إلا المرتدات خاصةً؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ استرقّ نساء العرب كما استرقّ نساء أهل الكتاب.
وأمّا المرتدة، فهي كافرةٌ لا [تُقتَل كالكافرة] (١) الأصلية، وتُجبَر على الإسلام؛ لأنّا حكمنا لها بحكم الإسلام، فلا يمكن من الانتقال عنه كالرجال، إلا أنّ الرجل يقتل عقوبةً على الكفر، والمرتدة لا تُقتل، ولا يجوز إقرارها على الكفر، فلم يبق إلا إجبارها على الإسلام.
٢٨٤٦ - فَصْل: [الإسلام بإسلام الأبوين]
[قال]: ومَنْ حُكِم له بإسلام بأبوية، فبلغ كافرًا، فإنه يُجْبر على الإسلام، ولا يقتل، وكذلك من أسلم بنفسه في حال الصغر، ثم ارتدّ؛ وذلك لأنّ من حُكِم له بالإسلام تبعًا لأبويه، فلم يلتزم الإسلام بنفسه، فلم يستحقّ القتل بتركه، ومن أسلم في حال الصغر، فإنّ فعله لا يتعلّق به العقوبة، ألا ترى أنّه لو ارتدّ في حال الصغر لم يقتل، فكذلك لا يقتل إذا ارتدّ بعد الكبر.
٢٨٤٧ - فَصْل: [فيمن توضع عليه الجزية]
وأمّا الكلام فيمن توضع عليه الجزية ومن لا يجوز وضعها عليه، فإنها توضع على الرجل الصحيح المعتمل، ولا توضع على النساء والصبيان؛ لأنّ عمر بن الخطاب ﵁ لم يضع على النساء؛ ولأنّها تجب لإسقاط القتل، فمن لا يجب عليه القتل لا توضع عليه [الجزية].
وكذلك لا توضع على (٢) الأعمى، والزَّمِن، والمفلوج، والشيخ الكبير
стр. 5357
الفاني في قول أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف في إحدى الروايتين: توضع عليهم الجزية إذا كانوا أغنياء.
والوجه فيه: أنّ هؤلاء ليسوا من أهل القتال، فلا يجب قتلهم بالكفر، والجزية إنّما هي لإسقاط القتل المُستحَقِّ، فمن لا يقتل بكفره، لا جزية عليه كالنساء والصبيان.
وجهُ قول أبي يوسف: أنّ عمر وضع الجزية على كلّ معتملٍ (١)، ووجود المال أكثر من العمل؛ ولأنّهم ممّن يقتلون بالكفر، ألا ترى أنّ من كان منهم ذا رأيٍ للحرب قتل لكفره لا لرأيه، فجاز أن يوضع عليهم الجزية كالصحيح.
٢٨٤٨ - فَصْل: [فيمن يوضع عليهم الخراج]
فأمّا الرهبان والقسيسون وأصحاب الصوامع، فإنّه يوضع عليهم الخراج (٢) في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال عمرو بن أبي عمرٍو: سألت محمدًا عن أصحاب الصوامع هل يوضع عليهم الخراج؟ قال: كان أبو حنيفة يقول: يوضع الخراج عليهم إذا كانوا يقوون (٣) على العمل، قلت لمحمدٍ: فما قولك؟ قال: القياس ما قال أبو حنيفة.
قال محمدٌ: وليس على السيّاحين والرهبان خراجٌ وإن اعتزل أحدهم، إلّا أنّه [يخالط] (٤) الناس فعليه الخراج.
стр. 5358
والوجه في وضع الخراج عليهم: أنّهم من أهل العمل، إلا أنّهم تركوه مع القدرة عليه، فصاروا كالمعتمل إذا ترك العمل مع القدرة، لم تسقط عنه الجزية.
فأمّا قول محمدٍ في السيّاحين والرهبان، فيجوز أن يكون أجاب على من لا يقدر على العمل من السياحين، فيكون موضع اتفاقٍ، ويجوز أن يكون قال: [إنّ] من لا يخالط الناس لا يقتل، فلا توضع عليه الجزية (١) كالمرأة.
٢٨٤٩ - فَصْل: [ما يوضع على الفقير]
والفقير الذي ليس بمعتملٍ لا خراج عليه عندنا، وقال الشافعي: يوضع عليه الجزية (٢).
لنا: ما روي أنّ عمر وضع على الفقير المعتمل اثني عشر درهمًا (٣)، فشرط في وجوب الجزية على الفقير العمل، فدل على أنّها لا تجب على من لا عمل له (٤)؛ ولأنّ الفقير الذي لا عمل له لا يطيق الأداء، والخراج يعتبر فيه الطاقة، بدلالة خراج الأراضي؛ ولأنّه حقٌّ ماليّ يعتبر فيه الحول فأثّر فيه الفقر كالزكاة.
٢٨٥٠ - فَصْل: [الخراج على الفقير التغلبي]
قال ابن رستم عن محمدٍ في التغلبي الفقير: لا شيء عليه، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ بني تغلب صالحوا على أن تضاعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين، والفقير من المسلمين لا زكاة عليه، فكذلك التغلبيّ.
стр. 5359
٢٨٥١ - فَصْل: [الجزية فيمن مرض أكثر السنة]
قال محمدٌ في الزيادات: في نصرانيٍّ مرض السنة كلّها، فلم يقدر أن يعمل وهو موسرٌ: إنّه لا يجب عليه خراج رأسه؛ [وذلك لأنّ المريض لا يقدر على العمل، فهو كالزمن الغنيّ، وكذلك إذا مرض أكثر السنة]؛ لأنّه على الصحيح المعتمل، وكذلك إن مرض نصف السنة أو أكثرها، فإن صحّ ثمانية أشهر أو أكثر، فعليه خراج رأسه؛ وذلك لأنّ المريض لا يقدر على العمل، فهو كالزمن الغنيّ، وكذلك إذا مرض أكثر السنة؛ لأنّ الأكثر يقوم مقام الجميع، وكذلك إذا مرض نصف السنة؛ لأنّ الموجب والمسقط تساويا فيما طريقه العقوبة، فكان الحكم للمسقط كالحدود.
٢٨٥٢ - فَصْل: [خراج الذمي عن الزمن الفائت]
قال ابن سَماعة عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: في الذميّ يؤخذ منه خراج رأسه في سنته ما دام فيها، فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه لما مضى.
وقال أبو يوسف: آخذه بجميع ما مضى ما دام ذميًّا، وهو قول محمدٍ.
لأبي حنيفة: أنّ الجزية تجب على طريق العقوبة، فكان لاجتماعها تأثيرٌ في التداخل، كالحدود؛ ولأنّها تجب للصَّغار، والاستصغار موجودٌ بخراج (١) السنة التي هو فيها، فلا يحتاج إلى الاستصغار لما مضى.
وجه قولهما: أنّه حقٌّ، وهو مالٌ، فلا يتداخل كالزكاة.
стр. 5360
٢٨٥٣ - فَصْل: [أثر الإسلام أو الموت في الجزية]
وإن أسلم الذميّ أو مات سقط عنه ما مضى في قولهم، وقال الشافعي: لا يسقط.
والوجه فيه: أنّ الجزية تجب على طريق العقوبة، وتسقط بالإسلام كالقتل؛ ولأنّها تجب على وجه الصَّغار (١)، والموت ينافي الاستصغار.
٢٨٥٤ - فَصْل: [وجوب الجزية بأول الحول أو بآخره]
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: تؤخذ [الجزية] حين تدخل السنة ويمضي شهران منها، فيقضي ما عليه بشهرين أو نحو ذلك؛ [لأنه يعامل في الجزية بمنزلة الضريبة، كلما مضى شهران أو نحو ذلك] آخذ منه، قال: ولا يؤخذ ذلك منه حتى تدخل السنة، ولا [يؤخّر] (٢) [ذلك] حتى تتمّ السنة.
وهذا فرعٌ على أنّ الجزية تجب بأوّل الحول، وقال الشافعي: بآخره (٣).
