← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بَاب قضاء الصلاة الفائتة قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا نسي الرجل صلاةً، أو نام عنها، فعليه قضاؤها، طال وقت تركها أو قصر، إذا ذكر ذلك في الأوقات التي بيّنتُ لك أن صلاة الفرض يجوز فيها؛ وذلك لقوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك، وقتها، لا وقت لها إلا ذلك" (١). قال: وإن كان في الوقت الذي لا يجوز، لم يصَلِّ حتى يخرج ذلك الوقت؛ لأن "النبي ﵇ نهى عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة"، فيستعمل خبر القضاء في وجوب القضاء [في الجملة]، ويستعمل خبر الأوقات في تفصيل الأوقات التي يجوز فيها الصلاة حتى يؤدّي ذلك إلى استعمال الخبرين. قال: ولا يصلي صلاة وهو ذاكر لما فاته إلا أن يخشى فوات التي هو فيها، فإن لم يخش فوتها، وصَلَّى الصلاة التي هو فيها، لم تُجْزِئه صلاته. والأصل في هذا: أن الترتيب عندنا واجب في الفوائت ما لم تكثر، وقال الشافعي: الترتيب غير واجب (٢). لنا: ما روي في حديث أبي سعيد قال: "حُبسنا يوم الخندق حتى فاتت

стр. 667

الظهر والعصر والمغرب، ومضى هوي من الليل، ثم كفانا الله سبحانه، وتلا هذه الآية: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، قال: ثم أمر النبي ﷺ بلالًا، فأذن وأقام، فصَلّى الظهر كأحسن ما يصليها في الحضر، ثم أقام للعصر، ثم أقام للمغرب، ثم أقام للعشاء" (١)، ففعله ﵇ في الفوائت، كفعله الصلوات في أوقاتها. وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "من دخل مع الإمام في الصلاة، فتذكر أن عليه صلاة قبلها، مضى في هذه، ثم صلى تلك، ثم أعاد هذه" (٢)، وهذا الخبر روي مسندًا وموقوفًا، فإن كان مسندًا فهو نص، وإن كان موقوفًا ولم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة خلاف ذلك، فهو حجة؛ ولأن الترتيب مع بقاء الوقت واجب بالوقت والفعل، ألا ترى أنه لا يصلي العصر قبل الظهر بالوقت، ويسقط الوقت في يوم عرفة، فلا يجوز تقديم العصر على الظهر، فدَلَّ على أن الترتيب بالوقت والفعل، وإذا فات الوقت سقط الترتيب من حيث الوقت، وبقي الترتيب من حيث الفعل. ٦٢٥ - فَصْل: [الترتيب في قضاء الفوائت] قال أصحابنا: إذا كثرت الفوائت، سقط الترتيب فيها، وقال زفر: لا يسقط أبدًا. لنا أن الفرائض المكررة لا يجب فيها الترتيب، كقضاء أيام من رمضان،

стр. 668

وقد ادعى أصحابنا على زفر الإجماع، فقالوا: ما من مكلف إذا رجع إلى نفسه إلا تذكر أنه ترك في عمره صلاة متعمدًا، ولو وجب الترتيب عند كثرة الصلوات، لم يصح لأحد صلاة أبدًا، وهذا لا يجوز. وجه قول زفر: أن الترتيب شرط من شرائط الصلاة، كالركوع والسجود، فلا فرق بين تركه في كثير الصلوات وقليلها. ٦٢٦ - فَصْل: [تحديد القليل المؤدي إلى سقوط الترتيب] وإذا ثبت وجوب الترتيب في قليل الصلوات، وسقوطه في كثيرها، احتجنا إلى بيان القدر الفاصل بين القليل والكثير. قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا كانت الفوائت ست صلوات، ودخل وقت السابعة، سقط [الترتيب]، وقال محمد: إذا دخل وقت السادسة سقط. وجه قولهما: أن الترتيب يسقط بدخول الفرائض في حيز التكرار، والسادسة لا تجب أول الوقت، وإنما تجب بآخره، ففي أول الوقت ليس فيها فرض يتكرر، فلا يسقط الترتيب، فإذا خرج الوقت فقد وجبت السادسة، وتكررت إحدى الصلوات، فسقط الترتيب فيها. وجه قول محمد: أن السادسة في أول الوقت (إذا فعلت، وقعت واجبة، فصار حالها في أول الوقت) (١) كحالها في آخره. ٦٢٧ - فَصْل: [سقوط الترتيب بالنسيان] قال أصحابنا: [يسقط الترتيب في قليل الصلوات، وسقوطه في كثيرها

стр. 669

احتجنا [فيه] إلى بيان القدر، وقد بيّناه. وقالوا]: يسقط الترتيب بالنسيان، وقال مالك: لا يسقط (١). لنا: أن المنسية غير واجبة؛ بدلالة أن الله تعالى لو اخترم الناسي لم يؤاخذه بها، والترتيب يجب بين صلاتين واجبتين، فأما [بين] الواجب وغير الواجب، فلا يجب (٢) فيه الترتيب كالفرض والنفل. ٦٢٨ - فَصْل: [سقوط الترتيب بآخر الوقت] قال أصحابنا: إذا حضر آخر الوقت، سقط الترتيب، ووجب عليه أن يقدم صلاة الوقت، وقال مالك: لا يسقط الترتيب (٣). لنا: أنه إذا صَلَّى صلاة الوقت [يكون] أدّى إحدى الصلاتين فائتة، والأخرى في وقتها، فإذا قَدَّم الفائتة أدّاهما فائتتين، فلأن يؤدّي إحداهما في وقتها أولى.

стр. 670

وقد قال أصحابنا: إن الواجب في أول الوقت أن يقدم الصلاة الفائتة، فإن صَلَّى صلاة الوقت، لم تجزئه، والواجب في آخر الوقت أن يصلي صلاة الوقت، فإن صَلَّى الفائتة أجزأت. والفرق بينهما: أن النهي عن صلاة الوقت في أول الوقت لمعنى يختص بها، ألا ترى أنه لو تنفل أو عمل عملًا من الأعمال لم ينه عنه، وإنما هي عن صلاة الوقت خاصة، والنهي إذا اختص بالمنهي اقتضى الفساد. وأما في آخر الوقت، فالنهي عن الصلاة الفائتة لا يختص بها، وإنما منع منها حتى لا يؤدّي إلى تأخير صلاة الوقت عن الوقت؛ بدلالة أنه لو تنفَّل أو اشتغل (بعمل من الأعمال) (١)، كان منهيًا عنه، والنهي إذا لم يكن لمعنى في نفس المنهي عنه لم يوجب الفساد، [كالبيع عند النداء في يوم الجمعة]. ٦٢٩ - فَصْل: [تحديد الفائتة لإعادة الترتيب] قال: وإن صَلَّى بعد ذكره للفائتة خمس صلوات، أعادهنّ، فإن صَلَّى ستًا لم يعد في قول أبي حنيفة، وأعاد في قول أبي يوسف الخمس الأول [مع الفائتة]، قال: وهذا قول محمد. وجه قول أبي حنيفة: أنه إذا صَلَّى بعدها أكثر من يوم وليلة، فقد تكررت [الصلوات]، فلم يجز إيجاب الإعادة بترك الترتيب مع وجود ما ينافي الترتيب؛ ولأنه إذا أعاد الصلاة بعد مضي أكثر من يوم وليلة، جاز له أن يعيدها غير مرتبة، وقد أدّاها في أوقاتها مرتبة (٢)، فلا معنى لإعادتها.

