← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بَابْ: تكبير التشريق قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: تكبير التشريق سُنَّة ماضية، نقلها أهل العلم، وأجمعوا على العمل بها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من أيام أحبّ إلى الله العمل فيها من هذه الأيام، فأكثروا فيها من التسبيح والتهليل" (١)، ولا خلاف في ذلك. وإنما الخلاف في وقت التكبير: وروي عن عمر، وعَلِيّ، وابن مسعود، وابن عباس في رواية: "أنهم ابتدؤوا بالتكبير من صلاة الفجر يوم عرفة"، وعند زيد بن ثابت: "أن الابتداء من صلاة الظهر يوم النحر". [واختلفوا في القطع: فقال ابن مسعود: "إلى صلاة العصر من يوم النحر"]، وقال علي: "إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق"، وقال عمر: "إلى الظهر". وعن مكحول قال: "يبتدئ في الظهر من يوم عرفة إلى الفجر من آخر أيام التشريق"، أما الابتداء: فمن صلاة الفجر يوم عرفة في المشهور من قول أصحابنا، وعن أبي يوسف: أنه يبتدئ عقيب الظهر من يوم النحر (٢).

стр. 702

لنا: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، قيل في التأويل: أيام العشر، فظاهرها يقتضي في التأويل أنه يكبر في جميعها إلا ما قام عليه الدليل؛ ولأنه يوم مختص بركن يقع في الحج، [فهو] كيوم النحر. وجه قول أبي يوسف: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقضاء المناسك يقع ضحى النهار من يوم النحر، وأول صلاة تلي ذلك صلاة الظهر. وأما مكحول فقال: إن التكبير لما اختصّ بالإيام التي وضعت لأركان الحج، وجب أن يبتدئ به في وقت الركن، وأول ذلك بعد الزوال من يوم عرفة. وأما القطع، فقال أبو حنيفة: يكبِّر عقيب صلاة العصر يوم النحر ويقطع. وقال أبو يوسف ومحمد: عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق (١). لأبي حنيفة: أن التكبير لا يجوز إثباته إلا بالتوقيف أو اتفاق، وقد أجمعوا على هذا المقدار، واختلفوا فيما بعده؛ ولأن ما بعد يوم النحر لا يختص بركن يقع في الحج، فصار كسائر الأيام. وجه قولهما: ما: ما روي محمد بن علي عن جابر: "أن رسول الله ﷺ كَبَّر في الأضحى يوم عرفة، وقطع آخر أيام التشريق"؛ ولأن السلف اختلفوا فيه، فلأن يكبِّر فيما لا يجب عليه، أولى من أن يترك التكبير فيما يجب عليه. وأما الكلام فيمن يجب عليه التكبير، فقال أبو حنيفة: لا يكبر إلّا في أدبار الصلوات المكتوبات، وذلك على أهل المصر المقيمين، الأحرار، البالغين،

стр. 703

المكلفين، الذكور، إذا صَلّوا هذه الأيام في جماعة [مستحبة]. وقال أبو يوسف ومحمد: كل من صَلّى فريضة من صلوات هذه الأيام كبَّر عقيبها. والدليل على اختصاص التكبير بالمقيمين في الأمصار قوله ﵊: "لا جمعة، ولا تشريق، ولا فطر، ولا أضحى، إلا في مصر جامع" (١)، فإذا اختص التكبير بالمصر، اختص بالمقيمين الأحرار الرجال كالجمعة. وإنما اعتبروا الصلوات المكتوبات خلاف ما قال مجاهد والشعبي: إنه يكبِّر عقيب النافلة؛ لأنها ذكر زائد، فلا يتعلق بالنافلة كالقنوت؛ ولأن النفل لا يفعل في الجماعة، والتكبير لا يثبت عند أبي حنيفة إلا في صلوات الجماعات. وجه قولهما: أنه ذكر مسنون يتعلق بالصلاة كسائر الأذكار المسنونة. قال: ولا يكَبِّر في دبر صلاة العيد، والتطوع، والوتر، في قولهم جميعًا. أما النافلة، فقد بَيَّنَّاها، وأما العيد والوتر؛ فلأنها ليست بمفروضة، فصارت كالنافلة، ولأن التكبير لو كان من سنة العيد، وقد صلّاها رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة (٢)، فلو كثر لنقل ذلك نقل استفاضةٍ، فلما لم ينقل دلّ على أنه ليس بسنة. قال: ويُكبِّر عقيب الجمعة في قولهم؛ لأنها صلاة مفروضة من صلاة هذه

стр. 704

الأيام؛ ولأنها قائمة مقام الظهر، فصارت في حكمها. قال: وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المسافر إذا أمَّ المسافرين في المصر، فلا تكبير عليهم؛ وذلك لأن الإقامة شرط في التكبير، كما هي شرط في إتمام [الصلاة]، والمسافر إذا صَلَّى بمسافرين في المصر، لم يتم، فكذلك لا يكبّر. وليس كذلك إذا صلى المسافر خلف المقيم؛ لأنه يصير في حكم المقيمين في الإتمام، فكذلك في التكبير. قال: وينبغي أن يكَبِّرَ عقيب السلام قبل الكلام، وقبل استدبار القبلة، وقبل أن يكون منه ما لو كان في الصلاة لقطعها؛ لأن التكبير وإن لم يكن مبنيًا على التحريمة، فمن حكمه أن يفعل مع بقاء حكمها؛ بدلالة أن الأمة فعلته على هذا الوجه، فإذا وجد ما يقطع حكم الصلاة، منع من التكبير. قال: والتكبير: أن يقول: [الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله]، والله أكبر الله أكبر كبيرًا، الله أكبر الله أكبر كبيرًا، الله أكبر وأجَلّ، الله أكبر ولله الحمد (١). وعن ابن عمر: يكبر ثلاثًا، لا إله إلا الله له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وما قلناه أولى؛ لأنه فعل الأمة في سائر الأمصار؛ ولأن التكبيرات المتوالية [لا] تفعل (٢) ثلاثًا كتكبير الأركان. قال: فإن نسي التكبير حتى قام، فذكر قبل أن يخرج من المسجد، فينبغي

