والوجه في ذلك: أن القياس يقتضي وجوب الاستئناف، وإنما تركوا القياس للأخبار، وقد وردت فيما يوجب الوضوء، وهو عمل يسير، والغسل عمل كثير، وما دل على العفو عن قليل الفعل لا يستدل به على كثيره؛ ولأن المغتسل لا يتمكن من الاغتسال إلا بكشف عورته؛ لأنَّه إما أن يخلع ثيابه أو يجافيها مجافاة يطلع على عورته، وكشف العورة يوجب فساد الصلاة، فصار كالمحدث إذا كشف عورته.
قال: وإن عمل المحدث شيئًا من الصلاة بعد الحدث الذي سبقه، فسدت صلاته؛ لأنَّه أدَّى جزءًا منها مع الحدث، وذلك يفسد الصلاة.
قال: فإن كان الحدث في آخر الصلاة فعل ما وصفت لك من الوضوء والبناء؛ وذلك لأنَّه يحتاج إلى الخروج، وذلك لا يجوز من غير طهارة، فلا بد من الطهارة ليأتي بالسلام.
فإن فعل شيئًا مما يفسد صلاته، فسد ما بقي من صلاته، ولا إعادة عليه؛ وذلك لأنَّه لم يبق عليه فرض من فروض الصلاة، ففساد ما بقي لا يؤثر في فساد ما مضى.
قال: وإذا توضأ في ذلك [كله] عاد إلى مكانه، فتمم ما بقي عليه من صلاته، وإن بنى في منزله ولم يعد إلى مكانه أجزأه؛ وذلك لأنَّه إن صَلَّى في منزله، أدَّى الصلاة في مكانين، إلا أن المشي فيها يقل، فإن عاد إلى المسجد أداها في مكان واحد وكثر العمل فيها، فصار في كل واحد من الأمرين كراهة من وجه، وفضيلة من وجه، فخيّر بينهما.
قال: إلا أن يكون المحدث مأمومًا، فلا يجزئه أن يبني في منزله إلا أن
стр. 632
يكون إمامه قد فرغ من صلاته؛ وذلك لأن المأموم قد أخذ عليه في متابعة الإمام، فإذا تركها مع القدرة لم تصح صلاته، فأما إذا فرغ الإمام فلم يبق عليه متابعة [الإمام] فصار كالمنفرد.
قال: ويقضي ما سبقه به الإمام بعد حدثه بغير قراءة، ولا سهو عليه إذا سها فيه، وكذلك من نام خلف الإمام فاستيقظ؛ لأنَّه أدرك أول الصلاة، فصار في حكم من [هو] خلف الإمام، فلا يقرأ ولا يسجد للسهو؛ ولأن ما يفعله يأتي به على طريق المتابعة [للإمام]، فصار كالإمام إذا سبق المؤتم بركن ثم فعل المؤتم ذلك الركن، فإنه يفعله كما يفعل في حال مشاركته.
وليس هذا كالمسبوق؛ لأنَّه لم يدرك التحريمة، فلم يبنِ على ترتيبها، وإنما لزمه متابعة الإمام فيما [أدركه] (١)، فأما بعد ذلك، فقد سقطت المتابعة فيه، وصار مؤديًا لفرض نفسه؛ ولهذا يبتدئ المدرك بما فعله الإمام، ويبتدئ المسبوق بما أدرك فيه الإمام.
فإن كان المصلي متيمِّمًا، أو ممن يلزمه الوضوء بخروج الوقت، فوجد الماء في صلاته، أو خرج الوقت وهو فيها، أعاد الوضوء والصلاة، ولم يجزئه البناء في أي حال كان ذلك من الصلاة؛ لأن هذه المعاني توجب الوضوء بسبب سابق للتحريمة، فيصير كالمؤدي لما مضى من صلاته مع الحدث بإجماع، فلا يصح البناء عليها.
وإن حصل ذلك بعدما قَعَد قدر التشهد، فهو كذلك عند أبي حنيفة، وهذه من جملة المسائل المعدودة، وقد تقدم الكلام فيها.
стр. 633
قال: وإن أصابَ المصلي حدث بغير فعله، بأن رماه رجل بحجر فشجَّه، فسأل الدم على ثوبه، فإنه ينصرف ويتوضَّأ ويغسل الدم عنه، ويستقبل [الصلاة] عند أبي حنيفة ومحمد، ويبني عند أبي يوسف.
وجه قولهما: أن هذا حدث حصل بفعل الغير، فصار كما لو حدث بفعل المصلي بنفسه، فصار كالحدث بفعل الله تعالى؛ [ولأن القياس يمنع البناء، وإنما تركوا القياس في الحدث بفعل الله تعالى؛ لقيام الدلالة عليه، وما سواه فهو على أصل القياس] (١).
وإذا كانت النجاسة بحدث سبقه، توضَّأ وغسلها وبني؛ لقوله ﵊: "من قاء في صلاته، أو رعف في صلاته، فلينصرف وليتوضَّأ"، والقيء لا يخلو من نجاسة يجب إزالتها؛ ولأن هذا في حكم التابع للوضوء فيبني معه كما يبني مع الوضوء.
وقد قال محمد فيمن سبقه الحدث: إذا احتاج إلى الاستنجاء، فإن استنجى من تحت ثيابه أجزأه البناء، وإن كشف ثيابه لم يصح البناء؛ لأن كشف العورة لا حاجة به إليه، فصار (٢) كالكلام.
стр. 634
بَابْ الاستخلاف
قال أبو الحسن: كل حدث يصح معه البناء على الصلاة، فللإمام أن يستخلف فيه، والأصل في جواز الاستخلاف ما روى ابن عباس: "أن النبي ﷺ لمّا خرج وأبو بكر يصلي بالناس، افتتح القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر" (١)، فانتقلت الإمامة إليه؛ لأن أبا بكر تعذر عليه المضي، وهو التقدم على رسول الله ﷺ ، فكذلك المحدث قد تعذر عليه، فانتقلت الإمامة إلى غيره.
وقد روي: "أن عمر استخلف في صلاة الظهر رجلًا يليه"، و "رعف علِيّ في الصلاة، فاستخلف"، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكير؛ ولأن سبق الحدث لا يبطل الصلاة، فلا يخلو: إما أن يستخلف الإمام، أو يصلوا منفردين، أو ينتظروه حتى يعود، ولا يجوز أن يصلوا منفردين؛ لأن فرض الجماعة وفرض المنفرد مختلف، فإذا أوجبت التحريمة أحد الأمرين، لم يجز أن يخرج [منه] إلى الآخر، ولا يجوز أن ينتظر الإمام؛ لأن هذا يؤدي إلى بقاء المؤتم في المسجد بغير إمام، فلم يبق إلّا الاستخلاف فيه.
قال: وما لا يصح معه البناء، فلا استخلاف فيه، وهذا كحدث العمد؛ لأنَّه أفسد الصلاة، فلم يجز البناء مع الفساد.
стр. 635
قال: والإمام المحدث على إمامته ما لم يخرج من المسجد، أو يقوم المستخلف في مقام ينوي أن يؤم فيه الناس، أو يستخلف القوم فيه غيره، فإذا كان شيء من ذلك خرج الإمام من إمامته؛ لأنَّه إذا استخلف فتقدم الخليفة، وصار هو الإمام، خرج الأول من الإمامة؛ لأنَّه لا يجتمع في الصلاة إمامان.
وكذلك إذا استخلف القوم؛ لأن الإمام إذا لم يستخلف، فالقوم مأمورون بتصحيح صلاتهم، ولا يمكنهم تصحيحها إلا بالتقديم، فجاز لهم ذلك، وإذا صار الثاني إمامًا، خرج الأول من الإمامة.
