كمن يقاتل؛ ولأنّهم من أهل الرأي في الحرب وإن لم يكونوا من أهل مباشرتها. وذكر أبو الحسن عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف، عن الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ : "المسلمون يدٌ على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويعقد عليهم أولهم، ويردّ عليهم أقصاهم (٢)، ويرد سراياهم على قعدهم" (٣). قال أبو يوسف: أمّا قوله: "يسعى بذمّتهم .. "، فأيّ رجلٍ أمّن رجلًا، جاز

стр. 5259

عليهم أمانه. وأمّا قوله: "ويعقد عليهم أولهم .. "، فهذا في الصلح، أيّما رجلٌ من المسلمين صالح قومًا من أهل الحرب، وعقد لهم عقدًا فهو جائزٌ على المسلمين، ولكنّهم لا يتركون [في دار الإسلام] إلا على ما وصفت لك من عرض الإسلام عليهم أو الجزية، وإلا أُلحِقوا بمأمنهم حتى لا يقيموا في دار الإسلام بغير خراجٍ على رؤوسهم، إلا أن يسلموا. وقال أبو يوسف في تمام الحديث: وأمّا قوله: "يردّ عليهم أقصاهم .. " فهذا في المتاع أو الرقيق يصيبه العدو ثم يصيبه المسلمون، فهذا يردّ إلى أهله إن أصابوه قبل القسمة. وأمّا قوله: "يردّ سراياهم على قعدهم"، وهو [الخمس] (١)، يُردّ على من فرض الله تعالى في كتابه على الفقراء وغيرهم من المسلمين. وأمّا قوله ﵊: "تتكافأ دماؤهم"، فإنّ دم الشريف والوضيع واحدٌ في القصاص والدية، "وهم يدٌ على من سواهم"، يقاتلون من كان على غير دينهم، حتى يدخلوا في الإسلام، [أو يؤدوا الجزية. قال محمدٌ: وإذا أبوا الإسلام أو الجزية، وقالوا: نقيم في دار الإسلام]، وأبَو أن يلحقوا بمأمنهم، وقد أمروا بذلك، فإن الإمام يقول لمن أمّن منهم: قد أجّلتك إلى كذا وكذا، فإن لحقت بمأمنك، وإلا فأنت لنا ذمّةٌ نضع عليك الخراج إلا أن ترجع إلى مأمنك، ويكون الأجل في ذلك على ما يرى الإمام أو الأمير،

стр. 5260

فإن لحق بمأمنه وإلا صار ذمّةً، ولا يُترَك أن يرجع إلى مأمنه؛ لأنّ الكافر لا يجوز أن يقرّ على كفره إلا بجزيةٍ، فإذا أقام في دارنا وامتنع من الرجوع، يقوم (١) إليه الإمام، ويضرب له أجلًا، فإن أقام إلى الأجل صار مقامه التزامًا للجزية، ورضًا بها، فلا يُمكّن بعد ذلك من الرجوع ونقض العهد، كما لا يُمكّن سائر أهل الذمّة. [والله أعلم] (٢).

стр. 5261

بَاب النزولِ على الحكمِ قال: وإذا حاصر المسلمون مدينةً من مدائن أهل الحرب، أو حصنًا من حصونهم، فدعوا المسلمين أن ينزلوهم (١) على أن يحكموا فيهم بحكم الله تعالى، فلا ينبغي لهم أن يُجيبوهم إلى ذلك؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، وقد بيّنا هذه المسألة واختلاف أبي يوسف ومحمدٍ فيها. فإن أجابوهم إلى ذلك، فإنّ خلف بن أيوب، وبشر بن الوليد رويا عن أبي يوسف: أنّ الحكم فيهم إلى الإمام، يتخيّر أفضل ذلك للدين والإسلام، فإن رأى قتلهم وسبي الذراري أفضل، أمضى ذلك فيهم على حكم سعد بن معاذ، فإن رأى أن يجعلهم ذمّةً يؤدّون الخراج، ورأى ذلك أفضل للدين والإسلام، وأحسن في توفير الفيء الذي يتقوّى به المسلمون عليهم وعلى غيرهم، فذلك إليه، وهذا جائزٌ. فإن أسلموا قبل أن يمضي الحكم، فهم مسلمون أحرارٌ، وإن دعاهم إلى الإسلام قبل أن يحكم بواحدٍ من الوجوه، فأجابوا إلى الإسلام وأسلموا، فهم أحرارٌ، والأرض لهم، وكذلك إن صيّرهم ذمّةً، فالأرض لهم، ويضع عليهم الخراج. فأمّا إذا أسلموا قبل أن يحكم فيهم، فهم مسلمون أحرارٌ، وأرضهم لهم وهي أرض عُشْرٍ.

стр. 5262

فإن أمضى الحكم بقتلهم وسبي الذراري، فلم يُقتَلوا حتى أسلموا، فهم فيءٌ مع ذراريهم لا يُقْتَلُون، وإن لم يسلموا حتى قتلوا وسبيت الذراري، فالأرض فيء: إن شاء الإمام: قسمها (١) وخمسها، وإن شاء تركها على حالها، أو دعا إليها من يعمرها ويؤدي خراجها، كما يعمل في معطّل أرض الذمة ممّا لا ربّ له. والأصل في هذا: أنّ إنزالهم على حكم الله جائزٌ عند أبي يوسف، والحكم في الكفّار: القتل والاسترقاق، أو وضع الجزية، فكان الإمام مخيّرًا فيه، يحكم فيه بما هو أنفع للمسلمين وأصلح، فإذا أسلموا قبل أن يحكم فهم أحرارٌ، وأرضهم أرض عُشْرٍ؛ لأنهم أسلموا قبل القهر، ألا ترى أنّ نزولهم على الحكم [صلحٌ] (٢)، وليس بغلبةٍ، فصاروا كمن أسلم قبل القدرة عليه، فأرضه أرض عشرٍ. وأمّا إذا أمضى الإمام الحكم بالقتل وسبي الذراري (٣)، فأسلموا، فهم فيءٌ؛ لأنّ الإسلام حصل بعد ثبوت الاسترقاق، فلا يسقط الاسترقاق وإن سقط القتل، كما لو أسلموا بعد الغلبة. وأمّا إذا قتلهم الإمام، فهو مخيّرٌ في الأرض، كما يخيّر في الأرض المغنومة: إن شاء قسمها، وإن شاء وضع عليها الخراج. قال محمدٌ في السِّيَر الكبير: إذا أنزلوهم على حكم الله تعالى (٤)، فصاروا

