← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

رجلٌ لرجلٍ في قتله، فقتله، لم يلزمه ضمانٌ، وإذا كان الدم ممّا يثبت فيه حكم الملك، وقد غلب [عليه] أهل الحرب، صار كالمستحَقّ لهم، فلا يجب بإتلافه ضمانٌ. وجه قولهما: أنّه مسلمٌ حقن دمه بدار الإسلام، فوجب بقتله الضمان كالتاجر. وقال بشرٌ عن أبي يوسف في الأسرى والتجار: [هم] سواءٌ، إن قتل رجلٌ منهم رجلًا عمدًا قتله، وإن كان خطأً فعلى عاقلته الدية (١)، والأول أشهر عن أبي يوسف. وجه رواية بشر: أنّه مسلمٌ محقون الدم، فصار قتله في دار الحرب كقتله في دار الإسلام. ٢٨٧٤ - فَصْل: [صلاة من أسلم بدار الحرب ولم يعلم بفرضها] قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: لو أنّ رجلًا أسلم في دار الحرب، ولم يعرف صلاةً ولا صيامًا سنتين أو أقلّ أو أكثر، ثم خرج إلى دار الإسلام، فسأل، عن ذلك، فعلمه، فليس عليه قضاء ما مر (٢)، وقال أبو يوسف: أستحسن أن يجب عليه القضاء. وجه قول أبي حنيفة: أنّ الشرعيات إنّما تجب بالسماع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: (١٥]، فمن كان في دار الحرب، فلم يبلغه وجوب العبادات، ولا تمكّن من ذلك، فلم يلزمه حكمها.

стр. 5427

وليس كذلك إذا أسلم في دار الإسلام؛ لأنّه متمكّنٌ من معرفة الشرائع، والمسألة عنها، فإذا لم يفعل فقد فرّط، فلا يسقط عنه الوجوب. وجه قول أبي يوسف: أن من أسلم في دار الحرب، يعلم أنّ الدين الذي انتقل إليه له أحكامٌ، فلمّا لم يسأل عنها، [فقد] فرّط في المعرفة، فصار كمن أسلم في دار الإسلام. وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة يقول: لا عذر لأحدٍ من الخلق في جهله معرفة خالقه، والواجب على جميع الخلق معرفة الربّ وتوحيده ، لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر ما خلق الله تعالى، فلا يسعه جهل معرفة ربّه. وأمّا الفرائض، فمن لم يعرفها ويعلمها وتبلغه، أو يرى أهل الإسلام، فإنّ هذا لم تقم عليه حجةٌ كمعرفته. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ المعرفة طريقها العقل، فإذا أكمل الله تعالى عقل الإنسان، فقد مكنه من الطريق إلى المعرفة، فوجب عليه الإيمان وإن لم يبلغه السمع، فأمّا الشرعيات، فلا تجب إلا بالسمع، فما لم يوجد السمع أو التمكّن منه، لا يلزمه.

стр. 5428

بَاب الحربي يُسلم ثم يُظهر على الدار وله فيها مالٌ قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: في الحربيّ يدخل إلينا بأمانٍ، وله في دار الحرب امرأةٌ حاملٌ، وأولادٌ صغارٌ، وأولادٌ كبارٌ، ومالٌ كثيرٌ، أودع بعضه حربيًّا وبعضه ذميًّا وبعضه مسلمًا، فأسلم في دار الإسلام، ثم ظهر المسلمون على الدار التي هو من أهلها. قال: فإنّ كلّ ما فيها من مال الذي أسلم في دار الإسلام فيءٌ، وولده الصغار والكبار وامرأته وما في بطنها فيءٌ؛ وذلك لأنّه لمّا أسلم في دار الإسلام، لم يثبت له حكم الإسلام فيما في دار الحرب؛ لاختلاف الدارين، فلم يصر ولده مسلمًا بإسلامه، ولا حصل ماله محرزًا [به]، فبقي على حكم الفيء. قال: وإن كان أسلم في دار الحرب، ثم خرج إلى دار الإسلام، ثم ظُهِر على الدار، كان أولاده الصغار أحرارًا، ولا سبيل عليهم، وما كان من مالٍ أودعه مسلمًا أو ذميًّا فهو له، وما سوى ذلك مما ذكرت، فهو فيءٌ؛ وذلك لأنّه لمّا أسلم هناك، صار ولده الصغير مسلمًا بإسلامه، [فلم يثبت فيه حكم الفيء، وما كان من مالٍ في يد مسلمٍ أو ذميٍّ فقد صار محرزًا؛ لأنه في يدٍ صحيحةٍ، فهو كما لو كان في يده. وأمّا ولده الكبار فهم فيءٌ؛ لأنهم لا يكونون مسلمين بإسلامه]، فبقي على ما كان عليه، وكذلك [زوجته] (١) لا تصير مسلمةً، وحملها جزء من أجزائها،

стр. 5429

فيرقّ برقّها. قال: فإن أسلم هناك ولم يخرج إلى دار الإسلام حتى ظُهِر على الدار، فما كان في يديه من مالٍ [فهو له، وما كان في] يد مسلم أو ذميٍّ فهو له [أيضًا]؛ لأنّ يد المودَع يدٌ لمودِعه، فيد المسلم والذميّ يدٌ صحيحةٌ، فما في يديهما في حكم ما في يده، وقد حصلت الحيازة فيه باليد، وما كان على أصل الإباحة إذا حصلت فيه الحيازة، زال معنى الإباحة فيه، وما أودعه في يد حربيٍّ، فهو فيءٌ؛ لأنّ الحربي ليس له يدٌ صحيحةٌ، فلم تحصل الحيازة في هذا المال، فبقي على أصل الإباحة. وأولاده الصغار أحرارٌ مسلمون، لا سبيل عليهم؛ لأنّهم صاروا مسلمين بإسلامه، فأمّا الكبار فهم فيءٌ؛ لأنّهم لا يصيرون مسلمين بإسلامه، وامرأته وحملها لما قدمنا فيءٌ. قال: ومن قاتل من عبيده، فهو فيءٌ؛ لأنّه مقيمٌ على حكم الحرب، والحربيّ الحرّ يُسترقّ، فالعبد أولى. وأمّا عقاره، فهو فيءٌ؛ لأنّه من جملة دار الحرب، ولا يتبعّض حكم الفيء فيها؛ ولأنّ من أصل أبي حنيفة: أنّ اليد لا تثبت على العقار ثبوتًا صحيحًا، فصار كمالٍ ليس (١) في يده. وأمّا أبو يوسف فقال: يحرز عقاره كما يحرز (٢) ماله استحسانًا [للأثر]؛

стр. 5430

لما روى أبو إسحاق والكلبي: أنّ أناسًا من بني قريظة قد سمّاهم أسلموا قبل أن تفتح [بليلة] (١)، فأحرزوا أموالهم (٢)، قال أبو يوسف: وكان جلّ أموالهم الدور والأرضين؛ ولأنّ من أصل أبي يوسف ومحمدٍ: أنّ اليد تثبت على العقار ثبوتًا صحيحًا، فصار العقار كغيره من الأموال التي في يده (٣).

стр. 5431

بَاب في رقيق الحربيّ ما يصحُّ فيه العتق وما لا يصحّ قال أبو يوسف في الإملاء، رواية بشر: في رجلٍ من أهل الحرب دخل دار الإسلام بأمانٍ، ومعه [امرأته، أو] أمةٌ له منها ولدٌ صغيرٌ، ومعه مدبّرٌ دبره في دار الحرب، ومعه مكاتّبٌ كاتبه في دار الحرب، وعبدٌ قد أعتقه البتة، وكلّهم في يده، استأمن على نفسه وعليهم، فإن له أن يبيع مدبَّره ومعتقه ومكاتبَه، ولا يبيع ولده ولا أمّ ولده. وجملة هذا: أنّ عند أبي حنيفة ومحمدٍ: عتق الحربيّ لعبده الحربيّ في دار الحرب لا ينفذ، وقال أبو يوسف: ينفذ. ومن أصحابنا من قال: إنّ العتق يثبت في قولهم [جميعًا]، وإنّما الخلاف في الولاء، فعند أبي حنيفة: لا ولاء للمعتِق (١)، وقال أبو يوسف: الولاء له. وذكر الطحاوي هذه المسألة، فقال: إذا أعتق الحربيّ عبده ودخل العبد دار الإسلام، فله أن يوالي من شاء عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: ولاؤه للحربيّ. وجه قولهما (٢): أنّ ملك الحربيّ ليس بملكٍ صحيحٍ؛ بدلالة أنّ من أخذه ملكه عليه، ومن أتلفه لم يلزمه ضمانٌ، فلم ينفذ فيه العتق كملك المكاتَب، وليس كذلك إذا كان عبده مسلمًا؛ لأنّه لا يعتق بإعتاقه، وإنّما يعتق بزوال يده عنه، فيصير في يد نفسه؛ ولأنّ العتق لو وقع في دار الحرب لوقع مع وجود ما ينافيه؛

