← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

الذمة يُمنَعون من إظهار ذلك كلّه، وليس لهم أن يحدثوا كنيسةً لم تكن ولا بيعةً ولا بيت نارٍ، ولا يبيعوا في ذلك خمرًا ولا خنزيرًا ولا ميتةً ولا ذبيحة المجوس علانيةً، وليس لهم أن يظهروا نكاح [الأمّهات، ولا نكاح الأخوات و] ذوات المحارم علانيةً، وليس لهم من ذلك شيءٌ إلا خصلةٌ واحدةٌ، الكنائس والبيع وبيوت النيران التي كانت فيها قبل أن يصير ذلك الموضع مصرًا للمسلمين، فإنّها تترك على ما كانوا يصنعون قبل أن تكون مصرًا للمسلمين، ولا يخرجون صلبانهم خارجًا من كنائسهم؛ وذلك لأنّ الصلح [لمّا وقع] على مقاسمة المسلمين للدور والمساكن، صار ذلك مصرًا من أمصارهم، فلا يجوز أن يُظهروا فيه ما لا يجوز في ديننا من نكاح المحارم وبيع الخمر، ولا يعترض على الكنائس القديمة حتى لا يؤدّي ذلك إلى نقض العهد. [قال]: فإن انهدمت كنيسةٌ من كنائسهم هذه، أو بيعةٌ، أو بيت نارٍ، فلهم أن يبنوه كما كان؛ لأنّا لما أقررناهم عليها، جاز إعادتها كما تجوز إعادة سائر أبنيتهم؛ ولأنّا إنّما أقررناهم [عليها] على التأبيد، والأبنية لا تبقى، فلو لم يجز إعادتها لكان الإقرار مؤقتًا، وهذا ليس بصحيح (١). فإن قالوا: نُحوِّله من هذا الموضع إلى موضعٍ آخر من المصر، فليس لهم ذلك؛ لأنّ هذا إحداث كنيسةٍ في دار الإسلام، وهذا لا يجوز لما قدّمناه. قال: ولو أنّ إمامًا ظهر على قومٍ من أهل الحرب وعلى أراضيهم، فرأى أن يجعلهم ذمّةً ويجري عليهم وعلى أرضهم الخراج [ولا يقسم بين من أصابهم] (٢)،

стр. 5462

كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بأهل سواد الكوفة، فذلك جائزٌ مستقيمٌ، فإذا فعلوا ذلك فقد صاروا أهل ذمّةٍ، لا يُمنعون من بناء كنيسةٍ ولا بيعةٍ ولا بيت نارٍ، ولا بيع خمرٍ ولا خنزير، [ولا إظهار جميع ما وصفت لك في قولهم]؛ لأنّ هذه بلاد لأهل الذمّة، فما يفعلونه [فيها] لا يكون فيه إعزاز الكفر، فجاز. قال: فإن مَصّر الإمام في أرضهم أمصارًا للمسلمين كما مَصّر عمر الكوفة والبصرة، فاشترى [بها ناسٌ] (١) من أهل الذمة دورًا [وسكنوا مع المسلمين، لم يُمْنَعُوا من ذلك؛ لما بيّنا أنّهم ربّما يعرفون ما المسلمون عليه من الدين والحق فيتابعونهم عليه. قال: ولو اشتروا دارًا في مصر من هذه الأمصار]، فأرادوا أن يتخذوها [بيعةً أو] كنيسةً، مُنِعوا من ذلك. وكذلك لو استأجروا دورًا أو بيتًا لشيء من ذلك، لم يحلّ للمسلمين أن يؤجّروهم؛ لأن أمصار المسلمين لا يحدث فيها شيءٌ من ذلك، وهذا مصرٌ من الأمصار، [فلا يجوز إحداث شيء من ذلك فيه]. قال: فإن تخلّى رجلٌ منهم في صومعةٍ أو بيتٍ كما يتخلّى أصحاب الصوامع في الصوامع، مُنِع من ذلك إن كان في مصرٍ من أمصار المسلمين؛ لأنّ الصومعة تجري مجرى الكنائس، فكما لا يجوز إحداث الكنيسة، كذلك الصومعة. قال: وكلّ مصرٍ من أمصار المشركين الذي ظُهِر عليهم عنوةً، فصالحوا على أن يُجعَلوا ذمّةٌ، وكان فيه كنيسةٌ قديمةٌ أو بيت نارٍ، أو قريةٌ من قراهم كذلك،

стр. 5463

أو مدينةٌ، فصار ذلك الموضع مصرًا، فإنّ الإمام يمنعهم من الصلاة في تلك الكنائس والبيع وبيوت النيران، ويأمرهم أن يجعلوها مساكن يسكنونها، ولا ينبغي أن يهدمها، ولكن يمنعهم من الصلاة فيها؛ وذلك لأنّ المسلمين لمّا فتحوا هذه عنوةً، فقد كان لهم أن يقسموها فيما بينهم، ويمنعوا الكفار منها، فإذا أقرّوهم عليها، فموضع الكنائس إنّما يستحقّونه بإقرار المسلمين، فكأنّهم أحدثوا ذلك (١)، (وإحداث الكنائس في المصر لا يجوز، ويجوز في القرى؛ فلذلك مُنِعُوا من الصلاة في الكنائس القديمة في المصر) (٢)، ولم يُمنعوا من القرى (٣). [قال]: فإن عطّل المسلمون هذا المصر حتى تركوا الجُمَع وإقامة الحدود فيه، كان لأهل الذمّة أن يتخذوا فيها ما شاؤوا، [أو يُظهروا بيع ما شاؤوا]؛ لأنّها خرجت من أن تكون مصرًا وعادت إلى أحكام القرى، فجاز فيها ما كان يجوز في القرى ابتداءً. قال محمدٌ: وليس ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها الخمر، مصرًا كان أو قريةً أو غيره، ويمنع المشركون من أهل الذمّة أن يتخذوا أرض العرب مسكنًا ووطنًا، وذلك لأنّ النبي ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٤)، وقال ﷺ : "لئن عشت من قابل، لأخرجنّ النصارى من نجران" (٥).

стр. 5464

وإذا لم يجز إقامة الكفار فيها مصرًا كانت أو قريةً، لم يجز أن يتخذوا فيها بيعةً، ولا يبيعوا فيها الخمر، كما لا يجوز في أمصار المسلمين، ولا يترك فيها الكنائس القديمة كما لا يترك في البلد المفتوح عنوةً. قال محمدٌ: وكلّ قرية من قرى أهل الذمّة، أو مصرًا، أو مدينةً من مدائنهم أظهروا فيها شيئًا من الفسق ممّا لم يصالحوا عليه، مثل الزنا، وإتيان الفواحش التي يحرّمونها في دينهم، فإنّهم يُمنعون من ذلك في القرى والمصر، وكذلك المزامير والطبول والغناء (١)، ومن كسر لهم من ذلك شيئًا لم يضمنه؛ لأنّ هذه معاصي لم يُقرّوا عليها بالأمان، فلا يجوز تركها في دار الإسلام (٢). وقال ابن سَماعة عن أبي يوسف في نوادره في البِيَع والكنائس التي تكون في الأمصار بخراسان والشام، قال: ما أحاط علمي به أنّه محدثٌ هدمته، فإن لم أعلم به أنّه محدثٌ تركته حتى تقوم بيّنةٌ أنّها محدثةٌ؛ وذلك لأنّ القديم لا يجوز هدمه، والمحدث يجوز هدمه، فما لم يعلم سبب الهدم، فالظاهر أنّه مبنيٌّ بحقٍّ، فلا يعرض لهم. قال: وأمنعهم من إدخال الخمر، ولا أمنعهم من إدخال الخنازير؛ لأنّ الخمر لا يؤمن أن يقربها (٣) المسلمون، ويؤمن عليهم الفتنة بالخنازير؛ لأنّ النفس لا تبتغيها.