قال: وإن لم يستخلف الإمام ولا القوم حتى خرج الإمام المحدث من المسجد، فسدت صلاة القوم، ويتوضأ الإمام، ويبني على صلاته، وهذه الرواية المشهورة؛ وذلك لأن الإمام إذا لم يستخلف في الحال، فالقياس أن تبطل الصلاة؛ لأنَّه خرج من الإمامة بالحدث، فبقي المؤتمون لا إمام لهم، [فبطلت صلاتهم].
وإنما استحسنوا ما دام في المسجد؛ لأن بقاع المسجد كالبقعة الواحدة، بدلالة جواز الصلاة في آخر المسجد بصلاة الإمام؛ ولأن أبا بكرة كبّر عند باب المسجد ومشى إلى الصف، فلم يبطل ذلك صلاته، فما دام الإمام في المسجد، فكأنه في مكانه، فإذا خرج، فخارج المسجد لم يجعل في حكم المسجد، ففسدت الصلاة على أصل القياس.
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن الصفوف إذا كانت متصلة خارج المسجد، فخرج الإمام واستخلف رجلًا من الصفوف الخارجة، بطلت صلاة القوم، وقال محمد: لا تبطل.
стр. 636
وجه قولهما: أن خارج المسجد لم يجعل في حكم المسجد، بدلالة أن الإمام لو كَبَّر يوم الجمعة وحده في المسجد، وكَبَّر القوم بتكبيره [من] خارج المسجد، لم تنعقد الجمعة، وإذا لم يجر مجرى المسجد، صار كأنه خرج وليس هناك صفوف.
وجه قول محمد: أن الصفوف المتصلة بالمسجد تجعل الموضع كالمسجد؛ بدلالة أن من صَلَّى في صحراء، جاز استخلافه ما لم يتجاوز الصفوف، فصار الاستخلاف من الصفوف والمسجد سواء [فجاز].
وأما فساد صلاة الإمام إذا لم يستخلف، فقد اختلفت الرواية فيه: فذكر أبو عصمة: أن صلاة الإمام لا تفسد، وذكر الطحاوي: أنها تفسد.
وجه رواية أبي عصمة: أن الإمام غير مقيد بغيره، فإذا خرج [وليس] (١) له إمام لم تبطل صلاته كالمنفرد.
وجه ما ذكره الطحاوي: أن الإمام من جملة الجماعة، فإذا خرج أن يكون إمامًا، صار في حكم المؤتمين، فتبطل صلاته لعدم (٢) الإمام.
قال: ولو قدّم الإمام رجلًا حين أحدث، والمُقَدَّمُ على غير وضوء، فلم يقم في مقام ينوي أن يؤم القوم حَتَّى قدم غيره، صَحَّ الاستخلاف، وبنوا على صلاتهم؛ وذلك لأن المقدم من أهل الإمامة، وإنما لا يصحُّ تقدمه للحدث، فإذا أمر غيره، فكأن الإمام هو الآمر، [فيجوز].
قال: وإذا أحدث الإمام وليس معه إلا رجل واحد، فهو إمام نفسه، قدَّمه
стр. 637
المحدث أو لم يقدمه؛ لأن الإمامة قد تعينت فيه، ألا ترى أنه لا مستحق لها غيره، فلم يحتج إلى التقديم.
قال: وإذا كان إمام جماعة، فأحدث، فدخل معه رجل في الصلاة قبل أن يخرج من المسجد، صَحَّ دخوله، وإن كان دخوله بعد انصرافه ما لم يخرج من المسجد، روى هذا ابن سماعة عن أبي يوسف، وقال بِشر المِرّيسي: لا يَصِحّ دخوله.
وجه قولهم: أن الإمام لا يخرج من الإمامة ما دام في المسجد بدلالة أنه يصح أن يستخلف، وأن صلاة القوم لم تبطل، فصَحَّ الدخول معه كما لو كان في مكانه.
وجه قول بِشْر: أن المحدث لا يجوز له أن يبقى على الصلاة، وإذا لم يكن مصليًا لا يصح الاقتداء به في الصلاة.
قال: وإن قدم الإمام امرأة تصلي معهم، فسدت صلاتهم جميعًا، الرجال، والنساء، والإمام، والمقدَّمة في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن.
وقال زفر: صلاة المرأة والنساء جائزة.
وجه قولهم: أن الإمام إذا قدم المرأة، صارت للقوم إمامة، واقتداء الرجال بالنساء لا يَصِحُّ
وأما فساد صلاة النساء؛ فلأنهن دخلن في تحريمة كاملة، فإذا انتقلن إلى تحريمة ناقصة، لم يجز، فكأنهنَّ خرجنَ من فرض إلى فرض آخر؛ ولأن من لا
стр. 638
يصِحُّ استخلافه في حق بعض المؤتمين، لا يَصِحُّ استخلافه في حق أنفهسم، كالمحدث
وجه قول زفر: أن المرأة يجوز أن تؤم النساء في الابتداء، فكذلك تؤمهن في حال البقاء، (ولا يجوز أن تؤم الرجال في الابتداء، فلا يجوز أن تؤمهم في حال البقاء) (١).
قال: وإذا صلوا في صحراء (٢)، فأحدث الإمام، فمجاوزة الصفوف بمنزلة الخروج من المسجد، [وذلك لأنَّ مكان الصلاة قد صار كالمسجد بفعل الصلاة فيه، فمجاوزته بمنزلة الخروج من المسجد] (٣)، فإذا مضى الإمام بين يديه وليس بين يديه بناءٌ ولا سُترة، لم تفسد صلاتهم حتى يتجاوز من بين يديه مقدار الصفوف إلى خلفه؛ لأن مشيه في مقدار الصفوف لا يخرجه من حكم الإمامة إذا حصل ذلك في إحدى الجنبين، فالأخرى مثلها.
فإن كان بين يديه حائط أو سُترة، فإذا تجاوزها فسدت (٤) صلاته؛ لأن تلك السترة يجعل ما دونها في حكم المسجد، بدلالة أن المار لا يجوز له أن يمر بين يدي الإمام، وبينها، فصار كالإمام إذا خرج من المسجد، وهذه الجملة ما روي عن أبي يوسف.
قال: وإذا ظن الإمام أنه قد أحدث، فانصرف، ثم علم أنه لم يحدث ولم يخرج من المسجد، رجع فبنى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإحدى
стр. 639
الروايتين عن محمد.
[وروي عن محمد]: أن صلاته فاسدة في الوجهين [جميعًا]، خرج أو لم يخرج، وإن علم [بذلك] بعد الخروج [من المسجد]، فسدت الصلاة في قولهم جميعًا.
أما إذا كان علم قبل الخروج؛ فلأن بقاع المسجد كالبقعة الواحدة، ولم يجعل انصرافه على طريق الرفض للصلاة، فكأنَّه تذكر ذلك وهو [بعدُ] في مكانه.
وجه قول محمد: أنه انصرف من الصلاة من غير عذر، فكأنَّه انصرف ولم يظن [أن] الحدث [معه]، وأما إذا خرج من المسجد [ثم علم]؛ فلأنه خارج المسجد لم يجعل في حكم المسجد، وقد جعل المشي بغير عذر، فتبطل صلاته.
قال: وإن ظَنَّ الإمام أنه افتتح الصلاة على غير وضوء، أو أن في ثوبه نجاسة، فانفتل وتحوّل عن القبلة، ثم علم أن ذلك لم يكن، فصلاته فاسدة في قولهم، وكذلك إن كان متيممًا، فرأى سرابًا فظنه ماءً فانصرف؛ وذلك لأن الانصراف وقع على وجه الرفض للصلاة، ولم يقع على طريق [الاستصلاح] والبناء؛ لأن البناء في هذه المواضع لا يصِحّ، فإذا رفض الصلاة لم يجز [له] أن يبني عليها كما لو سَلَّم.
