← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

وقد حكى محمد بن مقاتل: أنّه قال: يجوز النظر إلى بطنها وظهرها، لما روى محمد بن كعبٍ عن عبد الله بن عباس في حديث فيه طولٌ، قال: (ومن أراد أن يشتري جاريةً، فلينظر إلى جسدها إلا إلى عورتها، وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها) (١)، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنّ معقد الإزار قد يكون تحت الصدر، فيغطي البطن. قال: ولا بأس أن يمسّ ما جاز له النظر إليه؛ وذلك لما روي عن ابن عمر أنّه مرّ بالسوق، وقد رأى جاريةً تُباع، فضرب بيده على صدرها، وقال: اشتروا بارك الله عليكم؛ ولأنّ المعنى الذي جاز لأجله النظر، الحاجة إلى تقليبها، وهذا المعنى موجودٌ في مسّها ليقف على لين بشرتها. والذي ذكره أبو حنيفة أنّها إذا بلغت لم تعرض في إزار، محمولٌ على بلوغ الحدّ الذي تُشتهَى، كما فسّر محمدٌ؛ لأن الصبيّة إذا صارت ممّن تُشتهَى لم يُنظَر إليها، وإن لم تبلغ الحيض. قال: وإن خاف على نفسه أن يشتهي [إن مسّ] (٢) ذلك منها، [أو] (٣) كان عليه أكبر رأيه فليجتنب أن يمسّ ذلك؛ لأنّه لا يأمن من مواقعة المحظور، فالاجتناب أولى. قال: ولا بأس أن تمسّ الأمةُ كلّ شيء منه إلا ما بين السرة إلى الركبة، لا

стр. 5497

بأس بأن تدهن رأسه وتمرّخه، وتدهن صدره وظهره (ورأسه وقدمه، وتغمز ذلك مالم تشتهه، أو يكون على ذلك أكبر رأيها إن فعلت ذلك) (١)، ولا بأس أن تنظر منه إلى كلّ شيءٍ ما خلا ما بين السرة إلى الركبة؛ لأنّ بدن الرجل ليس بعورةٍ، فلا بأس بالنظر إليه؛ ولأنّ الرجال يمشون في الطرق بإزار في سائر الأعصار، فدلّ على جواز النظر إلى أبدانهم. وأمّا مسّ الأمة للرجل الأجنبيّ، فيجوز؛ لأنّ العادة أن جارية المرأة تخدم زوجها، وتدهنه، وتغمزه، فدلّ على جواز المسّ. ٢٨٧٩ - فَصْل: [ما يجوز من النظر إلى الحرة الأجنبية] قال: فأمّا المرأة الحرة التي لا نكاح بينهما ولا حرمة، فليس ينبغي له أن ينظر منها إلى شيء مكشوف إلا الوجه والكفّ، ولا ينظر إلى غير ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وقال ابن شجاع عن الحسن (٢) عن أبي حنيفة: إنّه ينظر إلى وجهها وكفها وقدمها. أمّا الوجه [والكفّ] فلقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قيل في التفسير: الكحل والخاتم (٣)، والكحل موضع الوجه، والخاتم موضع اليد؛ ولأنّ المرأة تضطر إلى كشف وجهها للشهادة عليها [عند الحاكم] (٤)، فخرج ذلك من أن يكون عورةً، ويحتاج إلى إظهار كفّها في الأخذ

стр. 5498

والعطاء للمعاملات، فرخّص لها في ذلك. فأمّا القدم فلا يجوز النظر إليه في أحد الروايتين؛ لأنّ الحاجة لا تدعو إليه، ويجوز في رواية الحسن؛ لما روي عن ابن مسعودٍ أنه قال في تأويل قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: القرط والخلخال (١)؛ ولأنّ المرأة تضطر إلى المشي في الطرق، فتبدو قدمها، فصار ككفيها، ولأنّ الوجه والكفّ يشتهيان، كما لا تُشتهى القدم، فإذا جاز النظر إلى وجهها فقدمها أولى. قال: ولا ينبغي أن ينظر إلى وجهها لشهوةٍ؛ لما روي أنّ رجلًا جاء إلى النبي ﵊ فقال: أنظر إلى المرأة (٢) فأشتهيها، فاتبعتها، فضرب رأسي جدارٌ، فقال ﵊: "إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرًا عجّل عقوبته في الدنيا" (٣). قال: فإذا دُعي إلى شهادةٍ عليها، أو أراد تزويجها، أو كان حاكمًا فأراد أن ينظر إلى وجهها [ليجوز] (٤) إقرارها عليها، وإن كان إن نظر إليها يشتهيها، أو كان عليه أكثر رأيه، فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وإن كان على ذلك غالب رأيه]؛ [وذلك] لأنّه محتاجٌ إلى النظر في هذه المواضع بغير شهوةٍ، فجاز مع الشهوة، كما يجوز للشهود النظر إلى العورة عند الزنا ليقيموا الشهادة؛ ولأنّ الحاجة تدعو إلى النظر في هذه الأحوال، فجاز مع وجود الشهوة وعدمها. وأمّا إذا أراد أن يتزوّجها، فيجوز له النظر وإن لم يأمن الشهوة؛ لما روي

стр. 5499

أنّ المغيرة أراد أن يتزوّج امرأة فقال له النبي ﵊ "انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (١). قال: ولا ينبغي أن يمسّ وجه الحرة ولا يدها إذا كانت شابةً ممّن تشتهى؛ وذلك لأنّ اللمس أغلظ من النظر، ألا ترى أنّ الشهوة فيه أكثر؛ ولأنّ المرأة تنظر إلى بدن الأجنبي ولا يجوز أن تمسه، فكذلك إباحة النظر إلى وجهها لا يدل على إباحة اللمس. قال: فإذا كانت عجوزًا ممّن لا تُشتهى، فلا بأس بمصافحتها ومسّ يدها. فإن كانت عليها ثيابٌ، فلا بأس بأن يتأمّلها ويتأمّل جسدها، ما لم تكن ثيابًا تصفها، فإذا كانت ثيابًا تلزق ببدنها حتى يستبين له جسدها، فينبغي له أن يغضّ بصره عن ذلك، وإن كان ثيابًا لا تصف شيئًا من جسدها، فلا بأس بالنظر إليها، إنّما ينظر إلى الثياب والقامة. أما مصافحة العجوز، فقد روي أنّ امرأة التقت بإبراهيم النخعي، فمدّت يدها إليه، فقال لها: اكشفي وجهك، فكشفت، فإذا هي عجوزٌ، فصافحها (٢)؛ ولأنّ العجوز لا تُشتهى في العادة، فصارت كالرجال. فأمّا النظر إلى المرأة من وراء الثياب التي تصفها فلا يجوز؛ لما روي عن عمر ﵁ أنّه قال: لا تكسوا نساءكم الكتان ولا القباطي، فإنّها إلا تشفّ تصف (٣). وعن أبي الدرداء أنه قال: ألبسوا نساءكم الخز (٤)، فإنّه أوقى وأبقى وأستر،

стр. 5500

ولا تلبسوهن الكتان والقباطي، فإنّها إلا تشفّ تصف. وأمّا جواز النظر إليها إذا كانت الثياب لا تصفها؛ فلما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾، قال: النظر من وراء الثياب (١)؛ ولأنّ النساء يمشين في الطرق (٢) في سائر الأعصار، ولو لم يجز النظر إليهنّ مُنِعنَ من ذلك (٣). ٢٨٨٠ - فَضل: [ما يباح للمرأة من النظر إلى الرجل الأجنبي] قال: ولا بأس أن تنظر المرأة التي لا نكاح بينها وبين الرجل إلى جميع جسده، إلا إلى ما بين سرته إلى ركبته، فإنّ ذلك عورةٌ؛ وذلك لأنّ بدن الرجل ليس بعورة، فجاز لها النظر [إليه؛ ولأنّ الرجال يمشون في الطريق بإزار وتراهم النساء في سائر الأعصار]. قال: فإن كانت المرأة إذا نظرت إلى ذلك اشتهت أو كان على ذلك أكبر رأيها، فأحبّ إلىّ أن تغض بصرها عنه؛ لأنّها لا تأمن مواقعة المعصية، فمنعت عن ذلك. قال: ولا ينبغي للرجل أن ينظر من الرجل إلى ما بين سرته إلى ركبته، ولا بأس بالنظر إلى سرته، ويكره النظر إلى الركبة.