لنا: أنّها تجب لإسقاط القتل، فصارت كما يجب بالصلح من دم العمد؛ ولأنّ المعوّض قد سلم لهم، فوجب أن يُستَحَقّ العوض في مقابلته، كالأجرة والثمن، ولأنّا لو أخّرناها إلى آخر الحول أسقطت بدخول الحول الثاني، فوجب أن يسقط على شهور السنة (٤).
стр. 5361
بَابُ الحكم في المرتدينَ
قال بشر بن الوليد عن أبي يوسف في رجل ارتدّ (١) عن الإسلام: إنّه لا يقتل حتى يُستَتاب، فمن قتله قبل أن يستتيبه فقد أساء، ولا ضمان عليه.
والأصل في ذلك: أنّ المرتد يستحبّ عرض الإسلام عليه؛ لما روي أنّ رجلًا قدم على عمر ﵁، فقال له: هل من مغربة خبرٍ؟ فقال: نعم (٢)، رجلٌ منا ارتد عن الإسلام فقتلناه، فقال عمر: لو وُلّيت منه ما وُلّيتم، حبسته ثلاثة أيام أعرضُ عليه الإسلام كلّ يومٍ، فإن أسلم وإلا قتلته (٣).
ولأنّ الظاهر أنّه لا يرتد إلا لشبهةٍ دخلت عليه، فيستحب عرض الإسلام لجواز أن يذكر الشبهة، فيزيلها.
وليس عرض الإسلام عليه بواجبٍ؛ لأنّ الدعوة بلغته، والكافر إذا بلغته الدعوة استحبّ أن يُجدّد عرض الإسلام عليه، ولا يجب ذلك على ما قدّمنا.
٢٨٥٥ - فَصْل: [قتل المرتد]
стр. 5362
وأمّا وجوب قتل المرتد، فلقوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، قيل في التفسير: المراد به (١): أهل الردّة (٢)؛ ولقوله ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه" (٣)، ولحديث عمر الذي قدّمناه.
وارتدّ مستورد العجلي، فقتله علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وجعل ماله لورثته المسلمين (٤).
٢٨٥٦ - فَصْل: [القتل قبل عرض الإسلام]
وأمّا من قَتَله قبل عرض الإسلام، فقد أساء، ولا شيء عليه؛ لأنّ القتل قد وجب بالكفر، وإنّما يستحبّ عرض الإسلام لجواز أن يسلم، فإذا قتله فالقتل مستحَقٌّ، فلا يلزمه ضمانٌ.
٢٨٥٧ - فَصْل: [تأجيل القتل بطلب المرتد]
[قال]: وأمّا تأجيل المرتدّ، فقد ذكر بشر عن أبي يوسف أنّه [إن] قال: أجّلوني حتى انظر في أمري، أُجّل ثلاثة أيام، لا يزاد على ذلك.
وقال محمد في السير الكبير: فإن لم يطلب المرتد الأجل، لم يؤجّل ساعةً، ويعرض الإسلام [عليه]، فإن أسلم وإلا قتل.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: يستتيبه الإمام، فإن تاب وإلا قُتِل مكانه،
стр. 5363
وكذلك قال محمدٌ في السير الصغير، وليس هذا باختلاف روايةٍ، لكن إذا طلب التأجيل فإنّما طلبه لينظر، فيجب أن يُمهَل حتى ينظر في أمره.
وإن لم [يطلب] (١) فهو موقوفٌ على رأي الإمام، فإن غلب في ظنه أنّه إن أجّله أسلم [أجّله]، وإن لم يغلب ذلك في ظنه عجّل قتله.
وإنّما قدّروا التأجيل بثلاثة أيام؛ لأنّها أقصى مدة الارتياب، بدليل الخيار (٢).
٢٨٥٨ - فَصْل: [كيفية توبة المرتد]
وأمّا كيفيّة التوبة، فيجب أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، ويتبرأ من كلّ دينٍ سوى دين الإسلام، أو يتبرأ من الدين الذي انتقل إليه؛ وذلك لأنّ كلّ كافرٍ أخذنا عليه الإسلام لا بد من أن يتبرأ من الأديان، [أو] من دينه الذي كان عليه، فيقول اليهوديّ: إنّي بريءٌ من اليهودية، ويقول النصرانيّ: إنّي بريءٌ من النصرانية؛ لأنّ منهم من يقول: إنّ محمدًا رسول [الله] إلى العرب خاصّةً، فلا بدّ أن يتبرأ من الأديان لأجل ذلك.
فأمّا عبدة الأوثان، فيكفي في إسلامهم الشهادتان؛ لأنّ هذا [التأويل] يختصّ بأهل الكتاب، والمرتدّ كافرٌ ليس بوثنيٍّ، فلا بدّ من أن يتبرّأ من الدين الذي انتقل إليه، أو من الأديان.
стр. 5364
٢٨٥٩ - فَصْل: [تكرار الردة]
فإن تاب المرتد، ثم رجع فارتدّ، كان حكمه في الدفعة الثانية كالأولى، وكذلك الثالثة والرابعة.
وحكي عن علي بن أبي طالب وابن عمر: أنّ توبته تقبل في الثالثة، ولا تقبل بعد ذلك، وإنّما (١) يقتل (٢).
لنا: ما روي أنّ أسامة بن زيدٍ أراد أن يقتل رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنه، فقال له رسول الله ﷺ : "قتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله؟ ومن لك بلا إله إلا الله يوم القيامة"، فقال: إنما قالها تعوّذًا، فقال: "هلّا شققت عن قلبه"؟ (٣)، فدلّ على أنّه يُرجَع في الإسلام إلى الظاهر؛ ولأنّ النبي ﷺ كان يقبل من المنافقين ظاهر الإسلام، وقد أطلعه الله تعالى على اعتقادهم، ولم يقتل، فدلّ على أنّ المعتبر ظاهر الإسلام.
ولأنّه إنّما قُبلَت توبته في الدفعة الأولى والثانية؛ لإظهاره الإسلام، وهذا المعنى موجودٌ في الرابعة، وأمّا قوله تعالى: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧]، فلا دلالة فيها؛ لأنّه لم يذكر التوبة بعد الثالثة، وإنّما ذكر أنّهم ازدادوا كفرًا.
ولا يقال: إنّه إذا تكرّر الكفر منه وإظهار الإسلام دلّ على أنّه مستهزئٌ؛ وذلك لأنّ المعتبر بالظاهر على ما قدّمنا.
стр. 5365
قال في [المرّة] (١) الرابعة إذا تاب: إنّه يضربه ويخلّي سبيله؛ وذلك لأنّه قد أتى منكرًا بتكرار الكفر، فيؤدّب حتى يرتدع عنه فلا يعاوده (٢).
قال: وإن أُتِي به الإمام بعد الثالثة استتابه، فإن لم يتب قتله ولا يؤجّله، وإن تاب ضربه ضربًا وجيعا، ولا يبلغ الحدّ، ثم يحبسه ولا يخرجه من السجن حتى يرى عليه خشوع التوبة ويرى من حاله أنّه قد أخلص؛ وذلك أنّه إذا عاد بعد الثالثة فقد عظم جرمه، فيزاد في عقوبته، ويحبس استظهارًا في أمره؛ لأنّه لمّا لم يمكن الزيادة في عدد الضرب لأنّ التعزير لا يبلغ الحدّ، ضُمّ إليه الحبس.
٢٨٦٠ - فَصْل: [تكرار إفهام المرتد]
قال: قال أبو يوسف: وإذا فهّم المرتد ولم يتكلم، رددت عليه حتى يعلم أنّك قد أفهمته، فإن لم يتكلم قتلته؛ لأنّ الدعاء إلى الإسلام غير واجبٍ، وإنّما يستحبّ، وقد فعل ذلك، فإمساكه (٣) عن الكلام لا يسقط القتل الواجب له.
٢٨٦١ - فَصْل: [معاملة المرأة المرتدة]
وإذا ارتدت المرأة الحرّة أو الأمة عُرض عليها الإسلام، فإن أسلمت قُبَل منها، وإن أبت حُبسَت وأُجبرَت على الإسلام، وهذا قولهم، وكان أبو يوسف يقول: إنّها تقتل، ثم رجع.