стр. 5263

في أيدي المسلمين، فينبغي للإمام أن يعرض عليهم الإسلام، فإن أجابوا كانوا أحرارًا، كأحرار المسلمين، لا سبيل عليهم، وسلّم الأمير لهم أموالهم وذراريهم ونساءهم، وتصير دارهم دار الإسلام، ويكون في أرضهم العشر، وهذا على ما قدّمنا؛ لأنّهم أسلموا قبل القهر والغلبة. قال: وإن أبَو الإسلام، جُعِلوا ذمّةً وأجري عليهم وعلى أرضهم الخراج، ولا ينبغي أن يُستَرقّوا ولا يُقتَسموا ولا يُقتَلوا؛ وذلك لأنّ من أصله: أنّ الإنزال على حكمه لا يجوز، فإذا فعله الإمام، ولم يسلموا، حكم فيهم بالأيسر والأسهل؛ لأنّه متيقّنٌ، ولم يحكم بالقتل ولا بالرّق؛ لأنّه الأغلظ والأصعب (١). (قال: فإن قالوا: ألحقونا بمأمننا) (٢)، فلا حاجة لنا أن نكون ذمّةً، ولا ينبغي للمسلمين أن يفعلوا ذلك بهم؛ لأنّهم صاروا في أيدينا وتحت حكمنا، فلا يجوز أن نردّهم حربًا إذا لم يكن في ذلك خفر أمان؛ لأنّ هذا [من] حكمنا. قال: فإن أنزلهم على حكم الله رجلٌ (٣) مسلمٌ عدلٌ، فذلك جائزٌ، وما حكم فيهم من سبيٍ أو قتلٍ أو أخْذِ جزيةٍ، فهو جائزٌ في قولهم جميعًا؛ لأنّ (بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله، فقال لهم: "ألا ترضون أن يحكم فيكم رجلٌ منكم؟ " فقالوا: بلى، فحكم سعد بن معاذ، فرضوا بحكمه) (٤)، فدلّ على أن تحكيم المسلم العدل جائزٌ.

стр. 5264

قال: فإن نزلوا على حكم عبدٍ أو صبيٍّ أو امرأةٍ، أو على حكم ذمّيٍّ، فإنّ ذلك لا يجوز عند أبي يوسف [فإن] (١) حكم العبد والمرأة بأنّهم ذمّةٌ، فقبلوا ذلك، أجزته بقبولهم، ليس من قِبَل حكم المرأة والعبد، وكذلك إذا حكم الذمّيّ. وقال محمدٌ: إذا حكّموا عبدًا أو صبيًا حرًا، لم يجز حكمه، و [لم] يصيروا ذمّة (٢). وجملة هذا: أنّ عند أبي يوسف لا يجوز أن يحكم إلا ذَكرٌ من أهل الشهادة؛ لأنّ الفاسق والعبد والمحدود والصبيّ لا يجوز تحكيمهم في حقّ المتخاصمين، ففي حقّ جميع المسلمين أولى. وأمّا المرأة؛ فلأنّ التحكيم ولاية في حراسة المسلمين والظفر بهم في أمر الحرب، فلا يتولاه امرأةٌ، كما لا تتولّى الإمارة؛ ولأنّ الحكم فيهم تارةً يقع بالقتل، وتارةً [يقع] بغيره، وقول المرأة في القتل لا يقبل، [فلا يجوز حكمها فيه كما لا تجوز شهادتها] (٣)، فأمّا الذمّيّ، فلا يجوز أن يكون حاكمًا في حقوق المسلمين. وأما محمدٌ فقال في تحكيم الصبيّ والعبد مثل ذلك؛ لأنّه لا قول لهما في أنفسهما، فلا ينفذ قولهما على غيرهما، وجوّز حكم الفاسق والمحدود في القذف؛ وذلك لأنّهما من أهل الشهادة، فصارا كالعدل؛ ولأنّ هذا ليس بحكمٍ محضٍ، وإنّما يجري مجرى الصلح، فأعطاه شبه الحكم، وشبه العقد، فلم

стр. 5265

يجوّزه من الصبيّ والعبد، وجوّزه من الفاسق والمحدود في القذف. وأمّا الذمّيّ إذا حكّموه، فحكم عليهم بالقتل أو السبي أو الجزية، جاز حكمه؛ لأنّهم كفارٌ، فشهادته عليهم مقبولةٌ؛ فلذلك يقبل حكمه عليهم، فإن أسلموا قبل أن يحكم عليهم، لم ينفذ حكمه؛ لأنّ التحكيم سقط بالإسلام. قال أبو يوسف: لو نزلوا على حكم رجلٍ لم يسمّوه، فذلك إلى الإمام يحكم فيهم ببعض ما هو أفضل للإسلام والدين؛ لأنّ التحكيم لمّا وقع من غير معيّنٍ، جاز للإمام أن يعيّنه فيمن شاء، فيجوز أن يعيّنه في نفسه. قال أبو يوسف: ولا ينبغي للوالي أن يقبل في الحكم صبيًا، ولا امرأةً، ولا عبدًا، ولا ذمّيًّا، ولا أعمى، ولا محدودًا في قذف، ولا فاسقًا و [لا] صاحب ريبةٍ؛ لأنّ الاختيار في هذا إلى الإمام، فاختيار العدل المأمون أولى. قال أبو يوسف: وإن نزلوا على حكم رجل يختارونه، فاختاروا رجلًا ليس بموضعٍ للحكم، لم يقبل ذلك منهم حتى يختاروا رجلًا موضعًا للحكم؛ لأنّ من [لم] يكن موضعًا للحكم لم يتعلّق باختياره حكمٌ، فإن لم يختاروا ردّهم إلى حصنهم؛ لأنّهم حصلوا في أيديهم بأمانٍ، فإذا لم يتمّ الحكم رُدّوا إلى ما كانوا عليه. (قال: ولا يردّهم إلى حصنٍ أحصن من ذلك، أو لا إلى جُنّة يمتنعون منه (١)؛ لأنّ الرد يجب أن يكون إلى ما كانوا عليه) (٢)، حتى لا يخفر أمانهم، وفي ردّهم إلى حصن أحصن من ذلك إضرارٌ بالمسلمين (٣).

