← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

النبي ﵊ أنه قال: "من أدرك ركعةً من الصلاة مع الإمام، فقد أدركها" (١)، بمعنى: أدرك فضيلتها. ومنها: أن سنّة الجماعة [آكد] (٢) من ركعتي الفجر؛ لأن الجماعة وركعتي الفجر قد ندب (٣) إليهما، وجاء وعيد في ترك الجماعة، وهو قوله ﵊: "لقد هممت أن أستخلف رجلًا يصلي بالناس، ثم أنظر قومًا يتخلفون عن الجماعة، فأحرق بيوتهم نارًا" (٤)، ولم يرد وعيد في ترك ركعتي الفجر. وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا أدرك الإمام في صلاة الفجر، فأمكنه أن يدرك منها ركعةً صَلَّى ركعتي الفجر خارج المسجد؛ لأنه يجمع بين الفضيلتين، فكان أولى من الاقتصار على أحدهما، وإن كان لا يدرك ركعة ترك ركعتي الفجر؛ لأن الجماعة آكد منها على ما بيّنا. ٦١٩ - فَصْل: [إتمام التطوع بعد الإقامة] فإن ابتدأ صلاة التطوع، فدخل فيها، ثم أقيمت الصلاة، أتمَّ الشفع الذي هو فيه، ثم سَلَّم ودخل مع الإمام؛ لأنه يقدر على إتمام النفل وإدراك الجماعة، فلم يجز قطع النفل، ولا يزيد على الشفع؛ لأن ذلك عندنا كابتداء صلاة أخرى، وقد بيَّنا أن الابتداء بالتطوع بعد إقامة الصلاة في المسجد لا يجوز. قال: فإن افتتح فريضةً، فإن كان صَلَّى أكثرها مضى عليها وسَلَّم.

стр. 597

وجملة هذا مبني على أصول: منها: أن الجماعة سنة مؤكدة، وقد قدمناه. ومنها: أنها ليست بواجبة؛ لأنها لو وجبت في الأداء، لوجبت في القضاء كسائر شروط الصلاة. ومنها: أن مَنْ صَلَّى الفرض ثم أعاد مع الإمام، كان الأول فرضًا، والثاني نفلًا؛ لِمَا روي عن النبي ﵊ أنه قال: "يا أبا ذر، كيف بك إذا كان أمراء السوء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها؟ " فقال: الله ورسوله أعلم، قال: "صَلِّ في بيتك، ثم اجعل صلاتك معهم سُبْحَةً" (١)، فدلّ على أن الثانية نفل. وروي أنه صَلَّى الفجر في مسجد الخيف، فرأى رجلين في ناحية المسجد لم يصليا، فقال: "عَلَيّ بهما"، فجيء بهما وفرائصهما ترعد، فقال: "أمسلمان أنتما؟ " قالا: نعم، قال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالا: صَلَّينا في رِحَالنا، فقال: "إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام فصليا معه، فإنها لكما نافلة" (٢). ومنها: أن النفل بعد الفجر وبعد العصر لا يجوز وإن كان له سبب، وقد قدمنا ذلك. ومنها: أن التنفّل بالوتر لا يجوز؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: "ما

стр. 598

أَجْزَت ركعة قط" (١)؛ ولأنه قدر لا يجوز الاقتصار عليه في الفرائض، فلا يجوز في النوافل كما دون الركعة. ومنها: أن من فعل أكثر صلاة (٢) الفرض لا يجوز أن يقطعها؛ لأنَّه أدى أكثر فرضه، فصار كما لو قعد مقدار التشهد. فإذا بيّنت هذه الأصول، قلنا: إذا افتتح الرجل الفجر في المسجد وحده، ثم أقيمت الصلاة، فإن كان صَلَّى ركعة فما دونها قطعها؛ لأنَّه لو ضمّ إليها ثانية وقعت عن الفرض وفاتته الجماعة، فاستدراك الجماعة أولى. قال: وإن كان سجد في الركعة الثانية، مضى عليها؛ لأنَّه أدّى أكثر الفرض، فلا يجوز له إبطاله، ولا يدخل مع الإمام؛ لأنَّه لو دخل كان متنفلًا بعد الفجر، وقد دلَّلْنا على أن ذلك لا يجوز. وأما إذا افتتح الظهرَ، ثم أقيمت الصلاة، فإن كان صَلَّى ركعةً، ضمَّ إليها أخرى، وإن كان صَلَّى ركعتين تشهَّد وسَلَّم؛ لأنَّه قدر على أن يجعل صلاته نفلًا، ولا يبطلها، ويستدرك الجماعة، فكان ذلك أولى من إبطالها. فإن كان سجد في الركعة الثالثة، مضى عليها؛ لأنَّه [يقدر على إتمامها إذ] أدى أكثر الصلاة، فلا يجوز له قطعها، ويدخل مع الإمام؛ لأن النفل بعد الظهر جائز، والتنفل بمثل عددها جائز. فأما العصر، فإن كان صَلَّى ركعةً [ضَمَّ] إليها أخرى، وإن كان صَلَّى

стр. 599

ركعتين سَلَّم، وإن كان سجد في الثالثة مضى عليها؛ لما قدمناه في الظهر، ولا يدخل مع الإمام؛ لأن التنفل بعد العصر لا يجوز. والعشاء الآخرة مثل الظهر؛ لأن التنفل بعدها يجوز بمثلها. وأما المغرب، فإن كان صلى ركعة قطعها؛ لأنَّه لو ضَمَّ إليها أخرى كان مؤديًا لأكثر الفرض، [فتفوته] (١) الجماعة، فقطع النفل أولى، وإن سجد في الركعة الثانية مضى عليها؛ لأنَّه أدى أكثر فرضه، ولا يدخل مع الإمام؛ لأنَّه لا يخلو: إما أن يصلي معه ركعتين ويسلِّم، أو يصلي ثلاثًا، أو يضم إلى الثلاث رابعة، ولا يجوز أن يدخل فيصلي [معه] ركعتين؛ لأن هذا دخول في بعض صلاة الإمام دون بعض، وذلك لا يجوز، ولا يجوز أن يصلي ثلاثًا؛ لأنَّه يصير متنفلًا بوتر، ولا يجوز ذلك كالركعة الواحدة، ولا يجوز أن يضم إليها أخرى؛ لأنَّه يلزم القعود في ثالثة النفل، وذلك مكروه، فلم يبق إلا أن لا يدخل مع الإمام. ٦٢٠ - فصل: قال: فإن جهل فدخل مع الإمام في المغرب، فإذا سَلَّم الإمام لم يسلم، وقام فشفع بركعة؛ وذلك لأنَّه يتنفل بالصلاة، وقد بيّنا أن التنفل لا يقع بالوتر (٢)، فإذا بدأ بالركعة الثالثة، كان ذلك إيجابًا للركعتين، [إذ الصلاة لا تكون أقلّ من ركعتين عندنا]، ومن وجب عليه أكثر من صلاة الإمام اتبع الإمام فيما يفعل، ثم كمَّل فرضه كالمقيم خلف المسافر (٣).

стр. 600

[١٣] بَابْ صلاة الوتر قال أبو الحسن: صلاة الوتر ثلاث ركعات، لا يفصل بينهنَّ بتسليمة. وعن الزهري: الوتر في شهر رمضان ثلاث ركعات، وفي غيره ركعة. وقال الشافعي: هو مخير: إن شاء أوتر بركعة، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشرة (١). لنا: ما روي عن ابن مسعود: "أن النبي ﵊ أوتر بثلاث ركعات، وقنت قبل الركوع قال: فلما كانت القابلة أنفذت أمي تراعي صلاته، فأوتر كذلك" (٢). وفي حديث عائشة: "أن النبي ﷺ كان يصلي بالليل أربعًا، ثم أربعًا، ويوتر بثلاث" (٣). وعن ابن مسعود: "أن النبي ﷺ قال: "وِتْر الليل ثلاث ركعات كوتر النهار المغرب" (٤).