قال: فإن سَلَّم في ركعتين ساهيًا، وهو يظن أنه قد أتمَّ الصلاة ثم ذكر، رجع فبنى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد، وهذا مثل أن يظن أنه قد أحدث [وقد مضى]؛ وذلك لأن انصرافه لم يقع على طريق الرفض، فما دام في المسجد فكأنَّه في مكانه.
стр. 640
بَابْ الحث على الجماعة
قال أبو الحسن: الجماعة عندنا سُنَّة، ولا ينبغي تركها، ولا يرخص لأحد في التأخر عنها، ومن الناس من قال: إن الجماعة واجبة (١).
والدليل على أنها سنة: أنها لو وجبت في الأداء، لوجبت في القضاء، كسائر شرائط الصلاة؛ ولأن النبي ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٢)، فجعل الجماعة من صفة التفضيل، وهذا [المعنى] ينفي وجوبها.
وإنما قلنا: إنها سنة مؤكدة؛ لما قَدَّمْنا من الخبر، وروي أن النبي ﷺ قال: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثُمَّ أنظر إلى قوم يتخلفون عن الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم" (٣).
وأما إذا كان هناك عذر، فالأعذار تسقط الفروض، فأولى أن تسقط السنن.
قال: ولا تجب الجماعة على الأعمى عند أبي حنيفة وإن وجد قائدًا، وقال
стр. 641
أبو يوسف ومحمد: تجب عليه إذا وجد قائدًا.
وجه قول أبي حنيفة أنه لا يتمكن من مجيء الجماعة بنفسه، فصار كالزَّمِن.
لهما: أنه يقدر على التوجه، وإنما لا يهتدي، فصار كالضال [للطريق].
وقال محمد: لا يجب [الجمعة] على المُقْعَد، ولا على المقطوع اليد والرِّجْل [من خلاف]، (ولا على من حبسته الريح)، ولا على المفلوج الذي لا يستطيع المشي، وإن لم يكن بهم ألم [ووجع]، وكذلك المقطوع الرِّجل، والشيخ الكبير الذي لا يقدر على المشي، ليس على هؤلاء جُمُعة ولا جماعة؛ وذلك لأن هؤلاء لا يقدرون عليها إلا بمشقة زائدة على العادة، فصاروا كالمريض، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أربعة لا جمعة عليهم" وذكر المريض (١).
قال: وإن زاد على واحد، فهي جماعة في غير جمعة، لما روي عن النبي ﷺ قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (٢).
стр. 642
قال: ولو صلى معه صبي يعقل الصلاة، كانت جماعة، لما رُوي عن أنس قال: "أقامني رسول الله ﷺ واليتيم وراءه" (١)، فدل على أن الصَّبِي في الجماعة كالرجل (٢).
قال: وإن سها، أو نام، أو شغل أن يشهدها في جماعة، جمع بأهله في منزله، وإن صَلَّى وحده أجزأه، وذلك لِمَا روي: "أن النبي ﷺ خرج ليصلح بين حيين من أحياء العرب، فجاء وقد قدّم الناس عبد الرحمن بن عوف، فمال إلى بيته، فجمع بأهله" (٣).
وأما قوله: إن صَلَّى وحده أجزأه؛ فلِمَا ذكرنا أن الجماعة من صفات الفضيلة، فتركها [من عذر] لا يمنع الإجزاء (٤).
стр. 643
بَابْ مَن أحقُّ بالإمامةِ
قال أبو الحسن: أحق القوم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بالسنة، فإن كان فيهم رجلان أو ثلاثة كذلك، فأكبرهم سِنًّا وأثبتهم صلاحًا.
والأصل في هذا: أن الواجب تقديم من يؤدي تقديمه إلى كثرة الجماعة؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الرجل مع الاثنين أفضل من صلاته مع الواحد، وصلاته مع الثلاثة أفضل من صلاته مع الاثنين، فكلما كثرت الجماعة، كان أفضل عند الله تعالى" (١)، وتقديم الأفضل يؤدي إلى رغبة الناس في الائتمام به، وتقديم من دونه يؤدي إلى زهد الناس في الائتمام به.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في ذلك سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في ذلك سواء، فأكبرهم سِنًّا" (٢)، فاعتبر النبي ﷺ في التقديم الأفضل فالأفضل.
وقد قال أصحابنا: إن الأولى بالتقديم: الأعلم بالسنة إذا كان يحسن من
стр. 644
القرآن ما يجزئ به الصلاة، وذلك أن الصلاة تحتاج إلى السنن ما لا تحتاج إلى القراءة؛ لأن القدر الذي يجزئ به الصلاة من القراءة يكفي في الإمامة، والعالِم بالسنة ينتفع به من أول الصلاة إلى آخرها، فكان اعتبار العلم بالسنة أولى.
وإنما أمر رسول الله ﷺ بتقديم أكثرهم قرآنًا؛ لأن الناس في ذلك الزمان كانوا يتلقنون القرآن بأحكامه، فكل من كثر قرآنه كثر علمه، ولهذا حفظ عمر ﵁ البقرة في اثنتي عشرة سنة (١)، فأما الآن، فإنهم يحفظون القرآن ولا يعلمون ما فيه، فكان العالم بالسنة أولى.
فإذا تساووا في ذلك، فأكثرهم قرآنًا أولى للخبر، فإذا تساووا في ذلك، فأكبرهم سِنًا في ذلك أولى؛ لأن الناس يقدمون الأسنّ، ويؤثرون الاقتداء به ما لا يؤثرون غيره، فإذا تساووا في ذلك، فأثبتهم صلاحًا وورعًا أولى.
وأما الهجرة، فقد سقطت بعد الفتح؛ فلذلك لم تعتبر في زماننا، وأما في زمن النبي ﷺ ، فكان للمتقدم في الهجرة فضيلة؛ فلذلك اعتبرها رسول الله ﷺ .
وقد قال أصحابنا: إن العالِمَ بالسنة إذا كان غيره أورع منه، فتقديم العالم أولى إذا كان ممن يجتنب الفواحش الظاهرة؛ لأن الإمام مؤتمن في الصلاة، والعالم بالسنة أقدر على حفظ الأمانة، فكان أولى بمن زاد ورعه.
قال أبو يوسف: أكره أن يكون الإمام صاحب بدعة، أو [صاحب] هوىً، وأكره للرجل أن يصلي خلفه؛ وذلك لأن الناس يكرهون تقديم من كانت هذه صفته، وقد بينا أن الأولى أن يقدموا من لا يكره الناس تقديمه، فأما الفاسق،
стр. 645
فتجوز الصلاة خلفه وتكره.
وقال مالك: لا تجوز (١).
لنا: ما روى مكحول: أن النبي ﷺ قال: "لا تُكَفِّروا أهل ملتكم بالكبائر، الصلاة خلف كل إمام، والجهاد مع كل أمير، والصلاة على كل ميت" (٢)؛ ولأن الفاسق محكوم بجواز صلاته، وكل من حكمنا بجواز صلاته في نفسه، حكمنا بجواز الاقتداء به، كالعدل.
وقال أبو يوسف: فإن كان أقرؤهم لكتاب الله تعالى يطعن عليه في دينه، لم يقدم؛ لأن تقديمه إنما هو لإتيان الناس الصلاة خلفه، فإذا طعنوا في دينه زال هذا المعنى.
قال معلى عن أبي يوسف قال أبو حنيفة: لا بأس بأن يؤم الأعمى؛ وذلك لِمَا رُوي: "أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة" (٣)، فدل على جواز إمامته، وقد قالوا: إن غيره أولى؛ لأن الأعمى لا يتجنب النجاسات في ثيابه، ولا يتوجه إلى القبلة بنفسه.
