← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

قال الحسن عن أبي حنيفة: فإذا أفاق السكران الذاهب العقل (١)، فأنكر أن يكون ارتد، كُفّ عنه وتُرك، وكذلك لو سُقي شيئًا فذهب عقله أو أصابه بِرسام (٢) فهذى وارتد، لم يكن كفرًا ولا ردةً، وكذلك لو كان معتوهًا أو ممسوسًا أو مغلوبًا على عقله بوجهٍ من الوجوه. وقد كان القياس عندهم في السكران إذا ارتدّ: أن تبين امرأته؛ لأنّ كلمة الكفر سببٌ من أسباب الفرقة، فصار كسائر ألفاظ الطلاق. وجه الاستحسان: أنّ الردّة ليست بفرقةٍ، وإنّما تقع الفرقة باختلاف الدين، والسكران لا يُحكَم بكفره، فلا تقع الفرقة التابعة للكفر. قال محمدٌ في رجلٍ أكره [في ملك العدو] (٣) على أن يرجع عن الإسلام، فرجع، ثم خلّي عنه، [هل تبين امرأته منه]؟ قال: القياس أن تبين امرأته، ولكن أَدَع القياس ولا أبينها منه. وقال الحسن عن أبي حنيفة فيمن أُكرِه على الكفر: فلم يكن بذلك كافرًا، ولم تبن منه امرأته، وصلّي عليه، ويرث أباه المسلم. قال الحسن: وفيها قولٌ آخر: أنّه يكون مرتدًا في الظاهر، وهو فيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام إن كان مخلصًا بقلبه، وتبين منه امرأته، ولا يُصلّى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا، وبه نأخذ. وجه قولهم: أنّ الكفر والإسلام يتعلّق بالاعتقاد، وإنما يرجع إلى ما يظهره؛

стр. 5392

لأنّ الظاهر أنّه مصدّق في إخباره، فإذا كان مكرهًا زال الظاهر، فلم يتوصل إلى حقيقة اعتقاده، فبقي على ما كان عليه. وجه قول الحسن: أنّ التعبّد في الإسلام والكفر بالظاهر دون الاعتقاد الذي لا يتوصل إلى معرفته، فوجب أن يحكم بما يظهره من الكفر. قال بشرٌ عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: في الصبي يكون أبواه مسلمين، فكبر كافرًا، ولم يسمع منه الإقرار بالإسلام بعدما أدرك: إن هذا لا يقتل ولكن يُحبس، وإنّما يقتل الذي يقرّ بالإسلام بعدما يدرك ثم يكفر؛ لأنّ الأول لم يجب عليه الحدود، والأحكام في كسبه [قبل الردة] (١) في قياس قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنّه لم يَصِر مسلمًا بفعله، وإنّما صار مسلمًا على طريق التبع، فلم يجب عليه القتل بالردة؛ إلا أنّه يجبر على الإسلام، ومن لا يقتل بكفره [لا يُقَرّ على الردّة كالمرأة] (٢). فأما إذا اعترف [بالإسلام] بعد البلوغ، أو وصفه، فإنّه يقتل إذا ارتد؛ لأنّه صار مسلمًا بفعله لا على طريق التبع في حالٍ يجوز أن يلزمه العقوبة منها.

стр. 5393

باب المرتد يولدُ له بعدَ الردةِ قال هشام: وسألت محمدًا عن رجلٍ وامرأته مسلمين ارتدا معًا، ثم اكتسب المرتد مالًا في ردته (١)، ثم جاءت المرأة بولدٍ وهي مرتدةٌ، أو كانت له أمةٌ يهوديةٌ أو نصرانيةٌ، فجاءت بولدٍ بعد الردة، قال محمدٌ: إن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر، ثم قُتل الأب على ردته أو لحق بدار الحرب، فإنّ هذا الصبي يرث مع ورثة المرتد كلّ مالٍ كان له قبل الردة، وأما ما اكتسب بعد الردة، فهو فيءٌ، ولا يرثه أحدٌ من ولده الذين ولدوا له في الردة. قال هشام: أظنّ أنّ هذا قول أبي حنيفة، وهذا صحيحٌ؛ لأنها إذا جاءت بالولد بعد الردة لأقل من ستة أشهر، فقد علقت به في حال الإسلام، فحكم له بحكم الإسلام، فصار كبقية الورثة المسلمين، وأما إذا وضعته لستة أشهرٍ فصاعدًا، لم يتيقن أنها علقت به قبل الردة، فلم يحكم بإسلامه، فلم يرث. قال هشام: فأمّا إذا ارتد الرجل ولم ترتد امرأته، أو كانت له أمّ ولدٍ مُسلمةٌ (٢)، فجاءت بولدٍ لأكثر من ستة أشهر [من] يوم ارتد، فإنّه يرث مع ورثته [من] المسلمين. قال هشام: إنّما لا يرث الولد إذا جاءت به لأكثر من ستة أشهر والأب مرتدٌّ

стр. 5394

والأم مرتدةٌ، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الأم إذا كانت مسلمةً، فالولد مسلمٌ بإسلامها، فيرث المرتد كما يرثه بقية الورثة. قال: وإذا مات الرجل عن امرأته، وهي مسلمةٌ حاملٌ، ثم ارتدت ولحقت بدار [الحرب]، فإن ولدت هناك، فإنّه لا شيء عليه، وهو مسلمٌ بإسلام أبيه، وله الميراث؛ لأنها علقت به في حال الإسلام، فحكم بإسلامه، ولم يتغير ذلك بردتها. وأمّا إن سُبيت قبل أن تلده، ثم ولدته في دار الإسلام، فهو مسلمٌ [بإسلام أبيه]، وهو مملوكٌ، وميراثه لورثته بمنزلة ميراث المرتد؛ وذلك لأنه في حكم الجزء من الأم، فيرقّ برقّها، ولا يرث أباه؛ لأن المملوك لا يرث. [وقوله: وميراثه لورثته: يعني ميراث الأب]. وقال بشرٌ عن أبي يوسف في الإملاء: في المرتد يتزوج مسلمةً في حال ردته، فتلد له غلامًا، أو يطأ أمةً مسلمةً، فتلد غلامًا: إنّه يكون ابنه، وهو مسلمٌ، يرث المرتد إن قتل على ردته أو مات، وهذا قول أبي حنيفة. وإن كانت أمه كافرةً، لم ترث؛ وذلك لأنه يصير مسلمًا بإسلام أمه، فيرث المرتد كما يرثه المسلمون، وأما إذا كانت أمةً كافرةً فقد اجتمع أبواه على الكفر، فلا يحكم له بحكم الإسلام. وأما إذا ولد وهما مسلمان، ثم كفرا، لم يكن كفرهما كفرًا له ما دام في دار الإسلام؛ وذلك لأنه يبقى على حكم إسلامه لأجل الدار، ألا ترى أنّ اللقيط في دارنا نحكم له بإسلامه بالدار، وكذلك المسبيّ إذا لم يكن معه أحد أبويه، فكذلك هذا المولود لما انقطع عنه حكم أبويه (١).