стр. 5465

قال: وأمنعهم بأن يَخْرُجُوا بأعلامهم في أعيادهم في الأمصار إلى بِيَعِهم القديمة، ولا أدعهم يخرجون بها في رحاب المصر (ولا في طريق المسلمين، إلا أن يكون صنعهم ذلك في جوف بيعهم، أو يخرجون من المصر) (١)، فيكون ذلك خارجًا من المصر، ولا أمنعهم من بيع الخمر في الرساتيق والسواد (٢)، ولا أمنعهم من اتخاذ الكنائس والبيع فيها، وأمنعهم من المزامير و [ضرب] العيدان والغناء والصنوج والطبول، وأمنعهم النائحة والمغنية ولعب الحمام وطيرانها في الرساتيق والسواد، وأمنعهم من اتخاذ ذلك في البيع والكنائس القديمة، وهذا على ما قدّمنا. قال: فإن بنوا في بعض الرساتيق والقرى، ثم اتخذ المسلمون ذلك مصرًا، تركت ما كان من البيع قبل اتخاذ المسلمين ذلك مصرًا، وأمنعهم أن يتخذوا بيعةً أو كنيسةً في تلك [المواضع بعد أن صارت للمسلمين مصرًا]؛ وذلك لأنّ ما اتخذوه في القرى فقد بنوه بحقٍّ، وإذا كان مصرًا لم يعترض عليهم كما لا يعترض على ما كان قديمًا في المصر الذي صالحوا عليه. [والله أعلم] (٣). (تمّ كتاب السِّيَر) (٤) * * *

стр. 5466

[٨٣] كتابُ الشِّرْبِ (١) (قال الشيخ أيّده الله) (٢): روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "الناس شركاء في ثلاثةٍ: الماء والكلأ والنار" (٣)، قال: ومعنى ذلك: أنّ المياه التي في الأنهار والآبار (٤) والعيون لا يملكها أحدٌ، وليس صاحب النهر والبئر والشِّرب فيها أولى من غيره؛ لأنّ النبي ﵊ جعل جميع الناس في الماء سواءً. وهذا في الماء ما دام باقيًا على أصل خلقته، فإذا أخذ الماء من البئر والنهر، فجعل في وِعاءٍ ملكه الآخذ بالأخذ، وصار أحقّ به من غيره، وجاز له المنع منه، وجاز بيعه له وتصرّفه فيه، فإن أتلفه عليه متلِفٌ ضمنه؛ وذلك لأنّ الناس يبيعون الماء في الظروف والقِرب من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير [نكيرٍ ولا] مانع، فلولا أنّهم ملكوه لم يصحّ بيعهم له. وأمّا الكلأ: فهو الحشيش الذي ينبت من غير أن ينبته أحدٌ، ولا يملكه صاحب الأرض بكونه في أرضه؛ لأنّ النبي ﵊ جعل الناس كلّهم شركاء فيه، فهو كالصيد والماء. فإن قطع قاطعٌ وأحرزه فقد ملكه، وصار أخصّ به من غيره، وجاز بيعه فيه

стр. 5467

كالماء إذا أخذه في إناء. و [أمّا] النار، فمعنى قوله ﵊: الناس شركاء فيها، معناه: في الانتفاع بضوئها، والاصطلاء بها، وليس لمن أضرمها أنّ يمنع [غيره] من ذلك؛ لأنّ النبي ﵊ ساوى بين الناس فيها. فأمّا الجمر الذي فيه اللهب، فهو مِلْكٌ لصاحبه، لا يجوز لأحدٍ أخذه إلا بإذنه؛ لأنّ ذلك ليس بنارٍ، والنبي ﵊ أثبت الشركة في النار لا في الحطب. قال [أبو الحسن]: وهم شركاء في ذلك شركة إباحةٍ، لا شركة ملكٍ؛ لأنّه غير مملوكٍ في الأصل، وإنّما معنى الشركة: ثبوت حقّ كلّ واحدٍ منهم فيما يبتدئ أخذه. قال محمدٌ: والشَّفَة عندنا: الشرب (١) لبني آدم والبهائم والنَّعَم (٢) والدوابّ، فأمّا [أنّ يسقي] (٣) الزرع أو نخلًا أو شجرًا، فله أنّ يمنع من ذلك من النهر كان أو العين أو القناة أو البئر إذا كان في ملكه، ولا يمنع من الشَّفَة خاصّةً. ومعنى ذلك: أنّ الشركة تثبت في ماء الأنهار المملوكة والعيون والآبار للشرب خاصّةً، فأمّا السقي فلا يجوز ذلك إلا لمالك النهر؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ جعل للبئر حريمًا حتى لا يحفر غير حافرها بئرًا إلى جنبها، فيضرّ بمائها، ولو جوّزنا لكلّ واحدٍ أنّ يسقي زرعه منها، كان ذلك أضرّ من حفر بئرٍ إلى جانبها،

стр. 5468

فلم يجز ذلك. وليس كذلك الشَّفَة؛ لأنّ قدر ما يشرب منها لا يقطع حقّ صاحب البئر عنها، ولا يضر بسقيها؛ ولأنّ سقي الزرع من النهر أو البئر لا يمكن إلا بفتح جانب النهر، أو جانب البئر ليسقي الماء منها، وليس لغير مالك النهر أنّ يفعل ذلك. وإذا لم يكن له [ذلك] (١) لم يتمكن من السقي؛ ولأنّه يجري الماء إلى زرعه ملك صاحب النهر أولًا، وليس له أن يجري الماء في ملك غيره إلا بأمره. قال: فأمّا ما لم يكن في ملك أحدٍ، مثل الفُرَاتِ والدَّجْلَةِ والأودية التي هي لجماعة المسلمين غير مملوكةٍ لأحدٍ، فإنّه ليس لأحدٍ من الناس كلّهم أن يمنع السقي منه لشفةٍ ولا لغيرها، وكذلك من أحيى على هذه الأنهار العظام (أرضًا بإذن الإمام، فشقّ إليها نهرًا من هذه الأنهار العظام) (٢) ليسقي أرضه، فذلك له، ليس للإمام ولا غيره منعه من ذلك إذا كان لا يضرّ بالنهر، فإن كان ذلك يضرّ، فللإمام منعه ولغيره من المسلمين واحدًا كان المانع أو أكثر من ذلك؛ وذلك لأنّ الأنهار العظام ملكٌ لجميع المسلمين لا يختصّ بها أحدٌ كالشوارع العظيمة؛ ولهذا لا تجوز (٣) الشُّفعَة بالشِّرب منها. وإذا كانت ملكًا لجميع المسلمين، جاز لكلّ واحدٍ منهم أنّ يسقي منها زرعه ونخله، كما يجوز له أنّ يجتاز في الطريق وينتفع به، فأمّا إذا أضرّ ذلك بأهل النهر، فللإمام منعه، ولكلّ واحدٍ من المسلمين؛ لأنّ له [حقّ الانتفاع من

стр. 5469

غير إضرارٍ بغيره، كما له أن يجتاز في الطريق [وينتفع به] ويجلس فيه إذا لم يضرّ بغيره، وإن أضرّ جلوسه بالناس ومنعهم من الاجتياز، مُنع من ذلك (١). قال: وإذا منع صاحب النهر الخاص السقي من نهره (٢) للنخل والزرع والشجر، ثم أذن لصاحب الزرع وغيره أن يسقي منه، أو أعاره، فلا بأس بذلك؛ لأنّ المنع من الانتفاع لحقّه، فإذا رضي فقد أسقط حقه، فجاز الانتفاع به. وإن باعه شِرْب يومٍ أو أكثر أو أقلّ، فلا خير في ذلك؛ لأنّه إذا باع الماء، فقد باع ما لا يملكه، وباع مجهولًا؛ لأنّ مقدار ما يأخذ من الماء في اليوم مجهولٌ، وإن باع حقّ السقي، فالحقوق لا يجوز بيعها؛ لأنّه ليس هناك عينٌ يتناولها العقد. [قال]: فإن استأجره واشترط [في إجارته] شِرْب هذه الأرض أو هذا النخل أو هذا الزرع (٣)، لم يجز، وإن اشترط حتى يكتفي، أو اشترط يومًا أو يومين، فلا خير فيه؛ لأنّ الإجارة إنّما تقع على المنافع، والشرب يقصد منه الماء، وهو عينٌ من الأعيان، فلا يجوز أن يُستَحقّ بعقد الإجارة. ولا يلزم على هذا إجارة الظئر؛ لأنّ العقد يقع على خدمة الصَّبِيّ، واللبن تبعٌ، فهو كالاستئجار على الصبغ، أنّ العقد يقع على منافع الصبّاغ، والصبغ الذي هو عينٌ تبعٌ. وفي مسألتنا: لو صحّت الإجارة، وقعت على العين خاصّةً، والأعيان لا

стр. 5470

تُستَحقّ بالإجارات. قال: وإن اشترى الرجل شِرْب ماءٍ ومعه أرضٌ، فهو جائزٌ، وإن استأجر أرضًا معها شربها، فهو جائزٌ؛ لأنّ العقد يقع على رقبة [الأرض]، والشِّرب تبعٌ، وتقع الإجارة على منافع [الأرض] (١)، والشرب تبعٌ، وقد يستحقّ بالعقد على وجه التبع ما لا يجوز أن يفرد بالعقد كأعضاء العبد. قال: وإن استأجر [مسيل] ماء، أو اشتراه بغير أرض، فلا خير فيه؛ لأنّ الشراء يقع على حقّ مسيل الماء، والحقوق لا يجوز بيعها، فالإجارة تقع على منافع البقعة التي يسيل فيها الماء، وذلك مجهولٌ؛ لأنّه لا يعلم قليلًا يسيل الماء أو كثيرًا، والمنافع المجهولة لا تُستحَقّ بالإجارة. قال: وإذا اشترى الرجل أرضًا لم يكن له شِرْبها ولا مسيل مائها؛ لأنّه عقدٌ على الأرض، والشرب والمسيل خارجان من حدودها، فصار كأرضٍ أخرى، فلا يدخل في إطلاق البيع. قال: فإن اشترط شِرْبها، فله الشرب وليس له المسيل، وإن اشترط المسيل جاز؛ لأنّ الشرب والمسيل يدخلان [في البيع] بإطلاق العقد، فإذا سمّى أحدهما، استُحِقّ بالتسمية وبقي الآخر بغير استحقاقٍ، فإن شرطه جاز على ما قدّمنا أنّه يدخل في البيع على وجه التبع. قال: ولو اشتراها بكلّ حقٍّ هو لها، كان له المسيل والشرب جميعًا؛ لأنّهما من حقوقها، فصار ذكر الحقوق وتسمية الشرب والمسيل سواءً.