стр. 5266

بَاب الأنفال قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا، أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهم: الأنفال (١) قبل إحراز الغنيمة، فإذا أُحرزَت الغنيمة وحصلت (٢) في أيدي الغانمين فلا نَفَل. قال محمدٌ في السِّيَر: وهذا إجماع أهل العراق، وأهل الحجاز، وقال غيرهم: يجوز النفل بغير إحراز الغنيمة، وإنّما يعني بهذا أهل الشام (٣). والأصل في جواز النفل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، والتحريض قد يكون بالنفل. وروي أن النبي ﵊ نفل يوم بدر، وقال: "من قتل قتيلًا فله سلبه (٤)، ومن أخذ أسيرًا فهو له" (٥)؛ ولأنّ في ذلك مصلحةً للمسلمين؛ لأنّ الشجعان يرغبون

стр. 5267

في النفل، فيخاطرون بأنفسهم، ويقدموا على القتال؛ فلذلك جاز. ولهذا قلنا: إنه يجوز قبل الإحراز، ولا يجوز بعد الإحراز؛ لأنها ما لم تحرز ففي النفل حثٌّ على القتال، فإذا أحرزت زال هذا المعنى، فلم يجز النفل، ولأنّ الغانمين ما لم يحرزوا الغنيمة لم يستقر حقّهم فيها، فجاز للإمام أن ينفل منها، فإذا أحرزوها (تعلّق حقّ جماعتهم بها، فلم يجز أن يسقط حقّ بعضهم عنها. قال محمدٌ: والذي روي أنّ النبي ﷺ ) (١) نَفَل بعد إحراز الغنيمة، فإنّما (كان ذلك من الخُمُس أو من الصَّفيّ أو ما أفاء الله به عليه، فغلط قوم، فظنّوا أنّ النفل يجوز بعد إحراز الغنيمة من جملتها. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ ، إلا من الخمس (٢). وهذا صحيحٌ؛ لأنّ بعد إحراز الغنيمة لا يجوز تصرّف الإمام إلا في الخمس، فيجوز أن ينفل المحتاج منه؛ لأنّه حقٌّ للمتحاجين، فأما النبي ﷺ فكان له بعد إحراز الغنيمة الصَّفِيّ (٣)، وكان ينفل منه.

стр. 5268

وقد روي عن الزُّهريّ قال: كانت بنو النضير خاص النبي ﵊، فقسم ما بين المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا منها إلا سهل بن حنيف وسماك بن حرب أبو دجانة، فإنّهما كانا محتاجين فأعطاهما (١)، وروي أنّ النبي أعطى يومئذٍ سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، نفله إياه (٢). وذكر هشام بن عروة عن أبيه: "أنّ النبي ﷺ أقطع الزبير عامرًا أو مَوَاتًا من أموال بني النضير" (٣). وقال الزهريّ: "أقطع النبي ﵇ أبا بكر وعمر وعبد الرحمن أموال بني النضير عامرةً (٤)، وقد كانت بنو النضير للنبي ﷺ خاصة فيئًا ينفل منها، وليس ذلك لغيره؛ لأنّه حقٌّ له. وقد قال أصحابنا: إنّ النفل يجوز في سائر الأموال، وقال مكحولٌ وأهل الشام: لا يجوز النفل في ذهبٍ ولا فضّةٍ. وهذا غلطٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ولم يفصّل. وروي: "أنّ البراء بن مالك بارز مرزبان، فقتله وأخذ سلبه، وكانت عليه

стр. 5269

منطقة ذهب فيها جوهر، فقوِّم سلبه فبلغ ثلاثين ألفًا، فقال عمر بن الخطاب: إنّا كنّا لا نخمّس الأسلاب، وإن هذا بلغ مالًا عظيمًا، وإنّا آخذوا خمسه" (١)، فدلّ على أنّ النفل يجوز في الذهب والفضة. وروي: "أنّ النبي ﵊ نفل ابن مسعود يوم بدر سيف أبي جهل، وكان عليه فضة" (٢)؛ ولأنّ الذهب والفضّة من جملة الغنيمة، فجاز النفل، كما يجوز في سائرها. قال أبو الحسن: والنفل: أن يقول الإمام أو أمير الجيش: من قتل قتيلًا فله سَلَبه، أو: من أصاب شيئًا أو غلب عليه فهو له، أو يبعث بالسريّة فيقول لهم: ما أصبتم فلكم منه الربع، أو الخمس، أو الثلث، أو النصف، ويكون ذلك جائزًا، أو ما أصابت من شيءٍ فلها ما سمّي لها، ولا خمس عليهم فيما سمّي لهم، وما بقي ممّا لم يسمّ لهم فيه الخمس، وأربعة أخماسه لسائر أهل العسكر، ويشترك المنفلون فيه أيضًا، وهذا على ما قدّمنا أنّ النفل يجوز للتحريض، فإذا فعل قبل الإحراز وقع موقعه، فجاز. فقد ذكر أقسام النفل، فمنها: استحقاق القاتل السَّلَب، ومنها: انفراد السريّة بجزءٍ مما يُصيبونه من جملة الخمس. ومعنى قوله: لكم الربع بعد الخمس، أي: أنتم منفردون بالربع من جملة العسكر، يؤخذ منهم خمس ذلك. وإذا قال: لهم الربع، ولم يقل بعد الخمس، لم يخمّس الربع، وصار النفل

стр. 5270

لهم بخمسه. وعلى هذا قال أصحابنا في المسلمين إن قال الإمام: من قتل قتيلًا فله سَلَبه، [لم يخمّس الأسلاب، وإن قال: من قتل قتيلًا فله سلبه] بعد الخمس، خمّس الأسلاب. فأمّا قوله: إذا قال: لكم نصف ما أصبتموه أو جميعه، جاز. وقد قال أصحابنا: إنّ الإمام لا ينبغي له أن ينفل جميع المأخوذ؛ لأنّ الغنيمة حقٌّ لقويّ العسكر وضعيفهم، فإذا نفل الجميع قطع حقّ الضعفاء منها (وأبطل السُّهمان التي جعلها الله في الغنيمة) (١)، فلا ينبغي أن يفعل ذلك، وهذا على طريق الأَوْلى، فإن جعله مع السريّة، جاز وإن كان غيره أولى منه. قال أبو حنيفة: وإن لم يقل الإمام شيئًا من ذلك، فقتل رجلٌ قتيلًا، أو أصاب شيئًا، فهو غنيمةٌ لجماعة الجيش، وقال الشافعي: السَّلَب للقاتل إذا قتل كافرًا مقبلًا غير مدبرٍ (٢). والدليل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فأضاف الأربعة الأخماس إلى الغانمين، والسَّلَب من جملتها؛ ولأنّه مالٌ للمقتول، فلا يستحقّه القاتل بغير إذن الإمام، كغير السَّلَب. فأمّا ما روي أنّ النبي ﵊ قال: من قتل قتيلًا فله سلبه" (٣)، فإنّما ذلك