والدليل على أنّها لا تقتل: أنّ كفرها الأصلي لا يُستحَقّ به القتل؛ لأنّها
стр. 5366
ليست من أهل القتال، فكذلك الكفر الطارئ؛ ولأنّ النبي ﷺ نهى عن قتل النساء، وهو عامٌّ.
وإنّما تُجبَر على الإسلام؛ لأنّ المسلم لا يُقرّ على الكفر بعد التزامه الإسلام.
قال الحسن: والجبرُ الذي تجبر به المرأة: أن تحبس، ثم يخرجها في الأيام، فيعرض عليها الإسلام، فإن أبت ضربها أسواطًا، ثم يعرض عليها الإسلام، فإن أبت حبسها، ثم يخرجها كلّ أيامٍ فيعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا ضربها، ثم يحبسها أبدًا حتى تسلم.
وهذا صحيحٌ؛ لأنّه لمّا لم نجز (١) القتل وجب أن نعاقب بما يجري مجرى التعزير، والتعزير: الضرب [والحبس].
وقال أبو حنيفة: فإن كان مولى الأمة المرتدّة محتاجًا ليس له من يكفيه خدمته، دفعها إليه تخدمه، وأمره القاضي أن يجبرها على الإسلام، وأرسل إليها القاضي كلّ أيامٍ فيهددها ويضربها أسواطًا، يصنع بها أبدًا ذلك حتى تموت أو تسلم؛ لأنّ منافع الأمة لمولاها، فكفرها لا يُسقِط حقّ المولى، ويمكن الجمع بين التضييق عليها وبين الخدمة، فيفعل ذلك، وقد ذكر محمدٌ في السير الكبير حبس المرتدّة، ولم يذكر الضرب (٢).
٢٨٦٢ - فَصْل: [إقرار المرتد على ردته]
قال: ولا يُقَرّ الرجال المرتدون على الردّة بجزيةٍ ولا رِقٍّ؛ لقوله تعالى:
стр. 5367
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]؛ ولأنّهم بالغوا في الكفر حين اعتقدوه بعد الإسلام، فصاروا كعبدة الأوثان من العرب.
وإن لحقت المرتدة بدار الحرب، [ثم سُبيت]، استُرقّت وأُجبرَت على الإسلام.
والأصل فيه: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ استرقّوا نساء أهل الردّة (١)، وكانت أمّ محمد بن الحنفية منهم (٢)؛ ولأنّها كافرةٌ لا تقتل كالأصليّة.
فأمّا المرتدة في دار الإسلام فلا تسترقّ؛ لأنّها من أهل دارنا، والاسترقاق إنّما يثبت مع أهل الحرب خاصّةً (٣).
стр. 5368
بَاب حكمِ المرتدِّ وتصرفه فيه
قال: وإذا ارتدّ رجلٌ عن الإسلام، فما صَنَع في ماله من عتقٍ أو تدبيرٍ أو بيعٍ [أو شراء] أو هبةٍ أو غير ذلك، فهو موقوفٌ في قول أبي حنيفة (١)، فإن قُتِل أو مات أو لحق بدار الحرب على ردّته، بطل جميع ما صنع من ذلك، إلا أن يدّعي ولد جاريةٍ له أنّه ابنه، فإنّه ابنه، وتكون أمّه أمّ ولدٍ له.
وإن أسلم قبل أن يموت أو يقتل بدار الحرب، جاز جميع ما صنع من ذلك.
وقال أبو يوسف: جميع الذي صنعه جائزٌ، أسلم [أو لم يسلم]، أو قتل أو مات أو لحق بدار الحرب.
(وقال محمدٌ: إن أسلم جاز جميع ما صنع من ذلك، وإن مات أو قُتِل أو لحق) (٢)، فجميع ما صنع من ذلك جائزٌ، كما يجوز للمريض في مرضه الذي مات فيه، فيجوز عتقه وهبته وصدقته ومحاباته من الثلث.
أمّا أبو حنيفة فمن أصله: أنّ المرتد يزول ملكه عن ماله بردّته زوالًا مراعًى، فإن أسلم زالت المراعاة، فكأنّه لم يزل مسلمًا، وإن قُتل على ردّته أو مات، أو لحق بدار الحرب فحَكَم الحاكم بلحاقه، بطل جميع تصرّفه، وثبت نسب ولده والاستيلاد لأمته.
стр. 5369
وجه قول أبي حنيفة: أنّ الردّة أوجبت إباحة دمه، وحظر المال متعلّقٌ بحظر الدم؛ بدلالة قوله ﷺ : "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" (١)؛ ولأنّ إباحة الدم توجب إباحة الأموال كالحربيّ، ولأنّ الردة معنى يؤثر في النكاح ابتداءً أو بقاءً، فأوجب زوال الملك كالموت.
وإنّما جعل زوال الملك مراعًى؛ لأنّ الإباحة تعلّقت بالكفر، وهو مدعوٌّ إلى [الإسلام] (٢)، فإذا أسلم زالت أحكام الكفر عنه، فكأنّه لم يرتدّ، وإن قُتِل على ردّته أو مات فقد استقرّ كفره، فاستقرّ زوال الملك المتعلّق به.
وأما إذا لحق [بدار الحرب]؛ فلأنّ اختلاف الدار يمنع من ثبوت حقّ من كان في إحدى الدارين فيما في الأخرى، وكذلك نملك عليهم بالحيازة ويملكون علينا، ولو جاز أن يثبت لنا حقٌّ فيما في دارهم، لم يملكوه علينا بالحيازة، وإذا انقطع الحقّ عمّا في دار الإسلام، بطلت المراعاة.
وإنّما وقّت (٣) ذلك على حُكْم الحاكم باللحاق؛ لأنّ انقطاع الحقوق باللحاق معنًى مختلف فيه، [فوقف] (٤) حكمه على إنفاذ الحاكم، كمسائل الاجتهاد.
وإذا ثبت ما قدّمناه، وقف تصرّفه في ماله لوقوف ملكه، فإن أسلم زالت المراعاة وتمّ ملكه ونفذ تصرفه، كما لو لم يزل مسلمًا، وأما إذا قتل أو مات أو
стр. 5370
لحق، استقرّ زوال الملك في آخر جزءٍ من أجزاء إسلامه، وانتقل المال إلى ورثته، فصار متصرّفًا في مالهم، فلم ينفذ تصرّفه.
وأمّا الاستيلاد وثبوت النسب؛ فلأنّه (١) يثبت في شبهة الملك، كما يثبت في الملك، ألا ترى أنّ الأب إذا ادّعى ولد جارية ابنه، ثبت النسب [فيه]، وكذلك المأذون إذا اشترى جاريةً وادّعى ولدها، ثبت نسبه منه، ووقوف الملك أقلّ أحواله أن يكون شبهة ملكٍ، فيتعلّق به ثبوت النسب والاستيلاد.
وقد قال أبو حنيفة: إنّ مال المرتدّ موقوفٌ عليه وعلى ورثته، فإن تصرّف وقف تصرفه، وإن تصرّف الوارث لم يصحّ تصرفه وإن انتقل الملك إليه بموت المرتد؛ وذلك لأنّ الملك الموقوف على اثنين يجوز فيه تصرف أخصّهما (٢)، ألا ترى أنّ كسب المُكاتَب موقوفٌ عليه وعلى مولاه، ويجوز فيه تصرّف المكاتَب دون المولى؛ لأنّه أخصُّ به، والمرتد أخصُّ بالمال، ألا ترى أنّه يقدر على تملّكه في الحال بأن يُسلِم، والوارث لا يقدر على تملّكه، فصار المرتدّ أخصّ،؛ فلذلك وقف تصرّفه ولم يقف تصرّف الوارث.
وأمّا أبو يوسف فقال: إنّ الردّة توجب القتل، ووجوب القتل لا يؤثّر في جواز التصرّف، ولا يغيّر حكم الملك، كوجوب القصاص.
وأمّا محمدٌ: فجعل المرتدّ كالمريض، وجوّز تصرّفه فيما لا تبرّع فيه، وما كان من التبرّع جوّزه من الثلث.