стр. 5432

بدلالة أنّه لو تغلّب على رقبته بعد عتقه ملكه؛ فلذلك لم يجز أن يقع، وليس كذلك (العبد المسلم؛ لأنّه لو تغلّب على رقبته لم يملكه. ولهذا قال أبو حنيفة: إنّ المسلم) (١) لو أعتق عبدًا حربيًا في دار الحرب لم يعتق؛ لأنّه لو غلب عليه بعد العتق لملكه. وجه قول أبي يوسف: أنّ الحربيّ مالكٌ لرقبته، وله قولٌ صحيحٌ، فينفذ عتقه كالمسلم، فأمّا الذي ذكره الطحاوي، فهو محمولٌ على عبد الحربيّ إذا خرج إلينا مسلمًا، عتق بحصوله في دار الإسلام، ولم يثبت الولا مع اختلاف الدارين، ويجوز أن يقول أبو يوسف: إنّه لمّا عتق على ملكه، ثبت الولاء له. وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: إذا دخل الحربي ومعه مدبّره، فله أن يبيعه؛ لأنّ التدبير عتقٌ معلّقٌ بشرطٍ، وهولا يملك العتق الباتٌ، فكذلك [العتق] المعلّق بشرطٍ. وأمّا المكاتب الذي كاتبه في دار الحرب، فكتابته فاسدةٌ؛ لأنّه عقدٌ على الحرية، والحرية لا تقع، وعدم المعقود عليه يمنع من انعقاد العقد. وأمّا المعتَق، فقد بينّا أنّ عتقه لا يصحّ فيه، فبقي على أصل الرقّ. وأمّا ولده، فثابتُ النسب منه؛ لأنّ الأنساب في دار الحرب كهي في دار الإسلام. وأمّا أمّ ولده، فحريتها متعلّقةٌ بالنسب، فيثبت لها حقّ الاستيلاد، [فيمنع] (٢) البيع.

стр. 5433

قال: ولو اشترى الحربيّ أخاه أو ابنه أو أباه، فدخل علينا به بأمانٍ، وهو قاهرٌ له (١)، فليس له أن يبيعه؛ لأنّه لمّا قهره ملكه، ولمّا دخل دار الإسلام استقرّ ملكه فيه، فعتق عليه بالقرابة. قال: ولو دبّر عبدًا من عبيده، أو أعتقه في دار الإسلام، لزمه ذلك؛ لأنّ ملكه قد صحّ بالأمان، فوقع العتق في ملكٍ صحيحٍ، فنفذ؛ ولأنّه لا يضامُّه ما ينافيه، ألا تري أنّه لا يقدر على استرقاقه بعد عتقه، فصار كالمسلم. ٢٨٧٥ - فَصْل: [رجوع الحربي إلى دار الحرب مع ترك عبيد وأموال له في دار الإسلام] قال: ولو رجع هذا الداخل إلى دار الحرب، وخلّف في دار الإسلام أمّ ولده ومدبّرًا دبّره في دار الإسلام، ومكاتَبًا كاتبه في دار الإسلام، ودينًا له، ودينًا عليه، ورهونًا، وودائع عنده وله (٢)، خلف ذلك كلّه في دار الإسلام، ثم قُتِل على كفره، أو أُسِر، أو ظُهِر على الدار، أو لم يُظهَر عليها، كيف الحكم في جميع ذلك؟ قال تعتق أمّ ولده ومدبّره في الوجوه الثلاثة؛ لأنّ عتقهما متعلّقٌ [بموته] (٣)، فإذا مات أو قُتل فقد وجد شرط الحريّة، وأما إذا ظُهر عليه فقد صار عبدًا، وزالت أملاكه بالرقّ، فصار سقوط حقّه بالرقّ كسقوطه بموته. قال: فإذا مات ولم يُظهَر على الدار، فإنّ المكاتب على حاله لورثته، والدين الذي عليه وله والرهون والودائع على حالها؛ وذلك لأنّ أمواله حصلت

стр. 5434

في دار الإسلام بأمانٍ، وزوال الأمان في رقبته لا يوجب زوال الأمان فيها، فانتقلت إلى ورثته، ومكاتبته على حالها كمكاتبة المسلم والذميّ. قال: و [أمّا] إذا أُسر أو قُتل أو ظُهِر على الدار، فإنّ مكاتَبه يعتق ومدبَّره وأمّ ولده، ويبطل ما عليه من الدين، وما كان له من وديعةٍ أو رهنٍ فهو فيءٌ، وما كان عنده من رهنٍ أو وديعةٍ فهو مردودٌ إلى أهله، ويبطل دينه على الناس؛ وذلك لأنّه لمّا أُسِر فقد صار بحيث (لا ملك له، فتبطل أملاكه، وتسقط ديونه؛ لأنّه) (١) لا يملك المطالبة بها، والدين ليس هو أكثر من حقّ المطالبة، فإذا سقطت المطالبة سقط الدين، وإذا سقط مال الكتابة عن المكاتب عتق. وأمّا الديون التي عليه فتسقط؛ لأنّ ذمته بطلت، وصارت بحيث لا تثبت فيها الديون المبتدأة، فكذلك البقاء، وأمّا وديعته، فهي فيءٌ؛ لأنّ يد المودَع يدٌ لمودِعه، فكأنّ الوديعة في يده في حال أسره، فيكون فيئًا. والصحيح، أنّها فيءٌ للمسلمين؛ لأنّ رقبته لما تعلّق بها حكم الفيء للمسلمين، فكذلك ماله؛ ولأنّه مالٌ للحربيّ في دار الإسلام لا يستحَقّ له، فيكون لجماعة المسلمين. وقد روي عن أبي يوسف قال: يكون فيئًا للمودَع؛ لأنّ يده سبقت إليها (٢)، فتصير كمن دخل دار الحرب مغيرًا، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ يد المودَع ليست لنفسه حتى يصير به غانمًا، وإنّما هي يد لمودِعه؛ فلذلك لم يختصّ بها من بين سائر (٣) المسلمين.

стр. 5435

بَاب الحربي إذا ملك مسلمًا أو أسلم في يدِه قال: وإذا دخل الحربيّ إلينا بأمانٍ، فاشترى عبدًا مسلمًا، فدخل به دار الحرب، فإنّه يعتق في قول أبي حنيفة؛ لا اختلاف [عنه] (١) في ذلك. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يعتق، وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الإملاء مثل قول أبي حنيفة. وجه قول أبي حنيفة: أنّ الحربيّ إذا دخل إلينا بأمانٍ، فقد صار ماله محظورًا، بدلالة أنّ من أتلفه ضمنه، فإذا عاد إلى دار الحرب صار مباحًا؛ بدلالة أنّه يغنَم ولا يضمَن بالإتلاف، ولا بدّ أن يزول الملك المحظور في آخر جزءٍ من أجزاء دار الإسلام حتى يتجدّد له في أول دار الحرب ملكٌ [مباح] (٢)، وإذا زال ملكه عنه، حصل العبد المسلم في يد نفسه، ومولاه ممّن يغنم ماله، فغنم رقّه على مولاه، وصار كعبد الحربيّ إذا خرج إلينا مباينًا لمولاه. فإن قيل: طريان الإباحة بعد الحظر لا يوجب زوال الملك، وإنّما يغيّر صفته، ألا ترى أنّ من أباح ماله لغيره، لم يزل ملكه عنه؟ [قلنا] (٣): إذا أباح ماله، فلم يصر مباحًا في الحقيقة، ألا ترى أنّ غير

стр. 5436

المباح (١) لو أتلفه ضمنه، وإنّما إباحته لواحدٍ بعينه، فسقط الضمان في حقّه، وإذا كان الحظر لم يرتفع من جميع الجهات، لم يزل الملك. وجه قول أبي يوسف ومحمدٍ: أنّ ملك الحربيّ لا يزول بدخول دار الحرب، وإنّما تتغيّر حرمته (٢)، فيصير مباحًا بعد الحظر، كما يصير بدخول الإسلام محظورًا بعد الإباحة وإن لم يزل الملك، وإذا لم يزل ملكه عنه، لم يعتق. وعلى هذا الخلاف: إذا كان العبد ذمّيًا، إلا أنّ أبا يوسف ومحمدًا قالًا الذمي: إنّه قياس قول أبي حنيفة. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الذمي إذا زالت يد الحربيّ عنه، صار غانمًا لرقبته كالمسلم. قال: وإذا أسلم عبد الحربيّ في دار الحرب، فهو عبدٌ على حاله في قولهم؛ وذلك لأنّ الإسلام لا يستحقّ به ملك المولى، بدلالة عبد الذميّ إذا أسلم في دار الإسلام. قال: فإن باعه الحربيّ من مسلمٍ أو حربيٍّ، عتق في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد لا يعتق إلا أن يخرج إلى دار الإسلام مراغمًا لمولاه. وجه قول أبي حنيفة: أنّ المولى إذا باعه، فقد زال ملكه عنه بالبيع، وحصل في يد نفسه، (والمولى ممّن يغنم ماله، فيعتق بحصوله في يد نفسه) (٣) قبل دخوله