стр. 5271

على وجه التحريض والحثّ على القتال، ألا ترى أنّ مخالفنا يضمن (١) فيه إذا قتله مقبلًا، وذلك غير الظاهر، ونحن نحمله على حالٍ دون حالٍ، وذلك غير الظاهر. قال مالكٌ: إنّ النبيّ ﵊ لم يقل: " [من قتل] قتيلًا فله سلبه" إلا يوم حنين، وقد ذكر محمدٌ أنّ النبي ﷺ قال ذلك يوم بدر. فأمّا اشتراط الشافعي أن يقتل مقبلًا. فليس بصحيحٍ؛ لأنّ قول الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه، عامٌّ في الوجهين؛ ولأنّ الغرض بدفع السلب التحريض على القتال، والمقصود قتل المشرك (٢) المقبل والمدبر. وقد قال أصحابنا: إنّ السَّلَب إذا شُرط فهو دابّة المقتول وسَرْجها وما عليها من الآلة، وثياب المقتول وسِلاحه وما معه على الدابّة من مالٍ في خفيه أو على وسطه، فأمّا غير ذلك من ماله فليس بسَلَبٍ، وما كان مع غلامه على دابّةٍ أخرى فليس بسَلَبٍ. وقالوا في المشتركين في القتل: إنّهما يشتركان في السَّلَب، فإن بدأ أحدهما فضرب، ثم أجهز الآخر، فهو على وجهين: إن كان الضرب الأوّل جعل المضروب بحيث لا يمكنه أن يقاتل ولا يعين بقولٍ، فالسَّلَب للأوّل؛ لأنّه في حكم المقتول له، وإن كان الضرب الأول لم يصيّره إلى هذه الحالة، فالسَّلَب للثاني. وقد روي: "أنّ محمد بن مسلمة ضرب مَرْحبًا اليهودي، فقطع رجليه، وضرب عليٌّ عنقه، فقال محمد بن مسلمة: والله يا رسول الله لو أردت قتله قتلته،

стр. 5272

ولكنّي أردت أن أعذّبه كما عذّب أخي [ابن مسلمة] (١)، فأعطى النبيّ ﵊ [سلبه] محمد بن مسلمة" (٢)، قال محمدٌ: وهو عندنا محمولٌ على أنّ الضرب الأوّل جعله بحيث لا يقاتل ولا يعين على القتال. قال محمدٌ: وقد روي أنّ النبي ﵇ أعطى سلب أبي جهل بن هشام عبد الله بن مسعودٍ (٣)، وقد كان غيره ضربه ثم أجهز عليه ابن مسعود، وقد روي أنّ النبي ﷺ أعطى سلبه للضارب (٤)، ولكلّ واحدٍ من هذه الروايتين إن صحّت وجهٌ. إن كان أعطاه للضارب، فيجوز أن يكون الضرب أخرجه من حيّز المقاتلين، (وجعله كالميت) (٥)، وإن كان أعطى سلبه ابن مسعود؛ فلأنّ الضرب الأوّل لم يخرجه من حيّز المقاتلين. وأمّا قوله في النفل إذا شرط للسرية الربع (٦): إنّ لها ذلك، وما بقي بينهم وبين الغانمين؛ فلأنّ المأخوذ غنيمةٌ، ومن حكم [الغنيمة] (٧) أن يشترك فيها السريّة والعسكر، فإذا خصّ الإمام السرية بالنفل، استُثنِي ذلك، وبقي الباقي على حكم الأصل يشترك فيه الجميع.

стр. 5273

قال: ولو خرجت سريّةٌ بغير إذن الإمام، أو خرجوا في طلب العلف بإذنه أو بغير إذنه، غير أنّ الإمام لم ينفلهم شيئًا ممّا أصابوا، فهو أسوةٌ (١) بين الناس، يخمّسه الإمام ويقسم أربعة الأخماس بين الجند على ما يقسم عليه الغنيمة؛ وذلك لأنّ المأخوذ بظهر العسكر يشترك فيه الآخذ والعسكر، كما يأخذه من يسرع إلى دار الحرب. قال: وإذا بعث الإمام سريّةً إلى دار الحرب، فقال: ما أصبتم من شيءٍ فلكم الربع بعد الخمس، أو قبل الخمس، فجاؤوا بغنيمةٍ فيها رجالٌ ونساءٌ وصبيانٌ وغير ذلك من الأموال، فقد ثبت حقّ السريّة فيما نفلوا من ذلك قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام، ولم يملكوا شيئًا منه - وسبيل ما ثبت لهم بالنفل (سبيل الغانمين فيما يثبت لهم) (٢) - إذا خرجوا بالغنيمة إلى دار الإسلام. وللإمام أن يفعل فيما أصاب السريّة ما له أن يفعل في الغنيمة (٣) إذا خرجت إلى دار الإسلام، فيكون له أن يقتل الرجال ويسبي النساء والصبيان، وله أن يبيع الغنيمة كلّها ويعطي السريّة حقّها (٤) الذي صار لها بالنفل من الثمن، وليس يمنع حقّ المنفلين من شيءٍ من ذلك، كما لا يمنع حقّ الغانمين [من شيءٍ من ذلك عند خروج الغنيمة إلى دار الإسلام. وجملة هذا: أنّ حقّ الغانمين] يثبت في الغنيمة بالأخذ، ويستقّر بالحيازة إلى دار الإسلام، ويملك بالقسمة.

стр. 5274

وإنّما لم يستقرّ قبل الحيازة؛ لأنّ المَدَدَ لو لَحِقَهم شاركهم، وهذا يمنع من استقرار حقّهم، فإذا أخرجوا إلى دار الإسلام انقطع حقّ المَدَد، واستقرّ حقّهم، ولم يملكوا؛ وذلك لأنّ الإمام له تدبيرٌ في الغنيمة، يجوز أن يقتل المقاتلة، ويجوز أن يقرّهم على الكفر بالجزية، وأن يسترقّهم بحسب ما يرى من المصلحة [فيه]، وجواز التصرف يمنع من ملكهم. ولهذا قال أصحابنا: إنّ من مات قبل الحيازة لم ينقل حقّه من الغنيمة إلى ورثته؛ لأنّه حقٌّ لم يستقرّ فلم يورث، فإذا خرجوا إلى دارنا استقرّ الحقّ وإن لم يملك، فمن مات منهم انتقل حقّه إلى ورثته. فإذا حصلت القسمة زال تدبير الإمام، ولم يجز له التصرّف في شيءٍ من المقسوم، فملك كلّ واحدٍ منهم ما صار له (١). فأمّا النفل، فحكمه في دار الحرب حكم الغنيمة في دار الإسلام، وقد استقرّ حقّ المنفلين فيه؛ بدلالة أنّ المَدَدَ لو لحق لم يشتركوا في النفل، فصار حكم النفل في دار الحرب حكم الغنيمة في دار الإسلام، فمن مات من المنفلين في دار الحرب انتقل حقّه إلى ورثته، وليس يمنع أن لا يملك الغنيمة ويورث؛ لأنّ الحقوق الثابتة تنتقل إلى الورثة وإن لم يكن ملكًا، كالجناية المتعلّقة برقبة العبد الجاني، ينتقل إلى ورثة المجنيّ عليه وإن لم يملك رقبة العبد. وإذا ثبت هذا، قلنا: إنّ انفراد المنفلين بمقدار النفل من الغنيمة كاستحقاق العسكر للغنيمة بعد الحيازة، فإذا جاز (٢) للإمام في أحد الموضعين أن يقتل

