بَاب ما ذهبَ إليهِ أصحابنا في ذلك
قال علي بن الجعد وبِشر بن الوليد في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، قال: هذا فيما بلغنا فيما يُصاب في عسكر أهل الشرك من الغنائم، فالخمس فيها على ما سمّى الله تعالى في كتابه، وأربعة أخماسٍ منها بين الجند الذين أصابوا ذلك، والخمس يقسم على خمسة أسهمٍ: خُمْسٌ الله والرسول واحدٌ، وخمس ذوي القربى، ولكلّ صنفٍ سمّى الله تعالى خُمْسٌ الخمس، وهذا بيانٌ لما كان يقسم عليه في زمن النبيّ ﵊.
قال أبو يوسف: فأمّا الفيء، فهو الخراج عندنا، والله أعلم.
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الفيء عبارةٌ عما وصل إلينا من أموال الكفار من غير قتالٍ.
قال [محمدٌ] في الأصل: يقسم الإمام الخمس على ما سمّى الله تعالى في كتابه، وقد بلغنا عن أبي بكرٍ وعمر وعليٍّ ﵃ أنّهم كانوا يقسمون الخمس على ثلاثة أسهم: اليتامى والمساكين، وابن السبيل (١).
وقال الحسن عن أبي حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم.
وقال ابن شجاع في المجرّد عن أبي حنيفة كان أبو حنيفة ﵀ يقسم الخمس [على] ثلاثة أسهم اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، ثم قال عقيب
стр. 5287
هذا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إنّما هو مفتاح الكلام، وقوله: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فقد رُفِع سهم رسول الله ﷺ حين قُبِض، وسهم قرابته الذين كانوا معه يومئذٍ، فقد رفع حين ماتوا، ويقسم الأربعة أخماس بين العسكر.
قال أبو الحسن: [قوله]: إنّ سهم ذوي القربى سقط بموتهم، لا أعلمه من تفسير ابن شجاعٍ، أو رواية عن أبي حنيفة، وقد أجمع أصحابنا على أنّ سهم ذوي القربى يستحقّونه بالفقر.
وقال أبو حنيفة: الخمس يقسم على ثلاثة أسهمٍ، فاستغنى بذكر المساكين عن ذكرهم.
وأمّا قوله: إنّ الأربعة الأخماس للغانمين؛ فلأنّ الله تعالى أضاف جملة الغنيمة إليهم بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، ثم استثنى من ذلك الخمس، فبقي [من ذلك] الباقي على الإضافة (١).
стр. 5288
بَاب ما للإمامِ أن يعملهُ في الغنيمةِ من قسمةٍ أو غيِر ذلك
قال ابن سَماعة عن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الغنيمة يغنمها المسلمون في دار الحرب من المشركين، كيف تُقسَم؟ وهل تُقسَم في دار الحرب أو بعدما يخرجونها (١) إلى دار الإسلام؟ فقال: إذا أصاب المسلمون غنيمةً فلا ينبغي أن تقسم في دار الحرب؛ لأنّ المسلمين لم يحرزوها.
وقال أبو يوسف: إن قسم في دار الحرب، جاز، وأحبّ إليّ أن يخرج إلى دار الإسلام فيقسم.
وقال الشافعي: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب (٢).
لنا: أنّ النبيّ ﵊ قسم غنائم بدر بالمدينة، ولو جاز قسمتها قبل ذلك لم يؤخّرها إلا برضا الغانمين؛ لأنّ الحقّ لا يجوز تأخيره عن مستحقّه مع حاجته إليه إلا بإذنه؛ ولأنّ دار الحرب في حكم يدهم، والمملوك إذا كان في حكم يد من ملك عليه لا يقسم، كالمبيع في يد البائع، والمبيع المقبوض بغير إذن البائع؛ ولأنّ الملك غير مستقرٍّ فيها، بدلالة جواز إسقاط [الإمام] الحقّ عمّا شاء منها.
وبدليل أنّه يجوز الانتفاع بالعلف والطعام، والقسمة لا تجوز إلا في ملكٍ مستقرٍّ؛ ولأنّ القسمة في دار الحرب تضرّ بالمسلمين؛ لأنّ المدد ينقطع طمعهم
стр. 5289
عن المشاركة، فلا يلحقوهم، فلا يُؤمَن عليهم كرّة الكفّار.
وفيه ضررٌ من وجهٍ آخر: وهو أن يجدوا في دار الحرب ما لا ينقسم على جماعتهم، كالفرس الواحد، والرمح والسيف، فما لم تقسم الغنيمة ضمّ إليها، وإن قسمت وضع في بيت المال، فلا يقسم، وإذا كان في ذلك ضررٌ من هذين الوجهين، لم يجز للإمام القسمة.
والذي روي عن النّبي ﷺ أنّه قسم غنائم حنين (١) فيها، وقسم غنائم بني المصطلق فيها، فإن تلك البقعة فُتِحَت، وصارت في دار الإسلام، فالقسمة فيها وفي المدينة سواءٌ.
وأمّا قوله: إنّ الإمام إذا قسم، جاز؛ فلأنّ هذا موضعٌ يسوغ فيه الاجتهاد، فإذا حكم فيه الإمام بأحد وجهي الاجتهاد، نفذ حكمه كسائر مسائل الاجتهاد.
قال: فإن لم يجد الإمام لها حمولةً، قسمها في دار الحرب، وقد قال أصحابنا: إنّ الإمام يفرّقها على الغانمين ليحملوها، ثم يرتجعها في دار الإسلام، فيقسمها، فتكون هذه القسمة قسمة حمل، وليست بقسمة تمليكٍ.
فإن قال أبو يوسف بهذا، فهو قولهم، وإن أراد قسمة التمليك، فكأنّه يقول: الأولى أن يقسم في دار الإسلام، فإذا تعذّر الحمل جاز ترك الأولى للعذر.
قال: وإذا ظهر الإمام (٢) على بلاد أهل الشرك، فهو بالخيار، يفعل الذي يرى أنّه أفضل وخيرٌ للمسلمين، إن رأى أن يخمّس الأرض والمتاع ويقسم أربعة أخماسه بين الجند الذين فتحوها، فعل، وقسم الخمس على ثلاثة أسهمٍ، وإن
стр. 5290
رأى أن يترك الأرض ويترك أهلها فيها ويجعلهم ذمّةً، ويضع عليهم وعلى أرضهم الخراج، فعل كما صنع عمر بن الخطاب في السواد (١).
قال أبو الحسن: وهذا إجماعٌ من أصحابنا في الأرض.
والأصل في جواز قسمتها أنّ النبيّ ﷺ قسم خيبر بين الغانمين (٢)؛ ولأنّ الأرض مالٌ مغنومٌ، فيجوز قسمتها كسائر الأموال، وكذلك الرقاب؛ لأنّ حقّ الرقّ تعلّق بهم، فصاروا في معنى الأموال، فجاز قسمتهم.
وأمّا جواز الترك وإقرارهم على أرضهم بالجزية والخراج؛ فلأنّ النبي ﵊ فتح مكّة فترك ما فيها من سراتها وأموالها، وعملُ مكّة تَجَاوَزَ الحرم، وفيه أموالٌ كثيرةٌ من النخل والشجر والمياه، وافتتح النبيّ ﵊ بني قريظة والنضير فلم يقسم شيئًا منها، وافتتح المسلمون أرض العراق والشام ومصر فلم يقسمها أصحاب رسول الله ﷺ ، ووضعوا عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية.
فإن رأى الإمام أنّ ذلك أصلح، جاز أن يفعله اقتداءً بالأئمة الراشدين؛ ولأنّ أهل الأرض قد يكونون أعلم بعمارتها، فإذا قسمت بين المسلمين خربت ولم ينتفع بها، وإذا أقرّ أهلها انتفع بخراجها، فكان ذلك أولى.
قال محمدٌ في السير: فإن أسلم أهلها قبل القسمة، فإن رأى الإمام قسمتهم فهم عبيدٌ؛ لأنّهم أسلموا بعد القهر، وإن رأى أن يتركهم في أرضهم يؤدّون الخراج، فهم أحرارٌ؛ وذلك لأنّ الإمام يثبت له فيهم ثلاث خيارات: إن شاء
стр. 5291
قتلهم، وإن شاء استرقّهم، وإن شاء أقرّهم (١).