стр. 5501

والأصل في ذلك: ما روي أنّ النبي ﷺ قال: "لا يحلّ لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخل الحمام إلا بمئزر" (١)، وعن عليٍّ رضوان الله عليه أنّه قال: عورة الرجل حرمةٌ. وعن [سَلمان] (٢) أنّه قال: لأن أموت ثم أحيا، ثم أموت ثم أحيا، ثم أموت ثم أحيا، أحبّ إلي من أنظر إلى عورة أحدٍ أو ينظر أحدٌ إلى عورتي (٣). وأمّا الفخذ فعورةٌ، لما روي أنّ النبي ﵊ مرّ برجل يقال له جرهد، فقال له: "غط فخذك يا جُرهد، فإن الفخذ عورةٌ" (٤)، وروى عطاء بن يسار عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل السرة من العورة" (٥)، وعن عليّ ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "لا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميتٍ" (٦). [وروي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "من زوّج أمته فلا ينظر إلى ما بين سرتها

стр. 5502

وركبتها" (١)، ولأنّ الفخذ موضع الوطء فحلّ محلّ الفرج]. والذي روي أنّ النبي ﵊ كان جالسًا وعنده أبو بكر وعمر، فدخل عثمان، فغطى فخذه، فقيل له في ذلك، فقال: "كيف لا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة" (٢). والجواب: أنّ هذا الخبر قد رُوي مختلفًا: [روي] أنّه كان مادًّا رجليه، ورُوي أنّه كان مكشوف الفخذ، ولو ثبت اقتضى الإباحة، وما ذكروه يقتضي الحظر، فكان أولى. وأمّا السَّرَّة فليست من العورةِ؛ بدلالة ما روي عن ابن عمر أنّه كان إذا اتزر أبدى عن سرّته (٣)؛ ولأنّ الرسول ﵊ قال: "ما تحت السرّة عورة" (٤). وروي عن أبي هريرة أنّه قال (للحسن رضوان الله عليه) (٥): أرني الموضع الذي قبّله رسول الله ﷺ منكَ، فكشف عن سُرته فقبلها أبو هريرة (٦). وأمّا الركبة فهي من العورة؛ لما روي عن النبي ﷺ قال: "الركبة من العورة" (٧)، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النبي ﵊ قال: "كلّ شيءٍ أسفل من سرته إلى ركبته عورةٌ" (٨)، فجعلها غايةً، والغاية قد تدخل في

стр. 5503

الكلام [تارةً] وقد لا تدخل، فكان الاحتياط أن تجعل من العورة. ولأنّ الركبة عظمان، أحدهما من الفخذ، والآخر من الساق، والفخذ يجب ستره، والساق لا يجب ستره، فيغلب حكم الحظر. ٢٨٨١ - فَصْل: [ما يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة] ويجوز للمرأة أن تنظر من المرأة إلى ما ينظر الرجل من الرجل؛ وذلك لأنّ المرأة لا تشتهي المرأة غالبًا، كما لا يشتهي الرجل الرجل، فإذا جاز للرجل النظر إلى الرجل، جاز للمرأة النظر إلى المرأة. والذي روي عن ابن عمر أن النبي ﵊ قال: "امنعوا النساء عن الحمّام إلا مريضة أو نفساء" (١)، وعن ابن عمر قال: (حرامٌ على النساء دخول الحمام بإزارٍ وغير إزارٍ) (٢)، فهذا محمولٌ على الأمر بحفظهنّ ومنعهنّ من الخروج، وفعل الأقرب إلى الستر لهنّ؛ يدلّ على ذلك أنّ النساء يدخلن الحمام في سائر الأعصار من غير نكيرٍ. ٢٨٨٢ - فَصْل: [النظر في أحوال الضرورة] قال: ولا بأس إذا أرادت المرأة الولادة أن تنظر المرأة منها إلى موضع الفرج [وغيره]، وكذلك الرجل يريد أن يختتن أو يتداوى وهو كبيرٌ، لا بأس بأن يمسّه (٣) رجلٌ؛ لأنّ هذا موضع عذرٍ.

стр. 5504

وإن أصاب المرأة جرحٌ أو قرحٌ في موضعٍ لا يحلّ للرجل النظر إليه، فلا بأس أن يعلّم امرأةً دواء ذلك الجرح، فتكون هي التي تداويه، ألا ترى أنّ امرأة العنين إذا ادعى أنّه وطئها نظر إليها النساء، وإذا ادّعى المشتري عيبًا بالجارية، نظر إليها النساء. قال: فإن لم يجدوا امرأةً تداوي الجرح الذي بها، ولا يقدروا على امرأةٍ تعلم ذلك، وخافوا على المرأة التي بها الجرح أن يصيبها بلاءٌ أو تهلك أو يدخلها من ذلك وجعٌ لا يحتمل، فلا بأس أن يستر منها كلّ شيء إلا موضع الجرح، ثم يداويه الرجل، ويغضّ بصره ما استطاع؛ وذلك لأنّ النظر إلى هذه المواضع محرّمٌ لحقّ الله تعالى، فإذا جاءت الضرورة، فلها تأثيرٌ في الإباحة، ألا ترى أنّه يجوز أكل الميتة وشرب الخمر عند الضرورة، فكذلك لا بأس بالنظر لأجل الضرورة. ٢٨٨٣ - فَصْل [ما لا يجوز للعبد والخصي من النظر] قال: والعبد فيما ينظر [إليه] من مولاته، والحر الذي لا قرابة بينه وبينها، سواء خصيًّا كان أو فحلًا إذا كان قد بلغ مبلغ الرجال، ولا يُحِلّ خصاء الخصيّ شيئًا يحرم على الفحل؛ وذلك لما روي عن سعيد بن المسيّب أنه قال: لا تغتروا بهذه الآية، قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فإنها نزلت في الإماء دون العبيد (١). وروي عن جابر وابن عباس قالا: لا يجوز للعبد أن ينظر إلى مولاته مقدار شعرةٍ.

стр. 5505

ولا يجوز أن يقال: إنّ مناكحتها حرامٌ عليه، فصار كمَحْرَمِها؛ لأنّ التحريم المؤثّر في جواز النظر ما كان تحريمًا مؤبّدًا، والعبد تحريمه ليس بمؤبّدٍ، فصار كتحريم الأجنبيّ. فإن قيل: إذا حملتم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] على الإماء، صار تكرارًا؛ لأنّ ذلك قد فُهم من قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. قيل له: لو اقتصر على قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، لجاز أن يظن أنّه يختصّ بالحرائر، فقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ليبيّن أنّ الأمة والحرة في جواز النظر سواءٌ. فأما الخَصيّ، فلا يجوز له النظر إلا إلى ما يجوز لغيره؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: إنّه رجلٌ، [والمثلة] (١) لا تحلّ له ما حرم على غيره (٢)، (ولأنّ الشهوة موجودةٌ في الخصيّ كهي في الفحل، فلم يجز له النظر) (٣). وأمّا قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١]، فقد اختلف تأويله، فقيل فيه: الشيخ الكبير الذي لا يشتهي مثله إذا كان خادمًا في البيت، جاز له النظر في النساء، وقيل: المراد به: الرجل (٤) المخلوق كخلقة النساء، لا يشتهي ولا يعرف ما يشتهى من النساء، وقيل: إنّه للخصيّ الذي جفّ ماؤه، فهو لا يشتهي، فهذه الآية متشابهةٌ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣١] محكمةٌ، فلا يجوز تركها بمتشابه.

