بَاب القوم يدخلون دارَ الحرب ولا منعة لهم بإذن الإمام أو بغير إذنه
قال: وإذا أذن الإمام لرجلٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ أو أكثر من ذلك ممّن له منعةٌ أو لا منعة [له] في الغزو والدخول إلى أرض (١) الحرب، فسبيلهم وسبيل الجيش العظيم الذي يؤمِّر عليهم الإمام ويغزيهم أرض الحرب واحدٌ، فما أصابوا من غنيمةٍ ففيها الخمس، والباقي لمن أصاب ذلك، إن كان واحدًا أو أكثر، إلا أنّهم إذا كانوا جماعةً، أسهم للفارس سهم فارسٍ، وللراجل سهم راجلٍ، والقسم فيهم والقسم (٢) في الجيش العظيم واحدٌ في جميع أحوالهم، يشتركون فيما أصاب بعضهم أو جماعتهم.
والأصل في هذا الباب أنّ الجيش العظيم والجماعة الذين لهم منعةٌ إذا دخلوا [معًا]، خمس ما أخذوه وقسم قسمة الغنائم، سواء دخلوا بإذن الإمام أو بغير إذنه؛ وذلك لأنّ ما أخذوه يسمّى غنيمةٌ، فيدخل تحت قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
ولأنّ الإمام يلزمه نصرتهم وإن دخلوا بغير إذنه؛ لأنّ الاستظهار عليهم يؤدي إلى وهن المسلمين [وطمع] (٣) الكفار [فيهم]، فإذا التزم نصرتهم، صار المأخوذ بظهر المسلمين ومعونتهم، فيثبت لهم فيه حقّ الخمس.
стр. 5322
وأمّا إذا دخل من لا منعه له بإذن الإمام، (فالرواية المشهورة أنّه يخمّس ما أخذوا) (١)؛ لأنّ الإمام إذا أنفذهم، فقد التزم نصرتهم، وأن يمدهم بمن يستنقذهم إن ظهر عليهم الكفار، فما يأخذونه [مأخوذٌ] بظهر الجماعة، فصار كما لو أخذه الجيش العظيم.
وقد روي عنهم: أنّه لا خمس فيما أخذوه؛ لأنّهم لا يقدرون على مغالبة الكفار، فالمأخوذ ليس بغنيمةٍ، (وإنّما هو مأخوذٌ على وجه التلصُّص، فلا يجب فيه الخمس.
وأمّا إذا دخل العرب الذين لا منعة لهم، يعني بإذن الإمام، لم يخمّس ما أخذوا عندنا، وقال الشافعي يخمّس (٢).
لنا: أنّ المأخوذ ليس بغنيمةٍ) (٣)؛ بدليل أنّ الغنيمة ما أخذت بالقهر والغلبة، (والواحد والاثنان لا غلبة لهم في أرض العدو) (٤)، وإنّما يستسرّون بما يأخذونه، فصاروا كاللصوص إذا دخلوا دار الحرب؛ ولأنّ الإمام لا يلزمه نصرتهم؛ لأنّه لم يأمرهم بالدخول، وليس في التخلية بين العدو وبينهم وهنٌ على المسلمين تلزمه النصرة لأجله، وإذا كان المأخوذ لا صنع للمسلمين في أخذه، لم يستحقّوا خمسه، كما لا يستحقوا خمس ما يخرجه التاجر واللص.
وإذا ثبت أن ما يأخذونه ليس بغنيمة، فما يأخذه كلّ واحدٍ منهم فهو له لا
стр. 5323
يشركه صاحبه فيه؛ لأنّه مأخوذٌ على أصل الإباحة، فصار (١) كالصيد والحشيش إذا اجتمع جماعةٌ على أخذه، فلكلّ واحدٍ منهم ما أخذ، لا يشركه صاحبه، إلا أن يجتمعا على أخذ شيءٍ، فيكون بينهما كما لو اشتركا في أخذ صيدٍ، ومن لم (٢) يأخذ منهم شيئًا لم يشرك الباقين، كما لا يشركهم في الصيد.
قال: فإن التقى الفريقان في دار الحرب، فريقٌ دخل بإذن الإمام، وفريق دخل بغير إذنه، ولا منعة لهم مجتمعين، فما أصاب الذين دخلوا بإذن الإمام أو أحدهم، فهو بينهم يشتركون فيه، وفيه الخمس، ولا شيء للآخرين فيه، وما أصاب الذين دخلوا بغير إذن الإمام، فلكلّ واحدٍ منهم ما أصاب لا يشركه أصحابه ولا غيرهم، وهذا محمولٌ [عندنا] على أنّ كلّ فريق تفرّد بما أخذ، فحكمه مع الاجتماع كحكمه عند الانفراد.
قال: فإن اشترك المأذون لهم وغير المأذون لهم في أخذ شيءٍ واحدٍ، فهو بينهم على عدد الآخذين، فما أصاب المأذون لهم، خُمّس، وكان الباقي بينهم على سهام الغنيمة يشتركون جميعًا فيه، الآخذ وغير الآخذ، وما أصاب الذين لم يؤذن لهم، فهو لهم على عدد الآخذين له، ولا شيء لبقيّتهم فيه ممّن لم يأخذه، ولا خمس عليهم فيه؛ لأنّهم باجتماعهم لم يبلغوا عدد المنعة، وإنّما يخمّس ما أخذه الذين أذن لهم الإمام؛ لأنّ ما أخذوه مأخوذٌ بظهره ومعونته، فأمّا من دخل بغير إذنه، فما أخذه لم يحصل بظهر الإمام، فلا يلزم أخذ الخمس كلّه (٣) منه.
قال: فإن التقى الفريقان جميعًا، المأذونُ لهم وغير المأذون، وكانوا
стр. 5324
باجتماعهم لهم منعةٌ، فما أصابَ واحدٌ من الجماعة فهو بينهم على سهام الغنيمة بعد الخمس، وكذلك ما أصاب إحدى الطائفتين قبل الاجتماع أو بعده، فذلك سواءٌ فيه الخمس، والباقي على سهام الغنيمة؛ وذلك لأنّهم لمّا صاروا باجتماعهم عددًا لهم منعةٌ، فدخولهم بإذن الإمام وغير إذنه سواءٌ؛ ولأنّه لو لم يأذن لبعضهم كان ما أخذوه غنيمةً، فإذا أذن لبعضهم أولى.
قال: ولو كان الذين دخلوا [دار الحرب] بإذن الإمام [كانت لهم منعةٌ، فأصابوا غنائم، ثم لحقهم لصٌّ أو لصان لا منعة لهم بغير إذن الإمام] بعد ما أصاب أهل العسكر الغنائم، وأصابوا بعد ذلك غنائم، ولقوا قتالًا أولم يلقوا، وقد أصاب اللصّ غنيمةً قبل أن يلحقهم وبعد ذلك، فإنّهم جميعًا شركاء فيما أصابوا، يخمّس ذلك، وما بقي فبينهم على سهام الغنيمة، إلا ما أصاب العسكر قبل أن يلحق بهم اللصّ واللصّان، ثم لو (١) لم يلقوا قتالًا بعد ذلك، فإنّ هذا اللصّ لا يشارك أهل العسكر فيما أصابوا قبل أن يلقاهم، ولكنّ أهل العسكر يشركونهم فيما أصابوا؛ وذلك لأنّ الواحد والاثنين إذا لحقوا العسكر، فلم يحصل إحراز الغنيمة بمعونتهم؛ لأنّ العسكر لا يتقوون بهم،، فلا يجوز أن يشركوهم.
وليس كذلك المدد الكثير؛ لأنّ العسكر يتقوّى بهم، فيحصل إحراز الغنيمة بظهرهم ومعونتهم، وأمّا إذا قاتلوا بعد الأخذ، فقد حصل لهم صنعٌ في الغنيمة، ألا ترى أنّها تُستَحقّ بالقتال الثاني، ولولاه لغلب الكفار عليها، فكأنّ اللصّ شهد الوقعة الأولى، وإنّما قال: إنّ أهل العسكر يشاركون اللصّ فيما أخذه قبل الاجتماع؛ لأنّه أحازه إلى دار الإسلام بظهر العسكر، فصاروا كالمدد له، فيشاركونه فيما أخذ. [والله أعلم] (٢).
стр. 5325
بَاب ما يظهرُ عليه أهلُ الشرك فيحرزونه من أموالِ المسلمين ثم يصيبه المسلمون
قال أصحابنا ﵏: إذا ظهر المشركون على شيءٍ من أموال المسلمين فأحرزوه في دارهم، ثم ظهر المسلمون بعد ذلك عليه، فإن وجده صاحبه قبل أن يُقسَم أخذه بغير شيءٍ، وإن وجده وقد قُسم فوقع في سهم رجلٍ أخذه بقيمته إن شاء، وإن شاء ترك، [ولا سبيل له عليه إلا بالقيمة].