стр. 705

له أن يكَبِّر؛ لأن حكم الصلاة باقٍ ما دام في المسجد، ألا ترى أنه لو تذكَّر شيئًا من صلاته، عاد فبنى. قال: وإن نسي الإمام أن يكَبِّر، كَبَّر القوم. قال أبو يوسف: صليت بهم يوم عرفة، فنسيت التكبير، فكبر أبو حنيفة؛ (وذلك لأن التكبير ليس يبنى على التحريمة، ولا يقف على متابعة الإمام كالتلبية. قال: والمحرم يكبر في دبر الصلاة، ثم يُلَبِّي)؛ لأن التكبير يختص بالصلاة من التلبية، ألا ترى أنه لا يكبر إلا عقيب الصلاة، والتلبية لا تختص بالصلاة، فتقديم ما اختص بالصلاة أولى. قال: ومن نسي صلاة من أيام التشريق، فذكرها في أيام التشريق من تلك السنة، قضاها وكَبَّر؛ لأن التكبير يختص بهذه الأيام كالرمي، فكما أن حكم الرمي يبقى ببقاء هذه الأيام، كذلك التكبير، فإن خرجَت الأيام لم يكَبِّر؛ لأن وقت التكبير قد فات، فلا يفعل بعد وقته، كما لا يفعل رمي الجمار بعد الأيام. فإن تذكّر في أيام التشريق صلاة من غيرها، قضاها ولم يُكَبِّر؛ لأن القضاء معتبر بالمقضي، فإذا لم يكن في الأصل تكبير، فكذلك في القضاء. ومن ترك صلاة من هذه الأيام، فتذكرها في أيام التشريق من القابل، لم يكبر في المشهور من قولهم، وعن أبي يوسف: أنه يكبر. لنا: أن اختصاص التكبير بأيام التشريق كاختصاص الرمي، ومن ترك رميًا من سنة لم يقضه في السنة الثانية في هذه الأيام، فكذلك التكبير (١).

стр. 706

[١٦] كتاب الجنائز قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا احتضر الإنسان، وُجِّه كما يوجَّه في القبر على شِقِّه الأيمن، ولُقِّن الشهادتين؛ وذلك لأن هذه الحالة تقرب من الموت، فوجب أن يوجه كما يوجه في القبر. وأما تلقين الشهادة؛ فلقوله ﵊: "لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله" (١)، فإذا قضى، غمض وشدّ لحياه؛ لأن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه؛ ولأنه إذا لم يغمض ويشد لحياه، انفتحت عينه وفُوه، وفي ذلك مُثلةٌ. قال: ويستحب أن يؤخذ في جهازه ولا يؤخر؛ ذلك لما روي أن النبي ﷺ قال: "عجلوا بموتاكم، فإن يك خيرًا قدمتموهم إليه، وإن يك شرًا، فبُعْدًا لأهل النار" (٢). قال: ولا بأس بإعلام الناس بموته؛ لأن النبي ﷺ قال في المسكينة التي كانت في ناحية المدينة: "إذا ماتت فآذنوني"؛ ولأن الإعلام حثّ على طاعة الله تعالى، فصار كالحث على سائر العبادات.

стр. 707

بَابْ: غسل الميت [قال الشيخ رحمه الله تعالى]: الأصل في غسل الميت: أن الملائكة غسلوا [ابنًا لآدم] (١)، وقالوا [لآدم] (٢): هذه سنة موتاكم، وغسل رسول الله ﷺ المسلمين، وغُسِّل حين مات، وهو فعل المسلمين. قال بشر، ومعلى، وعليّ، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: يجرد الميت، ويوضع على تَخْت، وتوضع على عورته خرقة. أما تجريد الميت؛ فلأن الغسل بعد الموت كالغسل في الحياة، فكما أن المغتسل الحي يتجرد، فكذلك الميت؛ ولأنه أمكن للنظافة، والغسل [ولإزالة النجاسة]، والذي روي: (أن رسول الله ﷺ غسل في قميصه)، فهو على وجه التعظيم له، اختص [بذلك]، فهذا بدلالة ما روي أنهم اختلفوا: هل ينزع عنه قميصه أم لا؟ فوقعت عليهم سِنَة فما منهم إلا من ضرب دقنه صدره، ثم سمعوا قائلًا يقول من ناحية البيت: اغسلوا رسول الله ﷺ في قميصه (٣). وإنما يوضع على تَخْتٍ؛ لأنه فعل المسلمين؛ ولأن الماء ينزل عنه، فيكون أقرب إلى النظافة.

стр. 708

وأما وضع الخرقة على عورته، فيجب أن يوضع من السُّرَّة إلى الركبة؛ لأن عورة الميت لا يجوز النظر إليها كعورة الحي، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي: "لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" (١). قال: ثم يُوَضَّأ وضوءه للصلاة، ولا يمضمض، ولا يستنشق، وإنما يبدأ بالوضوء؛ لأن النبي ﷺ قال للنسوة اللاتي غسلن ابنته: "ابدأَنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها" (٢)؛ ولأن المغتسل في حال الحياة يقدم عليه الوضوء، فكذلك بعد الموت. وقد قالوا: إن غسل الميت يفارق غسل الجنب من وجوه، منها: أنه لا يُمضمض، ولا [يستنشق]؛ لأن المضمضة والاستنشاق لا يتأتيان فيه؛ ولأن ذلك يؤدي إلى المُثْلَة؛ لأن الماء ربما يصل إلى جوفه (٣)، وربما يخرج من أنفه وفيه. ولا يؤخر غسل رجليه؛ لأن الجنب يؤخر غسل رجليه؛ لأن الماء المستعمل يجتمع عندهما، وهذا لا يوجد في الميت؛ لأن الماء لا يجتمع عند رجليه. قالوا: ولا يمسح رأسه؛ لأن المقصود من غسله النظافة، والمسح لا يوجد فيه [من الميت] هذا المعنى. قال: ويبدأ بميامنه؛ لأن النبي ﷺ قال في ابنته: "ابدأن بميامنها"، وكان