стр. 5506

قد روي أنّه كان في بيت أم سلمة هيت المُخَنَّث، فلما حاصر النبي ﵊ الطائف، قال هيت لعمر بن أم سلمة: إذا فتح الله علينا الطائف دللتك على [بادية] (١) بنت غيلان، فإنها تُقبل بأربع، وتُدبر بثمانٍ، فقال ﵊: "أو هذا الخبيث يعرف هذا، لا يدخل عليكنّ" (٢). ٢٨٨٤ - فَصْل: [ما يجوز للزوج أن ينظر من زوجته وبالعكس] وأمّا الزوج فيجوز أن ينظر إلى سائر بدن زوجته، وكذلك يجوز أن تنظر إليه. (ويجوز للرجل أن ينظر سائر بدن أمَته، وكذلك يجوز لها أن تنظر إليه) (٣)؛ لما روي ﷺ عن عائشة أنّها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ) (٤)، ولو لم يجز النظر، لم يتجردا في مكانٍ واحدٍ؛ ولأنّه يجوز له الاستمتاع بجميع بدنها، وحرمة الاستمتاع أعظم من حرمة النظر، فجوازه أولى. والذي روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: (قبض رسول الله ﷺ وما نظرت إلى ما منه، وما نظرت إلى ما مني) (٥)، فلا يدلّ على تحريم النظر، وإنّما ذكرَته لبيان مكارم الأخلاق مع جواز النظر، لولا ذلك لم يتجردا في مكانٍ واحدٍ (٦).

стр. 5507

٢٨٨٥ - فَصْل: [ما يجوز من مباشرة الحائض وما لا يجوز] قال: ولا بأس أن يُصيبها وهي حائض فيما دون الفرج، ولا بأس بمباشرتها وإن لم يكن عليها إزارٌ، وهذا قول محمدٍ خاصّةً. فأما أبو حنيفة فقال: لا يجوز الاستمتاع بالحائض إلا ما فوق الإزار، وهو قول أبي يوسف. وقال محمدٌ: يتجنب شعار الدم ويستمتع بما سواه. وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في قول أبي حنيفة: إنّه يستمتع بما (فوق الإزار، فمنهم من قال: إنّه يستمتع بما فوق سرتها، ومنهم من قال: إنّه يستمتع بما) (١) تحت سرتها سوى الفرج من فوق الإزار. وجه قولهما: ما روي عن عمر بن الخطاب أنّه سأل النبي ﵊ عمّا يحل للرجل من امرأته الحائض، فقال: "ما فوق الإزار" (٢)، وروي عن أم سلمة أنّها قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في فراشٍ واحدٍ، فقمت، فقال لي: "أنفست؟ " فقلت: نعم، فقال: "خذي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك" (٣). وروي أنّ خادم ميمونة دخلت على ابن عباسٍ، فرأت فراش امرأته ناحيةً من فراشه، فقالت لها: أهجرانٌ أنتما؟ قالت: لا، ولكني إذا حضت لم يقرب (٤) فراشي، فذكرت الخادم ذلك لميمونة، فقالت ميمونة لابن عباس: (أرغبت عن

стр. 5508

سنة رسول الله ﷺ ، كنا إذا حضنا باشرنا من فوق الإزار) (١)؛ ولأنّ ما دون الفرج موضعٌ مقصودٌ بالوطء، فصار كالفرج. وجه قول محمدٍ: ما روي عن عائشة أنّها سُئلت عمّا يحل للرجل من امرأته الحائض، فقالت: يتجنب الفرج، فقيل لها، فما يحرم عليه من المحرمة، فقالت: كلّ شيء إلا الكلام (٢). وأمّا ما اختلف فيه أصحابنا من تأويل قول أبي حنيفة: ففي كلّ واحدٍ من القولين سنّةٌ، وروي عن إبراهيم أنّه قال: [لاعبت امرأتي في حال حيضها فوق بطنها، حتى قضيت شهوتي، وروي عن الحسن أنّه قال]: [تستثفر] (٣) بالإزار، ويباشرها من فوقه. وأمّا الوطء في حال الحيض، فمحرمٌ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وروى عليٌّ ﵁ عن النبي ﵊ قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، أو أتى كاهنًا فصدّقه فيما يقول، فهو كافرٌ بما أنزل على محمد" (٤) (٥). ٢٨٨٦ - فَصْل: [النظر إلى الأمة لأجل الشراء] وإذا أراد أن يشتري الأمة، فلا بأس أن ينظر إليها وإن اشتهى؛ لأنّ النظر

стр. 5509

للشهوة إنّما يمنع منه إذا كان الغرض للشهوة، فأمّا إذا كان [هناك] غرضٌ صحيحٌ، فالنظر للشهوة غير ممنوع منه كما لا يمنع الشاهد من النظر إليها وإن اشتهى. ٢٨٨٧ - مَسألةٌ: [رؤية الرجل رجلًا يقتل أباه] روى ابن سماعة عن هشام والكيساني عن محمدٍ: في رجل رأى رجلًا يقتل أباه متعمدًا، فأنكر القاتل أن يكون قتله، أو قال لابنه فيما بينه وبينه: إنّي قتلت أباك؛ لأنه قتل أبي فلانًا عمدًا، أو قال: إنّ أباك ارتد عن الإسلام، فاستحللت قتله، ولا يعلم الابن (١) بشيءٍ ممّا قال القاتل، ولا وارث للمقتول غير ابنه هذا، فالابن في سعةٍ من قتل القاتل إذا أراد قتله، ومن رآه أيضًا يقتل أباه فهو في سعة من إعانة الابن على قتله. وكذلك لو لم يره قتله، ولكنّه أقرّ عنده بذلك بين يديه، وادّعى بعض ما وصفت لك فإنه يسعه قتله، ويسع من سمعه يقرّ أن يعينه؛ وذلك لأنّه إذا شاهده يقتل أباه فقد وجب عليه القصاص في الظاهر، ودعواه استحقاق القتل (٢) يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، فلم يسقط الاستحقاق بالتجويز؛ فلذلك جاز أن يقتله. وكذلك لو لم يشاهده، ولكنه أقرّ؛ لأنّ الإقرار يثبت حكمه بنفسه، فهو كالمعاينة، وحكم من يُعينه حكمه؛ لأنّه معونةٌ على استيفاء حقٍّ، وعلى أمرٍ بمعروفٍ، فجاز ذلك. قال: وإن لم يره الابن قتله، ولم يقرّ عنده، ولكن شهد عند الابن رجلان