وهذا مبنيٌّ على أصلنا: أنّ أهل الحرب إذا غلبوا على أموالنا فأحرزوها مَلَكوها، وعند (١) الشافعي: لا يملكونها (٢).
لنا: ما روى طاوُوس عن ابن عباسٍ: أنّ المشركين غلبوا على بعيرٍ لرجل، ثم ظهر المسلمون عليه، فسأل النبي ﵊ عن ذلك، فقال: "إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيءٍ، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة" (٣).
وروى سماك بن حربٍ عن تميم بن طرفة أنّ العدو غلبوا على ناقةٍ أو بعيرٍ لرجلٍ، فاشتراه رجلٌ من العدو، وقد ذُكر (٤) ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "خذه بالثمن
стр. 5326
إن شئت، وإلا فهو له" (١).
وفرّق ﵊ في الخبر الأول بين ما قبل القسمة وبعدها، فيدلّ على أنهم ملكوها، لولا ذلك لم يكن للفرق بين الأمرين معنًى، وإلزامه في الخبر [الثاني] المالك الأوّل الثمن، يدلّ على صحة ملك أهل الحرب، ولولا ذلك لم يلزمه الثمن، وقد روى عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر مثل قولنا.
ولا يقال: فإذا ملكوه عندكم، فلِمَ يؤخذ من المشتري؟ وذلك لأنّه لا يمتنع أن ينتقل الملك ويثبت لمن ملك عليه فسخ الملك، كما يثبت للواهب عندنا الرجوع إذا كان أجنبيًّا، وعندهم إذا كان والدًا، وكما يثبت للشفيع أخذ الملك من المشتري من غير رضًا، وإن كان المشتري قد ملكه بالعقد؛ ولأنّ الحيازة والغَلبة سببٌ (٢) يملك به عليهم، فجاز أن يملكوا به علينا، كالبيع والهبة؛ ولأنّ كلّ واحدٍ من السببين كالآخر، وإنّما يتعلّق الحظر بفعلهم، والإباحة بفعلنا، وذلك لا يمنع التساوي في وقوع الملك.
أصله: ما نأخذه منهم على وجه الغنيمة، وما نأخذه من أموالهم بالغدر، أنّ الملك يقع بالسببين، وإن اختلفا في الإباحة.
وإذا ثبت أنّهم يملكون علينا، قال أصحابنا: إنّ [من] وجد ملك المسلمين في الغنيمة قبل القسمة أخذه بغير شيءٍ، وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة، وإن اشتراه منهم مشترٍ أخذه بالثمن إن شاء.
стр. 5327
وقال الزُّهْرِي والحسن البصري: لا سبيل لمالكه الأوّل عليه، وقال الشافعي: يأخذه في الوجهين بغير شيءٍ (١).
وإنّما افترق ما قبل القسمة وما بعدها بخبر ابن عباسٍ الذي قدّمناه؛ ولأنّه مملوكٌ عليهم بغير عوضٍ، فما دام باقيًا على حكم الملك الأوّل، جاز أن يثبت فيه حقّ الرجوع كالهبة.
ولأنّ حقّ الردّ مستحَقٌّ على جميع المسلمين، فإذا وجد قبل القسمة فقد حصل لهم [بغير عوضٍ، والردّ مستَحَقٌّ عليهم فلزمهم الدفع المستحَقّ، وأمّا بعد القسمة فقد حصل لهم] بعوضٍ، وهو نصيبهُ من المغنم الذي سلم للغانمين، ولم يستحقّ عليه بذل المال في الردّ، وإنّما استُحِقّ عليه الردّ؛ فلذلك وجب له أن يغرم [له] العوض [من] الذي ليس بمستحِقٍّ.
فأمّا المشتري منهم، فقد سلم له الملك بعوضٍ، والردّ مستحَقٌّ عليه، وبدل العوض ليس بمستحَقٍّ؛ فلذلك رجع بالثمن.
وقد قالوا في أهل الحرب إذا وهبوه لرجلٍ من المسلمين: إنّ المالك الأوّل يأخذه بالقيمة إن شاء؛ وذلك لأنّ حق المالك الأوّل لمّا تعلّق به وهو مملوكٌ بعقدٍ، لم يجز أن يُؤخَذ بغير عوضٍ كالمبيع، وإذا لم يكن هناك عوضٌ مسمّىً أخذه بالقيمة، كالموجود بعد القسمة (٢).
٢٨٣١ - مَسألةٌ: [العبد إذا لحق بدار الحرب]
قال أبو حنيفة: إذا أبق عبدٌ أو أمةٌ، فلحقا بدار الحرب، لم يملكها أهل
стр. 5328
الحرب، فإن وجدها صاحبها قبل القسمة أو بعدها، أخذها بغير شيءٍ.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إن وجدها صاحبها (١) بعد القسمة أخذها بالقيمة.
وجه قول أبي حنيفة: أنّ العبد لما خرج من دار الإسلام، زالت يد مولاه عنه لامتناع أن تبقى يده مع اختلاف الدارين، فحصل في يد نفسه، فإذا أخذوه من يده - وحكم التمليك لا يتعلّق بها - لم يملكوه، كما لو اشتروا منه شيئًا ووهب لهم.
وليس كذلك الفرس إذا نفر (٢) ودخل دار الحرب، أو البعير إذا ندّ إليهم؛ لأنّه ممّا لا يثبت له يدٌ في نفسه، فيبقى حكم يد المولى عليه، فإذا أخذوه من يدٍ يتعلّق بها حكم التمليك ملكوه.
وقد قالوا في العبد إذا أبق وفي يده مالٌ للمولى: إنّ أهل الحرب يملكون ما في يده، ولا يملكونه؛ لأنّ يده في الأملاك يدٌ لمولاه، فكأنّ المال أُخِذ من يد المولى، وليست يده في رقبته مع الإباق والمباينة يدًا للمولى؛ فلذلك لم يملكوه.
وجه قولهما أنّ العبد ملكٌ للمولى كالبعير والفرس، (فكما يملكون البعير والفرس إذا أخذوه في دار الحرب، كذا يملكونه إذا أخذوه من دار الإسلام) (٣)، فكذلك هذا.
٢٨٣٢ - مَسأَلةٌ (٤): [المدبّر يؤخذ من دار الإسلام لدار الحرب]
قال: فإن كان أهل الحرب أخذوا من دار الإسلام مُدَبَّرًا لرجلٍ، أو أمّ ولدٍ،
стр. 5329
أو مكاتَبًا، فإن ظهر المولى عليه فهو له قبل القسمة وبعدها بغير شيءٍ، وكذلك كل ما لا يُملَك على المسلم بميراث.
وإن اشتراه رجلٌ منهم فلمولاه أن يأخذه منه بغير شيءٍ؛ وذلك لأنّ ما لا يملكه بعضنا على بعضٍ بالعقود، لا يملكه أهل الحرب علينا (١) بالغلبة كأحرارنا.
فإن قيل: لما ملكنا عليهم بالغلبة لم يختلف أحرارهم ومدبّروهم وعبيدهم، قيل له: لما جاز أن يملك بعضهم [على] بعضٍ بالغلبة وإن كان حرًا، جاز أن يملك ذلك عليهم، ولمّا لم يملك أحرارنا، لم يجز أن يملكوهم علينا.
٢٨٣٣ - فَصْل: [شراء مسلم لعبدٍ مسلمٍ من أهل الحرب شراءً فاسدًا]
وإن اشترى مسلمٌ من أهل الحرب عبدًا لمسلمٍ شراءً فاسدًا بخمرٍ أو خنزيرٍ أخذه صاحبه بقيمة العبد، وإن شاء ترك؛ وذلك لأنّ المسلم إذا اشترى من الحربّي بالخمر، فالمملوك مأخوذٌ [لا] على وجه البيع، لكن لمّا طابت نفس الحربيّ بأخذ العوض الفاسد، صار المسلم آخذًا للعبد بطيبة نفسه، لا بالبيع، فكأنّه استوهبه.
قال: ولو كان المأسور حرًا، فاشتراه رجلٌ منهم وأخرجه إلى دار الإسلام، فلا شيء للمشتري على الحرّ، إلا أن يكون الحرّ أمره بذلك، فيكون الثمن دينًا عليه؛ وذلك لأنّ الحرّ لا يُملَك بالشراء، وإنّما تبرّع المسلم بدفع الفداء عنه، ومن تبرّع عن غيره بمال بذله، لم يرجع به عليه، فأمّا إذا أمره بالشراء، فقد افتداه بإذنه، فصار وكيلًا له في الفداء، فيرجع عليه بالمال، كالوكيل في الخلع والصلح.