والدليل على جواز قتل الأسرى بعد تقضّي الحرب، خلاف ما قال حماد: "أنّ النبي ﵊ قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن [الحارث] (٢) بعدما حصلا في يديه" (٣)، وقتل بني قريظة بعد ثبوت اليد عليهم؛ ولأنّه قد لا يؤمن منهم الغدر والعود إلى دار الحرب، ففي قتلهم احتياطٌ للمسلمين.
وإذا ثبت هذا، فمتى أسلموا سقط القتل، كما لو أسلموا قبل الأخذ، فإذا سقط القتل بقي الخيار في [الاسترقاق] (٤) والإقرار.
ولا يجوز أن يقال: إنّ الاسترقاق لا يجوز أن يبتدأ مع الإسلام؛ لأنّه عقوبةٌ كالقتل؛ وذلك لأنّ الاسترقاق يبتدأ مع الإسلام، بدلالة ولد المملوكَيْن، يثبت الرقّ فيه ابتداءً وهو مسلمٌ؛ ولأنّ حقّ الاسترقاق تعلّق برقابهم بالأخذ، فإذا رآه الإمام استقرّ بالسبب السابق، فكأنّه استرقهم قبل الإسلام.
وقال ابن سَماعة في موضع آخر في النوادر: سمعت أبا يوسف قال في غنيمة العساكر من أهل الشرك: أربعة أخماسها للذين غنموها، يقسم ذلك الإمام بينهم، وأمّا الخمس: فيقسم بين الذين سمّى الله لهم.
وما افتتح عنوةً من القرى والمدائن فالإمام (٥) في ذلك بالخيار: إن شاء
стр. 5292
خمّسها، وقسم أربعة أخماسها بين الذين افتتحوها على قسمة الغنيمة، وكان الخمس على خمس الغنيمة بين من سمّاها (١) الله له، وإن وضع الخمس في صنفٍ واحدٍ من أولئك فإنّه مستقيمٌ، ألا ترى أنّ الصدقة مجزّأةٌ على ثمانية أجزاء في كتاب الله تعالى، وإن وضعها في صنفٍ واحدٍ، فهو مستقيمٌ، وهذا كله قد بيّناه، إلا قوله: إنّ الخمس يجوز وضعه في صنفٍ واحدٍ.
والدليل عليه: أنّ الأصناف جهة الصرف، والمقصود [الفقر]، فجاز أن يدفع إلى صنفٍ واحدٍ [كأخذ] الزكاة.
وإنّما احتجّ أبو يوسف بالزكاة على الخمس؛ لأنّ المسألة كانت إجماعًا في عصره، وإنّما حدث خلاف الشافعي من بعده، ولم يقل بقوله أحدٌ مّمن تقدّمه؛ فلذلك لم يعتدّ بخلافه.
قال أبو يوسف: وهذه الأرضون المفتتحة إذا قسمت، فهي أرض عُشْرُ؛ وذلك لأنّه إذا قسمها، ملكها المسلمون، والحقّ الموضوع حقٌّ يُبتدأ به المسلم، والمسلم يبتدئ بالعشر، ولا يبتدئ بالخراج.
وأمّا إذا أقرّ أهلها عليها فهو على وجهين: إن كانت من أرض العرب، وضع عليها العُشْر؛ لأنّ النبي ﷺ والأئمة من بعده لم يضعوا على أرض العرب خراجًا، فدلّ على أنّها عُشْرِيةٌ.
ولا يقال: أليس قد كان يجوز إقرار أهل الكتاب من العرب على أرضهم، فهلا جاز أخذ الخارج منهم.
قيل له: لم يقرّ أحدٌ من أهل [الكتاب] على المقام في أرض العرب على
стр. 5293
التأبيد، وإنّما أقرّهم ﵊ إلى مدّةٍ؛ ولذلك أجلاهم عمر، فصار ذلك الإقرار غير مستقرٍّ؛ فلذلك لم يجز وضع الخراج.
وأمّا إذا كانت الأرض من غير [أرض] العرب، وضع عليها الخراج؛ لإجماع الصحابة على وضع الخراج على [أرض] العراق والشام.
قال أبو يوسف محتجًا على جواز ترك القسمة، وقد أنزل الله تعالى في كتابه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] فهم (١) الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فهذه إلى يوم القيامة.
بلغنا أنّ عمر تأوّل هذه الآية فيما ترك من ذلك (٢)، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ عمر احتجّ على من طالبه بقسمة السواد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال: لو قسمته بينكم لم يبق لمن بعدكم حقٌّ، فرجعوا إلى قوله وأجمعوا عليه.
قال أبو الحسن وليس في الجزية خمسٌ، وكذلك القرى إذا تركت في أيدي أهلها، واستدلّ على ذلك بأن رسول الله ﷺ أخذ الفدية من أهل نجران، والجزية من مجوس هجر (٣)، فلم يكن في ذلك خمسٌ، وكان ذلك بين جماعة المسلمين، وفرض على أهل اليمن على كلّ حالمٍ دينارًا (٤)، ولم يكن في ذلك خمسٌ.
стр. 5294
وهذا استدلالٌ صحيحٌ، وهو إجماع الأمّة حتى قال الشافعي قولًا خرج به عن الإجماع: إنّ الجزية فيها خمسٌ، وهذا خلافٌ غير معتدٍّ به؛ لما ذكرنا من الخبر والإجماع.
قال أبو الحسن: وهذا قولٌ لم يقل به أحدٌ من أهل العلم، ولا أفتى به إلا بعض المتأخرين بعد سنة مائتين، وقال أقوالًا خالفَ فيها الأمّة (١).
منها: أن مكة افتتحت صلحًا، وهذا غير صحيحٍ؛ لأنّ المرجع في الفتوح وصفتها إلى أهل السيرة، وقد أجمعوا على أنّ مكة افتتحت عنوةً، فلم يجز القول بما يخالف النقل المستفيض؛ ولأنّ الله تعالى منَّ على نبيه بالفتح والتمكين من قريش والغَلبة، فلو كان دخلها صلحًا لم يكن ذلك فتحًا ولا غلبةً؛ ولأنّه ﵊ دخلها مقاتلًا وعليه مغفرٌ وعبّأ العسكر، وقاتل خالد بن الوليد الناس في أسفل مكة، فقيل للنبي ﵊: "إن قريشًا أوبشت أوباشها"، فقال: "احصدوهم حصدًا حتى تلقوني على الصفا" (٢)، فقال شاعرهم:
إنّك لو شهدتنا بالخندمة … إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
أبو يزيد كالعجوزِ المؤتمة … وجلدتنا بالسيوف المسلمة
لم تنطقي في اللّوم أدنى كلمة (٣)
وقال النبي ﵊ بعدما دخل مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن
стр. 5295
تعلق بأستار الكعبة فهو آمنٌ، ومن ألقى سلاحه فهو آمنٌ" (١)، فلو كان الصلح قد سبق وقبل الأمان القوم، ودخل ﵊ على ذلك لم يكن لهذا القول معنًى.
وروي أنّه وقف على باب البيت وقال: "ما تدرون أنّى صانعٌ بكم؟ " فقالوا: ابن أخ كريم، ملكت فاصنع ما شئت، فقال لهم: "أقول لكم ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم" (٢)، ولو كان دخل صلحًا لم يجز أن يقولوا (٣): اصنع ما شئت.
[وقد] تعلّق الشافعي في هذه المسألة بما شرطه النبي ﵊ لأبي سفيان، ولا حجّة [له] فيه؛ لأنّه لم ينقل أنّ القوم قبلوا ذلك، ولو قبلوه لم يحتج إلى تجديده بعد الدخول، فصار وجود ذلك وعدمه سواءً.
ولا يقال: إنّ النساء خرجن يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فاستنشد النبي ﵊ أبا بكر ﵁ أبيات حسان، وهي:
[ينازعن الأسنة مشرعاتٍ] (٤) … على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا ممطرات … تلطمهن بالخمر النساء
وهذا هو الحجّة عليهم؛ لأنّ النساء يفعلن ذلك تعييرًا للرجال بترك القتال، وتحريضًا لهم، ويضربن وجوه الخيل بالخمر كما كان الرجال يضربونها بالسيوف، وليس في ذلك دلالةٌ على الصلح، بل هو دليل على ضده. [والله أعلم] (٥).
стр. 5296
بَاب قسمةِ الغنيمةِ
قال أبو الحسن: قد ذكرنا قسمة الخمس فيما تقدّم، وتقسم الأربعة الأخماس على الجيش، يعطى الفارس سهمين: سهمًا له، وسهمًا لفرسه، وهذا قول أبي حنيفة وزفر والحسن بن زياد، وهو قول أهل العراق من أهل الكوفة والبصرة.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يعطى الفارس ثلاثة أسهمٍ: سهمًا له، وسهمين لفرسه، وهو قول أهل الحجاز وأهل الشام (١).