قال: ولا بأس أن يؤم ولد الزنا، وأكره إمامة العبيد، وكذلك قال أبو يوسف، وقال محمد: أحب إليّ أن يؤم غيرهم.
стр. 646
أما ولد الزنا؛ فلأنه عدل في نفسه، ولا ذنب له في معصية أبويه، فصار كغيره من الناس، والذي روي أن النبي ﷺ قال: "ولد الزنا شر الثلاثة" (١)، فيحتمل شرهم نسبًا، [إذ لا يثبت نسبه من أبيه]، وقد قيل: إنه في رجل بعينه، وقد أنكرت عائشة هذا الخبر على إطلاقه، وتلت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) [الأنعام: ١٦٤].
وإنما قال محمد: إن غيره أولى؛ لأنَّه يستخف به في العادة [ويعيّر]، ويكره الناس تقديمه، فيؤدي ذلك إلى تقليل الجماعة.
وأما العبد، فإن قدموه جاز؛ لما روي عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: (أعرست، فاتخذت وليمة ودعوت جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو ذر، فأجابوني، فلما حضرت الصلاة، تقدم أبو ذر، فقالوا له: أتؤمه في بيته، فقدموني، فصليت بهم) (٣)، وإنما كره تقديمه؛ لأن الناس يكرهون الصلاة خلفه؛ لنقصان قدره ومنزلته في نفوسهم (٤)، فيؤدي ذلك إلى تقليل الجماعة.
وأما الأعرابي، فقد ذكر في الآثار عن إبراهيم: أنه يجوز تقديمه إذا كان عالما بأمر الصلاة (٥)، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
стр. 647
الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩]؛ ولأن الأعرابي قد يكون عالمًا بالسنة، فيصير كغيره من الناس.
وإنما قالوا: إن غير الأعرابي أولى؛ لأن الغالب في الأعراب الجهل بالسنن؛ لقوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ الآية [التوبة: ٩٧].
وقال أبو حنيفة: لا يؤم الغلامُ حتى يبلغ أو يحتلم، والبلوغ ثماني عشرة سنة، وهو قول زفر، وقال أبو يوسف: حتى يحتلم أو يبلغ خمس عشرة سنة، وإن أمَّ قبل ذلك لم يجزئهم، وهو قول محمد.
أما إمامة الصبي، فلا يجوز عندنا، وقال الشافعي: يجوز (١).
لنا: أن الصبي لا يجب عليه الصلاة، فأكثر أحواله أن يكون متنفلًا بها، والمفترض لا يجوز أن يصلي خلف المتنفل عندنا، ولأن صلاته أنقص من النافلة؛ بدلالة أنه لا يستحق الثواب بأفعاله، فإذا لم يجز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل؛ فلأن لا يجوز خلف الصبي أولى؛ ولأنه لا يعتدّ به في عدد المؤتمين في الجمعة، فلا تجوز إمامته فيها كالمرأة.
فأما إذا احتلم؛ فلأن العبادات تجب عليه بالاحتلام؛ بدلالة قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم" (٢)، وإذا وجبت عليه العبادات، صار كالرجل.
فأما إذا تأخَّر الاحتلام، قال أبو حنيفة: حَدَّ البلوغ بالسنين ثماني عشرة سنة في الغلام، وسبع عشرة سنة في الجارية، وقالا: خمس عشرة فيهما.
стр. 648
وروي عن أبي حنيفة: في الغلام تسع عشرة سنة، ومعناه: أنه طعن فيها، وروي عن محمد أنه قال بالرِّقَّةِ: في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع عشرة سنة.
وجه قول أبي حنيفة: أن الأصل في البلوغ الاحتلام؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، فظاهر الآية يقتضي تعلق الحكم بالاحتلام، إلا ما قام عليه الدليل، وكذلك قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم"؛ ولأن العادة [جرت] بأن بلوغ الغلام والجارية يختلف، [والعادة: أن يتقدم] بلوغ الجارية، والتسوية بينهما في زمان البلوغ مخالف للعادة، والعادة أمر مقطوع به، فلا يترك بالظن؛ ولأن الخمس عشرة ليست بسبب لتعلق الزكاة بماله، فلم تكن مدة البلوغ كالأربع عشرة.
وإنما قدر أبو حنيفة ذلك بثماني عشرة؛ لما روي أن النبي عليه الصلاة قال: "أيما صبي حجَّ ولو عشر حِجَج ثم بلغ، فعليه حِجَّة الإسلام" (١)، وأقل ما يمكن الصَّبِيّ أن يحج فيه بنفسه إذا كان له سبع سنين أو ثمان، وقد أثبت له عشر حجج، ثم البلوغ، فدل على أن البلوغ يكون في ثماني عشرة.
وجه قولهما: ما روي في حديث ابن عمر قال: عرضت على رسول الله ﷺ في يوم أُحُدٍ وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردَّني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه يوم الخَنْدَق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني" (٢).
стр. 649
والجواب: أن هذا خبر مضطرب، فروي عنه أنه قال: "عرضت يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردني"، وبين بَدْر والخندق أكثر من سنتين، وقد قيل: بين أُحُدٍ والخندق أكثر من سنة؛ ولأن الإجازة المذكورة إنما هي للقتال، وذلك يتعلق بالجلادة والقوة لا بالبلوغ؛ بدلالة أن الشيخ الهرم لا يجاز لعدم الجَلَد، والغلام المراهق يجاز إذا كان مقاتلًا.
وقد روي: "أن سمرة ورافعًا عُرضا على النبي ﵇، فأجاز سمرة وردّ رافعًا، فقال زوج أمه: أجزت سمرة ورددت ابني، ولو صارعه لصرعه، فأمرهما أن يتصارعا، فصرعه رافع، فأجازه رسول الله ﷺ "، فدلّ على أن الإجازة في القتال تقف على الجَلَد. وقول ابن عمر أنه: "ردني ولم يرني بلغت"، يعني حد القتال، وذلك لا تعلق له بالبلوغ.
وأما الذي روي عن محمد فهو غلط؛ لأن بلوغ الجارية يتقدم في العادة، فلا يجوز أن يقدر بأكثر من مدة بلوغ الغلام ويجوز أن يكون محمد ذكر بلوغ الغلام من مذهبه، وبلوغ الجارية على مذهب أبي حنيفة، فاشتبه على السامع [ذلك لنقله].
стр. 650
بَاب مقام الإمام والمأموم وكيف يصفُّون
قال أبو الحسن: إذا كان مع الإمام رجل واحدٌ، أو صَبِيّ يعقل الصلاة، قام عن يمينه؛ وذلك لما رَوى ابن عباس قال: "بتُّ عند خالتي ميمونة، فانتبه رسول الله ﷺ ، في بعض الليل، فسمعته يقول: نامت العيون، وغارت النجوم، وبقي الحي القيوم، ثم نام وانتبه فقالها ثانيًا، وقام إلى شِناق القربة، ففتحها وتوضَّأ وقام يصلي، فقمت فوقفت على يساره، فأخذ بذواقتي وأدارني عن يمينه" (١)، فدلَّ أن الواحد إذا كان مع الإمام يقف عن يمينه.
قال: وإن كان معه اثنان، قاما خلفه. وروي عن ابن مسعود: "أنه صلى بعلقمة ومسروق، فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره" (٢).
لنا: ما روي أن النبي ﵇ قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (٣)، وروي في حديث أنس: "أقامني رسول الله ﷺ واليتيم وراءه، وأقام أم سليم خلفنا" (٤).
قال: وكذلك إن كان أحدهما صبيًا؛ لحديث أنس: "أن رسول الله ﷺ أقامه
стр. 651
واليتيم وراءه، وأقام أم سليم خلفهما"، فدلَّ على أن للصبي مقامًا في الصف.