стр. 5471

كذلك لو اشترط مرافقها؛ لأنّ المرافق ما يُسترفَق به في المبيع، والشرب والمسيل [يُرتفق بهما، وكذلك إن شرط كلّ قليلٍ وكثيرٍ هو فيها أو منها، كان له الشرب ومسيل الماء]؛ لأنّ الشرب والمسيل لا يخلو إمّا أن يكون من القليل أو الكثير، وقوله: "منها"، معناه من حقوقها، فحذف المضاف إليه على طريق التخفيف. قال: وإذا استأجر الرجل أرضًا، فهو في القياس: ليس له مسيل ماء ولا شرب، بمنزلة الشراء، ولكنّي أستحسن وأدع القياس في هذا، وأجعل له مسيل الماء والشرب. وكذلك لو اشترطها أو اشترط كلّ حقٍّ هو لها، أو اشترط مرافقها، أو اشترط كلّ قليلٍ أو كثيرٍ هو لها منها، أو فيها. وجه القياس: أنّ العقد وقع على الأرض، والشرب والمسيل خارجان منها، فلا يُستحَقّ إلا بتسميةٍ كأرض أخرى. وجه الاستحسان: أنّ المقصود بعقد الإجارة، الانتفاع بالمستأجَر، ولهذا لا يجوز إجارة ما لا يمكن الانتفاع به، ولا يمكن الانتفاع بالأرض للزراعة إلا بالشرب والمسيل، فدخلا فيها بغير تسميةٍ؛ ولأنّ المؤجّر قصد إلى تسليم المنافع ليستحقّ الأجرة، وهو لا يستحقّها إلا بدخول الشرب والمسيل، فكأنّه شرط ذلك. وليس هذا كالبيع؛ لأنّه يقع على الملك دون الانتفاع، والملك يقع في الأرض دون شِرْبها ومسيلها؛ فلذلك لم يدخلا إلا بالتسمية. وإذا ثبت أن الشرب والمسيل يدخلان في الإجارة بغير تسميةٍ، فإذا

стр. 5472

سمّاهما أو ذكر الحقوق والمنافع (١) والمرافق، فأولى أن يدخل. قال: وإذا كان النهر بين قومٍ لهم عليه أرضون، ولا يُعرف كيف كان أصله بينهم، فاختلفوا فيه، واختصموا في الشِّرْب، فإنّ الشرب بينهم على قدر أرضيهم (٢) لكلّ إنسانٍ منهم بحصّته؛ وذلك لأنّ النهر إنّما يراد لسقي الأرضين، فإذا اختلفوا فيه وليس هناك دلالةٌ على التفضيل والمساواة، وجب أن يقسط على قدر أرضيهم (٣). ولا يقال: إنّهم تساووا في ثبوت اليد عليه، فوجب أن يتساووا فيه؛ لأنّهم إنما تثبت أيديهم بالأرضين وسقيها، فإذا كانت مختلفةً، اختلفت الأيدي، وليس هذا كالطريق إذا كان بين جماعةٍ، ودار أحدهم أوسع من دور الباقين، أنّه لا يستحقّ بذلك زيادةً في الطريق؛ لأنّ الاستطراق إلى الدار الكبيرة كالاستطراق إلى الدار الصغيرة، فتساويا في الانتفاع وثبوت اليد. وليس كذلك الأرض؛ لأنّ قدر ما يسقى من الأرض الكبيرة مخالفٌ لمقدار ما يسقي [من الأرض] القليلة؛ فلذلك اختلفا. قال: وإن كان الأعلى منهم لا يشرب حتى يُسكر (٤) النهر عن الأسفل، لم يكن له أن يُسكّر النهر عن الأسفل، ولكنّه يشرب بحصّته؛ وذلك لأنّ حقّ صاحب السفل في النهر كحقّ صاحب العلو، فإذا سكر الماء قطعه في تلك المدّة عن صاحب السفل، وليس له ذلك.

стр. 5473

ولهذا قال النبيّ ﷺ : "أهل أسفل الوادي [أمراء] على أعلاه إذا بلغ الماء الكعبين" (١)؛ لأنّه إذا بلغ ذلك أمكن أن يجري إليهم، فكانوا أمراء على أهل الأعلى يمنعونهم من سدّه عن أرضيهم. قال: فإن تراضوا جميعًا على أن يسكره الأعلى حتى يشرب بحصته، أجزت ذلك بينهم، (وإن اصطلحوا على أن يسكّر على شرب كلّ رجلٍ منهم في يومه، أجزت ذلك بينهم) (٢)، وإن تجادلوا فيه واختلفوا، لم يكن لأحدٍ منهم أن يسكّره على صاحبه؛ لأنّ المنع من السكر لحقّ الشركاء، وإذا تراضوا بذلك [فقد أسقطوا حقوقهم]، فجاز، وإن اختلفوا لم يجز لبعضهم أن يسقط حقّ الباقين بالسَّكر. قال: وإن أراد أحدهم أن يكري منه [نهرًا] (٣)، (لم يكن له ذلك إلا برضا أصحابه. قال: وكذلك لو أراد أحدهم أن ينصب رَحَىً، لم يكن له ذلك إلا برضا أصحابه؛ وذلك لأنّ هذا النهر مملوكٌ لهم، ولهذا يجب به الشفعة، فإذا أراد أحدهم أن يكري منه نهرًا) (٤)، فإنّه يثبت لنفسه فيه حقًّا لم يكن، فلا يجوز كما لا يجوز أن يفتح من الطريق المشترك طريقًا لملكٍ يختصّ به، لم يكن له ذلك (٥). [فأمّا إذا بنى عليه رَحَىً، فبقعة الرحى ملكٌ لجماعتهم، فإذا بنى انفرد

стр. 5474

بتلك البقعة، وقطع حقّ شركائه عنها، فلا يجوز. قال: إلا أن تكون] رحىً لا تضر بالنهر ولا بالماء، ويكون موضعها في أرض صاحبها، فإن كان هكذا فهو جائزٌ، لأنّه إذا بناها في ملكه، والماء يجري فيها على سننه، لم يسقط بذلك حقًّا لأهل النهر؛ لأنّ الماء لا ينقص إذا كان يسيل في الرحى إلى النهر، فلكلّ واحدٍ من الشركاء في النهر أن ينتفع بمائه على وجهٍ لا يضر بشركائه. قال: وإن أراد أن ينصب عليه داليةً أو سانيةً (١)، وكان ذلك لا يُضر بالنهر ولا بالشرب، وكان ذلك ينافي ملكه خاصّةً، كان له أن يفعل ذلك؛ لأنّ هذا توصل إلى الشرب بغير ضررٍ يلحق الشركاء، فصار كما لو كري (٢) مجري مائه وسفله. قال: وإن أراد هؤلاء القوم أن يكروا هذا النهر، فإنّ أبا حنيفة قال: عليهم جميعًا أن يكروا من أعلاه، فإذا جاوزوا أرض رجلٍ واحدٍ رفع عنه بحصّته، وكان الكري بينهم على من بقي. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: الكَرْي عليهم جميعًا من أوّله إلى آخره، يحصّص الشرب والأرضين، ألا ترى أنّ الأعلى له في الأسفل مسيل ماء. وبيان قول أبي حنيفة: أنّ النهر إذا كان بين عشرةٍ لكلّ واحدٍ منهم أرضٌ (٣)

стр. 5475

عليه، فإنّ الكري من فوهة النهر إلى [أن يجاوز] (١) شرب أولهم بينهم على عشرة أسهمٍ، على كلّ واحدٍ منهم [العشر]، فإذا تجاوز شرب الأول خرج من الكري، فكان الكري بين الباقين على تسعة أسهمٍ، فإذا تجاوز شرب الثاني سقط من النفقة، وكان الكري على الباقين على ثمانية أسهمٍ، وعلى هذا الترتيب. وقالا (٢): النفقة بينهم على عشرة أسهمٍ، من أول النهر إلى آخره. وجه قول أبي حنيفة: أنّ فوهة النهر مشتركةٌ بين جماعتهم، ولا يتوصّل أحدهم إلى شربه إلا بحفرها، فكانت النفقة بينهم بالسواء، وإذا تجاوز شرب الأول، فلا حقّ له في حفرها بعد أرضه، فلا يجوز أن يلزمه، فخرج من النفقة ووجبت على من بعده. وجه قولهما أنّ لصاحب الأرض العليا منفعةً في حفر آخر النهر، كما أنّ لصاحب الأرض السفلى منفعةً في حفر أعلاه، ألا ترى أنّ الماء إذا لم ينفذ ويسيل إلى آخر النهر فسُدّ أوله وانطمّ، فصار لصاحب الأرض العليا منفعةٌ في حفر ما بعده، كما له منفعةٌ في حفر ما قبله، فيلزمه الأمران. والجواب: أنّ حقّه فيما بعد أرضه إنّما هو لمسيل فضل (٣) مائه [في ملك غيره]، والنفقة على المسيل إذا كان في ملك غيره لا يلزمه وإن انتفع به، ألا ترى أنّ رجلًا لو كان له مسيلٌ على سطح غيره لم يكن عليه أن يعمر السطح ليسيل ماؤه عليه، وإنّما يلزم ذلك صاحب السطح خاصةً، فكذلك في مسألتنا.