стр. 601

[وعن ابن عباس]: "كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثماني ركعات، ويوتر بثلاث" (١). وقال الحسن: أجمع المسلمون أن الوتر ثلاث ركعات لا يسلِّم إلا في آخرهن، (وأوتر سعد بركعة، فأنكر عليه ابن مسعود، وقال: ما هذه البتيراء التي ما كنا نعرفها على عهد رسول الله ﷺ ) (٢). ولأنها صلاة وتر، فلا يقتصر فيها على ركعة واحدة كالمغرب؛ ولأن الوتر إن كان واجبًا لم يخيّر في أعدادها كسائر الواجبات، وإن كانت سنَّة فالسنن الراتبة لا يخيَّر فيها. وقوله ﵊: "إذا خشيت الصبح فأوتر بركعة واحدة" معناه: متصلة بما قبلها، بدلالة قوله ﵊: "يوتر لك ما تقدم" (٣). وما روي أنه قال: "من شاء أوتر بركعة، ومن شاء أوتر بثلاث أو بخمس" (٤)، فيجوز أن يكون قبل استقرار الوتر بدلالة أن الصلوات المستقرة لا يخيّر في أعدادها. قال: فإذا فرغ من القراءة في الثالثة كبَّر ورفع يديه حذاء أذنيه، ثم أرسلهما، ثم قنت.

стр. 602

والكلام في القنوت يقع في فصول: أولها: أن القنوت في الوتر يقع في جميع السَّنَة. وقال: الشافعي: في النصف الآخر من شهر رمضان (١). لنا: أن عليًّا، وابن مسعود (٢)، وابن عباس، روي عن كل واحدٍ منهم أنه راعى صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فقنت قبل الركوع، ويستحيل أن يتفق لجماعة مراعاته في وقت واحد من السنة. ولأنه ذكر زائد متعلق ببعض الصلوات، فتعلق بها بكُلِّ حال كتكبير العيد؛ ولأن الأذكار المسنونة المتعلقة بالصلاة لا تختلف بشهر رمضان وغيره كسائر الأذكار. والذي روي أن عُمَرَ جمع الناسَ على أُبي بن كعب، وقنت في النصف الأخير من رمضان، فمعناه أنه طول الصلاة وطول القيام، فسمي قنوتًا، يُبَيِّنُ ذلك: أن هذا إجماع ظاهر بحضرة السلف، ولم يقل بهذا القول غير الشافعي والليث، فكيف كان يخفى مثل هذا الإجماع على جميع الفقهاء. ٦٢١ - فَصْل: [محل القنوت في الوتر] والكلام في محل القنوت، فعندنا قبل الركوع، وقال الشافعي: بعده (٣). لنا: ما روي في الأخبار المتقدمة؛ ولأنه ذكر زائد، فكان محله قبل الركوع

стр. 603

كتكبير العيد. والذي روي أن النبي ﵊ رفع رأسه من الركوع، وقال: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين بمكة" (١)، فذلك في الفجر، وقد نسخ القنوت فيها عندنا (٢)، وكلامنا في القنوت في الوتر. ٦٢٢ - فصل: [كيفية التكبير في القنوت] وإنما قلنا: إنه إذا أراد القنوت، كبَّر ورفع يديه؛ لما روي عن عَلِيّ: "أنه كان إذا أراد القنوت، كبَّر وقنت" (٣)؛ ولأن هذا انتقال من حال إلى حال يخالفها، فالسنة فيها التكبير في سائر الأركان. وإنما يرفع يديه؛ لقوله ﵊: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن" (٤)، وذكر القنوت. وعن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة "رفع اليد عند ابتداء القنوت". وأما قوله: أرسلهما، فمعناه: أن لا يضع يمينه على شماله، ولا يبسط

стр. 604

يديه في الدعاء. وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: إذا كبّر للقنوت أخَذَ في الدعاء، وأرسل يديه، وأشر بأصبعه السبَّابة من يده اليمنى. وروي عن أبي يوسف: أنه يبسط يديه بسطًا في حال القنوت. وروى فرج مولى أبي يوسف: أنه كان يراه يشير بيديه في دعاء القنوت. لنا: قوله ﵊: "كفوا أيديكم في الصلاة" (١). وعن أنس: "كان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه، إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه" (٢). وعن سليمان بن موسى قال: "لم يحفظ عن رسول الله ﷺ أنه رفع يديه إلا في ثلاثة مواطن: الاستسقاء، والاستغفار، وعشية عرفة" (٣). ولأن الدعاء الموضوع في الصلاة لا يسن فيه بسط اليد كالتشهد. وجه قول أبي يوسف: أن بسط اليد من سنة الدعاء، بدلالة ما روى ابن عباس قال: "رأيت رسول الله ﷺ بعرفات باسطًا يديه كالمستطعم المسكين" (٤). وأما رواية الحسن في الإشارة بالأصبع، فقد ذكر الحسن في روايته: أنه

стр. 605

يُشير في حال التشهد أيضًا، وروي عن محمد ابن الحنفية: أن الإشارة في دعاء الرغبة: أن يجعل باطن راحتيه إلى السماء، والرهبة: أن يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث، والمسألة أن يشير بسَبَّابته. وتكلم أصحابنا المتأخرون في معنى قول محمد في الأصل: أنه يرفع يديه، ثمّ يرسلهما، فمنهم من قال: يرسلهما بمعنى: لا يضع يمينه على شماله في حال القنوت، والقيام الذي يفصل بين الركوع والسجود، وقيام الجنازة، ومنهم من قال: إنه يضع إحدى يديه على الأخرى في هذه الأحوال. ومعنى قوله: ثم يرسلهما، أي: لا يبسطهما. قال: ومقدار القيام في القنوت قدر سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، أو ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، (وقد اختلفت عبارة محمد في الأصل: ففي بعض النسخ يقول: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، أو ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (١)، وفي بعضها يذكر الواو، والصحيح: "أو"؛ لأن القنوت مقدار سورة، والدعاء في القنوت لا يتجاوز إحدى السورتين، وقد روي: "أن النبي ﵊ كان لا يطول في دعاء القنوت" (٢). وقد قال أصحابنا: ليس في ذلك دعاء مؤقت، ويدعو فيه بما شاء، وروي عن محمد أنه قال: توقيت الدعاء يذهب برقة القلب، وقد روي عن الصحابة في حال القنوت أدعية مختلفة، فدلَّ على أنه لا يتعين. قال: فإذا فرغ من القنوت كَبَّر ولم يرفع يديه وركع؛ لأن الانتقال من القيام

стр. 606

إلى الركوع يقع بالتكبير كسائر الصلوات. قال: وهي عندنا في كل ليلة على الرجال والنساء والمقيمين والمسافرين والمرضى. قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا: أن أبا حنيفة كان يقول: الوتر فريضة، ثم قال: سنة، ثم قال: واجب، وقال محمد وأبو يوسف: سنة مؤكدة. وجه قول أبي حنيفة في وجوبها: قوله ﵊: "إن الله تعالى زادكم صلاة إلى صلاتكم، ألا وهي الوتر، فصلُّوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" (١)، والزيادة إنما تكون على أمر مقدر، وقوله: "فصَلُّوها": أمر يفيد الوجوب، ثم خصّها بوقت [له أول وآخر]، والصلوات المختصة بالأوقات واجبة؛ ولأنها وِتر في الشريعة كالمغرب. وجه قولهما: قوله ﵊: "ثلاث كتبت عليّ ولم تكتب عليكم: الوتر، والضحى، وركعتا الفجر" (٢). وإذا ثبت من أصل أبي حنيفة أنها واجبة، لم يختص ببعض الناس دون بعض، وإذا ثبت لهما أنها سنة، لم يختص [أيضًا] كسائر السنن. قال: ويقرأ في كل ركعة منهن بالحمد وسورة، فإن ترك القراءة في ركعة