стр. 671

وجه قولهما: أن هذه الصلوات كانت إعادتها واجبة [مرتبةً] ما لم تزد على الخمس، فإذا زادت لم تسقط الإعادة عنه الترتيب (١)، كما لو صَلَّى بغير طهارة؛ ولأن افتتاحها وقع فاسدًا، فإذا صار إلى حال يسقط فيه الترتيب، لم يصح الفاسد، كمن افتتح الصلاة في أول الوقت وهو يتذكر ما قبلها، وطَوَّلها حتى انتهى إلى آخر الوقت، لم يجزئه عن الواجب وإن صار إلى حال لو ابتدأها جاز. ٦٣٠ - فَصْل: [ما يوجب الإعادة للفائتة] قال: فإن صَلَّى وهو ذاكر للفائتة، وهو يرى أنها تجزئه، والفائتة واجب إعادتها بالإجماع، أعاد التي صَلَّى، وقال زفر: لا إعادة عليه، وهذا كمن ترك صلاة الظهر، ثم صَلَّى العصر، أو صلى الظهر على غير وضوء وهو لا يعلم، ثم تذكر وصلى العصر وهو ذاكر. وجه قولهم: أن الظهر تجب إعادتها بالإجماع، والترتيب واجب بين الصلاتين، فإذا ظنَّ أن الفائتة تجزئه، فقد استند ظنه إلى غير أصل، فلا يتعلق به حكم، وهذا عندنا محمول على أن المصَلَّي من غير أهل الاجتهاد، فأمره محمول على مذهبنا، فإن كان مجتهدًا وصَلَّى وهو يرى سقوط الترتيب، فصلاته ماضية. وجه قول زفر: أن الترتيب مختلف في وجوبه، فإذا صَلَّى وهو يظن أن ذلك يجزئه، [فقد] استند ظنه إلى أصل صحيح، فصار ذلك عذرًا في سقوط الإعادة. فأمَّا إذا صَلَّى صلاة وهو ذاكر لصلاة قبلها ووجوب إعادتها مختلف فيه،

стр. 672

وهو معتقد أن ذلك يجزئه، لم يلزمه إعادة الثانية. مثاله: إذا صَلَّى الظهر على غير وضوء، ثم صلى العصر وهو ذاكر للظهر، ثم توضَّأ وأعاد الظهر، ثم صلى المغرب وهو ذاكر للعصر يعتقد أن ذلك يجزئه، فعليه إعادة العصر، وليس عليه إعادة المغرب؛ لأن وجوب إعادة العصر مختلف فيه، وظنه أن الترتيب لا يجب مستندًا إلى أصل، فصار ذلك شبهة. وهذا [كما قالوا: فيمن] (١) وطئ جارية ابنه وظن أنها تحلّ له، أن الحَدَّ يسقط عنه، ولو وطئ جارية أجنبي وظن أنها تحل له: أن الحد لا يسقط عنه، فدلّ ذلك على افتراق الظن إذا استند إلى أصل أو لم يستند (٢).

стр. 673

بَاب فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام قال الشيخ رحمه الله تعالى: جملة هذا الباب مبني على أن صلاة المؤتم متعلقة بصلاة الإمام مرتبة عليها، والدليل على ذلك: أنه يؤدي أفعاله بمقتضى تحريمة الإمام، فكانت مبنية عليها كتحريمة نفسه إذا انفرد، ولما أدّى الأفعال بمقتضاها كانت مبنية عليها؛ ولأن سجود السهو يلزمه بسهو الإمام، فلو لم تكن صلاته مبنية على صلاته، لم يلزمه السجود السهوه كالمنفردين؛ (ولأنه لو علم بتعذر طهارته بطلت صلاته، ولو لم تكن مبنية على صلاته، لم تبطل وإن علم، كالمنفردين) (١). قال أبو الحسن: وإذا فسدت صلاة الإمام بمعنى دخل عليه دون المأموم، فصلاة المأموم فاسدة، إلّا أن يكون المأموم قد أكمل فرضه، وهذا مثل أن يحدث الإمام عامدًا، أو يتكلّم، أو يرى الماء وهو متيمم، أو ينقضي وقت مسحه وهو لابس الخف، فإن صلاته تبطل وصلاة المأموم؛ لما بيّنّا أن صلاة المؤتم مبنية على تحريمة الإمام، فإذا بطلت تحريمة الإمام بطل ما بني عليها، كما تبطل صلاة الإنسان ببطلان تحريمته. فأما إذا أكمل المأموم فرضه، فمثاله: أن يكون الإمام مسبوقًا قد استخلف، فيقعد مقدار التشهد في صلاة الإمام الأول، ثم يلحقه الفساد، أيّ فساد كان،

стр. 674

فإن صلاة المأموم تامة إذا كان قد أدرك أول الصلاة، وهذه رواية الأصول. وقد قال أبو يوسف في الإملاء: صلاة المأموم أيضًا فاسدة. وجه قولهم المشهور: أن الإمام إذا أحدث، بطل الجزء الذي يصادفه الحدث من صلاته، وتعذر بناء ما بعده من فروض الصلاة على ما قبلها، والصلاة لا ينفرد بعضها من بعض، فيبطل ما مضى لتعذر فعل ما بقي، فأما المأموم، فقد بطل من صلاته الجزء الذي يبطل من صلاة الإمام بالحدث، [إلا أنه] لم يبق عليه فرضٌ يبنى على ما تقدم، فقد تساويا في تأثير الفساد في صلاتهما، فتفسد ما مضى من صلاة الإمام لمعنى لا يوجد في المؤتم، ولا تبطل صلاته. وجه الرواية الأخرى: أن صلاة الإمام بطلت في حال بناء المؤتم على صلاته، فصار كما لو بطلت بالحدث في خلال الصلاة. قال: وإذا كان الفساد لاحقًا لهما [جميعًا]، مثل طلوع الشمس قبل السلام، أو رؤية الماء إذا رأياه جميعًا معًا، وما لم يكن من فعلهما، فإن صلاتهما تفسد عند أبي حنيفة، أكملا الفرض أو لم يكملا إذا كان قبل السلام، وهي تامة عند أبي يوسف ومحمد، وهذا قد ذكرناه. وذكرنا: أن الفساد في المسائل المعدودة يستوي فيه عند أبي حنيفة أوّل الصلاة وآخرها، (فالمسبوق عنده والمدرك سواء في ذلك) (١). ٦٣١ - فَصْل: [تأثير بطلان صلاة الإمام على صلاة المأموم] قال: فإن كان الإمام أكمل فرضه، والمأموم مسبوق، فلحق الإمامَ فسادٌ

стр. 675

قبل السلام دخل عليه دون المأموم، فصلاة الإمام تامة، وصلاة المأموم [أيضًا] تامة، إلّا أن يكون الإمام أحدث متعمدًا أو قهقه، فإن صلاة الإمام تصح وصلاة المأموم تفسد في قول أبي حنيفة، ولا تفسد صلاة المأموم عند أبي يوسف ومحمد؛ لِمَا دخل على الإمام إذا لم تفسد صلاة الإمام. وجملة قول أبي حنيفة في ذلك: أن المعنى الطارئ إذا كان قطعًا للصلاة لم تبطل صلاة المؤتم، كالكلام والمشي والعمل المنافي للصلاة، وإن كان الخروج على وجه الإفساد أبطل صلاة المأموم كالقهقهة والحدث. ويعرف الفرق بينهما: بأن كل موضع لم يجز للإمام أن يدخل في صلاة أخرى إلا بعد الطهارة، فخروجه على وجه الإفساد، وكل موضع جاز له أن يفتتح صلاة أخرى بغير طهارة، فخروجه [عنها] على وجه القطع. وجه قول أبي حنيفة: أن الإمام إذا أحدث بطل الجزء الذي يصادفه الحدث من صلاته، وبطل ما يقابله من صلاة المؤتم، إلّا أن الإمام لم يبق عليه فرض من فروض الصلاة، فلم يفسد ما مضى من صلاته، والمؤتم قد بقي عليه فروض لا يقدر أن يبنيها على ما تقدم، فتبطل صلاته. وأما إذا تكلم، فالكلام قطع للصلاة وليس بإفساد، فهو كالسلام. وجه قولهما: أن المعنى المفسد لم يوجد من جهة المأموم، وإنما وجد من جهة الإمام، فإذا لم تفسد صلاة من وجد منه فلأن لا تفسد صلاة غيره أولى.

