وقال عمرو بن دينار لجابر بن زيد: إنّهم يزعمون أنّ النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر؟ فقال: كان الحكم بن عمر الغفاري يقول ذلك، وأبى ذلك الحبر، يعني: ابن عباس (١).
٢٨٩٦ - فَصْل: [بيع واستعمال النجاسات]
قال: ولا بأس ببيع السِّرقين، وكره بيع العَذِرَة، وقال الشافعي: لا يجوز بيعهما (٢).
أمّا السرقين؛ فلأنّ الناس ينتفعون به في سائر الأعصار منفعةً عامةً من غير نكيرٍ، وإباحة الانتفاع تدلّ على جواز البيع، وأمّا العَذِرة، فكره الانتفاع بها؛ فلذلك لا يجوز بيعها.
وقد روي عن ابن عباس أنّه كره أن تعرَّ الأرض بالعَذِرة (٣)، وكان ابن عمر إذا دفع أرضًا مزارعةً شرط على المزارع أن لا يَعرّها (٤)، وروي عن سعد أنّه كان يعرّ أرضه (٥).
وقد روي عن أبي حنيفة أنّه قال: يجوز استعمال العذرة في الأرض، وروي عنه: أنّها لا تجوز، وقال محمدٌ: إن غلب التراب عليها جاز.
والصحيح: أن يمنع من استعمالها إلا أن يغلب التراب؛ لأنّ عين النجاسة
стр. 5532
يكره الانتفاع بها كالخمر، فإذا غلب التراب عليه زال حكم العين، وصارت النجاسة تابعةً، فيجوز الانتفاع [بها] كالثوب النجس، وعلى هذا: ما جاز الانتفاع به جاز بيعه.
٢٨٩٧ - فَصْل [كراهة أبوال الإبل ولحم الفرس]
قال: وكان أبو حنيفة يكره أبوال الإبل ولحم الفرس، وقالا (١): لا بأس بذلك.
أمّا أبوال الإبل: فهي نجسةٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: طاهرة، وقد قدّمنا الكلام في ذلك.
وأمّا الانتفاع بها، فقال أبو حنيفة: لا ينتفع بها، وقال أبو يوسف: لا بأس بالتداوي بها.
أمّا أبو حنيفة فذهب إلى ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٢)، ولأنّه مائعٌ نجسٌ، فلا يجوز التداوي به كالخمر.
وأمّا أبو يوسف، فذهب إلى ما روي عن النبي ﵊ "أنه أمر العُرَنيِّين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها" (٣).
وأمّا لحم الفرس، فيكره عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكره.
وجه قول أبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]، وهذا يدل على أنّ المنفعة المباحة هي الركوب، وقد استدلّ ابن عباس
стр. 5533
بهذه الآية على كراهة أكلها، وروي [في] حديث المقدام بن معد يكرب "أنّ النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمر" (١)، ولأنّ ولدها لا يؤكل، فلا تؤكل هي؛ لأنّ حكم الولد معتبرٌ بالأمّ.
وجه قولهما: ما روي في حديث جابر أنّ النبي ﵊ نهي عن لحوم الحمر، ورخّص فى لحوم الخيل (٢).
٢٨٩٨ - فصْل [عيادة اليهودي والنصراني]
قال أبو حنيفة: لا بأس بعيادة اليهوديّ والنصرانيّ، وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنّه دخل على يهودي يعوده، فقال له: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله"، فسكت، فأعاد ذلك ثلاثًا، فأسلم، فخرج رسول الله ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أعتق لي رقبةً من النار" (٣)؛ ولأنّ عيادتهم تألف بهم على الإسلام؛ ولأنّه لا بأس بمخالطتهم ومقاربتهم، وفي العيادة مقاربةٌ (٤) لهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨].
٢٨٩٩ - فَصْل: [استعمال الخرقة لمسح العَرَق]
قال: وكان يكره هذه الخرقة التي تُحمل ويمسح بها العَرَق؛ وذلك لأنّ هذا
стр. 5534
تشبّهٌ بالمجوس، وقد قال ﵊: "من تشبه بقومٍ فهو منهم" (١)؛ ولأنّ في ذلك إظهار التصنّع والترفّه، وقد روي عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنّه قال: (اخشوشنوا وعوّدوا أولادكم الحفاء والبسوا الأزر وانزوا على الخيل نزوًا) (٢).
ومن أصحابنا من قال: إنّما كره ذلك إذا كان للخرقة قيمةٌ كثيرةٌ، فأمّا إذا لم يكن لها قيمةٌ فلا يكره؛ ولأنّ إعداد ما له قيمة لإزالة العرق فيه تضييعٌ، فيمتنع من ذلك.
٢٩٠٠ - فَصْل: [كراهة أكل الحشرات]
قال: وكان (٣) يكره أكل الزنبور؛ وذلك لما روي عن النبي ﵊ "أنّه نهى عن أكل حشرات الأرض"، والزنبور في حكم الحشرات؛ ولأنّه يقع على النجاسات فهو مستخبثٌ في العادة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ ولأنّه من حيوان البرّ لم يجعل له ذكاة، فإذا لم يقطع بإباحته كره أكله كسائر الحشرات.
٢٩٠١ - فَصْل [السؤال بمعقد العز من العرش]
قال: وكان يكره أن يدعو فيقول: أسألك بمعقد العز من عرشك، (وذكر
стр. 5535
بعد هذا) (١): قال بشر: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحدٍ أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعقد العز من عرشك، أو بحقّ خلقك، وهو قول أبي يوسف.
قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، ولا أكره هذا، وأكره بحقّ فلانٍ، أو بحقّ أنبيائك ورسلك، وبحقّ البيت والمشعر الحرام، وهذا [النحو] (٢) نكرهه.
وجه قول أبي حنيفة: أنّه إذا أضاف العز إلى مكانٍ بعينه أوهم كون الموصوف بالعزة في ذلك المكان، والله متعالٍ عن ذلك.
وأمّا المسألة بخلقه، فلا تجوز؛ لأنّه لا حقّ للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل بما ليس بمستحَقِّ.
وجه قول أبي يوسف: ما رويّ أن النبي ﵇ قال قال في دعائه: "اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة" (٣).
٢٩٠٢ - فَصْل: [ربط الخيط في الأصبع للحاجة]
قال: وكان لا يرى بأسًا بربط الخيط في خاتمه أو في أصبعه للحاجة؛ لأنّ هذا يتذكر به حاجته أو حاجة أخيه المسلم، فلا يمنع منه، وروي أنّ النبي ﵇
стр. 5536
كان يفعل ذلك (١)، وعن أنس أنه كان يحوّل خاتمه للحاجة (٢)(٣).
٢٩٠٣ - فَصْل: [صلاة الجنازة في المساجد]
قال: وكان يكره أن يُصلّى على جنازة في مسجدٍ، وذلك لما روى أبو هريرة أنّ النبي ﵇ قال: "من صلى على جنازة في مسجدٍ فلا شيء له" (٤)، وروي: "فلا أجر له"، وقال ﷺ : "جنّبوا مساجدكم صبيانكم" (٥)؛ لأنّه لا يؤمن منهم النجاسة، وهذا المعنى موجودٌ في الميت؛ ولأنّ الناس في سائر الأعصار أفردوا مسجدًا للجنائز، ولو جاز أن يُصلّى على الموتى في مساجد الجماعة لم يكن لإفراد مسجدٍ لها معنى.
والذي روي (أنّ عائشة أمرت بجنازة سعد بن أبي وقاص فأدخلت المسجد، فصلى عليها أزواج النبي ﷺ ، فقالت عائشة: أبصر الناس هل عابوا علينا إدخال الجنازة في المسجد؟ فقالوا: نعم، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس،
стр. 5537
ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء إلا في المسجد) (١)، فلا دلالة فيه؛ لأنّ الذي أنكر (٢) على عائشة في ذلك الوقت إنّما هم المهاجرون والأنصار؛ ولأنّ الصلاة لو جازت على الميت (٣) في المسجد لم يخصّ بذلك ميّتٌ واحدٌ في زمن النبي ﷺ ، وهذا يدلّ على ما قلناه، ويجوز أن يكون سهيل مخصوصًا بذلك، ويجوز أن يكون صلى عليه لعذرٍ من مطرٍ أو غيره (٤).