стр. 5437

ملك المشتري، وصار كما لو خرج إلى دارنا. وجه قولهما: أنّه بالبيع لا تزول يده عنه، كما لو كان في دار الإسلام، وأمّا إذا خرج مراغِمًا لمولاه، فالأصل فيه [ما روي]: أنّ عبيد أهل الطائف خرجوا إلى النبي ﵊[مسلمين]، فطلب المسلمون قسمتهم، فقال ﵊: "هم عتقاء الله تعالى" (١). قال: وإن خرج العبد غير مراغمٍ لمولاه، ومولاه حربيٌّ، فهو عبدٌ لمولاه، يبيعه الإمام ويوقف ثمنه في يده لمولاه؛ وذلك لأنّه وإن صار في يد نفسه، فلم [يتغلب على رقبته] (٢)، وإنّما خرج طائعًا للمولى، فصار كمالِ الحربيّ إذا دخل به مستأمنًا إلى دارنا، يبقى على ملك صاحبه. (قال: ولو أنّ حربيًّا أسلم في دار الحرب، وله رقيقٌ، فخرج إلى دار الإسلام مسلمًا، ثم تبعه بعد ذلك عبده مسلمًا) (٣)، فهو عبدٌ لمولاه، وكذلك إن خرج كافرًا؛ لأنّه خرج إلى دار المولى، فلم يصر مغالبًا على رقه، ولم يختلف به وبمولاة الدار حتى يصير غانمًا عليه، فيبقى على ملكه.

стр. 5438

بَاب من أسلم على شيءٍ في يده فهو له قال ابن سَماعة وبشر بن الوليد عن أبي يوسف: في قومٍ من أهل البادية أسلموا على مياههم وعلى بلادهم: فلهم ما أسلموا عليه. قال ابن سماعة: يعني ما أسلموا عليه وهو في أيديهم، وقال بشر: فلهم ما أسلموا عليه وهو في أيديهم، وليس لأحدٍ من القبائل أن يبني في ذلك ما يستحقّ به شيئًا، ولا يحفر في ذلك بئرًا [ويستحقّها بذلك]. والأصل في هذا قوله ﷺ : "من أسلم على مالٍ، فهو له" (١)، وهذا يدلّ على أنّ ما كان في يد الكافر إذا أسلم استقرّ ملكه فيه، ولم يُتعرّض له (٢)؛ ولأنّ من كان يسلم على عهد رسول الله ﷺ أحرز ماله بإسلامه، فدلّ على أنّ الإسلام يستقر معه ملك المسلم، فإذا كانت أيديهم ثابتةً في مياههم وأرضيهم استقرّ ملكهم فيها بالإسلام، ولم يجز لغيرهم أن يتصرف فيها، ولا ينفرد فيها إلا بإذنهم كسائر الأملاك (٣). (قال: وليس لهم أن يمنعوا الكلأ ولا المرعى في تلك البلاد) (٤)، وليس

стр. 5439

لهم أن يمنعوا المواشي من الماء ولا حافرًا [ولا سقاء]؛ وذلك لأنّ الكلأ والماء لا يُملَك بملك الأرض، لقوله ﵊: "الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" (١)، وقال ﵊: "من منع الماء لفضل الكلأ منعه الله من روح الجنة" (٢). وإذا لم يُملَك بملك الأرض وإنّما هو وسائر الناس فيه سواءٌ، استوى من أسلم من الكفار، ومن كان مُسلمًا في أنّه لا يُمنع منه. قال: وإن لم يُعلَم أنّهم أسلموا وذلك في أيديهم، فمن ابتنى فيه بناءً أو حفر بئرًا، فذلك له؛ لأنّهم إذا لم يملكوه صار كسائر المَوَات، فيُملَك بالإحياء. قال: ولو أنّ أهل (٣) قريةٍ لهم مروجٌ يرعون فيها ويحتطبون منها، قد عرف أنّها لهم، فهي لهم على حالها يتبايعونها، ويتوارثونها، ويحدثون فيها ما يحدث الرجل في ملكِه، وليس لهم أن يمنعوا الكلأ ولا الماء ولا أصحاب المواشي أن يرعوا تلك المروج، ويستقوا من تلك المياه، ولا يجوز لأحدٍ أن يسوق تلك المياه إلى مزرعةٍ أو حرثٍ إلا برضا أهله؛ وذلك لأنّ المروج تُملَك كما تُملَك الضياع، ومعلومٌ أنّه ليس لصاحب الضيعة أن يمنع الكلأ ولا يمنع الماء للشَّفَة (٤)، وكذلك صاحبُ المرج. وأمّا سوى الماء إلى المزارع، فلا يجوز إلا برضا صاحب المرج؛ لأنّ

стр. 5440

ذلك يؤدي إلى إبطال الانتفاع بالعيون والأنهار؛ لأنّها لا تفي بكل الناس، فلو تساووا في سقي أرض بها (بطل حقّ أربابها) (١)، ولهذا جعل النبي ﷺ للبئر والعين حريمًا (٢)، حتى لا يحفر غير مالكها عينًا إلى جنبها ويستبدّ بمائها (٣). وليس هكذا إباحة الماء للشَّفَةِ؛ لأنه لا يبطل الانتفاع بالماء، ولا يمنع توفره على المزارع. قال: وكان أبو حنيفة يرى القتال بالسلاح في الماء إذا خاف الرجل على نفسه، إذا كان في الماء فضلٌ عمّن هو معه، ولا يرى ذلك في الطعام، يرى فيه الأخذ والغصب من غير قتالٍ، وقال أبو يوسف مثل ذلك. قال: وليس هذا إلا في تلك الساعة التي يخاف على نفسه، وليس له أن يأخذ ماء ليتزوّد، ولا يأخذ قِربًا (٤)، وإنّما له أن يأخذ من فضلٍ إن وجد ماءً يدفع الموت عنه ساعته تلك، ومعنى هذا أنّ الماء إذا كان في بئرٍ أو نهرٍ أو عينٍ، فمنع أربابها الشفة، جاز للممنوع أن يقاتلهم عليه بالسلاح؛ وذلك لأنهم لا يملكون الماء، وإنّما هو مشتركٌ بينهم وبين المسلمين، وحقّ الطالب فيه كحقّ المانع، فجاز له أن يقاتله كما يقاتله إذا منعه من ماله. وأما إذا كان الماء مملوكًا، مثل أن يكون في إناء فهو كالطعام، إذا كان فيه فضلٌ جاز للمضطر أن يغصبه ويغلب عليه، فيأخذه مقدار الفضل بشرط الضمان؛

стр. 5441

لأنّه ملكٌ لمن هو في يده، فلا يجوز أن يُقاتَل على ملكه، ويجوز أن يُغصَب بشرط الضمان؛ لأنّ تحريم ملك الغير لا يكون بأكثر من تحريم الميتة، فإذا جاز تناولها عند الضرورة، فجواز تناول ملك الغير أولى. وإنّما شرط أن يكون فيه فضلٌ؛ لأنّه إذا لم يكن فيه فضلٌ فهو يحيي نفسه بقتل غيره، وذلك لا يجوز؛ ولأنّ الحاجة إذا تساوت فالمالك أخصّ بماله (١)، فكان به أولى. وإنّما قال: إنّه لا يجوز أن يغصب ما يتزوّد؛ لأنّ الأخذ أبيح للضرورة، ولا ضرورة به إلى الزاد، وإنّما يضطر إلى ما يدفع الموت عن نفسه في الحال. وأمّا قول ابن سَماعة: إنّ ذلك أحبّ إلينا من الميتة؛ فلأنّ الله تعالى أباح أخذ مال الغير عند الضرورة بشرط الضمان، وأباح أكل الميتة، ومال الغير مباحٌ في الأصل لولا حقّ مالكه، فإذا أباحته الضرورة، كان تناوله أولى من تناول المحظور في الأصل. قال ابن سَماعة: ولو أنّ رجلًا زرع في أرضه، ثم حصدها وبقي من حصاده وجلّه مرعىً، فله أن يمنع هذا، وله أن يبيعه، وليس له أن يمنع الكلأ ولا يبيعه حتى يحتشّه،، فيحرزه، [وهو وغيره في الكلأ سواءٌ، كان في ملكه أو في غير ملكه]؛ وذلك لأنّ الحصائد قد نبتت بزرعه، كسائر النبات التي ينبته الناس، فيملكونه بالإنبات، فلهم أن يمنعوا عنه كما يمنعون عن سائر أملاكهم (٢). وأمّا الكلأ فإنّه ينبت بغير إنباتٍ، فلا يختصّ أحدٌ به؛ فلذلك مُلِك بالأخذ