стр. 709

يحب أن يبدأ في الأمور بالميامن. قال: ثم يغسل رأسه ولحيته بالخَطْمِيّ (١)؛ وذلك لأن المقصود [منه] النظافة وإزالة الدرن. قال: ولا يسرح شعره؛ لأن تسريح الشعر يفعل للزينة، والميت لا يحتاج إلى الزينة؛ ولأنا إذا سرحنا شعره انفصل منه شيء، واحتجنا إلى دفنه معه، فلا معنى لفصله عنه. قال: ثم يضجع على شِقّه الأيسر، يغسل بالماء القَراح حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت منه؛ لأن السنة أن يبدأ بغسل الجانب الأيمن، فوجب أن يضجعه على شقه الأيسر، ويغسل الأيمن، وقد أمرت قبل ذلك بالماء، فاغلي بسدر، فإن لم يكن سدر فحَرَض، فإن لم يكن واحد منهما، أجزأ الماء القَراح، ثم يضجعه على شقه الأيمن، فيغسله بالماء القِراح حتى ينقيه. وإنما اعتبر الماء الحار؛ لأنه أبلغ في إزالة الدَّرَن، والسِّدْر والحَرَض يُرادان لذلك، وقد قال أصحابنا: إنه يجوز السدر والخِطمي، ومن الناس من كره الخطمي؛ إلّا ألا يجد السدر، والمقصود منهما جميعًا النظافة، فأحدهما كالآخر (٢). قال: ثم يقعده فيسنده إليه ويعصر بطنه، فإن سال منه شيء مسحه، [ثم يضجعه على شقه الأيسر، فيغسله بالماء القِراح، حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت]؛ وذلك لأنه لا يؤمن أن يكون في بطنه شيء، فينفصل

стр. 710

في الأكفان، فوجب الاستظهار بمسح بطنه. وقوله: فإن خرج منه شيء مسحه، ليس معناه: أن يقتصر على المسح في النجاسة، وإنما يمسحها ثم يغسل الموضع حتى لا يتعدى بالغسل. وقالوا: إنه لا يجب إعادة الغسل ولا الوضوء بخروج ما [يخرج منه]، وقال الحسن بن صالح: يعاد الغسل مرتين، حتى يصير خمسًا. وقال ابن سيرين: يعاد إلى سبع. وقال الشافعي: يعاد الوضوء، وأما إعادة الغسل فلا تجب؛ لأن الحدث في حال الحياة لا يوجب الغسل، فبعد الموت مثله (١). وأما الوضوء فلا تجب إعادته؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ لأن موجب الحدث الموت، وهو مقارن له (٢). وإنما قدروا الغسل بثلاث مرات؛ لأن النبي ﷺ قال: "أما أنا فأحثي على؛ رأسي وسائر جسدي ثلاث حثيات من ماء، فإذا فعلت ذلك فقد طهرت" (٣). وقال للنسوة اللاتي غسلن ابنته: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، على ما ترين"، فدَلَّ على أن الغسل وتر. قال: ثم ينشفه بثوب؛ لأنه لو وضع في الأكفان قبل أن ينشف، ابتلت

стр. 711

أكفانه (١)، وذلك مُثْلة. قال: ولا يؤخذ من شعره ولا من ظفره؛ لأن ذلك يفعل للزينة، والميت لا يزين، وقد روي أن ذلك ذكر لعائشة فقالت: (أتنظفون موتاكم). ولا يقال: إن في إزالة الشعر والظفر نظافة؛ لأن الحي يفعل ذلك حتى لا يجتمع فيه الوسخ بعد الغسل، وذلك لا يوجد في الميت. قال: وهذا سبيل كل ميت مات بعد الولادة، إلّا الشهيد، فإنه لا يغسل إذا لم يُرتث، وإذا ولد ميتًا لم يُغسل. أما الشهيد، فالكلام فيه يأتي في بابه. وأما المولود ميتًا؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا استهل المولود غسل وصلي عليه وُرِّثَ وَوَرِثَ، وإن لم يستهل، لم يصل عليه ولم يورث" (٢)، ولأن الغسل إنما يفعل للموت، فمن لا يعلم موته [بعد حياته]، لا يثبت الغسل في حقه، وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا استهل المولود سُمِّي، وغُسِّل، ووُرِّث، [وورث] منه، وإذا لم يستهل، لم يسم، ولم يغسل، ولم يورث. قال: ولو وجد الأكثر من الإنسان غسل، وإن وجد الأقل منه أو النصف سواء لم يغسل؛ لأن الأكثر من الإنسان يتعلق به ما يتعلق بالكامل؛ بدلالة من كان ناقص الأعضاء في الأصل، فأما الأقل فلا تثبت له حرمة الجملة؛ بدلالة أنه لا تثبت فيه القسامة؛ ولأن الغسل للصلاة، ومن أصلنا: أن ما نقص من الأكثر،

стр. 712

لا يُصلَّى عليه. قال: ولا يغسل الرجالُ النساءَ، ولا النساءُ الرجالَ؛ لأن الناس في سائر الأعصار يغسل الرجلُ الرجلَ، والنساءُ النساءَ؛ ولأن الرجل لا يجوز له الاطلاع على بدن المرأة بعد الموت، كما لا يجوز له في حال الحياة، (والمرأة لا يجوز لها أن تمس بدن الرجل بعد الموت، كما لا يجوز لها في حال الحياة) (١). قال: إلا أن تكون المرأة معتدة من الميت عدة وجبت بالموت، ولم يحدث في عدتها منها ما يوجب وقوع الفرقة، وإلا حكمنا بها. الأصل في ذلك: ما روي عن عائشة أنها قالت: "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا، ما غسل رسول الله ﷺ إلا أزواجه" (٢)، وروي: "أن أبا بكر الصديق ﵁، أوصى أن تغسله امرأته [أسماء] " (٣)؛ (ولأن وجوب العدة التي يثبت بالموت كبقاء النكاح؛ لأنها من أحكامه. فإن ارتدت بعد موته، أو قَبّلت ابن زوجها، أو وطئت بشبهة، لم تغسله في رواية ابن زياد عن أبي يوسف؛ لأنها صارت إلى حال لو كان حيًّا لم تغسله [كانقضاء العدة]. وروى ابن أبي مالك عنه: أنها تغسله؛ لأن هذه المعاني تؤكد تحريم

стр. 713

الموت، وذلك لا يمنع به الغسل. وقالوا في أم الولد: لا تغسل، مولاها، وقال زفر: لها ذلك) (١). لنا: أن موته سبب لزوال ملكه عنها كعتقه. ولزفر: أنها عدة من فِراش صحيح كالزوجة. قال: وإن كان الميت صبيًا مثله لا يجامِع ولا يشتهى، فلا بأس أن تغسله النساء، وكذلك الصبية التي لا تجامع ولا يُشتهى مثلها، فلا بأس أن يغسلها الرجال؛ لأن ما لا يشتهي ليس بعورة، فلا غسله يمنع من بعد الموت، كما لا يمنع في حال الحياة. قال: والمُحْرِم وغير المحرم في ذلك سواء، يعني: أنه يُطَيّب، ويغسل، ويُغَطّى وجهه ورأسه؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: "خمروا وجوه موتاكم، ولا تتشبهوا باليهود" (٢)؛ ولأن الإحرام عبادة يدخل فيها بفعله، فتقطع بموته كالصلاة، وإذا انقطعت صار كالحلال. قال: والمجبوب والخصي مثل الفحل؛ لأن الجب: قطع عضو، فلا يحل له النظر كقطع سائر الأعضاء؛ ولأن الشهوة قائمة وإن تعذر الفعل. وإن ماتت امرأة في سفر، ولم يكن هناك [غيرها إلّا رجالًا] (٣)، يَمموها؛ لأن الغسل قد تعذر؛ لأن النظر إليها لا يجوز، ألا ترى أن الغسل يفعل لحق الله