стр. 5476

وقال أبو حنيفة فيما أعلم: ليس على أهل الشَّفَة في الكري شيءٌ، وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ؛ لأنّ أصحاب الشَّفَة لا يملكون النهر، وإنّما يثبت لهم حقٌّ في الماء على أصل الإباحة، والنفقة لا تلزم من ليس بمالكٍ؛ ولأنّ أصحاب الشَّفَة لا يُحصَون؛ لأنّ لجميع الناس أن يشربوا ويسقوا، فلا يجوز أن يثبت الكري على من لا يحصى. قال: والمسلمون جميعًا شركاء في الفرات، وفي كلّ نهرٍ عظيمٍ نحوه، أو وادٍ، يسقون الشَّفَة والخفّ والحافر، ليس لأحدٍ أن يمنع من ذلك، ولكلّ قوم شِرْب أرضهم ونخلهم وشجرهم، لا يحبس الماء عن أحدٍ دون أحدٍ؛ وذلك لأنّ الأنهار العظام لا يختصّ بها أحدٌ في حقّ للجماعة، كالشوارع، فلكلّ واحدٍ منهم أن ينتفع بها في الشَّفَة والسقى. قال: وإن أراد رجلٌ منهم أن يكري نهرًا منها في أرضه، فإن كان ذلك يضرّ بالنهر الأعظم، لم يكن له ذلك، وإن كان ذلك لا يضرّ بالنهر الأعظم، فله ذلك؛ لما قدّمنا أنّ حقّ الجماعة متعلّقٌ به فلهم أن ينتفعوا من غير إضرارٍ، كما لهم ذلك في الطرق والشوارع. قال: وعلى السلطان كري هذا النهر الأعظم إن احتاج إلى كري، وعليه أن يصلح مسناته إن خاف منها غرقًا؛ لأنّ هذا النهر ملكٌ لجماعة المسلمين، فنفقته عليهم كجوامعهم وقناطرهم، وما وجب على جميع المسلمين أُخذه من بيت المال المعدّ للمصلحة. وقال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الرجل يستأجر النهر يصيد فيه السمك؟ قال: لا يجوز؛ وذلك لما بيّنا أنّ الإجارة تنعقد على المنافع، وفي

стр. 5477

مسألتنا لو صحّت استحقّ بها الأعيان، وذلك لا يجوز. (قال: وسألته عن الرجل يشتري الشِّرْبَ بغير أرضٍ؟ قال: لا يجوز؛ وذلك لأنّ الشِّرْبَ حقٌّ، والحقوق لا تملك بعقد البيع إلا على وجه التبع للأعيان) (١). قال: وسألته عن الرجل يستأجر الشرب؟ قال: لا يجوز؛ وذلك لما بيّنا أنّ المقصود بالشرب الماء، وهو عينٌ، والأعيان لا تُستَحَق بالإجارة إلا على طريق التبع، ولأنّا لو جوّزنا استحقاق الماء بالإجارة (٢)، كان ما يتناوله في المدة مجهولًا، وجهالة المعقود عليه في الإجارة لا تجوز. قال: وسألته عن الرجل يشتري عُشْر النهر بأرض النهر، أو نصيبًا منه مسمّى بأرض النهر؟ قال: ذلك جائزٌ؛ وكذلك العين والقناة والبئر؛ لأنّ العقد وقع على جزءٍ من البقعة، وبيع الأراضي جائزٌ، ثم الشرب يستَحَقّ بحقّ ملكه، فجاز (٣). قال: وسألت أبا حنيفة عن الرجل [يستأجر] (٤) الأجمة يصيد فيها السمك؟ قال: هذا لا يجوز، وهذا مثل النهر؛ لما بيّنا أن السمك عينٌ، والأعيان لا تستَحَقّ بالإجارة؛ ولأنّه عينٌ [غير] مملوكةٍ، فلا يجوز العقد عليه. قال: وسألته عن الرجل يستأجر حوضًا أو بِرْكةً أو بئرًا ليسقي منها ماء كلّ شهرٍ بشيءٍ مسمّى (٥)؟ قال: هذا لا يجوز، وهذا على ما قدمنا، (أنّ الماء لا

стр. 5478

يستحَقّ بعقد الإجارة. قال: وسألته عن الرجل يستأجر ماءً بغير أرضٍ أو شربةٍ؟ قال: هذا لا يجوز، وقد بيّنا ذلك) (١). قال: وسألته عن نهرٍ جارٍ لرجلٍ، فادّعى ربّ الأرض مُسَنَّاة النهر (٢)، فقال: هذا من أرضي، وهو لي، وقال ربّ النهر: بل هي [والنهر] لي، والنهرُ لا يُعرف في يد من هو؟ قال: هي لربّ الأرض يغرس فيها ما بدا له من كلّ نخلٍ وشجرٍ، وليس له أن يهدمها. وقال أبو يوسف ومحمد: المُسَنَّاة لصاحب النهر حريمًا لنهره، ولملقى طينه، ولمنافعه، وهذا في النهر إذا كان لرجلٍ في أرض غيره. قال أبو حنيفة: المُسَنَّاة لصاحب الأرض يزرعها ويغرس عليها، ولا يقلعها. وقالا: هي لصاحب النهر، يغرس عليها، ويلقي عليها طينه، ويجتاز عليها (٣). وجه قول أبي حنيفة: أنّ المُسَنَّاة مختلطةٌ بالأرض، مساويةٌ لها، مفارقةٌ لصفة النهر في تقعيره، فالظاهر أنّها جزءٌ من الأرض، فلا يستحقّها صاحب النهر إلا بدلالةٍ؛ ولأنّ النهر قد يكون له حريمٌ وقد لا يكون، فلا يجوز استحقاق المُسَيَّاة على صاحب الأرض بالشك. وإذا ثبت أنّها لصاحب الأرض، كان له غرسها والانتفاع بها ومنع صاحب

стр. 5479

النهر من الاجتياز عليها وإلقاء طينه فيها؛ لأنّه يمكن أن ينتفع بالنهر من غير اجتيازه على مسناته، ويمكن حفره وإخراج طينه من ملك صاحب الأرض، فلم يجز أن يستحقّ ذلك بغير بيّنةٍ. وليس لصاحب الأرض قلع المُسَنَّاة؛ لأنّ ذلك يبطل الانتفاع بالنهر، ولا يمتنع أن تكون المُسَنَّاة ملكًا (١) الصاحب الأرض، ولصاحب النهر حقٌّ فيها ليمنع من تبدد (٢) الماء، كما أنّ الحائط ملكٌ لصاحبه، ولغيره عليه جذوع، فلا يملك صاحب الحائط منع صاحب الجذوع من الانتفاع به. وجه قولهما: أنّ النهر لا يُنتفع به إلا [بحريمٍ] لمقلى طينه والاجتياز عليه للنظر في مصالح النهر، وكان الظاهر أنّ المُسَنَّاة لصاحب النهر، وصارت كحريم البئر (٣) والعين. قال: وإذا قال [الرجل] لرجلٍ: اسقني يومًا من نهرك على أن أسقيك يومًا من نهري الذي في مكان كذا، فإنّ هذا لا يجوز؛ لأنّ هذا تمليك الماء بالماء، وقد بيّنا أنّ العقد على الشرب إذا كان في مقابلته عوضٌ لا يجوز لجهالته؛ (ولأنّه حقٌّ) (٤)، فإذا كان في مقابلته مثله أولى. فإن قال: اسقني يومًا بأن تزرع أرضي هذه سنةً، أو [تسكن] (٥) بيتي هذا