стр. 5330
٢٨٣٤ - فَصْل [الأخذ مما يكال ويوزن قبل القسمة]
قال: وإن كان الموجود في (١) الغنيمة شيئًا ممّا يكال أو يوزن، ما يضمن بمثله إذا استهلك، فلصاحبه قبل القسمة أن يأخذه بغير شيءٍ، وإن كان بعد القسمة (لم يأخذه؛ وذلك لأنّ الأخذ بعد القسمة) (٢) إنّما يثبت ببدلٍ، والبدل في المكيلات والموزونات إذا ضمنت بغير عقد أمثالها، ولا فائدة أن يأخذ دراهم ويعطي مثلها، أو [كُرًّا من] حنطةً بكُرٍّ مثله، وما لا فائدة فيه لا يقضي به القاضي.
وكذلك لو أخذ العدو شيئًا ممّا يكال أو يوزن، فوهبه لرجلٍ، فلا سبيل لصاحبه عليه؛ لأنّه لو أخذه أخذه بمثله، وذلك لا فائدة فيه.
فإن اشتراه مسلمٌ منهم، فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه بالثمن، وإن شاء ترك، وهذا محمولٌ على أنه اشتراه بغير جنسه، ففي أخذه فائدةٌ، فأمّا إن كان اشتراه بمثله، فلا فائدة له في الأخذ.
٢٨٣٥ - فَصْل: [في فسخ تصرف المشتري من أهل الحرب]
قال: وإذا اشترى رجلٌ من العدو عبدًا وأخرجه، فلم يَجئ (٣) صاحبه حتى باعه الذي اشتراه من رجلٍ آخر، ثم جاء صاحبه، فله أن يأخذه من الثاني بالثمن الثاني، ولا سبيل له على الأوّل، وإنّما يأخذه من الأوّل إذا كان العبد باقيًا على ملكه، ولم يحدث فيه ما يمنع من تمليكه، فإن أراد صاحبُ العبد أن ينقض البيع الثاني ويأخذه بالثمن الأوّل من المشتري الأوّل (٤)، لم يكن له ذلك، وهذا قول
стр. 5331
أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول محمدٍ في الأصل.
وقال ابن سَماعة عن محمدٍ في نوادره: إنّ المولى بالخيار: إن شاء أخذه بالثمن الأوّل، وإن شاء بالآخر، كما يكون له في الشفعة.
وجه قولهما: أنّ المولى لو ملك فسخ تصرّف المشتري من أهل الحرب، لملك فسخ القسمة، حتى يردّ الشيء إلى أصل الغنيمة فيأخذه بغير عوضٍ، فلمّا لم يملك ذلك، دلّ على أنه لا يملك فسخ تصرّف [من] حصل في يده، وإذا لم يملك الفسخ، ثبت له الأخذ بالثمن الثاني.
وجه قول محمدٍ: أنّ حقّ المولى سابقٌ لحقّ المشتري، فكان له فسخ تصرّفه، كالشفيع.
٢٨٣٦ - [فَصْل: طلب المولى الأول جاريته المأسورة بعد زمن]
وعلى هذا الأصل، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا علم المولى الأوّل بشراء الجارية المأسورة وإخراجها، فلم يطلبها حتى مضى زمان، ثم طلبها فله ذلك.
وقال محمدٌ: إذا ترك الطلب والإشهاد، سقط حقّه، كما يسقط في الشفعة.
وجه قولهما: أنّ حقّ الشفيع إنّما يسقط بترك الطلب (١) لما يثبت له من الحقّ في فسخ تصرّف المشتري، فجعل حقّه على المجلس، حتى لا يضرّ ذلك [بالمشتري] (٢)، ويمنعه من التصرف، وفي مسألتنا ليس للمولى إبطال تصرّف المشتري، فلم يكن في تأخير الطلب إلحاق ضررٍ به، فلذلك ثبت حقّه
стр. 5332
على التأبيد.
وأمّا محمدٌ فمن أصله: أنّ المولى يفسخ تصرّف المشتري، فطلبه على المجلس كطلب الشفيع.
وقد قال محمدٌ على هذا الأصل: إنّه إن أشهد على نفسه حين علم، ثم أخّر الأخذ شهرًا من [غير] عذرٍ، سقط حقّه كما قال في الشفعة.
٢٨٣٧ - فَصْل: [المولى يجد عبده الأسير في ملك مسلم]
قال: وإذا اشترى المسلم عبدًا من دار الحرب قد أسره العدو، فجاء المولى، فله أن يأخذه بالثمن أو يدع، فإن مات [المولى] قبل أن يأخذه، فجاء وارثه فطالب بأخذه، فإنّ ابن سماعة روى عن أبي يوسف: أنّه ليس للوارث أن يأخذه، وروى عليّ بن الجَعْد عنه: أنّ للورثة أن يأخذوه، وهو قول محمدٍ.
وجه رواية ابن سَماعة: أنّ المولى يثبت له خيارٌ في الأخذ، فإذا مات لم يورث خياره، كما لو مات الشفيع، وكخيار الشرط والرؤية؛ ولأنّ الوارث لم يكن مالكًا حال الأسر، ولم يثبت له حقٌّ في ذلك الوقت، فلا يثبت له من بعد.
وجه رواية علي بن الجعد، وهو قول محمدٍ أنّ هذا الحقّ مستقرٌّ بدليل أنّه لا يبطل بالتأخير، فصار كخيار العيب، فلا يبطل بالموت، وهذا صحيحٌ على مذهب محمدٍ في الأصول (١)، فأما إذا قال: إنّ هذا الحقّ كحقّ الشفيع، فالصحيح من مذهبه مثل قول أبي يوسف.
قال: وليس لبعض الورثة أن يأخذوا ذلك دون بعضٍ؛ لأنّهم قاموا مقام
стр. 5333
الميت، ولم يكن للميت أخذ بعض المأسور دون بعض، فكذلك ورثته.
٢٨٣٨ - مَسألةٌ: [أحقية الجارية المأسورة]
قال: وإذا أُسرَت أمة رجلٍ، ودخل رجلٌ دار الحرب فاشتراها وخرج بها إلى دار الإسلام، ثم أسرها العدو ثانيًا من يد مشتريها، فدخل رجلٌ فاشتراها، فالمشتري الأوّل أحقّ بها، فإن أخذها (١) من يد المشتري الثاني بالثمن الذي اشتراها [به]، كان (٢) لمولاها الأوّل الذي أُسرَت من يده أوّلًا أن يأخذ من المشتري الأوّل بالثمنين جميعًا، وإن شاء ترك.
فإن لم يأخذها المشتري الأوّل من المشتري الثاني، وتركها في يده، لم يكن للمولى الأوّل عليها سبيل [في قولهم جميعًا]، وإنّما يثبت حق الأخذ فيها للمشتري دون المالك [الأول]؛ لأنّها أُسِرت من ملك المشتري، والحقّ في الأخذ يثبت لمن حصل الأسر من ملكه؛ لأنّ حقّ المولى في الأخذ يجري مجرى حقّ الرجوع في الهبة، ومعلومٌ أنّ الموهوب له إذا وَهَب لم يكن للواهب الأول الرجوع على الموهوب الثاني، كذلك ليس للمولى الأوّل أن يأخذها من يد المشتري الثاني.
وإذا ثبت (٣) ذلك للمشتري الأوّل، فإذا أخذها، كان للمولى الأوّل أن يأخذها من يده؛ لأنّها عادت إلى المشتري الأوّل على حكم الملك الأوّل، فعاد بحقوقه، كما قالوا في الواهب الثاني إذا رجع في الهبة: إنّ للواهب الأوّل أن
стр. 5334
يرجع فيها؛ لأنّ العين عادت إليه بحكم الملك الأول، فعاد بحقوقه.
فإن أراد المالك الأوّل أن يأخذها من المشتري الأوّل، أخذها بالثمنين؛ لأنّه يأخذ الملك بما قام على المشتري، وقد قامت عليه هذه الجارية بالثمنين جميعًا، فإن شاء المولى أخذها بذلك، وإن شاء ترك.
٢٨٣٩ - فَصل: [المال الذي أصابه أهل الحرب من المسلمين]
وإذا أسلم أهل الحرب وفي أيديهم متاعٌ للمسلمين أصابوه في حال الحرب وأحرزوه، فهو لهم، لا سبيل لأربابه عليه، ولا يشبه إسلامهم الشراء منهم أو غنيمة ما في أيديهم من أموال المسلمين، وذلك لقوله ﷺ : "من أسلم على مالٍ فهو له" (١)؛ ولأنّ الحربي لمّا أخذ مال المسلم، لم يلزمه ردّه؛ لأنّ بقاءه على الحرب يمنع الخطاب والأحكام، وإذا لم يلزمه حقّ الردّ حال ما ملكه، لم يلزمه في الثاني.
(وليس كذلك المسلم إذا اشترى منهم؛ لأنّ حقّ الردّ لزمه عند ملكه، فلذلك لزمه في الثاني) (٢).