وجه قول أبي حنيفة: أنّ القياس (٢) يمنع الاستحقاق بالفرس؛ لأنّه آلة الحرب كالسلاح، وإنّما تُرك القياس للخبر، وقد اختلفت الأخبار: فروي في بعضها: أنّ النبي ﵊ أعطى الفارس سهمين، سهمًا له وسهمًا لفرسه. وروي: أنّه أعطاه ثلاثة أسهم، فلمّا اختلفت الأخبار أسقط ما اختُلِف فيه، وأثبت ما اتُّفِق عليه، وحمل الباقي على القياس.
ولأنّ الانتفاع بالفارس أعظم من الانتفاع بالفرس، ألا ترى أنّ الفرس بانفراده لا تأثير له، والفارس بانفراده يقاتل، فلم يجز أن يستحقّ بالفرس أكثر ممّا يستحق صاحبه.
وقد روى نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قسم للفارس سهمين،
стр. 5297
وللراجل سهمًا (١)، وروى محمد بن يعقوب بن مجمّع، عن أبيه، عن جده قال: شهدت خيبر مع رسول الله ﷺ فكانت سهام خيبر على ثمانية عشر سهمًا، وكانت الخيل ثلاثمائة فرس (٢)، والرجالة ألفًا ومائتين، فأعطى النبي ﵊ الفارس سهمًا وفرسه سهمًا (٣).
وعن المقداد بن الأسود: أنّ رسول الله ﷺ أسهم له يوم بدر سهمًا ولفرسه سهمًا (٤).
وجه قولهما: ما روى نافع عن ابن عمر: أنّ النبي ﵊ أسهم للرجل وفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له وسهمين لفرسه (٥).
والجواب: أنّ الرواية قد تعارضت عن ابن عمر، وروي عن غيره من غير تعارضٍ، فكان ما وافق من روايته رواية غيره أولى (٦).
٢٨٢٦ - فَصْل: [سهام أنواع الخيول]
والعتيق من الخيل، والمُقْرِف (والبرذون سواءٌ، لا يفضل بعض الخيل عن
стр. 5298
بعض، وهو قول أهل العراق وأهل الحجاز، وقال أهل الشام: لا يسهم) (١) للبرذون والمُقْرِف الذي أحد أبويه برذون والآخر عتيقٌ (٢)، وكذلك الهجين (٣).
والدليل على ما قلناه: أنّ اسم الخيل يشتمل العِرَاب (٤) والبراذين، ولهذا قال النبي ﵊: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (٥)، يعني الجهاد، وإذا تناولها اسم الخيل صارت كالعِرَاب؛ ولأنّ البرذون قد ينتفع به من وجهٍ لا ينتفع بالعتيق، والعتيق ينتفع به وجهٍ لا ينتفع بالبرذون؛ لأنّ العتيق يصلح للطلب والهرب، والبرذون أثبت على حمل السلاح وأكثر انعطافًا في القتال، وإذا كان في كلّ واحدٍ منهما منفعةٌ تختصّ بالقتال، تساويا.
والذي روي: (أنّ الخيل أغارت بالشام وعلى الناس رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حمصة، فأدركت العرابُ من يومها، وأدركت البراذن من ضحى الغد، فقال: لا أجعل من أدرك كمن لم يدرك، وكتب إلى عمر، فكتب عمر: هبلت الوادعيّ أمه، لقد أذكرت (٦) به أمضوها على ما قال) (٧)، فلا دلالة فيه؛ لأنّ الأمير حكم في موضعٍ يسوغ فيه الاجتهاد، فلم يفسخ عمر حكمه (٨).
стр. 5299
٢٨٢٧ - فَصْل: [الإسهام لأكثر من فرس]
ولا يسهم - في قول أبي حنيفة وزفر ومحمدٍ (١) والحسن بن زياد - لأكثر من فرسٍ، وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين ولا يسهم لثلاثةٍ.
وجه قولهم: ما روى إبراهيم بن الحارث التَّيميّ، عن أبيه، عن جده قال: (حضر الزبير بن العوام خيبر بأفراس، فلم يسهم النبي ﵊ له إلا لفرسٍ واحدٍ) (٢)؛ ولأنّ الفرس الواحد يحتاج إليه للقتال، وما زاد عليه لا تدعو الحاجة إليه، فصار الفرس الثاني كالثالث.
وجه قول أبي يوسف: ما روي أنّ النبي ﵊ أسهم يوم خيبر لفرسين (٣)؛ ولأنّ الفارس يحتاج إلى الفرس الثاني يقاتل عليه إذا أعيا فرسه، فصار الثاني كالأول.
والجواب ما قدمنا: أن القياس يمنع من الإسهام للخيل، ولما روي أنّ النبي ﵊ لم يسهم للزبير إلا لفرسٍ واحدٍ، [فلما] روي أنّه أسهم يوم خيبر لفرسين، أسقطنا ما حصل فيه المعارضة بالقياس، وبقّينا المتّفق عليه.
٢٨٢٨ - فَصْل: [المقصود بالفارس في الجهاد]
قال: والفارس من أوجف على بلاد العدو بفرسٍ، فدخل فارسًا وبقي الفَرَس معه حتى حصلت القسمة، أو مات الفَرَس حين دخل، أو أخذه العدو قبل حصول الغنيمة أو بعدها، وسواءٌ كان مكتوبًا في الديوان فارسًا أو راجلًا.
стр. 5300
وقال الشافعي: إذا مات فرسه قبل القتال فهو راجلٌ (١).
لنا: أنّ المعتبر في الخيل الإيجاف على أرض العدو، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، فدلّ على أنّ الإيجاف سبب الاستحقاق؛ ولأنّ الله تعالى جعل الدخول في أرض العدو كإصابة العدو، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فإذا دخل فارسًا فله سهم الفارس اعبتارًا بحال الدخول؛ ولأنّ المقصود من الخيل إرهاب العدو، وليس المقصود القتال عليها؛ بدلالة أنّ من دخل فارسًا وقاتل راجلًا استحقّ سهم الفارس، وإرهاب العدو يحصل بالدخول، ألا ترى أنّهم يبلغهم حال الدخول العددُ، فيقولون دخل كذا وكذا فارسًا، وكذا وكذا راجلًا، وإذا حصل المقصود ولم يُسقِط المستحقّ حقّه، وجب له السهم.
قال: وإن دخل راجلًا ثم أصاب فرسًا اشتراه أو استعاره أو وُهِب له، فله سهم راجلٍ؛ لما بيّنا أنّ المعتبر حال الدخول، فإذا دخل راجلًا لم [يتغيّر] (٢) حاله [بوجود] (٣) الفرس.
قال: فإن دخل فارسًا ثم باع فرسه أو أجّره أو وهبه أو أعاره، فقاتل وهو راجلٌ، فأصابوا غنيمةً، فإنّ الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة [أنّه]: يُضرَب له بسهم الفارس، وقال محمدٌ في السير الكبير: إذا باع فرسه يبطل سهم الفرس، ويأخذ سهم راجلٍ، ولم يحك عن غيره فيه شيئًا.
стр. 5301
وجه رواية الحسن: أنّ سبب الاستحقاق حصل [بالإيجاف]، فبيع الفرس كموته.
وجه قول (١) محمدٍ: أنّ بيعه لفرسه رضًا بإسقاط حقّه، فصار كما لو قُتِل في الوقعة.
قال الحسن: وإذا دخل وهو راجلٌ، ثم اشترى فرسًا أو وُهِب له قبل أن يغنم أهل العسكر شيئًا، ثم قاتل معهم حتى غنموا، (ضُرِب له بسهم فارسٍ، وكذلك لو استأجر فرسًا أو استعاره، فقاتل حتى غنموا) (٢).
وجه قول الحسن: أنّ المقصود حال الدخول [والقتال، والانتفاع بالفرس في حال القتال أكثر من الانتفاع في حال الدخول]، فإذا وجب أن يضرب له إذا حصل عند الدخول، فعند القتال أولى (٣).
٢٨٢٩ - فَصْل: [قسمة الغنائم بالغزو في السُّفُن]
وإذا غزا المسلمون في السفن، فأصابوا غنائم (٤)، فهو وغزوهم في البرّ سواءٌ، من دخل منهم دار الحرب ومعه فرسٌ، فله سهم الفارس؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ أسهم للخيل بخيبر، وكانت حصونًا لم يقدروا على القتال بالخيل، وإنما قاتلوا رجالًا، وأسهم لخيلهم؛ ولأنّ الخيل في السفن يحتاج إليها إذا قدموا إلى جزيرةٍ أو ساحلٍ، (فصارت كالبّر، فيسهم لهم) (٥).