стр. 5442

(كالماء، وأمّا ما احتش منه و وأُحرز، فقد مُلِك بالأخذ) (١)، كما يملك الماء والصيد بالأخذ، فلا يجوز الانتفاع به إلا برضا مالكه. قال: وليس لأحدٍ أن يحدث في مرجٍ ملكٍ (٢) لغيره قريةً، ولا يتخذ فيه نهرُا ولا بئرًا، ولا يتخذ فيه مخزنًا إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه أن يحدث ذلك كلّه؛ لأنّه مملوكٌ، فلا يختصّ به غير مالكه. قال: فإن أحدث ذلك مالكه لم يكن لأحدٍ أن يرعى فيها زرعًا، ولا يختليه؛ لأنّ الزرع مملوك للزارع، فلا يتناول إلا بإذنه. قال: وإن كان مرجًا على حاله، فصاحبه وغيره مشتركون في كَلَئِهَ ومائه (٣) وليس يشبه الآجام (٤) المروج، ليس لأحدٍ أن يحتطب من أجمة رجلٍ إلا بإذنه، وإن فعل ضمن، وإن صاد فيها السمك والطير فهي له؛ وذلك لأنّ الأجمة ينبت فيها الحطب والقصب، وذلك يملك بملك الأرض وإن لم ينبته صاحبها، كما يملك الشجر إذا نبت في أرضه وإن لم ينبته، فلم يجز لغيره أن يحتطبه ولا يرعاه. فأمّا المروج فهي [المراعي] (٥)، وإنّما ينبت فيها الكلأ؛ وذلك لا يُملَك بملك الأرض، فحقّ جميع الناس فيه سواءٌ.

стр. 5443

فأمّا صيد السمك والطيور من الآجام، فهو لمن صاده؛ لأنّه [باقٍ] على أصل الإباحة، لا يُملَك بملك الأرض التي هو فيها، فمن سبقت يده إليه كان أحقّ به ولأنّ الأجمة لا تكون بأكثر من داره ومن دار غيره، [ومن دخل دار غيره] فاصطاد صيدًا كان له، وإن كان ممنوعًا من دخول الدار إلا بإذن مالكها. وأمّا إذا حظر السمك في حظيرةٍ، فإن كان يؤخذ بغير صيدٍ، فقد ملكه بالتحظير، بدلالة جواز بيعه له؛ فلذلك ينفرد به، ولا يجوز لغيره تناوله. وإن كان لا يمكن أن يؤخذ إلا بصيدٍ، لم يملكه صاحب الحظيرة؛ لأنّ يده لم تثبت عليه؛ بدلالة أنّه لا يجوز بيعه، فصار كالماء إذا ساقه من الفرات في نهر. قال: ولو أنّ بقَّارًا رعى بقرةً في أَجَمة غيره، فليس له ذلك، وهو ضامنٌ لما رعى وأفسد؛ لأنّ الأجمة نباتها القصب، وذلك ملكٌ لصاحبها، فمن أفسده ضمنه كسائر أملاكه. والذي يبين الفرق بين القصب والكلأ، أنه يجوز دفع القصب معاملةً، ولا يجوز دفع الكلأ معاملةً. وذكر أبو يوسف عن مالكٍ: أنّه بلغه عن رسول الله ﷺ أنّه حرّم عضاه المدينة وما حولها اثنا عشر ميلًا، أي حبسها وحرّم الصيد في أربعة أميال حولها، أي جنبها (١). قال أبو يوسف: وتفسير هذا عندنا: أنّ أموالهم كانت الغنم، وقوتهم اللبن

стр. 5444

فمنع الرعي فيما قرب منها ليتوفّر اللبن علي أهلها. وذكر أبو يوسف بإسناده عن رسول الله ﷺ أنّه قال في المدينة: "إنّها حرامٌ آمنٌ، إنّها حرامٌ آمنٌ" (١)، وهذا معناه أنّه لا يجوز الإضرار بأهلها، ولا قتالهم؛ لأنّها حرم رسول الله ﷺ . قال أبو يوسف: ولو أنّ أهل قريةٍ من قرى الجبل لهم جبالٌ وأوديةٌ تنسب إلى قريتهم فيها الكلأ [والقصب] والحطب، فليس لهم أن [يمنعوا] (٢) الكلأ؛ [لما بيّنا]، وروي عن رسول الله ﷺ : (لا يمنعنّ أحدكم الماء مخافة الكلأ) (٣)، وروي عن عائشة رسول الله ﷺ "أنّه نهى عن بيع نقع الماء" (٤). قال: وإذا كان الحطب في المروج، وهي في ملك رجلٍ [مسلمٍ]، فليس لأحدٍ أن يحتطبها إلا بإذنه، وإن كانت في يد غير مالكٍ، [وإن كانت تُنسب إلى قريةٍ وإلى أهلها]، فلا بأس بأن يحتطب ما لم يعلم أنّ لها مالكًا يملكها، وهذا على ما قدّمنا أنّ الكلأ لا يُملَك وإن كان في ملك، والحطب يُملَك بملك الأرض. فأمّا إذا كانت الأرض غير مملوكةٍ ولا منسوبةٍ إلى قريةٍ، فحطبها غير مملوك، فحق، جميع الناس فيه سواء (٥).

стр. 5445

بَاب ما يكونُ الكافرُ به مسلمًا إذا قاله قال أيده الله: جملة هذا الباب أنّ الكفار على ضربين منهم من يجحد الباري ، كَعَبَدَةِ الأوثان، ومنهم من يثبت الباري ويشرك بينه وبين غيره كالثَّنِوِية (١)، فهؤلاء إذا قالوا: لا إله إلا الله، كان ذلك إسلامًا، وكذلك إذا قالوا: نشهد أنّ محمدًا رسول الله؛ لأنّهم يمتنعون في دينهم عن كلّ واحدةٍ من الشهادتين، فإذا أتوا بها دلّ على انتقالهم عمّا كانوا عليه، وكذلك إن قالوا: قد أسلمنا، ونحن مسلمون. وأمّا من قال من الكفار بالتوحيد وجحد الرسالة، فإنّه لا يكون مسلمًا بقول: لا إله إلا الله؛ لأنّه لم ينتقل عمّا كان عليه، فإن قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله كان مسلمًا. وأمّا من كان من أهل الكتاب فيما بيّنا، إذا قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله و [نشهد] أنّ محمدًا رسول الله، لم يكونوا بذلك مسلمين، حتى يتبرؤوا من الدين الذي كانوا عليه؛ لأنّ منهم من يقول: إنّ محمدًا رسولَ الله رسولٌ [إلى] العرب

стр. 5446

دون بني إسرائيل، فلا يكون مسلمًا على هذا القول، حتى يتبرّأ ممّا كان يعتقده، ويعترف أنّ ما جاء به محمد بن عبد الله حقٌّ. ولهذا قالوا: إنّ الواحد منهم لو قال: أنا مسلمٌ، أو مؤمن، لم يكن بذلك مسلمًا؛ لأنّهم يزعمون أنّ الإسلام ما هم عليه، وأنّ الإيمان ما هم عليه، ولما قدّمنا أنّ النبي ﵊ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (١)، وذلك لأنّه ﷺ كان يقاتل عبدة الأوثان في الغالب، فيكتفي منهم بالشهادة. وإذا ثبت ما قدّمنا، قال محمدٌ في السير الكبير: إذا حمل رجلٌ من المسلمين على رجلٍ من المشركين ليقتله (٢)، فلما أرهقه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وهو ممّن لا يقول: لا إله إلا الله، ولا يقرّ بها، فهذا دليلٌ إلى إسلامه، وهو [بهذا] عندنا مسلمٌ، فينبغي أن يكفّ عنه، ولا يقتله (٣). وكذلك لو قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله، فهو مسلمٌ، وكذلك لو قال: أنا مسلمٌ، وألقى السلاح أو لم يُلْقِه، أو قال: أنا على دين محمدٍ، أو قال: أنا على دين الإسلام، أو أنا على الحنيفية، فهذا كلّه دليل على الإسلام، فإن رجع عن الإسلام ضُربت عنقه، وهذا على ما قدّمنا، أنّ من لا يعترف بالتوحيد يكون مسلمًا بكلّ واحدةٍ من الشهادتين، وبقوله: أنا مسلمٌ؛ لقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، ولما روي أنّ أسامة بن زيد حمل على كافرٍ، فلما وضع السنان بين كتفيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله، فقال له رسول الله ﷺ : "أقتلت