والوجه في ذلك: أنّ حال المرتدّ مخوفةٌ؛ بدلالة أنّ من قتله من الناس لا
стр. 5371
شيء عليه، فصار كحال المريض أو أخوف؛ ولأنّ امرأته تَبِيْن منه بالردّة، وترث إن مات وهي في عدّتها، كما ترث امرأة (١) المريض إذا أبانها في مرضه، فعلى هذا: يجوز في قول محمدٍ شركته ومضاربته وبيعه كما يجوز من المريض، إلا المفاوضة خاصّةً فإنّها لا تجوز؛ لأنّ الكفر يمنع من الكفر يمنع من المفاوضة مع المسلمين عنده (٢)، ككفر الذميّ.
وأمّا المرتدّة فيجوز تصرّفها في مالها؛ لأنّ ردّتها لا توجب إباحة دمها، فلم يؤثّر ذلك في حكم مالها (٣).
стр. 5372
بَاب ميراثِ المرتدِّ
قال أصحابنا ﵏: إذا مات المرتدّ، أو قُتِل، أو حكَم بلحاقه الحاكم، فما اكتسبه في حال إسلامه لورثته من المسلمين، وقال الشافعيّ: هو فيءٌ (١).
لنا: ما وري أنّ عليًا ﵁ قتل المستورد العجليّ حين ارتدّ، وجعل ميراثه لورثته من المسلمين (٢)، وعن ابن مسعود مثل ذلك (٣)؛ ولأنّ من لا يرثه ورثته من الكفار يرثه ورثته من المسلمين كالمسلم، ولأنّه على حكم الإسلام، بدليل أنّه لا يُمكّن من التصرّف في الخمر والخنزير، ويُجبَر ولده على الإسلام، ومن ثبت له حكم الإسلام انتقل ماله إلى ورثته من المسلمين كالمجنون والصبيّ.
وأمّا ما اكتسبه الرجل في حال ردّته، فهو فيءٌ. [لنا]؛ لأنّه كسب مباح الدم، فكان فيئًا كمال الحربيّ.
٢٨٦٣ - [فَصْل: ما كسبه المرتد في حال الإسلام]
وإذا ثبت أنّ ما كسبه في حال الإسلام لورثته من المسلمين، قال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: من كان وارثًا في حال الردّة وبقي على صفته في استحقاق الميراث إلى حين القتل، ورث.
стр. 5373
وقال في الرواية الأخرى: من كان وارثًا في حال الردّة، استحقّ الميراث بالموت وإن خرج من أن يكون وارثًا.
وجه الرواية الأولى: أنّ حكم الميراث يثبت بالردّة، ويقف مراعًى على الموت، وكلّ أمرٍ [ثبت] (١) في الحال واستند إلى حالةٍ سابقةٍ، اعتُبر فيه الطرفان، كإجازة البيع الموقوف، فعلى هذا من مات بعد الردّة قبل موت المرتدّ، لم يرث، وإن مات المرتدّ وامرأته في العدّة، ورثت، فإن انقضت عدّتها قبل موته، لم ترث.
وجه الرواية الثانية: أنّ الملك ينتقل إلى الوارث في آخر جزءٍ من أجزاء الإسلام، فإذا استقرّ الانتقال بالموت لم يُعتبَر تغيّر حال الوارث بعد انتقال الملك إليه.
وأمّا على قول أبي يوسف ومحمدٍ: فما اكتسبه في حال الإسلام وحال الردّة سواءٌ، وذلك كلّه لورثته من المسلمين؛ لأنّ الردّة لا تؤثّر في أملاكه عندهما.
٢٨٦٤ - فصْل: [ديون المرتد]
وأمّا ديون المرتدّ، فروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنّ ديون المرتدّ كلّها فيما اكتسبه في حال (الردّة خاصّةً؛ فإن لم تف بالدين، كان الباقي فيما اكتسبه في حال الإسلام.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنّ ديون المرتدّ فيما اكتسبه في حال إسلامه، إلا أن لا يفي كسبه في حال إسلامه بدينه، فيكون ما بقي فيما كسبه في
стр. 5374
حال) (١) ردّته.
وقال زفر والحسن: ما لحقه من الدّين في حال الإسلام، فهو فيما اكتسبه في حال الإسلام، وما لحقه من الدين في حال الردّة، فهو فيما اكتسبه في حال الردّة، وروي مثل ذلك عن أبي حنيفة.
وجه رواية أبي يوسف: أنّ أموال المرتدّ تنتقل إلى ورثته بردّته، والديون تتعلّق بالمال الذي يكون على ملك الإنسان في حال الموت دون ما انتقل ملكه عنه قبل ذلك، كديون المسلم.
وجه رواية الحسن: (أنّ ما اكتسبه في حال) (٢) الإسلام موروثٌ عنه، وما اكتسبه في حال الردة فيءٌ، والدين يتعلّق بالمال الموروث.
وجه قول [الحسن و] زفر: أنّ كلّ واحدةٍ من الحالتين - أعني حال الإسلام والردة - لها حكمٌ في الملك كالحال الأخرى، فما يتعلّق بكلّ واحدةٍ من الحالتين من الدين يكون في كسبها دون غيرها، وصار كمالين لمالكين مختلفين.
وقال محمدٌ في الأصل: إذا جنى المرتد جنايةً، لم تعقله (٣) العاقلة؛ لأنّها تتحمّل عنه للنصرة، والمسلم لا يلزمه نصرة [الكافر] المرتدّ (٤).
٢٨٦٥ - فَصْل: [جناية المرتد ثمّ لحاقه بدار الحرب ثم توبته]
قال: وإذا ارتدّ الرجل عن الإسلام، فقتل رجلًا من المسلمين، أو أخذ
стр. 5375
مالًا، أو قذف رجلًا مسلمًا، ثم لحق بدار الحرب مرتدًا محاربًا، ثم جاء تائبًا، أُخِذ بجميع ذلك، وإن كان فعل ذلك بعد لحاقه بدار الحرب محاربًا، ثم جاءنا مسلمًا، لم يؤخذ بشيءٍ من ذلك.
أمّا ما فعله في دار الإسلام ثم لحق ثم عاد، فإنّه يُؤخَذ منه ما يتعلّق به حقّ الآدميين، ويسقط ما كان حقًّا الله تعالى، مثل حدّ (١) الزنا والشرب والسرقة.
فأمّا القصاص، فهو حقٌّ لآدميٍّ، وقد وجب (٢) عليه، فلحاقه بدار الحرب لا يسقطه كالدين، وكذلك حدّ القذف المطالبةُ فيه لآدميٍّ، فلا تسقط بالتأخير كالقصاص.
وأمّا حدّ الزنا والشرب [والسرقة]، فإنّها تسقط بالتأخير، واللحاق بدار الحرب أكبر من التأخير.
وأمّا إذا لحق بدار الحرب، ثم فعل شيئًا من ذلك، ثم تابَ، لم يُؤخَذ بشيءٍ منه؛ لأنّه صار في حكم أهل الحرب، والحربيّ إذا قتل مسلمًا أو قذفه، لم يؤخذ بذلك بعد الإسلام (٣).
стр. 5376
بَاب من يرث المرتدّ
قال: قد بيّنا في الباب الأوّل، أنّ ميراث المرتد لورثته من المسلمين، وأنّ المعتبر في إحدى الروايتين: من كان وارثًا في آخر جزءٍ من أجزاء إسلامه، وفي الرواية الأخرى: يعتبر الطرفان، فمن كان وارثًا في آخر جزءٍ من أجزاء إسلامه، وبقي كذلك إلى حين القتل أو الموت، استحقّ الميراث.
وأمّا على قول أبي يوسف ومحمدٍ: فإنّ ماله ينتقل إلى من كان وارثًا عند القتل أو الموت؛ لأنّ الردة عندهما لا تؤثّر في زوال الملك، وإنّما يزول بالموت، فينتقل إلى الورثة حينئذٍ.