стр. 5275

الأسرى، وجاز أن يسترقّهم، وجاز أن يقرّهم على كفرهم بالجزية، فكذلك له أن يفعل في النفل، وكما يجوز أن يبيع الغنيمة [في دار الإسلام ويقسم ثمنها وإن استقرّ حقّ الغانمين فيها، فكذلك له أن يبيع النفل] ويقسم الثمن بين المنفلين. قال: ومن أعتق من السريّة عبدًا ممّا جاء به، لم يعتق بعتقه، وكذلك إذا كان له فيمن جاؤوا به ذو رَحِمٍ مَحْرمٍ، لم يعتق، وكذلك من أعتق من الغانمين بعد خروج الغنيمة إلى دار الإسلام، لم يعتق، وكذلك إن كان له ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ فيهم، لم يعتق عليه. وذلك لما بيّنا أنّ الحقّ مستقرٌّ في النفل في دار الحرب، وفي الغنيمة بعد الإحراز، إلا أنّها لا تملك، والعتق يقع في الملك، فأمّا في الحقوق [فلا يقع] (١) بدلالة أنّ حقّ المجنيّ عليه ثابتٌ في رقبة العبد الجاني، ولو أعتقه لم ينفذ عتقه؛ ولأنّ الإمام لمّا ملك أن يسقط حقّهم عن هذه الرقاب بالقتل أو بالإقرار على الجزية، على أنّهم لم يملكوها، فلا ينفذ عتقهم ولا يعتق عليهم ذوو أرحامهم. ولهذا قال أصحابنا: إنّ من وطئ منهم جاريةٌ وادّعى ولدها لم يثبت نسبه؛ لأنّه لم يملكها، ولا له حقٌّ خاصٌّ فيها، فيسقط الحدّ عنه بالشبهة، ولم يثبت النسب. قال: ولو أنّ العدو استنقذ من أيدي السريّة ما أخذوا، وعادوا به إلى مأمنهم، ثم ظهر المسلمون عليه، فأهل السرية أحقّ بما كانوا يستحقّونه بالنفل، يردّ عليهم، والباقي فَيْءٌ لجماعة الناس (٢).

стр. 5276

وكذلك العدو لو استنقذ الغنيمة بعد خروجها إلى دار الإسلام، ثم استنقذها قومٌ آخرون من المسلمين، كان الغانمون الأولون أحقّ بها من الغانمين. قال: وجملة هذا: أنّ المسلمين إذا أخذوا غنيمةً فلم يحرزوها (حتى غلبهم العدو عليها، ثم جاء عسكرٌ آخر فأخذها من العدو، فهي للآخرين؛ لأنّ الأولين لم يملكوها) (١) ولا استقَرّ حقّهم فيها، فإذا عادت إلى أيدي العدو ثم أخذها غيرهم كان أولى بها، ألا ترى أنّ الردّ إنّما (٢) يجب على المالك الأوّل، أو على من ثبت له حقٌّ، فإذا لم يكن حقٌّ ولا ملكٌ، لم يجب الردّ. فأمّا إذا أحرزت الغنائم فقد بيّنا أنّ حقّ الغانمين استقرّ فيها، فإذا غلبهم العدو عليها ثم استنقذها طائفةٌ من المسلمين وجب عليهم ردّها إلى الأولين، كما لو غلب العدو على عبدٍ مرهونٍ، ثم غلب المسلمون عليه، وجب ردّه إلى يد المرتهن. وأمّا النفل إذا أُخِذ من المسلمين (٣) في دار الحرب ثم غلب المسلمون عليه، فالواجب ردّه إلى السريّة؛ لما بيّنا أنّ حقهم مستقرٌّ فيه، فصاروا أولى به [من الغانمين] (٤) بعد الإحراز، وهذا كلّه إذا وجد قبل القسمة. فأمّا إذا وجد بعد القسمة فقد اختلفت الرواية (٥) فيه: فقال في السير الكبير: الطائفة الأولى أولى به؛ وذلك لأنّ لهم حقًّا ثابتًا، والطائفة الثانية ملكت

стр. 5277

بالقسمة، والملك يفسخ بالحقّ الثابت السابق، كما يستحقّ ملك المشتري بحقّ الشفيع؛ ولأنّ الطائفة الثانية لها تملّك، والطائفة الأولى لها يدٌ وتصرّف، واليد السابقة أحقّ بالملك، فكانت أولى. وقال في الزيادات: إن وجدوا ذلك قبل القسمة كانوا أولى به، وإن وجدوه بعد القسمة، فلا حقّ لهم. ووجه ذلك: أن الأوّلين كان لهم حقٌّ عام، والآخرين ملكٌ خاصٌ، فلم يجز أن يفسخ أقوى الأمرين بأضعفهما، وليس كذلك إذا وجد قبل القسمة؛ لأنّ الأوّلين كان لهم حقٌّ عامٌّ فتساوى الأمران، فكان الأوّل أقوى. وقال في الأصل: لو كان الإمام نفل أصحابه، فقال: من أصاب شيئًا فهو له، فأصاب رجلٌ من المسلمين جاريةً، فاستبرأها بحيضةٍ، وهي في دار الحرب، لم يكن له أن يطأها في قول أبي حنيفة حتى يخرجها إلى دار الإسلام، وكذلك لا يبيعها. وقال محمدٌ: له أن يطأها ويبيعها إذا أحبّ. وجه قول أبي حنيفة: أنّها مملوكةٌ على وجه الغنيمة، فلم يجز وطؤها في دار الحرب، كجواري الغنيمة؛ ولأنّ دار الحرب يدٌ لهم، فوجود الاستبراء في حكم يدهم، كوجوده في المبيعة في يد البائع، فلا يعتدّ به. وجه قول محمدٍ: ما قدّمنا أنّ النفل يختصّ به من هو له؛ بدلالة أنّ غيره لا يشركه فيه، فحلّ له الوطء، كما يحلّ في [الموهوبة] (١).