٢٩٠٤ - فَصْل: [ما يكره من الألعاب]
قال: كان يكره اللعب بالشطرنج (٥)، والنرد (٦)، والأربعة عشر (٧)، وكلّ اللهو؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "لهو المؤمن باطل إلا في ثلاث: تأديب فرسه، ورميه عن قوسه، وملاعبته مع أهله" (٨)، وقال ﷺ : "ما أنا من دَدٍ
стр. 5538
ولا الدَّد مني" (١)، يعني اللعب، وقال: "ما ألهاك عن ذكر الله فهو ميسر" (٢).
وقال عطاء الميسر: كلّ قمار، حتى لعب الصبيان بالكعاب.
وروي عن عليّ ﵇ أنه مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٣).
ولأنّ الغالب من اللعب بها التشاغلُ عن الصلاة، والكلامُ الفاحش، ولا يجوز أن يقال: إنّه يتعلم بها [الرجل] الحرب؛ لأنّ هذا يؤدي إلى أن يفعل اللعب يقصد به القُربة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] (٤).
٢٩٠٥ - فَصْل: [مسلم باع خمرًا وأخذ ثمنها ودفع دينه]
وقال في مسلمٍ باع خمرًا وأخذ ثمنها، وكان عليه دينٌ: إنّه يكره لصاحب الدين أن يقبض دينه من ثمن الخمر [إذا علم أنّه من ثمن الخمر]، وإن كان البائع نصرانيًا فلا بأس (٥)؛ وذلك لما روي عن النبي ﵇ أنّه قال: "لعن الله اليهود،
стр. 5539
حُرّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها، ألم يعلموا أنّ الله إذا حرّم شيئًا حرّم ثمنه" (١)؛ ولأنّ المسلم لا يحلّ له بيع الخمر، فإذا أخذ الثمن فقد أخذه بغير حقٍّ، فيكره لصاحب الدين أخذه منه.
وأمّا النصراني إذا باع الخمر، فلا بأس أن يأخذ المسلم ثمنها منه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنّه كتب في عهدهم: "وأن يذروا الربا ولا يظهروا بيع الخمر في أمصار المسلمين" (٢)، وهذا يدل على أنهم لا يمنعون من بيعها سرًّا.
وروي عن عمر أنّه قال: ولّوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها (٣)، وهذا يدلّ على جواز عقدهم عليها، وإذا جاز العقد فالثمن مأخوذٌ بحقٍّ، فيجوز للمسلم أن يقبضه.
٢٩٠٦ - فَصْل: [دخول أهل الذمة المسجد الحرام]
قال أبو حنيفة: لا بأس أن يدخل أهل الذمّة المسجد الحرام، وقال: مالكٌ: لا يدخلون المسجد الحرام، ولا غيره من المساجد، وقال الشافعي: يجوز لهم دخول المساجد، ولا يجوز لهم دخول المسجد الحرام (٤).
أمّا دخول سائر المساجد؛ فلما روي أنّ أبا سفيان دخل مسجد النبي ﵇
стр. 5540
وهو مشركٌ (١)، وروي أنّ وفد ثقيف وفدوا على النبي ﵇ فضرب لهم خيمةً في المسجد، فقيل: يا رسول الله: إنهم قومٌ أنجاسٌ، فقال: "ليس على الأرض من أنجاس الناس شيءٌ، إنما أنجاسهم على أبدانهم" (٢).
وأمّا دخول المسجد الحرام؛ فلأنّ من جاز له دخول المساجد، جاز له دخول المسجد الحرام كالمسلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد به: النهي عن قرب المسجد على طريق الحج والعمرة، ولذلك خصّه بالعام، (وقد قيل: إنّ المراد به: منعهم من دخوله على طريق ولاية الموسم؛ لأنّهم كانوا يدخلون على وجه الولاية، فمُنع بعد الفتح من ذلك) (٣)، وقد قيل: إنّ إطلاق المشركين يتناول الوثنيّ، وعبدة الأوثان كانوا أهل الحرب، فمنع دخلوهم الحرم؛ ولأنّ دخول الحربيّ الحرم يمنع من قتله؛ فنهوا لأجل ذلك (٤).
٢٩٠٧ - فَصْل: [استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة]
قال: وعن أبي حنيفة أنّه كان يكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء، وقال الشافعي: لا يكره ذلك في البنيان (٥)؛ والدليل عليه: (حديث أبي أيوب أنّ النبي
стр. 5541
﵇ قال: "إذا أتيتم الغائط فعظّموا قبلة الله، ولا تستقبلوها، ولا تستدبروها، ولكن شرّقوا أو غرّبوا"، قال أبو أيوب: فلمّا قدمنا الشام وجدنا مراحيضهم بنيت نحو القبلة، فنحن ننحرف عنها ونستغفر الله) (١)؛ ولأنّ المنع من الاستقبال لتعظيم القبلة، وهذا المعنى تستوي فيه الحالتان.
وأمّا الاستدبار، فقد روي عن أبي حنيفة: أنّه لا يُجَوِّز بظاهر الخبر، وروي عنه أنه يُجَوِّز؛ لِما رُوي عن ابن عمر "أنه اطلع على النبي ﵇ وهو على سطحٍ - جالسًا على لبنين مستدبر الكعبة" (٢).
٢٩٠٨ - فَصْل: [بيع بيوت مكة وإجارتها]
وكان أبو حنيفة لا يرى بأسًا ببيع بناء بيوت مكة، (وقد مضت هذه المسألة) (٣) في كتاب البيوع.
(قال أيده الله) (٤): وجملة المذهب [أنّ] عند أبي حنيفة: يجوز بيع البناء وإجارته، ولا يجوز بيع العَرْصة ولا إجارتها، وروى الحسن عن أبي حنيفة: جواز بيع (٥) ذلك.
والدليل على امتناع جواز بيع ذلك ما روى عبد الله بن عمر أنّ النبي ﵇ قال: "إنّ الله حرّم مكة وحرّم بيع رباعها" (٦)، وروي أنّه قال: "من أكل أجور
стр. 5542
بيوت مكة فكأنّما أكل الربا" (١)، وروي أنّها كانت تدعى في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر: السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن (٢)، وروي (أنّ عمر كان يضرب أهل مكة حتى لا يغلقوا أبوابهم بالليل مخافة أن يطرقهم الغريب) (٣). وهذا يدلّ على أنّهم لا يملكون البيوت؛ ولأنّها بقعةٌ من بقاع الحرم كالمسجد؛ ولأنّ تحريم الصيد يتعلّق بها كما يتعلّق بالمسجد، وإذا لم يجز بيع أحد الموضعين، فكذلك الآخر.
وجه الرواية الأخرى: ما روي أنّ عقيل باع دور النبي ﷺ ، فلما دخل ﵇ مكة قيل له: ألا تنزل دارك يا رسول الله؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيلٌ من ربع" (٤)؛ ولأنّ الناس يتبايعونها في سائر الأعصار (٥).
٢٩٠٩ - فَصْل: [في المحرم يذبح سلحفاة]
وقال في مُحرِمٍ ذبح سلحفاةً: إنّه [ل] شيء عليه، وكان يكره أكلها؛ وذلك لأنّها من حيوان البحر، وقد قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، إلى قوله: ﴿حُرُمًا﴾.