قال: وأمّا إذا لحق المرتد بدار الحرب، وحكَم الحاكم بلحاقه، فقال أبو يوسف (١): ينتقل ميراثه إلى من كان وارثًا يومَ يحكم الحاكم بلحاقه، وقال محمدٌ: ينتقل عند الحكم باللحاق إلى (من كان وارثًا يوم) (٢) اللحاق.
وجه قول أبي يوسف: أنّ مال المرتد بعد لحاقه موقوفٌ على ملكه، وإنّما يزول ملكه عنه بحكم الحاكم، فوجب اعتبار صفة الوارث عند زوال الملك، كما يعتبر (من كان وارثًا) (٣) بعد الموت والقتل.
стр. 5377
وجه قول محمدٍ: أنّ اللحاق هو السبب الموجب لقطع العصمة، وزوال الأملاك إنّما يقف مراعًى على حكم الحاكم، فإذا حكم زالت المراعاة، وانتقل الملك باللحاق السابق (إلى كلّ من كان وارثًا عنده، وهذا كالمكاتَب إذا مات، أُدِّيت كتابته وانتقل ميراثه إلى من كان وارثًا) (١) عند الموت، ولا يعتبر يوم الأداء.
وأمّا الزوجة، فقد ذكر أنّه يعتبر بقاءها في العدّة عند الموت أو الحكم باللحاق، وهذا على إحدى الروايتين، فأمّا الرواية التي اعتبر الطرف الأول، فلا يعتبر [بقاء] (٢) العدّة إلى حين الموت.
وأمّا المرتدّة إذا ماتت أو قُتلَت، انتقل ميراثها إلى من كان وارثًا عند الموت؛ لأنّ ردّتها لا تغيّر ملكها، فصار موتها كموت المسلمة.
وأمّا إذا لحقت، اعتبر من كان وارثًا عند الحكم في قول أبي يوسف، وقال محمدٌ: يوم اللحاق، وقد بيّناه.
٢٨٦٦ - فَصْل: [الحكم في مال المرتد مناط بحكم الحاكم]
وإذا حكم الحاكم بلحاق المرتدّ، حُكم بماله لورثته، وأُعتِق مُدبَّره وأمّ الولد، [لأنّ حكم الحاكم باللحاق يجري مجرى الموت، فيعتق المُدبَّر وأمّ الولد]، وأمّا المكاتَب فيؤدّي مال الكتابة إلى الورثة، ويصير ذلك كموت المولى، ويقوم الورثة مقامه في استيفاء [مال] الكتابة، فإذا أدّاه عتق وكان ولاؤه للمرتدّ، ولا يكون ولاؤه للمولى [الميت].
стр. 5378
وقال في الأصل: في مرتدٍّ مات ابنٌ له، والأبُ حيٌّ، ثم قُتِل الأب مرتدًا، وللأب مولى، وللابن مولى أعتقه غير مولى الأب، فالميراث لمولى الأب، وليس لمولى الابن شيءٌ؛ لأنّ الابن لم يبق على صفة الميراث إلى حين موت الأب، فيخرج من أن يكون وارثًا على إحدى الروايتين، فينتقل الميراث إلى مولى الأب، فكأنّه لم يكن له ابنٌ (١).
стр. 5379
بَابُ المرتدُّ يلحقُ بدارِ الحربِ ثم يرجعُ مسلمًا
قال: وإذا ارتد الرجل فلحق بدارِ الحرب فحكم الحاكم بلحاقه، وقسم ماله بين ورثته، وأعتق مدبريه وأمّهات أولاده، ثم جاء مسلمًا، فما كان من ماله قائمًا في يد وارثه ردّ عليه، وما كان قد باعه الوارث أو ملكه أو أعتقه أو دبره أو استولده، فإنّ (١) ذلك ماضٍ لا سبيل للمرتد عليه، ولا شيء على الوارث من ضمان ولا غيره، ولا على الذي ملكه على الوارث.
وجملة هذا: أنّ المرتد إذا عاد مسلمًا بعد الحكم بلحاقه، فما وجد من ماله في يد وارثه بحاله، فهو أحقّ به؛ وذلك لأنّ المال ملك عليه بغير عوضٍ فما دام (٢) على ملك من ملكه، جاز أن يثبت فيه حقّ الرجوع كالهبة، وأما ما زال ملك الوارث عنه، فلا رجوع له فيه، سواء زال بسببٍ يلحقه الفسخ كالبيع، أو بسببٍ لا يلحقه الفسخ كالعتق؛ لأنّ الملك زال، فصار كملك الموهوب له إذا زال، فيسقط الرجوع.
وأمّا من أعتقه الحاكم من أمهات الأولاد والمُدبَّرين، فلا سبيل عليهم؛ لأنّ العتق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، وأمّا مكاتب المرتد إذا أدّى إلى ورثته فعتق، لم ينفسخ عتقه، فإن كان مال الكتابة في يد الوارث بحاله أخذه المرتد؛ وذلك لأنّ الوارث قام مقام المرتد في استيفاء مال الكتابة، فكأنّه أدّى إلى
стр. 5380
المرتد، فلا ينفسخ عتقه.
وأمّا المال، فإن كان بحاله يثبت فيه الرجوع كما يثبت في سائر أموال المرتدّ، وإن كان زال ملك الوارث عنه لم يلزمه فيه ضمانٌ.
قال: فإن رجع المرتد من دار الحرب مسلمًا قبل أن يحكم الحاكم بلحاقه، فماله على حاله، وكذلك مدبروه وأمهات أولاده ومكاتبوه، لا يعتق منهم شيءٌ، وهم على حالهم الأول؛ لأنّ حال المرتد مراعى ما لم يحكم باللحاق، فإذا عاد مسلمًا سقط حكم الردّة، وكأنّه لم يزل على إسلامه.
وأمّا إذا لحق المرتد بشيءٍ من ماله معه، ثم ظُهِر على الدار وأُسر المرتد، فماله الذي معه فيءٌ وما لحق به وما كسبه هناك؛ وذلك لأنّ المرتد إذا لحق [بدار الحرب] صار في حكم أهل الحرب، فما معه من المال كمال الحربيّ؛ ولأنّه أخذه قبل استقرار حقّ الوارث فيه، ألا ترى أنّ حقّ المرتدّ في ماله لا ينقطع إلّا باللحاق، وهو أخصّ به من الوارث، وإذا صار المال في دار الحرب ولم يتعلّق به حقّ مسلمٍ، كان فيئًا.
قال: فإن عاد المرتد من دار الحرب بعد لحاقه، فأخذ طائفةً من ماله، وأدخله دار الحرب، ثم ظُهِر عليه، [فأسر وأُخِذ] (١) ما في يده، فالورثة أحقّ بالمال الذي أخذه حين رجع، إن أصابوه قبل القسمة أخذوه بغير شيءٍ، وإن أصابوه بعد القسمة أخذوه بقيمته.
وهذا على وجهين: إمّا أن يرجع بعد الحكم بلحاقه، (أو قبل الحكم
стр. 5381
بلحاقه) (١)، فإن رجع بعد الحكم، فهو كما ذكروا، روايةٌ واحدةٌ؛ لأنّ الحاكم لمّا حكم بلحاقه انقطع عن حكم دار الإسلام، وصار حربيًّا، واستقرّ حقّ ورثته في ماله، فإذا عاد وأخذه فقد أخذ مال الوارث، فيأخذه قبل القسمة بغير شيءٍ، وبعدها بالقيمة.
وأمّا إذا عاد قبل الحكم بلحاقه ففيه روايتان: قال في إحدى الروايتين: إنّه لا حقّ للورثة فيما أخذه، ويكون فيئًا؛ لأنّ اللحاق لم يستقرّ بحكم الحاكم، فإذا عاد انفسخ لحاقه وصار كأنّه أخذ ذلك المال معه ابتداءً.
وقال في الرواية الأخرى: إنّ عوده قبل الحكم بلحاقه، كعوده بعد الحكم؛ وذلك لأنّ عوده غير مستقرٍّ، ألا ترى أنّه لا يتمكن من المقام مع الردة في دار الإسلام، [فلم يصر بالعود من أهلها] (٢)؛ لأنّه غير مطمئنٍ، فصار كدخول الحربيّ، وكدخوله بعد الحكم (٣).