стр. 676

بَاب اختلاف فرض الإمام والمأموم ومن تصح معه صلاة المأموم أو لا تصح قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: لا يجوز أن يؤم العريان اللابسين، وذلك أن الستر شرط من شرائط الصلاة، فإذا عدم من الإمام وما يقوم مقامه، لم يجز لمن معه ذلك الشرط أن يقتدي به كمن صلى بلا طهارة، فاقتدى به المتطهر. قال: ولا المستحاضة، و [لا] مَنْ به سلس البول، أو استطلاق البطن، أو رعاف لا ينقطع، [لا يجوز] للأصحاء الذين ليس بهم ذلك؛ وذلك لأنّ الإمام قد وجد منه الحدث، فلم يجز للمتطهر أن يقتدي به كغير حال (١) العذر؛ ولأن هذا الحدث لو وجد من المؤتم أبطل صلاته، وإنما لا تبطل صلاة الإمام؛ لأنه لا يقدر على الاحتراز منه، فمن يقدر على الاحتراز منه [أولى أن] يؤثر في صلاته؛ ولأن المؤتم يؤدي صلاته بطهارة نفسه وطهارة إمامه؛ بدلالة أنه لو علم بحدث الإمام، لم يجز اقتداؤه به، فإذا وجد الحدث عقيب طهارة الإمام، فكأَنَّه وجد من المؤتم ولا عذر به، فلم تصح صلاته. قال: ولا يؤم الأُمِّيُّ القارئَ، ولا الأخرسُ المتكلمَ؛ لقوله ﵇: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله"، وهذا نهي عن تقديم من لا يحسن القرآن، والنهي يفيد الفساد؛ ولأن القراءة شرط من شرائط الصلاة، فإذا عدم من جهة الإمام وما قام

стр. 677

مقامه، فلا يجوز لمن يقدر على ذلك الشرط أن يقتدي به، كمن صلى بلا طهارة، فاقتدي به طاهر. قال: ولا يؤم الأخرسُ الأُمِّيَّ؛ وذلك لأن الأخرس لا يأتي بالتحريمة، وهي ذكر (١) مشروط، والأمي يأتي بها، فصار كالأمي إذا أمَّ القارئ، ولمّا عجز الإمام عن القراءة، وهي شرط لم يجز للقادر عليها أن يقتدي به. قال: ولا يؤمّ المومئُ من يركع ويسجد، وقال زفر: يجوز أن يؤمّ. لنا: قوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتمّ به (٢)، فلا تختلفوا على أئمتكم"؛ ولأنه لم يشارك إمامه في الركوع، ولا أتى بركوعه مرتبًا على ركوع الإمام، فكأَنَّه شاركه بعد الركوع، فلا يعتد له بالركعة. وجه قول زفر: أن الإيماء قائم مقام الركوع، فإذا وجد من الإمام ما يقوم مقام الشرط لأجل العجز، جاز الاقتداء به، كالمتيمم إذا صلى بالمتوضِّئين قال: ولا تؤم المرأةُ الرجلَ في جمعة ولا غيرها؛ لقوله ﵇: "أخّروهن من حيث أخرهن الله"، فأمر بتأخير النساء، وهذا نهي عن تقديمهنّ، والنهي يفيد فساد المنهي عنه. قال: فإن ائتم أحد هؤلاء ببعض من ذكرنا من الأئمة، فسدت صلاتهم، وصلاة الإمام جائزة، إلّا الأمي خاصة إذا أمّ القارئ، فإن صلاة الأمي [أيضًا]

стр. 678

فاسدة في قول أبي حنيفة، وجائزة عند أبي يوسف ومحمد. أما صلاة الراكع خلف المومئ، وصلاة الطاهرات خلف المستحاضة، والكاسي خلف العاري؛ فلأنَّ الإمام قد أدى فرض نفسه، وإنما بطلت صلاة المؤتم؛ لأنه بناها على تحريمة ناقصة، فلا يؤثر ذلك في صلاة الإمام. فأَمَّا الأُمّي إذا أمَّ القارئ، فصلاتهما فاسدة عند أبي حنيفة؛ لأنه يقدر على أن يقتدي (١) بالقارئ، فيصير مؤدِّيًا لصلاته بقراءةٍ على أصلنا؛ لأن قراءة الإمام قراءة للمؤتم، فإذا تقدمه، فقد ترك القراءة (في صلاته مع القدرة، فبطلت صلاته، كما لو كان قارئًا فترك القراءة)، وهذا محمول على أن الإمام علم أن خلفه قارئًا. وكان أبو الحسن يقول: إن القارئ والأمي يتساويان في فرض التحريمة، ويختلفان في القراءة، فإذا اقتدى القارئ به، صحت تحريمته، وقد التزم الإمام تصحيح صلاته، فصار ملتزمًا للقراءة التي تصح صلاة المؤتم بها، وقد تركها فبطلت صلاته. ولا يقال: كيف يلزمه فرض القراءة وهو لا يقدر عليها؛ لأن من ألزم نفسه ما لا يقدر عليه، لزمه وإن لم يلزمه الله ذلك ابتداءً، وهذا كمن نذر ألف حِجَّة، لزمه بإلزامه وإن لم يلزمه من الله تعالى ذلك. ولا يقال: لو صحّ دخول المؤتم للزمه القضاء إذا أفسدها، فقد قالوا في القارئ: إذا دخل في صلاة الأمي متطوعًا وأفسدها لم يلزمه القضاء؛ وذلك لأنه

стр. 679

لما دخل فيها أوجبها بغير قراءة، فكأنَّه نذر أن يصلي بغير قراءة، فلا يلزمه القضاء عند زفر، ولا رواية عن أبي حنيفة. وجه قولهما: أن الأُميَّ أدى فرض نفسه على ما يقدر عليه، وقدرة غيره عليه لا تؤثر في صلاته، كالمومئ والعاري إذا أمَّا غيرهما. قال: وإن كان المأموم عريانًا، أو أميًّا، أو به سلس البول، والإمام صحيح لابس، فصلاتهم جميعًا جائزة؛ لأنهم بنو صلاة ناقصة على تحريمة كاملة، فصار كالمتنفل خلف المفترض. قال: ويؤم العُرْيان العُراةَ، وأن يصلوا وحدانًا أحبّ (١) إلينا، وإذا أمَّ قام وَسَط الصف. وإنما جازت إمامته؛ لأنه ساوى المأمومين في النقص، فقد بنو صلاة على مثلها، ويكره ذلك؛ لأنه إن تقدمهم شاهدوا عورته، وإن وقف في وَسَطِهم ترك سنة مقام الإمام، وإنما يقف في وسطهم؛ لأن ذلك أستر له وأبعد من مشاهدتهم لعورته. قال: ولا بأس أن يؤمّ المُومى الذين يُؤْمِئُون، وكذلك المستحاضة تؤم من في معناها مستحاضة كانت المؤتمة أو بها سلس البول؛ لأنهما [تساويا] (٢) في نقصان طهارتهما (٣)، والمتساويان في الفرض يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر. قال: ويَؤُمُّ الماسحُ على خفيه الغاسِلين؛ لأنّ المسح طهارة كاملة لا يقف

стр. 680

على الضرورة، فهو كالغسل؛ ولأنه مسح لا يقف على الضرورة كمسح الرأس (١). ٦٣٢ - مَسْألة: [إمامة المتيمم المتوضئين] قال: ويؤم المتيمم المتوضئين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يؤمهم عند محمد. وجه قولهما: أن التيمم (٢)، مسح أقيم مقام غسل، كمسح الخفين، ولأنها طهارة لم يتعقبها حدث كالوضوء. وجه قول محمد: أنها طهارة ضرورة كطهارة المستحاضة. قال: ويؤم القاعد الذي يركع ويسجد من القيام (الذين يركعون ويسجدون) (٣)، وهو استحسان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز. وجه قولهما: ما روي: "أن النبي ﵇ أمر أبا بكر في مرضه أن يصلي بالناس، ثم وجد خفة، فخرج وجلس على يسار أبي بكر، فافتتح القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاته، والناس يقتدون بأبي بكر" (٤). ولا يقال: إنه [روي عنه ﷺ ]: "لا يؤمن أحد بعدي جالسًا [قومًا يصلون قيامًا] "؛ لأن هذا قاله سقط بغلته فهمّشت جبينه، فصلى قاعدًا، فقعد