стр. 5302
٢٨٣٠ - فَصْل: [من لا سهم له من الغنيمة]
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ: لا سهم لصبيٍّ، ولا امرأةٍ، ولا عبدٍ، ومن قاتل منهم رضخ له من الغنيمة ولا يبلغ به السهم، وكذلك الذميّ إذا قاتل مع المسلمين، رضخ له، ولا يبلغ به سهمًا.
وجملة هذا أنّ كلّ من لا يلزمه القتال في غير حال الضرورة، لا يُسهم له، ومن يلزمه القتال يُسهم له.
والدليل عليه: ما روى أبو هريرة: "أنّ النبي ﵊ كان لا يسهم للعبيد والنساء والصبيان" (١).
وعن ابن عباس في العبد والمرأة يحضران مع الناس قال: "ليس لهما سهمٌ، وقد يرضخ لهما" (٢)، وروي عن النبي ﵊ أنّه قال: "لا نجعلهم كأهل الجهاد" (٣)، وروي عن فضالة بن عبيد قال: "كان النبي ﵊ لا يسهم للمملوكي" (٤)، ولأنّ من لا يلزمه القتال في غير حال الضرورة، فليس من أهله، فلو أسهمنا لهم لسوّينا سهمهم وسهم أهل القتال (٥)، وذلك لا يجوز.
فإن قيل: [إنّ] الكافر مخاطبٌ بالشرعيات، إذا قاتل فهو من أهل الوجوب.
قيل له: الكافر عندنا مخاطبٌ بشرط تقدّم الإسلام، فما فعله قبل
стр. 5303
الإسلام لم يعتدّ به كسائر العبادات.
قال: ولا يسهم للتُّجَّارِ ولا للأُجَرَاءِ، فإن قاتل التجار مع أهل العسكر استحقّوا السهمان، كما يستحقّ ذلك أهل العسكر، الفارس سهم (١) فارسٍ، والراجل سهم راجلٍ.
وإن قاتل (٢) الأجير مع العسكر، قال محمدٌ: إن ترك خدمة صاحبه وقاتل، استحقّ السهمان (٣) (كما يستحقّ ذلك أهل العسكر) (٤)، وإن لم يترك ذلك فلا شيء له في الغنيمة، ولا يجتمع له أجرٌ ونصيبٌ في الغنيمة.
وجملة هذا أنّ من دخل [للقتال] (٥) استحقّ السهم قاتل أو لم يقاتل، ومن دخل لغير القتال لم يستحقّ السهم إلا أن يقاتل وهو من أهل القتال؛ [وذلك لأنّه إذا دخل للتجارة، فلم يحصل من أهل القتال]، فلم يسهم له، إلا أن يفعل القتال، فيصير بفعله كمن دخل للقتال.
وكذلك الأجير إنّما دخل لخدمة المستأجِر ولم يدخل للقتال، [فإن] ترك الخدمة وقاتل صار كأهل العسكر.
وقد روي أنّ عبد الرحمن بن عوف استأجر أجيرًا بثلاثة دنانير، فلمّا فتح الله على نبيه قال رسول الله ﷺ : "هذه حظّك من الدنيا والآخرة" (٦)، وأمّا قول
стр. 5304
محمدٍ: إنّه لا يجتمع الأجر والسهم، إنّما يريد بذلك أنّه إذا ترك الخدمة وقاتل، سقطت الأجرة واستحقّ السهم، وأمّا أجرة (١) ما قبل ذلك فاستحقاقها لا يمنع من أخذ السهم.
قال: ومن دخل مقاتلًا مع العسكر، فقاتل أو لم يقاتل، لمرضٍ أو غيره، فله [سهمه] (٢)، إن كان فارسًا ففارسٌ، وإن كان راجلًا فراجلٌ؛ وذلك لأنّه لمّا دخل للقتال صار من أهله، فلا يعتبر فعله للقتال؛ ولأنّ الشبّان يوم بدر تسرّعوا وأقام غيرهم، واشتركوا في الغنيمة، فدلّ على أنّ الاستحقاق لا يقف على فعل القتال (٣).
стр. 5305
بَاب الجيش يلحقُ الجيشَ فغنموا هل يشتركون في الغنيمة؟
قال أصحابنا: في جيشٍ دخلوا دار الحرب، فغنموا غنائم ولم يخرجوها إلى دار الإسلام حتى لحقهم جيشٌ آخر، فخرجوا معهم بالغنائم إلى دار الإسلام، فإنّهم جميعًا يشتركون في الغنيمة، وقال الشافعي: إذا أدركوهم بعد انقضاء القتال لم يشتركوا (١).
لنا: ما روي أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص: (إذا أدركك جيشٌ قبل أن ينقضي القتال فهم شركاء في الغنيمة)؛ ولأنّ حقّ الغانمين لم يستقرّ فيها قبل الإحراز، بدلالة جواز الانتفاع بالطعام والعلف منها، فصار كحال القتال؛ ولأنّ كلّ حالٍ جاز للعسكر الانتفاع بالعلف والطعام، شاركهم المدد كحال القتال.
وإذا ثبت أنّهم يشاركونهم، لم ينقطع حقّ الشركة إلا بأحد معانٍ ثلاثة: أحدها: أن يُخرِج المسلمون الغنيمة إلى دار الإسلام، فمن أدركهم بعد ذلك لم يشركهم؛ لأنّ حقّهم استقر فيها بالحيازة؛ ولهذا من مات منهم انتقل إلى ورثته، ولا يجوز لأحدٍ أن ينتفع بطعام ولا بعلفٍ، وإذا استقرّ الحقّ بطلت المشاركة.
والفصل الثاني: أن يقسم الإمام الغنائم في دار الحرب، فيلحقهم المدد، فلا يشاركونهم؛ لأنّ الإمام إذا قسم فقد ملّكهم الغنيمة بالقسمة، فاستقرّ الحقّ
стр. 5306
فيها، وصار ملكًا، فهو آكد من الإحراز.
والفصل الثالث: أن يبيع الإمام الغنيمة في دار الحرب، فلا يشركهم المدد في الثمن؛ لأنّه لمّا باع فقد قرّر ملك الغانمين، ألا ترى أنه لا يجوز البيع إلا في ملكٍ مستقرٍّ، وإذا استقرّ ملكهم لم يشركهم من لحق بهم.
قال: ولو أنّ جيشًا من أهل الحرب أغار في دار الإسلام، فلقيهم المسلمون، فظهروا عليهم، وأخذوا ما كان معهم من دوابّهم وسلاحهم وسلبهم، ثم لحقهم قومٌ آخرون من المسلمين، لم يشركوا الأولين؛ وذلك لأنّ هذه الغنيمة تصير محرزةً بالدار بنفس الأخذ، فتصير كغنيمة دار الحرب إذا حُمِلت إلى دار الإسلام، [فتصير الغنيمة محرزةً فيه، فلا يشركوهم].
وقد قال أصحابنا: إنّ المسلمين إذا دخلوا دار الحرب ففتحوا بلدًا منها، وقهروا أهلها واستظهروا عليهم، ثم لحقهم مددٌ، لم يشاركهم؛ لأنّ هذه البلد صارت بالقهر والغلبة من جملة دار الإسلام، فتصير الغنيمة محرزةً فيها، فلا يشاركهم من يلحقهم، كما لا يشاركهم إذا خرجوا إلى دار الإسلام (١).
стр. 5307
بَاب ما يجوزُ الانتفاعُ به من الغنيمةِ
قال: وإذا أصاب المسلمون غنائم في دار الحرب، فلم يخرجوا إلى دار الإسلام، فلا بأس أن يأكلوا ما كان مأكولًا، ويشربوا ما كان مشروبًا، ويعلفوا دوابّهم ما كان فيه من العلف؛ وذلك لما روى عبد الله بن المغفّل قال: "دُلّي عليّ جرابٌ من شحمٍ يوم خيبر، فأتيته فالتزمته وقلت: لا أعطي من هذا أحدًا اليوم شيئًا، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم" (١).
وعن ابن عمر: "أن جيشًا غنموا في زمان النبي ﵊ طعامًا وعسلًا فلم يأخذ منهم الخمس" (٢).
وعن ابن أبي أوفى: "إنّ الطعام يوم خيبر لم يخمّس، كان الرجل إذا احتاج إلى شيء ذهب فأخذه" (٣).