стр. 5543
وأمّا كراهة أكلها، فقد بيّنا في كتاب الصيد: لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك، ولأنّ السلحفاة مستخبثةٌ في العادة، وقال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
٢٩١٠ - فَصْل: [شراء الخادم المجوسي لمسلم]
قال أبو حنيفة في الرجل يكون له الأجير المجوسي والخادم والتابع، فيرسله يشتري له لحمًا فيأتيه بلحمٍ، فيقول: اشتريته من نصرانيٍّ أو يهوديٍّ أو مسلم: إنّه يسعه أن يقبل ذلك منه؛ وذلك لأنّ الصحابة كان لهم خدمٌ من العلوج، وكانوا يرجعون إلى قولهم في المأكل؛ ولأنّ هذا من أخبار المعاملات، فلا تعتبر العدالة فيه، لما في ذلك من التضييق على الناس، وإذا لم تعتبر العدالة، لم يعتبر الإسلام.
وقال في رجلٍ علم أنّ جارية في يد رجلٍ كانت لغيره، فذكر الذي في يده أنّ صاحبها وكّله ببيعها، أو أنّه ملّكه إياها بوجهٍ من وجوه الملك: فإنّه يسعه أن يقبل منه ويشتريها؛ لأنّ هذا من أخبار المعاملات، فيقبل [فيه] قول الواحد عدلًا كان أو غير عدلٍ؛ ألا ترى أنّ الناس في سائر الأعصار يتبايعون من الدلّال والمنادي ويرجعون إلى قولهم، وإن قالوا: إنّ السلعة لغيرنا.
ولأنّ الأمّة أجمعت على قبول قول الرسول في الهبة (١)، وأخبار المعاملات مقيسةٌ على ذلك.
قال: وإن قال الذي [هي] في يده: إنّ فلانًا كان يدّعي ملكها، [وهو
стр. 5544
كاذبٌ]، والجارية جاريتي، لم يسعه أن يشتريها منه؛ وذلك لأنّا قد علمنا أنّها كانت في يد الأول، والظاهر من دعواه الملك أنّها صحيحةٌ.
فإذا قال: إنّها لي، [فلم ينتقل] (١) الملك إليه من جهته، وإنّما يسقط قوله ولا يلتفت إليه.
٢٩١١ - فَصْل: [استعمال الحقنة للتداوي]
قال: ولا بأس بالحقنة (٢)؛ وذلك لأنّها يتداوى [بها]، وقال النبي ﷺ : "إن الله لم يخلق داء إلا خلق له دواء إلا السّام" (٣).
٢٩١٢ - فَصْل: [إجابة القاضي للدعوة العامة]
و [قد] قال ابن سماعة في نوادره عن محمدٍ في القاضي: لا بأس أن يجيب دعوة غير ذي رَحِمٍ مَحْرمٍ إذا كانت دعوةً عامةً، عرسًا أو ولادةً أو ختانًا، فأمّا غير ذلك من دعوة رجل في مقدمه من سفرٍ، أو شيء يحدث لإخوانه أو جيرانه، فلا.
قال: ويجيب دعوة ذي الرحم المحرم خاصّةً، ويأكل عنده ويقبل هديته، قال: وهذا قول أبي حنيفة في المسألتين جميعًا؛ وذلك لأنّ الدعوة العامة لا تلحقه فيها التهمة، ألا ترى أنّها لم تتّخذ للقاضي ولا تقع الخلوة (٤) به، فإذا لم يلحقه تهمةٌ لم يمنع منها.
стр. 5545
وكذلك المحرم؛ لأنّ الظاهر أنّه دعاه صلةً لرحمه، ولم يدعه لأجل الولاية.
وقال في القاضي: لا بأس أن يقبل الصلة من الوالي للبلدة التي هو عليها إذا كان الوالي قد ولي أمر القاضي، ولا أشك في أخذه الصلة منه، وإن لم يكن واليًا عليه، فأرجو أن لا يكون بقبول الصلة منه بأسٌ؛ وذلك لأنّ القاضي لا يبسط يده إلى الوالي، ولا تكون هدية الوالي له في معنى الرشوة؛ فلذلك لم يكره.
قال: ولا بأس أن يقبل صلة الرجل من إخوانه، وأن يزرع له الأرض إذا كان من إخوانه قديم المعرفة به، وقد كان يكون بينهما ذلك قبل ولايته القضاء؛ وذلك لأنّه يجري على عادةٍ تقدّمت لم يستأنفها بالولاية، فلا يتهم فيها، وهذا إذا لم [يكن] له حكومةٌ، فأمّا إذا كانت له حكومةٌ فلا يجوز قبول هبته؛ لأنّه يتّهم أن يفعل ذلك لأجل الحكومة.
٢٩١٣ - فَصْل: [اتخاذ الخلاء والحمامات في قبلة المسجد]
قال خلف بن أيوب: قال أبو حنيفة: إذا كان المسجد مسجد جماعةٍ كرهت أن يكون قبلته مُتوَضّأً أو مخرجًا أو حمامًا، وإن كان مسجدًا خاصًا في بيتٍ، فلا بأس بذلك، وهو قول أبي يوسف؛ وذلك لأنّ المسجد قد أُمرنا بتعظيمه وتنزيهه، فإذا كانت القبلة إلى خلاء أو حمامٍ فذلك فيه استخفافٌ بالقبلة، فلا يجوز.
وأمّا مسجد البيت، فهو الموضع الذي يفرده الإنسانُ [لنفسه] من بيته ليصلي فيه، وذلك ليس بمسجدٍ في الحقيقة، فلا يمنع من هذا المعنى فيه؛ ولأنّ البيوت تضيق بأهلها، [فلا يمكن] (١) أن تحرس من هذا المعنى.
стр. 5546
٢٩١٤ - فَصْل: [تحريم الاستمتاع مع وجود الملك]
قال بشر عن أبي يوسف في رجلٍ ظَاهَرَ من امرأته: فإنّ أبا حنيفة قال: لا يباشرها، ولا يقبلها، ولا ينظر إلى فرجها لشهوة، ولا يقربها حتى يكفّر، وذلك كلّه في الكفارات سواءٌ؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وهو عامٌّ في الوطء وفيما دونه؛ ولأنّ الاستمتاع إذا منع منه لتحريم البضع استوى فيه اللمس والوطء كالمبتوتة.
وأمّا قوله: وذلك كلّه في الكفارات سواءٌ، يعني: أنّ من كفارته (الصوم أو الإطعام، فالوطء محرمٌ عليه، وقال مالك: إذا كانت كفارته) (١) الإطعام جاز له الوطء قبل الكفارة.
لنا: أنّه أحد أنواع التكفير، فلا يجوز الوطء قبله كالعتق، وإنّما ذكر الله تعالى الإطعام ولم يشترط فيه ترك المسيس؛ لأنّه اكتفى بما تقدّم من تحريم المسيس قبل العتق والصوم.
قال أبو يوسف: لا يحرم عليه النظر إلى الشعر، (ولا إلى الصدر) (٢)، ولا إلى الظَّهر، ولا إلى البطن؛ لأنّها امرأته، وإنّما أنهاه عن القبلة واللمس والنظر إلى الفرج حتى يكفّر؛ وذلك لأنّ هذا تحريمٌ مع بقاء الملك، فيُمنع الاستمتاع المقصود، والاستمتاع المقصود ما يتعلّق به تحريم المناكحة؛ وذلك يختصّ بالنظر إلى الفرج دون سائر البدن.
قال: وأمّا الجارية التي يشتريها، فإنّ أبا حنيفة قال: لا يلمس من شهوةٍ ولا
стр. 5547
ينظر إلى فرجٍ لشهوةٍ، ولا يقبّل الشهوةٍ، ولا يقربها حتى تحيض حيضة، أو تكون ممّن لا تحيض، فيستبرئها شهرًا، وكذلك قال أبو يوسف.
[قال أبو الحسن: وكذلك قول محمدٍ عندنا؛ وذلك] لأنّ هذا تحريمٌ مع وجود الملك، فصار كتحريم الظهار (١).
٢٩١٥ - فَصْل: [التحريم من طريق الجمع]
قال: وكل مملوكَيْنِ لا يحلّ الجمع بينهما بعقد النكاح، فلا يجمع بين وطئهما في ملكه، وإن وطئهما فقد أساء، [وذلك مكروهٌ له].