стр. 681

الناس خلفه، ثم قال: "لا يؤمنّ أحد بعدي جالسًا" (١)، يعني: على تلك الصفة، [وعندنا لا يجوز أن يصلي القادر خلفه قاعدًا كما فعلوا]؛ ولأن المشاركة عدمت بين الإمام والمؤتم في القيام، وهذا لا يمنع من الاعتداد بها، كما لو أدركه راكعًا. وجه قول محمد: أنها صلاة لا تجوز في غير حال العذر كصلاة المومئ. قال: ومن لم تجز إمامته في أول الصلاة، واستخلف فيها بعد أن دخل فيها بإمامة غيره، فسدت صلاته، وصلاة الإمام الأول، وصلاة القوم جميعًا. أما فساد صلاة المستخلف؛ فلأنه دخل في تحريمة كاملة، وبنى عليها صلاة ناقصة، فلم يجز أن يبني أحد الفرضين على الآخر مع اختلافهما. وأما المؤتمون؛ فلأنه لا (٢) يجوز أن يقتدوا بهذا الإمام في أول الصلاة، فكذلك لا يجوز أن يقتدوا به في حال البقاء. وأما الإمام الأول فلما خرج من الإمامة، صار كأحد المؤتمين، فبطلت صلاته كما تبطل صلاتهم.

стр. 682

بَاب الرجل يشُكُّ فيما فاته من الصلاة قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا شَكَّ الرجل في صلاتين تركهما من يومين، الظهر والعصر، لا يدري أيهما أولًا، فإنّ عليه أن يتحرى الصواب، فيقضي الأولى منهما في نفسه، ثم يقضي الأخرى، فإن أراد أن يأخذ بالثقة واليقين: صَلَّى الظهر، ثم العصر، ثم الظهر. وقال أبو يوسف ومحمد: لسنا نأمره بذلك، وليس عليه أن يتحرى، وقال عمرو عن محمد: قال أبو يوسف يتحرى، وأحب إلينا: أن يصلي الظهر، ثم العصر، ثم الظهر. قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا: أنا قد بيّنا أنّ وجوب الترتيب في الفوائت، فإذا فاته الظهر من يوم، والعصر من يوم آخر، فالترتيب واجب فيهما؛ لأنه لم يحصل بين الصلاتين ست صلوات، وقد قال الطحاوي في مختصره: إذا كان بين الفائتتين ست صلوات، سقط الترتيب، وفي مسألتنا بينهما خمس صلوات، والترتيب واجب (١)، وشرائط الصلاة يعتبر فيها اليقين إذا قدر عليه، والاجتهاد إذا تعذر اليقين، فإذا لم يعلم المتقدم عن الفائت، اجتهد كما يجتهد في ركعات الصلاة إذا شكّ فيها، فإن لم يكن له رأي، أخذ باليقين. كما قالوا: فيمن شَكَّ في ركعات من صلاته، ولا رأي له، إنه يبني على

стр. 683

اليقين، واليقين هاهنا أن يعيد إحدى الصلاتين (١) مرتين، فيتيقّن الترتيب. وجه قولهما: أن الشَّكَّ في شرائط الصلاة يعتبر فيها الاجتهاد، ولا يجب الرجوع إلى اليقين، كالشَّك في القبلة، لا يصلي إلى كل الجهات. وهذا ليس بصحيح؛ لأن مَنْ صَلَّى إلى كُلِّ جهة، كان فاعلًا لما لا يجوز، وهي الصلاة إلى غير قبلة، وفي مسألتنا يكون متنفلًا بإحدى الصلاتين، وذلك ليس بمحظور. ومن أصحابنا من قال: لا خلاف في هذه المسألة؛ لأن أبا حنيفة ﵀ قال: أحب إليّ أن يأخذ بالاحتياط، وقالا: لا يجب ذلك، فأجاب أبو حنيفة في الاستحباب ولم يجيبا فيه، ونفيا الوجوب، وأبو حنيفة لا يوجب ذلك إذا كان له ظن. ولم يذكر في الأصول إذا شَكَّ في ثلاث صلوات، واختلف أصحابنا المتأخرون في ذلك: فمنهم من قال: إذا ترك الظهر من يوم والعصر من يوم آخر، والمغرب من يوم آخر، لا يدري أيها أولًا، فقد سقط الترتيب. ومنهم من قال: لا يسقط الترتيب. فمن أسقط الترتيب قال: لأنَّ ما بين الفوائت إذا زاد على ست صلوات، فلا يجب الترتيب مع وجود ما ينافيه، ومن أوجب الترتيب اعتبر أن تكون الفوائت ست صلوات، وإن كان بينهما ست وهي أقل من ست، لم يسقط الترتيب؛ لأن الفرض لم يدخل في حيّز التكرار.

стр. 684

فعلى طريقة هذا القائل: يجب أن يصلي الظهر، ثم العصر، ثم الظهر (١)، ثم المغرب، ثم الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، فيصلي سبع صلوات، حتى يؤدي الترتيب بيقين. وأصل ذلك: أن نعين ما يلزمه في الفائتتين إذا انفردتا نأمره به، ثم بالثالثة، ثم يفعل بعد الثالثة ما كان يلزمه أن يفعل في الصلاتين. فإن ترك مع ذلك العشاء، فعليه أن يصلي سبع صلوات كما ذكرنا في المغرب، ثم يصلي العشاء، ثم يصلي بعدها سبع صلوات التي كانت تلزمه قبلها؛ لأنه لا يسقط فرضه بيقين إلَّا على هذا الوجه، وعلى هذا القياس يبني المسائل. فإن قيل: إذا كان الاحتياط في إعادة إحدى الصلاتين مرتين، فلِمَ قال أبو حنيفة: إنه يصلي الظهر مرتين، ولم يقل إنه يصلي العصر، ثم الظهر، ثم العصر. فالجواب: أن الفرض يسقط بيقين في الوجهين جميعًا، وإنما ذكر بأحد الوجهين ليبيّنه به على الآخر. ومن أصحابنا من قال: إنه خَصَّ الظهر لمزية لها؛ [لأنها أول ما ذكر في الشرع]، وهو أن جبريل لمَّا صَلَّى بالنبي ﷺ لبيان المواقيت، ابتدأ بالظهر. ٦٣٣ - فَصْل: [نسيان الصلاة من يوم لا يدري أيّ صلاة هي] وإذا نسي الرجل صلاة من يوم لا يدري أي صلاة هي، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد قالوا: يعيد صلاة ذلك اليوم.