стр. 5510

عدلان على معاينة القتل، أو على إقراره بذلك، وهو يجحد، لم يسع الابن قتله حتى يقضي القاضي بشهادتهما أو الإمام، وكذلك من حضر شهادة الشاهدين، لا ينبغي له أن يعين الابن على قتله؛ لأنّ الشهادة لا يتعلّق بها حكمٌ إلا بانضمام (١) حكم الحاكم إليها، فلم يجز أن يعمل عليها من غير [حكمٍ] (٢). ولأنّ التجويز حصل من وجهين: يجوز أن يكونا [صدقا، ويجوز أن يكونا كذبا، وإذا صدقا جاز أن يكون القتل بحقٍّ، ويجوز أن يكون بباطلٍ، فلما حصل التجويز من وجهين لم يجز] له الإقدام على القتل، وفي الفصل الأول حصل التجويز من وجهٍ واحدٍ؛ ولأنّه تحقق القتل، وجوّز أن يكون قتله بحقٍّ أو غيره. وأمّا إذا قضى القاضي بشهادتهما، جاز للولي أن يقتله، وكان لكلّ من علم بحكم الحاكم أن يعينه؛ لأنّ الشهادة قد تعلّق الحكم بها، وثبت الاستحقاق، فصارت كالإقرار. قال: فإن عاين الابن قتل أبيه، ثم شهد عنده عدلان بما ادعى على الأب ممّا يحل دمه به، فإن الابن لا ينبغي له أن يعجل بقتل القاتل حتى يتبيّن (٣) ويثبت له. (قال أيده الله) (٤): والأصل في ذلك: أنّه إذا شهد عند الابن من لو شهد عند القاضي، (منع من القتل، فإن الابن يمتنع، وإن شهد عنده من لو شهد عند القاضي) (٥) لم يمنعه من القتل، لم يمتنع، فإذا شهد شاهدان عدلان عند القاضي

стр. 5511

أن القتل كان بحقٍّ، منع الولي من القصاص، وكذلك إذا شهد عند الابن، وجب عليه أن يمتنع. ولا يقال: إنّ الشهادة ما لم ينضمّ إليها [حكم الحاكم] (١) لا يجب العمل عليها؛ لأنّ إسقاط القتل تؤثر (٢) فيه الشبهة، فلا يمتنع أن يجب التوقف على القتل بهذه الشهادة، وإن لم يحلّ الإقدام على القتل بها. وأمّا إذا شهد عنده محدودان في قذفٍ، أو نساءٌ لا رجال معهنّ، فإنّه لا يتوقف عن القتل؛ لأنّ هؤلاء لو شهدوا عند القاضي لم يمنعه من القتل، فكذلك إذا شهدوا عنده. ولهذا قالوا: إنّه لو شهد عنده واحدٌ عدلٌ لزمه أن يتوقف؛ لأنّ الواحد [العدل] لو شهد عند القاضي منع الولي أن يستعجل في القتل حتى ينظر من ينضمّ إلى هذا الشاهد، فكذلك إذا شهد عنده الواحد توقف. قال محمدٌ: وإذا شهد [عنده] محدودان في قذفٍ، قال: إن توقف فهو أحبّ إليّ؛ لأنّ القتل لا يُستدرك بعد وقوعه، فلا نأمن أن يكونا صدقا. قال: وإن شهد عنده واحدٌ عدلٌ، فاستعجل في قتله، كان في سعةٍ، والانتظار أفضل؛ لأنّ شهادة الواحد لا تثبت بها الاستحقاق، فلا يسقط القتل المستَحَقّ بها. ٢٨٨٨ - فَصْل: [شهادة شاهدين أن هذا الثوب لأبي فلان] قال: ولو أنّ عبدًا في يد رجلٍ أو ثوبًا (٣)، فشهد شاهدان أنّ هذا الثوب أو

стр. 5512

العبد لأب هذا، غصبه هذا منه، والذي هو في يديه يجحد ويدّعيه لنفسه، فليس ينبغي للوارث أن يأخذ الشيء من يد من هو في يديه حتى يقضي له القاضي بشهادتهما؛ لما بيّنا أنّ الشهادة لا يتعلّق بها [حكم] الاستحقاق قبل الحكم، فلا يجوز أن يأخذ المال قبل حكم الحاكم بها. قال: ولو كان الوارث عاين الذي في يده وهو يأخذه من أبيه، وسعه أخذه منه، وأن يقاتله عليه، ووسع من عاين ذلك معه أن يعينه على ذلك، وإن أتى على نفسه إذا امتنع، وهو في موضعٍ لا يقدرُ فيه على سلطان يأخذ له بحقّه؛ لأنّه إذا عاينه يغصب فقد تحقق الاستحقاق، فيجوز له أن يستوفيه، وكذلك لو أقر عنده بذلك؛ لما بيّنا أن الإقرار يثبت حكمه بنفسه. وإنّما جاز قتاله عليه إذا امتنع وقتله (١)؛ لأنّه ظالمٌ في الامتناع، فجاز أن يقاتل عليه؛ لقوله ﵊: "من قُتل دون ماله فهو شهيد" (٢).

стр. 5513

بَابٌ آخر في الحظر والإباحةِ قال محمدٌ في إملائه: لو أنّ رجلًا من الفقهاء قال لامرأته: أنت طالقٌ البتّة، وهو ممّن يراها ثلاثًا (١)، وظنت أنّ ذلك لا يبينها، [فرفعته إلى قاضٍ يرى البتة واحدةً تملك فيها الرجعة]، فجعلها القاضي امرأته، وجعل ذلك تطليقةً رجعيةً، وسع ذلك الفقيه أن يقيم على امرأته وإن كان يرى خلاف ما قضى القاضي (٢) به. قال محمدٌ: وكلّ قضاءٍ كان من قاضٍ ممّا يختلف فيه الفقهاء، قضى به القاضي على قضية عالمٍ يرى خلاف قضائه، من تحليلٍ، أو تحريمٍ، [أو عتاقٍ]، أو أخذ مالٍ أو غيره، فإنّه ينبغي لذلك الفقيه أن يأخذ بقضاء القاضي ويدع رأيه، ويلزم نفسه ما ألزمه القاضي، ويأخذ ما أعطاه ممّا جعله له. وقال خلف بن أيوب عن أبي يوسف: (لا يسعه أن يقيم معها، ويجب عليه أن يأخذ برأي نفسه ولا يلتفت إلى إباحة القاضي فيما يعتقده حرامًا، ولو كان رأيه أنّها واحدةً رجعيّةٌ، ففرّق القاضي بينهما ثلاثًا، فليس يسعه أن يطأها ولا يعرض في حكم الحاكم بشيءٍ. وجه قول أبي يوسف) (٣): أنّ المجتهد متعبدٌ لما أدى إليه اجتهاده دون

стр. 5514

اجتهاد غيره، فلم يجز له أن يستبيح ما هو حرامٌ عنده، وليس كذلك إذا اعتقد إباحتها، فحكم الحاكم بالتحريم؛ لأنّ حكم الحاكم ينفذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فلا يجوز أن يستبيحه مع تحريم القاضي له. وجه قول محمدٍ: أنّ المحكوم عليه يجب أن يتابع رأي القاضي إذا رأى ما يسوغ فيه الاجتهاد، فيسقط اجتهاده مع اجتهاده؛ ولأنّ الاجتهادين إذا (١) تعارضا وانضم إلى أحدهما الحكم، فصار كما لو انضم الترجيح إلى أحدهما. قال محمدٌ: وكذلك رجلٌ ابتُلي ببليّةٍ، وهو لا يعلم العلم، فسأل عنها الفقهاء، فأفتوه فيها بحلالٍ أو بحرامٍ، وقضى عليه القاضي من المسلمين بغير ذلك، وهو ممّا يختلف فيه الفقهاء، فينبغي له أن يأخذ بقضاء القاضي ويدع ما أفتاه فيه الفقهاء؛ وذلك لأنّ المجتهد عنده يتبع رأي القاضي وإن خالف اجتهاده، فالمقلد أولى. قال: وإن قضى له قاضٍ بقضاء من حلالٍ أو حرامٍ عنده، ثم رفع إلى قاضٍ آخر فقضى له في ذلك الشي بعينه بخلاف قضاء الأول، وهو ممّا يختلف فيه الفقهاء، أخذ بقضاء الأول وأبطل قضاء الثاني؛ لأنّ الحكم إذا وقع في موضع اجتهادٍ، لم يجز لقاضٍ من القضاة فسخه، فلا يؤثر حكم الحاكم الثاني إلا أن يكون الأول لا يسوغ فيه الاجتهاد، فلا يعتدّ به. قال محمدٌ: ولو أن فقيهًا عالمًا قال لامرأته: أنت طالقٌ البتّة، وهو يرى أنّها ثلاث تطليقاتٍ، فأمضى رأيه فيما بينه وبينها، وعزم على أنّها قد حرمت عليه، ثم رأى بعد ذلك أن رأي عمر بن الخطاب في ذلك هو الصواب: وأنّها تطليقةٌ