стр. 5447

من يشهد أن لا إله إلا الله، ومن لك بلا إله إلا الله يوم القيامة"؟ فقال: إنّما قالها تعوذًا حين رأى السنان رأى السنان بين كتفيه، فقال ﷺ : "هلا شققت عن قلبه" (١). وروي أنّ المقدام بن الأسود قال للنبيّ ﷺ أرأيت لو قاتلت مشركًا فضرب يدي، ثم لاذ مني بشجرةٍ، فقال: أنا مسلمٌ، أو قد أسلمت، فقال: "لا تقتله"، فقال: كيف لا أقتله وقد قطع يدي، فقال ﵊: "إنّك إن قتلته كنت بمنزلته قبل أن يقول أنا مسلمٌ، وكان بمنزلتك قبل أن يقتل" (٢). فإذا ثبت أنّه يصير بذلك مسلمًا؛ فإذا رجع عنه، فقد ارتدّ، فيُقتَل بردّته. قال محمدٌ (٣): فإن قال هذا قبل أن يقهره المسلم، فهو حرٌّ [مسلمٌ] لا سبيل عليه؛ لأنّ المسلم لا يُبتدَأ بالاسترقاق. قال: وإن قالها بعدما قُهِر، فهو مسلمٌ، وهو فيءٌ؛ لأنّه أسلم بعد ثبوت اليد عليه، والإسلام يسقط القتل ولا يسقط الاسترقاق الثابت. قال: فإن رجع عن هذا وقال: إنّما قلته تعوّذًا لئلا أُقتَل، لم يقبل ذلك، منه (٤) وينبغي للإمام أن يعرض الإسلام عليه، فإن أبى أن يسلم قتله؛ لأنّا حكمنا بإسلامه، فإذا رجع عنه صار مرتدًا، فلا يقبل قوله أنّه لم يقصد الإسلام بعد الحكم بظاهر إسلامه. قال: وإن كان من قومٍ من المشركين من اليهود أو غيرهم محاربين

стр. 5448

للمسلمين، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وذلك من دينهم، إلا أنّهم لا يقرّون لمحمدٍ ﷺ ، (فلا بأس بقتله، ولا يكون قول لا إله إلا الله إله إلا الله من مثل هذا دليلًا على إسلامه، فإن قال حين رهقه: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، وألقى سلاحه) (١)، فليكفّ عنه ولا يقتله. وكذلك لو قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله، ولم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، أو قال: دخلت في الإسلام، أو في دين محمدٍ، وإن مات بعدما قال شيئًا من هذا، صُلِّيَ عليه، واستغفر له. وهذا على ما قدمنا، أنّ من يعترف بالتوحيد، لا يكون بالشهادة مسلمًا؛ لأنّه لم ينتقل عمّا كان عليه، فإذا شهد برسالة النبيّ ﷺ أو اعترف أنّه على دينه، أو قال: أنا مسلمٌ، فذلك إسلام منه [صحيحٌ]؛ لأنّه قد انتقل عما كان عليه. قال محمدٌ: واليهود والنصارى الذين بين ظهرانيّ المسلمين لا يكونون مسلمين بالشهادتين؛ لأنّهم جميعًا يقولون هذا عندنا، ليس من يهوديٍّ ولا نصرانيٍّ نسأله (٢) إلا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، فإذا فسّر قوله، قال رسول الله إليكم، (وكان أبو حنيفة يقول) (٣): لا يكون هذا منهم إسلامًا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، ويقرّوا بما جاء به من عند الله ، وإن كان نصرانيًا: قال وأبرأ من النصرانيّة، وإن كان يهوديًا قال: وأبرأ من اليهوديّة. وهذا على ما قدّمنا، أنّهم إذا كانوا يعترفون بالشهادتين، ويتأولوها، لم

стр. 5449

يقتصر على ذلك حتى يتبرؤوا ممّا كانوا عليه، فإن قال الواحد منهم: أشهد أنّ محمدًا رسول الله، وأبرأ من النصرانية وكان نصرانيًا، قبل منه؛ لأنّهم لا يتبرؤون من دينهم، ويعترفون بالنبيّ ﵊ إلا بعد الإسلام، فكان ذلك إسلامًا. قال: فإن قال اليهودي أو النصراني: أشهد أن لا إله إلا الله، وأبرأ من النصرانية، [فإنّ هذا ليس بمسلمٍ؛ لأنّ هذا يحتمل أن يقول: إنّما تبرّأت من النصرانية] لأني دخلت في دين اليهودية، وهم يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله فلا يصير مسلمًا بالاحتمال. وإن قال النصراني: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأبرأ من النصرانية، وأدخل في دين الإسلام، أو قال: وأدخل في دين محمد، كان مسلمًا؛ لأنّه تبرّأ من دينه، ودخل في ديننا، وذلك لا يحتمل إلا الإسلام. فإن قال: أنا مسلمٌ، أو مؤمنٌ، لم يكن مسلمًا؛ لأنّهم يزعمون أنّ الإسلام ما هم عليه، والإيمان ما هم عليه (١). قال الحسن: قال أبو حنيفة ولو أنّ نصرانيًا أو يهوديًا قال: أنا مسلمٌ، أو قال:: قد أسلمت، سُئل أيّ شيء أردت بذلك؟ فإن قال: ما أردت بذلك [ترل] دين النصارى أو ترك دين اليهود والدخول في دين الإسلام، كان بذلك مسلمًا، فإن رجع بعد ذلك إلى النصرانية، كان بذلك مرتدًا [حلال الدم]؛ لأنّه تبرّأ من الدين الذي كان عليه، ودخل في ديننا. قال: فإن قال: أردت بقولي قد أسلمت، أو أنا مسلمٌ، أو على الحق، أو

стр. 5450

أنّي مسلم الله تعالى، ولم أرد بذلك رجوعًا عن ديني، لم يكن بذلك مسلمًا؛ لما بيّنا (١) أنهم يزعمون أنّ الإسلام ما هم عليه، وأنّهم مستسلمون الله تعالى، وأنّ الإيمان ما هم عليه، وأنّهم مصدّقون بالله تعالى، وإذا احتمل هذا القول منهم، لم يحكم بإسلامهم (٢). قال: فإن لم يُسأل أي شيء أردت بذلك، حتى جعل يصلّي مع المسلمين في مساجد الجماعة [كما يصلي المسلمون]، أو أقرّ أنّه صلّى مع المسلمين في مساجدهم في جماعة، أو أذّن في بعض المساجد للمسلمين، كان بذلك مسلمًا؛ لأن الصلاة في جماعة والأذان للجماعات يثبت به الإسلام لو انفرد، فإذا تقدّم عليه الاعتراف بالإسلام، فأولى. وقال الحسن: قال أبو حنيفة: لو أنّ يهوديًا أو نصرانيًا أو أحدا من أهل الشرك شهدوا عليه أنّه قد أسلم، وأنّه وصف الإسلام ودخل فيه وصلّى مع المسلمين، وجحد أن يكون فعل، وقال: لم أزل على ديني، ولم أدخل في الإسلام، استتابه الإمام، فإن أسلم وإلا قتله. وكذلك لو شهدوا عليه أنّهم رأوه يصلي الصلوات في جماعةٍ (من المسلمين، أو صلاةً واحدةً، وكذلك لو سمعوه) (٣) يؤذّن في مسجد جماعةٍ من مساجد المسلمين؛ لأنّ هذه الأشياء دلالةٌ على الإسلام، فإذا جحدها بعد الشهادة صار مرتدًا. قال: وإن شهدوا أنّهم رأوه يصلي وحده كما يصلّي المسلم في مسجدٍ من

стр. 5451

مساجد المسلمين، أو في غيره، أو رأوه يؤذن بغير صلاةٍ، لم يكن بذلك مسلمًا؛ وذلك لأنّه لم يأت بالعبادة على أكمل صفاتها، فصار كمن أتى بالشهادتين، ولم يتبرأ من الأديان. وكذلك لو رأوه يتلقن القرآن أو يقرأه، لم يكن بذلك مسلمًا؛ لأن القراءة لا تختصّ بديننا، بدلالة أنّهم يقرؤونه تأدبًا بقراءته، فلم يدلّ ذلك على الإسلام. وأمّا الصلاة إذا كانت في جماعة، فإنّه يكون به مسلمًا عندنا، وقال الشافعي: لا يكون مسلمًا. فإن صلى من لم يعلم منه تقَدّم الكفر [جماعةً]، كان ذلك دلالةً على إسلامه. وروي داود بن رشيد عن محمدٍ: أنّه إذا صلّى وحده واستقبل قبلتنا كان مسلمًا، وذلك لقوله ﵊: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فله ما لنا وعليه ما علينا" (١)، وقال: "نهيت عن قتل المصلين" (٢)، ولأنّها عبادةٌ يستدلّ بها على الإسلام ممّن لم يعلم بقِدَم كفره، فيستدلّ بها على من عُلم كفره كالشهادتين. وأمّا الحجّ، فقد قالوا: إنّهم إذا رأوه يحج، وتهيَّأ للإحرام، ولبّى (٣)، وشهد المناسك كلّها مع المسلمين كان بذلك مسلمًا؛ لأنّ هذه العبادة على هذه الهيئة (٤) تختصّ بشريعتنا، وقد أتى بها على أكمل أحوالها، فصارت كالصلاة.