قال: وإن كان معه رجل وامرأة، أقام الرجل عن يمينه، والمرأة خلفه، وإن كان رجلان وامرأة، أقام الرجلين خلفه، والمرأة وراءهما، ولا تصف النساء مع الرجال.
وصفوف النساء خلف صفوف الرجال؛ لِمَا روي في حديث أنس: "أن النبي ﷺ أقامه واليتيم وراءه، وأقام أم سليم خلفهما"، وروي أنه قال في النساء: "أخّروهن من حيث أخرهن الله" (١)، وقال: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٢).
قال: ومن صَلّى من الرجال خلف صفوف النساء، فصلاته فاسدة، وكذلك إن كانت صفوف الرجال خلف صفوف النساء، فسدت صلاة الرجال كلهم.
والأصل في فساد صلاة الرجال خلف صفوف النساء قوله ﵇: "أخّروهن من حيث أخرهن الله"، والأمر بتأخيرهنّ نهي عن الصلاة إلى جانبهن وخلفهن، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأنه قام منها مقام الائتمام في صلاة ذات أركان اشتركا فيها، فصار كما لو صليا خلف إمام، فأحدث، فقدمها واقتدى بها المؤتم.
وإنما قلنا: إن الصف من النساء يقطع صلاة الصفوف التي خلفه؛ لما روي
стр. 652
عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس مع الإمام من كان بينه وبين الإمام نهر، أو طريق، أو صف من نساء" (١).
قالوا: وإن صلت امرأة في صف الرجال، أفسدت صلاة مَنْ عن يمينها وشمالها وخلفها بحيالها؛ وذلك لأن كل واحد منهم قام منها مقام الائتمام، وأما مَنْ يلي مَنْ عن يمينها، فقد حال بينه وبينها غيره، فصار كما لو حال بينهما جدار فلا تفسد صلاته.
وقد قالوا: إن المرأة منهية عن التقدم على الرجال، والرجل منهي عن التأخر عنها، وإن تأخّر فسدت صلاته، وإن تقدمت لم تفسد صلاتها؛ لأن النهي في حق الرجل مختص بصلاته، والنهي في حق المرأة مختص بها؛ بدلالة أن كل واحد منهما منهي، وقد خص النبي ﷺ الرجل بالخطاب، وقال: "أخِّروهُنّ"، ولم يخاطبهن بالتأخير.
قال: وإذا جاء الرجل والإمام في الصلاة، فينبغي أن يقوم بحيث يكون أقرب إلى الإمام، فإن كان ذلك سواء، قام عن يمين الإمام، وكلما قرب إلى الإمام فهو أفضل؛ لقوله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها" (٢)، وقال: "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى" (٣)، وإذا تساوت المواضع فيمين الإمام أولى؛ لأن النبي ﷺ كان يستحب في الأمور التيامن.
стр. 653
قال: وينبغي للقوم إذا قاموا في الصَّف أن يتراصّوا، ويسدوا الخلل، ويسوّوا بين مناكبهم؛ لما روي: "أن النبي ﷺ قال: "تراصوا، وألصقوا المناكب بالمناكب، والكعاب بالكعاب"" (١).
قال: وينبغي لمن جاء إلى الصلاة أن يجيء وعليه السكينة والوقار؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم بالسكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" (٢).
قال: فإن كان الإمام راكعًا، فليصل ما أدرك وليقض ما فاته؛ لأن المدرك للركوع مدرك للركعة، فوجب أن يشارك الإمام فيها، ويقضي ما سبقه منه (٣).
стр. 654
بَاب الذكر في الصلاة
قال أبو الحسن: ذكر الله تعالى في الصلاة [كلها] في مواضع المسنون فيها حسن مرغّب فيه، وليس بفرض، وتعمد تركه مكروه، وتركه لا يفسد الصلاة عمدًا كان أو سهوًا؛ وذلك لأن الواجب في الصلاة من الأذكار: التحريمة، والقراءة، وما سواهما مسنون عندنا، وترك المسنونات مكروه، وهذه الأذكار إنما [يراد] بها الاستفتاح، وهو ذكر مسنون بلا خلاف، وتركه لا يفسد الصلاة.
وتكبيرات الركوع والسجود، (وهي غير مقصودة لأنفسها، وإنما تفعل علمًا للانتقال، فتركها لا يفسد، وتسبيحات الركوع والسجود) (١)، تركها لا يفسد [الصلاة].
ومن أصحاب الحديث من قال: إنها واجبة؛ والدليل على ذلك قوله ﵇: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" (٢)، ولم يذكر التسبيح؛ ولأنه ذكر في الصلاة من غير القرآن [فهو] كما زاد على ثلاث تسبيحات.
وأما التشهد فهو مسنون عندنا، وقال الشافعي: التشهد الأخير واجب، وكذلك الخلاف في الصلاة على النبي ﷺ (٣)، وقد قدمنا ذلك.
стр. 655
قال: وإذا عرض له شيء في صلاته، فذكر الله تعالى لذلك: وإن كان أراد بذلك خطاب إنسان أو زجره عن فعل أو أمره به، فسدت صلاته، إلا أن يكون ذلك عرض للإمام فيسبح به، أو يذكر الله تعالى، فهو إصلاح (١) لصلاته وصلاة الإمام، فإن ذلك لا بأس به.
أما إذا سبّح يريد [به] خطاب الغير، أفسد صلاته، إلّا أن يكون تنبيهًا للإمام أو إعلامًا لمن يكلّمه أنه في الصلاة، حتى لا يشغله عنها.
وقال أبو يوسف: التسبيح لا يفسد الصلاة على كل حال.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: "ما روي أن رجلًا عطس في صلاته، فشَمَّته معاوية بن الحكم، فرمقه الناس بأبصارهم، فقال: وا ثكل أماه، فضربوا بأيديهم على أفخاذهم، قال: فلمَّا صَلَّى ﵇ ادعاني فما كهرني ولا جبَهني، ولكن علمني، فقال لي: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي دعاء وتسبيح وقراءة القرآن" (٢)، ومعلوم أن قوله: "يرحمك الله" ذكرٌ الله تعالى، إلا أنه خاطب به آدميًا، فأخبر ﵇ أنه لا يصلح في الصلاة؛ ولأن الصلاة تشتمل على أفعال وأذكار، ثم كان في الأفعال الموضوعة فيها ما يفسدها إذا وقع على بعض الوجوه، فكذلك الأذكار الموضوعة فيها، يجوز أن يفسدها.
وجه قول أبي يوسف: أن النبي ﷺ لم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة.
وأما إذا سَبَّح بالإمام عند سهوه، فهذا الذكر إنما يقصد به إصلاح صلاته،
стр. 656
(فصار كالأذكار الموضوعة في الصلاة، فإنما يقصد بذلك إصلاحها) (١)، فكأنّه سَبَّحَ به في موضع التسبيح.
قال: ولا ينبغي أن يسبح بالإمام إذا قام في الاثنتين؛ لأنه إذا صار في ذلك إلى القيام أقرب، لم يجز له الرجوع، فلا فائدة في التسبيح.
قال: ولا بأس أن يفتح على الإمام؛ لما روي عنه ﵇: "أنه قرأ سورة فاشتبهت عليه، فلما صَلَّى قال: "أفيكم أُبَيّ؟ " قيل: نعم، قال: "ما منعك أن ترد علي؟ "، قال: ظننت أنها قد نسخت" (٢)، وعن علي أنه قال: "إذا استطعمك الإمام فأطعمه"؛ ولأن هذا يؤدي إلى إصلاح الصلاة؛ لأن القراءة إذا اختلطت على الإمام تعذر عليه المضي.