стр. 5395

باب السيرة في البغاةِ (١) قال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة ﵀: إذا وقعت الفتنة بين المسلمين، فَينبغِي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلزم بيته، ولا يخرج في الفتنة. وقال: إن كان الناس مجتمعين على إمامٍ مسلمٍ (٢)، والناس آمنون، والسُبل آمنةٌ، فخرج أناسٌ منهم ينتحل إلى الإسلام على أهل (٣) الجماعة، فينبغي للمسلمين أن يعينوا إمام الجماعة، وإن لم يعينوه (٤) على ذلك لزموا بيوتهم ولم يخرجوا مع الذين خرجوا على إمام الجماعة (ولم يعينوهم، ولم يخلعوا يدًا من طاعةٍ، كان الذين خرجوا على إمام الجماعة) (٥) من الخوارج أو من غيرهم، وهذا قول زفر وأبي يوسف. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فهذا يدل على أنه يجب قتال الفئة الباغية؛ ولأن علي بن أبي طالب ﵁ قاتل من خرج عليه بحضرة الصحابة (من غير

стр. 5396

خلافٍ؛ ولأنّ البغاة يفرّقون جماعة المسلمين ويُطمِعون عدوهم فيه) (١)، [ولأنهم ارتكبوا معصيةً بمخالفة الجماعة]، فيجب صدّهم عن ذلك. والذي روي أنّ ابن عمر قعد في الفتنة (٢)، وكذلك جماعةٌ من الصحابة، فيجوز أن يكون لم يكن بهم قدرة، ومن لا غناء في حضوره القتال، لا يلزمه القتال (٣) والحضور. والذي قال أبو حنيفة: إنّه يعتزل الفتنة ويلزم بيته، إنما يريد به: إذا لم يكن هناك إمامٌ يدعوه إلى القتال، فأما إذا دعاه الإمام إلى القتال، وعنده غناءٌ، وفيه قدرةٌ، لم يسعه التخلف عن ذلك. قال الحسن: وكان أبو حنيفة يقول: [ينبغي] للإمام إذا بلغه أنّ الخوارج يشهرون (٤) السلاح ويتأهبون [للخروج] لقتال الجماعة أن يأخذهم ويحبسهم حتى يمتنعوا عن ذلك، ويحدثوا توبةً؛ لأنّ العزم على الخروج معصيةٌ، فيجب على الإمام أن يزجرهم عنها؛ ولأنه إذا حبسهم قطعهم بذلك عن الخروج، وكفى المسلمين مؤنتهم. والذي روي أنّ عليًا ﵁ كان يخطب، فسمع رجلًا يحكّم من ناحية المسجد، فقال: (كلمة حقٍّ أريد بها باطلٌ، إنا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا

стр. 5397

الله فيها، ولا نمنعكم حقكم في الفيء) (١)، ولم يحبسهم، فيجوز أن يكون لم يعلم أنّهم على عزم الخروج؛ فلذلك لم يتعرّض لهم. قال: وإن لم يعلم الإمام حتى تعسكروا وتأهّبوا لقتال الجماعة، فينبغي للإمام أن يبعث إليهم من الجند من يقاتلهم، وينبغي للمسلمين أن يسارعوا في ذلك ويقاتلوهم، فإذا لقوهم (٢) فحسن أن يَدْعُوهم إلى العدل وإلى رأي الجماعة، وأن يَدَعوا ما هم عليه، فإن أبوا أن يجيبوا إلى ذلك قاتلوهم، وإن لم يدعوهم إلى ذلك حتى قاتلوهم فلا بأس بذلك. وإنّما وجب أن يقاتلوهم إذا عسكروا؛ لأنّ في تركهم تقويةً لهم وتمكينًا لهم من أذية المسلمين، ومن الغلبة على بلادهم، فيجب أن يعجّل المسلمون كفّهم. وأمّا الدعاء قبل القتال؛ فلأن عليًا ﵇ أنفذ ابن عباس، فدعا أهل حروراء وناظرهم قبل قتالهم (٣)؛ ولأنّ من بلغته الدعوة يستحبّ (٤) أن يدعى قبل القتال، والبغاة قد بلغتهم كلمة العدل؛ ولهذا قال: وإن قاتلهم قبل الدعاء، فلا بأس. قال: فإذا قاتلهم فهزم أهلُ العدل الخَوارجَ، وللخوارج فئةٌ يلجئون إليها، فينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم، وأن يجهزوا على جريحهم، وأن يقتلوا أسيرهم؛ وذلك لأنّ الواجب أن يقاتلوا حتى يزول بغيهم، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ومتى كانت لهم فئةٌ يرجعون إليها،

стр. 5398

فالمولّي لم يزل بغيه؛ لأنّه ينحاز إلى البغاة، فيعود إلى القتال، فلذلك جاز قتله. وكذلك الجريح لا يؤمن أن يبرأ فيعينهم على القتال. وأما الأسير، فإن رأى الإمام أن يقتله قتله؛ لأنّ البغي لم يزل بأسره، وإن رأى أن يخلّي عنه، فعل؛ لأنّ عليًا رضوان الله عليه كان إذا أخذ أسيرًا استحلفه أن لا يعين عليه، وخَلَّاه، وإن رأى الإمام أن يحبس الأسرى حتى يتوب أهل البغي ويعودوا، فعل. فأمّا إذا لم تكن لهم فئةٌ، فلا يتبع موليهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم؛ لأن عليًا ﵁ هكذا فعل بالبصرة (١)، ولأن المقصود إزالة بغيهم، وقد حصل ذلك بالهزيمة، فلا معنى للقتل. قال: وإن تاب أهل البغي، وفي يديه منهم أسرى، فله أن يحبسهم حتى يحدثوا توبةً، ثم يخلّي سبيلهم؛ لأنّهم على معصيةٍ، فله أن يزجرهم بالحبس عنها (٢). قال: وإذا ظهر أهل العدل بما في [يد] عسكر [أهل البغي من سلاحٍ أو كراعٍ، وللخوارج فئةٌ، فلا بأس أن يقسم ذلك على أهل] العدل ليستعينوا به على قتال أهل البغي، فإذا وضعت الحرب أوزارها، ردّ ذلك على أهله، وإنما جاز الاستعانة بسلاحهم إذا احتاج أهل العدل إلى ذلك؛ لأنّ النبي ﷺ أخذ من صفوان أدرعًا له بغير اختياره (٣)؛ ولأنّه يجوز للإمام أن يأخذ سلاح المسلم إذا

стр. 5399

احتاج إليه، فلأن يأخذ سلاح أهل البغي أولى، فإذا استغنوا عنه أمسكه لهم؛ لأنّه لا يملك مالهم بالغلبة، وإنّما يمنع منه حتى لا يستعينوا به على أهل العدل، فإذا زال بغيهم أُمِن هذا المعنى فيجب ردّه عليهم (١). وأمّا ما سوى الكراع والسلاح من المتاع، [والذي به منفعةٌ، لا يجوز قسمته]، فيرفعه (٢) حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، وتاب أهل البغي، ردّ ذلك؛ لأنّ مالهم لا يجوز أن يغنم؛ بدلالة ما روي أن عليًا ﵇ قال في أهل البصرة: (لا يُغنم لهم مالٌ، ولا تسبى ذريَّةٌ)، وإنما يمنع منهم الأموال لما في ذلك من المصلحة، فإذا زال بغيهم ردّت أموالهم عليهم. قال: وما أصاب [الخوارج] من أهل العدل، أو أصابه أهل العدل من الخوارج، [من] دمٍ أو جراحةٍ أو مالٍ استهلكه أحد الفريقين على صاحبه، فذلك موضوعٌ كلّه، لا يجب لأحد الفريقين على صاحبه ضمانٌ، وما كان باقيًا في يد كلّ واحدٍ من الفريقين فهو مردودٌ (٣) على صاحبه. والأصل في ذلك: ما روي عن الزهري أنّه قال: (وقعت الفتنة، فأجمع أصحاب رسول الله ﷺ وهم متوافرون: أنّ كلّ دمٍ أريق بتأويل القرآن، فهو هدرٌ، وكلّ مالٍ أتلف بتأويل القرآن فلا ضمان فيه، وكل فرج استحل بتأويل القرآن، فلا حدّ فيه، وما كان قائمًا بعينه رُدّ) (٤).