стр. 685

وقال الثوري: يصلي [ذلك] المغرب والفجر، ويصلي أربع ركعات ينوي بها الظهر، أو العصر، أو العشاء. وقال بشر المريسي: يصلي أربع ركعات، يقعد في الثانية والثالثة والرابعة، ينوي بها ما عليه. وجه قولهم: أن تعيين (١) النية مستحق في الفائتة، ألا ترى أن الظهر لا يجزئ بنية العصر، ولا يجزئ العصر بنية الظهر، فالواجب أن يسقط فرضه بيقين، وذلك لا يكون إلا بإعادة خمس صلوات. وجه قول الثوري: أن الفجر والمغرب يختلف عددهما، ولا تقع إحداهما عن الأخرى، فلا بد من فعلهما، وأما الثلاث الصلوات، فعددها متفق، فإذا صلى أربع ركعات ينوي إحدى الثلاث الصلوات، فقد أسقط فرضه وهذا ليس بصحيح؛ لأن الواجب أن يعيِّن النية للصلاة، فإذا نوى الظهر، أو العصر، لم يجزئه ذلك، ألا ترى أن من أَخَّر الصلاة إلى آخر الوقت، ثم صَلَّى ينوي ما عليه، لم يجزئه حتى يعيّن الصلاة، وإن لم يكن عليه إلّا صلاة الوقت. وأما الذي قال بشر، فليس بصحيح؛ لأن الفائتة إن كانت أربع ركعات، فقد قعد في الثالثة، وهو منهي عنه، وإن كانت المغرب أو الفجر، فقد ضَمَّ إلى الفرض غيره، وذلك مكروه. قال عمرو: سألت محمدًا عن رجل نسي سجدةً من صلب صلاة مفروضة، فلم يدر أي صلاة هي، قال: فإنه يعيد خمس صلوات، وهو قول أبي حنيفة؛

стр. 686

وذلك أنه إذا ترك سجدة من صلاته، بطلت، فصار ترك السجدة كترك جميع الصلاة. قال: فقلت: في قول أبي حنيفة وقولكم رجل نسي خمس صلوات من خمسة أيام لا يعرف أيتهنّ هي، قال: يصلي صلاة خمسة أيام، قلت: فإن نسي أكثر من خمسة أيام، عشرة أيام أو أكثر، قال: فكذلك. وهذا الذي قاله يدل على أن المعنى ليس ما قاله الطحاوي أن يكون ما بين الفائتتين ست صلوات، وإنما المعتبر أن يكون الفوائت ست صلوات. فأمَّا قوله: إذا ترك عشر صلوات من عشرة أيام فكذلك، وهذا لا يجوز على قول أبي حنيفة؛ لأن من أصله أن الفائتة الواحدة إذا صلّي بعدها ست صلوات، فما زاد سقط الترتيب فيها مع الذكر، حتى لا يجب الترتيب مع وجود ما ينافيه، فمع النسيان أولى، وإنما هذا يصح على قولهما؛ لأن [عندهما: يجب عليه] أن يعيد الفائتة وخمس صلوات بعدها. والله أعلم (١).

стр. 687

[١٥] بَاب سجدة التلاوة قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: سجدة التلاوة عند أصحابنا جميعًا واجبة في أربعة عشر موضعًا من القرآن. والأصل في سجدة التلاوة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥]، فجعل ذلك من صفة الإيمان. وروى أبو صالح عن أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلاه، أمر هذا مولاه بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار" (١). وأما وجوبها، فعندنا هي واجبة، وقال الشافعي: مسنونة (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١]، فذمَّهم على ترك السجود، والذم يستحق بترك الواجب، وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب؛ لأنها سجدة تفعل في الصلاة بالشرع، كسجدة الصلاة. وأمَّا الكلام في المواضع المختلفة فيها من السجدات، فعندنا: في الحج

стр. 688

سجدة واحدة: وهي الأولى، وقال الشافعي: الأولى والثانية. لنا: أن الثانية ذكر فيها ركوع وسجود، وذلك أمر بالصلاة دون السجدة؛ ولأن السورة الواحدة لا يجتمع فيها سجدتان كسائر السور. والفصل الثاني: سجدة ﴿ص﴾، عندنا سجدة تلاوة، وقال الشافعي: هي سجدة شكر (١)، وقال محمد في الآثار: عن ابن عباس: أن النبي ﵇ قال في سجدة ﴿ص﴾: "سجدها داود للتوبة، ونحن نسجدها شكرًا" (٢)، قال: وهو قول أبي حنيفة، وهذا معناه: أن سببها الشكر، وإن كانت سجدة تلاوة (٣). والخلاف يتعين فيها: أن التالي في الصلاة هل يسجدها أم لا؟ فعندنا: أنه يسجد، وعندهم: لا يسجد. والدليل على قولنا: ما روي: أن عثمان تلا سجدة ﴿ص﴾ في صلاته فسجد؛ ولأنها سجدة تفعل في الخطبة، فتفعل في الصلوات كسائر السجدات. واختلف السلف في موضع السجود من سورة ﴿حم﴾ (٤)، فقال مسروق: كان أصحاب عبد الله يسجدون في الأولى (٥)، وقال ابن عباس وابن المسيب: موضع السجود: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وهو قول أصحابنا.

стр. 689

والدليل عليه: أن تمام الكلام يقع بذلك، والسجود عند تمام الكلام أولى. وأما سجود المفصل، فعندنا: أنها ثلاث سجدات، وهو قول ابن مسعود وأبي هريرة. وقال ابن عباس وزيد: لا سجود في المفصل (١)، وهو قول مالك (٢). لنا: ما روى ابن مسعود: "أن النبي ﷺ تلا سورة النجم، فسجد، وسجد المسلمون معه والمشركون" (٣)، وروى أبو هريرة: "أن النبي ﷺ سَجَدَ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ " (٤). والذي روي عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ لم يسجد في المفصل بعد الهجرة" (٥)، فقد روي أن أبا هريرة تلا في الصلاة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وسجد، فقيل له: فعلت ما لم يفعله أصحابك، فقال: "صليت مع رسول الله ﷺ فسجد" (٦)، وأبو هريرة متأخر الإسلام.

стр. 690

٦٣٤ - فَصْل: [ممن تجب عليه سجدة التلاوة] قال: وإذا تلا شيئًا من ذلك في صلاة فرض، أو تطوع، أو غير صلاة، والتالي [لها] طاهر، أو محدث، أو جنب، أو حائض، أو نفساء، أو كان التالي مشركًا، أو صبيًا، أو مجنونًا، أو سكران، فذلك كله سواء. أمَّا التلاوة في الصلاة، فإنما يسجد لها؛ لأن "النبي ﵇ قرأ حم السجدة في صلاته فسجد"؛ ولأن السجدة من حكمها أن تفعل عقيب التلاوة. وأما وجوب السجود مع اختلاف صفة التالي؛ فلأن السجود يجب لإظهار الخضوع عند التلاوة، وتعظيمًا لها، وهذا المعنى موجود وإن كان التالي ليس من أهل الوجوب. قال: ويلزم السجدة من تلا وسمع إذا كان ممن تلزمه الصلاة، أو قضاء الصلاة. وإن كان ممن لا تجب عليه الصلاة، ولا قضاء الصلاة، مثل: النفساء، والحائض، والكافر، والصبي، والمجنون، فلا سجود عليهم؛ وذلك لأن سجود التلاوة يعتبر بسجدات، الصلاة فمن جاز أن تلزمه الصلاة، جاز أن تلزمه السجدة، ومن لم تلزمه الصلاة، لم تلزمه السجدة، والحائض لا يلزمها فرض الصلاة، فلا يلزمها فرض السجدة. وليس كذلك الجنب؛ ولأن فرض الصلاة يلزمه، ويؤدِّيها بعد الاغتسال، فكذلك فرض السجود. قال: ولا يجوز سجودها إلا بما يجوز به سجود الصلاة: من طهارة

стр. 691

الأحداث، واللباس، والمكان الذي يسجد عليه، أو قيامه، أو قعوده، روى ذلك معلى، و [عليّ] عن أبي يوسف؛ وذلك لما بيّنا أنها معتبرة بسجدات الصلاة، فالواجب أن يعتبر فيها شرائط الصلاة. قال: ولا يتيمَّم لها إلا أن لا يجد الماء، أو يكون مريضًا؛ لأنه لا يخشى فواتها، فصارت كصلاة الفرض. قال: ولا يسجد إلا إلى القبلة إذا تلاها على الأرض، ولا يجزئه الإيماء بها؛ لأنها معتبرة بسجدات الصلاة، فاعتبر فيها التوجه إلى القبلة، فلم يجزِ فيها الإيماء مع القدرة على السجود، وإن اجتهد وأخطأ القبلة أجزأه؛ لأن هذا يجوز في صلاة الفرض، فكذلك يجوز في السجدة. قال: ويجزئه الإيماء إذا تلاها على الراحلة وهو مسافر، أو كان مريضًا لا يستطيع السجود، وقال بِشْر المريسي: لا تجزئه على الراحلة إذا قدر على السجود، وهو القياس. ووجهه: أنها واجبة عندنا، فاعتبرت بسجدات صلاة الفرض، فلم تجز على الراحلة مع القدرة على النزول، وإنما استحسنوا؛ لأن وجوبها يتعلق بفعله، وهو التلاوة، فصارت كصلاة النافلة التي يتعلق وجوبها (١) بدخوله. ولم يذكر في الأصل: إذا تلا على الراحلة ثم نزل، ثم عاد فركب، هل [تجزئه أن] يومئ بها أم لا!، وذكر ذلك في اختلاف أبي يوسف وزفر. قال أبو يوسف: تجزئه، وهي رواية ابن سماعة عن محمد، وقال زفر: لا تجزئه.