стр. 5480

شهرًا، [أو يخدمك عبدي هذا شهرًا]، أو برقبته، أو بركوب دابتي هذه شهرًا في حوائجك، أو برقبتها، أو بهذا الثوب برقبته أو بلبسه كذا وكذا يومًا، [قال]: فإن هذا كلّه لا يجوز (١) ; لأنّه جعل الشرب أجرة الزراعة والخدمة والركوب واللبس، وما لا يجوز أن يكون بدلًا في البياعات، لا يجوز أن يكون أجرةً في الإجارات. قال: وعلى الذي أخذ الثوب والعبد أن يردّهما، وليس لما أخذ من شربه قيمةٌ ولا عوضٌ؛ وذلك لأنّ الثوب مأخوذٌ بعقدٍ فاسدٍ، فيجب ردّه لحقّ الله تعالى، والماء الذي سقى منه (٢) ليس بمملوكٍ، فلا يتقوّم، وإتلاف ما لا قيمة له لا يُضمن. قال: وسئل أبو يوسف عن نهر مرو، وهو نهرٌ عظيمٌ قريبٌ من الفرات، إذا دخل مرو كان ماؤه قسمةً بين أهلها بالحصص لكلّ قومٍ كُوًى (٣) معروفةٌ، فاتخذ رجلٌ أرضًا كانت مواتًا، ولم يكن لها من ذلك النهر شربٌ، ثم كرى إليها نهرًا فوق مروٍ من موضعٍ ليس يملكه أحدٌ، فساق الماء إليها من ذلك النهر العظيم ما يكفيها؟ فقال (٤): إن كان (٥) هذا النهر يضر أهل مرو ضررًا بيّنًا في مائهم، فليس له ذلك، ويمنعه السلطان منه، وإن كان لا يضر بهم، فهذا له، وليس لهم أن يمنعوه؛

стр. 5481

وذلك لأنّ هذا النهر ليس بمملوكٍ، فهو ملكٌ لجماعة المسلمين، فإذا أراد أحدهم الانتفاع به ولم يلحق بهم ضررًا، جاز له ذلك، وإن أضر بهم ذلك لم يجز. قيل له: فإن كان لرجلٍ منهم كُوَاء معروفةٌ، أله أن يزيد فيها؟ قال: إن كانت الكُوِى في النهر الأعظم وزاد في ملكه كُوّةً أو كوّتين، وكان ذلك لا يضر بأهل النهر، فذلك له، وإن أضر بهم فليس له ذلك؛ لأنّ حقّ الانتفاع بالنهر العظيم لا يتخصّص، ألا ترى أنّ من لا رسم له فيه إذا استخرج منه شربًا لا يضر بأهله جاز، فمن له [رسم] شربٍ إذا زاد فيه زيادةً لا تضر بأهله، [أولى بالجواز] (١). [قال]: وسئل عن نهرٍ خاصٍّ لقومٍ، يأخذ من هذا النهر الأعظم له كُوًى مسماةٌ بين قومٍ، لكلّ رجلٍ منهم في هذا النهر الخاصّ كُوى مسماةٌ لشربه، أراد أن يزيد فيها كوّةً أو كوّتين؟ قال: ليس له ذلك وإن كان لا يضر بأهل النهر؛ وذلك لأنّ هذا نهرٌ مملوكٌ، فلم يكن لأحدهم أن يستوفي منه زيادةً على حقّه وإن لم يضر بشركائه، كما ليس له في الطريق الخاص أن يستطرق منه إلى ملك آخر، وإن لم يضر بهم. قال: وسألته: هل لأحدٍ من أهل هذا النهر الخاصّ أن يتخذ عليه رحى ماء يجري إليها نهرًا لم يكن فيما مضى، يُكرِي (٢) لها نهرًا منه في أرضه، ثم يسيل فيه ماء النهر، ثم يعيده إليه، وذلك لا يضر بأهل الشرب؟ قال: ليس له ذلك؛ وذلك لأنّه إذا بنى في أرضه رحىً وشقّ لها [نهرًا] (٣)

стр. 5482

يأخذ الماء من النهر المشترك، فيدير الرحى ثم يرجع الماء إلى النهر، فقد عدّل بالماء عن سننه، وليس له ذلك، كما ليس له أن يعرج النهر في أرضه ثم يعيده إلى ما كان، كالمسألة المتقدمة؛ لأنّ تلك بناها (١) على أنّ مستقرّ الرحى في ملكه على ضفة النهر (٢)، فماء النهر يديره من غير أن يعرج الماء عن سننه، فلا يمنع من ذلك إذ لا ضرر فيه. قال: وليس له أن يتخذ على هذا النهر جسرًا ولا قنطرةً إلا برضاهم؛ لأنّ جوانب النهر مشتركةٌ بينهم، فلا يبني واحدٌ منهم بناءً إلا بإذن شريكه. قال: وسألته عن نهر بين رجلين، له خمس كُوِىً من هذا النهر الأعظم، وأحد الرجلين أرضه في أعلى النهر، والآخر أرضه في أسفل هذا النهر، فقال صاحب الأعلى: أنا أريد أن أسدّ من هذه الكُوى واحدةً أو اثنتين؛ لأنّ ماء النهر يكثر فيفيض (٣) في أرضي أو ينز منه، فلا يبلغك حتى يقلّ، فيأتيك منه ما ينفعك ويأتيني منه ما يضر بي؟ قال: ليس له ذلك؛ لأنّه إذا سدّ بعض الكُوى، قلّ الماء، فاستضر بذلك شريكه، وليس له أن يدفع الضرر عن نفسه بما يضر به [شريكه]. قال: فإن قال: اجعل لي نصف هذا النهر ولك نصفه، فإذا كان في حصتي سددت منها ما بدا لي، وإذا كان في حصتك فتحتها كلها؟ قال: ليس له ذلك؛ لأنّه يقطع حقّ صاحبه عن النهر في بعض الزمان، وليس له ذلك إلا باختياره.

стр. 5483

قال: فإن تراضيا على ذلك زمانًا، ثم بدا لصاحب السفل أن ينقض، قال: له ذلك؛ وذلك لأنّ التراضي لا يحمل على معنى البيع؛ لأنّ بيع الشَّرْبِ لا يجوز، ولا على الإجارة؛ لأنّ إجارته لا تجوز، فلم يبق إلا أن يكون إباحةً أو عاريةً، فيجوز الرجوع فيها. قال: وسألته عن نهرٍ بين رجلين لهما فيه أربع كُوى، فأضاف إليها رجلٌ أجنبيٌّ (١) كوّتين أخريين أسفل النهر، كرى نهرًا منه إلى أرضه، فعل ذلك برضاهما، وأقاموا على ذلك زمانًا، ثم بدا لأحدهما أن ينقض ذلك؟ [قال]: له أن ينقضه؛ لأنّهما أعاراه موضع الكُواء، فإذا بدا لأحدهما، فقد رجع في عاريته، فلا يجوز لشريكه أن يعير بغير رضا شريكه. قلت: فإن لم ينقضه واحدٌ منهم حتى ماتوا جميعًا، ثم بدا لبعض الورثة أن ينقض ذلك، فله أن ينقضه؛ وذلك لما بيّنا، أنّ ذلك عاريةٌ، وللوارث أن يرجع في العارية كالمورث (٢). قال: وسألت أبا يوسف (عن نهرٍ يأخذ من هذا النهر الأعظم بين قومٍ) (٣) لكلّ رجلٍ منهم نهرٌ منه، فمنهم من له كُوّتان، ومنهم من له ثلاثٌ، فقال أصحاب الأسفل لأصحاب العلو: إنكم تأخذون أكثر من نصيبكم؛ لأنّ دفقة الماء وكثرته أول النهر، ويدخل في كُوائهم شيءٌ كثيرٌ، ولا يأتينا إلا وهو قليلٌ، فلا يدخل في كُوائنا إلا شيءٌ قليلٌ، فنحن نريد أن ننقصكم بقدر ذلك، ونجعله لكم أيامًا

стр. 5484

معلومةً، ونجعله لنا أيامًا معلومةُ، ونسدّ كُوائنا في أيامكم، وتسدّون كُوائكم في أيامنا؟. قال: ليس لهم ذلك، ويترك الكُوَى والماء والنهر على حاله الأولى كما كان بينهم قبل اليوم، لا يحدثون شيئًا فيه؛ وذلك لأنّ أصحاب العلو ثبت حقّهم في الماء على ما هم عليه لتقدّم أرضهم، فلم يكن لأصحاب السفل منعهم منه وإن قلّ انتفاعهم، كما لو كان لصاحب العلو نصيبٌ كثيرٌ، ولصاحب السفل نصيبٌ قليلٌ، لم يجز لأحدهما أن [يساوي] (١) الآخر. قال: وسألت أبا يوسف عن نهرٍ يأخذ من هذا النهر الأعظم بين قومٍ خافوا أن ينبثق، فأرادوا أن يحصنُوه من ذلك، فقال بعضهم: أدخل معكم في ذاك، وقال بعضهم: لا أدخل؟ قال: إن كان هذا ضررًا عامًا، أجبرتهم جميعًا على أن يحصنوه بالحصص، وإن لم يكن فيه ضررٌ عامٌ، لم أجبرهم عليه، وأمرت كل إنسان منهم أن يُحصّن نصيب نفسه؛ وذلك لأنّه إذا عمّ الضرر لم يؤمن أن يبطل الانتفاع بالنهر، ونفقة النهر التي لا يُستغنى عنها يُجبَر عليها الشركاء، [فأجبرهم عليها لإزالة الضرر عن جماعتهم]، وإذا لم يعمّ الضرر، فالانتفاع ممكنٌ بالنهر، ولا يُجَبر واحدٌ منهم على ما يزيد به الانتفاع، وإن أراد أن يحصن ما يخصّه (٢) فله ذلك. قال: وسألت أبا يوسف عن رجلٍ اتخذ في أرضٍ له رحىً على هذا النهر الأعظم الذي للعامة، مفتحه في أرضه ومسيله في أرضه لا يضرّ بأحدٍ، وأراد