فإن فتح على غير الإمام مِمَّن هو معه في الصلاة، أو خارج عنها، أفسد ذلك صلاته؛ لأنه ملقن غيره القرآن في صلاته، لا لإصلاحها، فصار كالمعلم إذا عَلّم القرآن في صلاته.
قال: وإن أنَّ في صلاته أو تأوّه، فإن كان ذلك لذكر الجنة أو النار، فصلاته تامة، وإن كان ذلك لوَجَع أو مصيبة، فسدت صلاته.
وقال أبو يوسف: لا يفسد ذلك صلاته ما لم يقل: "أوّه"، ولو قال ذلك، فقد تكلم، من وَجَع كان ذلك أو من ذكر جنة أو نار.
وقال محمد في الأنين: إن لم يملك ذلك من وَجَع، فصلاته تامة، أما إذا
стр. 657
تأوه من ذكر الجنة أو النار، فهذا ممدوح عليه، وقد قال الله تعالى في إبراهيم: ﴿لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، قيل في التفسير: إنه التأوه في الصلاة؛ ولأن التأوه لذكر الجنة كالتصريح بمسألتها، والتأوّه من النار ذكر كالتصريح (بالاستعاذة منها، وذلك لا يفسد الصلاة، وأما إذا كان من وَجَع أو مصيبة، فالتأوه منها) كالتصريح بها، ولو صَرّح بذكرها، فسدت صلاته.
وأما أبو يوسف فقد قال: إذا لم يتبين الحروف، فالتأوه كالتنحنح والتنفس الذي لا يخلو الناس منه، فلا يفسد صلاته، فإذا بيّنت الحروف فهو كلام يحترز منه، فيفسد الصلاة.
وأما محمد فقال في الأنين: إذا لم يقدر على دفعه من التوجّع، لم يفسد صلاته؛ لأنه لا يمكن التحفظ منه، فصار كالتنحنح.
قال: وقالوا: كل دعاء في الصلاة لا ينافي القرآن وما أشبهه، فإنه لا يفسد الصلاة، [وما أشبه حديث الناس، فإنه يفسدها]، وقال الشافعي: كل دعاء مباح لا يفسد الصلاة، [وقد بيّنا ذلك] (١).
لنا: قوله ﵇ لابن مسعود: "ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت" (٢)، فدلّ على أن في الدعاء ما يستطاب وما لا يستطاب، وروي: "أن سعدًا سَمِع ابنه يدعو في صلاته، فقال: إياك والاعتداء في الدعاء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون من أمتي قوم يعتدون في الدعاء"، وتلا قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] "، ثم قال: "إنما يكفيك أن تقول: اللهم
стр. 658
إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل"؛ (ولأن الدعاء إذا أشبه كلام الناس أزال هيئة الصلاة، فصار كأنواع الكلام) (١) ".
قال: ولا ينبغي أن يسلِّم على المصَلِّي وهو في الصلاة، فيشغله عنها، ولا ينبغي للمصلي أن يردَّ بإشارة، ولا بغير ذلك.
أما السلام عليه، فإن ذلك يشغل قلبه عن صلاته، فلا ينبغي أن يتعرض لذلك، وأمَّا الرَّدُّ (٢)، فلا يجوز أن يرد بالقول ولا بالإشارة؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: "خرجنا إلى الحبشة، وبعضنا يُسَلِّم على بعض في صلاته، فلما قدمتُ، رأيت النبي ﷺ في الصلاة، فسَلَّمت عليه، فلم يَرُدَّ علي، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما سَلَّم قال: "يا ابن أم عبد، إن الله تعالى يحدث ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا يتكلم في الصلاة" (٣)، وقوله: "لم يرد علي"، دليل على أنه لم يرد [عليه] بالقول ولا بالإشارة؛ ولأنه إن رَدَّ بالقول كان متكلمًا، وإن ردَّ بالإشارة فقد قال ﵇: "كفوا أيديكم في الصلاة".
والذي روي: "أن رسول الله ﷺ خرج إلى قُباء، ووقف يصلي، فجاءت الأنصار فجعلوا يُسَلِّمون عليه، فقيل لبلال: هل كان يَرُدُّ عليهم؟ قال: كان يشير بيده"، فيحتمل أن يكون أشار يُعْلمهم أنه في الصلاة، ويكفهم عن السلام.
стр. 659
قال: ولو مَرَّ المصلي في قراءته بآية فيها ذكر الموت أو النار، فوقف عندها وتَعَوَّذ بالله من النار، أو استغفر الله، [جاز]، وذلك في التطوع، فهذا حسن؛ لما روي في حديث حذيفة: (أنَّه صَلَّى بصلاة رسول الله ﷺ بالليل ركعتين، فقرأ في إحداهما البقرة، وفي الثانية بالنساء، فما مَرَّ بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسألها، ولا ذكر النَّارِ إلا استعاذ منها) (١).
وقد قالوا: إن الإمام في الفرائض لا يفعل ذلك؛ لأنه لا يخلو إما أن يستوفى القراءة المسنونة، فيقف عند ذكر الجنة والنار، فيطَوِّل القيام على المؤتمين، وقد قال ﵇: "مَنْ صَلَّى بقوم، فليصل بهم صلاة أضعفهم" (٢)، وإن قَصَّر عن مسنون القراءة، فاستيفاء القراءة [المسنونة] أفضل من الدعاء.
قال: وينبغي للمأموم أن يستمع القراءة وينصت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقيل: إنها نزلت فيمن [كان] خلف الإمام (٣).
стр. 660
بَاب ما يغير فرض المصلي في الصلاة
قال أبو الحسن: إذا افتتح الصلاة متيمم، فرأى الماء، استقبل الصلاة؛ لأن الوضوء يجب عليه بسبب سابق للتحريمة، ألا ترى أنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه، فإذا زال العذر في خلال الصلاة، استند ذلك إلى حال الابتداء، فصار مؤديًّا لجزء من الصلاة مع الحدث، فتبطل صلاته.
وكذلك العريان إذا وجد ثوبًا؛ لأن فرض الستر مقدم على التحريمة، فإذا قدر عليه استند ذلك إلى الابتداء، فكأنَّه أدَّى الصلاة عاريًا مع القدرة [على الستر].
وكذلك الماسح على الخفين إذا انقضى وقت مسحه؛ لأن غسل الرِّجلين يجب عليه بسبب متقدم [على] التحريمة، وإنما كان رخَّص له في ترك ذلك للعذر، فإذا زال العذر بانقضاء الرخصة، وجب غسل الرجلين بسبب متقدم، فمنع من جواز ما مضى من الصلاة.
وكذلك الأمِّيّ إذا تعلم السورة؛ لأن فرض القراءة كان عليه قبل الدخول، ألا ترى أنه كان لا يجوز تركه لو قدر عليه، فإذا قدر في الثاني، استند ذلك إلى حال الابتداء، فكأَنَّه صَلَّى بغير قراءة وهو قادر عليها.
وكذلك من تذكَّر أن عليه صلاة قبل التي دخل فيها؛ لأن فرض الترتيب واجب مع الذكر، ولو تذكر هذه الصلاة ابتداءً منع ذلك من الافتتاح، وإنما حكمنا
стр. 661
بجواز ذلك للنسيان، فإذا تذكَّر قبل سقوط الفرض، فكأنَّه تذكر في الابتداء.
وعلى هذا، إذا افتتح يومئ لمرض، ثم زال ذلك المرض؛ لأن فرض الركوع والسجود كان سابقًا للتحريمة، فإذا وجب عليه استند الوجوب إلى ما تقدم، فكأَنه صَلَّى بالإيماء مع القدرة.
وكذلك إذا خرج وقت الجمعة، استأنف الظهر؛ لما قدمنا: أن من شرط الجمعة بقاء الوقت.