стр. 5515

يملك الرجعة، أمضى رأيه الذي كان عزم عليه في امرأته، ولا يردها إلى أن تكون زوجته برأيٍ حدث منه. ولا يشبه هذا [أيضًا قضاء] القاضي له بخلاف رأيه الأول؛ لأنّ قضاء القاضي يهدم الرأي، والرأي لا يهدم الرأي. وهذا صحيحٌ؛ لأنه إذا أمضى (١) اجتهاده، ثبت التحريم في حقّه، فصار كالاجتهاد إذا انضم إليه حكمٌ، فإذا تغير اجتهاده بعد ذلك، استعمله فيما يحدث من بعده، ولم ينتقض به ما كان أمضاه. [قال]: وإن قال لامرأته: أنت طالقٌ البتّة، وهو يرى أنّها واحدةٌ يملك الرجعة، فعزم على أنها امرأته، ثم رأى بعد ذلك أنّ الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ البتّة، أنّها ثلاث تطليقاتٍ، وأنّها لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، لم تحرم عليه، وكانت امرأته على حالها، وهذا على ما قدّمنا، أنّه إذا عزم على إمضاء الاجتهاد لم ينفسخ باجتهادٍ آخر. قال: ولو أنّ رجلًا فقيهًا عالمًا قال لامرأته: أنت طالقٌ البتّة، وهو ممّن يرى أنّها ثلاثٌ، فلم يعزم على ذلك في امرأته، لم يمض ذلك فيها، حتى رأى أنّها تطليقةٌ يملك الرجعة، فأمضى ذلك فيها، وسعه ذلك] وكانت امرأته، ولو كان أول مرة يراها واحدةً، يملك الرجعة فيها، فلم يعزم على ذلك فيها، ولم يمضه حتى رآها ثلاثًا، لم يسعه المقامُ معها؛ لأنّه لما لم يعزم على إمضاء الاجتهاد حتى ظهر خلافه، صار ذلك كالحاكم إذا رأى مذهبًا فلم يحكم به حتى ظهر (٢)

стр. 5516

خلافه، أنّ الحكم بالاجتهاد الثاني أولى. قال: وكذلك رجلٌ ليس بفقيهٍ، ابتُلي بمسألةٍ فسأل عنها بعض الفقهاء، فأفتاه بحلالٍ أو حرامٍ، فلم يعزم على ذلك في زوجته، حتى استفتى فقيهًا آخر وأفتاه بخلاف [ما أفتاه الأول، فأمضاه في زوجته وترك قول الأول، وعزم عليه فيما بينه وبين زوجته، ثم أفتاه فقيهٌ آخر بخلاف] ذلك، لم يسعه أن يرجع إلى قوله؛ لأنّه متعبّدٌ بالتقليد، كما يُتعبَّد المجتهد بالاجتهاد، [ثم إنّ المجتهد إذا عزم على أن يعمل على اجتهاده، ثم ظهر له اجتهادٌ ثانٍ خلافه، لم يسعه] أن يعمل على اجتهاده الثاني إذا أمضاه، وإن تغيّر بعد ذلك، كذلك المقلد إذا عزم على العمل بما أُفتى به، لم يسعه أن ينقض ذلك بفتوى أخرى. قال خلف بن أيوب: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ مات وترك جدًّا وأخًا، فاختصما إلى القاضي في ميراثه، فقضى بالمال للجدّ، وأفتاه قاضٍ من القضاة بمذهب زيدٍ، وذلك أعدل عنده، لم يسع للأخ أن يأخذ [من] ذلك المال [شيئًا]؛ وذلك لأنّ الحكم انضم إلى الاجتهاد، فلم يجز أن ينفسخ باجتهادٍ لا حكم معه؛ ولأنّ الفقيه المفتي بمذهب زيدٍ إذا ولي القضاء، لم يجز أن يحكم بفسخ الحكم الأول، فكيف يجوز أن يفسخ ذلك بالاجتهاد. قال: ولو كان القاضي قسم المال بينهما على قول زيدٍ، وكان الأخ من رأيه أنّ الجدّ أبٌ، وهو ممّن يجوز أن يفتي (١) ويقضي، فإنّه ينبغي أن يدفع المال إلى الجدّ، ولا يسعه أن يأكل ما أطعمه القاضي [إذا كان يرى أنّه باطلٌ]، فهذا على [أصل] (٢) أبي يوسف: أنّ قضاء القاضي لا يحلّ له ما هو محرمٌ عليه في اجتهاده.

стр. 5517

فأمّا على أصل محمدٍ: فيحل له ذلك، ويجوز له اتباع رأي القاضي وترك اجتهاده. قال: وإن كان الأخ جاهلًا، فهو في سعةٍ من الوجهين جميعًا، أن يأخذ بما قضى به القاضي؛ لأنّ فرضه التقليد، فلا يجوز أن يخالف ما حكم الحاكم به عليه. قال: فإن علم ذلك، وصار إلى الحال التي يستقيم [له] أن يفتي (١) ويقضي، فالجواب فيه كالجواب في الأول، يعني: أنّه يجب عليه العمل بما في اجتهاده، وترك ما حكم الحاكم به.

стр. 5518

بَاب استعمالِ الحرير في اللبس وغيرِه (قال أبو الحسن-﵀) (١): قال أبو حنيفة ﵁: لبس الحرير المصمّت حرامٌ على الذكور من الناس في كلّ حالٍ، في الحرب وغيرها؛ وذلك لما روي عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "أُحِلّ الحرير والذهب للإناث من أمتي، وحرّم على ذكورها" (٢). وعن عليٍّ ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ حريرًا بشماله وذهبًا بيمينه، ثم رفع بهما يديه فقال: "إنّ هذين حرامٌ على ذكور أمّتي حلٌّ لإناثها" (٣). وروي عن عمر ﵁ أنّه قال: حرّم رسول الله ﷺ لبس الحرير على الرجال، إلا ما كان هكذا وهكذا، وذكر أصبعين وثلاثًا أو أربعًا (٤). وروي أنّ عمر أنفذ جيشًا فغنموا غنائم، فلما رجعوا تلقاهم، فلبسوا له الحرير والديباج، فلما رآهم تغيّر وجهه وأعرض عنهم، فقالوا له: أعرضت عنا؟، فقال: انزعوا عنكم ثياب أهل النار، فنزعوا ذلك (٥).