стр. 5400

وقد قال محمدٌ: إنّي أفتهم إذا تابوا أن يضمنوا (١) ما أتلفوه]، ولا أجبرهم عليه؛ لأنهم أتلفوه بغير حقٍّ بعد جريان الأحكام عليهم، فسقوط المطالبة لا يسقط الضمان فيما بينه وبين الله؛ فلذلك يفتون بالضمان. وقد قال أصحابنا: إنّ ما فعلوه قبل التحيّز والخروج يؤخذون به، وكذلك ما فعلوه بعد تفرّق جمعهم؛ لأنهم من [أهل] دار الإسلام، ولا منعة لهم، فصاروا كسائر المسلمين، وما فعلوه في حال (٢) التحيّز، فلا ضمان فيه على ما بينا. قال: فإن استعان أهل البغي بقومٍ من الذمّة، فقاتلوا معهم، فهم بمنزلة الخوارج في الحكم فيما أصابوا وما أصيب منهم، ولا يكون إعانة أهل الذمّة للخوارج نقضًا منهم للعهد، ولا يسترقّ (٣) أهل الذمة إن قُدِر عليهم، ولا يقسم لهم مالٌ، وهم في جميع أحكامهم بمنزلة أهل البغي في الحكم؛ وذلك لأنّ أهل الذمّة بمعونتهم للخوارج لم يخرجوا عن كلمة (٤) المسلمين، ألا ترى أنّ الخوارج يدعون إلى الإسلام، وإذا لم يخرجوا عن جماعة المسلمين، فإنما فعلوا معصيةً، ومعاصي أهل الذمة لا تنقض عهدهم ما لم يتحيزوا عن المسلمين، وإذا بقي عهدهم، صاروا في الحكم كأهل البغي. قال: ولا بأس أن يقاتل أهل البغي بكل ما يقاتل به أهل الحرب من المشركين من سائر أنواع القتال: من رميهم بالنار، والمنجنيق، وتغريقهم بالماء، والغارة عليهم ليلًا ونهارًا، وإذا كانوا غارّين أو كانوا غير غارّين؛ لأنّ قتالهم

стр. 5401

واجبٌ كوجوب قتل الكفار، فما جاز أن يفعل بأحدهم، جاز أن يفعل بالآخر؛ ولأنّ المقصود إزالة بغيهم، كما أنّ المقصود في الكفار إزالة كفرهم، فجاز التوصل إلى ذلك بكلّ آلةٍ. قال: وما كان مع أهل البغي من نساءٍ أو صبيانٍ أو شيوخٍ أو عميان أو زمنى، لم يُقتَل أحدٌ منهم؛ لأنّهم ليسوا من أهل القتال، فلم يكن بتقيتهم تبقية المعين (١)؛ لأنّ هؤلاء لا يقتلون إذا كانوا كفارًا، فإذا كانوا بغاةً أولى. قال: وأهل البغي إذا أُمنوا فهو جائزٌ، فمن جاز أمانه لأهل الحرب جاز أمانه لأهل البغي، لقوله ﵊: "ويسعى بذمّتهم أدناهم" (٢)؛ ولأنه إذا جاز أن يبذل الأمان للكفار إذا كان في ذلك مصلحةٌ، فلأن يجوز بذله لأهل البغي أولى، إلا أنّ الكفار يجوز أن يؤخذ منهم مالٌ على الأمان، ولا يجوز أن يؤخذ من أهل البغي؛ لأنّ الكافر يجوز إقراره على الكفر بالجزية، والباغي لا يجوز إقراره على البغي بالجزية، إلا أنّ هذا المال يحبسه الإمام فلا يُردّ عليهم حتى يزول بغيهم، كما يفعل بسائر أموالهم. قال محمدٌ في السير الصغير: أرأيت ما أخذ من أسيرٍ حرٍّ أو عبدٍ قد كان يقاتل مع أهل البغي والعسكر على حاله يقاتل أهل العدل، قال: من أخذوا من أولئك قتلوه؛ لأنّ العبد من أهل القتال، فهو كالحرّ، فإن أخذوا عبدًا يخدم مولاه، لم يقتل، ولكن يحبس حتى يزول البغي؛ وذلك لأنه لم يوجد منه بغيٌ؛ لأنّه لم يفعل القتال ولا حضر له، إلا أنّه يحبس كما تحبس عنه أمواله [عندنا].

стр. 5402

قال: فإن أخذ الكراع باعه وحبس ثمنه، وهذا إذا لم يكن بالمسلمين إليه حاجةٌ، وإنّما باعه؛ لأنّه إذا حبسه التزم عليه مؤونة تأتي على قيمته، فكان البيع أنفع لصاحبه. قال: وإذا قاتل النساءُ مع أهل البغي، فلا بأس أن يُقتَلن في حال قتالهنّ؛ وذلك لأنّ المرأة لا تُقتل لأنّها ليست من أهل القتال، فإذا فعلت القتال، فقد صارت من أهله، فتقتل كما تقتل الحربية إذا قاتلت. قال محمدٌ في الأسير من أهل العدل يكون في أيدي أهل البغي، (والتجار من أهل العدل يكونون في أيدي أهل البغي) (١)، فيقتل رجلًا من التجار أو يقطع يده، ثم يظهر عليهم أهل العدل: لم يقتص من بعضهم لبعضٍ، وكذلك الأسرى إذا فعل بعضهم ببعضٍ ذلك؛ لأنّهم فعلوا ذلك في موضعٍ لا يجري فيه أحكامنا، فلم نأخذهم به، كما لا نأخذهم بما فعل في دار الحرب (٢).

стр. 5403

بَاب في قضاة أهلِ البغي قال الحسن عن أبي حنيفة: لو أن قاضيًا من الخوارج قضى بين رجلين بقضيةٍ، وهو في عسكر الخوارج، ثم اختصموا في ذلك إلى قاضي أهل العدل، لم يجز ذلك، قال: فإن كتب قاضيهم كتابًا إلى قاضي الجماعة في حقٍّ لرجلٍ قد قامت به بينةٌ عنده من الخوارج أو من غيرهم، فلا ينبغي لقاضي الجماعة أن ينفذ كتاب قاضي أهل البغي؛ وذلك لأنّ الباغي فاسقٌ، وحكم الفاسق لا يجوز؛ ولأنّهم يستحلون أموالنا، فلا نأمن أن يقضوا علينا بالباطل على طريق الاستحلال. فأمّا إذا ولّى البغاة رجلًا من أهل العدل، فقضى بقضايا، ثم رفع حكمه إلى قاضي الجماعة، أنفذ حكمه؛ لأنّ شريحًا قضى (١) في أيام بني أميّة، وكانت قضاياه تنفذ بين السلف، وكذلك أحكام [من حكم من] بني أمية، ثم لم ينقضها (٢) عمر بن عبد العزيز؛ ولأنّ تنفيذ الأحكام طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك أمرٌ لازمٌ لجماعة المسلمين، وإنّما لا يقدر العامة على تنفيذه، فإذا مكن الخوارج رجلًا من المسلمين، فقد قدر على تنفيذ الأحكام، فينفذ حكمه. قال: ولا ينبغي لقاضي الخوارج أن يقضي بشهادة الخوارج؛ لأنهم ما لم يخرجوا ففسقهم من طريق [الاجتهاد] (٣)، فلا يمنع ذلك قبول شهادتهم، فإذا

стр. 5404

خرجوا ففسقهم بالفعل، والفسق بالفعل يمنع قبول الشهادة. قال محمدٌ: إذا كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي أهل العدل كتابًا، فإن علم أنّه حكم بشهادة أهل العدل، نفذه؛ لما بيّنا أنّ حكمه جائزٌ، وإن كان لا يعلم أنه حكم بشهادة أهل العدل (١)، فإنّي لا أرى أن أجيز كتابه؛ لأنّ الظاهر أنّ الشهود في دار البغي من أهل البغي، فما لم يعلم حالهم، لم يجز أن ينفذ الحكم. قال: ولو قطع في المصر الذي غلب عليه أهل البغي يد رجلٍ، أو قتل عمدًا، فرُفع ذلك إلى القاضي، [أيحكم] (٢) بينهما [كما يحكم بين أهل العدل؟ قال: نعم]، ويقيم الحدود في المصر كما يقيم أهل العدل، ويستوفي القصاص؛ وذلك لما بينا أن تنفيذ الأحكام يجب على كل مسلمٍ، وإنّما لا يقدرون على التنفيذ، فمن قدر على ذلك لزمه تنفيذه. قال: وما أصاب أهل البغي من القتل والأموال قبل أن يخرجوا أو قبل أن يحاربوا، ثم صالحوا بعد الخروج على أن يبطلوا ذلك، لم يجز، ويؤخذون بذلك؛ لما بيّنا أن ما أصابوه قبل الخروج مضمونٌ عليهم، فإذا صالحهم الإمام على إسقاط ذلك، لم يجز؛ لأنّ الإمام لا يملك إسقاط حقوق المسلمين. قال: وكذلك ما أخذوه ولا منعة لهم؛ لأنّهم ما لم يمتنعوا فهم في أحكامهم كالمسلمين، يجري عليهم الضمان كما يجري على سائر المسلمين (٣).