стр. 714

تعالى، والنظر يجب تركه لحق الله تعالى، وإذا اجتمع المأمور به لحق الله تعالى، والمنهي عنه لحق الله تعالى، كان المنهي عنه أولى، وإذا سقط الأمر بالغسل، صار كأنهم لم يجدوا الماء، فانتقل الفرض إلى التيمم. فإن كان في الرجال ذو رَحِم مَحْرَم يَمَّمَها بيده؛ لأنه يجوز أن يمس بدنها ووجهها في حال الحياة، وإن كان أجنبيًا لف على يده خرقة ويممها؛ لأنه لا يجوز له مسها من غير حائل. قال: وكذلك الرجل إذا مات مع النساء وليس فيهنّ رجل، ولا فيهنّ له زوجة، يممته على ما وصفت لك. وإذا كان مع النساء رجل من أهل الذمة، علمناه الغسل [فغسله]، وإن كان مع الرجال امرأة ذمية فكذلك؛ لأن الذمي يجوز له أن ينظر إلى بدن الرجل المسلم، فيجوز أن يغسله كما يجوز في حال الحياة؛ إلا أن الذمي لا يعرف سنة الغسل، فوجب أن يُعَلَّم. قال أبو حنيفة: يغسل الصبي والصبية كما يغسل الرجال، إلا أنهما إذا كانا لا يعقلان [الصلاة] لا يوضّآن عند غسلهما؛ لأن الغسل إنما يفعل للصلاة على الميت، والصبي يصلى عليه. فأما الوضوء، فلا يثبت في حقه في حال الحياة إذا كان لا يقعل الصلاة، فلا يثبت بعد موته. قال: وإن كان جماعة موتى، والأكثر مسلمون، غُسِّلوا، وكُفنوا، وصُلِّي عليهم، وينوي بالدعاء المسلمين، وإن كان الأكثر كفارًا، لم يُصَلَّ عليهم، ولم

стр. 715

يُغَسَّلوا؛ لأن الغلبة إذا كانت للمسلمين، وجب آخرًا أحكام الإسلام عليهم، إلا أن يتعين لنا الكفار، كمن وجد ميتًا في دار الإسلام، (فإذا كان الأكثر كفارًا، أجري عليهم حكم الكفر، إلّا أن يتيقن المسلم، أصله: دار الحرب) (١). فإن قيل: المقصود بالصلاة الدعاء، ويمكن أن يختص المسلمون بالدعاء دون الكفار، وإن كانت الغلبة للكفار. قلنا: إظهار الصلاة على الجماعة، موالاة لهم، ولا يجوز [لنا أن نظهر] موالاة من كان الغالب منهم الكفر، كما لا يجوز [أن نظهر] موالاة أهل الحرب وإن كان فيهم مسلم. قال: ولا بأس أن يغسل المسلم كل ذِي رَحِم منه من الكفار، ويكفنه ويدفنه ولا يصلي عليه؛ لما روي أن أبا طالب لما مات، جاء عليٌّ إلى النبي ﷺ فقال: إن عمك الضال قد مات، فقال عليه الصلاه والسلام: "اذهب فواره، ولا تحدثنّ شيئًا حتي تأتيني"، قال: فواريته ثم أتيته، فدعا لي بدعوات ما كنت أحب أن يكون لي بهن حمر النعم (٢). وروي: أن الحارث بن أبي ربيعة ماتت أمه وكانت نصرانية، فتبع جنازتها ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ولأنه يجوز أن يغسله في حال حياته، فكذلك بعد موته، وكذلك يكسوه في حال حياته، وكذلك يكفنه في حال موته، وأما الصلاة فهي موالاة واستغفار ودعاء، فلا يستحقه كافر في حال حياته، كذلك بعد موته.

стр. 716

قال: وليس على من غَسل ميتًا غُسل ولا وضوء؛ وذلك (أن الميت إما أن يكون طاهرًا، أو نجسًا، ومس الأشياء النجسة لا يوجب الوضوء ولا الغسل، والذي روي أن النبي ﷺ قال: "من غسل ميتًا فليغتسل (١)، ومن حمل جنازة فليتوضّأ") (٢)، معناه: فليغسل عنه ما أصابه من ماء الغسل، "ومن حمل جنازة فليتوضّأ"، يعني: ليصلي عليها. قال: وإن غسل الميت غسلة واحدة، أو غَمَسه في ماء جار، جاز؛ لأن الغُسل لا يجب فيه التكرار كغُسل الجنابة. قال: وإن كان غريقًا فأخرج، أو ميتًا جرى عليه واد، أو أصابه مطر حتى وصل إلى جميع بدنه، فإن أبا يوسف قال: لا يجزئ ذلك من الغسل؛ لأن الغسل عبادة علينا، فمتى لم يوجد فيها فعل الآدمي الذي يعبد بها، لم يسقط الفرض. قال: ولو غسله أهله أو غيرهم، لا ينوون غسل الميت، أجزأهم؛ لأن الغسل في حال الحياة لا يعتبر فيه البتة، فكذلك بعد الموت. قال: فإن كان الغاسل جنبًا أو حائضًا، أجزأ الغسل؛ لأنهم لو غسلوه في حال حياته [هكذا] جاز، [كذا بعد موته]؛ ولأن بدن الجنب والحائض طاهر، فصارا كغيرهما، وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: أكره [للحائض ذلك]؛ لأنها لو فعلت الغسل لنفسها، لم [يجزها]، وكذلك لغيرها (٣).