стр. 5485

[بعض] جيرانه منعه من ذلك، فليس لهم ذلك؛ [لأنّه اتخذها في ملكه]، (لأنّ النهر العظيم لا يختصّ به أحدٌ) (١)، فمن انتفع به على وجهٍ لا يضر بالناس، لم يمنع منه. قال: وسألت أبا يوسف عن هذا النهر العظيم، إن كانت عليه أرضٌ لرجل [حدُّها] (٢) الماء، فنقص الماء، وجزر عن الأرض، فاتخذها هذا الرجل وحازها إلى أرضه؟ قال: ليس له ذلك إذا كان ذلك يضر بأهل النهر. فقلت: بلغني أنّ الفرات بأرض الجزيرة يجزر (٣) عن الأرض العظيمة، فيتخذها الرجل وهي في [حدّ] (٤) أرضه؟ قال: ليس له ذلك إذا كان ذلك يضر بالفرات، وهذا لعامة المسلمين، وإن كان لا يضر بالفرات، فهو له في قول أبي يوسف ومحمدٍ: إذا حصّنها من الماء فقد أحياها (٥). (قال أيّده الله) (٦): وجملة هذا: أنّ الفرات [ودجلة إذا جزر عن أرضٍ فليس لمن يليها أن يقتطعها إذا كان يجوز عود الفرات عليها؛ لأنّ أرض الفرات] ملكٌ لجميع المسلمين، فلا ينفرد بها أحدهم؛ ولأنّه إذا انفرد بها مال الفرات على أهل الأراضي الذي بإزائها من الجانب الآخر، فيضر ذلك بهم، فإذا أمن عود

стр. 5486

الفرات إلى هذه الأرض وكان ما بإزائها مواتًا لا يستضر أحدٌ بحمل الفرات عليه، فهذه أرضٌ مواتٌ يملكها من أحياها بإذن الإمام عند أبي حنيفة، وعلى قولهما: يملكها بمجرد الإحياء، وإحياؤها أن تُحَصَّن من الماء، فيمكن الانتفاع بها. قال: وسألت أبا يوسف عن رجلٍ له نهرٌ خاصٌّ من هذا النهر الخاص، أراد أن يقنطره ويستوثق منه؟ [قال]: فله ذلك؛ لأنّ القنطرة لا تزيد في الماء، وإنّما تمنَع أن يأخذ النهر أكثر من حاجته، وذلك لا يضر بالشركاء. قال: وسألت أبا يوسف عنه إن أراد أن يوسِّع فوهة النهر، هل له ذلك؟ قال: لا؛ لأنّه إذا وسّعها أخذ من الماء زيادةً على حقّه، والنهر الخاص لا يجوز لواحدٍ من الشركاء فيه أن يأخذ [منه] أكثر من حقّه. قلت: فمن أين اختلف هذا والزيادة في أسفل النهر الخاصّ أن يكريه (١) [حتى يكون] (٢) أكثر لأخذه؟ قال: هذا مختلفٌ، الحفر في أسفله من حقوقه، والزيادة في عرضه ممّا ليس له أن يفعله، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ حفر النهر من حقوقه، ألا ترى أن الانتفاع به إنّما يكون بالحفر، فإذا زاد في حفره ليكثر ماؤه فقد فعل ما استحقه بأصل الشركة، [فجاز، وإذا زاد في عرضه فقد أخذ زيادةً لم تثبت له بأصل الشركة، فلم يجز].

стр. 5487

فإن أراد أن يؤخر الكُوى عن [فوهة] (١) النهر، فجعله على أربعة أذرع من فوهة النهر، [قال: ليس له ذلك؛ لأنّه إذا أخّر الكُوى زاد الماء في فوهة النهر]، فاستوفى أكثر من حقه. قال: وسألت أبا يوسف عن رجلٍ مات ممّن له هذا الشرب؟ قال: الشرب ميراثٌ لورثته؛ وذلك لأنّ الشِّرب حقٌّ، والميراث يتعلّق بالأعيان والحقوق. قال: فإن أوصى فيه بوصيّةٍ، جاز؛ لأنّ الوصية تمليكٌ يتعلّق بالموت كالميراث، فأمّا البيع والصدقة والهبة والنحلى والعُمرى والعطيّة، فلا يجوز في الشرب، إلا أن يكون معه أرضٌ؛ لأنّ الشرب حقٌّ، فلا يُملك بالعقود على ما قدّمنا. قال: فإن تزوّج رجلٌ امرأةً على شربٍ بغير أرضٍ، فالنكاح جائزٌ، وليس لها من الشرب شيءٌ، ولها مهر مثلها إن دخل بها، والمتعة إن طلقها قبل الدخول؛ لأنّ المهر من شرطه أن يكون مالًا أو يُستَحقّ بتسليمه تسليم مالٍ، فهذا المعنى غير موجودٍ في الشرب، فلم يصحّ تسميته، وكأنّه تزوجها بغير عوضٍ (٢)، فيجب لها مهر المثل. قال: ولو اختلعت امرأته [منه] على شربٍ بغير أرضٍ، كان باطلًا، ولا يكون لها من الشرب شيءٌ، ويكون الخلع جائزًا، وعليها أن تردّ المهر الذي أخذت؛ وذلك لأنّ الخلع طلاقٌ، فمن شرط وقوعه القبول، وقد قبلت، فبطلان

стр. 5488

العوض لا يمنع من وقوع الطلاق. وإنّما لم يكن الشرب بدلًا؛ لأنّه لا يُملَك بالعقود، والخلع عقدٌ من العقود، فهو كالهبة والبيع. وإنّما ردّت المهر؛ لأنّ الزوج لم يَرْضَ بخروج البضع من ملكه إلا بعوضٍ، فإذا لم يُسلّم له ولم يمكن الرجوع إلى قيمته لجهالته (١)، ردّت المهر الذي تزوجها عليه. قال: وإذا صالح [رجلٌ] من دعوى ادعاها على رجلٍ على شربٍ بغير أرضٍ، فالصلح باطلٌ؛ لما بيّنا أنّ الشرب لا يُملك بالعقود، والصلح عقدٌ؛ ولأنّه إما أن يكون فرعًا للبيع أو الإجارة، وكلّ واحد منهما لا يصحّ في الشرب المنفرد. قال: فإن كان شرب من ذلك سنةً أو سنتين، فلا ضمان عليه، والصلح مردودٌ؛ لما بينا أن الماء غير متقوّمٍ، فلا يجوز أن يُضمَن بالإتلاف. قال: وإن صالح في قصاصٍ في نفس أو فيما دونها على شربٍ بغير أرضٍ، فهو باطلٌ، وقد جاز العفو، وعلى القاتل الدية وأرش الجُرح؛ لأنّ العفو من شرطه قبول العوض، وقد وجد، [فصحّ] (٢) العفو، وبطلان العوض لا يوجب بطلانه؛ لأنّ الفسخ لا يلحقه، وعلى القاتل الدية؛ لأنّ المولى لم يرض بإسقاط حقّه إلا بعوضٍ، فإذا لم يسلم له، رجع إلى قيمة الدم، وهو مقوّمٌ بالدية. قال: وإذا استأجر شيئًا ممّا يجوز إجارته [بالدراهم] بشربٍ بغير أرضٍ أو

стр. 5489

بمسيل [ماءٍ]، فإنّه لا يجوز، ولربّ الشيء المستأجر أجر مثله؛ لما بيّنا أنّ ما لا يكون عوضًا في البيع لا يكون بدلًا في الإجارة، وإذا لم [يكن الشرب] بدلًا، فقد استُوفيت المنافع بعقدٍ فاسدٍ، فيجب فيها أجر المثل. قال: ولا يباع الشرب في الدين؛ لأنّ بيعه لا يصحّ، فاستوى في ذلك الميراث وغيره. وإن أوصى لرجلٍ أن يسقي أرضه يومًا أو يومين أو شهرًا من شربه، جاز ذلك من ثلثه، فإن مات الموصَى له بذلك، بطلت وصيته، وهذا بمنزلة الخدمة؛ لأنّه لمّا أوصى به فهو في حكم المُعير، وعارية الشرب جائزةٌ؛ فإذا مات الموصى له، لم يستحقّها وارثه؛ لأنّ الموصي لم يرض أن يُستحق ذلك من حكم ملكه إلا للموصى له، فلا يثبت لغيره. قال: ولو أوصى أن يُتَصدّق بالشرب على المساكين، كان ذلك باطلًا، لأنّ الصدقة تمليكٌ، والشرب لا يصح تمليكه، والمسكين وغير المسكين في ذلك سواءٌ (١). قال: وما اشترى بالشرب، فهو بيعٌ فاسد، وحكمه حكم البيع الفاسد في جميع أحكامه؛ لأنّ الشرب يتقوّم ويصح دخوله في البيع على طريق التبع، وإنّما يفسد لجهالته، فالعقد به فاسدٌ، وليس بباطل، (وليس هذا كالبيع بالربح؛ لأنّ ذلك معنى غير متقوّمٍ، فالعقد به باطلٌ) (٢). قال: ولو أوصى رجلٌ بكلأٍ في أرضٍ سنين مسمّاةً، أو وهبه أو تصدّق به