стр. 5519

وأمّا لبسه في الحرب، فقال أبو حنيفة: أكره ذلك، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يكره. وجه قول أبي حنيفة: أنّ النبي ﵊ نهى الرجال عن لبسه ولم يفصّل؛ ولأنّه يمكن أن يقوم مقامه في الحرب غيره، فلم تدع الحاجة إليه. وجه قولهما: أنّ السلاح لا يثبت إلا على الديباج، فصار ذلك موضع ضرورةٍ، فلذلك أبيح. وقد قال أبو حنيفة: لا بأس بالمُلحَم في الحرب، وإنّما يعني بذلك ما لَحمتُه حريرٌ (١)؛ ولأنّ هذا ممنوعٌ منه في غير حال (٢) الحرب عنده، ومباحٌ في حال الحرب؛ لأنّه حريرٌ من وجهٍ، وليس بحريرٍ من وجه، فكان أخفّ من غيره، فأمّا إذا كان لحمته غير الحرير، فهو مباح في جميع الأحوال. قال: وأكره إلباسه للصبيان الذكور؛ وذلك لأنّ الصبيان يُعوّدون ما يبيحه الشرع، ليألفوه؛ ولهذا يمنعهم من شرب الخمر، ويأخذهم بالصلاة والصوم، وكذلك يجنّبون لبس الحرير حتى لا يألفوه. قال: وكرهوا جميعًا لبس الثوب الحرير الذي لحمته حريرٌ في غير الحرب، وأجازوه في الحرب؛ لأنّ اللحمة هي الظاهرة من الثوب، فإذا كانت حريرًا لم يجز لبسه إلا فى الحرب؛ لحاجته إليه، وأمّا ما كان سداه (٣) حريرًا ولحمته غير

стр. 5520

حريرٍ، (فإنّ لبسه جائزٌ عندهم جميعًا؛ لأنّ السلف لبسوا الخزّ ولم ينكروه وسداه حريرٌ؛ ولأنّ اللحمة هي الظاهر من الثوب، فإذا كانت غير حريرٍ) (١) لم يمنع منها (٢). ٢٨٨٩ - فَصْل [افتراش الحرير والديباج] قال أبو حنيفة: لا بأس بافتراش الحرير والديباج (٣) والنوم عليها، وكره [ذلك] أبو يوسف ومحمدٌ. وجه قوله (٤): ما روي أنّ أنسًا حضر وليمةً، فجلس على وسادة حريرٍ عليها طيورٌ (٥)، وعن [أبي] راشد قال: رأيت على فراش عبد الله بن عباس أو مجلسه مرفقةً من حريرٍ (٦)؛ ولأنّ الجلوس عليه استخفافٌ به وليس بتعظيمٍ له، فجرى مجرى الجلوس على بساطٍ فيه تصاوير: أنّ ذلك يجوز وإن كُره لبسه. وجه قولهما: أنّ هذا من زيّ الأعاجم، وروي عن عمر أنّه قال: (إياكم وزيّ العجم) (٧)، وعن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: (لأن أتكئ على حمر الغضا أحبّ إليه من أن أتكئ على الحرير) (٨)، وعن ابن سيرين قال: قلت لعبيدة

стр. 5521

السَّلْمَاني: افتراش الديباج كلبسه؟ قال: نعم (١)؛ ولأنّ لبسه لا يجوز، فكذلك الجلوس عليه، ألا ترى أنّ التحلّي بالذهب والفضة لمّا لم يجز الجلوس على سريرٍ من ذهبٍ أو فضةٍ (٢). ٢٨٩٠ - [فَصْل: الأعلام والطرز في الثوب] وقال أبو حنيفة: لا بأس بالعَلَم في الثوب إذا كان أصبعًا أو أصبعين أو ثلاثًا أو أربعًا، رواه بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، ولم يحك خلافًا [في ذلك]؛ وذلك لأنّ العَلَم تَبعٌ للثوب، فصار كالسَّدى؛ ولأنّ النبي ﵊ لبس فروةً أطرافها من الديباج (٣)، وكأنّ المعنى في ذلك أنّه تبعٌ؛ ولأنّ الناس يلبسون الثياب وعليها الأعلام والطرز في سائر الأعصار (٤). ٢٨٩١ - [فَصْل: استعمال الفِراء] قال بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا بأس بالفِرَاء كلّها، وعني بذلك الميتة والمدبوغة والذكية. قال: دباغه ذكاته، وكذلك قال في الصوف والعظم والشعر والعصب والظلف والحافر، وكذلك قال أبو يوسف. أمّا الفِراء؛ فلأن الجلود ذكاتها تطهر بالدباغ، إلا جلد الخنزير والآدميّ؛

стр. 5522

وذلك لقوله ﵊: "أيّما أهاب دبغ فقد طَهُر" (١)، وروي أنه أراد أن يتوضّأ من ماء من شَنٍّ، فقيل له: إنه جلد حمار ميتٍ، فقال: "أليس في الشثّ والقرظ ما يُطهره" (٢)؛ ولأنّ الدباغ يحيل الجلود، والاستحالة تؤثّر في التطهير كالخمر إذا تخللت. وأمّا شَعر الميتة وصوفها ووَبَرها وعَظْمها، فطاهرٌ، وعند الشافعي: نجسٌ، وفرّق مالكٌ بين العظم والشعر فقال: الشعر طاهرٌ، والعظم نجسٌ (٣). لنا: قوله ﵊ في شاة ميمونة: "هلا أخذتم جلدها فدبغتموه فانتفعتم به" (٤)، ولم يأمر بإزالة الشعر منه، ولو كان نجسًا لم يجز الانتفاع بالجلد إلا بعد إزالته. وفي حديث أمّ سلمة أنّ النبي ﵊ قال: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، وصوفها وشعرها وقرنها إذا غسل بالماء" (٥)، ولأنّ الشعر ينفصل في حال الحياة، فيحكم بطهارته، ولو كان ينجس (بالموت، نجس) (٦) بالانفصال في

стр. 5523

حال الحياة كالأعضاء، وطرده الولد، لمّا لم ينجس إذا انفصل بعد الموت حيًّا، كذلك في حال الحياة. وأمّا فرق مالك بين العظم والشعر، فليس بصحيحٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا حياة فيه، ألا ترى أن الحيوان لا يألم بأخذه من غير آفةٍ فيه، ولو كان فيه حياةٌ لألم بالقطع، وإذا لم يكن فيه حياةٌ لم يحلّه الموت. فأمّا القرن والظلف، فهما في حكم العظم؛ لأنّ الحيوان لا يألم بقطعها. وأمّا العصب، فكان أبو بكر الرازي يقول: يجوز الانتفاع به بعد الدباغ، لأنّ الدباغ؛ يتأتى فيه، فهو (١) كالجلد (٢).

стр. 5524

بَاب استعمال آنية الذهب والفضة قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كان أصحابنا جميعًا يكرهون الشرب في آنية الذهب والفضة والادّهان فيها. (قال أيده الله) (١): الأصل في ذلك: ما روي أنّ النبي ﵊ نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: "من شرب فيها فكأنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم" (٢)، في بعض الأخبار: "من أكل أو شرب". ولأنّ المنع من الشرب فيها إنّما هو لما فيه من التشبّه بالأكاسرة، وهذا المعنى موجودٌ في الأكل. وقد قال أصحابنا: إنّه يكره الانتفاع بها في كل ما يعود إلى الأبدان، مثل الادهان والتطيب؛ لأنّها منفعةٌ تختصّ بالبدن كالأكل والشرب، ولأنّ المنع منها للتفاخر، وهذا المعنى لا يختصّ بالأكل دون التطيب (٣). ٢٨٩٢ - فَصْل: [استعمال الآنية المفضضة] قال أبو حنيفة في الآنية المفضضة (٤): لا بأس بالشرب منها إذا وضع فاه

стр. 5525

على العود، وكره أبو يوسف ذلك. وقال أبو يوسف: الفضة قد صارت كأنّها بعض الإناء، فأنا أكره الشرب في ذلك الإناء (١)، وكذلك باب الدار، وكذلك الأكل والدهن، وكذلك [المُدْهُن] (٢) والمجامر (٣)، وكذلك المِرْآة، ولو رَخّصتُ في هذا لرَخّصتُ في السرير المضبب بالفضة أن يُقعَد عليه، وكذلك السَّرْج، وكذلك اللِّجَام (٤) والرِّكاب (٥)، وكذلك السقف (٦)، لا أجيز أن يفضّض شيءٌ من ذلك ولا يُذَهّب، وهو مكروهٌ عندنا، قال أبو الحسن: يعني أبو يوسف نفسَه، (وكذلك المصحف يضبب بالذهب والفضة. قال: ولو رخصنا في شيءٍ من ذلك، كان المصحف أولى، ألا ترى) (٧) أنّ هذا زيّ المجوس وأهل الشرك، وإن لم يكن زيّهم بعينه، فهو يشبهه وقريبٌ منه. قال: وكان أبو حنيفة لا يرى بأسًا بتذهيب السقف، وكذلك قياس قوله في الثياب والسرج والسرير إذا كان مفضضًا وكان القاعد (٨) على غير الفضة، فلا بأس به في قياس قوله ذلك، ولا أحفظه روايةً.