стр. 5452

فإنّ لبّى ولم يشهد المناسك، لم يكن مسلمًا؛ لأنّ التلبية بعض العبادة، وكذلك لو شهد المناسك ولم يلبِّ؛ لأنّ العبادة لا تكمل إلا بعد تقدّم التلبية. قال داود بن رشيد إن شهدوا أنّه مؤذّنٌ جعلته مسلمًا، فإن قالوا: سمعناه يؤذن في مسجد الجامع، قال: ليس بشيء، حتى يقولوا هو مؤذّنٌ، أو يقولوا: صحبناه فكان مؤذننا؛ لأنّه إذا أذّن فأكثر ما فيه أنّه أتى بالشهادتين، وقد بيّنا أنّ الكتابي (١) لا يصير بهما مسلمًا حتى يجمع إليهما معنىً آخر. فإن قالوا: هو مؤذنٌ أو مؤذنٌ لنا، فقد أخبروا أنّه فعل الأذان على وجه العبادة، فكان بذلك مسلمًا. قال: وإن شهدوا أنّهم رأوه يُصلي سنةً ولم يقولوا في جماعةٍ، فقال: صليت صلاتي، لم أعترض له حتى يقولوا: صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا؛ لأنّهم قد يصلّون، فلم تدل الصلاة على الإسلام، إلا أن يشهدوا أنّه فعلها على الوجه الذي يفعله المسلم. فإن شهد شاهدٌ فقال: رأيته يصلي في المسجد الأعظم [شهرًا، وشهد آخر أنّه رآه يصلي في مسجد بني عامرٍ شهرًا، وشهد آخر أنّه رآه يصلي بالكوفة سنةً]، وشهد آخر: رأيته يصلي بالشام سنةً، أو قال: صلى معنا بطريق مكة، لم أقتله، ولكن أجبره؛ وذلك لأنّهم لم يجتمعوا على فعلٍ واحد، وإن اتفقوا على فعل الصلاة، فصار اختلافهم شبهة في إسقاط القتل، وأجبره على الإسلام، لاتفاقهم أنّه مسلمٌ. [والله أعلم] (٢).

стр. 5453

بَاب ما يؤخذ به أهل الذمةِ مما يتبينون به من المسلمين الأصل في هذا الباب: أنّ أهل الذمّة فيما بيننا يجب أن يتميّزوا بعلاماتٍ يُعرفون بها؛ بدلالة ما أنّ روي عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم بأن يأمروا أهل الذمّة أن يختموا [على] رقابهم بالرصاص، وأن يظهروا مناطقهم، [وأن يجدفوا (١) براذينهم]، (وأن يجزّوا نواصيهم) (٢)، ولا يتشبهوا بالمسلمين في أمر زيّهم (٣). وروي أنّه صالح أهل الذمّة على أن يَشُدُّوا في أوساطهم الزُّنّار (٤)، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكيرٍ. ولأنّ من كان مسلمًا وجب علينا تعظيمه وموالاته، ومن كان كافرًا لم [يجز لنا] (٥) تعظيمه ولا موالاته، فإذا اختلطوا لم نأمن أن نعظّم الكافر وأن نواليه ظنًّا منّا أنّه مسلمٌ، فلذلك وجب علينا تمييزه؛ ولأنّ النبي ﷺ قال: "لا تبدؤوهم بالسلام والجئوهم إلى أضيق الطريق" (٦)، فإذا لم نعرفهم لم نأمن أن نبدأهم بالسلام؛ ولأنّه يجوز أن يموت الواحد منهم وهو غير متميز بزيه، فيصلّى عليه

стр. 5454

ويُدفَن في مقابر المسلمين ويستغفر له، وذلك لا يجوز. فإن قيل: لو وجب ما ذكرتم لكان النبي ﷺ يأخذ به اليهود في المدينة، ويطالب به نصاري نجران، أو مجوس هجر، ولو فعل ذلك لنقل. والجواب: أنّ ذلك إنما يجب ليتميّزوا ويُعرفوا، واليهود بالمدينة كانوا يُعْرَفُونَ بأعيانهم، لا يشتبه حالهم على أهل المدينة، ونصارى نجران كانوا منفردين بها، وكذلك مَجُوْسُ هَجَرْ، فلمّا فتحت البلاد في زمن عمر وكثر الناس واختلطوا وصاروا لا يُعْرَفُونَ بأعيانهم، وجب تميزهم للمعنى الذي قدّمناه. وإذا ثبت هذا، قال أبو حنيفة: ينبغي أن لا يترك أحدٌ من أهل الذمة يتشبّه بالمسلمين في لباسه، ولا في مركبه، ولا في هيئته. قال: وينبغي أن يؤخذوا حتى يجعل كلّ واحدٍ في وسطه كُستيجًا (١) مثل الخيط الغليظ، يعقد على وسطه، وأن يؤخذوا بأن يلبسوا قلانس مضربةً، وأن يركبوا بسروجٍ على قَرَبوس (٢) السرج مثل الرمانة، وأن يجعلوا شرك نعالهم مثنيةً، ولا يحذوها على حذو المسلمين، ولا يلبسوا طيالسةً مثل طيالسة المسلمين، ولا أرديةً مثل أرديتهم. وقال أبو يوسف: يمنعون من ركوب الرحائل، قال: وتكون قلانس الرجال مضربة طوالًا، وإنّما وجب أن يفرق بينهم وبين المسلمين في الزيّ؛ لأنّ [السِّيْما] يُستدلّ بها على حال الإنسان، قال الله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣].

стр. 5455

وقد قال أصحابنا: إنّ مَنْ رأينا عليه زي الفقراء جاز لنا دفع الزكاة إليه، وقال ﷺ : "غيِّروا الشيب بالحِنَّاءِ والكتم، ولا تتشبهوا باليهود" (١)، فدلّ ذلك على أنّ الصفات والزّي يستدلّ بها على الإسلام. وإنّما قال: إنّ الكُستيج يكون كالخيط الغليظ؛ لأنّه إذا لم يكن كذلك لم يظهر الزيّ، فوجب أن [يجعل] (٢) على وجهٍ يظهر عليهم. فأمّا القلانس التي ذكرها، فيحتمل أن يكون كانت زيًّا لهم قبل القهر، وأخذوا بأن يبقوا عليها ليُعرفوا بها، ويحتمل أن يكون طولبوا باتخاذ (٣) ذلك حتى لا تشبه قلانسهم قلانس المسلمين. وأمّا السروج، فيحتمل [أيضًا] أن تكون سروجهم كانت على هذه الهيئة (٤)، فأخذوا أن لا يتشبهوا بسروج العرب، ويحتمل أن يكون طولبوا بتغيير السروج على طريق التميّز، وجُعلَت العلامة على القَرَبوس ليشاهدها الرائي له، وقد قال في الجامع الصغير: إنّهم يركبون على سروجٍ كهيئة الأُكُف (٥). وقد قال أصحاب الشافعي: إنّهم يؤخذون أن يركبوا وأرجلهم إلى جانبٍ واحدٍ، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّه لا يمكن مع ذلك من الركوب ولا يستقر الفارس. وقالوا: إنّهم يؤخذون بركب الخشب، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ الركب لا

стр. 5456

يظهر، ولأنّ ركب الخشب يستعملها أهل الثغور في البلاد الباردة. وأمّا شرك النعال المثنيّة؛ فيجوز أن يكون هذا كان زيّهم، فطولبوا بالبقاء عليه، ويجوز أن يكون ذلك ممّا [أخذوا] (١) بفعله حتى لا يتشبهوا بالمسلمين، ألا ترى أنّ النعل يظهر في قدم الماشي، فيدل على حاله. فأمّا طيالسةُ المسلمين وأرديتهم، فهو اللباس الظاهر، فيجب أن يؤخذ أهل الذمة بمخالفته، فإن أمكن أن يخالفوا في الصفة والهيئة، وإلا خالفوا في اللون. وعلى [هذا] يجب أن تُمَيّز نساؤهم من نساء المسلمين حال مشيهنّ في الطرق، حتى لا تشكل الكافرة بمسلمةٍ، ويجب أن يتميّزوا (٢) في الحمامات، فيؤخذ أهل الذمّة أن يكون عليهم في الحمام أُزُرٌ تخالف أُزُر المسلمين، وقد قال أصحاب الشافعي: إنّهم يجعلون في رقابهم الخوص (٣) ليتميّزوا به. ويجب أن يكون على دور أهل الذمّة علاماتٌ يتمّيزون بها عن دور المسلمين، حتى لا يقف عليها سائل يدعو لهم بالمغفرة. قال: ويتركون أن يسكنوا في أمصار المسلمين، وأن يكونوا في أسواقهم يبيعون ويشترون؛ لأنّ في ذلك منفعةً تعود على (٤) المسلمين، ولا ضرر عليهم فيه.