وروي أنَّ أمير الجيش بالشام كتب إلى عمر: إنا دخلنا إلى أرضٍ كثيرة الطعام، وإنّي كرهت أن أقوم على شيءٍ إلا بأمرك، فكتب إليه: (مرهم فليأكلوا وليعلفوا، ولا [يبيعوا] (٤) بذهبٍ ولا فضّةٍ، فمن باع بذهبٍ أو فضّةٍ وجب فيه الخمس) (٥).
стр. 5308
ولأنّ المسلمين يتعذّر عليهم حمل الطعام والعلف من دار الإسلام، ولا يبيعهم أهل الحرب، فلو لم يَجُز أن يأكلوا ويعلفوا، ضاق عليهم الأمر، وهذا لا يصحّ؛ ولأنّ الطعام لا يقع فيه الممانعة في الغالب، ولا يمكن حمله إلى دار الإسلام؛ لأنه يفسد، فلذلك جاز الانتفاع به.
وقد قال أصحابنا: إنّه يجوز للفقير والغني الانتفاع به؛ لأنّه على أصل الإباحة كسائر المباحات.
قال: ولا ينبغي أن يبيعوا شيئًا من ذلك بذهبٍ ولا فضّةٍ ولا عروضٍ، وإن باعوا شيئًا من ذلك فليردّوه إلى المغنم؛ وذلك لأنّه أبيح لهم الانتفاع به للحاجة، فلم يجز لهم البيع، كمن أباح الطعام لغيره، وإنّما وجب ردّ الثَّمَن إلى الغنيمة؛ لأنّه صار مالًا يقع فيه التمانع كسائر الغنيمة.
قال: فإن لم يبيعوه وخرجوا بشيء من ذلك إلى دار الإسلام (١)، ردّوا ما كان في أيديهم من ذلك إلى الغنيمة إن كانت [لم] تقسم؛ وذلك لأنّهم إذا خرجوا إلى دار الإسلام زالت الحاجة؛ لأنّه لا يتعذّر عليهم فيها الطعام والعلف، والإباحة إذا تعلّقت بشرطٍ زالت بزواله؛ ولأنّ الانتفاع لا يجوز بعد استقرار الحقّ، وقد استقر حقّ الغانمين بالحيازة حتى يورث عنهم، فلم يجز لبعضهم أن ينتفع بشيءٍ منه إلا بإذنهم.
قال: فإن كانت القسمة وقعت تصدّقوا بذلك إن كانوا أغنياء، وإن كانوا محتاجين انتفعوا به؛ لأنّه لا يمكن أن يقسم ذلك بين جماعة أهل (٢) العسكر،
стр. 5309
فصار كمالٍ لا يمكن إيصاله إلى مستحقّه، فيتصدّق به كاللُّقَطة، وإن كان الذي هو معه محتاجًا انتفع به كما ينتفع الفقير باللقطة، وإن كان غنيًا تصدّق به.
قال: فإن انتفعوا بذلك بعد خروجهم إلى دار الإسلام بأكلٍ أو شربٍ أو علفٍ لدوابّهم، فينبغي له إن (١) كان غنيًا أن يتصدّق بقيمته بعد القسمة، ويردّه إلى المغنم قبل القسمة، وإن كان فقيرًا ردّه قبل القسمة، ولم يلزمه بعد القسمة شيءٌ؛ وذلك لأنّه انتفع مما تعلّق به مما تعلّق به حق غيره، فكان مضمونًا عليه.
فإن كان غنيًا والقسمة لم تقع، فقد أمكن إيصاله إلى مستحقّه، فيرده إلى الغنيمة، وإن وقعت القسمة فقد تعذر إيصاله إلى مستحقّه، فيتصدّق به، وأمّا الفقير فيردّه قبل القسمة؛ لأنّه حقٌّ للغير قد لزمه إيصاله إليه، وإن كان بعد القسمة لم يتصدّق به؛ لأنّه لو تصدّق به لتصدّق على من هو في مثل حاله.
قال: ولا بأس بما كان مأكولًا مثل السمن والزيت والخلّ أن يدّهن به الرجل في دار الحرب، ويمرّخ به دابّته؛ وذلك لأنّه انتفاعٌ في فرسه ونفسه، فهو كالأكل والعلف.
وقد استدلّ محمدٌ على هذا فقال: إذا جاز له الأكل منه، جاز الإدهان، ألا ترى أنّه لو مسح قصعته بعد الأكل فادّهن بها جاز، [قال]: فكذا قبل الأكل.
قال: وما كان من الأدهان لا يؤكل مثل البنفسج والخِيرِيّ وما أشبههما، فلا ينبغي أن يُنتفع به، ويُردّ إلى الغنيمة؛ لأنّ هذا ليس بمأكولٍ، وإنما يستعمل للزينة والتطيّب، فهو كالثياب.
стр. 5310
قال: وكلّ شيءٍ لا يؤكل ولا يشرب فلا ينبغي أن ينتفع بشيءٍ منه قلّ أو كثر، لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "ردوا الخيط والمخيط" (١)، وهذا تنبيهٌ على ما زاد عليه.
قال: وإذا انقطع سيف الرجل وهو يقاتل، أو انكسر رمحه، فلا بأس أن يأخذ سيفًا من سيوف العدو (التي قد غلبوا عليها) (٢) فيقاتل به، فإذا استغنى عنه ردّه، وكذلك إن دعته حاجةٌ إلى ركوب فرسٍ من الغنيمة ليقاتل عليه، فلا بأس أن يفعل ذلك، فإذا زالت الحاجة عنه ردّه إلى الغنيمة؛ وذلك لأنّ الانتفاع بالقتال بسلاحهم أكثر من الانتفاع بالعلف والأكل، فإذا جاز أحد الأمرين، جاز الآخر؛ ولأن الرجل لو رُمي بسهمٍ أو حربةٍ فأصابته وليس في يده سلاح، لم يمنع أن يأخذها ويدفع بها عن نفسه وإن كان انتفع بسلاحهم، فكذلك ما غلب عليه.
قال: ولا ينبغي أن يستعمل شيئًا من السلاح ولا الدوابّ ليقي بذلك سلاحه ودوابّه، ولا يلبس ثوبًا يقي بذلك ثيابه، حتى إذا حسر الدابّة وأخلق الثوب ردّه في الغنيمة؛ وذلك لما روي عن النبي - عليه الصلاة السلام - أنّه قال: "إياكم وربا الغلول" مرّتين، قالوا: يا رسول الله، وما ربا الغلول؟ قال: "أن يركب دابّةً حتى تحسر قبل أن تؤدّى إلى المغنم، أو يلبس ثوبًا حتى يخلق قبل أن يؤدى إلى المغنم" (٣)، ولأنّ هذا انتفاعٌ بالمال من غير حاجةٍ، فكما لا يجوز أخذه من غير حاجةٍ لا يجوز الانتفاع به.
قال: وإذا وجد رجلٌ من الجيش في دار الحرب شيئًا من المباح ليس في
стр. 5311
يد إنسانٍ منهم، مثل المعادن والكنوز والخشب والسمك والطير، وسائر المباحات التي لها قيمةٌ في دار الحرب، أو في دار الإسلام إذا أخرجت إليها، فذلك كلّه في الغنيمة؛ وذلك لأنّه وصل إليهم بظهيرهم ومعونتهم، وهو مالٌ، فصار كسائر الأموال التي ينفرد بأخذها، وإن لم يكن له قيمةٌ في دار الحرب ولا في دار الإسلام، فهي له؛ وذلك لأنّ ما لا يتقوّم ليس بمالٍ، ولا يقع فيه التمانع، فيصير كالتراب.
قال: ولا يدخل في هذا الكلأ ولا الماء؛ وذلك لمن أخذه؛ لأنّ النبي ﵊ قال: "الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" (١).
قال: وإن أخذ شيئًا [ممّا] له قيمةٌ في دار الحرب مثل الخشب فعمله آنيةً [أو غير ذلك]، (ردّه في الغنيمة؛ وذلك لأنّه مالٌ في نفسه، والعمل فيه ليس بمالٍ متقوّمٍ، فكأنّه باقٍ على حاله.
قال: وإن أخذ شيئًا لا قيمة له في دار الحرب، فعمله قدحًا أو إناءً) (٢) فهو له؛ لأنّه ليس بمالٍ، وإنما صار مالًا بفعله، فملكه.