قال: فإن أراد أن يطأ إحداهما، فلا ينبغي له أن يعاودها حتى يزوّج الأخرى (٢)، أو يخرجها من ملكه، وقد بيّنا هذا في كتاب النكاح.
قال: ولا ينظر إلى فرجٍ لشهوة ولا إلى بطنٍ ولا إلى ظهرٍ ولا يباشر ولا يقبّل حتى يحرّم فرج الأخرى بنكاحٍ أو يملّكها أو بعضها، وكذلك رجلٌ تزوّج أخت امرأته ودخل بها، ففرّق القاضي بينهما، فإنّه لا يقرب امرأته ولا يلمس ولا يقبّل لشهوةٍ ولا ينظر إلى فرجها لشهوةٍ ولا ينظر إلى بطن ولا إلى الظهر حتى تنقضي عدّة التي فرّق بينه وبينها.
وحال نسائه الأربع كحال الأخت؛ يعني إذا تزوج خامسةً وفرّق بينه وبينها بعدما دخل [بها]؛ وذلك لأنّ هذا التحريم من طريق الجمع، وكلّ معنى يصير به جامعًا بينهما في حكمٍ من أحكام النكاح، [فهو محرمٌ في الوطء، ومعلومٌ أنّ
стр. 5548
النظر إلى الظهر والبطن حكمٌ من أحكام النكاح]، فإذا استباحه مع وطء الأخرى فقد جمع بينهما في الوجه الممنوع الممنوع منه، فلا يجوز.
قال: وكذلك امرأةٌ نُعِيَ إليها زوجها، فتتزوج ويُدخل بها، ثم يقدم الأول، ويفرّق بينها وبين الآخر، فلا يقربها الأول وحالها كحال الأربع والأخت؛ لأنّ الجمع بين الزوجين كالجمع بين الأختين، فما حرم في أحد الموضعين حرم في الموضع الآخر.
قال: وكذلك امرأةٌ (١) سُبِيَت من دار الحرب، فاشتراها رجلٌ وهي حامل، فحالها في الاستبراء مثل حال التي عليها الاستبراء بحيضةٍ؛ وذلك لأنّه تحريمٌ في الملك، فلا فرق بين الحبل والحيضة، ألا ترى أنّ رجلًا لو زوّج أمّ ولده، فمات عنها الزوج لم تحلّ للسيد ولا شيء من أمرها حتى تنقضي العدة، وكذلك لو طلّقها الزوج، وكذلك لو كانت أَمَةً، وكذلك إن كان النكاح فاسدًا ودخل بها، وكذلك المرأة تنكح زوجًا آخر ودخل بها، ففرق بينهما، فتُردّ إلى الأول، وكذلك الخامسة، وكذلك [الزوج] الذي يتزوج بأخت امرأته، فيدخل بها و [هو] لا يعلم، وهذا كلّه قياسٌ واحدٌ؛ وذلك لأنّ المعتدة محبوسةٌ (٢) على الزوج، فلا يجوز لغيره استباحة النظر إليها، كما لا يجوز لمسها، فأمّا بقية الفصول، فهو تحريمٌ من طريق الجمع، وقد بيّناه (٣).
стр. 5549
٢٩١٦ - فَصْل: [النظر إلى وجه الأجنبية وكفها]
قال بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: ليس النظر إلى الوجه والكفّ بحرامٍ، يعني من الحرة، وقال أبو يوسف في رجلٍ حلف أن لا ينظر إلى حرامٍ بطلاقه، فنظر إلى وجه امرأة أو يديها قال: لا تطلق امرأته، وليس النظر إليه حرامًا، وأكره ذلك له.
وقد بيّنا جواز النظر (إلى وجه الأجنبية ويدها إذا كانت هناك حاجةٌ، وإنّما يكره النظر) (١) لغير حاجةٍ؛ لأنّه لا يؤمن معه الشهوة، وإذا لم يكن حرامًا لم يحنث في يمينه.
٢٩١٧ - فَصْل: [الفَضْلُ في الوكالة والمضاربة]
قال بشر عن أبي يوسف: في رجلٍ أمر رجلًا أن يشتري له طعامًا، فاشترى له بمائة درهم غلّةً، فقال: اشتريت لك بغلّةٍ، فأعطاه دراهم صحاحًا، فصرفها بدراهم غلّةٍ واستفضل، [قال] أبو يوسف: الفضل جائزٌ.
وقال في مضاربٍ اشترى بألف المضاربة متاعًا، ثم هلك المال، قال: يرجع على ربّ المال بألفٍ آخر، فإن استفضل لم يطب له الفضل؛ وذلك لأنّ الوكيل يثبت له الثمن دينًا على الموكل، فإذا أخذ منه عوضه واستفضل فهو ربح ما في ضمانه، فيطيب له.
وأمّا المضارب، فما ثبت له على ربّ المال ليس بدينٍ، ألا ترى أنّه يأخذه منه على طريق الأمانة، حتى لو هلك في يديه قبل أن يقضي البائع؛ رجع على
стр. 5550
رب المال، وربح ما ليس في ضمانه لا يطيب له.
٢٩١٨ - فَصْل: [العلاج بألبان الأُتن ولحومها]
قال بشر عن أبي يوسف: سمعته يقول: أكره ألبان الأُتُن ولحومها للمرضى أو لغير ذلك، وهو قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنا قد بيّنا تحريم الحمار، وما حرم لحمه بغير حرمته، فإنّه محرمٌ، والتداوي بالمحرم لا يجوز؛ لقوله ﵇: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (١).
وفرّق أبو يوسف بين هذا وبين بول (٢) ما يؤكل لحمه؛ لأنّ النص ورد بإباحة التداوي بالبول، فخصّ ذلك، وما سواه على أصله.
٢٩١٩ - فَصْل [الخلوة بالأجنبية]
قال بشر: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ [قال]: إن لم أكن وجدت فلانًا على حرامٍ فامرأتي طالقٌ، ثم ذكر أنّه رآه قد خلا بامرأةٍ، قال: أمّا في القضاء، فتطلق [امرأته]؛ لأنّه ليس بحرامٍ؛ وذلك لأنّ الخلوة بالأجنبية تكره، ولا يطلق اسم التحريم عليها، فلم يوجد شرط البَرّ، فيحنث.
٢٩٢٠ - فَصْل: [إيداع دراهم لبقال والأخذ منه في أوقات]
قال بشر عن أبي يوسف: في رجلٍ وضع درهمًا عند رجلٍ (٣) بقّالٍ يأخذ منه
стр. 5551
ما شاء، قال: أكره ذلك، ولكن يستودعه الدراهم، فيأخذ منه ما شاء بشيءٍ مسمّى، فإن ضاع، فهي وديعةٌ، ولا شيء عليه، وإن كان على وجه بيعٍ، فهو ضامنٌ؛ وذلك لأنّه إذا ملّكه [الدرهم] (١) فقد أقرضه إياه، فإذا شرط أن يأخذ منه ما يريد حالًا فحالًا، فله ذلك في نفع، فيصير في معنى القرض المنتفع به، فيُكره، وأمّا إذا أودعه إيّاه، فليس بقرضٍ، وإنّما يملكه بما يعطيه جزءًا فجزءًا، فلا يكره (٢).
٢٩٢١ - فَصْل: [الشراء للمريض بغير إذنه]
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف سئل عن رجلٍ اشتكى فاشتُري له بغير أمره شيءٌ يأكله، قال: إذا اشترى له ابنه أو والده، جاز، أستحسن ذلك ولا أجيزه في المتاع، إلا فيما يحتاج إليه المريض، وإن كان في سفرٍ فاشترى له الذي معه، وهذا استحسانٌ، وإن كان ذلك أجنبيًا؛ وذلك لأنّ المريض يأذن في العادة أن يشتري له أهله ما يحتاج إليه من الطعام والدواء، ولا يجب (٣) أن يُترك حتى يهلك، والمأذون في العادة كالمأذون فيه بالنطق، [وإنّما الإذن في العادة لأهله]، وكذلك رفيقه في السفر في حكم أهله؛ لأنّه هو الذي يقرب منه.