стр. 607

واحدة، فسدت الصلاة، وعليه الإعادة؛ وذلك لأن القراءة في الوتر تساوت في حال الركعات في الجهر وقراءة السورة مع الفاتحة، فلما تساوت في القدر والصفة، تساوت في الوجوب، فإذا ترك القراءة الواجبة بطلت صلاته. قال: وليس في الوتر قراءة سورة معلومة؛ لما قدّمنا: (أن النبي ﷺ نهى عن تحزيب القرآن)؛ ولأنه إذا عَيّن سورة بعينها لم يؤمن أن يعتقد وجوبها. وقد روي: "أن النبي ﵊ قرأ في الركعة الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (١). وعن عَلِيّ وابن مسعود: أنهما كانا يوتران بثلاث، يقرآن في كل ركعة سورة من المفصل. وعن ابن عمر: أنه كان يوتر بالمعوذتين، وهذا يدل على أن القراءة فيها لا تتعين. قال: فإن نسي القنوت حتى ركع ثم تذكر، مضى على ركوعه، ولم يرفع رأسه للقنوت؛ وذلك لأن هذه السُّنَّةَ من حكمها أن تفعل حال القيام، فإذا ركع فات موضعها، والسُّنَن إذا فاتت من حكمها (٢) لم تقض. وليس هذا كتكبير العيد؛ لأن من حكمه أن يفعل في حال القيام، وفيما أجري مجرى القيام؛ بدلالة أن التكبير التي يركع به، يفعل في حال الانحطاط،

стр. 608

وهي من تكبيرات العيد؛ فلذلك جاز أن يكبر في حال الركوع القائم مقام القيام. وليس هذا كمن ترك قراءة سورة، أو الفاتحة ثم ركع، أنه يعود إلى حال القيام، فيقرأ؛ لأن القراءة قد تقع مسنونة، وقد تقع واجبة؛ فلذلك لم تفت بفوات محلها. قال: ولا يوتر على الراحلة عند أصحابنا جميعًا. أما على أصل أبي حنيفة: فلأنها واجبة، فلا تفعل على الراحلة من غير عذر. وعلى أصلهما: أنها مسنونة، والمسنونات المؤكدات لا تفعل على الراحلة عند أصحابنا من غير عذر، وقد روي أن النبي ﵊: "أنه كان يتنفل على راحلته، فإذا بلغ الوتر، أوتر على الأرض" (١). قال: وأفضل أوقات الوتر، آخر الليل في آخر صلاته، فإن أوتر قبل ذلك، فحسن لا بأس به. والأصل في هذا: ما روي أن عائشة سئلت عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: "كل ذلك قد فعل، أوتر في أول الليل ووسطه وآخره، (واستقر في آخره) (٢) " (٣)؛

стр. 609

[ولأن الوتر] خاتمة صلاة الليل، فوجب أن يتأخر عنها. وقد قال أصحابنا: إن من كان يعتاد القيام لصلاة الليل، فالأفضل أن يوتر في آخر الليل، ومن كان يعلم أنه لا يقوم، فالأفضل أن يوتر قبل أن ينام؛ لأن الفائدة في تأخير الوتر، فلا يعرضها للفوات (١).

стр. 610

[١٤] بَابْ السهو الأصل في ثبوت سجود السهو: ما روي: أن النبي ﷺ سها فسجد، وقال في حديث ثوبان: "لكل سهو سجدتان بعدما يسلم" (١). وقد حكي عن أبي الحسن أنه قال: سجود السهو واجب، وليس بشرط في صحة الصلاة، وكان غيره من أصحابنا يقول: إنه سنة، وقد ذكر محمد في الأصل: إذا سها الإمام، وجب على المؤتم أن يسجد. فوجه قول أبي الحسن: أنها سجدة تفعل لعارض في الصلاة، كسجدة التلاوة؛ ولأن ما يفعل للبعض الداخل في العبادة، واجب كجبران الحج. وجه قول الآخرين: أن سجود السهو لا يقوم مقام الواجب، وإنما يقوم مقام المسنونات، فإذا لم يجب أصله، فأولى أن لا يجب ما قام مقام الأصل. قال الشيخ أبو الحسن: حكم السهو في جميع الصلوات حكم واحد، فرضها ونفلها، ما وجب به السهو في بعضها، وجب به السهو في جميعها؛ لقوله ﵊: "لكل سهو سجدتان" (٢). ولأن النفل يجب عندنا بالدخول (٣)، فيصير كالواجب في الأصل.

стр. 611

قال: ويكون السهو في ذلك لضربين: لترك فعل في موضعه مسنون فيه الذكر، أو لإدخال فعل في الصلاة ليس منها. فإذا كان الفعل المتروك ليس بذكر، وجب عليه سجدتا السهو، وإذا كان الفعل المتروك ذكرًا، لم يجب عليه سجدتا السهو، إلّا في أربعة أشياء: في القراءة، والتشهد، والقنوت، وتكبيرات العيد. قال رحمه الله تعالى: تحصيل هذا، أن من ترك من صلاته فعلًا مسنونًا وضع فيه ذكر مسنون، وجب عليه سجود السهو؛ لما روي عن النبي ﵊: أنه قام إلى الثالثة وسَبَّح به، فلم يرجع، وسجد للسهو (١). وأما [الوضع] (٢) الذي لم يوضع فيه كوضع اليمين على الشمال، وما جرى مجراه، فليس بمقصود في نفسه، فلا يجب به سهو، كالالتفات الذي يترك به التوجه. وأما زيادة الفعل إذا كان من جنس أفعال الصلاة، فالأصل فيه: "أن النبي ﵊ قام إلى الخامسة، فَسَبَّح به، فرجع وسجد للسهو"؛ لأنَّه زاد في صلاته القيام، "وصَلَّى الظّهر خمسًا، وسجد" (٣)؛ لأنَّه زاد في صلاته ركعة.

стр. 612

فأما الأذكار، فمن ترك القراءة المسنونة، مثل [ترك] فاتحة الكتاب، أو ترك السورة، فوجب عليه السجود؛ لأن القراءة المسنونة هيئة لركن (١)، فهي آكد من الفعل المسنون. ولم يذكر أبو الحسن: الجهر والإخفاء في التسمية؛ لأنَّه اكتفى بذكر القراءة، وقد قالوا إن الإمام إذا جهر فيما يخافت فيه، أو خافت فيما يجهر فيه، فعليه السجود؛ لأن الجهر مقصود في القراءة، فهو كالسورة المقصودة؛ ولأنها هيئة لركن، فإذا تركها لزمه الجبران كمن أفاض من عرفة قبل الإمام. واختلفوا في مقدار ما يتعلق به السهو من الجهر والإخفاء، فذكر الحاكم عن محمد أنه كان يقول: إذا جهر بأكثر الفاتحة، سجد، ثم رجع فقال: إذا قرأ ما يجزئ به الصلاة، وهذه رواية ابن سماعة عنه. وروى أبو سليمان عنه: إذا جهر بأكثر الفاتحة سجد، وإن جهر بغير الفاتحة بآية طويلة. وروى معلى عن أبي يوسف: [قال: إن] جهر بحرف، فعليه السجود. وجه قول محمد الأول: أن الجهر اليسير لا يحترز منه، وكذلك الإخفاء، فجعل الحد الفاصل أكثر الفاتحة؛ لأنَّه في حكم الكثير. وقال بعد ذلك: ما تجزئ به الصلاة؛ لأن القراءة ركن (٢)، فإذا ترك هيئته سجد.