стр. 717

بَابْ: تكفين الميت قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: مَنْ وجب غسله، وجب تكفينه من جميع ماله قبل الدَّيْن، والوصايا، والميراث؛ لأن الغسل والتكفين من أحكام الموت، وليس في واحد منهما موالاة، [وليس] أحدهما معتبر بالآخر (١). وإنما وجب تقديم المال؛ لأن الميت يحتاج إليه [بمنفعته التي يختص بها] (٢)، كما ينفقه على نفسه حال حياته. قال: ومن لم يكن له مال، فكفنه على من يجب عليه نفقته، إلّا المرأة عند محمد: فإنّ كفنها لا يجب على زوجها. وإنما اعتبر الكفن بالنفقة؛ لأن من يلزمه نفقته في حال حياته، يلزمه كسوته، والكفن كسوة، فأما المرأة، فقد انقطع ما بين الزوج وبينها بالموت، فصار كالأجنبي. قال: ومن لم يكن له من ينفق عليه، فكفنه في بيت المال؛ لأن نفقته وكسوته تجب في بيت المال في حال حياته، وكذلك بعد موته. قال: وأكثر ما يكفن فيه الرجل عندنا ثلاثة أثواب: إزار، ورداء، وقميص، فإن أدرج في ثلاثة أثواب، فحسن، وأكثر ما يكفن فيه المرأة خمسة أثواب:

стр. 718

لفافة، وإزار، وخمار، ودرع، وخرقة. أما الرجل؛ فلما روي: "أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (١) " (٢)؛ ولأن غاية ما يتجمل به في حال حياته ثلاثة أثواب: إزار، وقميص، ورداء، فكذلك بعد موته. والدليل على أنه لا يكره القميص -خلاف ما قاله الشافعي-: ما روي عن ابن المغفل: "أن النبي ﷺ كُفِّنَ في قميص"؛ ولأنه يستر [به] عورته حال حياته، فكذلك بعد موته. وأما المرأة؛ فلِمَا روي في حديث أم عطية: "أن النبي ﷺ ناولهنّ في كفن ابنته ثوبًا ثوبًا، حتى ناولهن خمسة أثواب، آخرهن خرقة يربط بها الثديان" (٣). قال: والغلام الذي راهق بمنزلة الرجل، وكذلك الجارية إذا بلغت هذا الحد؛ لأنها تشتهى كما تشتهى المرأة، وكذلك الغلام يشتهي كما يشتهى الرجل، فبدن كل واحد منهما عورة. قال: وأدنى ما يكفن فيه الرجل: ثوبان؛ لأنه أدنى ما يستر به في حياته: إزار، ورداء، فكذلك بعد الموت، والمرأة في ثلاثة أثواب: ثوبان وخمار؛ لأنه أدنى ما تستتر به في حياتها.

стр. 719

وقال معلى عن أبي يوسف: إن كفنت في ثوبين وترك الدرع والخمار أجزأ؛ لأن المقصود سترها، وهذا المعنى يقع بالثوبين. وإن كان صبيًّا لم يراهق، كفن في خرقتين: إزار ورداء، وإن كفن في ثوب واحد أجزأ؛ لأن بدنه ليس بعورة؛ بدلالة أنه لا يشتهى، فنقصت حرمته في التستر. قال: وإن كان سِقطًا لف في خرقةِ؛ لأنه لا حرمة له كاملة، فلم يكمل في باب التكفين. قال: ويكفن المُحْرِم كما يكفن الحلال، يعني أنه يغطى رأسه ووجهه؛ لما بينا أن الإحرام قد انقطع [بموته] فصار كالحلال. ولا يكفن الشهيد، ولا يغسل، وينزع عنه السلاح والفَرْو والجلد، فإن أحبوا في أن يزيدوا في ثيابه شيئًا فعلوا، وإنما يريد بقوله: إن الشهيد لا يكفن، بمعنى: أنه لا يُبتدأ بتكفينه في غير ثيابه، وإنما يلف فيها؛ لِمَا روي عن النبي ﷺ أنه قال: "زمِّلوهم بثيابهم وكلومهم" (١). وأما الغسل، فالأصل فيه ما روي: "أنّ النبي ﷺ قال: "زملوهم بدمائهم وكلومهم"، وقال: "الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يشخب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك"" (٢). قال: وينزع عنه السلاح، والفرو، والجلود؛ لأن هذه الأشياء لا يجوز أن

стр. 720

يبتدأ بها التكفين، فلا يجوز أن يترك عليه، وإن أحبُّوا أن يزيدوا في ثيابه شيئًا يبلغ به سنة التكفين، فعلوا؛ لأن الشهيد قد يكون عليه من الثياب ما لا يبلغ من سنة التكفين، فيجوز الزيادة حتى يبلغ السُّنَّة. وقد قالوا في الأصل: لا بأس أن ينقصوا؛ لأن الشهيد قد يكون عليه من الثياب ما يضر تركه بالورثة لكثرته، فيجوز أن ينقص منه. قال: ومن ولد ميتًا لم يكفن، ولف في خرقة؛ لأن حرمته لم تكمل، فصار كالأعضاء. قال: وإن نبش الميت وهو طرِيّ وقد أخذ كفنه، كُفِّنَ ثانية من جميع المال؛ لأن الكفن الأول إنما قدم لحاجة الميت إليه، فكذلك الثاني. قال: إن كان قد قُسِّم الميراث، فهو على الوارث، دون الغرماء وأصحاب الوصايا؛ لأن [كفنيه] (١) المال؛ لأن التركة على حكم ملكه (٢)، فإذا قسمت، زال عنها ملكه، وانتقلت إلى الغرماء وأصحاب الوصايا، وهم أجانب، فلا يلزمهم الكفن. وأمّا الوارث، فقد انتقلت التركة إليه، وصارت مالًا له، فكأن الميت لا مال له، فتكفينه على وارثه. قال: ومن لم يكن له مال، ولا من يفرض عليه نفقته، فكفنه في بيت المال؛ أنه لو كان حيًا، كانت نفقته في بيت المال، كذلك مؤنته بعد موته.