стр. 5382
بَاب المرتد يلحقُ بدارِ الحربِ بمالهِ وولدِه وأهلهِ ثم ظهر المسلمون على جميعِ مالهِ وأهلهِ وولدهِ
قال بشر بن الوليد، عن أبي يوسف في نوادره: في رجلٍ ارتدّ عن الإسلام، ولحق بدارِ الحرب هو وامرأته مرتدَّيْن، ومعهما أولادهما الصغار، ثم وُلد لأولادهما ولدٌ، ووُلِد لأولاد أولادهما، [قال]: قال أبو حنيفة: إذا ظُهِر عليهم، فإن الأب يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل، وإن تابت المرأة وإلا حُبِست.
وقال في أولادهما الذين خرجا بهم من دار الإسلام، وأولاد أولادهما: أستتيبهم، فإن تابوا وإلا حُبسوا.
وقال أبو يوسف [في الأب كما قال أبو حنيفة، وقال] في الأمّ: إن تابت وإلا قُتلت، ثم رجع أبو يوسف في المرأة إلى قول أبي حنيفة، وقال في الأولاد: يُجبرون ولا يُقتلون، وفي أولاد الأولاد: [لا] يُجبرون.
وجملة هذا: أنّ كلّ مَن ثبت له حكم الإسلام بنفسه، وهو ممّن يلزمه العقوبة في حال الإسلام إذا رجع عن الإسلام، قُتل إن كان ذكرًا، وإن كان أنثى حُبِست، وقد بيّنا ذلك فيما تقدّم.
ومن ثبت له الإسلام بالدار أو بأحد أبويه (١)، أو أسلم بنفسه في حالٍ لا يلحقه فيها العقوبة، ثم ارتدّ، فإنّه يُحبس ولا يُقتل؛ لأنّ من صار مسلمًا بإسلام
стр. 5383
أبويه أو بالدار، فإسلامه ضعيفٌ، ألا ترى أنّه لا يستحقّ به الثواب، وإنمّا يثبت له حكمًا، فلم يجب القتل بالرجوع عنه؛ ولأنّ القتل يسقط بالشبهة، فإذا كان الإسلام ضعيفًا كان ذلك شبهةً في وجوب القتل.
فأمّا من أسلم في حال الصغر، فقد اختُلِف في صحة إسلامه، فأوجب ذلك ضعفًا فيه؛ ولأنّه ممّن لا يستحقّ العقوبة بأفعاله، فصار ذلك شبهةً مانعةً من وجوب القتل بعد بلوغه، إلا أنّ هؤلاء يجبرون على الإسلام؛ لأنّا حكمنا لهم بحكم الإسلام، فسقوط القتل بردّتهم لا يمنع إجبارهم، كالمرأة.
وأمّا ولد الولد إذا كان [جده] (١) مرتدًا، فأبوه مولودٌ في حال الردّة في دار الحرب، فإنّه لا يُجبَر على الإسلام؛ لأنّ أباه لم يُحكَم له بحكم الإسلام، ولو أجبرناه [لأجل جدّه] لأنّ جده ممّن يثبت له حكم الإسلام، لوجب أن [يجبر] (٢) جميع الناس على الإسلام لإسلام آدم ونوح ﵉، ألا ترى أنّه ليس جدٌّ في ذلك أولى من جدٍّ.
وأمّا إذا كان (٣) ولد المرتد قد ثبت له حكم الإسلام بأن وُلِد في حال الإسلام، ثم خرج به أبوه مرتدًا، فولد لهذا الولد ولدٌ في دار الحرب، فقد ذكر بشر عن أبي حنيفة: أنّه يُجبر على الإسلام، وقال أبو يوسف: لا يُجبر.
وجه قول أبي حنيفة: أنّ الأب ثبت له حكم الإسلام بالدار (٤)، وبأنّه وُلِد (٥)
стр. 5384
في حال الإسلام، فيجبر ولده على الإسلام، كولد المجنون لمّا ثبت لأبيه حكم الإسلام، أُجبِر.
وجه قول أبي يوسف: أنّ الأب لم يثبت له حكم الإسلام بنفسه، وإنّما ثبت ذلك للجدّ، وقد بيّنا أنّ الولد لا يُجبَر على الإسلام تابعًا للجدّ.
وقال [محمدٌ] في الجامع الصغير عن أبي حنيفة في الرجل وامرأته يرتدّان عن الإسلام ويلحقان بدار الحرب، فتحمل امرأته في دار الحرب وتلد (١)، ثم ظُهِر على ولدها، قال: هو فيءٌ، ويُجبَر على الإسلام، وإن كان لولدها ولد، ثم ظُهِر على ولد الولد، كان فيئًا، ولم يجبر على الإسلام (٢).
وهذا صحيحٌ على ما قدّمنا؛ لأنّ الولد الذي حملته (٣) في دار الحرب يثبت لأبيه المرتدّ حكم الإسلام، فيجبر على الإسلام، فأمّا ولد الولد، فلم يثبت لأبيه حكم الإسلام؛ لأنّه ولد لكافرين في دار الحرب، فلو صار مسلمًا لتبع جدّه في الإسلام، وهذا لا يصحّ.
قال ابن سَماعة في نوادره عن محمدِ: في رجل ارتدّ هو وامرأته جميعًا ولحقا بدار الحرب، ومعهما أولادهما صغارًا ذكورًا وإناثًا، والمرأة حاملٌ، فكبِر أولادهم الصغار، وبلغوا، ووُلِد لهم أولادٌ ذكورٌ وإناثٌ، وأولاد الذين بلغوا على دين أبيهم الذي صار إليه من الكفر، فولد لهم على ذلك، وبلغ أولادهم، وولدت المرأة الحامل، فكبر ولدها وقد وضعته أمّه في دار الحرب، فبلغ ووُلِد له ذكورٌ
стр. 5385
وإناثٌ، فبلغوا وهم وولده (١) على دين أبيهم الكافر، وولد للرجل المرتدّ من امرأته المرتدّة في دار الحرب أولادٌ، وبلغوا وولد لهم أولادٌ ذكورٌ وإناثٌ.
قال محمدٌ: أمّا أولاد الرجل والمرأة الذين لحقوا بهم من دار الإسلام من الإناث وأولاد أولادهم من الإناث أيضًا، فإنهنّ فيءٌ كلهنّ، فينبغي أن يجبر الأولاد من الإناث اللواتي لحق بهنّ أبوهن إلى دار الحرب وهنّ صغارٌ على الإسلام؛ لأنّهن مرتداتٌ بارتداد أبويهنّ، ويجبر أيضًا أولادهنّ على الإسلام؛ لأنّ لأمهاتهنّ أصل الإسلام؛ وذلك لأنّ المرتدة نفسها تُسترقُّ، فولد المرتدّ إذا كان أنثى أولى.
وأمّا قوله: ويجبر أولادهنّ على الإسلام، فهذا موافقٌ لما رواه بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنّ الولد إذا حُمِل من دار الإسلام، فقد ثبت له حكم الإسلام بالدار، فيجبر ولده على الإسلام تابعًا لأبيه لا لجدّه.
قال محمدٌ: فأمّا الكفار من أولاد الذين لحق بهم [أبوهم] (٢) من دار الإسلام إلى دار الكفر من الرجال، وأولادهم أيضًا، فإنّي أجبرهم جميعًا على الإسلام [بالدار أو بأبيهم]، ولا يكونون فيئًا؛ وذلك لأنّ هؤلاء قد حكم لهم بحكم الإسلام بالدار أو بأبيهم، وكلّ ذَكَرٍ حكم له بحكم الإسلام لم يسترقّ.
قال محمدٌ: وكذلك الذي كان حملًا يوم ارتدّ أبواه وأولاد الحمل هم (٣) جميعًا في الحكم بمنزلة الصغار الذين لحق بهم أبواهم [بدار الحرب]؛ لأنّ هذا
стр. 5386
الحمل حصل علوقه في دار الإسلام، فحكم له بحكم الإسلام، فلم يصر فيئًا، وكذلك ولده يثبت له حكم الإسلام [بأبيه] (١).