стр. 5405

بَاب ما يصنعُ بقتلى أهل العدلِ وأهلِ البغي قال أبو الحسن ﵀: قتلى أهل العدل شهداء، يُصنع بهم ما يُصنع بالشهداء، يدفنون بدمائهم، ولا يغسلون، ويصلى عليهم، وقال الشافعي: يغسلون (١). والأصل في ذلك: ما روي أن عمار بن ياسر أوصى أن لا يغسل (٢)، وكذلك حجر بن عديٍّ (٣)، وكلّ واحدٍ منهما قتله المسلمون؛ (ولأنه مقتولٌ ظلمًا، لم يتعيّن بقتله بدلٌ هو مالٌ، فصار كقتل المشركين) (٤). ٢٨٦٧ - فضل: [الصلاة على قتلى أهل البغي] وأما [قتلى] أهل البغي، فلا يصلى عليهم، وقال الحسن: إن كانت لهم فئةٌ لم يصلّ على قتلاهم، وإن لم يكن لهم فئةٌ، فلا بأس أن يغسل أهل الجماعة من قتل من قرابته من الخوارج، ويصلّي عليه، ويدفنه. والصحيح: ما أطلقه محمدٌ، والأصل فيه: أنّ عليًا ﵁ لم يصلّ على قتلى الذين خرجوا عليه (٥)، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلافٍ؛ ولأنّ الصلاة

стр. 5406

فيها معنى الأمان، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، والباغي لا يجوز أمانه مع بغيه، فلا يجوز أن يُصلّى عليه؛ ولأن الصلاة (١) موالاةٌ للميت، والباغي لا يُوالَى. فأما [ما] ذكره الحسن فبعيدٌ؛ لأنّ المانع من الصلاة عليهم أن موالاتهم لا تجوز، وفي الصلاة [موالاةٌ]، وهذا المعنى موجودٌ وإن لم يكن لهم فئةٌ، وكان الحسن يقول: إنّ حالهم لما اختلفت في باب اتباع المولّي، وقتل الأسير، والإجهاز على الجريح، كذلك يختلف حالهم في باب الصلاة. قال محمدٌ: قلت: فهل تأمر بدفنهم، قال: نعم؛ لأنّ الدفن ليس فيه معنى الموالاة، ألا ترى أنّ المسلم يدفن قرابته الكافر، وكذلك الباغي. قال: وأكره أن يؤخذ برؤوسهم فتبعث إلى الآفاق؛ لأنّها مُثْلَةٌ، ولم يبلغني عن عليٍّ ﵇ أنه فعل (٢) ذلك في حربه [ولا أمر بحمل رأسٍ]، وروي أن رأسًا حُمل إلى أبي بكر ﵁، فأنكر حمله، فقالوا: إن فارس والروم يفعلون ذلك، فقال: إذًا أفاستنان بفارس والروم (٣)!. وقال أصحابنا: إنّ حمل الرؤوس إن كان فيها وهنٌ [لهم] فلا بأس بذلك؛ لأنّ ابن مسعود حمل رأس أبي جهل إلى رسول الله ﷺ (٤)، فلم ينكر ذلك عليه (٥) (٦).

стр. 5407

باب التاجِر المسلم يدخل إلى دار الحرب الأصل في هذا الباب: أنّ التاجر لا يُمَكَّن أن يحمل إليهم ما يُستعان به في الحرب كالسلاح، ولا ما يصلح للحرب وغير الحرب كالدوابّ، وما سوى ذلك من الثياب والمتاع والطعام لا يمنع من حمله، وتركه أفضل. فأمّا السلاح، فحمله إليهم معونةٌ لهم على المسلمين؛ لأنّه لا يصلح إلا للحرب، ولا يجوز أن يُمكّن من المعونة على المسلمين. وأمّا الخيل والبغال والحمير، فيستعان بها في القتال، ويستعان بها في غيره، فلا يمكن من حملها؛ لجواز أن يستعان بها علينا (١). فأما الثياب والطعام فلا يمنع من حملها؛ لأنّها لا تصلح للقتال، ولا يستعان بها فيه؛ ولأنّ التجار يدخلون إلى دار الحرب بالأموال في سائر الأعصار من غير نكيرٍ. وإنّما قال: إن ترك ذلك أولى؛ لأنّ المسلم يعرض نفسه للذلّ (٢) إذا دخل إليهم، ولا نأمن أن يَفتنوه في دينه، ويتوصّل إلى منافعهم. قال: ولا يدخل إليهم برقيقٍ من أهل الذمة؛ لأنّه مما يُستعان بهم على القتالِ كالخيل (٣).

стр. 5408

باب في إسلامِ الصبي جملة هذا الباب: أنّ الصبي على دين أبويه إذا اتفقا في الدين؛ بدلالة (١) قوله ﵊: "كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرًا أو كفورًا" (٢)، ولا معتبر بالدار مع وجود الأبوين؛ لأنّ أولاد أهل الذمّة لا يحكم لهم بحكم الإسلام وإن كانوا في دار الإسلام، فدلّ على أنّ حكم الأبوين في الدين أقوى، فإن لم يكن للصبي إلا والدٌ واحدٌ، فهو على دينه؛ لأنّ الذميّة إذا زنت في دار الإسلام، فولدها على دينها وإن لم يثبت له نسب من أبٍ، فدلّ على أن أحد الأبوين في باب الدين كالأبوين. وقد قالوا: إنه لا يلتفت إلى الدار مع أحد الأبوين؛ بدلالة أنّ ولد الزانية الكافرة على دينها، فلا يعتبر فيه حكم الدار. فأما إذا اختلف دين الأبوين، فإن كان أحدهما مسلمًا، فالولد مسلمٌ بإسلامه إذا جمعتهما دارٌ واحدةٌ، لأن النبي ﵊ جعل المولود على الفطرة، ونفاه (٣) عنها باجتماع الأبوين على الكفر، فإذا كان أحدهما مسلمًا، بقي على أصل الفطرة، ولأنّ الولد لا بد أن يلحق بأحدهما في الدين، فبالمسلم أولى؛

стр. 5409

لقوله ﵊: "الإسلام يعلو ولا يُعلى" (١). وأمّا إذا كان أحدهما كتابيًا والآخر مجوسيًا، فالولد كتابيٌّ؛ لأنّ للكتابي حكم الإسلام في المناكحة والذبيحة، والمجوسي ليس له حكم الإسلام، فإلحاق الولد بمن له حكم الإسلام أولى. وأما إذا لم يكن معه أحد أبويه، فهو معتبرٌ بالدار، فإن كان في دار الحرب فهو كافرٌ، وإن كان في دار الإسلام فهو مسلمٌ؛ لأنّ اللقيط في دارنا يحكم بإسلامه تبعًا للدار، فدلّ على أنّها تؤثّر في الولد مع فقد الأبوين. قال أبو الحسن: وإذا سبي الصبيّ والصبية، فما داما في دار الحرب، فهما على دين أبويهما؛ لما بينا أنّ حكم الأبوين هو المعتبر في باب الدين، فما دام الولد معهما في دارٍ واحدةٍ، فهو على دينهما. وأمّا إذا دخل بهما دار الإسلام، فإن كان معهما أبواهما أو أحدهما، فهما على دين أبويهما؛ وذلك لما قدّمنا أنّه لا معتبر بالدار مع وجود أحد الأبوين. قال: وإن مات الأبوان بعد ذلك، فهما على دين أبويهما، [وذلك] لأنّهما لمّا تبعاهما في الدين، لم يتغير ذلك بموتهما، كما لا يتغير حكم ولد الذميين في دار الإسلام. قال: وإن دُخِل بهما دار الإسلام، وليس معهما أحد أبويهما، فهما مسلمان؛ لأنّه انقطع عنهما حكم أبويهما باختلاف الدار، فحكم لهما بحكم الدار التي هما فيها.