٢٨٤٠ - [فَصْل: أحقية صاحب الجارية المبيعة إذا ظهر المسلمون]
قال: وإذا أغار المشركون على دار الإسلام وأخذوا منها أمولًا، فأدركهم المسلمون قبل أن يصلوا بها إلى دار الحرب، وأخذوها من أيديهم، رُدّت على
стр. 5335
أربابها بغير شيءٍ، ولا تصير ملكًا لمن أخذها على وجهٍ؛ لأنّ العدو لا يملكها حتى تصل (١) إلى داره؛ وذلك لأنّ القائل أحد قائلين: إمّا من قال: إنهّم لا يملكون أموالنا بحالٍ، أو من قال: إنّهم يملكونها بالحيازة، فما لم تحصل الحيازة، لم يملكوها بالإجماع.
٢٨٤١ - فَصْل: [إعتاق الحربي العبد المأسور في دار الحرب]
قال: ولو أعتق الحربّي العبد المأسور في دار الحرب، أو دبّره أو كاتبه، أو كاتب أمةً فاستولدها، فولدت منه أولادًا، ثم ظهر المسلمون عليهم، فذلك كلّه جائزٌ، وقد عتقت هي وأولادها، ويعتق أيضًا المُدبَّر والمُكاتب.
أمّا إذا أعتقها فقد زالت يده بالعتق، وهي مسلمةٌ، فتحصل في يد نفسها، فتعتق [عليه] بحصولها في يد نفسها، كما يعتق عبد الحربّي إذا خرج إلينا مسلمًا، وهذا قول أبي حنيفة.
وأمّا أبو يوسف: فإنه يوقع العتق بإعتاقه.
وأمّا إذا استولدها، فالاستيلاد يثبت في دار الحرب؛ لأنّه فرعٌ للنسب، والنسب يثبت للحربيّ كما يثبت للمسلم، فإذا غلب المسلمون على الدار، فقَهْر الحربيّ كموته؛ بدلالة زوال ملكه عن أمواله، ولو مات عتقت أمّ ولده، فكذلك إذا غلب عليه.
وأمّا المكاتب، فيجوز أن يقال: [إنّ يد المولى زالت عنه بالكتابة وصار في يد نفسه فعتق، ويجوز أن يقال]: إنّه لم (٢) يعتق بالكتابة؛ لأنّ يد المولى لا
стр. 5336
تزول عنه من جميع الجهات، فإذا غلب على المولى سقطت ديونه، والمكاتب إذا برئ من مال (١) الكتابة عتق.
فأمّا المُدبّر، فعتقه متعلّقٌ بالموت، والغلبة على المولى كموته.
٢٨٤٢ - [فَصْل]
قال: فإن باعها الحربيّ الذي صارت له، ثم ظهر عليه المسلمون، فهي أمةٌ، ويأخذها صاحبها قبل القسمة بغير شيءٍ، وبعدها بالقيمة؛ لأنّه لمّا باعها صحّ بيعه، وانتقلت إلى المشتري، فثبت فيها حقّ المولى الأوّل، كما يثبت لو بقيت في ملك الذي أسرها (٢).
стр. 5337
بَاب من يُكره قتله من أهل الحربِ ومن لا يكره قتله وأسره
قال أيّده الله: وجملة هذا الباب: أنّ كلّ من كان من أهل القتال غالبًا، فإنّه يُقتَل إذا كان حربيًا، قاتل أولم يقاتل، ومَن لم يكن من أهل القتال غالبًا كالنساء والصبيان، فإنّهم لا يُقْتَلُوْن إلّا أن يقاتلوا، وقد بيّنا هذا فيما تقدّم.
وإنّما زاد في هذا الباب: ما اقتضى إعادة حمل ما مضى، فنقول: إنّه لا يقتل النساء، ولا الصبيان، ولا الشيوخ، ولا المجانين، ولا الرُّهبان في الصوامع و [لا] السّيَّاحون الذين لا يخالطون الناس، ولا من طيّن عليه كنيسةً أو ديرًا وترهّب، ولا الأعمى، ولا اليابس الشقّ، (ولا مقطوع اليد والرجل من خلافٍ) (١)، ولا مقطوع اليد اليمنى خاصّةً؛ لما قدّمناه.
فإن قتل رجلٌ مسلمٌ (٢) واحدًا منهم، فلا قيمة عليه ولا دية ولا كفّارة، وعليه الاستغفار؛ وذلك لما روي عن رباح بن ربيع قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا فقال: "انظر على ما اجتمع هؤلاء" قالوا: على امرأةٍ، قال: "ما كانت هذه تقاتل"، وخالد بن الوليد على المقدّمة، فبعث رجلًا فقال: "قل لخالد: لا تقتلن [ذريّةً] (٣) ولا عسيفًا" (٤).
وروي عن ابن عباسٍ قال: مرّ رسول الله ﷺ بامرأةٍ يوم خيبر مقتولةً، فقال:
стр. 5338
"من قتل هذه"، قال رجلٌ: أنا يا رسول الله، أردفتها خلفي فأهوت إلى سيفي، فأخذته فقتلتها، فقال ﷺ : "ما شأن قتل النساء، ما شأن قتل النساء، ادفنها (١) ولا تعد" (٢)، ولم يوجب ﵇ عليه بقتلها ضمان ديةٍ (٣)؛ ولأنّ دماءهم لم تحرز بدار الإسلام، فحظر القتل (٤) لا يوجب تقويمها، (كمن أسلم في دار الحرب) (٥).
فأمّا الاستغفار؛ فلأنّ قتلهم معصيةٌ.
قال: وللمسلم أن يقتل الذي يجنّ ويفيق، والأخرس والأصمّ، وأقطع اليد اليسرى وأقطع إحدى الرجلين، وإن لم يقاتلوا؛ لأنّ هؤلاء من أهل القتال، ألا ترى أنّهم يقدرون على ذلك غالبًا، فالنقص فيهم لا يمنع القتل، كالمقطوع الأصبع.
قال: ويقتل القسيسون والشمامسة والسيّاحون الذين يخالطون الناس؛ وذلك لأنّ هؤلاء من أهل القتال، فأمّا من انفرد وترك مخالطة الناس، فإنّه ليس من أهل القتال غالبًا.
وإذا ثبت أنّ من ليس من أهل القتال لا يُقتَل، فينبغي أن يؤسروا أو يحملوا إلى دار الإسلام إذا قدر المسلمون على ذلك؛ لأنّ النساء والصبيان في حملهم منفعةٌ للمسلمين، وهي الاسترقاق، وفي تركهم معونةٌ للكفار؛ لأنّ الصبيان يكبرون، والنساء يلدن، ولا يجوز لنا أن نترك [لهم] (٦) ما يستعينون به على قتالنا
стр. 5339
إذا قدرنا على أخذه.
فأمّا الشيخ الفاني الذي لا يقاتل، ولا رَأْيَ له، ولا هو ممّن يلقّح: فإن شاءوا أسروه، وإن شاءوا تركوه؛ لأنّ في أسره منفعةً ليفادوا به، وليس في تركه ضررٌ على المسلمين.
فأمّا المعتوه فلا يجوز تركه مع القدرة؛ لأنه يولد له من يُستَعان بقتاله.
وأمّا الرهبان وأصحاب الصوامع والسياحون، فلا يقتلون ولا يؤسرون؛ لأنهم لا يخالطون الناس فيقاتلون، ولا يطؤون (١) النساء فيلقحون، فلم يكن في تركهم (منفعةٌ للمشركين.
فأمّا الأعمى، والمقعد، واليابس الشقّ، والمقطوع اليد والرجل، أو اليد اليمنى، فإنّهم يؤسرون؛ لأنّ في تركهم) (٢) منفعةً للكفار، ألا ترى أنهم يطؤون النساء، فيلقحون ويكثر بهم عدد الكفار.
قال: وكل من جاز للمسلمين أن يقتلوه، فلهم أن يأسروه ويسترقّوه؛ لأنّ الأسر يخرجه من دار الحرب ويمنع استعانة الكفار به، ويحصل باسترقاقه فائدةٌ للمسلمين، فيجوز ذلك.
قال: ومن لا ينبغي للمسلمين أن يقتلوه، فلم يقدروا على إخراجه، [لأنّهم] (٣) جريدة خيلٍ، فليدعوه ولا يقتلوه؛ لأنّ القتل معصيةٌ، ولا يجوز لنا أن نتعجّل المعصية لما نخافه في الثاني من ضرر الكفار.
стр. 5340
قال: والعجوز الكبيرة من النساء (١) التي لا يُرجَا ولادها، إن شاؤوا أسروها، وإن شاؤوا تركوها؛ لأنها لا تصلح للولادة، ولا ينتفع باسترقاقها، إلا أنها تصلح للفداء، فصارت كالشيخ الفاني.