قال: وما استهلكه من ذلك كلّه في دار الحرب ممّا له قيمةٌ، أو ليس له قيمةٌ، أو ممّا يجوز أن ينتفع به، أو لا يجوز، فذلك كلّه هَدَرٌ، [فمن] (٣) استهلكه من الناس [لا يضمن شيئًا من ذلك]؛ لأنّ الحق فيها لم يستقرّ، فصار كأنّه أتلفه على أهل الحرب.
стр. 5312
قال: وإذا دخل التجّار مع العسكر، لا يريدون القتال، لم يجز للتجار أن يأكلوا من الغنيمة إلا بثمنٍ ولا يعلفوا، فإن فعلوا فلا ضمان عليهم.
وما لم يستهلكوه أُخِذ منهم فردّ في الغنيمة؛ لأنّ التاجر لا حقّ له في الغنيمة، فلا يجوز له الأكل منها، كما لا سهم له فيها، إلا أنّه إذا استهلك شيئًا لم يضمنه؛ لأنّ حقّ المسلمين لم يستقرّ فيه، وما بقي في يده بعينه أُخِذ منه؛ لأنّه أخذه بغير حقٍّ، وأمّا العسكر فلا بأس أن يطعموا عبيدهم إذا دخلوا معهم ليعينوهم على سفرهم.
وكذلك نساءهم وصبيانهم؛ لأنّ هؤلاء نفقتهم واجبةٌ على المقاتل، فما يطعمهم كالواصل إليه، فكأنّه أكله بنفسه.
وأما الأجير للخدمة، فلا يأكل؛ لأنّ نفقته لا تجب على المقاتل، وإنّما يستحقّ الأجرة، فهو كالتاجر.
قال: وإذا دخل النساء لمداواة المرضى والجرحى، أكلن وأعلفن وأطعمن رقيقهنّ؛ لأنّ المرأة لها (١) حقٌّ في الغنيمة، ألا ترى أنّه يُرضَخ لها، وإن كان لا يُسهم، فصارت كالرجال.
قال: وإذا ذبحوا البقر والغنم فأكلوا لحمها ردّوا الجلود إلى الغنيمة؛ لأنّ الجلد مالٌ [لا] يُحتاج إليه للأكل والعلف، وإنما يحفظ ويدّخر، فصار كالثياب (٢).
стр. 5313
بَاب قتل الأسرى والمَنِّ عليهم
قال محمدٌ ﷺ (١): [يجوز] إذا أسر المسلمون الأسرى من المشركين من الرجال وأخرجوهم إلى دار الإسلام أو لم يخرجوهم، فإن شاء الإمام قتلهم، وإن شاء خمّسهم وقسمهم بين من أصابهم.
والأصل في جواز قتل الأسرى بعد تقضّي الحرب: ما روي أنّ النبي ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط يوم بدر، ومنّ على أبي [عزّة] (٢) الشاعر على أن لا يقاتله، فرجع إلى مكة وحضر في أُحدٍ، فأسر فقتله النبيّ ﵊ (٣)، ولأنّ في قتلهم مصلحةً إذا رأى الإمام ذلك لما يُخَاف من غدرهم بالمسلمين، فجاز قتلهم كحال الحرب.
وإنّما جاز أن يقسمهم؛ لأنّ الاسترقاق يجوز في الكفار إذا لم يكونوا من عَبَدة الأوثان من العرب، وإذا رأى الإمام قسمتهم لما فيه من المصلحة للمسلمين (٤)، جاز له ذلك، وقسمهم كما يقسم سائر الأموال.
قال: وأيّما رجل من المسلمين قتل رجلًا من الأسرى في دار الإسلام أو في دار الحرب قبل أن يقسموا أو يباعوا (٥)، فلا شيء عليه من ديةٍ ولا قيمةٍ ولا
стр. 5314
كفّارةٍ؛ وذلك لأنّ القتل مستحقٌّ في الأسرى؛ بدلالة أنّ للإمام اختيار ذلك، فإذا قتله قاتلٌ، وقع الموقع المستحَقّ؛ ولأنّ دماءهم لم تحرز بدار الإسلام، فهي على أصل الإباحة، فكأنّه قتلهم في حال الوقعة، فلا يجب عليه قودُّ ولا ديةٌ ولا كفارةٌ.
قال: فإن قسمهم الإمام أو باعهم، حرمت دماؤهم، فإن قتلهم قاتلٌ، غرم قيمة من قتل، وكانت الكفارة عليه إذا قتلهم خطأً؛ وذلك لأنّ [القسمة] (١) والبيع تقريرٌ للرقّ وإسقاطٌ لحكم القتل، فصار القاتل ضامنًا (٢)، كمن قتل عبد غيره، ولا يجب عليه القود؛ لأنّ الإباحة التي كانت في الأصل شبهةٌ، والقصاص يسقط بالشبهة.
قال: فإن أسلم الأسير قبل أن يقسم حرم دمه، وقسم في الغنيمة؛ لأنّ القتل عقوبةٌ على الكفر، فيرتفع بالإسلام؛ ولأنّا إنّما نقتلهم ليسلموا، فإذا أسلموا زال المعنى الذي قتلناهم له (٣)، [فلا يجوز قتله].
وأمّا القسمة؛ فلأنّ الإسلام لا ينفي الاسترقاق، وقد كان الإمام بالخيار بين القتل والاسترقاق، فسقط أحد الخيارين بالإسلام، فتعيّن الآخر.
قال: وإن أسر رجلٌ من المسلمين أسيرًا فقتله غيره في يده، فإنّي لا أحبّ ذلك له، ولا ضمان عليه ولا كفارة؛ لما روى جابر بن عبد الله، أنّ النبي ﵊ قال: "لا يتعاط أحدكم أسير صاحبه فيقتله" (٤)، ولأنّ الذي أسره له اختصاصٌ؛
стр. 5315
به، فلا يجوز لغيره إزالة يده [عنه]، كالملتقط لما اختصّ باللقطة، لم يجز لغيره أخذها منه.
قال: فإن أسلم في يد الذي أخذه، أمن من القتل، وإذا لم يسلم، فلا بأس بأن يقتله الذي أسره.
قال محمدٌ: وإن [أُتي به] (١) الإمام حتى يكون هو الحاكم فيه إذا قوي عليه فهو أفضل؛ وذلك لأنّا منعنا غيره من قتله لاختصاصه به، وهذا المعنى لا يوجد فيه، فجاز قتله؛ ولأنّه قد يخاف منه إذا حصل في يده أن يستولي عليه ويقهره، فجاز له قتله كحال الحرب.
وإنّما كان حمله إلى الإمام أفضل؛ لأنّ الذي أسره وإن كان في يده، فحقّ المسلمين يتعلّق به، والأمر في تدبيره إلى الإمام، يمضي الأصلح للمسلمين من القتل أو الاسترقاق.
قال: وإذا عزم المسلمون على قتل الأسرى، فلا ينبغي أن يعذّبوهم بالعطش ولا بالجوع ولا بغير ذلك، بل يقتلوهم قتلًا كريمًا؛ وذلك لقوله ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، وإن أحسن الناس قتلةً المسلمون، وإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة" (٢)، ولمّا أمر رسول الله ﷺ بقتل بني قريظة في يوم صائفٍ، قال: "لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السلاح، لا تقتلوهم حتى يبردوا" (٣).
стр. 5316
قال محمدٌ: إنّما يقتل من بلغ الحُلُم، أو تمت له خمس عشرة سنة، فإذا شكّ فيه أَبَلَغ أو لم يبلغ، ترك فيمن يقسم ولم يقتل؛ وذلك لأنّ القتل عقوبةٌ على الكفر، والصبيّ لا يعاقب؛ ولأنّ النبي ﵊ أمر بقتل من أنبت [من بني قريظة] (١)، وترك من لم ينبت في الذريّة (٢).
فأمّا اعتبار خمس عشرة سنةً، فهو قول محمدٍ، وأمّا أبو حنيفة فاعتبر في الغلام ثماني عشرة [سنة]، وفي الجارية سبع عشرة، والكلام في هذه المسألة في كتاب الحَجْر.
قال محمدٌ: ولا ينبغي للإمام أن يمن على الأسير فيتركه ولا يقتله ولا يقسمه، إلا أن يكون من عَبَدة الأوثان من العرب، فإذا كان هكذا لم يجز عليه السَّبْي، وعرض عليه الإسلام، فإن أبى أن يسلم قُتِل، وإن أسلم فهو حرٌّ، ولا يجري عليه سَبْيٌ.
وقال الشافعي: لا بأس بالمنّ إذا رأى الإمام ذلك (٣).