стр. 613

فالذي رواه معلى بعيدٌ، ووجهه: أن ما وجب السهو في كثيره، وجب في قليله كالأفعال. وأما المنفرد إذا جهر في موضع الإخفاء، فلا سهو عليه؛ لأن الجهر والإخفاء ليس من سنته، [إنما] (١) زاد ما ليس عليه - وهو الجهر - فصار كالجهر بالأذكار، فإن أخفى في صلاة الجهر، فلا سهو عليه؛ لأنَّه مخير: إن شاء جهر، وإن شاء أخفى، فلم يدخل عليه بالإخفاء نقص [في صلاته]. فأما التشهد إذا تركه، ففيه سجود السهو؛ لأنَّه ذِكْر مسنون ممتد اختص به ركن من أركان الصلاة كالقراءة. وأما القنوت، ففيه سجود السهو بالإجماع؛ لأنَّه جعل علمًا على مخصوصة، فصار مقصودًا فيها لنفسه. وأما تكبير العيد؛ فلأنه ذكر زائد كالقنوت. وقد قالوا في تكبيرات الركوع والسجود: أنه لا سهو فيها. وقال مالك: إن ترك ثلاث تكبيرات فصاعدًا، سجد (٢). لنا: أنها ليست بمقصودة لنفسها، وإنما هي علامة لغيرها، كالتكبيرة الواحدة منها. وقد قالوا (٣): إن من ترك الاستفتاح ساهيًا، لم يسجد؛ لأنَّه ليس بمقصود

стр. 614

لنفسه، وإنما هو افتتاح الصلاة، فصار كالتعوذ المفتتح به القراءة. قال: ويقضي الفعل المتروك إذا لم يكن ذِكرًا ما لم يخرج من الصلاة، فإن خرج منها فسدت [صلاته]، إلا القعود في التشهد الأول، فإنه لا يقضى، ولا تفسد الصلاة بتركه كسجدة التلاوة، فإنها تقضى (١) ولا تفسد الصلاة بتركها. وأما قوله: إن الأفعال تقضى، فإنما يريد به: الأفعال الواجبة، وهذا إنما يتصور في السجدات. قال أصحابنا: إذا ترك سجدة من ركعة، قضاها وأتَمَّ صلاته. وقال الشافعي: لا يعتد بالركعة، وإنما تكمل [بسجدة من الركعة الثانية] (٢)، ويلغو ما بينهما (٣). لنا: أن السجود فرض متكرر، فلا يجب فيه الترتيب، كقضاء رمضان، [وأما الركوع] فلا يتصور فيه القضاء؛ لأنَّه متى لم يركع، لا يعتد [له بتلك الركعة] (٤)، فصار تاركًا لأكثر [أفعال] الركعة، فتلغو ركعته، ولا يتصور القضاء، وكذلك [لو] (٥) ترك السجدتين، لم تنعقد ركعته؛ لأنَّه لم يأت بأكثر أفعالها، والاعتداد يقع بأكثر أفعال الركعة. وأما إذا خرج من الصلاة وعليه منها سجدة واجبة [صُلْبية]، أو فعل

стр. 615

واجب، بطلت صلاته؛ لأنَّه يتعذر عليه بناء ما بقي بعد صحة الخروج، وإذا تعذر فعل الواجب، بطل ما مضى من الصلاة؛ لفقد بعض أركانها. وإن كان الواجب المتروك ليس من موجب التحريمة، لم يفسد بتركه، كسجدة التلاوة؛ لأنها وإن وجبت في الصلاة، فلم توجبها التحريمة، فتركها لا يبطل الصلاة، كمن وجب عليه في صلاته [أن يخلِّص غريقًا في الماء، أو مَنْ يحترق] (١) فتركه. وأما قوله: وسجدة التلاوة فتقضى، فمعناه: أن الواجب أن يسجد عقيب التلاوة، فإن أخَّرها عنها سجد ما دام في التحريمة؛ لأنها معتبرة بسجدات الصلاة، فبقي حكم فعلها (٢) ببقاء التحريمة. فأما بعد الصلاة، فلا تقضى؛ لأنها صارت من سنن الصلاة حين تليت فيها، وسنن الصلاة لا تفعل بعد الخروج (٣) منها. فأما القعدة الأولى، فقد قالوا: إن من قام قبل أن يقعد، فتذكر القعدة وهو إلى حال القعود أقرب، عاد إلى القعود؛ لأن محل الفعل (المسنون لم يفت) (٤)، ألا ترى أن من كان إلى حال (القعود أقرب، فهو في حكم القاعد، وإن كان إلى حال) (٥) القيام أقرب لم يقعد (٦)؛ لأن النبي ﵊ لما قام إلى الثالثة سُبحّ به، فلم

стр. 616

يرجع (١)؛ ولأن السنة فات [محلها] (٢). قال: فأما الذكر، فلا يقضى إذا فات موضعه، إلا القراءة [خاصة] (٣)؛ فإنها تقضى فيما بقي من قيام الصلاة. ومعنى ذلك: أنه إذا ترك القراءة في الأوليين، أو في إحداهما، قرأ في الأخريين، وهذا عندنا ليس بقضاء؛ لأن القراءة تجب في ركعتين غير معينتين، ففي أي الركعات (عيَّن، وقع عن الفرض) (٤)، وكذلك إذا ترك الفاتحة في الأوليين، لم تقض؛ لأن مسنون الركعتين الأخريين أن يقرأ فيهما الفاتحة، فإذا قرأ فيهما، وقعت عن مستحقهما، ولم تقع موقع القضاء. وإنما يتصور القضاء في فعل واحد: وهو أن يترك السورة في الأوليين، فيقرأ في الأُخريين فاتحة الكتاب وسورة، وهذه السورة قضاء؛ لأن القراءة الواجبة قد وقعت موقعها في الأوليين، ومن سنتها ضم السورة إليها، ولم يفت محلها؛ لأن الأخريين تجوز قراءة السورة فيهما إذا ترك القراءة في الأوليين، والسنن تفعل ما دام محلها باقيًا. وقد قالوا: إنه يقرأ في الأخريين ويجهر، ذكر ذلك في الجامع الصغير (٥)، ولم يقل: إنه يجهر بهما، أو بالسورة خاصة. وروى ابن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنه يجهر بالسورة،

стр. 617

ولا يجهر بفاتحة الكتاب. وورى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنه لا يجهر بهما. فأما الرواية التي قال: إنه يجهر بالسورة خاصة؛ فلأن فاتحة الكتاب مفعولة في محلها، ومن سنتها الإخفاء، والسورة قضاء، ومن سنتها الجهر، فتقضى كما فاتت (١). وجه الرواية الأخرى: أن الجهر يقبح أن يكون في الركعة في بعض قراءتها دون بعض، (فلما سقط في الفاتحة، سقط فيما بعدها) (٢). قال: وتكبيرات العيد تقضى في ركوع تلك الركعة التي هو فيها، فإذا رفع رأسه منه، لم يقضه، وقد بيّنا هذا في "باب صلاة العيد". ٦٢٣ - فَصْل: [موقع سجود السهو] قال: وسجود السهو كله بعد السلام، كائنًا ما كان في الزيادة والنقصان، يُكَبِّر بعد سلامه الأول، ويخر ساجدًا، ويسبح في سجوده، ثم يرفع رأسه، ويكبر ويسجد ويسبح، ثم يرفع، فيكبر ثم يتشهد، ويدعو بما أحبّ بعد التشهد مما يشبه ما في القرآن (٣)، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، ولا يدعو في غير تشهد السهو، إذا كان عليه سهو أخَّرَ الدعاء إلى تشهده، ثم يسلم عن يمينه وعن شماله.