قال: وإن كان الشيخ ذا رأيٍ ومشورةٍ في الحرب، فإنّي أكره إذا ظفر المسلمون به أن يتركوه حتى يخرجوه، وأكره للمسلمين أن يفتدوه بمالٍ (٢)؛ وذلك لأنّ [ذا] الرأي يُنتَفع به في الحرب أكثر من القوة، فإذا لم يجز ترك قتل (٣) المقاتل، فذو الرأي أولى.
قال: وإن قاتلت امرأةٌ منهم، أو غلامٌ، أو مقعدٌ، أو أحدٌ ممّن [ذكرنا أنّه] لا يقتل، فلا بأس بقتله، وكذلك إن حرّض على القتال، أو كان ممّن يطاع؛ لأنّ الرجل الصحيح يقتل لأنّه يصلح للقتال، وفعل القتال أكثر من الصلاح، فلأن يبيح القتل أولى، وكذلك التحريض معونةٌ في الحرب كالقتال.
فأمّا إذا كان ممّن يطاع، ففي قتله تفريق الجمع، وهو أنفع من قتل المقاتلة.
قال: ولو أنّ راهبًا في صومعته، أو سيّاحًا دلّ المشركين على عورة المسلمين، [فاطلع المسلمون على ذلك]، فلا بأس بقتله أو أسره؛ لأنّه قد حصل منه معونةٌ في الحرب، فهو كالقتال.
قال: وإن كان ملكهم [غلامًا] صغيرًا، فأحضروه للناس، وكان قتله كسرًا لهم وهزيمةً، فلا بأس بقتله وإن كان صغيرًا، وكذلك إن كان الملك امرأةً؛ لأنّ
стр. 5341
في قتل الملك تفريق جمعهم، فصار أنفع من قتل المقاتلة، وكذلك الشيخ إذا أحضروه ليشير عليهم؛ لأنّه صار من أهل القتال بالمعونة بالرأي.
قال: وإذا قاتلت المرأة، فأخذها المسلمون، فلا بأس بقتلها، وإن شاؤوا جعلوها فيئًا.
وكذلك الشيخ إذا حضر وحرّض الناس، والأعمى والمُقْعَد؛ لأنّ هؤلاء كلّهم صاروا (١) من أهل المعونة في الحرب، فهم كالرجال الأصحّاء.
فأمّا الصبيّ أو المعتوه الذي لا يعقل، فلا بأس بقتلهما ما داما يقاتلان أو يحرّضان؛ لأنّ في ذلك دفع ضررهما، كما يدفع ضرر الفحل إذا صال، فإن صارا في أيدي المسلمين لم ينبغ أن يقتلوهما؛ لأنهما ليسا بمكلفين فيقتلان عقوبة، وإنّما كانا (٢) يقتلان دفعًا، وقد استغني عن ذلك.
قال: وكذلك إن قتلا غير واحدٍ؛ لأنّ جنايتهما لا توجب العقوبة، كجناية البهيمة.
قال: وإن لم يقدروا على إخراج الصبيّ والمعتوه، وهم يخافون إن خلّوا سبيلهما أن يعودوا إلى قتالهم، وغلب ذلك على أكثر ظنّ المسلمين، فلا بأس بقتلهما؛ وذلك لأنّ في تركهما ضررًا؛ لأنّهما (٣) صارا من أهل القتال كالرجال (٤).
стр. 5342
بَاب الموادعةِ
قال أبو حنيفة ﵀: لا ينبغي موادعة (١) أهل الحرب إذا كان بالمسلمين عليهم قوّةٌ، وإن كان المسلمون لا قوة لهم عليهم، أو كانت لهم قوةٌ إلا أنّ الموادعة خيرٌ للمسلمين وأصلح في التدبير، فلا بأس بذلك، وأمّا إذا استغنوا عن الموادعة فلا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]؛ ولأنّ في الموادعة ترك القتال، وقد أمر الله تعالى بالجهاد وقتل المشركين.
فأمّا إذا احتاج المسلمون إلى ذلك بأن كانوا لا طاقة لهم، وكان الصلح أصلح، فلا بأس بفعله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، ولأنّ النبيّ ﷺ صالح قريشًا يوم الحديبية ووادعهم على ترك القتال.
قال: وإن أخذوا منهم على ذلك جعلًا فلا بأس؛ لأنّ المال يجوز أخذه على ترك [قتال] (٢) الكفار كما يجوز أخذ الجزية.
قال: وإذا غلب المرتدون على دارٍ من دور الإسلام، فلا بأس بموادعتهم إذا خيفوا ولم تؤمن غلبتهم، وكذلك إن كانت الموادعة أصلح في تدبير أمر المسلمين، وكذلك موادعة أهل البغي إذا خيف غلبتهم، أو كانت موادعتهم
стр. 5343
أصلح؛ لأنّ الضرر إذا خُشِي بقتالهم، صاروا كأهل الحرب.
قال: وإن أُخِذ من المرتدين مالٌ على الموادعة، فإنّ ذلك لا يجوز، ولا ينبغي أن يُوادَع المرتدون على مالٍ، وإن أُخِذ منهم مالٌ على الموادعة، لم يردّ عليهم المال، وإنّما لم يجز أخذ المال منهم على الموادعة؛ لأنّ إسقاط قتلهم بعوضٍ لا يجوز، كما لا يجوز أخذ الجزية منهم، فإذا أخذه الإمام منهم لم يردّه عليهم؛ لأنّ مالهم محلّ (١) الفيء، فإذا حصل في أيدينا بطيبة نفوسهم لم يردّ عليهم كأهل الحرب.
فأمّا أهل البغي، فلا يؤخذ منهم مالٌ على الموادعة، فإن أخذ ردّ عليهم إذا وضعت الحرب أوزارها؛ لأنّ مال أهل البغي ليس بمحلّ (٢) الفيء، فلا يجوز أخذه عوضًا عن ترك القتال، كما لا يجوز أخذ الجزية منهم، (ولا يجوز أخذه على طريق الفيء) (٣)، إلا أنّ ما حصل في أيدينا من أموال أهل البغي لا يردّه عليهم مع قيام الحرب؛ لأن في ذلك معونةً لهم على المعصية، فوجب أن يحبسه الإمام لهم حتى يتوبوا.
قال: وما أخذ المسلمون على موادعة أهل الحرب، فذلك خراج يوضع في بيت المال [للمسلمين]، ولا خمس فيه؛ لأنّه مأخوذٌ بغير قتالٍ، فهو كالجزية.
فإن حاصر المسلمون قَلْعَةً (٤) في دار الحرب، فطلب القوم [من المسلمين]
стр. 5344
أن ينصرفوا [عنهم] على مالٍ افتدوا به أنفسهم، فهذا فيءٌ وفيه الخُمس؛ لأنّه مأخوذٌ بالمقاتلة.
فأمّا كلّ موادعةٍ من مَلِكٍ برسالةٍ يبعث بها إلى إمام المسلمين بغير قتالٍ ولا جندٍ دخلوا دارهم ليقاتلوا، فهذا بمنزلة الخراج، ولا خمس فيه؛ لأنّه مالٌ (١) مأخوذٌ على غير وجه المقاتلة.
قال: ولو نقض قومٌ من أهل الذمّة العهد، وقاتلوا في دارهم، وغلبوا عليها، وجرى حكمهم فيها، كان [هؤلاء] (٢) والحربيون سواءً؛ لأنّ الذمّة لمّا انقطعت عادوا إلى الكفر الأصليّ.
قال: ولا بأس أن يطلب المسلمون موادعة المشركين إذا خافوا على أنفسهم، ولا بأس أن يعطي [المسلمون المشركين] على ذلك مالًا؛ لأنّ النبيّ ﵊ كان يعطي المؤلّفة قلوبهم المال ليدفع ضررهم عن المسلمين؛ ولأنّ في ذلك مصلحةً لهم، فصار كبذل المال في سائر المصالح.
قال: فإذا وقعت الموادعة، فقد أمن الموادَعون من الكفار على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ودمائهم؛ وذلك لأنّ الموادعة أمانٌ لهم، و [عقد] (٣) الأمان يمنع التعرض للمال والولد، وكذلك لو وادعهم فريقٌ من المسلمين بغير إذن الإمام، فالموادعة جائزةٌ على جماعة المسلمين، لأنّها أمانٌ، وأمان الواحد كأمان الجماعة، لقوله ﵊: "ويسعى بذمّتهم أدناهم" (٤).
стр. 5345
قال: وللإمام أن ينبذ إليهم ويبعث إلى مَلِكِهم بالنَّبْذ، فإذا بلغهم ذلك فهذا نقضٌ، وقد صارت دارهم دار حرب.