стр. 5410

قال: فإن أسلم أحد الأبوين في دار الحرب، ثم سبي الولد مع الآخر فهو كافرٌ، والصبيّ مسلمٌ؛ لأنّه صار مسلمًا بإسلام [أحد أبويه] (١)، فلم يتغير ذلك بخروجه إلى دار الإسلام. قال: وكذلك إن أسلم أحد أبويه في دار الإسلام، ثم سُبي الصبيّ بعده وصار في دار الإسلام، فالصبيّ مسلمٌ، لأنّه اجتمع مع أبيه في دارٍ واحدةٍ، فصار مسلمًا بإسلامه. قال: ولو أسلم أبواه في دار الحرب بعد إخراج الصبيّ إلى دار الإسلام، لم يكن الصبي مسلمًا [بإسلامهما] (٢)؛ لأنّ اختلاف الدارين يمنع من أن يتبع أحدهما حكم الآخر، وكذلك لو أسلم الأب في دار الإسلام وولده في دار الحرب، لم يكن ولده مسلمًا بإسلامه حتى يخرج إلى دار الإسلام؛ لأنّ اختلاف الدارين يمنع أن يتبعه في الأحكام. وإذا ثبت ما قدّمنا: فكلّ صبيٍّ حكم بإسلامه، فهو في باب الميراث والصلاة عليه كسائر المسلمين؛ لأنّه في حكمهم، والتوارث والصلاة من أحكام المسلمين (٣) (٤).

стр. 5411

بَاب الحربيِّ (١) يدخلُ دارَ الإسلامِ بغيرِ أمانٍ قال محمدٌ: قال أبو حنيفة: ولو أنّ رجلًا من أهل الحرب وجَدُه المسلمون في دار الإسلام، فقال: دخلت بأمانٍ، لم يُصدّق قوله، فإن قال رجلٌ (٢) من المسلمين: أنا أمّنته، لم يُصدّق عليه حتى يشهد رجلان مسلمان غيره أنّه أمّنه، فإذا شهد على ذلك رجلان مسلمان، كان آمنًا. وجملة هذا: أن عند أبي حنيفة: إذا وُجِد الحربي في دار الإسلام بغير أمانٍ، كان فيئًا لجماعة المسلمين، وقال محمدٌ: يكون فيئًا لمن أخذه، وذكر في السِّيَر الصغير وغيره قول أبي يوسف مع (٣) أبي حنيفة، وذكر أبو الحسن أنّ أبا يوسف مع محمدٍ. وجه قول أبي حنيفة: أنّ يد الإمام ثابتةٌ على دار الإسلام، فإذا حصل الحربي فيها، فقد ثبتت يد الإمام عليه، ويده يدٌ (٤) لجماعة المسلمين، فصار ملكًا لهم؛ ولأنّ رقبة الحربي في حكم ماله، ولو حصل ماله في دارنا، كان فيئًا للجماعة دون من هو في يده، فكذلك رقبتُه.

стр. 5412

وَجهُ قولهما: أن يد الإمام على الدار يد حكمٍ، ويد الآخذ يد مباشرةٍ، فكانت أولى؛ ولأنّ رقبة الحربي على أصل الإباحة، فمن سبقت يده إليها ملكها كالحشيش والصيود. ٢٨٦٨ - فَصْل [الخمس في وجود الحربي بدار الإسلام] [واختلفت] (١) الرواية في وجوب الخمس فيه: فروي عن أبي حنيفة وعن محمدٍ روايتان: وجه الرواية التي قال: لا خمس فيه: أنّه حقٌّ لجماعة المسلمين، لا يختصّ به فريقٌ دون فريقٍ، فلا يجب [فيه] الخمس كالجزية. وجه الرواية الأخرى: أنه مأخوذٌ إلا أنّه مأخوذٌ بظهر المسلمين، فصار [كالغنيمة] (٢). والصحيح عن أبي حنيفة: أن لا خمس فيه، والصحيح عن محمدٍ: أن فيه الخمس؛ لأنّه مأخوذٌ على وجه الغنيمة، فصار كما لو أخذه الواحد من دار الحرب. وجه الرواية التي قال: لا خمس فيه: أنّه مأخوذ على أصل الإباحة، كالحطب والقصب والصيد (٣). ٢٨٦٩ - فَصْل [إسلام الحربي قبل أن يؤخذ] فإن أسلم قبل أن يؤخذ فهو فيءٌ عند أبي حنيفة، وقال محمدٌ: هو حرٌّ لا

стр. 5413

سبيل عليه. أما أبو حنيفة: فبنى على أصله: أنّ حقّ الاسترقاق تعلّق برقبته، فلا يسقط بإسلامه، كمن أسلم من الأسرى قبل القسمة. فأمّا على أصل محمدٍ: فالاسترقاق إنّما يثبت فيه بالأخذ، فإذا أسلم لم يجز أن يبتدأ الاسترقاق فيه، كمن أسلم في دار الحرب ثم أُخِذ. ٢٨٧٠ - فَصْل [دعوى الحربي بأنه دخل بأمان] [قال]: فإن ادعى هذا الحربي أنه دخل بأمانٍ لم يقبل قوله؛ لأنه يدعي عقدًا على المسلمين، فلا يصدق عليه بدعواه، إلا أن يشهد به شاهدان. قال: فإن قال الآخر: إنّي أمنته، لم يقبل قوله عند أبي حنيفة؛ لأنّه شهد بفعل نفسه، فأمّا على قول محمدٍ، فقوله مقبولٌ؛ لأنّه ملكٌ له في الظاهر، فإذا قال: إني أمنته، اعترف بحريته، فيعتق عليه. قال: وإن خرج الحربي وقد دخل بغير أمانٍ، فرجع إلى دار الحرب، خرج من أن يكون فيئًا، وذلك ظاهرٌ على أصل محمدٍ؛ لأنّ الفيء يثبت فيه بالأخذ، فما لم يؤخذ، فهو على ما كان عليه. وأمّا على أصل أبي حنيفة: وإن تعلّق به حكم الفيء، فلم يستقر، فإذا رجع إلى دار الحرب قبل استقرار الفيء فيه، عاد إلى ما كان عليه. قال: فإن أسلم في دار الإسلام، ثم خرج قبل أن يؤخذ، فهو أيضًا حرٌّ في قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنّه لو عاد إلى دار الحرب قبل الإسلام، كان حرًا، فبعد الإسلام أولى.

стр. 5414

٢٨٧١ - فَصْل: [دخول الحربي الحرم بغير أمان] قال: فإن خرج إلى دار الإسلام بغير أمانٍ، فلم يؤخذ حتى دخل الحرم، فهو فيءٌ عند أبي حنيفة وزفر (١) حين دخل دار الإسلام، ودخول الحرم لا يبطل عنه ذلك، وفي قولهما (٢): لا يكون فيئًا حتى يؤخذ. وهذا صحيحٌ؛ لأنّه إذا دخل دار الإسلام، فقد ثبت حكم الفيء فيه عنده، فلا يتغير ذلك بدخول الحرم، كعبدٍ أبق إلى الحرم، على قولهما: لا يصير فيئًا إلا بالأخذ، فإذا دخل الحرم فهو على أصل الحرية حتى يؤخذ. وقالوا جميعًا (٣): لا يطعم ولا يسقى ولا يبايع، ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم. قال محمدٌ: فأمّا ماء العامّة فلا يمنع منه؛ لأنّ الناس شركاء في الماء، ولو كان لك أن تمنعه، كان لك أن تقتله. قال محمدٌ: وليس للأمير أن يحبسه، ولا يأسره، ولا يخرجه من الحرم، ولا يقتله، وإنّما لم يجز أخذه من الحرم؛ لأنّ حقّ الاسترقاق إذا تعلّق برقبته، (فالإمام مخيّرٌ) (٤) بين قتله واسترقاقه، ودخول الحرم يمنعُ القتل، إلا أنّه يُضيّق عليه ليضطر إلى الخروج، فينفذ فيه ما يستحق عليه، وإنّما لم يمنع الماء؛ لأنّ له حقًّا فيه، ولأنّا لو منعناه الماء لقتلناه، فكما لا يجوز قتله، لا يجوز منع الماء منه.