стр. 692

وجه قولهما: أنها وجبت بالإيماء، فإذا أدَّاها على الوجه الذي وجبت عليه أجزأته، كما قالوا: فيمن دخل في صلاة عند طلوع الشمس وأفسدها، ثم قضاها عند غروب الشمس: جاز؛ لأنها لزمته على وجه ناقص، فأدّاها كما وجبت [جاز]. وجه قول زفر: أنه لما نزل، انتقل فرضها إلى ذمته، ووجبت عليه بغير إيماء، فصار كما لو تلاها على الأرض ثم ركب، [لا تجزئه على الدابة]. قال: وينبغي أن يكبّر [إذا انحط] لسجودها، ويكبّر إذا رفع رأسه من السجود، وعن أبي يوسف: لا يكبر إذا انحطَّ، وروى الحسن عن أبي حنيفة مثله. لنا: أنها معتبرة بسجدة الصلاة، فيكبِّر لها عند الانحطاط وعند الرفع. وجه قول أبي يوسف: أن التكبير عند الانحطاط يفعل للانتقال، وفي سجدة التلاوة ليس بمنتقل من ركن إلى ركن، فلم يلزمه تكبيرة للانحطاط (١). ويسبح فيها؛ لأنها معتبرة بسجدات الصلاة، ومن سُنَّة السجود التسبيح، [كذا هذه]. قال: ولا يسلِّم؛ لأن سجدات الصلاة لا يعقبها التسليم، وسجدة التلاوة معتبرة بها؛ ولأن التسليم إنما يفعل للخروج من حكم التحريمة، وسجود التلاوة لا تحريمة لها. قال: فإن تكلَّم في السجدة أو قهقه (متعمدًا، أو أخطأ، فعليه إعادتها، ولا

стр. 693

وضوء عليه في القهقهة فيها) (١)؛ وذلك لما بيّنا: أنها معتبرة بالصلاة، وهذه المعاني تفسد الصلاة، فكذلك تفسد السجدة. فأما إذا سبقه الحدث، فإن سجدته لا تفسد، ولكن لو أحدث في سجدة الصلاة توضأ وأعادها (٢)، فكذلك سجدة التلاوة. قال: ولا وضوء عليه بالقهقهة فيها؛ لأن القياس ينفي وجوب الوضوء بالقهقهة، وإنما استحسنوا للأثر، وذلك ورد في الصلاة دون السجدة؛ ولأن سجدة التلاوة لم تكمل حرمتها [لاختلاف الناس فيها]، فهي كصلاة الجنازة [إذا قهقه فيها]. قالوا: وإن سجدت امرأة إلى جنبه، لم تفسد عليه وإن نوى أن يؤمها؛ لأن القياس يقتضي أن لا تفسد صلاة الرجل [بصلاة المرأة] (٣)، وإنما تركوا ذلك في الصلاة الكاملة، فما سواها على أصل القياس [باقٍ]؛ ولأنها ذكر (٤) مفرد كصلاة الجنازة. قال: وإن رعف في سجدة التلاوة، أو أحدث، فعليه أن يتوضَّأ ويعيدها؛ لأنه لو رعف في سجدة الصلاة توضَّأ وأعادها، فكذلك سجدة التلاوة. قال: وإذا تلا سجدة واحدة وأعادها مرارًا في مجلس واحد، عليه سجدة واحدة، والقياس أن يجب عليه لكل تلاوة سجدة؛ لأن التلاوة سبب الوجوب

стр. 694

كالنذر، وإنما استحسنوا؛ لأن جبريل كان يقرأ على النبي ﷺ ، ويقرأ النبي ﷺ على أصحابه، ويسجد (١) مرة واحدة، فدلّ على أن تكرار التلاوة في مجلس واحد لا يتعلق به إلا سجدة [واحدة]، وروي أن أبا موسى كان يلقن الناس القرآن في مسجد الكوفة، ويزحف إلى كل واحد منهم، ولا يسجد للتلاوة إذا كررها أكثر من سجدة، وكذلك روي عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهو معلم الحسن والحسين، وقد أخذ التلاوة عن الصحابة، فالظاهر أنه أخذ حكمها عنهم؛ ولأن سببي الوجوب اجتمعا في مجلس واحد، لسجدة واحدة، فاقتصر على سجدة واحدة، كالتالي السامع. وأما إذا تلاها في مجلسين، فيلزمه سجدتان على أصل القياس، وكذلك إن تلا في مجلس واحد آيتين مختلفتين؛ لأن القياس يقتضي تكرار السجود بتكرار التلاوة، وإنما تركوا القياس في الآية الواحدة؛ لما قدمناه، وما سواها على أصل القياس. قال: ولو تلا آية السجدة، فسجد، ثم أعاد التلاوة في مجلسه، لم يسجد؛ لأن سببي الوجوب اجتمعا في مجلس واحد، فصار كما لو تلاها مرتين ثم سجد. قال: وإن تلاها في غير الصلاة، ثم قام إلى الصلاة في مكانه ذلك، فأعادها، أجزأته سجدة واحدة، وإن كانت سجدتين تلاهما ثم قام إلى الصلاة، فأعادهما سجد أخرى. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا: أن كَلَّ سجدتين اجتمعتا في مجلس واحد، وإحداهما أفضل من الأخرى، فالأفضل تجزئ عن الأنقص،

стр. 695

والناقصة لا تجزئ عن الفاضلة، والسجدة المتلوة في الصلاة أفضل من المتلوة في غيرها، فأجزأت عن نفسها وعمَّا تليت في غير الصلاة، وأما المفعولة في غير الصلاة، فهي أنقص، ولا تقوم مقام المتلوة في الصلاة، فعليه أن يعيدها. قال: وكل سجدة وجبت عليه بتلاوة في الصلاة، فإن خرج من الصلاة قبل أن يسجدها، سقطت عنه؛ لأنها صارت من سنن الصلاة حين وجد سببها فيها، وسنن الصلاة لا تفعل بعد الخروج منها. قال: فإن تلا سجدة في الركعة الأولى، فسجدها، ثمّ أعادها في الركعة الثانية، فلا سجود عليه عند أبي يوسف، وقال محمد: يسجد بها استحسانًا. وجه قول أبي يوسف: أن التحريمة تجمع أفعال الصلاة، فتصير كالمحل الواحد (١). وجه قول محمد: أن السجود من موجب التلاوة، وكل ركعة يتعلق بها تلاوة لا ينوب عنها تلاوة في غيرها، فكذلك يتعلق بها سجود لا ينوب عنها سجود في غيرها. ٦٣٥ - فَصْل: [سماع المؤتم السجدة من إمامه أو غيره] قال: وكل سجدة لزمت في الصلاة بسماع من غيره، فلا سجود عليه حتى يخرج من الصلاة، إلّا أن يكون سمعها من إمامه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن المؤتم إذا سمع السجدة من الإمام لزمته متابعة الإمام فيها؛ لقوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد

стр. 696

فاسجدوا" (١)، وإذا سمعها الإمام من المؤتم لم يسجد واحد منهما في الصلاة. أما المؤتم، فلأنه يخرج بالسجود عن متابعة الإمام، وأما الإمام فلو سجدها، لصار تابعًا للمؤتم، وهذا لا يجوز. وأما بعد الخروج من الصلاة، فلا يسجدها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أحبّ إلي أن يسجد. وجه قولهما: أن هذه سجدة تلاها أحد المشتركين في الصلاة، فكانت من سنتها كما لو تلاها الإمام، وإذا كانت من سنن الصلاة، لم تفعل بعد الخروج منها كسائر سننها. وجه قول محمد: أن هذه السجدة لما تعذر فعلها في الصلاة، كان مقتضاها أن تفعل بعدها، كالمسموعة [في الصلاة] من الأجنبي. ٦٣٦ - فَصْل: [سماع المصلي من الأجنبي آية سجدة] وأما إذا سمع المصلي من الأجنبي آية سجدة، فإنه يسجدها بعد الفراغ من صلاته في قولهم جميعًا؛ لأن سببها لم يوجد في الصلاة، فلزمه فعلها كالسجدة (٢) المنذورة، فإذا تعذر فعلها في الصلاة، وجب فعلها بعد الخروج منها، فإن سجدها في الصلاة، لم تجزئه، ولم تفسد صلاته في رواية الأصول. وروى ابن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن صلاته تفسد، وقال محمد: لا تفسد، وإنما تجزه؛ لأنه منهي عن فعلها في الصلاة،

стр. 697

فإذا فعلها وقعت ناقصة، وقد وجبت عليه كاملة، فلا تجزئه مع النقصان. وإنما فسدت الصلاة في إحدى الروايتين؛ لأن من مقتضاها أن تفعل بعدها، فإذا اشتغل في صلاته بشيء من حكمه أن يفعل بعدها، صار رافضًا لصلاته، [فبطلت]، كمن صلى النفل في خلال الفرض. وجه الرواية الأخرى: أنها [من جنس ما يفعل في الصلاة، وهي] (١) ما دون الركعة، وذلك لا يفسد الصلاة. قال: وإذا قرأ [الرجل] سجدة وهو راكب، ثم أعادها بعدما صار على الأرض، فإن كان يصلي، فعليه سجدة واحدة، وإن كان في غير صلاة، فعليه سجدتان؛ لأن الصلاة تجمع الأماكن، فتجعلها كالمكان (٢) الواحد؛ بدلالة جواز الصلاة، والمتلو في المجلس الواحد تجزئ عنه [سجدة واحدة] (٣) وإن تكرر. وأما إذا كان في غير الصلاة، فليس هناك معنى تَجَمُّعِ الأماكنِ، فصار كل سجدة متلوة في مكان آخر، فيجب فيها (٤) [سجدة أخرى]. قال: وإذا تلا الرجل سجدة بالفارسية، فعليه أن يسجدها، وعلى من سمعها في قياس (٥) قول أبي حنيفة، فهمها الذي سمعها أو لم يفهمها، [يعني]: إذا أخبر أنها سجدة؛ لأن من أصله أنّ القرآن إذا نقل إلى الفارسية، فهو قرآن، فالتلاوة

стр. 698

بالعربية والفارسية سواء. وقال أبو يوسف: على من فهمها أن يسجد، وليس على من لم يفهم، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه إن جعلها قرآنًا وجبت على من لا يفهمها كالتلاوة بالعربية، وإن لم يجعله قرآنًا لم تجب على من فهمها. وقد قالوا: في التلاوة بالعربية إذا سمعها العجمي وجبت عليه وإن لم يفهمها؛ لأن السجدة وجبت لحرمة التلاوة، والحرمة موجودة في حق العجمي؛ ولأن سبب الوجوب يعتبر فيه العلم به، ولا يعتبر فهمه كسائر أسباب الوجوب (١). قال: وإذا تلا الإمام السجدة على المنبر يوم الجمعة، فإنه يسجدها ويسجد من سمعها، رواه محمد في كتاب الحجة عن أبي حنيفة؛ لما روي: "أن النبي ﷺ تلا سجدة ﴿ص﴾ على المنبر، فنزل وسجد، وسجد الناس معه" (٢)؛ ولأنه لو تلاهما في الصلاة سجدها، وأكثر أحوال الخطبة أن تكون كالصلاة. قال: وإذا وجبت السجدة على الرجل في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، فسجدها عند قيام الظهيرة، أو عند طلوع الشمس، أو عند غروبها، لم تجزئه؛ لأن السجود في هذه الأحوال ناقص؛ للنهي عنه، وقد وجب السجود عليه كاملًا، فلا يجوز أن يأتي به ناقصًا. قال: وإن تلاها عند قائم الظهيرة، فسجد لها، أجزأه؛ (وذلك لأنها وجبت عليه في هذه الحال، فأدَّاها على الوجه الذي وجبت به أجزأه، وإن تلاها في تلك

стр. 699

الساعة وسجدها عند الغروب، جاز) (١)؛ لأنها وجبت عليه ناقصة، فأداها كذلك ناقصة. قال: فإذا قرأ سجدة في الصلاة فإن شاء ركع، وإن شاء سجد، يعني إن شاء أقام ركوع الصلاة مقامها، وإن شاء سجد لها، ذكر هذا التفسير أبو يوسف في الإملاء عن أبي حنيفة. والأصل في ذلك مروي عن ابن مسعود أنه قال في سجدة الأعراف: "إن شاء سجد لها، وإن شاء ركع"؛ ولأن المقصود إظهار الخضوع (٢) عقيب التلاوة، وهذا المعنى موجود إذا ركع بعدها؛ لأنه إذا نوى أن يقيم الركوع مقامها، قامت الركعة بسجودها مقام سجدة التلاوة، وسجدة التلاوة يصح فيها التداخل. وقال الحسن عن أبي حنيفة: إذا كانت السجدة في آخر السورة، أو قريبًا من آخرها، مثل: سورة الأعراف، وبني إسرائيل، والنجم، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، [الانشقاق: ١]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، فركع حين فرغ من السورة، أجزأته سجدة الركعة عن سجود التلاوة. وإن خرج إلى سورة أخرى لم تجزئه أن يركع بها؛ لما روي عن ابن مسعود، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا تلا: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ في غير الصلاة، سجد، وإن تلاها في الصلاة ركع ولم يسجد. وقول الحسن: أجزأته سجدة الركعة عن سجدة التلاوة، يدل على أن

стр. 700

الركوع وما بعده من السجود يقوم مقام سجود التلاوة، فيقع التداخل في ذلك. وأما إذا خرج إلى سورة أخرى، فقد تجاوز محل السجود، فتنتقل السجدة إلى ذمته، ولا يجزئ الركوع عنها، وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قرأ بعد آية السجدة مقدار ما تجزئ به الصلاة ثلاث آيات فصاعدًا، لم يجزئه الركوع بها؛ لأن هذا القدر يثبت حكمه بنفسه، فيقطع ما بين التلاوة والسجدة، فلم يجزئه الركوع بها. وقد ذكر في الأصل: إذا تلا سجدة في الصلاة، فأراد أن يركع بدلًا من السجود، فالقياس أن يجوز، والاستحسان ألا يجوز، وبالقياس أخذوا. والوجه في جواز الركوع قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فعبَّرَ بالركوع عن السجود؛ ولأن المقصود إظهار الخضوع عقيب التلاوة، وهذا موجود في الركوع. وجه الاستحسان: أن الركوع لا يقوم مقام السجود، كسجود الصلاة. ومن أصحابنا من قال: إن هذا غلط من الكاتب، والصحيح [العكس] أن القياس يمنع ذلك، وإنما جاز بالاستحسان. ومنهم من قال: إن الصحيح ما في الكتاب والقياس يقتضي ذلك، ولو استحسن مستحسن خلاف ذلك، لجاز، والأولى عندهم ما اقتضاه القياس (١).