стр. 5457

بَابُ ما يكون لأهلِ الحربِ من إحداث البِيَع والكنائس وبيَعِ الخمور وغيرها قال محمدٌ: وإذا صالح الإمام قومًا من أهل الحرب على أن يصيروا لهم ذمّةً، على أن يودْوا (١) عن رقابهم (وأراضيهم شيئًا معلومًا، على أن يجري عليهم حكم الإسلام الذي يجري على أهل الذمّة، فهذا جائزٌ، ولا ينبغي للإمام) (٢) إذا دعي إلى هذا أن لا يجيب إليه؛ وذلك لأنّ بَذْل الجزية يقوم مقام بذل الإسلام في حقن الدم، فكما لو بذلوا الإسلام وجب قبوله منهم، كذلك إذا بذلوا الجزية، وجب قبولها منهم. قال: فإن صالحهم على هذا، وكانت أراضيهم مثل أرض الشام، مدائن وقرىً ورساتيق (٣) وأمصارًا، فليس ينبغي للمسلمين أن ينزلوا عليهم منازلهم، ولا يأخذوا شيئًا من دورهم وأراضيهم إلا بشراء أو صدقةٍ [منهم] أو هبةٍ؛ وذلك لأنّهم قد حظروا أموالهم بالعهد، فلا يجوز الانتفاع بها إلا بإذنهم. فإن اتخذ المسلمون في بعض تلك الأرضين مصرًا ينزله المسلمون، أو مدينةً، فلا بأس به إذا اتخذوا ذلك في أرضٍ مواتٍ لا يملكها أحدٌ؛ لأنّ الموات في بلاد المعاهدين كالموات في [بلاد الإسلام، فيُملك بالإحياء، ولأنّ هذه

стр. 5458

صارت من جملة] دار الإسلام، فيجوز إحياء مواتها. قال: فإن كان في ذلك المصر قرىً لأهل الذمّة، فعظم ذلك المصر حتى بلغ القرى [وحدودها] (١)، فقد صارت من المصر، وليس ينبغي أن تهاج ولا يعرض لها في قليلٍ ولا كثيرٍ؛ لأنّها ملكهم، فإذا أحيينا ما يجاورها لم يتغيّر ملكهم فيها. قال: فإن كان لهم في تلك القرى كنائس أو بِيَعٌ أو بيوت نيرانٍ، تُركَت على حالها، (لم يهدم منها شيءٌ) (٢)؛ لأنّ الصلح وقع على إقرارهم على ما هم عليه، فلو منعناهم من البِيَع والكنائس، كان ذلك نقضًا لعهدهم، وذلك لا يجوز. قال: فإن أرادوا أن يحدثوا في شيءٍ من ذلك القرى كنيسةً أو بيعةً أو بيت نارٍ بعد ما صارت من مصر المسلمين، لم يكن لهم ذلك؛ لأنّ هذا مصرٌ من أمصارنا، فلا يجوز إحداث ذلك فيه؛ لقوله ﵊: "لا خصاء في الإسلام، ولا كنيسة" (٣)، معناه: لا يُحدَث في دار الإسلام كنيسةٌ لم تكن. فأمّا الخِصاء فقيل في معناه: إنّه لا تخصى الرجال (٤)، وقيل في [تأويل] (٥) قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، إنّ المراد به الخصاء، وقيل في تأويل ذلك: إنّه التبتل والامتناع من النساء كما يفعله أهل الكتاب، حتى يصير في حكم الخصيّ.

стр. 5459

قال: وإن كانوا يبيعون الخمر والخنزير علانيةً في قريتهم تلك قبل أن يمصّر المصر، ثم مُصِّر المصر، فدخلت القرى في المصر، فليس لهم أن يبيعوا الخمر والخنزير ظاهرين في ذلك المصر، ولا يُدخِلوا شيئًا من ذلك المصر؛ لأنّ هذا فسقٌ، ولا يحلّ إظهار الفسق في بلاد المسلمين. وهذا صحيحٌ؛ لأنّهم إذا [أظهروا] (١) ذلك، لم نأمن أن يألفه المسلمون فيستحلّوه؛ ولأنّه معصيةٌ، فيمنع من إظهاره [في ذلك المصر] كسائر المعاصي. قال: وإذا حضر لهم عيدٌ يُخرِجون فيه صلبانهم وغير ذلك، فليصنعوا في كنائسهم القديمة من ذلك ما أحبّوا، فأمّا أن يُخرِجوا ذلك من الكنائس حتى يظهر في المصر، فليس لهم ذلك؛ لأنّ إظهار الصليب معصيةٌ، فإذا ظهر في دار الإسلام كان ذلك إعزازًا للكفر، وهذا لا يجوز. فأمّا في الكنائس، فلا يمنع منه كما لا يمنعون من إظهار الكفر فيها. فأمّا ضرب الناقوس فليس ينبغي أن يُمنَعوا في المصر إذا كانوا يضربون في جوف كنائسهم القديمة، فأمّا أن يضربوا خارجًا منها، فليس ينبغي أن يُتركوا يفعلوا ذلك؛ لأنّ ضرب الناقوس معصيةٌ، فيجوز أن يفعلوه في كنائسهم القديمة، ولا يظهرو (٢) في غيرها. فأمّا كلّ قريةٍ أو موضع ليس بمصرٍ من أمصار المسلمين، فإن كان فيهم من أهل الإسلام عددٌ كثير نزولٌ [فيهم]، فليس يمنع أهل الذمّة أن يحدثوا فيه كنائس وبيعًا وبيوت النيران، ويبيعوا الخمر فيه علانيةً والخنازير، وإنّما يُكره هذا في

стр. 5460

أمصار المسلمين التي يجب فيها الجُمَع، وتقام فيها الحدود. فأمّا المصر الغالب عليه أهل الذمّة، مثل الحيرة ونحوها، وليس فيه منبرٌ ولا حدود تقام بقضاءٍ قاض، فإنّ هذا لا يمنع أهله من إحداث الكنائس والبيع وبيوت النيران فيه، وبيع الخمر والخنازير علانيةً. وكذلك القُرى التي أهلها مسلمون، إلا أنّها ليست بأمصار فيها جُمَعٌ وحدودٌ، اشترى فيها قومٌ من أهل الذمّة منازل، واتخذوا الكنائس والبيع وبيوت النيران، وباعوا الخمر والخنازير علانيةً، فهذا لهم جائزٌ، لا يُمنَعون من ذلك، إنّما يُمنَعون منه في الأمصار. فمن أصحابنا من قال: إنّما يعني بذلك: القرى التي هي قرى أهل الذمّة، وما ذكروه [في الكتاب] نصٌّ يخالف ذلك؛ لأنّه اعتبر ما لا يقام فيه الجمع والحدود (١)، وسواءٌ كان من قرى المسلمين أو الذمة؛ لأنّ هذه القرى لا يظهر فيها إعزاز الدين بالجُمَع والحدود؛ وكذلك لا يظهر فيها إذلال الدين باتخاذ الكنائس والبيع وإظهار بيع الخمر. قال: ولو أنّ قومًا من أهل الحرب صالحوا على أن يكونوا ذمّةً على أنفسهم وعلى أرضهم على أن يشترط عليهم المسلمون أن يقاسموهم منازلهم في مدائنهم وأمصارهم وقراهم، وفيها الكنائس والبِيَع وبيوت النيران، وفيه بيع الخمر والخنزير علانيةً، وتزويج الأمّهات والبنات والأخوات والعمّات [والخالات] علانيةً، وبيع الميتة وبيع ذبيحة المجوس علانيةً، فما كان مصرًا أو مدينةً، فقد صار مصرًا للمسلمين يجمع فيه الجُمَع وتقام فيه الحدود، فإنّ أهل