стр. 5415

قال محمدٌ: ولو دخل قومٌ من أهل الحرب الحرم للقتال، وانهزموا من المسلمين (١)، فلا شيء على المسلمين في قتلهم وأسرهم، وكذلك الرجل الواحد منهم إذا دخل الحرم مكابرًا مقاتلًا؛ وذلك لأنّهم هتكوا حرمة الحرم، ولم يلتزموها، فصار كردّ الأمان، وهذا كما قالوا: إنّ من ابتدأ القتال في الحرم يقتل فيه. وقال الحسن عن أبي يوسف: إذا أمنه رجلٌ من المسلمين في الحرم أو بعد ما خرج من الحرم، قبل أن يؤخذ، فهو أمانٌ له، ويردُّ إلى مأمنه، وإن كان إنّما أمّنه بعدما أخذه فذلك أمانٌ باطلٌ، وهو فيءٌ للذي أخذه؛ وذلك لأنّ عند أبي يوسف أنّه لا يصير فيئًا قبل الأخذ، فإذا أمّنه رجلٌ صحّ أمانه، كما لو أمّنه عند الدخول. فأما إذا أُخذ، فقد صار فيئًا عنده لمن أخذه، فلا يجوز أمانه بعد تعلّق الاسترقاق برقبته. وقال محمدٌ في السِّيَر الكبير: إن قال الذي أخذه، أنا أمّنته قبل أن آخذه، فهو آمنٌ، وهو بدار الإسلام بمنزلة الحربي المستأمن. وقد قدمنا هذا، وبيّنا أنّ من أصله أنّه فيءٌ لمن أخذه، فإذا اعترف فيه بالحرية قُبِل قوله. قال الحسن: وإن أُخِذ في الحرم، فأُخرج منه، كان الذي فعل ذلك قد أساء، وكان فيئًا لجماعة المسلمين في قول أبي حنيفة وزفر، وفي قول أبي يوسف: هو لمن أخذه.

стр. 5416

وإنما كره الإخراج؛ لأنّ حرمة الحرم مانعةٌ من الأخذ، فإذا هتكها بالأخذ، كره له ذلك، ولا يمنع الملك؛ لأنّ النهي حصل في الإخراج، (وجهة التملك هي الأخذ بعد الإخراج) (١)، وذلك غير منهيٌّ عنه. قال: وإن أخذه في الحرم ولم يخرجه فينبغي له أن يخلّي سبيله في الحرم حتى يخرج منه؛ [وذلك] لأنّه لم تزل حرمة الحرم عنه، فوجب إزالة اليد عنه وإعادته إلى ما كان عليه (٢).

стр. 5417

بَاب الرجل المسلم يفعل ما يجبُ فيه الحد في دار الحربِ قال: وأما إذا دخل المسلم دار الحرب بأمانٍ، فزني، أو سرق، أو شرب خمرًا، أو قذف مسلمًا، أو قتله عمدًا أو خطأً، ثم رجع إلى دار الإسلام، فإنّه لا يؤخذ بشيءٍ من ذلك، إلا في القتل، فإنّه يضمن الدية في ماله عمدًا كان أو خطأً. وأما الحدود؛ فلأنّ الإمام لا يد له في دار الحرب، فلم يثبت له حقّ المطالبة عند وجود السبب، فصار ذلك شبهةً مانعةً من ثبوت المطالبة في الثاني؛ ولأنّ المستأمن في حكم أهل الحرب من وجهٍ؛ ولذلك لا يصح أمانه لهم، وأهل الحرب لا يجب عليهم الحدود. فأما القتل، فقد وجد مع سبب الإباحة، ألا ترى أنّ الدماء في دار الحرب مباحةٌ، وسبب الإباحة إذا قارن ما يسقط بالشبهة سقط وإن لم تحصل الإباحة. وإنّما وجب المال؛ لأنّه لا شبهة في وجوبه، بدلالة أن المداينة تثبت في دار الحرب، ودم العمد إذا سقط بالشبهة، وجب فيه المال، فأما الخطأ فلا تحمله العاقلة؛ لأنّ العاقلة إنّما تتحمّل بالنصرة، ولا يلزمهم نصرة مَنْ في دار الحرب؛ فلذلك لم يعقلوا عنه. قال: ولو كان أميرًا على سَريّة بعثها الإمام إلى دار الحرب، أو أمير جيش على خمسة آلاف أو أربعة آلاف، فزنى منهم رجلٌ، أو سرق أو شرب خمرا، أو قتل مسلمًا عمدًا أو خطأً، فإنّه لا يأخذه أمير السرية ولا أمير الجيش بشيءٍ من

стр. 5418

ذلك، غير أنّه يُضَمِّنه السّرقة إن كان استهلكها، ويضمّنه الدية في ماله عمدًا كان القتل أو خطأً؛ وذلك لأنّ هذا الأمير لم يكن قبل التولية يملك إقامة الحدود، ولا جعل إليه الإمام ذلك، فصار كسائر الناس. وصار الفاعل لسبب الحدّ، وليس هناك من يملك الإقامة، كالفاعل لذلك في غير العسكر. قال: وإن غزا الخليفة دار الحرب، أو أمير الشام، أو أمير العراق، أو [أمير] الحجاز، حدّه في ذلك كلّه، واقتصّ منه في العمد، وضمنه الخطأ في ماله؛ وذلك لأنّ الخليفة مالكٌ لإقامة الحدود بنفسه، وأمير الشام كان يملك إقامتها على العسكر في بلده، فلا يتغير حالهم بدخول دار الحرب، وصار الفاعل لسبب الحدّ مع ثبوت يد من يملك الإقامة (١) عليه كالفاعل في دار [الإسلام] (٢)، فإن شذّ رجل على العسكر ففعل ذلك، درئ عنه الحدّ والقصاص إذا فعل ذلك خارج العسكر شاذًا عنه في الفلاة كان أو في ناحيةٍ [عن] العسكر؛ لأنّ يد الإمام لا تثبت في دار الحرب في غير عسكره، وإذا لم تثبت يده، فقد فعل هذا الرجل فعلًا يوجب الحد في موضعٍ لا يد للإمام عليه فلا يقام عليه [شيءٌ]. قال: ولو أنّ بعض أهل العسكر خرج من العسكر فمر به رجلٌ من العسكر (٣)، فقطع عليه الطريق، لم يقطع، وضمن المال إن كان أتلفه؛ وذلك لأنّ قطع الطريق سببٌ للحدّ، فإذا حصل في غير عسكر الإمام سقط بالشبهة، ووجب الضمان الذي لا تؤثر فيه الشبهة.

стр. 5419

قال: وإذا زنى المسلم في دار الإسلام، أو سرق، ثم هرب إلى دار الحرب، ثم أخذ أمانًا على نفسه، فإنّه يقام عليه [الحد] بما فرّ منه؛ لأنّ الحد وجب عليه ولم يعرض ما يغير حكمه؛ ولأنّ دخول دار الحرب لا يمنع من وجوب الحدود المبتدأة إذا ثبتَت اليد، فلا يسقط الحدّ الواجب (١). بَابُ المستأمن يصيبُ الحدَّ في دار الإسلام جملهُ هذا الباب قد مضت في كتاب الحدود، والذي يحصل به المذهبُ: أنّ المستأمن لا يقام عليه الحدود التي تجب (٢) لحق الله تعالى؛ كالزنا والشرب والقطع في السرقة، ويقام عليه ما يتعلّق بحقّ الآدمي من القصاص وحدّ القذف. وقال أبو يوسف: يقام عليه جميع الحدود إلا حدّ الشرب، كما يقام على الذمي (٣).