فإذا حدثت هذه المعاني بعدما قعد قدر التشهد، أو بعد ما سَلَّم وسجد للسهو، استقبل عند أبي حنيفة، ولم يستقبل عندهما؛ وهذا قد قدمناه في باب التيمم، وليس هذا عندهم كالأمة إذا أعتقت في خلال الصلاة ورأسها مكشوف، أنها تأخذ القناع وتبني؛ لأن هذا الفرض لزمها في الحال، ولم يستند إلى معنى سابق؛ بدلالة أنها كانت تفتتح الصلاة بغير قناع (١) مع القدرة [في الابتداء]، وإذا لزمها الفرض في الحال، فقد فعلت، فلم يجب عليها الاستقبال.
قال: وإذا صَلّى على غير طهارة وهو لا يعلم، أو توضَّأ بماء نجس، أو كانت عورته مكشوفة في الصلاة، أو صَلَّى فريضة قبل وقتها وهو لا يعلم حتى خرج منها، فعليه الإعادة؛ لأنه انتقل من شكّ إلى يقين، فكان عليه أن يأخذ باليقين، كالحاكم إذا حكم بالاجتهاد ثم ظهر له نص؛ ولأن الصلاة لا تجوز على هذا الوجه، فحال (٢) الجهل والنسيان لا يكون عذرًا فيه (٣).
стр. 662
بَاب لزوم الفرض بخروج الوقت
[قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى]: الأصل في هذا الباب: أن وجوب الصلاة يتعلق بآخر الوقت، وأول الوقت سبب [في الأداء]، هكذا كان يختار الشيخ أبو الحسن، ويستدل عليه بمذاهبهم.
وكان ابن شجاع يقول: بأن الوجوب يتعلق بأول الوقت وجوبًا موسّعًا، ويتضيق بآخر الوقت، وعلى هذا، كل عبادة مؤقتة يتَّسع وقتها لأداء مثلها.
وجه قول أبي الحسن: أن المكلّف في أول الوقت مخيّر بين فعل الصلاة وتركها لا إلى بدل، وهذا صفة النفل.
ولا يجوز أن يقال: إنه تركها إلى بدل: وهو العزم على فعلها في آخر الوقت؛ لأن العزم لو قام مقام الفعل، لساواه في جهة المصلحة، ولو كان كذلك، لسقط به الفرض، وفي علمنا أن الفرض لا يسقط بالعزم؛ دليل على أنه لا يقوم مقام الفرض.
ولا يجوز أن يقال: إن ما يفعل في آخر الوقت بدل عنها؛ لأن هذا البدل متروك في أول الوقت، فقد ترك في أول الوقت الفعل وبدله من غير عذر، فدلّ على أنه لا يجب فيه، وإن بدله بفعل في وقت ثانٍ يدل على الوجوب في الجملة، والخلاف في الوجوب في وقت معيَّن؛ ولأن كل صلاة جاز تأخيرها عن الوقت من غير عذر، فليست بواجبة فيه، كصلاة العصر يوم عرفة في وقت الظهر.
стр. 663
وجه قول ابن شجاع رحمه الله تعالى أن المؤدَّى في أول الوقت يقع موقع الفرض، فلو لم يكن الوجوب قد حصل، لم يقع المفعول موقع الواجب، إلَّا أنَّه خيِّر بين الفعل في أول الوقت، وبين ما بعده؛ فلذلك لم يأثم بتركه وتأخيره.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن وقوع الفعل موقع الإجزاء لوجود سببه لا يدل على الوجوب، كالزكاة قبل الحول، والتكفير قبل الحنث [حيث جاز].
وقد اختلفت الحكاية عن أبي الحسن فيما يفعل المصلي في أول الوقت، فحكي عنه: أنه يقع واجبًا، فكأنَّ الوجوب عنده يتعلق بحضور آخر الوقت، أو باختيار المكلف للفعل، وليس يمتنع أن لا يجب على الإنسان الفعل، ويتعين وجوبه بدخوله فيه، كما يتعين عليه وجوب النافلة بالدخول فيها.
وقد حكي عنه: أن المفعول في أول الوقت مراعًى لا يقطع بأنه واجب، ولا نفل، فإن حضر آخر الوقت والمكلف من أهل الوجوب، حكمنا أن الفرض ما كان قد قدَّمه وصار المفعول واجبًا، فإن حضر آخر الوقت وليس هو من أهل الوجوب، حكمنا أن المقدم نافلة.
وحكي عنه: أن المفعول (١) في أول الوقت نافلة، إلّا أن الله تعالى يسقط بها الفرض في آخر الوقت، وهذا غير ممتنع، كمن تصدق بجميع ماله بعد وجوب الزكاة، لا ينوي بذلك الزكاة، سقط عنه الفرض بنية النفل، وهذا أضعف الأقوال عن أبي الحسن رحمه الله تعالى.
стр. 664
٦٢٤ - فَصْل: [الوجوب متعلق بآخر جزء من الوقت]
ثم اختلف أصحابنا في حكم آخر الوقت، فقالوا: إن الوجوب متعلق بمقدار التحريمة من آخر الوقت، وحكي عن زفر ﵁: أن الوجوب يتعين إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدِّي فيه الصلاة.
والصحيح ما حكي عن زفر، ويجب أن يكون قولهم جميعًا؛ لأنه إذا بقي هذا القدر من الوقت، تعين عليه وجوب الفعل، ولحقه المأثم بالتأخير، فدلّ على أن الفرض قد وجب عليه، فكيف يقول إن الفرض لا يجب عليه حتى يبقى مقدار التحريمة، وهو منهي عن تأخير الصلاة (١) إلى ذلك الوقت، وكيف يوجب الله تعالى فعل أربع ركعات في مقدار التحريمة، وذلك تكليف ما لا يطاق.
وإنما أراد أصحابنا بقولهم: أن الفرض يتعين في مقدار التحريمة، أي: أنه إذا بقي مقدار هذا القدر من الوقت، يلزمه أن ينوي الأداء ولا ينوي القضاء، وتجب الصلاة على الحائض إذا [أدركت الوقت] طهرت، ويتغير فرض المسافر إذا [نوى الإقامة] (٢) فيه.
فإذا ثبت هذا، قال أبو الحسن الأصل في هذا: أن يعتبر آخر الوقت، قليل بقي منه أو كثير إذا كان مقدار ما يفتتح فيه الصلاة، فإن كانت امرأة حائض طهرت في آخر وقت الظهر، أو مسافر قدم (٣)، أو صبي بلغ، أو كافر أسلم، أو مجنون أفاق، أو مغمًى عليه [أفاق]، فعليهم جميعًا صلاة الظهر، ويصلي المقيم أربعًا.
стр. 665
وإن كانت طاهرًا حاضت في آخر الوقت، أو مقيمًا سافر، أو رجلًا ارتد في وقت الظهر، فلا قضاء على الحائض، ولا على المرتد لصلاة الظهر، ويصلي المسافر ركعتين.
وكذلك إن جُنّ في آخر الوقت، أو أغمي عليه، فمضت عليه ست صلوات، فلا قضاء على المجنون، ولا المغمى عليه؛ وذلك لأن من أدرك مقدار التحريمة من الوقت، فقد أدرك [التحريمة و] الوقت الذي ينوي فيه الأداء، فهو كمن أدرك مقدار أربع ركعات؛ ولأن هذا الإدراك يحتاج إليه للإيجاب، والإيجاب يعتبر فيه قدر التحريمة، وما بعد ذلك بناء عليه، كالدخول في صلاة النافلة.
وأما إذا حاضت في آخر الوقت، أو جُنّ، فقد سقط عنه الفرض؛ لأنا إن قلنا: إنّ وقت الوجوب مقدار التحريمة، فلم تحصل تكلفة في ذلك الوقت، ولا يلزمها الصلاة، وإن كان وقت الوجوب يتعين في مقدار أربع ركعات، فقد زال التكليف في بعضها، فلم يدرك بالتكليف وقت الوجوب، فلا يصح أن يجب عليه بعض الصلاة دون بعض.