والدليل على امتناعه قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؛ ولأنّه حصل في أيدينا وثبت حقّ الاسترقاق فيه، فلا يجوز إسقاط حقّ المسلمين عنه، كما لا يجوز إسقاط حقّهم عن المال.
стр. 5317
ولأنّ ردّه إلى دار الحرب إعانةٌ لهم بما يختّص بالقتال، فصار كردّ السلاح إليهم، والذي روي أنّ النبي ﵊ مَنْ على أبي عزة يوم بدرٍ؛ فلأنّ في ذلك الوقت كان يجوز أن نردّ إليهم من جاءنا مسلمًا، فمن كان كافرًا أولى، وقد نسخ ذلك بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠].
وقد قال محمدٌ: إن المنّ [إنّما] (١) روي في عبدة الأوثان من العرب، وإنّما جاز ذلك؛ لأنهم لا يسترقّون، فإذا منّ عليهم لم يسقط حقّ المسلمين بالمنّ، وهذا يقتضي أن يجوز المنّ الآن في عبدة الأوثان من العرب، والظاهر أنّ ذلك لا يجوز؛ لعلّةٍ أخرى وهي باقيةٌ في معونة أهل الحرب بالرجال.
والدليل على أنّ عبدة الأوثان من العرب لا يسترقّون: ما روي أنّ النبي ﵊ قال يوم [حنين] (٢): "لو كان يجري على عربّيٍ رقٌّ، لكان اليوم، وإنّما هو الإسلام أو السيف" (٣)؛ ولأنّهم بالغوا في عداوة النبي ﷺ فشدّد عليهم، ولأنّه لا يجوز إقرارهم على ملّة الكفر بالجزية، فكذلك بالرقّ كالمرتدين.
[قال]: وإن أسر المسلمون أسرى فهم في حكم العبيد، في دار الحرب كانوا أو في دار الإسلام، قبل أن يقسموا أو يباعوا، فإن قسمهم الإمام صحّ رقّهم وكانوا عبيدًا، وإن تركهم في أرضهم يؤدّون الخراج، فهم أحرارٌ ذمّةٌ حين جعلهم مقرّين في أرضهم يؤدّون [عنها] الخراج، ويجعل على رؤوسهم الجزية؛ وذلك لأنّ حقّ الاسترقاق يتعلّق برقابهم، وللإمام أن يقتلهم، فهم كالعبد
стр. 5318
الذي وجب عليه القصاص، فلا يمنع من وجوب القتل من ثبوت حكم الرقّ.
وأمّا إذا رأى الإمام أن يقرّهم على أراضيهم ويضع عليهم الخراج والجزية، فهم أحرارٌ؛ لأنّ عمر بن الخطاب أقرّ أهل السواد على أملاكهم فلم يسترقّهم، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلافٍ.
ولا يقال: في هذا إسقاط حقّ المسلمين عن رقابهم، فهو كالمنّ عليهم؛ [لأنّ] (١) هذا في حكم الإسقاط بعوضٍ، ألا ترى أنّ الأراضي قد (٢) لا ينتفع المسلمون بها إلا بعملهم، فيصير ما تحصّل منهم من الخراج والجزية كالعوض عن رقّهم (٣)، فيجوز.
والخلاف في المنّ الذي لا يحصل للمسلمين به عوضٌ؛ ولأنّ هؤلاء يصيرون ذمّةً في أيدينا، فلا يكون فيهم معونةٌ للكفار بما يختصّ بالقتال، وفي ردّهم إلى [دار] الحرب معونةٌ لأهل الحرب فيما يختص بالقتال، فلا يجوز.
قال: وإن كانوا شهدوا شهادةً قبل أن يجعلهم الإمام ذمّةً لم تجز شهادتهم، وإن أعادوها وهي على بعضهم جازت؛ وذلك لأنّ الشهادة قبل أن يصيروا ذمّةً، شهادة حربيٍّ، ألا ترى أنّهم باقون على حكم أهل الحرب؛ ولذلك يجوز قتلهم، وشهادة الحربيّ في دار الإسلام لا تُقبَل، فإذا صاروا ذمّةً وأعادوا الشهادة على مثلهم، قُبلَت؛ لأنّ الإمام ردّها، وليست بشهادة، فإذا صارت شهادةً قَبِلَها، كما لو ردّ شهادة العبد، ثم أُعتِق، فشهد.
стр. 5319
قال: وإن أسلم بعضهم قبل أن يجعلهم الإمام ذمّةً أخذ من أرضهم الخراج، ولم يأخذ من رؤوسهم، وكذلك إن أسلموا كلّهم؛ لأنّ الجزية لا تجتمع مع الإسلام، وخراج الأراضي يجب على المسلم؛ بدلالة أنّ من أسلم من أهل السواد لم يسقط عنه الأئمةُ الخراجَ، فإذا أسلموا ابتداءً وقد تعلّق بأرضهم حقّ الخراج، جاز أن يقرّهم الإمام عليه، ويبتدئهم به (١).
قال محمدٌ: قال أبو حنيفة: لو أعتق رجلٌ من الجند ممّن له في الأسرى نصيبٌ رجلًا منهم أو امرأةً أو وطئها، فولدت منه وادّعى ولدها، فالقياس في هذا أن يعتق من أعتق، وتكون الجارية أمّ ولدٍ له، والولد ولده، ولكن أستحسنُ أن لا أجيز من ذلك شيئًا، وأدرأ عنه، الحدّ، وأغرّمه العُقْر، فيكون في الغنيمة، ولا أثبت [له] نسب الولد، ولا أعتقه، ولا أجعل أمّه أمّ ولدٍ.
وجه القياس: أنّ حقّ الغانمين ثابتٌ في الذمّة، فإذا أعتق أحدهم فقد أعتق ما له فيه نصيب، فينفذ عتقه، كالشريك في العبد، وأمّا الاستيلاد، فلأنّ له حقًّا في الرقبة، فيصير كحقّ الأب في جارية ابنه.
وجه الاستحسان: أنّ حقّ الغانمين لا يستقرّ إلا بالحيازة، ولا يثبت ملكهم إلا في القسمة أو البيع، والعتق لا يقع إلا في ملكٍ [مستقرٍّ]، والاستيلاد لا يثبت إلا في حقٍّ مستقرٍّ، وإنّما أورد محمدٌ هذه المسألة ليبين أنّ الرقّ لم يستقرّ فيهم؛ فلذلك يجوز القتل والإقرار على الجزية تبعًا للأرض.
وقد قالوا: إنّ الغنيمة لو أخرجت من دار الحرب، لم ينفذ العتق؛ لأنّ حقّهم وإن استقرّ، فلم يملكوا، والعتق لا ينفذ إلا في ملكٍ، فأمّا إذا قسم الإمام
стр. 5320
بين [العرفاء] (١)، فأعتق رجلٌ من أهل العرافة عبدًا وقع في سهمهم، نفذ عتقه؛ لأنّ أهل العرافة ملكوا ما أصابهم بالقسمة، فجاز عتقهم فيه.
وقد روي عن أبي يوسف أنّه قال: إن كانوا عشرةً فما دون نفذ عتق من أعتق منهم؛ لأنّه عددٌ محصورٌ، وإن كان عددًا كبيرًا لم ينفذ العتق.
والصحيح ما قال أبو حنيفة: إنّ القسمة إذا حصلت نفذ العتق، ولا يعتبر في ذلك العدد، كما لا يعتبر في الميراث (٢).
стр. 5321
بَاب القوم يدخلون دارَ الحرب ولا منعة لهم بإذن الإمام أو بغير إذنه
قال: وإذا أذن الإمام لرجلٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ أو أكثر من ذلك ممّن له منعةٌ أو لا منعة [له] في الغزو والدخول إلى أرض (١) الحرب، فسبيلهم وسبيل الجيش العظيم الذي يؤمِّر عليهم الإمام ويغزيهم أرض الحرب واحدٌ، فما أصابوا من غنيمةٍ ففيها الخمس، والباقي لمن أصاب ذلك، إن كان واحدًا أو أكثر، إلا أنّهم إذا كانوا جماعةً، أسهم للفارس سهم فارسٍ، وللراجل سهم راجلٍ، والقسم فيهم والقسم (٢) في الجيش العظيم واحدٌ في جميع أحوالهم، يشتركون فيما أصاب بعضهم أو جماعتهم.