стр. 5420

بَابُ متى يصيرُ المُستأمِنُ (١) ذميًّا (٢) الأصل في هذا الباب: أنّ المستأمن لا يتركه الإمام أن يقيم إقامةً دائمةً في دار الإسلام؛ وذلك لأنّ المعنى الذي يجوز معه الإقرار على الكفر التزام الجزية والاسترقاق، فأما أن يقيم الكافر في دارنا إقامةً دائمةً بغير هذين الوجهين فلا يجوز؛ ولأنه إذا أقام في دارنا، وقف على عورات المسلمين، فلم يؤمن أن يدلّ عليها العدو؛ وذلك لا يجوز أن يفعله الإمام. فأمّا المدة اليسيرة فلا يمنع منها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]؛ ولأنّ في منعهم الدخول إضرارًا بالمسلمين، لانقطاع السبيل. فإذا ثبت أنّ المقام الطويل لا يجوز واليسير يجوز، احتجنا إلى الحدّ الفاصل بينهما. وقال أصحابنا: يقيم (٣) ما دون السنة، ولا يُمكّن أن يقيم سنةً كاملةً؛ لأنّ

стр. 5421

السنة المدة التي يجب عليه فيها الجزية، [فلو] (١) أقام فيها لم يؤخذ منه الجزية، والكافر لا يقيم في دارنا وهو حرٌّ مدّة الجزية بغير جزية. وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا أقام المستأمن فإن الإمام يتقدّم إليه بالرجوع إلى بلده، ويقول له: إن أقمت سنةً وضعت عليك الجزية، فإن أقام سنةً من يوم تقدّم إليه أخذ منه الجزية، ولم يتركه يرجع إلى بلده (٢)؛ وذلك لأنّه لمّا أقام بعد التقدم إليه، صار ملتزمًا للجزية، والجزية تلزم بالالتزام، وإذا وضعت الجزية عليه صار ذميًّا، والذمي لا يُمكّن من الرجوع إلى دار الحرب. قال: فإن رجع إلى بلاده قبل تمام السنة، فلا سبيل له عليه، وذلك لأنّه لم يلتزم الجزية، فلا يجوز أن يلزمه من غير رضاه. قال أبو حنيفة: فإن اشترى المستأمن أرض خراجٍ فوضع عليه الخراج فيها، كان ذميًا، ويوضع على رأسه أيضًا الخراج. قال محمدٌ: فإن باعها قبل أن يجب خراجها، لم يكن بشرائه أرض الخراج ذميًّا؛ وذلك لأنّ الإمام إذا أوجب عليه الخراج، وذلك من الحقوق التي توجب على أهل الذمّة، صار بالتزامه هذا الحق ملتزمًا بالجزية، فتوضع عليه، فلا يكون بالشراء ذميًّا؛ لأنّ بالشراء لا يجب عليه الخراج، فلا يكون به ملتزمًا لشيءٍ، فإن وضع الخراج ووجب استقرار الالتزام، فوجبت الجزية. قال: ولو استأجر أرض خراجٍ فزرعها، لم يكن ذميًّا؛ لأنّ الخراج لا يجب على المستأجِر، وإذا لم يلتزم أحد الخراجين لم يلزمه الآخر، وإن كانت الأرض

стр. 5422

خراجها المقاسمة، فزرعها ببذر الحربيّ، فأخرجت زرعًا، فأخذ الإمام خراجها مما أخرجت، وحكم بذلك عليه دون صاحب الأرض، جعله الإمام ذميًّا، ووضع عليه خراج رأسه؛ لأنّ خراج المقاسمة ممّا يجب على الذميّ، فإذا أوجبه الإمام عليه، وجب عليه الخراج الآخر. قال: فإن اشترى المستأمن أرض المقاسمة، فآجرها من رجل من المسلمين، فأخذ الإمام الخراج من المستأجر، ورأى أنّ ذلك على الزارع، لم يصر المستأمن ذميًّا؛ لأن الإمام لم يوجبها عليه (١)، وإذا لم يجب عليه الخراج، لم تلزمه الجزية بملك الأرض (٢). ولو زرع الحربيّ أرضًا اشتراها، وهي أرض خراجٍ، فأخرجت زرعًا، فأصابت زرعها آفةٌ، فذهبت به، لم يكن في الأرض خراج تلك السنة، ولم يصر الحربي ذميًّا؛ لأنّ الجزية إنّما تلزمه بوجوب الخراج عليه، فإذا لم يجب صار كأنّه لم يزرع. قال: فإن وجب في أرض المستأمن الخراج في أقلّ من سنةٍ (٣) منذ يوم ملكها، صار ذميًّا حين وجب في أرضه الخراج، ويجب الخراج على رأسه، يؤخذ منه خراج رأسه بعد سنةٍ مستقبلةٍ من يوم وجب في أرضه؛ لأنّه إنّما يصير ذميًا بوجوب الخراج عليه، فصار [وجوب] الخراج كعقد الذمة، فيلزمه الجزية بعد سنةٍ.

стр. 5423

قال: وليس هذا كما لو تقدّم إليه الإمام فقال له: إن أقمت سنةً بعد يومك هذا أخذت منك الخراج، فأقام سنةً، صار ذمّيًا، وأخذ منه الخراج في تمام السنة؛ لأنّ الخراج هاهنا يجب بالتزامه، فإذا أقام بعد تقدّم الإمام، وجب الخراج من يوم التقدّم، فإذا تمّ الحول استوفى منه. وهذا (١) في مسألتنا إنّما يصير ذميًّا بوضع الخراج عليه من غير التزامٍ، فصار وجوب الخراج كعقد الذمّة، فلا يجب أن تؤخذ الجزية إلا بعد (٢) الحول. قال: ولو اشترى الحربي أرض عُشْرٍ، صارت أرض خراجٍ في قول أبي حنيفة، ويكون الحربي ذميًّا إذا وجب عليه فيها الخراج؛ لأن العشر ينتقل بملك الذمي إلى الخراج، فإذا وجب صار كأنّها لم تزل أرض خراجٍ. قال: ولو تزوج المستأمَن في دار الإسلام ذميّةً، لم يكن بتزويجها ذمّةً؛ لأنّ الزوج لا يلزمه المقام في المكان الذي تزوّج فيه، وله أن ينتقل بها حيث شاء، فلم يكن بالتزويج ملتزمًا المقام في دار الإسلام، فلا يصير ذميًّا. ولو تزوّجت المستأمنة مسلمًا أو ذميًّا، صارت ذميّةً؛ لأنّ المرأة يلزمها بعقد النكاح المقام في دار الزوج، وإذا التزمت المقام في دارنا على التأبيد، فلا يجوز ذلك مع بقائها على حكم الحرب، فصارت ذميّةً (٣).

стр. 5424

بَاب الرجل يُسلمُ في دار الحربِ فيُجنى عليه قال أبو حنيفة: في الرجل من أهل الحرب يُسلم في دار الحرب، فيقتله مسلمٌ عمدًا أو خطأً، فليس عليه قودٌ ولا ديةٌ، وعليه الكفارة في الخطأ، وهذه الرواية المشهورة عن أبي حنيفة في الجامع الصغير وغيره (١)، وهي أيضًا إحدى الروايتين عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء. وروي عن أبي يوسف: في قومٍ من أهل الحرب أسلموا في دارهم، وقتل رجلٌ منهم رجلًا منهم خطأً، فإن أبا حنيفة قال: لا دية عليه ولا كفارة، وقال أبو يوسف: أضمّنه الدية وأجعل عليه الكفارة في الخطأ. أستحسن ذلك، والقياس: ما قاله أبو حنيفة، والصحيح عن أبي حنيفة: أنّ فيه الكفّارة. والوجه في ذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فلا يخلو أن يكون المراد به الانتساب [إليهم]، أو أن يكون في جملتهم، ولا يجوز أن يكون الانتساب إليهم؛ لأنّ أصحاب النبي ﵊ ينتسبون إلى الكفار، فلم يبق إلا أن يكون المراد: وإن كان في قومٍ، وقد تكون "من" بمعنى "في"؛ ولأن دم الحربي مباحٌ، فإذا أسلم في دار الحرب فلم يحرز دمه بدار الإسلام، فلا يتقوّم بالإتلاف كالمباحات قبل الإحراز.