стр. 618

أما الكلام في محل السجود، فعندنا بعد السلام، وقال مالك: إن كان من نقصان، فقبل السلام، وإن كان من زيادة، فبعد السلام، وقال الشافعي: قبل السلام فيهما (١). لنا: قوله ﵊: "لكل سهو سجدتان بعدما يسلم" (٢). وفي حديث ابن مسعود: أن النبي ﵊ قال: "إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلَّى أم أربعًا، تحرى أقرب ذلك إلى الصواب، وسَلَّم، وسجد سجدتي السهو، وتشهّد وسَلّم" (٣). وروى ابن مسعود (٤) وأبو هريرة (٥): أن النبي ﷺ سجد للسهو بعد السلام. وروى المغيرة: أن النبي ﷺ قام إلى الثالثة، وسجد بعد السلام (٦).

стр. 619

ولأن هذه السجدة لا تفعل عقيب سببها، فلا تفعل في نفس التحريمة كالمنذورة، [وعكسه سجدة التلاوة]. والذي قاله مالك ليس بصحيح؛ لأن المغيرة روى: "أن النبي ﷺ قام إلى الثالثة ولم يقعد، وسجد بعد السلام" (١). ولأن الزيادة في الصلاة نقص في حكمها، فجرت الزيادة والنقصان مجرًى (٢) واحدًا. وأما قوله: إنه يسجد للسهو بتكبيرة، ويرفع بتكبيرة، ويُسَبِّح في السجود؛ فلأنها معتبرة بسجدات الصلاة، فيفعل فيها ما يفعل في سجداتها. وأما التشهد بعدها؛ فلحديث ابن مسعود (٣). وروى المغيرة: "أن النبي ﷺ تَشَهَّد بعد سجدتي السهو" (٤). ولأنه يعود بهما إلى حكم التحريمة، فيحتاج إلى الخروج، والسنة أن يتقدم على الخروج التشهد. وأما السلام؛ فلأن النبي ﷺ ذكر في حديث ابن مسعود سلامين (٥)؛ ولأنه

стр. 620

عاد إلى حكم التحريمة، فلا بد من التحلل منها. فأما الدعاء، فمن حكمه أن يتأخر عن الأفعال والأذكار الموضوعة في الصلاة، بدلالة قوله ﵊ لابن مسعود: "إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك" (١). ثم قال: ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت، ومعلوم أن مَنْ عليه السهو قد بقي عليه بعد التشهد الأول أفعال، فيجب أن يؤخر الدعاء عنها، فصارت القَعْدَة قبل السجدتين في حقه كالقعدة الأولى في الصلاة، والقعدة الموضوعة بعد السجدتين كالقعدة الأخيرة، فليدعو فيها بما شاء. فأما قوله: إنه لا يدعو بما يشبه كلام الناس، فَلِمَا روي: "أن سعدًا سمع ابنه يدعو في صلاته، فقال: يا بُني، إياك والاعتداء في الدعاء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون قوم من أمتي يعتدون في الدعاء"، وتلا قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] "، ثم قال: "إنما يكفيك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل" (٢). ولأن الدعاء مما يشبه كلام الناس بغير هيئة الصلاة، كسائر أنواع الكلام. قال: وإن سها في سجود السهو، فلا سهو عليه؛ وذلك لأنَّه لو سجد،

стр. 621

لتكرر سجود السهو في صلاة واحدة؛ ولأنه لو سجد للسهو في السجدتين، جاز أن يسجد في السجود الثاني، فيؤدي إلى إثبات سجود لا نهاية له. وقد قالوا في رواية الأصول: مَنْ سجد قبل السلام أجزأه؛ لأنَّه سجد بعد الفراغ من صلاته، فلو لم يعتد به، لتكرر سجود السهو في صلاة واحدة. وروي عنهم: أن ذلك لا يعتد به؛ لأنَّه سجود في نفس التحريمة، فهو كسجود في وَسَط الصلاة. قال: ومن أدرك سجود السهو مع الإمام، فقد أدرك الصلاة، ويفعل كما يفعل إذا أدركه في سجود الصلاة؛ لأن من أصل أبي حنيفة: أنه إذا سجد عاد إلى التحريمة حكمًا، والمدرك لحكم التحريمة، مدرك للصلاة. ومن أصل أبي يوسف: أنه إذا سجد بَانَ أنه لم يخرج من الصلاة، والمدرك له، مدرك لنفس الصلاة. وعند محمد: أنه لا يخرج بالسلام، فالمدرك، مدرك للصلاة. وإنما يظهر الخلاف إذا أدركه بعدما سَلّم قبل أن يسجد، فترك الإمام سجود السهو، قال أبو حنيفة: لا يصح دخوله، وقال محمد: دخوله صحيح. وجه قول أبي حنيفة: أنه سلام بعد الفراغ من موجب التحريمة، فوقع به الخروج، كمن سلّم ولا سهو عليه؛ ولأنه لو لم يخرج بالسلام، لكان سجود السهو مفعولًا في نفس (١) الصلاة، وكان لا يغني لتقديم السلام عليه. وأما محمد فقال: لو صَحَّ خروجه، لم يعد كمن سَلّم في خلال صلاته

стр. 622

عامدًا، وإنما هذا السلام للفصل بين القعدتين، ولا يمتنع أن يكون السلام في الأصل موضوعًا للخروج، ثم يقع مثله للفصل كما أن التكبير موضوع للافتتاح، ثم يفعل في خلال الصلاة للفصل. فأما أبو يوسف فقال: لو صح الخروج، لم يجز العود، فلما كان بالسجود في حكم التحريمة، تبين أنه لم يخرج بالتسليم، وإذا لم يسجد فقد سلم، ولم يبق عليه شيء من موجب التحريمة، ولا من موجب موجبها، فصح خروجه. وإذا ثبت ما قال أبو حنيفة، فإن عاد الإمام إلى السجود، عاد إلى حكم التحريمة، فصَحَّ دخول الداخل معه، وإن لم يعد فقد دخل بعد خروجه من الصلاة، فلا يعتد بدخوله، وعلى قول محمد: هو داخل بكل حال؛ لأنَّه لم يخرج من صلاته، فأما أبو يوسف، فلا يتبين خلافه إلا في العبارة. قال: ومن سها عن التشهد الأول حتى قام، لم يعد، فإن سها عن الثانية حتى قام، عاد وتشهد وسَلَّم وسجد للسهو فيهما؛ وذلك لما روي: "أن النبي ﷺ قام إلى الثالثة فسبح به، فلم يعد، وقام إلى الخامسة فسبح به فعاد"؛ ولأن القعدة الأولى مسنونة، فإذا قام، فالتشاغل بفروض الصلاة أولى من التشاغل بالسنن. وأما القعدة الأخيرة فهي فريضة، فالعود إليها أولى من التشاغل بما ليس بفرض. هذا الفرق إن كان أراد بقوله: القعدة الأولى والأخيرة، وإن كان أراد بقوله: الأولى، (قعد ولم يتشهد)، فهو صحيح أيضًا. والفرق بينهما: أنه إذا قام إلى الثالثة، فقد فات محل الذكر المسنون فسقط،