стр. 5278

وقوله: يحلّ وطؤها، يعني: بعد الاستبراء، وليس هذا عنده كالسارق إذا دخل دار الحرب فأخذ جاريةً، لم يحلّ له وطؤها حتى يخرجها إلى دار الإسلام؛ لأنّ حقّه غير مستقرٍّ فيها، ألا ترى أنّ غيره لو لحقه شاركه فيها، وذكر بعد هذا صفة السَّلَب، وقد قدّمناه (١).

стр. 5279

بَاب ما جاءَ في التغليظِ في الغنيمةِ ذكر عن عبد الله بن شقيقٍ (١) عن رجلٍ من بلقين قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسًا، فقلت: يا رسول الله، بم أمرت؟ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأني رسول الله (٢)، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله"، قلت: يا رسول الله، فمن هؤلاء الذين تقاتل؟ قال: "هؤلاء اليهود المغضوب عليهم، وهؤلاء النصارى الضالون"، قال: قلت: فما تقول في الغنيمة؟ قال: "لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش"، قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: "لا، ولا السهم يستخرجه من جنبك، لست أنت أحقّ به من أخيك المسلم" (٣). وهذا الخبر يشتمل على فوائد: أولها: وجوب الجهاد، والثاني: أنّ إظهار الشهادتين يجب عندهما الكفّ عن القتل، وقوله: "إلا بحقّها" حتى لا يظن أن الدم إذا حقن بالشهادتين لم يجز استباحته بمعنًى آخر. وقوله: "وحسابهم على الله"، معناه: أنّي متعبّدٌ بحكم الظاهر، والله المؤاخذ لهم على الباطن. وأمّا قوله: "أمرت بقتال اليهود والنصارى"، وهو ﵊ مأمورٌ بقتال جميع

стр. 5280

الكفار، وإنّما ذكر هؤلاء لينبّه على غيرهم، ألا ترى أنّه وصف اليهود بالغضب، والنصارى بالضلال، وهذا موجودٌ في [جميع] (١) الكفار. وأمّا قوله: "لله خُمُس الغنيمة"، فمعناه: أنّه يُصرَف في وجوه القُرَب المبتغى بها الله تعالى. وقوله: "وأربعة أخماسه للجيش"، يدل على أنّ ما سوى الخمس للغانمين. وأمّا قوله: "ما أحدٌ أولى به من أحدٍ، حتى السهم يخرجه من جنبك"، تغليظٌ في باب الغُلول [وأنّه لا يجوز أن ينفرد الواحد من الغانمين بشيءٍ من الغنيمة، وقد روي التغليظ في الغلول] في أخبارٍ كثيرةٍ، ذُكِر [عن] عمرو بن عنبسة قال: صلّى رسول الله ﷺ إلى جنب بعيرٍ من الغنيمة، فلمّا سلم أخذ وبرةً من جنب البعير ثم قال: "لا تحلّ لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردودٌ فيكم" (٢) وهذا يدل على أنّ النبي ﵊ له سهمٌ من الغنيمة، وهو خمس الخمس، وما سوى ذلك لا حقّ له فيه. وقوله: "هو مردودٌ فيكم"؛ لأنّ النبيّ ﵊ كان يصرفه في المصالح. وذكر عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوم حنين إلى جنب بعيرٍ في المقاسم، ثم تناول سنام البعير فأخذ قُرداةً منه، فجعلها بين أصبعيه ثم قال: "يا أيها الناس، إنّ هذه من غنائمكم، فأدّوا الخيط والمخيط، وما دون ذلك وما فوق ذلك، فإن الغُّلول عارٌ على أهله يوم القيامة وشنارٌ ونارٌ" (٣)، وهذا تغليظٌ في الغلول، ومنعٌ من الانفراد بشيءٍ من المغنم دون الغانمين قلّ أو كثر.

стр. 5281

بَاب قسمةِ الغنائمِ قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وأمّا ذكر اسم الله تعالى؛ فهو على طريق التبرّك باسمه. وقال أبو العالية: يقسم الخمس على ستة أسهم: منها الله تعالى سهمٌ، يصرفُ إلى عمارة الكعبة. وهذا غلطٌ؛ والدليل عليه ما روي عن الحسين بن محمد قال: هذا مفتاح الكلام، ليس لله سهمٌ، لله الدنيا والآخرة. ويجوز أن يكون ذكر اسم الله تعالى ليبيّن أنّ الخمس مصروفٌ إلى وجوه القُرَب دون غيرها، كما يقال في مال الزكاة إنّه الله تعالى؛ ولأنّ الأئمة بعد النبيّ ﷺ لم يفردوا هذا السهم، ولو أفردوه لنقل من طريق الاستفاضة، فلمّا لم ينقل، دلّ على أنّه لا سهم لله تعالى. فأمّا النبي ﷺ ، فقد كان له سهمٌ، وهو خمس الخمس، وقال عمر بن عبد العزيز: لم يكن له سهمٌ، ومعنى قوله: وللرسول، أي أنّ التدبير في الخمس والتصرّف للنبيّ ﵊. وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ النبي ﷺ قال: "ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس"، وهذه الإضافة تدلّ على الاستحقاق، إلا أن يمنع منه مانعٌ. ثم اختلفوا في هذا السهم بعد النبي ﵊، فقال أصحابنا: سقط بموته، وقال الشافعي: لا يسقط، وهو للإمام بعده، ومنهم من قال: يجعله في الكراع والسلاح.