стр. 666
بَاب قضاء الصلاة الفائتة
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا نسي الرجل صلاةً، أو نام عنها، فعليه قضاؤها، طال وقت تركها أو قصر، إذا ذكر ذلك في الأوقات التي بيّنتُ لك أن صلاة الفرض يجوز فيها؛ وذلك لقوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك، وقتها، لا وقت لها إلا ذلك" (١).
قال: وإن كان في الوقت الذي لا يجوز، لم يصَلِّ حتى يخرج ذلك الوقت؛ لأن "النبي ﵇ نهى عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة"، فيستعمل خبر القضاء في وجوب القضاء [في الجملة]، ويستعمل خبر الأوقات في تفصيل الأوقات التي يجوز فيها الصلاة حتى يؤدّي ذلك إلى استعمال الخبرين.
قال: ولا يصلي صلاة وهو ذاكر لما فاته إلا أن يخشى فوات التي هو فيها، فإن لم يخش فوتها، وصَلَّى الصلاة التي هو فيها، لم تُجْزِئه صلاته.
والأصل في هذا: أن الترتيب عندنا واجب في الفوائت ما لم تكثر، وقال الشافعي: الترتيب غير واجب (٢).
لنا: ما روي في حديث أبي سعيد قال: "حُبسنا يوم الخندق حتى فاتت
стр. 667
الظهر والعصر والمغرب، ومضى هوي من الليل، ثم كفانا الله سبحانه، وتلا هذه الآية: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، قال: ثم أمر النبي ﷺ بلالًا، فأذن وأقام، فصَلّى الظهر كأحسن ما يصليها في الحضر، ثم أقام للعصر، ثم أقام للمغرب، ثم أقام للعشاء" (١)، ففعله ﵇ في الفوائت، كفعله الصلوات في أوقاتها.
وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "من دخل مع الإمام في الصلاة، فتذكر أن عليه صلاة قبلها، مضى في هذه، ثم صلى تلك، ثم أعاد هذه" (٢)، وهذا الخبر روي مسندًا وموقوفًا، فإن كان مسندًا فهو نص، وإن كان موقوفًا ولم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة خلاف ذلك، فهو حجة؛ ولأن الترتيب مع بقاء الوقت واجب بالوقت والفعل، ألا ترى أنه لا يصلي العصر قبل الظهر بالوقت، ويسقط الوقت في يوم عرفة، فلا يجوز تقديم العصر على الظهر، فدَلَّ على أن الترتيب بالوقت والفعل، وإذا فات الوقت سقط الترتيب من حيث الوقت، وبقي الترتيب من حيث الفعل.
٦٢٥ - فَصْل: [الترتيب في قضاء الفوائت]
قال أصحابنا: إذا كثرت الفوائت، سقط الترتيب فيها، وقال زفر: لا يسقط أبدًا.
لنا أن الفرائض المكررة لا يجب فيها الترتيب، كقضاء أيام من رمضان،
стр. 668
وقد ادعى أصحابنا على زفر الإجماع، فقالوا: ما من مكلف إذا رجع إلى نفسه إلا تذكر أنه ترك في عمره صلاة متعمدًا، ولو وجب الترتيب عند كثرة الصلوات، لم يصح لأحد صلاة أبدًا، وهذا لا يجوز.
وجه قول زفر: أن الترتيب شرط من شرائط الصلاة، كالركوع والسجود، فلا فرق بين تركه في كثير الصلوات وقليلها.
٦٢٦ - فَصْل: [تحديد القليل المؤدي إلى سقوط الترتيب]
وإذا ثبت وجوب الترتيب في قليل الصلوات، وسقوطه في كثيرها، احتجنا إلى بيان القدر الفاصل بين القليل والكثير.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا كانت الفوائت ست صلوات، ودخل وقت السابعة، سقط [الترتيب]، وقال محمد: إذا دخل وقت السادسة سقط.
وجه قولهما: أن الترتيب يسقط بدخول الفرائض في حيز التكرار، والسادسة لا تجب أول الوقت، وإنما تجب بآخره، ففي أول الوقت ليس فيها فرض يتكرر، فلا يسقط الترتيب، فإذا خرج الوقت فقد وجبت السادسة، وتكررت إحدى الصلوات، فسقط الترتيب فيها.
وجه قول محمد: أن السادسة في أول الوقت (إذا فعلت، وقعت واجبة، فصار حالها في أول الوقت) (١) كحالها في آخره.
٦٢٧ - فَصْل: [سقوط الترتيب بالنسيان]
قال أصحابنا: [يسقط الترتيب في قليل الصلوات، وسقوطه في كثيرها
стр. 669
احتجنا [فيه] إلى بيان القدر، وقد بيّناه.
وقالوا]: يسقط الترتيب بالنسيان، وقال مالك: لا يسقط (١).
لنا: أن المنسية غير واجبة؛ بدلالة أن الله تعالى لو اخترم الناسي لم يؤاخذه بها، والترتيب يجب بين صلاتين واجبتين، فأما [بين] الواجب وغير الواجب، فلا يجب (٢) فيه الترتيب كالفرض والنفل.
٦٢٨ - فَصْل: [سقوط الترتيب بآخر الوقت]
قال أصحابنا: إذا حضر آخر الوقت، سقط الترتيب، ووجب عليه أن يقدم صلاة الوقت، وقال مالك: لا يسقط الترتيب (٣).
لنا: أنه إذا صَلَّى صلاة الوقت [يكون] أدّى إحدى الصلاتين فائتة، والأخرى في وقتها، فإذا قَدَّم الفائتة أدّاهما فائتتين، فلأن يؤدّي إحداهما في وقتها أولى.
стр. 670
وقد قال أصحابنا: إن الواجب في أول الوقت أن يقدم الصلاة الفائتة، فإن صَلَّى صلاة الوقت، لم تجزئه، والواجب في آخر الوقت أن يصلي صلاة الوقت، فإن صَلَّى الفائتة أجزأت.
والفرق بينهما: أن النهي عن صلاة الوقت في أول الوقت لمعنى يختص بها، ألا ترى أنه لو تنفل أو عمل عملًا من الأعمال لم ينه عنه، وإنما هي عن صلاة الوقت خاصة، والنهي إذا اختص بالمنهي اقتضى الفساد.
وأما في آخر الوقت، فالنهي عن الصلاة الفائتة لا يختص بها، وإنما منع منها حتى لا يؤدّي إلى تأخير صلاة الوقت عن الوقت؛ بدلالة أنه لو تنفَّل أو اشتغل (بعمل من الأعمال) (١)، كان منهيًا عنه، والنهي إذا لم يكن لمعنى في نفس المنهي عنه لم يوجب الفساد، [كالبيع عند النداء في يوم الجمعة].
٦٢٩ - فَصْل: [تحديد الفائتة لإعادة الترتيب]
قال: وإن صَلَّى بعد ذكره للفائتة خمس صلوات، أعادهنّ، فإن صَلَّى ستًا لم يعد في قول أبي حنيفة، وأعاد في قول أبي يوسف الخمس الأول [مع الفائتة]، قال: وهذا قول محمد.
وجه قول أبي حنيفة: أنه إذا صَلَّى بعدها أكثر من يوم وليلة، فقد تكررت [الصلوات]، فلم يجز إيجاب الإعادة بترك الترتيب مع وجود ما ينافي الترتيب؛ ولأنه إذا أعاد الصلاة بعد مضي أكثر من يوم وليلة، جاز له أن يعيدها غير مرتبة، وقد أدّاها في أوقاتها مرتبة (٢)، فلا معنى لإعادتها.