فأمّا الأجانب [فليس لهم]، فلم يجز لهم عادةً بالقيام بمصالحه، فحمل أمرهم على القياس.
стр. 5552
٢٩٢٢ - فَصْل: [السكن في البيت المرتهن]
قال بشرٌ عن أبي يوسف: في رجلٍ ارتهن من رجلٍ دارًا، قال: أكره له أن يسكنها؛ لأنّ الرهن في يده كالوديعة، ألا ترى أنّه يمسك (١) بإذن مالكه، فإذا انتفع به بغير إذنه، لم يجز، وإن أذن له في الانتفاع فقد صار ذلك نفعًا يُسلّم له بسبب الدين، ويكره له أن يداين وينتفع نفعًا بسبب دينه.
٢٩٢٣ - فَصْل: [إشراع الرجل ظُلَّة أو كَنِيفًا في الطريق]
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف قال: [قال] أبو حنيفة في رجل أشرع ظُلّةً أو كنيفًا أو دكانًا لا يضر بالطريق: فإنّه يسعه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن خوصم فيه قلعته، وإن كان يضرّ بالطريق لم يسعه فيما بينه وبين الله وإن خوصم فيه قلعته، وهو قول أبي يوسف.
وقد بيّنا هذه المسألة، وذكرنا أنّ من لا يضرّ بالطريق إذا خوصم فيه قلع عند أبي حنيفة، ولم يقلع عندهما، فأمّا ما يُضرّ بالطريق فلا يقف قلعه على الخصومة، بل يجب على القاضي إزالته، خاصم إليه فيه [مخاصمٌ]، أو لم يخاصم.
٢٩٢٤ - فَصْل: [الدخول بغير إذن لإنكار المنكر]
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف يقول في دارٍ سُمع فيها ضرب (٢) مزامير (٣)
стр. 5553
ومعازف، قال: أدخل عليهم بغير إذنهم لإنكار المنكر؛ (وذلك لأنّ المنع من هذا واجبٌ، فإذا لم يجز الدخول إلا بإذنهم، لم يكن المنع منه، ولأنّهم أسقطوا حرمتهم بفعل المنكر) (١)، فجاز هتكها، كما للشهود أن ينظروا إلى عورة الزاني ليشهدوا عليه حين هتك حرمة نفسه.
٢٩٢٥ - فَصْل: [الأمر بشراء شيء معلوم بثمن معلوم فزاد عليه]
قال [بشرٌ]: سمعت أبا يوسف في رجلٍ دفع إلى رجلٍ درهمًا ليشتري له زيتًا خمسة أرطال، فاشترى له بدرهمٍ عشرة أرطال (٢) مثل ما وصف، قال: قال أبو حنيفة: له خمسة أرطال بنصف، وللمشتري خمسةٌ [بنصف درهم]، وقال أبو يوسف: أستحسن أن أجعله كلّه للآمر بدرهمٍ، وهذه المسألة موضعها الوكالة.
وجه قول أبي حنيفة: أنّه وكّله بشراء مقدارٍ معلومٍ، ولم يوكّله بأكثر من ذلك، وما وكّله بابتياعه بثمنٍ معلومٍ إذا اشتراه بأقلّ من ذلك جاز، وأمّا الخمسة الأخرى فلم يوكّله بها، فلزمت الوكيل؛ لأنّ الشراء لا يقف.
وجه قول أبي يوسف، وهو قول محمدٍ: أنّه أمره أن يشتري بالدِّرْهم زيتًا، وظنّ أنّ الزيت خمسة أرطال بدرهم، فإذا اشترى عشرةً، فقد فعل المأمور وزاده خيرًا، وصار كمن وكّل رجلًا ببيع عبده بمائةٍ فباعه بمائتين.
٢٩٢٦ - فَصْل: [الأفضل في الوصية]
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف سئل عن رجلٍ يريد أن يوصي، وله ورثةٌ صغارٌ،
стр. 5554
قال: يتركه لورثته أفضل، وذلك لقوله ﵇: "لأن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تدعهم عالةً يتكفّفون الناس" (١).
وروي عن أبي بكرٍ وعمر وعائشة ﵄ أنّهم قالوا: لأن يوصي بالربع أحبُّ إلينا من أن يوصي بالثلث، ولأنْ يوصي بالخمس أحب إلينا من أن يوصي بالربع (٢)، فذلك على اعتبار حظّ الورثة.
٢٩٢٧ - فَصْل: [جواز الشهادة على ظاهر اليد والتصرف]
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف قال: إذا رأى الرجل في يد رجلٍ دارًا أو متاعًا، ثم قال الذي كان في يده: أشهد أنّه لي، فإنّ فلانًا قد [أخذه منّي] (٣)، قال: قال أبو حنيفة: إذا عرف أنّه له معرفةً بالقلب، ومكث ذلك عنده زمانًا، فليشهد، وهو قول أبي يوسف: إذا وقع في قلبه أنّه له؛ وذلك لأنّ حقيقة الملك لا يمكن الوصول إليها، وإنّما [يرجع إلى ظاهر اليد والتصرّف، فإذا حصل ذلك جازت الشهادة، وإنّما] اعتُبر أن يبقى في يده ليحصل تصرّفه تصرّف المالكين، فيغلب في الظنّ أنّه له.
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ باع شيئًا في الصدقة من رجلٍ قبل أن يقبضها، ثم قال له الوالي: اذهب فخذها، هل يجوز بيعها منه؟ وإن أراد المشتري أن يبيعها؟ قال: أمّا البيع الأول: فهو فاسدٌ، ولا ينبغي ولا يجوز، وإن
стр. 5555
قدرت عليه عند المشتري قبل أن يبيعها رددت البيع [وفسخته]، وإن باعها المشتري، فإن البيع الثاني جائزٌ فيما بينهما، وأكره للمشتري الأول البيع، فإن باعها المشتري الثاني، فبيعه جائزٌ؛ وذلك لأنّ الصدقة لا يملكها إلا بالقبض، فإذا باعها الوالي قبل أن يقبضها، فقد باع ما لم يملكه الفقراء، فلا يجوز بيعه، إلا أنّ هذا العقد فيه عوضٌ له قيمةٌ، فإذا قبضه المشتري ملكه كسائر البياعات الفاسدة، فإذا باعها المشتري فقد ملكها بالتسليط، فينفذ (١) بيعه ولا يتعلّق به الفسخ.
فإن قيل: لمّا باع الوالي قبل القبض، فقد باع ما هو على ملك المتصدّق، فجرى ذلك مجرى البيع الموقوف، فلا يقع به الملك.
فالجواب: أنّ الوالي له حقٌّ في قبض الصدقة، فبيعه يجري مجرى بيع المالك مع الفسَاد، والبائع يملّك غيره، ولا حقّ له في أخذه والتصرف فيه، فلا يقع ببيعه الملك.
ويجوز أن يقال: إنّ المسألة مبنيّةٌ على أنّ المتصدّق بذل الصدقة، فإذا باعها الوالي وأذن في قبضها، ولم يمنع التصدق بها، فصار كالإجارة.
[مسائل متنوعة]
٢٩٢٨ - فَصْل: [المضاربة بالعروض أو بثمنها]
وقال بشرٌ: سمعت أبا يوسف قال: لا تصلح العروض مضاربةً.
فإن قال: بعته وثمنه (٢) مضاربةٌ، ففعل ذلك، قال: أكرهه، وهو جائزٌ، وهذا
стр. 5556
قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما المضاربة بالعروض فلا تصحّ، وقد بيّنا ذلك في كتاب المضاربة.
فإذا قال: بعها واعمل بثمنها مضاربةً، فهذه وكالةٌ معلّقةٌ بشرط، وذلك جائزٌ، وأمّا الكراهية؛ فلأنّه لا يدري مقدار الثمن، فكأنّه أعطاه مالًا مجهولًا مضاربةً، فيكره لذلك، وأمّا أمره بالبيع ليتوصل به إلى تحصيل رأس المال، فكأنّه شرط على المضارب عملًا [في] غير المضاربة، وذلك يكره.