والأصل في جواز النَّبْذ بعد الأمان: أنّ النبي ﵊ وادع قريشًا ثم نبذ إليهم، وأنفذ إلى مكة مناديًا بنقض الأمان (١)، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]؛ ولأنّ الصلح يعقد لما فيه من مصالح المسلمين، فإذا رأى الإمام أنّ نقضه مصلحةٌ، كان له ذلك.
وإنّما ينبذ إليهم؛ لأنّه لو قاتلهم من غير أن ينبذ، كان خَفْرًا للأمان ونقضًا للعهد، وذلك لا يجوز.
وإنّما اعتبر أن يبلغهم النبذ؛ لأنّ المقصود أن يعلموا بالنبذ، فيستعدّوا للحرب، حتى لا يكون قد غرّهم، وهذا لا يكون إلا بعد علمهم.
قال: ولا ينبغي للمسلمين أن يغيروا عليهم وعلى أطرافهم حتى ينبذوا إلى مَلِكِهم، ويجيء من الوقت مقدار ما يبعث الملك إلى مواضعهم من ينذرهم، فلا بأس عند ذلك أن يغيرَ المسلمون عليهم وإن لم يعلموا أنّ الخبر أتاهم؛ وذلك لأنّه إذا علم الملك ومضت مدّةٌ يمكنه إعلامهم فلم يفعل، فهو المفرّط في حراسة أهل بلده، فلا يلزم المسلمين ذلك.
فإن استيقن [المسلمون] أنّ القوم لم يأتهم خبرٌ ولم يعلموا، لم أحبّ أن يغيروا عليهم حتى يعلموهم [فيأخذوا حذرهم]، وأمّا إذا لم يستيقنوا وقد مضت
стр. 5346
مدّةٌ يمكن أن يبلغهم، فلا بأس بأن يغيروا؛ لأنّا إذا تيقّنّا أنّهم لم يعلموا، فهم على جملة الأمان، فإذا قاتلناهم مع علمنا بحالهم، فقد غرّرناهم، وهذا لا يجوز، وأمّا إذا لم يعلموا وقد مضت مدّةٌ، فالظاهر أنّهم قد علموا، فتفريط ملكهم لا يلزمنا.
قال: فإن لم يكن النقض بنبذ الإمام، وكان النقض منهم بأمرٍ صنعوه من رسولٍ أرسلوه إلى الإمام ينبذون إليه ويخبرونه بنقض العهد، أو بجندٍ بعثوه يقاتلون المسلمين، فلا بأس بأن يغير المسلمون عليهم [حين يأتي المسلمين خبرهم]، إلا أن يستيقنوا (١) أنّ أهل ناحيةٍ لم يعلموا بذلك، فلا يغيروا عليهم حتى يعلموهم؛ وذلك لأنّ الموادعين إذا قاتلوا، فقد أخلّوا بشرائط العهد، وهم في يد أنفسهم، لا يد لنا عليهم، فصاروا كالذمّيّ إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب.
وإذا (٢) انتقضت الموادعة جاز قتالهم، فأمّا من لم [يعلم بنقضه] (٣)، ولا وُجِدَ منه نقضٌ، ففي قتاله قبل علمه خديعةٌ له (٤)، وهذا لا يجوز.
قال: وإذا كانت الموادعةُ قائمةً بيننا وبينهم، فخرج منهم رجلٌ إلى بلد حرب آخر ليس بينهم وبين المسلمين موادعةٌ، فغزا المسلمون تلك الدار التي لم توادعهم، فأخذوا ذلك الرجل منها، فهو آمنٌ لا سبيل عليه ولا على [شيءٍ ممّا] (٥) معه من المال والرقيق والأهل [وغير ذلك]، وحيث مضى أهل الدار الذين وادعناهم، وحيث حلّوا من البلاد فهم آمنون لا يعرض لهم المسلمون؛
стр. 5347
وذلك لأنّهم صاروا بالموادعة آمنين، فهم كأهل الذمّة، [ولو خرج ذمّيٌّ إلى دار الحرب تاجرًا، فظُفِر بالدار (١) كان آمنًا، فكذلك هذا].
ولو دخل دارَ الموادعين رجلٌ من غير دارهم بأمانٍ منهم له، ثم خرج [منها] إلى دار الإسلام بغير أمانٍ من المسلمين، فهو آمنٌ؛ لأنّه لمّا دخل دار الموادعين صار في حكمهم، ألا ترى أنّه لا يجوز أنه لا يجوز أن نأخذه من دارهم، فصار كسائر أهل دارهم، فإذا دخل إلينا كان آمنًا.
ولو كان لم يدخل دار الموادعين، وخرج من داره إلى دار الإسلام على موادعةٍ كانت بينه وبين الموادعين له، كان فيئًا، لنا أن نقتله ونأسره، [لأنّه] لم يصر من أهل دارهم، فيدخل في موادعتهم، ولا بيننا وبينهم موادعةٌ، فلا يلزمنا أمانهم له.
[فإن دخل هذا دار الموادعين قبل أن نأسره] (٢)، فلا سبيل لنا عليه؛ لأنّه لمّا دخل إليهم صار في حكمهم.
قال: وإن غزا المسلمون (دارًا أخرى غير) (٣) دار الموادعين، فأسروا منها رجلًا من الموادعين [كان] أسيرًا في الدار التي غزاها المسلمون، كان فيئًا (٤)؛ وذلك لأنّه إذا أُسر فقد انقطع عنه حكم دار الموادعة، وصار في حكم الذين أسروه، فجاز استرقاقه.
стр. 5348
و [ليس] كذلك إذا دخل عليهم تاجرًا؛ لأنّ حكم داره (١) لم ينقطع عنه، فيبقى على حكم الأمان.
قال: فإن خرج من دار الموادعة رجل أو رجلان أو جماعةٌ لا منعة لهم، فقطعوا الطريق في دار الإسلام، وأخذهم المسلمون، فليس هذا بنقضٍ منهم للعهد؛ وذلك لأنّهم ليسوا في منعةٍ (٢)، فإذا نقضوا العهد لم ينتقض، كالذمّيّ إذا نقض العهد في دارنا.
قال: فإن خرج قومٌ منهم لهم منعةٌ، فقاتلوا المسلمين في دار الإسلام علانيةً بغير أمر ملكهم، ولا أمر أهل مملكتهم، فالملك وأهل مملكته على موادعتهم، وهؤلاء الذين قطعوا الطريق لا بأس بقتلهم واسترقاقهم واسترقاق من معهم من النساء والصبيان؛ لأنّهم لمّا نقضوا ولهم منعةٌ، انفردوا باليد، فصاروا كأهل الذمّة إذا غلبوا على دارٍ وامتنعوا بها ناقضين للعهد.
قال: فإن كانوا خرجوا بإذن ملكهم، فقد نقض القوم جميعًا العهد، وقد عادوا أهل حربٍ، ودارهم كذلك؛ لأنّهم لمّا رضوا بقتالنا، فقد شاركوا في النقض، وهم في [يد] أنفسهم، فيبطل الأمانُ.
قال: ومن وادعه الإمام من أهل الحرب على جُعْلٍ أخذه منهم، ثم بدا له أن ينقض العهد، فلا بأس أن ينقضه، ولكن يبعث إليهم بحصّة ما بقي من المدّة من الجُعْل الذي أخذ، وينبذ إليهم.
والأصل في جواز النقض: ما قدَّمناه، وأمّا ردّ حصة ما بقي من الجُعْل؛
стр. 5349
فلأنّهم بذلوه في مقابلة الأمان، فإذا لم يسلم لهم المُعوَّض سقط العوض.
قال: وإن كانت الموادعة على وقتٍ معلوم، فمضى الوقت، فقد بطل العهد الذي بينهم بغير نبذٍ، ولا بأس أن يغير المسلمون عليهم بعد ذلك؛ لأنّ العهد المؤقت يبطل بِمُضِيِّ الوقت، ولا يد لنا عليهم، فعادوا إلى ما كانوا عليه قبل العهد.
قال: ومن [كان] دخل منهم دار الإسلام بتلك الموادعة لا بأمانٍ غيرها، ثم مضت الموادعة، فهو آمنٌ حتى يرجع إلى مأمنه، لا يحلّ دمه ولا سَبْيه [بمضيّ الموادعة]؛ وذلك لأنّه حصل في دارنا بأمانٍ، فلا يجوز قتله ما لم يبلغه مأمنه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
قال: وهذا إذا صالحناهم على أن يكونوا مبقين على أحكام الكفر.
قال: فإن كانوا صالحوا على أن يجري عليهم أحكام الإسلام بما أعطوه من المال في كلّ شهرٍ، أو في كلّ سنةٍ، فذلك جائزٌ، ويصيرون ذمّةً، ولا يسع المسلمين أن لا يقبلوا ذلك منهم، وهذا إنّما يُراد به أنّ النبذ [إنّما يجوز] فيمن صالحناهم ولم تجر عليهم أحكامنا، فإذا صالحناهم على مالٍ على أن تجري أحكامنا عليهم، فقد صاروا ذمّةً، فلا يجوز النبذ إليهم، ولا ينقض عهدهم، كما لا يجوز [نقض] الذمّة في دارنا (١).