стр. 5425

وأمّا الكفارة، فتجب بظاهر القرآن؛ ولأنّ سقوط الضمان بالقتل لا يسقط الكفارة، كقتل الرجل (١) لعبده. وجه الرواية التي قال: لا كفارة فيه: أنّه صار في حكم الحربيّ في باب سقوط الضمان، فكذلك في حكم الكفارة. وأمّا أبو يوسف فقال: إنّه حقن دمه بالإسلام، فصار كسائر المسلمين، إلا أنّ القصاص لا يجب؛ لأنّ الدار دار إباحة الدماء، فصار ذلك شبهةً في سقوط القصاص، والدية لا تسقط بالشبهة. ٢٨٧٢ - فَصْل: [قتل المسلم مُسْلِمًا بدار الحرب] وأمّا التاجر المسلم إذا قتل التاجر المسلم، فعليه الدية والكفارة في قولهم؛ وذلك لأنّ التاجر قد حقن دمه بدار الإسلام، ودخوله دار الحرب لا يسقط تقويم دمه، إلا أن القصاص لا يجب لما قدمناه. ٢٨٧٣ - فَصْل: [قتل المسلم أسيرًا مسلمًا بدار الحرب] وإذا قتل التاجر أسيرًا في دار الحرب مسلمًا، فعليه الكفارة في الخطأ، ولا ضمان عليه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: عليه الدية. وجه قول أبي حنيفة: أنّ الأسير مقهورٌ في أيديهم، ممنوعٌ من الخروج إلى دارنا (٢)، كمن أسلم هناك، ولأنّ الدم ممّا يثبت فيه حكم التمليك؛ بدلالة أنّ وارث المقتول إذا مات قبل استيفاء القصاص، انتقل الحقّ إلى ورثته، وإذا أذن

стр. 5426

رجلٌ لرجلٍ في قتله، فقتله، لم يلزمه ضمانٌ، وإذا كان الدم ممّا يثبت فيه حكم الملك، وقد غلب [عليه] أهل الحرب، صار كالمستحَقّ لهم، فلا يجب بإتلافه ضمانٌ. وجه قولهما: أنّه مسلمٌ حقن دمه بدار الإسلام، فوجب بقتله الضمان كالتاجر. وقال بشرٌ عن أبي يوسف في الأسرى والتجار: [هم] سواءٌ، إن قتل رجلٌ منهم رجلًا عمدًا قتله، وإن كان خطأً فعلى عاقلته الدية (١)، والأول أشهر عن أبي يوسف. وجه رواية بشر: أنّه مسلمٌ محقون الدم، فصار قتله في دار الحرب كقتله في دار الإسلام. ٢٨٧٤ - فَصْل: [صلاة من أسلم بدار الحرب ولم يعلم بفرضها] قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: لو أنّ رجلًا أسلم في دار الحرب، ولم يعرف صلاةً ولا صيامًا سنتين أو أقلّ أو أكثر، ثم خرج إلى دار الإسلام، فسأل، عن ذلك، فعلمه، فليس عليه قضاء ما مر (٢)، وقال أبو يوسف: أستحسن أن يجب عليه القضاء. وجه قول أبي حنيفة: أنّ الشرعيات إنّما تجب بالسماع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: (١٥]، فمن كان في دار الحرب، فلم يبلغه وجوب العبادات، ولا تمكّن من ذلك، فلم يلزمه حكمها.

стр. 5427

وليس كذلك إذا أسلم في دار الإسلام؛ لأنّه متمكّنٌ من معرفة الشرائع، والمسألة عنها، فإذا لم يفعل فقد فرّط، فلا يسقط عنه الوجوب. وجه قول أبي يوسف: أن من أسلم في دار الحرب، يعلم أنّ الدين الذي انتقل إليه له أحكامٌ، فلمّا لم يسأل عنها، [فقد] فرّط في المعرفة، فصار كمن أسلم في دار الإسلام. وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة يقول: لا عذر لأحدٍ من الخلق في جهله معرفة خالقه، والواجب على جميع الخلق معرفة الربّ وتوحيده ، لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر ما خلق الله تعالى، فلا يسعه جهل معرفة ربّه. وأمّا الفرائض، فمن لم يعرفها ويعلمها وتبلغه، أو يرى أهل الإسلام، فإنّ هذا لم تقم عليه حجةٌ كمعرفته. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ المعرفة طريقها العقل، فإذا أكمل الله تعالى عقل الإنسان، فقد مكنه من الطريق إلى المعرفة، فوجب عليه الإيمان وإن لم يبلغه السمع، فأمّا الشرعيات، فلا تجب إلا بالسمع، فما لم يوجد السمع أو التمكّن منه، لا يلزمه.

стр. 5428

بَاب الحربي يُسلم ثم يُظهر على الدار وله فيها مالٌ قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: في الحربيّ يدخل إلينا بأمانٍ، وله في دار الحرب امرأةٌ حاملٌ، وأولادٌ صغارٌ، وأولادٌ كبارٌ، ومالٌ كثيرٌ، أودع بعضه حربيًّا وبعضه ذميًّا وبعضه مسلمًا، فأسلم في دار الإسلام، ثم ظهر المسلمون على الدار التي هو من أهلها. قال: فإنّ كلّ ما فيها من مال الذي أسلم في دار الإسلام فيءٌ، وولده الصغار والكبار وامرأته وما في بطنها فيءٌ؛ وذلك لأنّه لمّا أسلم في دار الإسلام، لم يثبت له حكم الإسلام فيما في دار الحرب؛ لاختلاف الدارين، فلم يصر ولده مسلمًا بإسلامه، ولا حصل ماله محرزًا [به]، فبقي على حكم الفيء. قال: وإن كان أسلم في دار الحرب، ثم خرج إلى دار الإسلام، ثم ظُهِر على الدار، كان أولاده الصغار أحرارًا، ولا سبيل عليهم، وما كان من مالٍ أودعه مسلمًا أو ذميًّا فهو له، وما سوى ذلك مما ذكرت، فهو فيءٌ؛ وذلك لأنّه لمّا أسلم هناك، صار ولده الصغير مسلمًا بإسلامه، [فلم يثبت فيه حكم الفيء، وما كان من مالٍ في يد مسلمٍ أو ذميٍّ فقد صار محرزًا؛ لأنه في يدٍ صحيحةٍ، فهو كما لو كان في يده. وأمّا ولده الكبار فهم فيءٌ؛ لأنهم لا يكونون مسلمين بإسلامه]، فبقي على ما كان عليه، وكذلك [زوجته] (١) لا تصير مسلمةً، وحملها جزء من أجزائها،

стр. 5429

فيرقّ برقّها. قال: فإن أسلم هناك ولم يخرج إلى دار الإسلام حتى ظُهِر على الدار، فما كان في يديه من مالٍ [فهو له، وما كان في] يد مسلم أو ذميٍّ فهو له [أيضًا]؛ لأنّ يد المودَع يدٌ لمودِعه، فيد المسلم والذميّ يدٌ صحيحةٌ، فما في يديهما في حكم ما في يده، وقد حصلت الحيازة فيه باليد، وما كان على أصل الإباحة إذا حصلت فيه الحيازة، زال معنى الإباحة فيه، وما أودعه في يد حربيٍّ، فهو فيءٌ؛ لأنّ الحربي ليس له يدٌ صحيحةٌ، فلم تحصل الحيازة في هذا المال، فبقي على أصل الإباحة. وأولاده الصغار أحرارٌ مسلمون، لا سبيل عليهم؛ لأنّهم صاروا مسلمين بإسلامه، فأمّا الكبار فهم فيءٌ؛ لأنّهم لا يصيرون مسلمين بإسلامه، وامرأته وحملها لما قدمنا فيءٌ. قال: ومن قاتل من عبيده، فهو فيءٌ؛ لأنّه مقيمٌ على حكم الحرب، والحربيّ الحرّ يُسترقّ، فالعبد أولى. وأمّا عقاره، فهو فيءٌ؛ لأنّه من جملة دار الحرب، ولا يتبعّض حكم الفيء فيها؛ ولأنّ من أصل أبي حنيفة: أنّ اليد لا تثبت على العقار ثبوتًا صحيحًا، فصار كمالٍ ليس (١) في يده. وأمّا أبو يوسف فقال: يحرز عقاره كما يحرز (٢) ماله استحسانًا [للأثر]؛

стр. 5430

لما روى أبو إسحاق والكلبي: أنّ أناسًا من بني قريظة قد سمّاهم أسلموا قبل أن تفتح [بليلة] (١)، فأحرزوا أموالهم (٢)، قال أبو يوسف: وكان جلّ أموالهم الدور والأرضين؛ ولأنّ من أصل أبي يوسف ومحمدٍ: أنّ اليد تثبت على العقار ثبوتًا صحيحًا، فصار العقار كغيره من الأموال التي في يده (٣).
следующие страницы →