٢٩٢٩ - [مَسألةٌ: متنوعة في الكراهية]
* قال بشر: أخبره أبو يوسف عن ليث عن مجاهد أنّه كان يكره أن يجعل الخيط في الخاتم فيستذكر به، وقال أبو حنيفة [وأبو يوسف]: لا بأس به، وقد روي عن أنسٍ (١) أنّه كان يحول خاتمه ليتذكر به حاجته (٢)؛ ولأنّ هذا ينبّه به على حاجته، وذلك غير ممنوعٍ، وقد روي عن النبي ﵇ كراهة ذلك، وروي عنه الإباحة (٣).
قال: وسألت أبا يوسف عن الشَّعْر يوصل بالرأس؟ فقال: أكرهه، ولا بأس (٤) بشَعْرِ غير بني آدم، وإنّما أكره أن تصل المرأة شعرها بشعر آدميّةٍ؛ لأنّ ما انفصل من الآدميّ من الأجزاء لا يحل الانتفاع بها، وإنّما يجب دفنها، ولهذا المعنى لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة (٥)، وهي التي تصل شعرها
стр. 5557
بشعر غيرها، فأمّا إذا وصلته بشعر بهيمةٍ، فالشعر عندنا طاهرٌ، ويحلّ الانتفاع بها، فإذا وصلت شعرها بما يحلّ الانتفاع به، فإنّما قصدت الزينة، وذلك غير ممنوعٍ.
٢٩٣٠ - [مَسألةٌ: بيع لبن المرأة]
قال بشر: سمعت أبا يوسف قال: أكره بيع لبن المرأة، وإن باعته أبطلتُه، ولا بأس بإجارة الظئر.
أما بيع لبن الآدمية، فقد مضت في البيوع، والوجه فيه: أنّه مائعٌ منفصلٌ من الآدميّ، فلا يجوز بيعه، كالدمع والعرق؛ ولأنّه لبن حيوانٍ محرّم الأكل، كلبن الكلب والخنزير.
وأمّا الإجارة، فالأصل في جوازها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وقد اختلف أصحابنا في المعقود عليه ما هو؟ فمنهم من قال: إنّه المنافع وخدمة الصبيّ والتزامه (١)، [واللبن تبعٌ]، ومنهم من قال: إنّ العقد على اللبن، ويجوز أن يُستَحقّ بالإجارة ما لا يجوز بيعه كالمنافع، وقد بيّنا هذا في الإجارة.
٢٩٣١ - [مَسألةٌ: صاد سمكة في بطنها أخرى]
قال: وسمعت أبا يوسف في رجلٍ صاد سمكةً في بطنها أخرى، قال: يأكلها، وكذلك طائرٌ في بطنه سمكةٌ أو جرادةٌ؛ وذلك لأنّا قد بينا في كتاب الصيد أنّ السمكة إذا ماتت بسببٍ حادثٍ حلّ وإن لم يكن بفعل آدميّ، وابتلاع
стр. 5558
السمكة سمكةً أخرى سببٌ حادث في تلفها، فهو كأخذها بالشبكة، وكما لو جزر الماء عنها.
فأمّا الجرادة، فلا يحتاج في إباحتها إلى سببٍ حادثٍ، وأكلها جائزٌ بكلّ حالٍ.
فأمّا إذا ذرقها الطير أو خرجت من دبر السمكة، فلا تؤكل؛ لأنّها لا تنفصل على هذا الوجه إلا وقد استحالت، فتصير كطعامٍ متغيّرٍ (١).
٢٩٣٢ - [مَسألةٌ: لا بأس بأن يلتقط الرجل النوى وما أشبهه من قشور الرمان]
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا بأس بأن يلتقط الرجل النوى وما أشبهه مثل قشور الرمان إذا نبذه صاحبه، وهو قول أبي يوسف.
وقال أبو يوسف: إن شاء صاحب النوى أخذه من هذا، وقال: إن كان كُرًّا (٢) من نوى لم يأخذه، وكذلك ما له ثمنٌ مثل النوى؛ وذلك لأنّ العادة جرت أنّ الناس يلقون النوى والزجاج المكسور في الطرق، ولا يعودون إلى أخذه، ويبيحون للناس (٣) التقاطه، فيصير كالمأذون في أخذه بالعادة، والمأخوذ (٤) بالعادة كالمأخوذ بالنطق.
فأمّا إذا كان كثيرًا مجتمعًا، فلم يجمع إلا للحاجة إليه، ولم تجر العادة بتضييع [مثله]، فلم يجز استباحته كسائر الأموال، وإنّما كان لصاحب النوى
стр. 5559
أخذه من الملتقط وإن كان يسيرًا؛ لأنّ من طرحه أباحه، والإباحة يجوز معها الانتفاع ولا يُملك بها، [فما لم يستهلكه] (١) المستبيح، فللمبيح الاسترجاع، كمن أباح طعامه لغيره.
٢٩٣٣ - [مَسألةٌ: أخذ اللقطة وتعريفها، أحبُّ إلى من تركها]
قال أبو يوسف: في أخذ اللقطة: وتعريفُها أحبُّ إليّ من تركها، قال أبو الحسن: وهو قول أبي حنيفة ومحمدٍ أيضًا؛ وذلك لأنّ أخذها حفظٌ على صاحبها، وإذا تركها لم يأمن أن تمتد إليها يدٌ خائنةٌ، فكان الحفظ أولى؛ ولأنّها أمانةٌ، فإذا تحمّلها فقد تعرّض للثواب، فإذا تركها فلم يتعرّض [له]، والتعرّض للثواب أولى.
٢٩٣٤ - [مَسألةٌ: شاة ميتة نبذها أهلها]
قال بشرٌ: قال أبو يوسف في شاةٍ ميتةٍ نبذها أهلها، فأخذ رجلٌ صوفها، أو أخذ جلدها ودبغه، قال: هو له، فإن جاء صاحبها: أخذ الجلد وردّ ما زاد الدباغ فيه إن شاء، ويأخذ الصوف؛ وذلك لأنّ إلقاء الميتة إباحةٌ للانتفاع بما يجوز أن ينتفع به منها، وقد بيّنا أنّ الإباحة بالعادة كالإباحة بالنطق؛ فلذلك جاز أخذ جلدها وشعرها.
وإنّما جاز لمالكها أخذه؛ لأنّ موت الحيوان لا يزيل ملك المالك عمّا يحل الانتفاع به من الشاة، ولذلك يكون أحقّ به، وإذا بقي ملكه فيه لم يزل عنه بالنبذ والإباحة كما بينا في النوى، إلا أنّه لا يقدر على استرجاع الجلد إذا دبغ بما له
стр. 5560
قيمةٌ إلا بردّ ما زاد الدباغ فيه؛ لأنّ ما دُبغ به عين مالٍ قائمٍ [مشارٍ إليه]، فصار كالصبغ في الثوب، فلا يجوز أن يتملك بغير عوضٍ، وأمّا الشعر فلا زيادة فيه، فيأخذه بغير شيءٍ.
٢٩٣٥ - [مَسألةٌ: أمر صائغًا أن يصوغ له من عنده خاتمًا فيه وزن درهم]
قال هشام: سألت أبا يوسف: رجل أمر صائغًا أن يصوغ له من عنده خاتمًا فيه وزن درهم، وجعل له عليه أجرًا دائقًا، فصاغه ورضيه [الآخر] وقبله، قال: لا يجوز أن [يعطيه] (١) درهمًا ودانقًا؛ وذلك لأنّ الفضة لا يملكها المستعمل إلا بالقبض، وإذا صاغها قبل التسليم فالخاتم على ملك الصائغ، فإذا أخذ العوض فقد باع بأكثر من وزنه، فلا يجوز.