стр. 5350
بَاب المُفاداةِ بالأسرى
الأصل في هذا الباب: أنّ عند أبي حنيفة لا تجوز المفاداة (١) بالأسرى، ولا تجوزُ بغيرهم، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز أن يفادى أسرى المشركين بأسرى المسلمين.
وجه قوله: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهذا يدل على وجوب قتلهم بكلّ حالٍ، وذلك يمنع ردّهم إلى دار الحرب؛ ولأنّهم صاروا من أهل دار الإسلام بحصولهم في أيدينا، فلا يجوز أن يفادى بهم أسرى المسلمين كأهل الذمّة، ولأنّ فيه معونةً لأهل الحرب بما يختصّ بالقتال، وذلك لا يجوز كما لا يجوز بيع السلاح منهم؛ ولأنّ ردّ الأسرى إليهم معصيةٌ، فلا يجوز فعلها وإن أدى ذلك إلى خلاص المسلمين كسائر المعاصي.
وجه قولهما: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]؛ ولأن في ذلك تخليصًا للمسلمين من العذاب والفتنة في الدين، فكان دفع الضرر عن المسلمين أولى من الانتفاع بالأسير.
стр. 5351
٢٨٤٣ - فَصْل: [مفاداة الأسرى بالمال]
[قال]: وأمّا مفاداة الأسرى بمالٍ نأخذه من أهل الحرب، فلا يجوز في المشهور من المذهب، وقال محمدٌ في السير الكبير: لا بأس بذلك إذا كان بالمسلمين حاجةٌ.
لنا: أنّه معونةٌ لهم بما يختصّ بالقتال، فصار كبيع السلاح منهم بالمال.
وجه قول محمدٍ: أنّ النبيّ ﷺ فادى قريشًا (١) يوم بدر بمالٍ أخذه (٢).
وهذا لا دلالة فيه؛ لأنّ سورة براءة من آخر ما أُنزل، وقد تضمنت وجوب (٣) القتل بكلّ حالٍ، فقضى ذلك على ما كان ببدرٍ.
٢٨٤٤ - فَصْل: [المفاداة بأسرى الكفار]
قال أبو يوسف: تجوز المفاداة بأسرى الكفار ما لم يُقْسَموا، فإذا قسمهم الإمام لم يفاد بهم، وقال محمدٌ: تجوز المفاداة بعد القسمة.
وجه قول أبي يوسف: أنّهم إذا قسموا فقد سقط عنهم القتل، واستقرّ فيهم الرقّ، فلا يجوز يجوز المفاداة بهم، كما لا يجوز المفاداة بسائر أهل دارنا، وليس كذلك قبل القسمة؛ لأنّهم على حكم الحرب، ألا ترى أنّ للإمام أن يقتلهم، فلم يستقرّ حكم [الرقّ] (٤) فيهم، فجاز أن يفادي بهم.
стр. 5352
وجه قول محمدٍ: أنّ حقّ الاسترقاق يتعلّق برقابهم قبل القسمة، ولا يمنع ذلك من المفاداة، فكذلك بعدها.
وقال محمدٌ: لا بأس بأن يفادوا بالشيخ الكبير الفاني (١) والعجوز الفانية - إذا كان لا يرجا منهما الولد - بالمال.
وأمّا النساء والصبيان فإنّه لا يفادى بهم بغير الأسرى من المسلمين إلا أن يضطر المسلمون إلى ذلك، وهذا صحيحٌ على قوله؛ لأنّ الشيخ الفاني لا قتال منه، ولا يولد له، فليس في ردّه إليهم معونةٌ تختصّ بالحرب لهم، فجاز ردّه بالمال، وأمّا النساء والصبيان، ففي ردّهم معونةٌ تختصّ بالحرب، فيكره أن يفادوا بغير الرجال إلا عند الضرورة.
قال محمدٌ: وكذلك الكراع والسلاح إذا أخذناه منهم، فطلبوا أن يفادوه منهم لم يسع أن يفعل ذلك، وإن أعطوا رغبةً، إلا أن يضطر المسلمون؛ لأنّه معونةٌ بما يختصّ بالقتال، فلا يجوز في غير حال الضرورة.
قال محمدٌ: فإن طلب المشركون أن يأخذوا رجلًا من أسراهم ويعطونا بدله رجلًا مشركًا أو رجلين، لم يجز ذلك؛ لأنّهم لا يطلبون واحدًا منهم ويدفعون واحدًا إلا لغرضٍ منه وانتفاعٍ به، ولا فائدة لنا في إيصال النفع إليهم بغير منفعةٍ تحصل للمسلمين (٢).
стр. 5353
بَاب أخذِ الجزيةِ
قال: الأصل في جواز الجزية من الكفار قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وأخذ النبيّ ﷺ الجزية من مجوس هَجَر ومن نصارى نَجْران، وأقرّهم على دينهم بها (١)، فدلّ ذلك على جواز أخذها.
وقد طعن بعض الملحدة في ذلك، وقال: الكفر معصيةٌ، فكيف يجوز أخذ العوض على التمكين منه، ولئن جاز ذلك، فلم لا يجوز أخذ العوض عن التخلية بين الزاني والزنا، وكذلك سائر المعاصي.
وهذا ليس بصحيحٍ، والكلام مع قائله [فرعٌ على] (٢) إثبات البارئ سبحانه، وإثبات حكمته وعدله وبعثه الرسل، فإذا ثبت ذلك، لزمنا متابعة ما أمر به.
ثم ما قاله غلطٌ، لأنّ الجزية ليست للتمكين من الكفر، وإنّما هي لترك القتل، وقد كان يجوز من طريق العقل أن يحظر علينا قتل الكفار، ولا نتعبّد بذلك، فكذلك يجوز أن (٣) نتعبّد بتركه بعوضٍ نأخذه؛ ولأنّ القتل الواجب يجوز إسقاطه بعوضٍ كالقصاص.
وإذا ثبت جواز أخذ الجزية، فالكلام في تفصيل مَنْ يُؤْخَذ منه الجزية
стр. 5354
و [مَنْ] لا يُؤخَذ، فنقول: إنّ أهل الكتاب إذا بذلوا الجزية، وجب علينا قبولها منهم وترك قتلهم، وقد دلّ على ذلك نصّ القرآن، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وكذلك يجوز أخذها من المجوس؛ لما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما أصنع بالطائفة التي ليست من أهل الكتاب؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب" (١)، وهذ لا خلاف فيه.
فأمّا عبدة الأوثان من العجم، فيجوز أخذ الجزية منهم، وقال الشافعي: لا يجوز (٢).
لنا: أنّه يجوز [استرقاقهم] (٣)، فجاز أخذ الجزية منهم كأهل الكتاب؛ ولأنّ تبقيتهم على الكفر لمّا جاز بأحد السببين (٤) وهو الرقّ، جاز بالآخر وهو الجزية.
وأمّا عَبَدة الأوثان من العرب، فلا يجوز أخذ الجزية منهم؛ لأنّه لا يجوز استرقاق رجالهم، فلا يجوز إقرارهم بالجزية كالمرتدين؛ ولأنّهم بالغوا في أذية رسول الله ﷺ وتكذيبه وإخراجه من وطنه، فعوقبوا على ذلك، فلم يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام؛ ولهذا قال ﷺ يوم خيبر: "لو كان يجري على عربي رقٌّ،
стр. 5355
لكان اليوم، وإنّما هو الإسلام أو السيف" (١).
وأمّا الصابئة، فقد وضعت عليهم الجزية، ولم ينكر ذلك منكرٌ، وهم عبدة الأوثان؛ لأنّهم يعبدون الكواكب، وليس هم الصابئة الذين ذكرهم الله في القرآن.
وقال أبو حنيفة: يجوز مناكحتهم؛ لأنّ أولئك طائفةٌ من النصارى فنوا ولم يبق منهم أحدٌ، وتسمّى هؤلاء بهذا الاسم خوفًا من القتل، وقد أُخذت الجزية منهم؛ لأنّهم عبدة الأوثان من العجم (٢).
وأمّا المرتدون، فلا يؤخذ منهم الجزية، إنّما هو الإسلام أو القتل، لقوله ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه" (٣)، وروي أنّ رجلًا قدم من مصر فقال له عمر: (هل من مغربة خبرٍ، فقال له: [نعم] رجلٌ ارتدّ مِنّا فقتلناه، فقال: لو ولِّيتُ منه شبه (٤) ما ولِّيتُم لحبسته ثلاثة أيام أعرض عليه [الإسلام] كلِّ يومٍ، فإن أسلم وإلا قتلته) (٥)، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلافٍ.