стр. 721

قال: وإن نبش وقد تفسخ، وقد أخذ كفنه، كفاه ثوب واحد، يجعل ذلك في مال الميت؛ لأن الميت إذا تفسخ خرج عن حكم الآدميين؛ بدلالة أنه لا يُصَلّى عليه، فتنقص حرمته؛ فلذلك ينقص كفنه. قال: وينبغي أن يقدّم في إجمار الأكفان وترًا؛ لأن الكفن بعد الموت كالزينة في حال الحياة، فيجب أن يجمر الأكفان، وقد روي: أن النبي ﷺ قال: "إذا أجمرتم كفن الميت، فأجمروه وترًا" (١). قال: فإذا فرغ من غسله بسطت اللفافة -وهي الرداء- طويلًا، ثم يبسط الإزار فوقها -وهو المئزر-، فإن كان [له قميص] ألبسته إياه، وإن لم يكن لم يضّره ذلك؛ لأن الرداء في حال الحياة يستعمله طولًا، والإزار عرضًا، فكذلك بعد الموت. قال: ثم يوضع الحَنُوْط (٢) في رأسه ولحيته وسائر جسده، ويوضع الكافور على مساجده؛ لأن الحنوط طِيب للميت، والحي يستعمل الطيب في رأسه ولحيته، وأما المساجد، فهي: الجبهة، واليدان، والركبتان، فيوضع عليها الكافور لشرفها وفضيلتها. قال: وإن لم يكن، لم يضره؛ لأن المغتسل في حال الحياة قد يتطيب، وقد لا يتطيب.

стр. 722

قال: ولا بأس بسائر الطيب في الحَنُوْط غير الزَّعْفَران والوَرْس، فإنه لا يقرب [من الرجل]؛ وذلك لأن ما جاز أن يتطيب به في حياته، جاز أن يطيب به بعد مماته. (فأما الزعفران والورس، فيكرهان في حياته، كذلك بعد موته، وقد روي: "أن النبي ﷺ نهى الرجال عن التزعفر") (١) (٢). قال بشر: سألت أبا حنيفة: هل يحشى فَمُ الميت، وسمعه، وأنفه، بالقطن، ويوضع على وجهه؟ قال: إن فعلت فحسن، وإن تركت فحسن. وسألته هل يحشى دبر الميت؟ قال: لا بأس، وذلك أن هذه المنافذ تحشى بالقطن حتى لا يخرج منها ما يلوث الأكفان، فإن كان الغالب خشية ذلك فعل، وإن لم يخش، جاز الترك. قال: ثم يعطف الإزار عليه من شقه الأيسر على رأسه وسائر جسده، ثم يعطف من شقه الأيمن كذلك تعطف اللفافة عليه -وهي الرداء-، وذلك لأن الأفضل أن يكون الظاهر من كفنه الجانب الأيمن، فيجب أن يبتدأ بعطف الأيسر حتى يقع الأيمن عليه؛ لأن في حال الحياة إذا بدأ الإنسان بالرداء، بدأ بالجانب الأيسر، فكذلك بعد الموت. فإن خيف أن تنتشر عنه الأكفان، فليَعْقِدْ عليه، فإن انتشار الكَفَن يؤدي إلى كشف العورة، فوجب أن يحترز من ذلك.

стр. 723

وكذلك تبسط اللفافة أيضًا للمرأة، وكذلك الإزار، وتلبس الدرع والخمار فوق الدرع، وتكون اللفافة والإزار إذا لفّا فوق الخمار؛ لأن الكفن بعد الموت يعتبر باللبس في [حال] الحياة، وتربط الخرقة فوق الأكفان عند الصدر فوق الثديين والبطن حتى لا ينتشر عنهما الكفن؛ لأن المقصود من الخرقة أن يربط بها الثديان حتى لا ينفرجا، فينتشر الكفن، فوجب أن يكون الرباط فوقهما. وقوله: في فوق الكفن، يعني: به الأكفان التي تحت اللفافة. قال أبو الحسن: وفي وضع الخرقة اختلاف عن أصحابنا، يعني: أنه قد روي أنها تربط تحت الثديين، وهذا لا معنى له، إلا أن يريد: [أنها] تربط تحت الثدي وفوقه. قال: ويُسدل شعر المرأة من الجانبين جميعًا فوق الدرع وتحت الإزار واللفافة والخمار؛ لأنه إذا ألقي وراء ظهرها انتشر في الأكفان، فإذا كان على صدرها كان أجمع له؛ ولأن شعر المرأة ترسله على ظهرها [في حياتها] للزينة، وبعد الموت لا تقصد الزينة. قال: ويوضع الحنوط والكافور من المرأة موضعه من الرجل؛ لأن النبي ﷺ قال لأمّ عطية: "اجعلوا الكافور في مساجدها" (١). قال: والكفن الخَلَق والجديد سواء؛ لما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: "كفنوني في ثوبيّ هذين، فإن الحَيَّ إلى الجديد أحوج"، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ولي أحدكم أخاه، فليحسن كفنه" (٢).

стр. 724

قال: والكَتَّان، والبُرْد (١)، والقصب في ذلك سواء؛ لأن ما جاز لبسه في حال الحياة، جاز أن يكفن الرجل به. قال ابن رستم عن محمد: تكفن المرأة بالحرير، والأبريسم، والمعصفر، ويكره أن يكفن الرجل في ذلك؛ لأنه لا يلبس ذلك في حياته، فكذلك لا يكفن فيه، والمرأة يجوز أن تلبس ذلك في حياتها، فيجوز أن تكفن فيه. قال: وأحب الأكفان إلينا: الثياب البيض؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "البسوا هذه الثياب البيض؛ فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم"، وروي عن ابن عباس: "أن النبي ﵊ قال: "إن الله تعالى خلق الجنة بيضاء، وإن أحب الثياب إلى الله تعالى البياض، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم" (٢) (٣).

стр. 725

بَابْ: حمل الجنائز قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا حمل الميت أسرع به، وقد قيل: إنهم يمشون به دون الخَبَب (١)؛ لما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "عجِّلوا موتاكم، فإن كان خيرًا قدمتموه إليه، وإن كان شرًا ألقيتموه عن ظهور رقابكم" (٢)؛ ولأن المشي إذا كان الخبب أضر بمن يتبع الجنازة، فإذا كان دون ذلك أسرعوا بالميت ولم يضر بمن [يتبع الجنازة، فيفعل] (٣). قال: ويمشي من يتبعه خلف جنازته، فإن مشى أمامها ناس كان واسعًا، ولا ينبغي أن يتقدم الناس كلهم أمام الجنازة، وإن كانوا جميعًا خلفها فلا بأس؛ وذلك لِمَا (روي أن عليًا ﵁ كان يمشي خلف الجنازة، فقيل له: إن أبا بكر وعمر يمشيان أمامها، فقال: إنهما سهلان يسهلان على الناس، وإنهما ليَعْلَمَان أن فضيلة المشي خلفها على فضيلة المشي أمامها كفضيلة الصلاة المكتوبة على النافلة) (٤). وروي أن أبا سعيد الخدري سئل عن ذلك فقال: المشي خلفها أفضل، فقيل له: أتقول عن نفسك أو عن رسول الله ﷺ ؟ فقال: عن رسول الله ﷺ ،