стр. 5282

والدليل على ما قلنا: قوله ﵊: "والخمس مردودٌ فيكم"، وهذا يدلّ على أنّه رجع إلى الجماعة، وذلك لا يكون إلا على قولنا، ولأنّه ﷺ كان يستحقّ من الغنيمة الصفي والخُمُس، فإذا سقط الصفي بموته، فكذلك الخمس؛ ولأن سهم النبي ﵊ لو كان باقيًا لأفرده الأئمة بعده، وصرفوه في استحقاقه، ولو فعلوا ذلك لنقل (من طريق الاستفاضة. فأمّا سهم) (١) ذوي القربى؛ فهو عندنا لفقرائهم، يُستَحَقّ بالفقر، وكان أبو بكر الرازي يقول: إنّهم استحقوه في زمن النبيّ ﷺ بالنصرة، وبعده بالفقر، وقال الشافعي: يستحقّونه بالاسم (٢). لنا: أنّ النبي ﷺ أعطى بني أعطى بني المطلب وحرم بني أميّة وهم إليه أقرب؛ لأنّ أميّة كان أخا هاشم لأبيه وأمّه، والمطلب أخوه لأبيه، فلو كان الاستحقاق بالقرابة، لكان بنو أمية أولى. وقد روي أنّ جبير بن مطعم وعثمان بن عفان مشيا إلى النبي ﵇، فقالا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا (٣) ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلةٍ [واحدةٍ]، فقال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ، وشبّك بين أصابعه" (٤)، فهذا يدلّ على أنّ الاستحقاق بغير القرابة، ولهذا الخبر قال أبو بكر الرازي: إنّهم كانوا يستحقّون

стр. 5283

في زمن النبيّ ﵇ بالنصرة. وقد روي أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ فكتب إليه: "هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا أن ننكح منه أَيِّمَنا ونحذو منه لعائلنا، ونقضي منه عن غارمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا، وأبى ذلك علينا، فتركناه" (١)، وهذا يدلّ على أنّهم لا يستحقّونه بالاسم، لأنّ عمر فعل هذا بحضرة الصحابة من غير خلافٍ. وروي أنّ أبا جعفر محمد بن علي سئل: أرأيت عليّ بن أبي طالبٍ حين ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في أمر ذوي القربى؟ قال: سلك بهم سبيل أبي بكر وعمر، قال: قلت: وأنتم تقولون ما يقولون؟ قال: والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره أن يُدّعى عليه خلاف أبي بكر وعمر (٢)، وهذا يدلّ على أن عليًا ﵇ سلك سبيلهم، فلو كان حقًّا للأغنياء والفقراء، لم يسقط حقّ المستحقّ وإن خالف ذلك رأيهما. ويدلّ على ذلك ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت عليًا يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة بنت رسول الله ﷺ [وزيد بن حارثة عند رسول الله ﷺ ]، فقال العباس: يا رسول الله، كبر سنّي ودقّ عظمي، وركبتني مؤنةٌ، فإن رأيت أن تأمر لي بكذا وكذا وسقًا من طعام فافعل، قال: "قد فعلت ذلك"، ثم قالت فاطمة: يا رسول الله، أنا منك بالمنزلة التي علمت، فإن رأيت أن تأمر لي كما أمرت لعمّك فافعل، قال: ففعل ذلك، ثم قال زيد بن حارثة: يا رسول الله،

стр. 5284

كنت أعطيتني أرضًا أعيش منها، ثم قبضتها منّي، فإن رأيت أن تردّها عليّ فافعل، قال: ففعل ذلك، فقلت، (يعني علي بن أبي طالب) (١): يا رسول الله، إن رأيت أن توليني حقنا من الخمس في كتاب الله تعالى فاقسمه حياتك حتى لا ينازعنيه أحدٌ بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك، قال: فقسمته حياة رسول الله ﷺ ، ثم وَلّانيه أبو بكر، فقسمته حياة أبي بكر، ثم وَلّانيه عمر، فقسمته حياة عمر، حتى كان آخر سنة من سِنيّ عمر، فأتاه مالٌ كثيرٌ، فعزل حقّنا ثم أرسله إليّ، فقال: هذا حقّكم، فخذه فاقسمه كما كنت تقسم، فقلت: يا أمير المؤمنين بنا عنه العام غنى، وبالمسلمين إليه حاجةٌ، فردّه عليهم تلك السنة، ثم لم يدعنا إليه أحدٌ بعد عمر حتى قمت مقامي هذا، فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر، فقال: يا عليّ، لقد حرمتنا شيئًا لا يردّ علينا إلى يوم القيامة، وكان رجلًا داهيًا (٢). وهذا يدلّ على استحقاقهم بالحاجة، ألا ترى أنهم لو استحقّوه بالاسم لم يجز لعليٍّ إسقاط حقّهم بغير رضاهم، ولم يفعل ذلك عمر ﵁. وروي عن مجاهد قال: كان آل محمدٍ ﷺ لا تحلّ لهم الصدقة، فجُعِل لهم سهم ذوي القربى. وعن عبد الله بن الحسن قال: لمّا مُنِعنَا الصدقة، جعل بدلها سهم ذوي القربى خمس الخمس (٣)، ومعلومٌ أنّ الصدقة حُرّمت على فقرائهم، فدلّ على أنّ

стр. 5285

خمس الخمس لمن حُرّم [عليه] الصدقة. ولأنّ الخمس محرّمٌ على أغنياء غير بني هاشم، فكان محرّمًا على أغنيائهم كالزكاة. فإذا ثبت أنّ الله تعالى لا يُسهَم له، وأنّ سهم النبي ﷺ سقط، وأنّ سهم ذوي القربى يستحقّونه بالفقر، وجب قسمة الخمس على ثلاثة أسهمٍ، لليتامى والمساكين وابن السبيل، ويدخل ذووا القربى فيهم (١).

стр. 5286

بَاب ما ذهبَ إليهِ أصحابنا في ذلك قال علي بن الجعد وبِشر بن الوليد في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، قال: هذا فيما بلغنا فيما يُصاب في عسكر أهل الشرك من الغنائم، فالخمس فيها على ما سمّى الله تعالى في كتابه، وأربعة أخماسٍ منها بين الجند الذين أصابوا ذلك، والخمس يقسم على خمسة أسهمٍ: خُمْسٌ الله والرسول واحدٌ، وخمس ذوي القربى، ولكلّ صنفٍ سمّى الله تعالى خُمْسٌ الخمس، وهذا بيانٌ لما كان يقسم عليه في زمن النبيّ ﵊. قال أبو يوسف: فأمّا الفيء، فهو الخراج عندنا، والله أعلم. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الفيء عبارةٌ عما وصل إلينا من أموال الكفار من غير قتالٍ. قال [محمدٌ] في الأصل: يقسم الإمام الخمس على ما سمّى الله تعالى في كتابه، وقد بلغنا عن أبي بكرٍ وعمر وعليٍّ ﵃ أنّهم كانوا يقسمون الخمس على ثلاثة أسهم: اليتامى والمساكين، وابن السبيل (١). وقال الحسن عن أبي حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم. وقال ابن شجاع في المجرّد عن أبي حنيفة كان أبو حنيفة ﵀ يقسم الخمس [على] ثلاثة أسهم اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، ثم قال عقيب

стр. 5287

هذا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إنّما هو مفتاح الكلام، وقوله: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فقد رُفِع سهم رسول الله ﷺ حين قُبِض، وسهم قرابته الذين كانوا معه يومئذٍ، فقد رفع حين ماتوا، ويقسم الأربعة أخماس بين العسكر. قال أبو الحسن: [قوله]: إنّ سهم ذوي القربى سقط بموتهم، لا أعلمه من تفسير ابن شجاعٍ، أو رواية عن أبي حنيفة، وقد أجمع أصحابنا على أنّ سهم ذوي القربى يستحقّونه بالفقر. وقال أبو حنيفة: الخمس يقسم على ثلاثة أسهمٍ، فاستغنى بذكر المساكين عن ذكرهم. وأمّا قوله: إنّ الأربعة الأخماس للغانمين؛ فلأنّ الله تعالى أضاف جملة الغنيمة إليهم بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، ثم استثنى من ذلك الخمس، فبقي [من ذلك] الباقي على الإضافة (١).