стр. 623

فإذا قام إلى الخامسة، وجب عليه العود للسلام، فإذا عاد، فمحل التشهد باقٍ، [فيجب أن يأتي] (١) به. قال: ومن سها مرارًا في صلاته، فإنما عليه سجدتان فحسب، كثر السهو أو قَلَّ؛ وذلك لِمَا روي: "أن النبي ﷺ قام إلى الثالثة فسبح به، فلم يرجع وسجد سجدتين" (٢)، ومعلوم أنه ترك القعدة، وترك قراءة التشهد، وكل واحد منهما لو انفرد [لوجب سجود] (٣) السهو، ولم يسجد إلا سجدتين؛ ولأن سجدة السهو أخرت عن سبب وجوبها؛ لجواز أن يسهو ثانيًا، فلو لم يقع لكل سهو في الصلاة، لجعلت عقيب سببها. قال: وإنما السهو على الإمام أو من يصلي وحده، ولا سهو على من يصلي خلف الإمام بحال إذا سها فيها أدرك فيه الإمام، وكذلك إن نام خلف الإمام ثم انتبه، وقد سبقه الإمام، فإنه يبتدئ بما نام عنه، فإن سها فيه، لم يكن عليه فيه سهو. وكذلك إن أحدث، فذهب يتوضَّأ، ثم جاء وقد سبقه الإمام بشيء من الصلاة، فإنه يبدأ بما سبقه الإمام، ولا سهو (٤) عليه إن سها فيه، فإن سها فيما يقضي مما سبقه الإمام به سجد للسهو. وإنما لم يجب بسهو المأموم مع الإمام سجود؛ لأنَّه إذا سجد وحده ترك

стр. 624

متابعة الإمام وخالفه، وقد قال ﵊: "لا تختلفوا عن أئمتكم" (١)، وإن سجد الإمام معه، صار تبعًا له حين لزمه السجود بسهوه، وهذا لا يجوز. وكذلك المدرك لأول الصلاة إذا نام أو أحدث فسبقه الإمام؛ لأنَّه فيما يقضي [ليس كالمنفرد، بل هو] في حكم من خلف الإمام، فلا يسجد للسهو. وأما من لم يدرك أول الصلاة إذا قام يقضي فسها، يسجد؛ لأنَّه في حكم المنفرد، بدلالة أنه يقرأ، ولا يوقع أفعاله على حسب فعل الإمام؛ فلذلك يسجد للسهو. قال: وعلى المأموم اتباع الإمام في سجود السهو إن كان خلفه في حال سهوه أو دخل معه بعد ذلك؛ لقوله ﵊: "فإذا سجد فاسجدوا" (٢)؛ ولأن السهو أوجب نقصًا في تحريمة الإمام، وصلاة المأموم مبنية عليها، فصار ذلك نقصًا في صلاته. قال: فإن كان مسبوقًا لم يُسلّم إذا سَلَّم الإمام، ولم يقم إلى قضاء ما عليه حتى يسلم الإمام، وينتظر حتى يسجد الإمام للسهو، فيسجد معه، فإذا سلَّم الإمام من السهو، قام فقضى ما عليه، ولم يتابعه في السلام؛ لأن السلام للخروج من الصلاة، ولا يجوز [له] الخروج مع بقاء أركانها. فأما المتابعة في سجود السهو؛ فلأن المؤتمَّ لا يجوز له الاشتغال بالفائت

стр. 625

حتى يفرغ الإمام من صلاته، فصار بقاء سجود [السهو عليه كبقاء سجدة صلبية]، فتابعه فيها. ولا يقال: إنَّ هذا يؤدي إلى أن يحصل سجود السهو في وسط [صلاة المؤتم]. قلنا: لا يمنع أن يتغير ترتيب الأفعال [عليه] لأجل المتابعة، كما أن المدرك لآخر ركعة من المغرب يقعد مع الإمام ثم يقعد في الأخريين، فيصير في كل ركعة من صلاته قعدة لأجل متابعة الإمام. قال: فإن لم يسجد مع الإمام حتى قام إلى قضاء ما عليه، سجد في آخر صلاته استحسانًا. وجه القياس: أن هذا السجود يفعل على طريق المتابعة، وقد فاتت المتابعة، فصار كالسجدتين اللتين يدرك إمامه فيهما. وأما الاستحسان فلأن النقص في صلاة الإمام نقص في صلاة المأموم، فكأنه سها بنفسه [فيسجد]. قال: وإن ترك الإمام سجود السهو، فلا سجود على المأموم؛ لأنَّه يفعله على وجه المتابعة، فإذا لم يفعله الإمام سقط عنه؛ ولأن سهو الإمام أكثر أحواله أن يكون كسهو المؤتم، فإذا لم يلزمه أن يسجد لسهوه؛ لأنَّه يخرج به عن متابعة الإمام؛ فلأن لا يلزمه لسهو الإمام [إذا لم يفعله] أولى. قال: وإذا سجد المسبوق مع الإمام متبعًا له، ثم سها فيما يقضي، فعليه سجود آخر؛ لأنَّه فيما يقضي [في] حكم المنفرد، فتعلق بسهوه السجود، والسجود المتقدم لا ينوب عما بعده، فيلزمه سجود آخر.

стр. 626

ولا يقال: فكيف يجب في صلاة واحدة سجود [السهو] مرتين. قلنا: هما في حكم صلاتين؛ بدلالة اختلاف شرائطهما. قال: وإن دخل مع الإمام في سجود السهو، سجد معه، فإن كان دخل فأدرك سجدة واحدة معَ الإمام، لم يقض سجدة السهو التي فاتته؛ وذلك لأنَّه لو دخل معه بعدهما لم يقضهما لفوات المتابعة فيهما، فكذلك إذا فاتت إحداهما. قال: وإِن سَلّم المسبوق حين سلم الإمام ساهيًا، فإنه يبني على صلاته، وعليه سجدتا السهو؛ وذلك لأن سلام الساهي لا يرفع التحريمة؛ بدلالة أنه من أذكار الصلاة، فإذا لم يقصد به الخروج منها، لم ينافها كسائر أذكارها. وإنما لزمه سجود السهو؛ لأنَّه لم يخرج بالسلام من الصلاة، فصار كالساهي بعد الإمام، فيلزمه سجود السهو. قال: ومن سَلَّم عن يساره قبل أن يسلم عن يمينه [ساهيًا، فلا سهو عليه]؛ لأنَّه سها بعد الخروج من الصلاة، فصار كالساهي في غير الصلاة. قال: ومن سَلّم وعليه سهو، ففعل ما يقطع الصلاة، لم يسجد للسهو، ومضت صلاته، وقد أساء؛ وذلك لأن سجود السهو مفعول على حكم التحريمة، فلا يجوز أن يفعل بعد وجود ما ينافيها، وصلاته تامة؛ لأن سجود السهو ليس بواجب على ما قدمنا، فتركه لا يبطل الصلاة. وعلى قول أبي الحسن: هو واجب، إلا أنه ليس من موجب التحريمة فلا يفسدها تركه. قال: وإذا طلعت الشمس بعد أن سَلَّم، أو احمرت بعد أن سلم من صلاة