قال: وأما ما ولد للرجل والمرأة في دار الحرب (ممّا حُمِل به في دار الحرب) (٢)، فإنّهم بمنزلة ما لحقوا به من دار الإسلام، لأن لآبائهم أصلًا [في] الإسلام، فأُجبِرُهم على الإسلام ولا أسترقهم إذا كانوا ذكورًا؛ لما قدمنا أنّ من يثبت له حكم الإسلام بأبيه لم يسترق.
فأما [أولاد هؤلاء] (٣) الذين حُمِل بهم في دار الحرب، فإنّي لا أجبرهم على الإسلام وأسبيهم (٤) [كلهم]؛ لأنا لو حكمنا لهم بالإسلام، كان ذلك تابعًا لجَدّهم، وقد بيّنا أنّ الولد لا يلحق بالجد في الإسلام، وكلّ كافرٍ في دار الحرب لا يجبر على الإسلام، فإنّه يسترق كأولاد الحربيين.
قال محمدٌ: ولو أنّ رجلًا ارتد عن الإسلام هو وامرأته جميعًا، ثم حملت من زوجها بعد ردّتها، ثم ولدت، فهما مرتدان على حالهما، فإن هذا الولد بمنزلة أبويه، ولا أُصلّي عليه إن مات، وإن مات أبواه قبله لم يرثهما مع إخوته الذين ولدوا له في إسلام أبويه؛ وذلك [لأنّ الولد يصير مسلمًا بإسلام أبويه، وكافرًا بكفرهما، فإذا حملت به وهما مرتدان، كان على حكم دينهما، فلم يرثهما]؛ لأنّ ميراث المرتد لورثته من المسلمين دون المرتدِّين.
قال: ولو أنّ هذا الرجل وامرأته لَحِقَا بدار الحرب، ولحقا بولدهما الذي
стр. 5387
ولد لهما في دار الإسلام، وحُمل به في حال رِدَّتِهما، ثم كبر هذا الولد في دار الحرب، فولد له أولادٌ وبلغوا، ثم سُبوا جميعًا، فإنّه يجبر هو وولده على الإسلام ولا يقتلون، ويسترق الإناث من ولده، ويسترق أيضًا الصغار من الذكور.
فأما من أدرك من الذكور، فإنّه يجبر على الإسلام ولا يسترق؛ وذلك لأنّ من حملت به وهما مرتدّان في دار الإسلام فقد ثبت له حكم الإسلام بالدار، وإن لم يثبت له بأبويه، فلذلك يجبر ولده على الإسلام.
وأما استرقاق الصغار من ولده؛ فلأنّهم لا يجبرون على الإسلام؛ (لأنّ الصغر يمنع من ذلك، فيسترقون كأولاد أهل الحرب، والبالغ منهم يجبر على الإسلام) (١) ولا يسترق.
قال: ولو أنّ امرأةً مسلمةً زوجها مسلمٌ ارتدّت وهي حاملٌ من المسلم، فلحقت بدار الحرب، ثمّ سُبيت، كانت وولدها فيئًا، وكذلك رجلٌ مسلمٌ في دار الحرب وامرأته حربيةٌ فسبيت، كانت هي وولدها فيئًا؛ وذلك لأنها لما سُبيت وهي حاملٌ، فالولد في حكم الجزء منها، فيسترق برقها، إلا أن يثبت له حكم [الحرية] (٢) بملك أبيه لأمه أو بالغرور.
قال محمدٌ في السير الكبير: في الذمي ينقض العهد ويلحق بدار الحرب: هو بمنزلة المرتدّ في جميع الأشياء، يقضى بلحاقه، ويورث ميراثه ورثته المعاهدين [كما يُصنع بالمرتدّ]، إلا أنه مخالفٌ للمرتدّ [في خصلةٍ، المرتدّ] لا
стр. 5388
يكون فيئًا، وناقض العهد إذا أُسِر كان فيئًا (١).
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ من أصلنا أنّ الذمي لا يصير ناقضًا للعهد بما يفعله في دار الإسلام [حتى يتحيّز، فإذا تحيّز انقطع حكمه عن ماله في دار الإسلام] وانتقل إلى ورثته المعاهدين، كما ينتقل مال المرتدّ، إلا أنه يسترق؛ لأنّه لمّا نقض العهد عاد إلى أصل كفره، فيسترق، كما كان يسترق قبل العهد.
وأمّا المرتد، فلا يعود إلى أصل الكفر؛ لأنّه يجبر على الإسلام [ولا يُسترق] (٢)(٣).
стр. 5389
بَاب ارتدادِ الصبي ومن في معناه
إذا ارتد الصبي عن الإسلام وهو يعقل، فارتداده ارتدادٌ، ولا يرث المسلم ولا يرثه، فإن مات لم يُصلَّ عليه، ويُجبَر ولا يُقتل، (فإذا بلغ على ذلك أُجبِر على الإسلام ولم يقتل) (١).
وجملة هذا: أنّ إسلام الصبي الذي يعقل الإسلام عند أبي حنيفة ومحمدٍ [إسلام]، (وردته ردّةٌ، وقال أبو يوسف: إسلامه إسلامٌ، وردته ليست بردّةٍ، وقال زفر: لا يكون إسلامه إسلامًا) (٢)، ولا ردته ردةً (٣).
وجه قولهما: ما روي أن عليًا ﵁ أسلم وهو صغيرٌ (٤)، فحكم بإسلامه، وافتخَر بذلك في كلامه (٥)؛ ولأنّ الإسلام يتعلق بكمال العقل دون البلوغ، بدلالة أن من بلغ غير كامل العقل لم يصح إسلامه، والعقل يوجد في الصغير كما يوجد في الكبير.
وإذا ثبت أنه يصير مسلمًا، حكم بردته إذا ارتد كالبالغ؛ ولأنّ الإسلام عقدٌ من العقود، والردّة حلٌّ له، فمن ملك العقد صح أن يحلّه كسائر العقود.
стр. 5390
وجه قول أبي يوسف: أنّ الإسلام فيه منفعةٌ، والكفر فيه مضرّةٌ، والصبي يجوز أن يجلب بأفعاله المنافع، ولا يجوز أن يجلب المضار، بدليل أنه لو قبل الهبة صح، ولو وهب لم يصح.
وأما زفر فقال: إنّ الإسلام والكفر طريقهما الأقوال، وأقوال الصبي لا يتعلق بها حكمٌ، بدلالة الإقرار والبيع (١).
وإذا ثبت أنّه يصير مرتدًا، لم يقتل؛ لأنّ القتل عقوبةٌ، وإسلام الصبي ليس بكاملٍ؛ لاختلاف الناس فيه، فلم يقتل بالرجوع عنه؛ ولأنّ القتل لا يجوز أن يتعلق بفعل الصبي كالقصاص؛ ولأنّ الإسلام والكفر يتبعان العقل، فيوجدان بوجوده، وما سوى ذلك من أحكام الإسلام والكفر هي أحكامٌ شرعيّةٌ، فيثبت بحسب ما أثبته الشرع، وينتفي بحسب نفيه (٢).
وإنّما يجبر على الإسلام؛ لأنا حكمنا بصحة إسلامه، فلا يجوز أن يترك على اعتقاد الكفر.
قال: وإذا كان الصبي لا يعقل، [فارتداده ليس بارتدادٍ، وكذلك المجنون؛ لما بينا: أنّ الإسلام والكفر يتبع العقل]، فما لم يوجد العقل لم يتعلّق بما يظهره حكمٌ، فأما من يجنّ ويفيق، فإن ارتدّ في حال جنونه، لم يكن ذلك ارتدادًا، فإن ارتد في حال إفاقته، فهو مرتدٌّ؛ لأنّ من يجنّ ويفيق، له في حال إفاقته حكم العقلاء، وفي حال جنونه حكم المجانين، فيختلف حكمه باختلاف الحالين.