стр. 5288

بَاب ما للإمامِ أن يعملهُ في الغنيمةِ من قسمةٍ أو غيِر ذلك قال ابن سَماعة عن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الغنيمة يغنمها المسلمون في دار الحرب من المشركين، كيف تُقسَم؟ وهل تُقسَم في دار الحرب أو بعدما يخرجونها (١) إلى دار الإسلام؟ فقال: إذا أصاب المسلمون غنيمةً فلا ينبغي أن تقسم في دار الحرب؛ لأنّ المسلمين لم يحرزوها. وقال أبو يوسف: إن قسم في دار الحرب، جاز، وأحبّ إليّ أن يخرج إلى دار الإسلام فيقسم. وقال الشافعي: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب (٢). لنا: أنّ النبيّ ﵊ قسم غنائم بدر بالمدينة، ولو جاز قسمتها قبل ذلك لم يؤخّرها إلا برضا الغانمين؛ لأنّ الحقّ لا يجوز تأخيره عن مستحقّه مع حاجته إليه إلا بإذنه؛ ولأنّ دار الحرب في حكم يدهم، والمملوك إذا كان في حكم يد من ملك عليه لا يقسم، كالمبيع في يد البائع، والمبيع المقبوض بغير إذن البائع؛ ولأنّ الملك غير مستقرٍّ فيها، بدلالة جواز إسقاط [الإمام] الحقّ عمّا شاء منها. وبدليل أنّه يجوز الانتفاع بالعلف والطعام، والقسمة لا تجوز إلا في ملكٍ مستقرٍّ؛ ولأنّ القسمة في دار الحرب تضرّ بالمسلمين؛ لأنّ المدد ينقطع طمعهم

стр. 5289

عن المشاركة، فلا يلحقوهم، فلا يُؤمَن عليهم كرّة الكفّار. وفيه ضررٌ من وجهٍ آخر: وهو أن يجدوا في دار الحرب ما لا ينقسم على جماعتهم، كالفرس الواحد، والرمح والسيف، فما لم تقسم الغنيمة ضمّ إليها، وإن قسمت وضع في بيت المال، فلا يقسم، وإذا كان في ذلك ضررٌ من هذين الوجهين، لم يجز للإمام القسمة. والذي روي عن النّبي ﷺ أنّه قسم غنائم حنين (١) فيها، وقسم غنائم بني المصطلق فيها، فإن تلك البقعة فُتِحَت، وصارت في دار الإسلام، فالقسمة فيها وفي المدينة سواءٌ. وأمّا قوله: إنّ الإمام إذا قسم، جاز؛ فلأنّ هذا موضعٌ يسوغ فيه الاجتهاد، فإذا حكم فيه الإمام بأحد وجهي الاجتهاد، نفذ حكمه كسائر مسائل الاجتهاد. قال: فإن لم يجد الإمام لها حمولةً، قسمها في دار الحرب، وقد قال أصحابنا: إنّ الإمام يفرّقها على الغانمين ليحملوها، ثم يرتجعها في دار الإسلام، فيقسمها، فتكون هذه القسمة قسمة حمل، وليست بقسمة تمليكٍ. فإن قال أبو يوسف بهذا، فهو قولهم، وإن أراد قسمة التمليك، فكأنّه يقول: الأولى أن يقسم في دار الإسلام، فإذا تعذّر الحمل جاز ترك الأولى للعذر. قال: وإذا ظهر الإمام (٢) على بلاد أهل الشرك، فهو بالخيار، يفعل الذي يرى أنّه أفضل وخيرٌ للمسلمين، إن رأى أن يخمّس الأرض والمتاع ويقسم أربعة أخماسه بين الجند الذين فتحوها، فعل، وقسم الخمس على ثلاثة أسهمٍ، وإن

стр. 5290

رأى أن يترك الأرض ويترك أهلها فيها ويجعلهم ذمّةً، ويضع عليهم وعلى أرضهم الخراج، فعل كما صنع عمر بن الخطاب في السواد (١). قال أبو الحسن: وهذا إجماعٌ من أصحابنا في الأرض. والأصل في جواز قسمتها أنّ النبيّ ﷺ قسم خيبر بين الغانمين (٢)؛ ولأنّ الأرض مالٌ مغنومٌ، فيجوز قسمتها كسائر الأموال، وكذلك الرقاب؛ لأنّ حقّ الرقّ تعلّق بهم، فصاروا في معنى الأموال، فجاز قسمتهم. وأمّا جواز الترك وإقرارهم على أرضهم بالجزية والخراج؛ فلأنّ النبي ﵊ فتح مكّة فترك ما فيها من سراتها وأموالها، وعملُ مكّة تَجَاوَزَ الحرم، وفيه أموالٌ كثيرةٌ من النخل والشجر والمياه، وافتتح النبيّ ﵊ بني قريظة والنضير فلم يقسم شيئًا منها، وافتتح المسلمون أرض العراق والشام ومصر فلم يقسمها أصحاب رسول الله ﷺ ، ووضعوا عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية. فإن رأى الإمام أنّ ذلك أصلح، جاز أن يفعله اقتداءً بالأئمة الراشدين؛ ولأنّ أهل الأرض قد يكونون أعلم بعمارتها، فإذا قسمت بين المسلمين خربت ولم ينتفع بها، وإذا أقرّ أهلها انتفع بخراجها، فكان ذلك أولى. قال محمدٌ في السير: فإن أسلم أهلها قبل القسمة، فإن رأى الإمام قسمتهم فهم عبيدٌ؛ لأنّهم أسلموا بعد القهر، وإن رأى أن يتركهم في أرضهم يؤدّون الخراج، فهم أحرارٌ؛ وذلك لأنّ الإمام يثبت له فيهم ثلاث خيارات: إن شاء
следующие страницы →