٢٩٣٦ - [مَسألةٌ: أكره ثوب القزّ يكون بين الفرو]
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: أكره ثوب القزّ يكون بين الفرو و [بين] الظهارة، ولا أرى بحشو القزّ بأسًا؛ وذلك لأنّ الثوب إذا كان بين ثوبين، فهو ملبوسٌ، ولبس الحرير لا يجوز للرجال، فأمّا الحشو فليس بملبوسٍ، فلا يكره عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بملبوسٍ ولا مفروشٍ، فلا يكره.
قال: وما كان من الثياب الغالب عليه غير القز، فلا بأس به، مثل الخزّ والطيلسان الإبريسم، وقد بيّنا أنّ ما كانت لحمته غير القز، فلا بأس به.
وقال في القزّ (٢) بالقز: لا خير فيه؛ لأنّ ظاهرَه قزّ؛ وذلك لأنّ الحكم لما
стр. 5561
يظهر في الثوب، وما لا يظهر تَبعٌ، فالمتبوع لما كان القز لم يجز لبسه.
٢٩٣٧ - [مَسألةٌ: أكره سجدة الشكر]
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: أكره سجدة الشكر، وقال أبو يوسف: لا أرى بأسًا بسجدة الشكر.
وهذه المسألة قد بيّناها في كتاب الصلاة، وذكرنا ما في الجامع الصغير: أنّ سجدة الشكر ليس بشيء، ومعناه ليس بشيء مسنونٍ، إن فعله جاز، وإن تركه جاز.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هي سنةٌ، وعلى هذه الرواية، تكره؛ لأنّها سجدةٌ منفردةٌ تُفعل عند سببٍ حادثٍ، فلا يُؤمن أن يعتقد وجوبها كسجود التلاوة، فيلحق بالشريعة ما ليس منها.
٢٩٣٨ - [مَسألةٌ: خزّ كلب الماء، والجلود بأعيانها]
قال عمرو بن أبي عمرو: سألت محمدًا عن خزّ كلب الماء؟ قال: لا بأس به، قلت: والجلود بأعيانها؟ قال: والجلود بأعيانها، وكذلك خنازير الماء التي يعمل منها البسط، لا بأس بها، إلا أنّه لا يؤكل شيءٌ من حيوان البحر إلا السمك.
وقد بيّنا الكلام في حيوان البحر في كتاب الصيد، وذكرنا: أنّ ما سوى السمك طاهرٌ لا يجوز أكله، وإذا كان طاهرًا جاز الانتفاع بجلده ووَبَره.
٢٩٣٩ - [مَسألةٌ: بلع درّة لرجل، فمات البالع ولم يدع مالًا]
قال عمرو: سألت محمدًا عن رجلٍ بلع درّة لرجلٍ فمات البالع ولم يدع
стр. 5562
مالًا، قال: عليه القيمة، ولا يشق بطنه؛ لأنّ شقّ جوف الميت مُثْلةٌ؛ وذلك ممنوعٌ منه لحقه [وحقّ] الله تعالى، وحقّ صاحب الدرّة لا يذهب؛ لأنّه دينٌ في الذمة، فلذلك لم يجز شق الجوف.
فإن قيل: فإذا كان لا مال له، قلنا: الدين في الذمّة، ويجوز أن يوجد له مالٌ، (وقد تقابل حقّ الآدميين) (١)، فترجّح حقّ الميت لما فيه من حقٍّ لله تعالى.
٢٩٤٠ - [مَسألةٌ: امرأة حامل ماتت، فاضطرب في بطنها شيء]
وسألت (٢) عن امرأةٍ حاملٍ ماتت، فاضطرب في بطنها شيءٌ، قال: إن كان أكبر رأيهم أنه حيٌّ، شقّ بطنها؛ وذلك لأنّ شق البطن ممنوعٌ [منه] لحقّ الله تعالى ولحقّها، وتلف الحمل ممنوعٌ [منه] لحق الله تعالى ولحقه، فتساوى الأمران؛ ولأنّ حرمة النفس أعظم من حرمة المال، فجاز شق البطن لحرمة النفس، وإن لم يجز لحرمة المال.
٢٩٤١ - [مَسألةٌ: لبس الحرير والديباج في الحرب]
قال عمرو: وقال محمدٌ: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن محيريز قال: كتب إليه بعض إخوانه: ما ترى في لُبس الحرير والديباج [في الحرب]؟ فكتب إليه عبد الله بن محيريز: أنه أشد ما يكون كراهةً؛ لما نهى رسول الله ﷺ حين يتعرّض للشهادة، وكره ذلك له، وهذا موافقٌ لقول أبي حنيفة: أنّ لبس الحرير المصمت مكروهٌ في حال الحرب وغيرها.
стр. 5563
قال: وسألت محمدًا عن لبس الحرير؟ فقال: كان أبو حنيفة لا يرى بأسًا بأربع أصابع في عرض الثوب، قلت: فإن هناك قَلَنْسُوَة يكون فيها أقلّ من أربع أصابع في عرض الثوب، فقال: لا ينبغي ذلك، وذلك لأنّ مقدار أربع أصابع في جملة الثوب تابعةٌ [له، فلا يُمنع منها كما لا يُمنع من عَلَم الثوب، فأمّا القلنسوة من الحرير فليست تابعةً] لغيرها، فتكره كما يكره الثوب من الحرير، وذكر بعد هذا توسد الحرير [والديباج]، وقد بيّنا الخلاف فيه.
٢٩٤٢ - [مَسألةٌ: في النصرانية تحت المسلم]
قال محمدٌ في النصرانية تحت المسلم: لا تنصب في بيته صليبًا، وتصلي في بيته حيث شاءت؛ وذلك لأنّ الصليب وثنٌ، وروي عن النبي ﷺ أنّه قال لعديّ بن حاتم: "احلق عنك شعر الكفر، واخلع هذا الوثن من صدرك" (١)، يعني: الصليب، ولا يجوز للمسلم أن يمكِّن من نصب الأوثان في بيته.
فأمّا صلاتها، فلا تمنع منها، كما لا تمنع من اعتقاد دينها.
٢٩٤٣ - : [مَسألةٌ: أَخرقُ الزقَّ إذا كان فيه خمرٌ مع المسلم والنصراني]
قال محمدٌ: قال أبو يوسف: أخرق الزقّ إذا كان فيه خمرٌ مع المسلم والنصرانيّ، وهذا على أصلهما (٢): أنّ الملاهي يجوز كسرها، وإن أمكن الانتفاع بها في غير الوجه المحظور؛ لأنّها معدّةٌ للمعصية، كذلك هذا الزقّ، صار معدًّا للمعصية، فيجوز إتلافه.
стр. 5564
فأمّا على قول أبي حنيفة: فلا يجوز إتلافه؛ لأنّه يمكن الانتفاع به في غير الوجه المحظور.
وأمّا تسويته بين المسلم والنصرانيّ، فلأنّه لا يجوز لهم إظهار الخمر في أمصار المسلمين، وإنّما أُقروا على التصرّف فيه فيما بينهم.
تمّ كتاب الحظر والإباحة (١)
стр. 5565
[٨٥] كتابُ الأشْرِبَةِ (١)
(قال أيده الله) (٢): الأصل في هذا: أنّ الأشياء كلّها عندنا على أصل الإباحة، إلا ما فيه إدخال ضررٍ على حيوانٍ، فالأشربةُ كلّها مباحةٌ بالعقل، وإنّما يثبت تحريم ما حرم منها بالشرع.
والكلام في هذا الكتاب فيما ورد الشرع بتحريمه منها، وما بقي على أصل الإباحة.
وقد روى ابن رستم عن محمدٍ قال: قال أبو حنيفة: الأنبذة (٣) كلّها حلالٌ، إلا أربعة أشياء: الخمر، والمطبوخ إذا لم يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (٤)، ونقيع التمر فإنّه السُّكْرُ، ونقيع الزبيب لما جاء فيه من الأثر.