стр. 5526

فأمّا أبو يوسف فقال: أكره ذلك كلّه، وأنهى عنه، ولا أرخّصُ في شيءٍ من الأشياء يُتَّخذ من فضةٍ أو ذهبٍ، أو يُذهّب أو يُفضض، ما خلا الخاتم يلبسه الرجال من الفضة، أو حِلية السيف، أو المِنْطَقَة، لما جاء في ذلك من الرخصة، ولا بأس بتمويه السلاح بالفضة والذهب. وجه قول أبي حنيفة: أن الفضة تابعةٌ في ذلك للإناء فهي كطراز الثوب وعَلَمه؛ ولأنّ المنع من الفضة للتشبه بالأعاجم، والتفاخر [به]، وهذا المعنى لا يوجد في المفضض. وأمّا أبو يوسف فقال: إنّه استعمالٌ للفضة، فصار كما لو استعملها مفردةً. أمّا التمويه فيجوز في السلاح؛ لأنّ ذلك مستهلكٌ لا يتخلّصُ، فيصير كاللون المفرد. وأمّا الذي روي عن أبي حنيفة: أنّه يجعل فاه على العود دون الفضة، فلأنّه إذا وضع فمه على الفضة، فقد استعمل الفضة؛ وذلك لا يجوز، وقد روي عنه جواز ذلك؛ لأنّ الفضة لما صارت تابعةً لم يكره أن يُباشرها بيديه، كما لا يكره في عَلَم الثوب (١). ٢٨٩٣ - فَصْل: [ما يجوز للنساء من الحرير والذهب وما لا يجوز] قال: فأمّا النساء، فلا بأس بأن يلبسن الديباج والحرير والذهب والفضة واللؤلؤ، وهنّ فيما سوى الحليّ من الأكل والشرب في الذهب والفضة، والقعود عليه، والادهان فيه بمنزلة الرجال؛ وذلك لما روي أنّ النبي ﵊ قال في الحرير

стр. 5527

والذهب: "هما حرام على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم" (١)، فأمّا الأكل والشرب، فقد ورد النهي فيه عامًّا، فيتناول الرجال والنساء. قال: ولا يجوز أن يكتحل بمُكْحُلَةٍ (٢) من ذهبٍ، أو بمِيلٍ من ذهبٍ أو فضةٍ، وكذلك المرأة، وكذلك الرستشانة، وكذلك حلقة المِرآة، فلا بأس بها في قول أبي حنيفة إذا كانت المِرآة حديدًا أو صفرًا، ولا خير في ذلك عند (٣) أبي يوسف؛ وذلك لأنّ الاكتحال منفعةٌ تعود إلى البدن، فهو كالأكل والطيب. وكذلك استعمال الأسنان من الفضة، وكذلك النظر في مرآة الفضة منفعةٌ تختصّ بالبدن، فأمّا إذا كانت المرآة من حديدٍ وهي مفضضةٌ، فلا بأس بها عند أبي حنيفة، كالإناء المفضض، وكره أبو يوسف ذلك كما كره في الإناء المفضض. قال: فأمّا اللجام المطليّ، فإنّ أبا يوسف رخّص فيه، [كما رخّص في السلاح المطليّ]، وكذلك الرِّكاب؛ وهذا لما بيّنا أنّ الطلاء مستهلكٌ لا يخلص، فلا يعتدّ به. قال: فأمّا اللجام من الفضة، والركاب الفضة، فلا خير فيه؛ لأنّ هذا استعمال الفضة بعينها، فيكره كما يكره التحلّي بها. قال أبو يوسف: ولا ينبغي للرجل أن يلبس ثوبًا فيه كتابةٌ بذهبٍ أو فضةٍ، ولا بأس بأن تلبسه المرأة؛ وذلك لأنّ استعمال الذهب في الثوب كاستعماله في السقف والإناء، فيكره ذلك.

стр. 5528

فأمّا [قياس قول] (١) أبي حنيفة: فلا يكره؛ لأنّ الذهب تابعٌ للثوب، فيصير كالذهب على الإناء. قال: ورخّص أبو حنيفة في مِسْمَار ذهبٍ [في] (٢) فَُِصّ (٣) الرجل، وكذلك قال أبو يوسف، وإنّما يريد بذلك: المسمار الذي يحفظ به الفصّ؛ لأنّه تابعٌ للخاتم، فلا يعتدّ به؛ ولأنّ ذلك لا يُزيّن به في العادة، فلا يمنع منه؛ ولأنّه لا يظهر. وقد روي عن جماعةٍ من الصحابة: أنّه كان على خواتيمهم صورةٌ، وإنّما استجازوا ذلك؛ لأنّ الصورة لا تظهر، فلا يُمنع منه، وإن مُنِع ذلك على الثوب (٤). ٢٨٩٤ - فَصْل: [شد السِّنِّ بالذَّهب والفضة] قال بشر عن أبي يوسف في كتاب الأشربة من الإملاء: ولو أنّ رجلًا تحرّكت سنّه ولم تسقط، فخاف سقوطها (٥)، فشدّها بذهبٍ أو فضةٍ، لم يكن به بأسٌ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، هذا يشبه المسمار في الفصّ. وقال في الجامع الصغير في الرجل يتحرّك سنه، قال: لا يشدّها بالذهب، وقال محمدٌ: لا بأس بذلك، وكان أبو حنيفة لا يرى بأسًا أن يشدّها بفضة (٦).

стр. 5529

وجه قول أبي حنيفة: أنّه لا حاجة به إلى استعمال الذهب؛ لأنّ الفضة تقوم مقامها، واستعمال الذهب في الأبدان من غير حاجة لا يجوز. وجه الرواية الأخرى، وهو قول أبي يوسف: أنّ الفضة تزنخ في فِيه، والذهب لا رائحة له، فصارت الحاجة ماسّةً (١) إليه، وقد روي أنّ عرفجة ابن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية، فاتخذ أنفًا من فضّة، فأنتن عليه، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب (٢) (٣). ٢٨٩٥ - فَصْل: [شد الثنية أو إعادتها] قال أبو حنيفة: فإن سقطت ثنيّة رجلٍ، كُره [له] أن يعيدها ويشدّها بفضةٍ أو ذهبٍ، ولكن يأخذ سنّ شاةٍ [ذكيّةٍ] (٤)، فيشدّها مكانها، وخالفه أبو يوسف فقال: لا بأس أن يشدها بثنيّةٍ مكانها. قال: ولا يشبه سنه سنّ الميت، أستحسن ذلك، وبينهما فصلٌ عندي وإن لم يحضرني [ذلك]. وجه قول أبي حنيفة: أنّ السنّ إذا انفصلت صارت في حكم سِنِّ الميت، ألا ترى أنها زالت عن الخِلقة، فكما يكره أن ينتفع بسنّ غيره فكذلك بسنّه. وأمّا أبو يوسف فيقول: إنّ السنّ لا [تتنجّس] (٥) بالانفصال؛ لأنّه لا حياة