قال: وإذا ارتد السكران الذاهب العقل، لم تَبِنْ منه امرأته في الاستحسان،
стр. 5391
قال الحسن عن أبي حنيفة: فإذا أفاق السكران الذاهب العقل (١)، فأنكر أن يكون ارتد، كُفّ عنه وتُرك، وكذلك لو سُقي شيئًا فذهب عقله أو أصابه بِرسام (٢) فهذى وارتد، لم يكن كفرًا ولا ردةً، وكذلك لو كان معتوهًا أو ممسوسًا أو مغلوبًا على عقله بوجهٍ من الوجوه.
وقد كان القياس عندهم في السكران إذا ارتدّ: أن تبين امرأته؛ لأنّ كلمة الكفر سببٌ من أسباب الفرقة، فصار كسائر ألفاظ الطلاق.
وجه الاستحسان: أنّ الردّة ليست بفرقةٍ، وإنّما تقع الفرقة باختلاف الدين، والسكران لا يُحكَم بكفره، فلا تقع الفرقة التابعة للكفر.
قال محمدٌ في رجلٍ أكره [في ملك العدو] (٣) على أن يرجع عن الإسلام، فرجع، ثم خلّي عنه، [هل تبين امرأته منه]؟ قال: القياس أن تبين امرأته، ولكن أَدَع القياس ولا أبينها منه.
وقال الحسن عن أبي حنيفة فيمن أُكرِه على الكفر: فلم يكن بذلك كافرًا، ولم تبن منه امرأته، وصلّي عليه، ويرث أباه المسلم.
قال الحسن: وفيها قولٌ آخر: أنّه يكون مرتدًا في الظاهر، وهو فيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام إن كان مخلصًا بقلبه، وتبين منه امرأته، ولا يُصلّى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا، وبه نأخذ.
وجه قولهم: أنّ الكفر والإسلام يتعلّق بالاعتقاد، وإنما يرجع إلى ما يظهره؛
стр. 5392
لأنّ الظاهر أنّه مصدّق في إخباره، فإذا كان مكرهًا زال الظاهر، فلم يتوصل إلى حقيقة اعتقاده، فبقي على ما كان عليه.
وجه قول الحسن: أنّ التعبّد في الإسلام والكفر بالظاهر دون الاعتقاد الذي لا يتوصل إلى معرفته، فوجب أن يحكم بما يظهره من الكفر.
قال بشرٌ عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: في الصبي يكون أبواه مسلمين، فكبر كافرًا، ولم يسمع منه الإقرار بالإسلام بعدما أدرك: إن هذا لا يقتل ولكن يُحبس، وإنّما يقتل الذي يقرّ بالإسلام بعدما يدرك ثم يكفر؛ لأنّ الأول لم يجب عليه الحدود، والأحكام في كسبه [قبل الردة] (١) في قياس قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنّه لم يَصِر مسلمًا بفعله، وإنّما صار مسلمًا على طريق التبع، فلم يجب عليه القتل بالردة؛ إلا أنّه يجبر على الإسلام، ومن لا يقتل بكفره [لا يُقَرّ على الردّة كالمرأة] (٢).
فأما إذا اعترف [بالإسلام] بعد البلوغ، أو وصفه، فإنّه يقتل إذا ارتد؛ لأنّه صار مسلمًا بفعله لا على طريق التبع في حالٍ يجوز أن يلزمه العقوبة منها.
стр. 5393
باب المرتد يولدُ له بعدَ الردةِ
قال هشام: وسألت محمدًا عن رجلٍ وامرأته مسلمين ارتدا معًا، ثم اكتسب المرتد مالًا في ردته (١)، ثم جاءت المرأة بولدٍ وهي مرتدةٌ، أو كانت له أمةٌ يهوديةٌ أو نصرانيةٌ، فجاءت بولدٍ بعد الردة، قال محمدٌ: إن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر، ثم قُتل الأب على ردته أو لحق بدار الحرب، فإنّ هذا الصبي يرث مع ورثة المرتد كلّ مالٍ كان له قبل الردة، وأما ما اكتسب بعد الردة، فهو فيءٌ، ولا يرثه أحدٌ من ولده الذين ولدوا له في الردة.
قال هشام: أظنّ أنّ هذا قول أبي حنيفة، وهذا صحيحٌ؛ لأنها إذا جاءت بالولد بعد الردة لأقل من ستة أشهر، فقد علقت به في حال الإسلام، فحكم له بحكم الإسلام، فصار كبقية الورثة المسلمين، وأما إذا وضعته لستة أشهرٍ فصاعدًا، لم يتيقن أنها علقت به قبل الردة، فلم يحكم بإسلامه، فلم يرث.
قال هشام: فأمّا إذا ارتد الرجل ولم ترتد امرأته، أو كانت له أمّ ولدٍ مُسلمةٌ (٢)، فجاءت بولدٍ لأكثر من ستة أشهر [من] يوم ارتد، فإنّه يرث مع ورثته [من] المسلمين.
قال هشام: إنّما لا يرث الولد إذا جاءت به لأكثر من ستة أشهر والأب مرتدٌّ
стр. 5394
والأم مرتدةٌ، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الأم إذا كانت مسلمةً، فالولد مسلمٌ بإسلامها، فيرث المرتد كما يرثه بقية الورثة.
قال: وإذا مات الرجل عن امرأته، وهي مسلمةٌ حاملٌ، ثم ارتدت ولحقت بدار [الحرب]، فإن ولدت هناك، فإنّه لا شيء عليه، وهو مسلمٌ بإسلام أبيه، وله الميراث؛ لأنها علقت به في حال الإسلام، فحكم بإسلامه، ولم يتغير ذلك بردتها.
وأمّا إن سُبيت قبل أن تلده، ثم ولدته في دار الإسلام، فهو مسلمٌ [بإسلام أبيه]، وهو مملوكٌ، وميراثه لورثته بمنزلة ميراث المرتد؛ وذلك لأنه في حكم الجزء من الأم، فيرقّ برقّها، ولا يرث أباه؛ لأن المملوك لا يرث.
[وقوله: وميراثه لورثته: يعني ميراث الأب].
وقال بشرٌ عن أبي يوسف في الإملاء: في المرتد يتزوج مسلمةً في حال ردته، فتلد له غلامًا، أو يطأ أمةً مسلمةً، فتلد غلامًا: إنّه يكون ابنه، وهو مسلمٌ، يرث المرتد إن قتل على ردته أو مات، وهذا قول أبي حنيفة.
وإن كانت أمه كافرةً، لم ترث؛ وذلك لأنه يصير مسلمًا بإسلام أمه، فيرث المرتد كما يرثه المسلمون، وأما إذا كانت أمةً كافرةً فقد اجتمع أبواه على الكفر، فلا يحكم له بحكم الإسلام.
وأما إذا ولد وهما مسلمان، ثم كفرا، لم يكن كفرهما كفرًا له ما دام في دار الإسلام؛ وذلك لأنه يبقى على حكم إسلامه لأجل الدار، ألا ترى أنّ اللقيط في دارنا نحكم له بإسلامه بالدار، وكذلك المسبيّ إذا لم يكن معه أحد أبويه، فكذلك هذا المولود لما انقطع عنه حكم أبويه (١).
стр. 5395
باب السيرة في البغاةِ (١)
قال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة ﵀: إذا وقعت الفتنة بين المسلمين، فَينبغِي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلزم بيته، ولا يخرج في الفتنة.
وقال: إن كان الناس مجتمعين على إمامٍ مسلمٍ (٢)، والناس آمنون، والسُبل آمنةٌ، فخرج أناسٌ منهم ينتحل إلى الإسلام على أهل (٣) الجماعة، فينبغي للمسلمين أن يعينوا إمام الجماعة، وإن لم يعينوه (٤) على ذلك لزموا بيوتهم ولم يخرجوا مع الذين خرجوا على إمام الجماعة (ولم يعينوهم، ولم يخلعوا يدًا من طاعةٍ، كان الذين خرجوا على إمام الجماعة) (٥) من الخوارج أو من غيرهم، وهذا قول زفر وأبي يوسف.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فهذا يدل على أنه يجب قتال الفئة الباغية؛ ولأن علي بن أبي طالب ﵁ قاتل من خرج عليه بحضرة الصحابة (من غير