стр. 5461

الذمة يُمنَعون من إظهار ذلك كلّه، وليس لهم أن يحدثوا كنيسةً لم تكن ولا بيعةً ولا بيت نارٍ، ولا يبيعوا في ذلك خمرًا ولا خنزيرًا ولا ميتةً ولا ذبيحة المجوس علانيةً، وليس لهم أن يظهروا نكاح [الأمّهات، ولا نكاح الأخوات و] ذوات المحارم علانيةً، وليس لهم من ذلك شيءٌ إلا خصلةٌ واحدةٌ، الكنائس والبيع وبيوت النيران التي كانت فيها قبل أن يصير ذلك الموضع مصرًا للمسلمين، فإنّها تترك على ما كانوا يصنعون قبل أن تكون مصرًا للمسلمين، ولا يخرجون صلبانهم خارجًا من كنائسهم؛ وذلك لأنّ الصلح [لمّا وقع] على مقاسمة المسلمين للدور والمساكن، صار ذلك مصرًا من أمصارهم، فلا يجوز أن يُظهروا فيه ما لا يجوز في ديننا من نكاح المحارم وبيع الخمر، ولا يعترض على الكنائس القديمة حتى لا يؤدّي ذلك إلى نقض العهد. [قال]: فإن انهدمت كنيسةٌ من كنائسهم هذه، أو بيعةٌ، أو بيت نارٍ، فلهم أن يبنوه كما كان؛ لأنّا لما أقررناهم عليها، جاز إعادتها كما تجوز إعادة سائر أبنيتهم؛ ولأنّا إنّما أقررناهم [عليها] على التأبيد، والأبنية لا تبقى، فلو لم يجز إعادتها لكان الإقرار مؤقتًا، وهذا ليس بصحيح (١). فإن قالوا: نُحوِّله من هذا الموضع إلى موضعٍ آخر من المصر، فليس لهم ذلك؛ لأنّ هذا إحداث كنيسةٍ في دار الإسلام، وهذا لا يجوز لما قدّمناه. قال: ولو أنّ إمامًا ظهر على قومٍ من أهل الحرب وعلى أراضيهم، فرأى أن يجعلهم ذمّةً ويجري عليهم وعلى أرضهم الخراج [ولا يقسم بين من أصابهم] (٢)،

стр. 5462

كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بأهل سواد الكوفة، فذلك جائزٌ مستقيمٌ، فإذا فعلوا ذلك فقد صاروا أهل ذمّةٍ، لا يُمنعون من بناء كنيسةٍ ولا بيعةٍ ولا بيت نارٍ، ولا بيع خمرٍ ولا خنزير، [ولا إظهار جميع ما وصفت لك في قولهم]؛ لأنّ هذه بلاد لأهل الذمّة، فما يفعلونه [فيها] لا يكون فيه إعزاز الكفر، فجاز. قال: فإن مَصّر الإمام في أرضهم أمصارًا للمسلمين كما مَصّر عمر الكوفة والبصرة، فاشترى [بها ناسٌ] (١) من أهل الذمة دورًا [وسكنوا مع المسلمين، لم يُمْنَعُوا من ذلك؛ لما بيّنا أنّهم ربّما يعرفون ما المسلمون عليه من الدين والحق فيتابعونهم عليه. قال: ولو اشتروا دارًا في مصر من هذه الأمصار]، فأرادوا أن يتخذوها [بيعةً أو] كنيسةً، مُنِعوا من ذلك. وكذلك لو استأجروا دورًا أو بيتًا لشيء من ذلك، لم يحلّ للمسلمين أن يؤجّروهم؛ لأن أمصار المسلمين لا يحدث فيها شيءٌ من ذلك، وهذا مصرٌ من الأمصار، [فلا يجوز إحداث شيء من ذلك فيه]. قال: فإن تخلّى رجلٌ منهم في صومعةٍ أو بيتٍ كما يتخلّى أصحاب الصوامع في الصوامع، مُنِع من ذلك إن كان في مصرٍ من أمصار المسلمين؛ لأنّ الصومعة تجري مجرى الكنائس، فكما لا يجوز إحداث الكنيسة، كذلك الصومعة. قال: وكلّ مصرٍ من أمصار المشركين الذي ظُهِر عليهم عنوةً، فصالحوا على أن يُجعَلوا ذمّةٌ، وكان فيه كنيسةٌ قديمةٌ أو بيت نارٍ، أو قريةٌ من قراهم كذلك،

стр. 5463

أو مدينةٌ، فصار ذلك الموضع مصرًا، فإنّ الإمام يمنعهم من الصلاة في تلك الكنائس والبيع وبيوت النيران، ويأمرهم أن يجعلوها مساكن يسكنونها، ولا ينبغي أن يهدمها، ولكن يمنعهم من الصلاة فيها؛ وذلك لأنّ المسلمين لمّا فتحوا هذه عنوةً، فقد كان لهم أن يقسموها فيما بينهم، ويمنعوا الكفار منها، فإذا أقرّوهم عليها، فموضع الكنائس إنّما يستحقّونه بإقرار المسلمين، فكأنّهم أحدثوا ذلك (١)، (وإحداث الكنائس في المصر لا يجوز، ويجوز في القرى؛ فلذلك مُنِعُوا من الصلاة في الكنائس القديمة في المصر) (٢)، ولم يُمنعوا من القرى (٣). [قال]: فإن عطّل المسلمون هذا المصر حتى تركوا الجُمَع وإقامة الحدود فيه، كان لأهل الذمّة أن يتخذوا فيها ما شاؤوا، [أو يُظهروا بيع ما شاؤوا]؛ لأنّها خرجت من أن تكون مصرًا وعادت إلى أحكام القرى، فجاز فيها ما كان يجوز في القرى ابتداءً. قال محمدٌ: وليس ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها الخمر، مصرًا كان أو قريةً أو غيره، ويمنع المشركون من أهل الذمّة أن يتخذوا أرض العرب مسكنًا ووطنًا، وذلك لأنّ النبي ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٤)، وقال ﷺ : "لئن عشت من قابل، لأخرجنّ النصارى من نجران" (٥).

стр. 5464

وإذا لم يجز إقامة الكفار فيها مصرًا كانت أو قريةً، لم يجز أن يتخذوا فيها بيعةً، ولا يبيعوا فيها الخمر، كما لا يجوز في أمصار المسلمين، ولا يترك فيها الكنائس القديمة كما لا يترك في البلد المفتوح عنوةً. قال محمدٌ: وكلّ قرية من قرى أهل الذمّة، أو مصرًا، أو مدينةً من مدائنهم أظهروا فيها شيئًا من الفسق ممّا لم يصالحوا عليه، مثل الزنا، وإتيان الفواحش التي يحرّمونها في دينهم، فإنّهم يُمنعون من ذلك في القرى والمصر، وكذلك المزامير والطبول والغناء (١)، ومن كسر لهم من ذلك شيئًا لم يضمنه؛ لأنّ هذه معاصي لم يُقرّوا عليها بالأمان، فلا يجوز تركها في دار الإسلام (٢). وقال ابن سَماعة عن أبي يوسف في نوادره في البِيَع والكنائس التي تكون في الأمصار بخراسان والشام، قال: ما أحاط علمي به أنّه محدثٌ هدمته، فإن لم أعلم به أنّه محدثٌ تركته حتى تقوم بيّنةٌ أنّها محدثةٌ؛ وذلك لأنّ القديم لا يجوز هدمه، والمحدث يجوز هدمه، فما لم يعلم سبب الهدم، فالظاهر أنّه مبنيٌّ بحقٍّ، فلا يعرض لهم. قال: وأمنعهم من إدخال الخمر، ولا أمنعهم من إدخال الخنازير؛ لأنّ الخمر لا يؤمن أن يقربها (٣) المسلمون، ويؤمن عليهم الفتنة بالخنازير؛ لأنّ النفس لا تبتغيها.

стр. 5465

قال: وأمنعهم بأن يَخْرُجُوا بأعلامهم في أعيادهم في الأمصار إلى بِيَعِهم القديمة، ولا أدعهم يخرجون بها في رحاب المصر (ولا في طريق المسلمين، إلا أن يكون صنعهم ذلك في جوف بيعهم، أو يخرجون من المصر) (١)، فيكون ذلك خارجًا من المصر، ولا أمنعهم من بيع الخمر في الرساتيق والسواد (٢)، ولا أمنعهم من اتخاذ الكنائس والبيع فيها، وأمنعهم من المزامير و [ضرب] العيدان والغناء والصنوج والطبول، وأمنعهم النائحة والمغنية ولعب الحمام وطيرانها في الرساتيق والسواد، وأمنعهم من اتخاذ ذلك في البيع والكنائس القديمة، وهذا على ما قدّمنا. قال: فإن بنوا في بعض الرساتيق والقرى، ثم اتخذ المسلمون ذلك مصرًا، تركت ما كان من البيع قبل اتخاذ المسلمين ذلك مصرًا، وأمنعهم أن يتخذوا بيعةً أو كنيسةً في تلك [المواضع بعد أن صارت للمسلمين مصرًا]؛ وذلك لأنّ ما اتخذوه في القرى فقد بنوه بحقٍّ، وإذا كان مصرًا لم يعترض عليهم كما لا يعترض على ما كان قديمًا في المصر الذي صالحوا عليه. [والله أعلم] (٣). (تمّ كتاب السِّيَر) (٤) * * *
следующие страницы →