٢٨٤٥ - فَصْل: [فيمن يجوز استرقاقهم]
وأمّا الاسترقاق، فيجوز في سائر الكفار إلا الرجال من عبدة الأوثان من العرب.
وأمّا النساء، فيقرون بالاسترقاق على الكفر، ولا يجبرون على الإسلام،
стр. 5356
إلا المرتدات خاصةً؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ استرقّ نساء العرب كما استرقّ نساء أهل الكتاب.
وأمّا المرتدة، فهي كافرةٌ لا [تُقتَل كالكافرة] (١) الأصلية، وتُجبَر على الإسلام؛ لأنّا حكمنا لها بحكم الإسلام، فلا يمكن من الانتقال عنه كالرجال، إلا أنّ الرجل يقتل عقوبةً على الكفر، والمرتدة لا تُقتل، ولا يجوز إقرارها على الكفر، فلم يبق إلا إجبارها على الإسلام.
٢٨٤٦ - فَصْل: [الإسلام بإسلام الأبوين]
[قال]: ومَنْ حُكِم له بإسلام بأبوية، فبلغ كافرًا، فإنه يُجْبر على الإسلام، ولا يقتل، وكذلك من أسلم بنفسه في حال الصغر، ثم ارتدّ؛ وذلك لأنّ من حُكِم له بالإسلام تبعًا لأبويه، فلم يلتزم الإسلام بنفسه، فلم يستحقّ القتل بتركه، ومن أسلم في حال الصغر، فإنّ فعله لا يتعلّق به العقوبة، ألا ترى أنّه لو ارتدّ في حال الصغر لم يقتل، فكذلك لا يقتل إذا ارتدّ بعد الكبر.
٢٨٤٧ - فَصْل: [فيمن توضع عليه الجزية]
وأمّا الكلام فيمن توضع عليه الجزية ومن لا يجوز وضعها عليه، فإنها توضع على الرجل الصحيح المعتمل، ولا توضع على النساء والصبيان؛ لأنّ عمر بن الخطاب ﵁ لم يضع على النساء؛ ولأنّها تجب لإسقاط القتل، فمن لا يجب عليه القتل لا توضع عليه [الجزية].
وكذلك لا توضع على (٢) الأعمى، والزَّمِن، والمفلوج، والشيخ الكبير
стр. 5357
الفاني في قول أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف في إحدى الروايتين: توضع عليهم الجزية إذا كانوا أغنياء.
والوجه فيه: أنّ هؤلاء ليسوا من أهل القتال، فلا يجب قتلهم بالكفر، والجزية إنّما هي لإسقاط القتل المُستحَقِّ، فمن لا يقتل بكفره، لا جزية عليه كالنساء والصبيان.
وجهُ قول أبي يوسف: أنّ عمر وضع الجزية على كلّ معتملٍ (١)، ووجود المال أكثر من العمل؛ ولأنّهم ممّن يقتلون بالكفر، ألا ترى أنّ من كان منهم ذا رأيٍ للحرب قتل لكفره لا لرأيه، فجاز أن يوضع عليهم الجزية كالصحيح.
٢٨٤٨ - فَصْل: [فيمن يوضع عليهم الخراج]
فأمّا الرهبان والقسيسون وأصحاب الصوامع، فإنّه يوضع عليهم الخراج (٢) في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال عمرو بن أبي عمرٍو: سألت محمدًا عن أصحاب الصوامع هل يوضع عليهم الخراج؟ قال: كان أبو حنيفة يقول: يوضع الخراج عليهم إذا كانوا يقوون (٣) على العمل، قلت لمحمدٍ: فما قولك؟ قال: القياس ما قال أبو حنيفة.
قال محمدٌ: وليس على السيّاحين والرهبان خراجٌ وإن اعتزل أحدهم، إلّا أنّه [يخالط] (٤) الناس فعليه الخراج.
стр. 5358
والوجه في وضع الخراج عليهم: أنّهم من أهل العمل، إلا أنّهم تركوه مع القدرة عليه، فصاروا كالمعتمل إذا ترك العمل مع القدرة، لم تسقط عنه الجزية.
فأمّا قول محمدٍ في السيّاحين والرهبان، فيجوز أن يكون أجاب على من لا يقدر على العمل من السياحين، فيكون موضع اتفاقٍ، ويجوز أن يكون قال: [إنّ] من لا يخالط الناس لا يقتل، فلا توضع عليه الجزية (١) كالمرأة.
٢٨٤٩ - فَصْل: [ما يوضع على الفقير]
والفقير الذي ليس بمعتملٍ لا خراج عليه عندنا، وقال الشافعي: يوضع عليه الجزية (٢).
لنا: ما روي أنّ عمر وضع على الفقير المعتمل اثني عشر درهمًا (٣)، فشرط في وجوب الجزية على الفقير العمل، فدل على أنّها لا تجب على من لا عمل له (٤)؛ ولأنّ الفقير الذي لا عمل له لا يطيق الأداء، والخراج يعتبر فيه الطاقة، بدلالة خراج الأراضي؛ ولأنّه حقٌّ ماليّ يعتبر فيه الحول فأثّر فيه الفقر كالزكاة.
٢٨٥٠ - فَصْل: [الخراج على الفقير التغلبي]
قال ابن رستم عن محمدٍ في التغلبي الفقير: لا شيء عليه، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ بني تغلب صالحوا على أن تضاعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين، والفقير من المسلمين لا زكاة عليه، فكذلك التغلبيّ.
стр. 5359
٢٨٥١ - فَصْل: [الجزية فيمن مرض أكثر السنة]
قال محمدٌ في الزيادات: في نصرانيٍّ مرض السنة كلّها، فلم يقدر أن يعمل وهو موسرٌ: إنّه لا يجب عليه خراج رأسه؛ [وذلك لأنّ المريض لا يقدر على العمل، فهو كالزمن الغنيّ، وكذلك إذا مرض أكثر السنة]؛ لأنّه على الصحيح المعتمل، وكذلك إن مرض نصف السنة أو أكثرها، فإن صحّ ثمانية أشهر أو أكثر، فعليه خراج رأسه؛ وذلك لأنّ المريض لا يقدر على العمل، فهو كالزمن الغنيّ، وكذلك إذا مرض أكثر السنة؛ لأنّ الأكثر يقوم مقام الجميع، وكذلك إذا مرض نصف السنة؛ لأنّ الموجب والمسقط تساويا فيما طريقه العقوبة، فكان الحكم للمسقط كالحدود.
٢٨٥٢ - فَصْل: [خراج الذمي عن الزمن الفائت]
قال ابن سَماعة عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: في الذميّ يؤخذ منه خراج رأسه في سنته ما دام فيها، فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه لما مضى.
وقال أبو يوسف: آخذه بجميع ما مضى ما دام ذميًّا، وهو قول محمدٍ.
لأبي حنيفة: أنّ الجزية تجب على طريق العقوبة، فكان لاجتماعها تأثيرٌ في التداخل، كالحدود؛ ولأنّها تجب للصَّغار، والاستصغار موجودٌ بخراج (١) السنة التي هو فيها، فلا يحتاج إلى الاستصغار لما مضى.
وجه قولهما: أنّه حقٌّ، وهو مالٌ، فلا يتداخل كالزكاة.
стр. 5360
٢٨٥٣ - فَصْل: [أثر الإسلام أو الموت في الجزية]
وإن أسلم الذميّ أو مات سقط عنه ما مضى في قولهم، وقال الشافعي: لا يسقط.
والوجه فيه: أنّ الجزية تجب على طريق العقوبة، وتسقط بالإسلام كالقتل؛ ولأنّها تجب على وجه الصَّغار (١)، والموت ينافي الاستصغار.
٢٨٥٤ - فَصْل: [وجوب الجزية بأول الحول أو بآخره]
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: تؤخذ [الجزية] حين تدخل السنة ويمضي شهران منها، فيقضي ما عليه بشهرين أو نحو ذلك؛ [لأنه يعامل في الجزية بمنزلة الضريبة، كلما مضى شهران أو نحو ذلك] آخذ منه، قال: ولا يؤخذ ذلك منه حتى تدخل السنة، ولا [يؤخّر] (٢) [ذلك] حتى تتمّ السنة.
وهذا فرعٌ على أنّ الجزية تجب بأوّل الحول، وقال الشافعي: بآخره (٣).
لنا: أنّها تجب لإسقاط القتل، فصارت كما يجب بالصلح من دم العمد؛ ولأنّ المعوّض قد سلم لهم، فوجب أن يُستَحَقّ العوض في مقابلته، كالأجرة والثمن، ولأنّا لو أخّرناها إلى آخر الحول أسقطت بدخول الحول الثاني، فوجب أن يسقط على شهور السنة (٤).