والأصل في هذا الباب أنّ الجيش العظيم والجماعة الذين لهم منعةٌ إذا دخلوا [معًا]، خمس ما أخذوه وقسم قسمة الغنائم، سواء دخلوا بإذن الإمام أو بغير إذنه؛ وذلك لأنّ ما أخذوه يسمّى غنيمةٌ، فيدخل تحت قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
ولأنّ الإمام يلزمه نصرتهم وإن دخلوا بغير إذنه؛ لأنّ الاستظهار عليهم يؤدي إلى وهن المسلمين [وطمع] (٣) الكفار [فيهم]، فإذا التزم نصرتهم، صار المأخوذ بظهر المسلمين ومعونتهم، فيثبت لهم فيه حقّ الخمس.
стр. 5322
وأمّا إذا دخل من لا منعه له بإذن الإمام، (فالرواية المشهورة أنّه يخمّس ما أخذوا) (١)؛ لأنّ الإمام إذا أنفذهم، فقد التزم نصرتهم، وأن يمدهم بمن يستنقذهم إن ظهر عليهم الكفار، فما يأخذونه [مأخوذٌ] بظهر الجماعة، فصار كما لو أخذه الجيش العظيم.
وقد روي عنهم: أنّه لا خمس فيما أخذوه؛ لأنّهم لا يقدرون على مغالبة الكفار، فالمأخوذ ليس بغنيمةٍ، (وإنّما هو مأخوذٌ على وجه التلصُّص، فلا يجب فيه الخمس.
وأمّا إذا دخل العرب الذين لا منعة لهم، يعني بإذن الإمام، لم يخمّس ما أخذوا عندنا، وقال الشافعي يخمّس (٢).
لنا: أنّ المأخوذ ليس بغنيمةٍ) (٣)؛ بدليل أنّ الغنيمة ما أخذت بالقهر والغلبة، (والواحد والاثنان لا غلبة لهم في أرض العدو) (٤)، وإنّما يستسرّون بما يأخذونه، فصاروا كاللصوص إذا دخلوا دار الحرب؛ ولأنّ الإمام لا يلزمه نصرتهم؛ لأنّه لم يأمرهم بالدخول، وليس في التخلية بين العدو وبينهم وهنٌ على المسلمين تلزمه النصرة لأجله، وإذا كان المأخوذ لا صنع للمسلمين في أخذه، لم يستحقّوا خمسه، كما لا يستحقوا خمس ما يخرجه التاجر واللص.
وإذا ثبت أن ما يأخذونه ليس بغنيمة، فما يأخذه كلّ واحدٍ منهم فهو له لا
стр. 5323
يشركه صاحبه فيه؛ لأنّه مأخوذٌ على أصل الإباحة، فصار (١) كالصيد والحشيش إذا اجتمع جماعةٌ على أخذه، فلكلّ واحدٍ منهم ما أخذ، لا يشركه صاحبه، إلا أن يجتمعا على أخذ شيءٍ، فيكون بينهما كما لو اشتركا في أخذ صيدٍ، ومن لم (٢) يأخذ منهم شيئًا لم يشرك الباقين، كما لا يشركهم في الصيد.
قال: فإن التقى الفريقان في دار الحرب، فريقٌ دخل بإذن الإمام، وفريق دخل بغير إذنه، ولا منعة لهم مجتمعين، فما أصاب الذين دخلوا بإذن الإمام أو أحدهم، فهو بينهم يشتركون فيه، وفيه الخمس، ولا شيء للآخرين فيه، وما أصاب الذين دخلوا بغير إذن الإمام، فلكلّ واحدٍ منهم ما أصاب لا يشركه أصحابه ولا غيرهم، وهذا محمولٌ [عندنا] على أنّ كلّ فريق تفرّد بما أخذ، فحكمه مع الاجتماع كحكمه عند الانفراد.
قال: فإن اشترك المأذون لهم وغير المأذون لهم في أخذ شيءٍ واحدٍ، فهو بينهم على عدد الآخذين، فما أصاب المأذون لهم، خُمّس، وكان الباقي بينهم على سهام الغنيمة يشتركون جميعًا فيه، الآخذ وغير الآخذ، وما أصاب الذين لم يؤذن لهم، فهو لهم على عدد الآخذين له، ولا شيء لبقيّتهم فيه ممّن لم يأخذه، ولا خمس عليهم فيه؛ لأنّهم باجتماعهم لم يبلغوا عدد المنعة، وإنّما يخمّس ما أخذه الذين أذن لهم الإمام؛ لأنّ ما أخذوه مأخوذٌ بظهره ومعونته، فأمّا من دخل بغير إذنه، فما أخذه لم يحصل بظهر الإمام، فلا يلزم أخذ الخمس كلّه (٣) منه.
قال: فإن التقى الفريقان جميعًا، المأذونُ لهم وغير المأذون، وكانوا
стр. 5324
باجتماعهم لهم منعةٌ، فما أصابَ واحدٌ من الجماعة فهو بينهم على سهام الغنيمة بعد الخمس، وكذلك ما أصاب إحدى الطائفتين قبل الاجتماع أو بعده، فذلك سواءٌ فيه الخمس، والباقي على سهام الغنيمة؛ وذلك لأنّهم لمّا صاروا باجتماعهم عددًا لهم منعةٌ، فدخولهم بإذن الإمام وغير إذنه سواءٌ؛ ولأنّه لو لم يأذن لبعضهم كان ما أخذوه غنيمةً، فإذا أذن لبعضهم أولى.
قال: ولو كان الذين دخلوا [دار الحرب] بإذن الإمام [كانت لهم منعةٌ، فأصابوا غنائم، ثم لحقهم لصٌّ أو لصان لا منعة لهم بغير إذن الإمام] بعد ما أصاب أهل العسكر الغنائم، وأصابوا بعد ذلك غنائم، ولقوا قتالًا أولم يلقوا، وقد أصاب اللصّ غنيمةً قبل أن يلحقهم وبعد ذلك، فإنّهم جميعًا شركاء فيما أصابوا، يخمّس ذلك، وما بقي فبينهم على سهام الغنيمة، إلا ما أصاب العسكر قبل أن يلحق بهم اللصّ واللصّان، ثم لو (١) لم يلقوا قتالًا بعد ذلك، فإنّ هذا اللصّ لا يشارك أهل العسكر فيما أصابوا قبل أن يلقاهم، ولكنّ أهل العسكر يشركونهم فيما أصابوا؛ وذلك لأنّ الواحد والاثنين إذا لحقوا العسكر، فلم يحصل إحراز الغنيمة بمعونتهم؛ لأنّ العسكر لا يتقوون بهم،، فلا يجوز أن يشركوهم.
وليس كذلك المدد الكثير؛ لأنّ العسكر يتقوّى بهم، فيحصل إحراز الغنيمة بظهرهم ومعونتهم، وأمّا إذا قاتلوا بعد الأخذ، فقد حصل لهم صنعٌ في الغنيمة، ألا ترى أنّها تُستَحقّ بالقتال الثاني، ولولاه لغلب الكفار عليها، فكأنّ اللصّ شهد الوقعة الأولى، وإنّما قال: إنّ أهل العسكر يشاركون اللصّ فيما أخذه قبل الاجتماع؛ لأنّه أحازه إلى دار الإسلام بظهر العسكر، فصاروا كالمدد له، فيشاركونه فيما أخذ. [والله أعلم] (٢).
стр. 5325
بَاب ما يظهرُ عليه أهلُ الشرك فيحرزونه من أموالِ المسلمين ثم يصيبه المسلمون
قال أصحابنا ﵏: إذا ظهر المشركون على شيءٍ من أموال المسلمين فأحرزوه في دارهم، ثم ظهر المسلمون بعد ذلك عليه، فإن وجده صاحبه قبل أن يُقسَم أخذه بغير شيءٍ، وإن وجده وقد قُسم فوقع في سهم رجلٍ أخذه بقيمته إن شاء، وإن شاء ترك، [ولا سبيل له عليه إلا بالقيمة].
وهذا مبنيٌّ على أصلنا: أنّ أهل الحرب إذا غلبوا على أموالنا فأحرزوها مَلَكوها، وعند (١) الشافعي: لا يملكونها (٢).
لنا: ما روى طاوُوس عن ابن عباسٍ: أنّ المشركين غلبوا على بعيرٍ لرجل، ثم ظهر المسلمون عليه، فسأل النبي ﵊ عن ذلك، فقال: "إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيءٍ، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة" (٣).
وروى سماك بن حربٍ عن تميم بن طرفة أنّ العدو غلبوا على ناقةٍ أو بعيرٍ لرجلٍ، فاشتراه رجلٌ من العدو، وقد ذُكر (٤) ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "خذه بالثمن