стр. 701

بَابْ: تكبير التشريق قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: تكبير التشريق سُنَّة ماضية، نقلها أهل العلم، وأجمعوا على العمل بها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من أيام أحبّ إلى الله العمل فيها من هذه الأيام، فأكثروا فيها من التسبيح والتهليل" (١)، ولا خلاف في ذلك. وإنما الخلاف في وقت التكبير: وروي عن عمر، وعَلِيّ، وابن مسعود، وابن عباس في رواية: "أنهم ابتدؤوا بالتكبير من صلاة الفجر يوم عرفة"، وعند زيد بن ثابت: "أن الابتداء من صلاة الظهر يوم النحر". [واختلفوا في القطع: فقال ابن مسعود: "إلى صلاة العصر من يوم النحر"]، وقال علي: "إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق"، وقال عمر: "إلى الظهر". وعن مكحول قال: "يبتدئ في الظهر من يوم عرفة إلى الفجر من آخر أيام التشريق"، أما الابتداء: فمن صلاة الفجر يوم عرفة في المشهور من قول أصحابنا، وعن أبي يوسف: أنه يبتدئ عقيب الظهر من يوم النحر (٢).

стр. 702

لنا: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، قيل في التأويل: أيام العشر، فظاهرها يقتضي في التأويل أنه يكبر في جميعها إلا ما قام عليه الدليل؛ ولأنه يوم مختص بركن يقع في الحج، [فهو] كيوم النحر. وجه قول أبي يوسف: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقضاء المناسك يقع ضحى النهار من يوم النحر، وأول صلاة تلي ذلك صلاة الظهر. وأما مكحول فقال: إن التكبير لما اختصّ بالإيام التي وضعت لأركان الحج، وجب أن يبتدئ به في وقت الركن، وأول ذلك بعد الزوال من يوم عرفة. وأما القطع، فقال أبو حنيفة: يكبِّر عقيب صلاة العصر يوم النحر ويقطع. وقال أبو يوسف ومحمد: عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق (١). لأبي حنيفة: أن التكبير لا يجوز إثباته إلا بالتوقيف أو اتفاق، وقد أجمعوا على هذا المقدار، واختلفوا فيما بعده؛ ولأن ما بعد يوم النحر لا يختص بركن يقع في الحج، فصار كسائر الأيام. وجه قولهما: ما: ما روي محمد بن علي عن جابر: "أن رسول الله ﷺ كَبَّر في الأضحى يوم عرفة، وقطع آخر أيام التشريق"؛ ولأن السلف اختلفوا فيه، فلأن يكبِّر فيما لا يجب عليه، أولى من أن يترك التكبير فيما يجب عليه. وأما الكلام فيمن يجب عليه التكبير، فقال أبو حنيفة: لا يكبر إلّا في أدبار الصلوات المكتوبات، وذلك على أهل المصر المقيمين، الأحرار، البالغين،

стр. 703

المكلفين، الذكور، إذا صَلّوا هذه الأيام في جماعة [مستحبة]. وقال أبو يوسف ومحمد: كل من صَلّى فريضة من صلوات هذه الأيام كبَّر عقيبها. والدليل على اختصاص التكبير بالمقيمين في الأمصار قوله ﵊: "لا جمعة، ولا تشريق، ولا فطر، ولا أضحى، إلا في مصر جامع" (١)، فإذا اختص التكبير بالمصر، اختص بالمقيمين الأحرار الرجال كالجمعة. وإنما اعتبروا الصلوات المكتوبات خلاف ما قال مجاهد والشعبي: إنه يكبِّر عقيب النافلة؛ لأنها ذكر زائد، فلا يتعلق بالنافلة كالقنوت؛ ولأن النفل لا يفعل في الجماعة، والتكبير لا يثبت عند أبي حنيفة إلا في صلوات الجماعات. وجه قولهما: أنه ذكر مسنون يتعلق بالصلاة كسائر الأذكار المسنونة. قال: ولا يكَبِّر في دبر صلاة العيد، والتطوع، والوتر، في قولهم جميعًا. أما النافلة، فقد بَيَّنَّاها، وأما العيد والوتر؛ فلأنها ليست بمفروضة، فصارت كالنافلة، ولأن التكبير لو كان من سنة العيد، وقد صلّاها رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة (٢)، فلو كثر لنقل ذلك نقل استفاضةٍ، فلما لم ينقل دلّ على أنه ليس بسنة. قال: ويُكبِّر عقيب الجمعة في قولهم؛ لأنها صلاة مفروضة من صلاة هذه

стр. 704

الأيام؛ ولأنها قائمة مقام الظهر، فصارت في حكمها. قال: وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المسافر إذا أمَّ المسافرين في المصر، فلا تكبير عليهم؛ وذلك لأن الإقامة شرط في التكبير، كما هي شرط في إتمام [الصلاة]، والمسافر إذا صَلَّى بمسافرين في المصر، لم يتم، فكذلك لا يكبّر. وليس كذلك إذا صلى المسافر خلف المقيم؛ لأنه يصير في حكم المقيمين في الإتمام، فكذلك في التكبير. قال: وينبغي أن يكَبِّرَ عقيب السلام قبل الكلام، وقبل استدبار القبلة، وقبل أن يكون منه ما لو كان في الصلاة لقطعها؛ لأن التكبير وإن لم يكن مبنيًا على التحريمة، فمن حكمه أن يفعل مع بقاء حكمها؛ بدلالة أن الأمة فعلته على هذا الوجه، فإذا وجد ما يقطع حكم الصلاة، منع من التكبير. قال: والتكبير: أن يقول: [الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله]، والله أكبر الله أكبر كبيرًا، الله أكبر الله أكبر كبيرًا، الله أكبر وأجَلّ، الله أكبر ولله الحمد (١). وعن ابن عمر: يكبر ثلاثًا، لا إله إلا الله له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وما قلناه أولى؛ لأنه فعل الأمة في سائر الأمصار؛ ولأن التكبيرات المتوالية [لا] تفعل (٢) ثلاثًا كتكبير الأركان. قال: فإن نسي التكبير حتى قام، فذكر قبل أن يخرج من المسجد، فينبغي

стр. 705

له أن يكَبِّر؛ لأن حكم الصلاة باقٍ ما دام في المسجد، ألا ترى أنه لو تذكَّر شيئًا من صلاته، عاد فبنى. قال: وإن نسي الإمام أن يكَبِّر، كَبَّر القوم. قال أبو يوسف: صليت بهم يوم عرفة، فنسيت التكبير، فكبر أبو حنيفة؛ (وذلك لأن التكبير ليس يبنى على التحريمة، ولا يقف على متابعة الإمام كالتلبية. قال: والمحرم يكبر في دبر الصلاة، ثم يُلَبِّي)؛ لأن التكبير يختص بالصلاة من التلبية، ألا ترى أنه لا يكبر إلا عقيب الصلاة، والتلبية لا تختص بالصلاة، فتقديم ما اختص بالصلاة أولى. قال: ومن نسي صلاة من أيام التشريق، فذكرها في أيام التشريق من تلك السنة، قضاها وكَبَّر؛ لأن التكبير يختص بهذه الأيام كالرمي، فكما أن حكم الرمي يبقى ببقاء هذه الأيام، كذلك التكبير، فإن خرجَت الأيام لم يكَبِّر؛ لأن وقت التكبير قد فات، فلا يفعل بعد وقته، كما لا يفعل رمي الجمار بعد الأيام. فإن تذكّر في أيام التشريق صلاة من غيرها، قضاها ولم يُكَبِّر؛ لأن القضاء معتبر بالمقضي، فإذا لم يكن في الأصل تكبير، فكذلك في القضاء. ومن ترك صلاة من هذه الأيام، فتذكرها في أيام التشريق من القابل، لم يكبر في المشهور من قولهم، وعن أبي يوسف: أنه يكبر. لنا: أن اختصاص التكبير بأيام التشريق كاختصاص الرمي، ومن ترك رميًا من سنة لم يقضه في السنة الثانية في هذه الأيام، فكذلك التكبير (١).
следующие страницы →