стр. 5490

[أو أعمره] أو تزوّج عليه، أو اختلعت عليه امرأةٌ من زوجها، أو صالح به عن دمٍ عمدٍ، أو جراحةٍ عمدًا أو خطأً، أو دعوى ادُّعيت قِبَله، فالقول فيه مثل القول في الشرب؛ لأنّ الكلأ غير مملوكٍ لصاحب الأرض، وهو ممّا يملك بالعقد (١)، فالعقد به [كالعقد] بملك الغير. قال: وإذا احتفر قومٌ نهرًا على أن يكون بينهم على مساحة أرضهم، ويكون نفقته بينهم على قدر الأرض (٢)، فوضعوا على رجلٍ منهم أكثر ممّا عليه غلطًا [منهم]، كان له أن يرجع بذلك عليهم، ولو فرضوا عليه أقلّ من نصيبه، كان لهم أن يرجعوا عليه بالفضل؛ وذلك لأنّ النفقة إذا جُعلَت على حسب الأرض، فقد أنفقوا على المستحقّ، فإذا غلطوا في الزيادة والنقصان، فذلك غير مستحَقٍّ، فوجب ردّ الزيادة وإتمام النقصان (٣). [والله أعلم، وهو حسبي وكفى بالله حسيبًا]. تمّ كتاب الشرب

стр. 5491

[٨٤] كتابُ الإباحةِ والحظرِ (١) قال محمدٌ: لا بأس أن ينظر الرجل من أُمّه وابنته البالغة وأخته (ومن كانت ذات رَحِمٍ مَحْرَم منه) (٢)، ومن كلّ مَحْرم من رَضاع أو وطءٍ أو نكاحٍ، أو ما حرم بوطء أبيه [أو ابنه] (٣)، (أو نكاح أمه) (٤)، أو نكاح أبيه: إلى شَعرها وصدرها ويديها وعَضُدها وساقها وقدمها، ولا ينظر إلى بطنها، ولا إلى ظهرها، ولا إلى ما بين سرتها حتى يجاوز الركبة. (قال أيّده الله) (٥): والأصل في جواز النظر من ذوات المَحَارم إلى ما ذكره قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فأجاز أن تبدي المرأة زينتها لهؤلاء، والمراد بالزينة: موضع الزينة، فاليد موضع السوار، والعَضُد (٦) موضع الدُّمْلُج (٧)، والصدر

стр. 5492

موضع القلادة، فدلّ على جواز النظر إلى ذلك. وروى أبو البختري عن أبي صالح: أنّ الحسن والحسين رضوان الله تعالى عليهما كانا يدخلان على أختهما أمّ كلثوم وهي تمتشط (١)، (وعن ابن الحنفيّة نحوه. وعن الزبير: أنّه دخل على زينب بنت أم سلمة وكانت عمّته من الرضاعة وهي تمتشط) (٢)، فأخذ بقرون رأسها وقال لها: أقبلي عليّ (٣). ولأنّ النبي ﷺ حظر على المرأة أن تسافر مع الأجانب، وأباح لها السفر مع المحارم (٤)، فلو كان لا يجوز للمحرم أن ينظر إلا إلى ما ينظر إليه الأجنبيّ، لم يكن للتفريق معنى؛ ولأنّ الغالب أنّ الإنسان لا يشتهي أمّه وأخته، فصارتا في حقّه كالرجال. ٢٨٧٦ - فَصل: [كل ما جاز له النظر منهن جاز له المسّ] وكلّ ما جاز له أن ينظر إليه منهنّ، جاز له أن يمسّه من غير حائل، لما روي أن الزبير أخذ بقرون رأس زينب. وروي أنّ النبي ﵊ كان إذا قدم من مغازيه، قبّل رأس فاطمة ﵍ (٥)، وعن

стр. 5493

مجاهدٍ أنّ أبا بكر قبّل رأس عائشة ﵂ (١)، وروي أنّ خالد بن الوليد استشار أخته [من الرضاع] في شيءٍ، فأشارت عليه، فقبّل رأسها (٢). وعن محمد بن الحنفية ﵁: أنّه كان يفلّي (٣) رأس أمّه (٤)، وعن محمد بن المنكدر أنّه كان يغمز رجل أمّه، وأخوه قائم يصلي، فقال: ما أحبّ أن تكون ليلتي مثل ليلة هذا (٥)، يعني: أن التغميز للأمّ أفضل من الصلاة. وروي أنّ محمد بن أبي بكر أدخل يده في هودج عائشة [يوم الجمل]، فوضعها على صدرها، فقالت: من هذا الذي وضع يده في موضع ما وضعها أحدٌ بعد رسول الله، فقال: أنا أخوك (٦). ولأنّ المَحْرَم لمّا كان لا يشتهي في العادة، حلّت معه محلّ الرجل؛ ولأنّه يحتاج إلى ذلك إذا سافر في رفعها أو وضعها، فجوّز له للحاجة. ٢٨٧٧ - فَصل: [ما لا يجوز النظر من المحارم] وإنّما لا يجوز أن ينظر إلى بطنها وظهرها لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية [المجادلة: ٣]، فحرّم الزوجة؛ لأنه شبّهها بظهر أمّه، فلو كان النظر إلى ظهر أمه جائزًا لم يحرم امرأته بتشبيهها بالحلال.

стр. 5494

وإذا ثبت تحريم النظر إلى ظهرها، فالبطن أولى؛ لأنّ البطن يُشتهَى ما لا يشتهى الظهر، فكان أولى بالتحريم. وأمّا ما بين سرتها إلى ركبتها، فلا يجوز النظر إليه؛ لأنّه عورةٌ في حقّ كلّ أحدٍ، ألا ترى أنّ الرجل لا ينظر إليه من الرجل، والمرأة لا تنظر إليه من المرأة؛ فلأن لا ينظر الرجل إليه من المرأة أولى. قال: فإن كان ينظر إلى شيءٍ من ذلك لشهوةٍ، فليس له أن ينظر، وكذلك إن كان أكثر ظنّه أنّه إن نظر اشتهى، فينبغي أن يغضّ بصره؛ وذلك لأنّه إذا اشتهى عرّض نفسه للمعصية، وقد قال ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١)، وقال: ﵊ "إنّ لكلّ ملكٍ حمًى، وإنّ حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (٢). قال: ولا بأس أن يسافر بها، ويكون مَحْرَمًا لها، فإن خاف على نفسه فلا يسافر بها، ولا يخلو بها، ولا ينبغي لها إن خافت ذلك أن تسافر معه وأن تخلو معه في بيتٍ؛ وذلك لأنّ النبيّ ﵊ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا ثلاثة أيام إلا مع محرم أو زوج" (٣)، فدلّ على جواز سفر المحرم بها وخلوته، وإن خافا ذلك لم يجز؛ لأنّهما يتعرّضان للمعصية. قال: وإن كانت غير مجردةٍ فاحتاج إلى حملها والنزول بها، فلا بأس أن يحملها وينزلها ويأخذ ببطنها وظهرها؛ وذلك لأنّ اللمس من فوق الثوب لا يكون

стр. 5495

معه الشهوة غالبًا، فصار كالنظر، وإن خاف أن يشتهي إن مسّ، فليجتنب ذلك بجهده لما قدّمنا (١). ٢٨٧٨ - فَصل: [ما يجوز من النظر والمسّ من الجارية] قال أبو حنيفة: إذا بلغت الأَمَة، لم ينبغ أن تعرض في إزارٍ، وكذلك قال محمدٌ: وإذا بلغت أن يُشتهَى ويُجامَع مثلها، وهو قول أبي يوسف [أيضًا]. قال: والأصل في هذا: أنّ الإنسان يجوز له أن ينظر من أمة غيره إلى ما ينظر إليه من ذوات المحارم (٢)، ولا ينظر إلى ما لا ينظر إليه من ذوات المحارم، وذلك لما روي أنّ عمر ﵁ رأى أمة متخمّرة، فرمى بخمارها وقال: (يا لكاع لا تتشبّهي بالحرائر) (٣). وروي عن أنس بن مالكٍ قال: كنّا في بيت عمر، وكن الإماء يخدمننا كاشفاتٍ رؤوسهنّ (٤). ولأنّ الأمة سلعةٌ تُباع وتُشتَرى، فتدعو الحاجة إلى تقليبها، والنظر إلى محاسنها، فلذلك فارقت الحرة فيما يُنظر إليه منها، وأمّا بطنها وظهرها فلا ينظر إليه؛ لأنّه إذا مُنِع منه في ذوات المحارم، فإن كانت العادة أنّهن لا يشتهين، ففي الأمة أولى.