стр. 726

وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الجنازة متبوعة وليست بتابعة، ليس معها من تقدمها" (١)، ولأنه إذا تأخّر عن الميت شاهد الجنازة، فاعتبر بها وتذكر الموت، فكان ذلك أوعظ له. قال: وتحمل الجنازة من جوانبها الأربعة، فيبدأ الذي يريد حملها بالمقدم الأيمن من الميت، فيجعله على عاتقه الأيمن، ثم المؤخر الأيمن على عاتقه [الأيمن] (٢)، ثم بالمقدم الأيسر على عاتقه الأيسر، ثم المؤخر الأيسر على عاتقه الأيسر. وقال الشافعي: يقوم من يحمل الجنازة بين العمودين. وقد روي عن ابن مسعود في حمل الجنازة من جوانبها الأربعة، وهو فعل الناس في سائر الأعصار، والذي روي (أن النبي ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ، بين العمودين) (٣)، فيحتمل أن يكون لضيق الطريق أو لغير ذلك من الأعذار. وإنما بدأ بالجانب الأيمن؛ لأن المستحب أن يبتدئ بالميامن، وإنما بدأ بالمقدم الأيسر ليكون فراغه خلف الجنازة، ولو بدأ بمؤخر الأيسر، صار فراغه

стр. 727

أمام الجنازة، والمشي خلف الجنازة أفضل. قال: ويكره أن يتقدم الراكب أمام الجنازة، ورُوي ذلك عن إبراهيم؛ ولأنه إذا تقدم عليها تأذّى به حاملوها ومن معها [بغباره]، فإذا تأخّر عنهم، لم يشق عليهم (١)، فكان أولى. قال: وإذا وضعت الجنازة على الأرض، فلا بأس أن يقعد من يتبعها، ويكره أن يقعد قبل ذلك؛ لأن الميت كالمتبوع، والتابع لا يجوز أن يجلس قبل جلوس المتبوع. قال: ويكره أن يقوم الإنسان بين عمودي السرير من مقدمه أو من مؤخره؛ لما بيّنا أن السنة في حمل الجنازة التربيع. قال: وكره أبو حنيفة أن يضع مقدم السرير ومؤخره على أصل العنق؛ لأن حمل الميت يجب أن يخالف بين حمله وحمل غيره. ولا بأس بالركوب في الجنازة، والمشي أفضل؛ لأنه يسير إلى الصلاة، فيجوز راكبًا [وماشيًا]، والمشي أفضل [كالجمعة]. وقال أبو حنيفة: يكره النوح على الجنازة وفي منزل الميت، ويكره الصياح، وأما البكاء، فلا بأس به في منزل الميت؛ لما روي: "أن النبي ﷺ بكى على ابنه إبراهيم، فقال: "العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون" (٢) وروي: "أنه نهى عن الصوتين

стр. 728

الأحمقين الفاجرين: صوت النائحة والمغنية". قال: وإن كان مع الجنازة صائحة (١)، أو نائحة، فينبغي أن تزجر عن ذلك، وإن لم تنزجر فلا بأس أن تمشي معها؛ لأنها فاعلة للمعصية، فالواجب أن تزجر عنها، فإن لم تمتنع لم يترك اتباع الجنازة؛ لأن ذلك سنة لا يجوز تركها لفعل هو بدعة. قال أبو حنيفة: لا ينبغي للنساء أن يخرجن مع الجنازة؛ لما روي: "أن النبي ﷺ لما رأى النساء في الجنازة قال لهن: "أتحملن فيمن يحمل، أتصلين فيمن يصلي، أتدلين فيمن يدلي؟ " قلن لا، قال: "فانصرفن مأزورات غير مأجورات"" (٢). وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقوم للجنازة من مرت به، إلا أن يريد أن يشهدها؛ لأن اجتياز الميت كاجتياز الحي، فكما لا يقوم للحي، لا يقوم للميت. قال: ولا ينبغي أن يتبع الجنازة بنار؛ لما روي: "أن النبي ﷺ شهد جنازة، فرأى امرأة معها مَجْمَرة، فصاح بها حتى غابت في آطام المدينة" (٣)، وعن إبراهيم قال: أكره أن يكون آخر زاده من الدنيا النار؛ ولأن هذا من فعل أهل الكتاب. قال: ويكره أن يحمل الصبي على الدابة إذا مات؛ لأن الحمل على الدابة يشبه حمل الأمتعة، والواجب [إكرامه بحمله فوق أعناق الرجال، فوجب] أن

стр. 729

يفرق بين حمل الميت وحمل غيره. وقال الحسن في المجرّد عن أبي حنيفة: والصَّبِي الرَّضِيْع، والفَطِيم أو مَنْ فوق ذلك قليلًا، فلا بأس أن يحملوه في طبق سفط يتداولونه، ولا بأس أن يحمل مع إنسان راكب دابة أو حمار أو غيره؛ لأن حمل الصبي لا يحتاج فيه إلى التربيع، فيحمله الواحد. فأما حمله على الدابة، فإنما يريد به: الحامل له يكون راكبًا، والرواية الأخرى: محمولة على الوضع على الدابة كوضع المتاع. قال: وينبغي لمن حضر جنازة أو اتبعها أن يطيل الصمت، ويكره رفع الصوت بالذكر وغيره في الجنائز، ومن أراد أن يذكر الله تعالى، ذكره في نفسه؛ لما روى الحسن عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت تشبهًا بأهل الكتاب"، وقد قال ﵊: "من تشبه بقوم، فهو منهم" (١) (٢).