стр. 627

العصر، وعليه سهو، لم يسجد؛ لأن سجود السهو معتبر بسجود الصلاة، فلا يفعل في وقت لا يجوز فعل الصلاة فيه. قال: وإذا شك الرجل في صلاته، ثم استيقن، فإن كان طال فكره، فعليه سجود السهو، وإن كان لم يطل، فلا سهو عليه؛ وذلك أنه إذا طال، فقد أخّر أركان الصلاة عن مكانها، وزاد فيها فعلًا ليس منها، وإذا لم يطل، فلم يأخر الأركان، وإنما عرض له فكر، وذلك لا يخلو منه المصلي. قال: وإِن شَكَّ فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإن كان هذا أول ما أصابه استقبل الصلاة، وإن كان يلقى هذا كثيرًا تحرَّى أكبر رأيه، فيبني عليه ويسجد للسهو. أمّا إذا كان أول ما عرض له؛ فلقوله ﵊: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١)؛ ولأنه يقدر على أداء فرضه بيقين، ولا يؤديه بالشك، كمن يقدر على التوجه إلى القبلة [بيقين]، لا يجوز له أن له أن يجتهد. وأما إذا يعرض له كثيرًا، كان أبو الحسن يقول: معناه: أن الشَّكَّ يعتاده حتى يصير غالب حاله، وكلما أعاد شَكّ، فهذا لا يتوصل إلى أداء فرضه بيقين إلا بمشقة، فجاز له أن يرجع إلى الاجتهاد، وقد قال أصحابنا: إن الشَّاكَّ يتحرى، هذه رواية الأصول. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يبني على اليقين، وهو قول الشافعي (٢).

стр. 628

وجه قولهم المشهور: حديث ابن مسعود: "أن النبي ﷺ قال: "من شَكَّ في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليتحرَّ أقرب ذلك إلى الصواب، وليَبْنِ عليه، وليسجد سجدتي السهو" (١). ولأنه يجوز الرجوع إلى الاجتهاد في جهة القبلة، وهو فرض يلزم من أول الصلاة إلى آخرها، فلأن يجوز الرجوع إلى الاجتهاد في ركن منها أولى. وكان أبو بكر الرازي يقول: إن الشَّاكَّ في أركان الحج، إذا كان ممن يكثر له الشك، تحرى كالصلاة، وكان غيره من أصحابنا يقول: إنه يبني على اليقين ويفصل بينهما؛ لأن الزيادة في الصلاة تفسدها كما يفسدها النقصان؛ فلذلك يرجع إلى التحري، وفي أركان الحج إذا تكررت لا يفسده؛ فلذلك بني على اليقين. والذي روي في حديث أبي سعيد الخدري: "أنَّ النبي ﷺ قال: "من شَكَّ في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا بنى على اليقين" (٢)، فمحمول على من لا ظن له [ولا تحرّي]؛ لأن الشاك من تساوت جهات الظن عنده، وقد روي عن أبي سعيد مثل قولنا؛ لأنَّه سئل عن الشاك في الصلاة فقال: يتحرى، فقيل له: أعَنْ نفسك أو عن رسول الله ﷺ ؟ فقال: عَنْ رسول الله ﷺ (٣).

стр. 629

بَابْ الحدث في الصلاة قال أبو الحسن: وإذا سبق الرجلَ الحدثُ في الصلاة، إمامًا كان أو مأمومًا، انصرف فتوضَّأ وبنى على صلاته إن أحب، ما لم يحدث شيئًا يفسد الصلاة [لو لم يكن أحدث]؛ إلّا أن يكون معنًى لابد له منه كالمشي إلى وضوئه، والاغتراف من الإناء، فإن استسقى ماءً لوضوئه، أو تكلَّم، أو طعم، أو شرب، أو فعل شيئًا من سائر الأفعال التي توجب فساد الصلاة غير ما استثني مما لا بد له منه، فصلاته فاسدة. وقد كان القياس عندنا: ألا يجوز البناء؛ لأن الصلاة لا يجوز فعلها إلا بطهارة، والحدث أبطل الطهارة، فبطلت الصلاة ببطلانها؛ ولأنه يمشي في صلاته، ويستدبر القبلة من غير ضرورة، وهذا مما لا يجوز. إلا أنهم استحسنوا لِمَا روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قاء في صلاته، أو رعف، فلينصرف وليتوضَّأ وليَبْنِ على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم" (١). وروي البِنَاء مع الحدث عن أبي بكر، وعمر، وعَلِيّ؛ ولأنه حدث موجبه الوضوء طرأ على صلاته، يعني: فعل الحدث، فلم ينف البناء، كدم المستحاضة. وإنما شرط أن لا يفعل فعلًا ينافي الصلاة إلا ما لابد [له] منه؛ لقوله ﵊:

стр. 630

"ما لم يتكلم"، فشرط في جواز البناء ترك الكلام؛ لأنّ له منه بدًا، وهذا المعنى موجود في كل فعل له منه بد. فأما المشي والاغتراف من الإناء، فلا بد له منه، فسقط حكمه لأجل العذر. قال: وإن توضأ (١)، واستقبل الصلاة، كان أفضل؛ وذلك لأنَّه يؤدي فرضه من غير مشي ولا اختلاف، فهو أولى من أدائه مع الاختلاف. قال: وهذا في الأحداث الخارجة من بَدَنه إذا سبقته من غير تعمد منه لذلك؛ فإن تعمد ذلك استقبل؛ لأن القياس يقتضي الاستئناف في الجميع، وإنما ورد الخبر فيما كان بغير فعله، وما سواه [باق] على أصل القياس. فإن أغمي عليه، أو جُنَّ استأنف؛ لأن الإغماء والجنون وإن حدث بغير فعله، إلا أنه يبقى بعدهما على حاله، فيصير كمن سبقه الحدث فبقي في مكانه ولم ينتقل، بطلت صلاته؛ لأنَّه أدَّى جزءًا منها مع الحدث. قال: وإن قهقه استقبل؛ لأن القهقهة حدث بغير فعله، إلا أنها في معنى الكلام، والكلام يبطل الصلاة بكل حال، فصار كمن [تكلم بعدما] سبقه الحدث. قال: وكذلك إن نام في صلاته، فاحتلم اغتسل واستقبل، وكذلك إن نظر إلى امرأته فأنزل، وقد كان القياس [عندهم] أن يبني مع الاختلاف؛ لأنَّه حدث بغير فعله كالحدث الموجب للوضوء، وإنما استحسنوا فقالوا: يستأنف، وهذا رجوع إلى قياس الأصل، سموه استحسانًا، وكان القياس على الاستحسان خلافه.

стр. 631

والوجه في ذلك: أن القياس يقتضي وجوب الاستئناف، وإنما تركوا القياس للأخبار، وقد وردت فيما يوجب الوضوء، وهو عمل يسير، والغسل عمل كثير، وما دل على العفو عن قليل الفعل لا يستدل به على كثيره؛ ولأن المغتسل لا يتمكن من الاغتسال إلا بكشف عورته؛ لأنَّه إما أن يخلع ثيابه أو يجافيها مجافاة يطلع على عورته، وكشف العورة يوجب فساد الصلاة، فصار كالمحدث إذا كشف عورته. قال: وإن عمل المحدث شيئًا من الصلاة بعد الحدث الذي سبقه، فسدت صلاته؛ لأنَّه أدَّى جزءًا منها مع الحدث، وذلك يفسد الصلاة. قال: فإن كان الحدث في آخر الصلاة فعل ما وصفت لك من الوضوء والبناء؛ وذلك لأنَّه يحتاج إلى الخروج، وذلك لا يجوز من غير طهارة، فلا بد من الطهارة ليأتي بالسلام. فإن فعل شيئًا مما يفسد صلاته، فسد ما بقي من صلاته، ولا إعادة عليه؛ وذلك لأنَّه لم يبق عليه فرض من فروض الصلاة، ففساد ما بقي لا يؤثر في فساد ما مضى. قال: وإذا توضأ في ذلك [كله] عاد إلى مكانه، فتمم ما بقي عليه من صلاته، وإن بنى في منزله ولم يعد إلى مكانه أجزأه؛ وذلك لأنَّه إن صَلَّى في منزله، أدَّى الصلاة في مكانين، إلا أن المشي فيها يقل، فإن عاد إلى المسجد أداها في مكان واحد وكثر العمل فيها، فصار في كل واحد من الأمرين كراهة من وجه، وفضيلة من وجه، فخيّر بينهما. قال: إلا أن يكون المحدث مأمومًا، فلا يجزئه أن يبني في منزله إلا أن