стр. 5496

وقد حكى محمد بن مقاتل: أنّه قال: يجوز النظر إلى بطنها وظهرها، لما روى محمد بن كعبٍ عن عبد الله بن عباس في حديث فيه طولٌ، قال: (ومن أراد أن يشتري جاريةً، فلينظر إلى جسدها إلا إلى عورتها، وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها) (١)، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنّ معقد الإزار قد يكون تحت الصدر، فيغطي البطن. قال: ولا بأس أن يمسّ ما جاز له النظر إليه؛ وذلك لما روي عن ابن عمر أنّه مرّ بالسوق، وقد رأى جاريةً تُباع، فضرب بيده على صدرها، وقال: اشتروا بارك الله عليكم؛ ولأنّ المعنى الذي جاز لأجله النظر، الحاجة إلى تقليبها، وهذا المعنى موجودٌ في مسّها ليقف على لين بشرتها. والذي ذكره أبو حنيفة أنّها إذا بلغت لم تعرض في إزار، محمولٌ على بلوغ الحدّ الذي تُشتهَى، كما فسّر محمدٌ؛ لأن الصبيّة إذا صارت ممّن تُشتهَى لم يُنظَر إليها، وإن لم تبلغ الحيض. قال: وإن خاف على نفسه أن يشتهي [إن مسّ] (٢) ذلك منها، [أو] (٣) كان عليه أكبر رأيه فليجتنب أن يمسّ ذلك؛ لأنّه لا يأمن من مواقعة المحظور، فالاجتناب أولى. قال: ولا بأس أن تمسّ الأمةُ كلّ شيء منه إلا ما بين السرة إلى الركبة، لا

стр. 5497

بأس بأن تدهن رأسه وتمرّخه، وتدهن صدره وظهره (ورأسه وقدمه، وتغمز ذلك مالم تشتهه، أو يكون على ذلك أكبر رأيها إن فعلت ذلك) (١)، ولا بأس أن تنظر منه إلى كلّ شيءٍ ما خلا ما بين السرة إلى الركبة؛ لأنّ بدن الرجل ليس بعورةٍ، فلا بأس بالنظر إليه؛ ولأنّ الرجال يمشون في الطرق بإزار في سائر الأعصار، فدلّ على جواز النظر إلى أبدانهم. وأمّا مسّ الأمة للرجل الأجنبيّ، فيجوز؛ لأنّ العادة أن جارية المرأة تخدم زوجها، وتدهنه، وتغمزه، فدلّ على جواز المسّ. ٢٨٧٩ - فَصْل: [ما يجوز من النظر إلى الحرة الأجنبية] قال: فأمّا المرأة الحرة التي لا نكاح بينهما ولا حرمة، فليس ينبغي له أن ينظر منها إلى شيء مكشوف إلا الوجه والكفّ، ولا ينظر إلى غير ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وقال ابن شجاع عن الحسن (٢) عن أبي حنيفة: إنّه ينظر إلى وجهها وكفها وقدمها. أمّا الوجه [والكفّ] فلقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قيل في التفسير: الكحل والخاتم (٣)، والكحل موضع الوجه، والخاتم موضع اليد؛ ولأنّ المرأة تضطر إلى كشف وجهها للشهادة عليها [عند الحاكم] (٤)، فخرج ذلك من أن يكون عورةً، ويحتاج إلى إظهار كفّها في الأخذ

стр. 5498

والعطاء للمعاملات، فرخّص لها في ذلك. فأمّا القدم فلا يجوز النظر إليه في أحد الروايتين؛ لأنّ الحاجة لا تدعو إليه، ويجوز في رواية الحسن؛ لما روي عن ابن مسعودٍ أنه قال في تأويل قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: القرط والخلخال (١)؛ ولأنّ المرأة تضطر إلى المشي في الطرق، فتبدو قدمها، فصار ككفيها، ولأنّ الوجه والكفّ يشتهيان، كما لا تُشتهى القدم، فإذا جاز النظر إلى وجهها فقدمها أولى. قال: ولا ينبغي أن ينظر إلى وجهها لشهوةٍ؛ لما روي أنّ رجلًا جاء إلى النبي ﵊ فقال: أنظر إلى المرأة (٢) فأشتهيها، فاتبعتها، فضرب رأسي جدارٌ، فقال ﵊: "إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرًا عجّل عقوبته في الدنيا" (٣). قال: فإذا دُعي إلى شهادةٍ عليها، أو أراد تزويجها، أو كان حاكمًا فأراد أن ينظر إلى وجهها [ليجوز] (٤) إقرارها عليها، وإن كان إن نظر إليها يشتهيها، أو كان عليه أكثر رأيه، فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وإن كان على ذلك غالب رأيه]؛ [وذلك] لأنّه محتاجٌ إلى النظر في هذه المواضع بغير شهوةٍ، فجاز مع الشهوة، كما يجوز للشهود النظر إلى العورة عند الزنا ليقيموا الشهادة؛ ولأنّ الحاجة تدعو إلى النظر في هذه الأحوال، فجاز مع وجود الشهوة وعدمها. وأمّا إذا أراد أن يتزوّجها، فيجوز له النظر وإن لم يأمن الشهوة؛ لما روي

стр. 5499

أنّ المغيرة أراد أن يتزوّج امرأة فقال له النبي ﵊ "انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (١). قال: ولا ينبغي أن يمسّ وجه الحرة ولا يدها إذا كانت شابةً ممّن تشتهى؛ وذلك لأنّ اللمس أغلظ من النظر، ألا ترى أنّ الشهوة فيه أكثر؛ ولأنّ المرأة تنظر إلى بدن الأجنبي ولا يجوز أن تمسه، فكذلك إباحة النظر إلى وجهها لا يدل على إباحة اللمس. قال: فإذا كانت عجوزًا ممّن لا تُشتهى، فلا بأس بمصافحتها ومسّ يدها. فإن كانت عليها ثيابٌ، فلا بأس بأن يتأمّلها ويتأمّل جسدها، ما لم تكن ثيابًا تصفها، فإذا كانت ثيابًا تلزق ببدنها حتى يستبين له جسدها، فينبغي له أن يغضّ بصره عن ذلك، وإن كان ثيابًا لا تصف شيئًا من جسدها، فلا بأس بالنظر إليها، إنّما ينظر إلى الثياب والقامة. أما مصافحة العجوز، فقد روي أنّ امرأة التقت بإبراهيم النخعي، فمدّت يدها إليه، فقال لها: اكشفي وجهك، فكشفت، فإذا هي عجوزٌ، فصافحها (٢)؛ ولأنّ العجوز لا تُشتهى في العادة، فصارت كالرجال. فأمّا النظر إلى المرأة من وراء الثياب التي تصفها فلا يجوز؛ لما روي عن عمر ﵁ أنّه قال: لا تكسوا نساءكم الكتان ولا القباطي، فإنّها إلا تشفّ تصف (٣). وعن أبي الدرداء أنه قال: ألبسوا نساءكم الخز (٤)، فإنّه أوقى وأبقى وأستر،

стр. 5500

ولا تلبسوهن الكتان والقباطي، فإنّها إلا تشفّ تصف. وأمّا جواز النظر إليها إذا كانت الثياب لا تصفها؛ فلما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾، قال: النظر من وراء الثياب (١)؛ ولأنّ النساء يمشين في الطرق (٢) في سائر الأعصار، ولو لم يجز النظر إليهنّ مُنِعنَ من ذلك (٣). ٢٨٨٠ - فَضل: [ما يباح للمرأة من النظر إلى الرجل الأجنبي] قال: ولا بأس أن تنظر المرأة التي لا نكاح بينها وبين الرجل إلى جميع جسده، إلا إلى ما بين سرته إلى ركبته، فإنّ ذلك عورةٌ؛ وذلك لأنّ بدن الرجل ليس بعورة، فجاز لها النظر [إليه؛ ولأنّ الرجال يمشون في الطريق بإزار وتراهم النساء في سائر الأعصار]. قال: فإن كانت المرأة إذا نظرت إلى ذلك اشتهت أو كان على ذلك أكبر رأيها، فأحبّ إلىّ أن تغض بصرها عنه؛ لأنّها لا تأمن مواقعة المعصية، فمنعت عن ذلك. قال: ولا ينبغي للرجل أن ينظر من الرجل إلى ما بين سرته إلى ركبته، ولا بأس بالنظر إلى سرته، ويكره النظر إلى الركبة.
следующие страницы →