стр. 5530

فيها، وإنّما يكره سنّ غيره؛ لأنّ ذلك مستقذرٌ في العادة، وهذا المعنى لا يوجد في سنّه (١). مسائل مَنثورةٌ (٢) قال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة ﵁: إنّه كان يكره لحوم الأُتُن وألبانها، وقال بشر المريسي: لا يكره (٣). لنا: ما روى عبد الله بن أوفى قال: أصبنا حمرًا أهلية يوم خيبر، فذبحناها وطبخناها، وإنّ القدور لتغلي حتى خرج رسول الله ﷺ فأمر بإكفائها وقال: "إنّها رجس" (٤)، وروي أنه سأل فقال: "أوحشية أو إنسية؟ "، وهذا يدل على اختلاف حكمهما. وروى جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية؛ وأذن في لحوم الخيل" (٥)، وروى أبو حنيفة عن نافع عن ابن عمر "أنّ النبي ﷺ نهى عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" (٦). وجه قول بشر: ما روي (٧) أنّ عائشة سئلت عن ذلك، فتلت قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] (٨).

стр. 5531

وقال عمرو بن دينار لجابر بن زيد: إنّهم يزعمون أنّ النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر؟ فقال: كان الحكم بن عمر الغفاري يقول ذلك، وأبى ذلك الحبر، يعني: ابن عباس (١). ٢٨٩٦ - فَصْل: [بيع واستعمال النجاسات] قال: ولا بأس ببيع السِّرقين، وكره بيع العَذِرَة، وقال الشافعي: لا يجوز بيعهما (٢). أمّا السرقين؛ فلأنّ الناس ينتفعون به في سائر الأعصار منفعةً عامةً من غير نكيرٍ، وإباحة الانتفاع تدلّ على جواز البيع، وأمّا العَذِرة، فكره الانتفاع بها؛ فلذلك لا يجوز بيعها. وقد روي عن ابن عباس أنّه كره أن تعرَّ الأرض بالعَذِرة (٣)، وكان ابن عمر إذا دفع أرضًا مزارعةً شرط على المزارع أن لا يَعرّها (٤)، وروي عن سعد أنّه كان يعرّ أرضه (٥). وقد روي عن أبي حنيفة أنّه قال: يجوز استعمال العذرة في الأرض، وروي عنه: أنّها لا تجوز، وقال محمدٌ: إن غلب التراب عليها جاز. والصحيح: أن يمنع من استعمالها إلا أن يغلب التراب؛ لأنّ عين النجاسة

стр. 5532

يكره الانتفاع بها كالخمر، فإذا غلب التراب عليه زال حكم العين، وصارت النجاسة تابعةً، فيجوز الانتفاع [بها] كالثوب النجس، وعلى هذا: ما جاز الانتفاع به جاز بيعه. ٢٨٩٧ - فَصْل [كراهة أبوال الإبل ولحم الفرس] قال: وكان أبو حنيفة يكره أبوال الإبل ولحم الفرس، وقالا (١): لا بأس بذلك. أمّا أبوال الإبل: فهي نجسةٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: طاهرة، وقد قدّمنا الكلام في ذلك. وأمّا الانتفاع بها، فقال أبو حنيفة: لا ينتفع بها، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتداوي بها. أمّا أبو حنيفة فذهب إلى ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٢)، ولأنّه مائعٌ نجسٌ، فلا يجوز التداوي به كالخمر. وأمّا أبو يوسف، فذهب إلى ما روي عن النبي ﵊ "أنه أمر العُرَنيِّين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها" (٣). وأمّا لحم الفرس، فيكره عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكره. وجه قول أبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]، وهذا يدل على أنّ المنفعة المباحة هي الركوب، وقد استدلّ ابن عباس

стр. 5533

بهذه الآية على كراهة أكلها، وروي [في] حديث المقدام بن معد يكرب "أنّ النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمر" (١)، ولأنّ ولدها لا يؤكل، فلا تؤكل هي؛ لأنّ حكم الولد معتبرٌ بالأمّ. وجه قولهما: ما روي في حديث جابر أنّ النبي ﵊ نهي عن لحوم الحمر، ورخّص فى لحوم الخيل (٢). ٢٨٩٨ - فصْل [عيادة اليهودي والنصراني] قال أبو حنيفة: لا بأس بعيادة اليهوديّ والنصرانيّ، وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنّه دخل على يهودي يعوده، فقال له: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله"، فسكت، فأعاد ذلك ثلاثًا، فأسلم، فخرج رسول الله ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أعتق لي رقبةً من النار" (٣)؛ ولأنّ عيادتهم تألف بهم على الإسلام؛ ولأنّه لا بأس بمخالطتهم ومقاربتهم، وفي العيادة مقاربةٌ (٤) لهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]. ٢٨٩٩ - فَصْل: [استعمال الخرقة لمسح العَرَق] قال: وكان يكره هذه الخرقة التي تُحمل ويمسح بها العَرَق؛ وذلك لأنّ هذا

стр. 5534

تشبّهٌ بالمجوس، وقد قال ﵊: "من تشبه بقومٍ فهو منهم" (١)؛ ولأنّ في ذلك إظهار التصنّع والترفّه، وقد روي عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنّه قال: (اخشوشنوا وعوّدوا أولادكم الحفاء والبسوا الأزر وانزوا على الخيل نزوًا) (٢). ومن أصحابنا من قال: إنّما كره ذلك إذا كان للخرقة قيمةٌ كثيرةٌ، فأمّا إذا لم يكن لها قيمةٌ فلا يكره؛ ولأنّ إعداد ما له قيمة لإزالة العرق فيه تضييعٌ، فيمتنع من ذلك. ٢٩٠٠ - فَصْل: [كراهة أكل الحشرات] قال: وكان (٣) يكره أكل الزنبور؛ وذلك لما روي عن النبي ﵊ "أنّه نهى عن أكل حشرات الأرض"، والزنبور في حكم الحشرات؛ ولأنّه يقع على النجاسات فهو مستخبثٌ في العادة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ ولأنّه من حيوان البرّ لم يجعل له ذكاة، فإذا لم يقطع بإباحته كره أكله كسائر الحشرات. ٢٩٠١ - فَصْل [السؤال بمعقد العز من العرش] قال: وكان يكره أن يدعو فيقول: أسألك بمعقد العز من عرشك، (وذكر

стр. 5535

بعد هذا) (١): قال بشر: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحدٍ أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعقد العز من عرشك، أو بحقّ خلقك، وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، ولا أكره هذا، وأكره بحقّ فلانٍ، أو بحقّ أنبيائك ورسلك، وبحقّ البيت والمشعر الحرام، وهذا [النحو] (٢) نكرهه. وجه قول أبي حنيفة: أنّه إذا أضاف العز إلى مكانٍ بعينه أوهم كون الموصوف بالعزة في ذلك المكان، والله متعالٍ عن ذلك. وأمّا المسألة بخلقه، فلا تجوز؛ لأنّه لا حقّ للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل بما ليس بمستحَقِّ. وجه قول أبي يوسف: ما رويّ أن النبي ﵇ قال قال في دعائه: "اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة" (٣). ٢٩٠٢ - فَصْل: [ربط الخيط في الأصبع للحاجة] قال: وكان لا يرى بأسًا بربط الخيط في خاتمه أو في أصبعه للحاجة؛ لأنّ هذا يتذكر به حاجته أو حاجة أخيه المسلم، فلا يمنع منه، وروي أنّ النبي ﵇
следующие страницы →