стр. 632

يكون إمامه قد فرغ من صلاته؛ وذلك لأن المأموم قد أخذ عليه في متابعة الإمام، فإذا تركها مع القدرة لم تصح صلاته، فأما إذا فرغ الإمام فلم يبق عليه متابعة [الإمام] فصار كالمنفرد. قال: ويقضي ما سبقه به الإمام بعد حدثه بغير قراءة، ولا سهو عليه إذا سها فيه، وكذلك من نام خلف الإمام فاستيقظ؛ لأنَّه أدرك أول الصلاة، فصار في حكم من [هو] خلف الإمام، فلا يقرأ ولا يسجد للسهو؛ ولأن ما يفعله يأتي به على طريق المتابعة [للإمام]، فصار كالإمام إذا سبق المؤتم بركن ثم فعل المؤتم ذلك الركن، فإنه يفعله كما يفعل في حال مشاركته. وليس هذا كالمسبوق؛ لأنَّه لم يدرك التحريمة، فلم يبنِ على ترتيبها، وإنما لزمه متابعة الإمام فيما [أدركه] (١)، فأما بعد ذلك، فقد سقطت المتابعة فيه، وصار مؤديًا لفرض نفسه؛ ولهذا يبتدئ المدرك بما فعله الإمام، ويبتدئ المسبوق بما أدرك فيه الإمام. فإن كان المصلي متيمِّمًا، أو ممن يلزمه الوضوء بخروج الوقت، فوجد الماء في صلاته، أو خرج الوقت وهو فيها، أعاد الوضوء والصلاة، ولم يجزئه البناء في أي حال كان ذلك من الصلاة؛ لأن هذه المعاني توجب الوضوء بسبب سابق للتحريمة، فيصير كالمؤدي لما مضى من صلاته مع الحدث بإجماع، فلا يصح البناء عليها. وإن حصل ذلك بعدما قَعَد قدر التشهد، فهو كذلك عند أبي حنيفة، وهذه من جملة المسائل المعدودة، وقد تقدم الكلام فيها.

стр. 633

قال: وإن أصابَ المصلي حدث بغير فعله، بأن رماه رجل بحجر فشجَّه، فسأل الدم على ثوبه، فإنه ينصرف ويتوضَّأ ويغسل الدم عنه، ويستقبل [الصلاة] عند أبي حنيفة ومحمد، ويبني عند أبي يوسف. وجه قولهما: أن هذا حدث حصل بفعل الغير، فصار كما لو حدث بفعل المصلي بنفسه، فصار كالحدث بفعل الله تعالى؛ [ولأن القياس يمنع البناء، وإنما تركوا القياس في الحدث بفعل الله تعالى؛ لقيام الدلالة عليه، وما سواه فهو على أصل القياس] (١). وإذا كانت النجاسة بحدث سبقه، توضَّأ وغسلها وبني؛ لقوله ﵊: "من قاء في صلاته، أو رعف في صلاته، فلينصرف وليتوضَّأ"، والقيء لا يخلو من نجاسة يجب إزالتها؛ ولأن هذا في حكم التابع للوضوء فيبني معه كما يبني مع الوضوء. وقد قال محمد فيمن سبقه الحدث: إذا احتاج إلى الاستنجاء، فإن استنجى من تحت ثيابه أجزأه البناء، وإن كشف ثيابه لم يصح البناء؛ لأن كشف العورة لا حاجة به إليه، فصار (٢) كالكلام.

стр. 634

بَابْ الاستخلاف قال أبو الحسن: كل حدث يصح معه البناء على الصلاة، فللإمام أن يستخلف فيه، والأصل في جواز الاستخلاف ما روى ابن عباس: "أن النبي ﷺ لمّا خرج وأبو بكر يصلي بالناس، افتتح القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر" (١)، فانتقلت الإمامة إليه؛ لأن أبا بكر تعذر عليه المضي، وهو التقدم على رسول الله ﷺ ، فكذلك المحدث قد تعذر عليه، فانتقلت الإمامة إلى غيره. وقد روي: "أن عمر استخلف في صلاة الظهر رجلًا يليه"، و "رعف علِيّ في الصلاة، فاستخلف"، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكير؛ ولأن سبق الحدث لا يبطل الصلاة، فلا يخلو: إما أن يستخلف الإمام، أو يصلوا منفردين، أو ينتظروه حتى يعود، ولا يجوز أن يصلوا منفردين؛ لأن فرض الجماعة وفرض المنفرد مختلف، فإذا أوجبت التحريمة أحد الأمرين، لم يجز أن يخرج [منه] إلى الآخر، ولا يجوز أن ينتظر الإمام؛ لأن هذا يؤدي إلى بقاء المؤتم في المسجد بغير إمام، فلم يبق إلّا الاستخلاف فيه. قال: وما لا يصح معه البناء، فلا استخلاف فيه، وهذا كحدث العمد؛ لأنَّه أفسد الصلاة، فلم يجز البناء مع الفساد.

стр. 635

قال: والإمام المحدث على إمامته ما لم يخرج من المسجد، أو يقوم المستخلف في مقام ينوي أن يؤم فيه الناس، أو يستخلف القوم فيه غيره، فإذا كان شيء من ذلك خرج الإمام من إمامته؛ لأنَّه إذا استخلف فتقدم الخليفة، وصار هو الإمام، خرج الأول من الإمامة؛ لأنَّه لا يجتمع في الصلاة إمامان. وكذلك إذا استخلف القوم؛ لأن الإمام إذا لم يستخلف، فالقوم مأمورون بتصحيح صلاتهم، ولا يمكنهم تصحيحها إلا بالتقديم، فجاز لهم ذلك، وإذا صار الثاني إمامًا، خرج الأول من الإمامة. قال: وإن لم يستخلف الإمام ولا القوم حتى خرج الإمام المحدث من المسجد، فسدت صلاة القوم، ويتوضأ الإمام، ويبني على صلاته، وهذه الرواية المشهورة؛ وذلك لأن الإمام إذا لم يستخلف في الحال، فالقياس أن تبطل الصلاة؛ لأنَّه خرج من الإمامة بالحدث، فبقي المؤتمون لا إمام لهم، [فبطلت صلاتهم]. وإنما استحسنوا ما دام في المسجد؛ لأن بقاع المسجد كالبقعة الواحدة، بدلالة جواز الصلاة في آخر المسجد بصلاة الإمام؛ ولأن أبا بكرة كبّر عند باب المسجد ومشى إلى الصف، فلم يبطل ذلك صلاته، فما دام الإمام في المسجد، فكأنه في مكانه، فإذا خرج، فخارج المسجد لم يجعل في حكم المسجد، ففسدت الصلاة على أصل القياس. وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن الصفوف إذا كانت متصلة خارج المسجد، فخرج الإمام واستخلف رجلًا من الصفوف الخارجة، بطلت صلاة القوم، وقال محمد: لا تبطل.
следующие страницы →