فأمّا الخمر: فهي عصير العنب إذا غلى واشتدّ وقذف بالزَّبَد، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هي خمرٌ إذا اشتدّت وإن لم تقذف بالزبد.
وجه قول أبي حنيفة: أنّ الأصل في العصير الإباحة، والتحريم إنّما يثبت
стр. 5566
بدليلٍ شرعيٍّ، وقد دلّت الأدلة على تحريمه إذا بلغ إلى الحدّ الذي قال أبو حنيفة، وما قبل ذلك على أصل الإباحة؛ ولأنّها إذا لم تقذف فلم تبلغ [إلى] غايتها، فصارت كما قبل الغَلَيَان؛ ولأنّ الخمر تتعلّق بشربها الحدود، والحدود تجب في المقصود من كلّ نوعٍ، ومالم يقذف العصير بالزَّبَد، فلم يبلغ الغاية المقصودة من الشراب، فلم يجز وجوب الحدّ فيه.
وجه قولهما أنّ الحكم يتعلّق بحدوث الشدّة، وذلك موجودٌ إذا غلى؛ ولأنّ القذف بالزَّبَد إنّما يعتبر لترقّ وتصفو، وعدم هذا المعنى لا يمنع من التحريم.
فإذا عرفنا الخمر على القولين؛ فالأصل في تحريمها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقد قيل: إن الإثم من أسماء الخمر، وأنشدوا فيه:
شربت الإثم حتى زال عقلي … كذاك الإثم يذهبُ بالعُقُولِ (١)
[وروي: حتى ضل عقلي]، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية [المائدة: ٩٠] (٢)، وقد روي أنّ عمر ﵁[دعا] فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تعالى:
стр. 5567
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فقال: انتهينا (١).
ولأنّ تحريم ذلك معلومٌ ضرورةً من [دين] النبي ﵇، وأنّه كان يدعو إلى ذلك ويتديّن به، كما يعلم من دينه وجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان.
وأمّا نقيع الزبيب والتمر، فحرامٌ، وقال شريك: هما حلالٌ.
والأصل في ذلك قوله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين" (٢)، و "مِنْ" للابتداء، وهذا يدلّ على أن ما كان منها على حدّ الابتداء، فهو [حرامٌ] (٣).
وقد روي عن ابن مسعود أنّه سئل عن السَّكَر يُتداوى به من الصَّفَرِ (٤)؟ فقال: إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم (٥)، والسَّكَر نقيع التمر، وقد علم من مذهب ابن مسعود القول بإباحة نبيذ التمر، فإذا زعم أنّ الله تعالى حرّم النيء، دلّ على أنه اعتقد إباحة المطبوخ خاصّةً، وهذا يبطل قول من قال: إنّ أبا حنيفة خالف الإجماع في شرط الطبخ في نبيذ التمر والزبيب.
قال: لأنّ السلف اختلفوا على قولين: فمنهم من قال بتحريمه بكلّ حالٍ، ومنهم من قال بإباحته بكلّ حالٍ، فشرط الطبخ يخالف إجماعهم؛ لأنّ تحريم
стр. 5568
ابن مسعود السَّكَر مع اشتهار قوله في إباحة نبيذ التمر؛ دلالةٌ على شرط الطبخ فيه.
وأمّا عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه، فهو حرامٌ عندنا، وقال حماد بن أبي سليمان: إذا طبخ حتى ينضج فهو مباحٌ، وهو قول بشر المريسي وبعض المتكلمين، وكان قول أبي يوسف الإباحة للمُنصَّف، وروي مثله عنه.
وقال عمر ﵁: يحل إذا ذهب ثلثاه [وبقي ثلثه] (١)، وهو قول أبي حنيفة، والدليل على تحريم طبخ العصير إذا لم يبلغ الحد الذي ذكرناه، ما روى الشعبي عن جابر ابن الحصين الأسدي: أنّ عمارًا أتاه كتاب عمر بن الخطاب إليه يأمره أن يأمر المسلمين بشرب العصير الذي طبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه، وأن عمارًا شربه، وأمر الناس به، وقال: هذا شرابٌ لم نكن نشربه حتى أمرنا أمير المؤمنين عمر ﵁ (٢).
وعن داود بن أبي هندٍ قال: قلت لسعيد بن المسيب: الطلاء الذي أحلّه عمر للناس ما هو؟ قال: الذي يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (٣).
ولا يجوز أن يقال: إنّما أباح ذلك عمر؛ لأنّه قيل له إنّه لا يسكر؛ وذلك لأنّ عمر أباحه لدفع ضرر الطعام، وذلك لا يكون مع الشدّة، والذي روي أنه قال حين رآه: ذهب حظّ الشيطان منه، وروي أنّه قال: ذهب شيطانه وريح جنونه، فلم يُرد بذلك [زوال] الإسكار، وإنما أراد زوال المعنى الموجب للتحريم، وهذا معنى قوله: ذهب حظ الشيطان منه.
стр. 5569
وإذا ثبت أنّه ﵁ حَدَّ في ذلك ذهابَ الثلثين بحضرة الصحابة، وكتب به إلى الأمصار من غير خلافٍ، دلّ على أنّ ذلك حدّ الإباحة؛ ولأنّ العصير إنّما يطبخ أدنى طبخ استصلاحًا للخمر، وحتى لا يفسد بالبقاء، واستصلاحها لا يجوز أن يكون سبب إباحتها.
٢٩٤٤ - فَصْل: [حِليّة شرب العنب والزبيبِ والعصير إذا طبخ]
[قال]: وأمّا العنب إذا طُبخ كما هو، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه يحل بأدنى طبخ، فذكر ذلك للحسن بن أبي مالك، فأنكره، وقال سمعت أبا يوسف يحكي (١) عن أبي حنيفة: أنّه لا يحلّ حتى يذهب ثلثاه.
وجه رواية الحسن: أنّ الزبيب إذا طبخ عاد إلى صفة العنب، وحلّ بأدنى طبخٍ، فإذا طبخ العنب فهو مثله.
وجه رواية أبي يوسف: أنّ العنب إذا طبخ، فالعصير قائمٌ فيه لم يتغيّر، فطبخه قبل العصر كطبخه بعد العصر، فلا يحلّ إلا بذهاب ثلثيه.
قال [أبو الحسن]: الخمر حرامٌ قليلها وكثيرها، ومن شرب منها قليلًا أو كثيرًا وجب عليه الحدّ، صرفًا شربها أو ممزوجةً.
أمّا تحريم قليل الخمر وكثيرها؛ فلأنّ الدلالة التي قدّمناها في التحريم لا تفصل بين القليل والكثير؛ ولأنّها محرمّةٌ عندنا باسمها، ولهذا قال ابن عباس: (حُرّمت الخمرة لعينها، والسُّكْرُ من كل شراب) (٢)، والاسم موجودٌ في القليل.
стр. 5570
أمّا وجوب الحدّ بها (١)، فلأنّ النبي ﵇ حدّ الشارب (٢)، ولا خلاف في ذلك.
وأمّا الممزوجة، فمتى كانت الخمر غالبةً، فالحدّ واجبٌ؛ لأنّ المقصود منها لا يزول [بذلك، ألا ترى أنّ الغالب على من شرب أن يمزجها بالماء، وإذا كان مقصودها لا يزول] وجب الحدّ، كما لو شربها صرفًا، فأمّا إذا غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها، فلا حدّ في شربها؛ لأنّ المقصود من الشرب يزول بهذا التغير، والحدود تجب في المقصود من كلّ نوعٍ، إلا أنّ شرب ذلك حرامٌ؛ لأنّ الحظر والإباحة إذا اجتمعا غُلّب الحظر (٣)، ولأنّها نجسةٌ عندنا، والنجاسة إذا خالطت الماء لم يجز شربه.
قال محمدٌ في الأصل - في العصير الحلو -: لا بأس بشربه، فإذا غلى وقذف بالزبد لم يجز شربه، ولم يجز بيع المسلمين له؛ وذلك لأنّه ما لم يغل