стр. 730

بَابْ: الصلاة على الجنائز قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الصلاة على الميت واجبة في الجملة، لا يسع الإجماع على تركها، ومتى فعلها قوم من الناس، سقطت عن الباقين. والأصل في وجوب الصلاة على الميت: أن الملائكة صَلَّت على آدم وقالت لولده: هذه سنة موتاكم، وقال ﵊: "صلّوا على كل بَرٍّ وفاجر" (١). وإنما كانت فرضًا على الكفاية؛ لأنها من أحكام الموت، فإذا قام بها طائفة سقط فرضها عن الباقين، كالتكفين [والدفن]. قال: ويصلى على كل مسلم مات بعد ولادته صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، حرًا كان أو عبدًا، إلا البُغَاة وقُطَّاع الطريق؛ وذلك لأن النبي ﷺ صَلَّى على الموتى مع اختلاف أحوالهم، وقال: "صلوا على كل بَرٍّ وفاجر"؛ ولأن الصَّلاة من أحكام الموت، وكل ميت مسلم يصلى عليه إلا ما خصه الدليل. فأما البغاة فلا يُصَلَّى عليهم عندنا، وقال الشافعي: يصلى عليهم (٢). والدليل على ما قلنا: ما روي عن علي بن أبي طالب: "أنه لم يُصَلّ على

стр. 731

قتلى أهل النهروان وغيرهم ممن خالفه"، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة؛ ولأنهم باينوا الجماعة بالحرب والدار، فصاروا [كأهل الحرب] (١). أما قطاع الطريق، فقد باينوا جماعة المسلمين، وخرجوا عن طاعة إمامهم وقطعوا أسبابهم (٢) وشملهم، فصاروا في المبالغة في [العداوة] (٣) كالبغاة. قال: وكذلك الذي يَقْتُل غِيْلة بالخنق، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة. قال أبو يوسف: وكذلك كل قاتل غِيلة، يقتل على متاع يأخذه؛ وذلك أن هؤلاء يسعون في الأرض بالفساد، فحكمهم حكم قطاع الطريق في أن قتلهم على وجه الحد، فيجرون مجرى قطاع الطريق في منع الصلاة [عليهم]. قال أبو يوسف: وكذا المكابرون في المصر بالسلاح؛ لأن من أصله: أن حكم قطاع الطريق يجري عليهم (٤). قال: ولا يُصَلَّى [على] من يولد ميتًا؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا استَهَلَّ المولود صُلّي عليه، وإن لم يستهل لم يُصَلَّ عليه"؛ ولأن هذه الصلاة تتعلق بالموت، ولا يعلم أن الحياة خلقت فيه، فلم يعلم موته. وقد قالوا: في المولود إذا مات في حال ولادته إن مات بعد خروج أكثره صُلِّي عليه؛ لأن حكم الأكثر حكم الجميع، فكأنه مات بعد الولادة، وإن مات قبل خروج أكثره لم يُصَلَّ عليه؛ فكأنّه مات في البطن.

стр. 732

وقد قالوا: لا يُصَلَّى على بعض الإنسان إذا وُجِدَ، إلا أن يوجد الأكثر؛ وذلك لأن الصلاة على الميت لا تجوز أكثر من مرة، فلو صلينا على البعض، لصلينا على الباقي إذا وجد [ناه؛ إذ ليس أحد الأبعاض بالصلاة أولى، فيؤدي إلى تكرار الصلاة، وأما إذا وجد الأكثر، فإنه] (١) يصلى عليه، فلا يؤدي إلى تكرار الصلاة. والذي روي أن يدًا ألقاها طائر من وقعة يوم الجَمل بمكة، فعرفت بالخاتم، فَصُلِّي عليها، فقد اختلفت الرواية في ذلك: فروي أنها ألقيت باليمامة، وروي بمكة، فإن كانت باليمامة، ففعلهم ليس بحجة؛ لأنهم بقية أهل الردة وأصحاب مسيلمة، أسلموا بعد قتله، فلا يعتد بفعلهم، وإن كانت بمكة، فلا يعلم من بقي بمكة بعد خروج الجيش فيعتد بفعلهم. قال: ومن خرج ميتًا، لم يرث، ولم يورث، ولا يغسل، ولا يسمى، فإن خرج حيًا ثم مات، فعل به ذلك كله، وكذلك إذا استهل، والاستهلال: أن يكون منه ما يدل على حياته من بكاء، أو تحريك يد أو رِجل، أو يطرف بعينه. أما من ولد ميتًا فإنه لا يعلم بحياته، فلا يثبت به حكم الغسل الذي يتعلق بالموت، وقد قال أبو حنيفة: إنه لا يُسَمَّى؛ لأن التسمية من علامات الأحياء، ولا يرث ولا يورث؛ لأنا إذا لم نعلم حياته، لم يصح انتقال الملك إليه. وأما الغسل، فقد ذكر أبو الحسن: أنه لا يُغسل، وذكر الطحاوي: أن الجنين الميت يغسل، ولم يحك خلافًا، وقال محمد في السقط الذي استبان خَلْقُه: يغسل ويكفن ويحنط ولا يُصَلَّى عليه، وروى معلى عن يعقوب عن أبي حنيفة

стр. 733

في المولود يولد ميتًا: أنه لا يغسل. وجه الرواية التي أسقط فيها الغسل: هو أن الغسل يفعل للصلاة، فإذا سقطت الصلاة عنه، سقط غسله. وأما الرواية الأخرى: فلأنه يثبت له حرمة الآدميين، ألا ترى أن الاستيلاد [به] يثبت [الأمه] وتنقضي بوضعه العدة، والغسل يفعل للآدمي، وإن لم يُصَلَّ عليه كالكافر؛ ولأن الأعضاء إذا وجدت غسلت، وإن لم يثبت لها حرمة النفس، فالسقط أولى. فأما إذا انفصل حيًا ثم مات، فالصلاة عليه واجبة؛ لقوله ﵊: "إذا استهل المولود صلي عليه" (١)، فإذا وجبت الصلاة فالغسل يحتاج لها. وأما الاستهلال: فهو أن يظهر منه ما يدل على حياته من صوت أو حركة؛ أنه إذا علم ذلك صار ميتًا؛ والصلاة تتعلق بالموت، والذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا استهل المولود صارخًا صلي عليه"؛ ولأن الغالب أن الاستهلال يقع بالصوت، فذكر ذلك؛ [لدلالته] (٢) على الحياة، وهذا المعنى موجود في الاضطراب والحركة. قال: ولا يصلى على الميت إلا مرة واحدة؛ لأنه لو جازت الصلاة على الميت بعد أداء الفرائض، لصُلِّي على النبي ﷺ بعد دفنه، ولكرَّر المسلمون الصلاة على أبي بكر وعمر (﵄)، فلما لم يفعلوا دَلَّ على أن الصلاة لا تفعل

стр. 734

على الميت أكثر من مرة واحدة إذا سقط بها الفرض؛ ولأن الصلاة الأولى تسقط الفرض، فلو جَوَّزنا الثانية، كانت نافلة، والتنفل بالصلاة على الميت لا يجوز. ولا يلزم إذا سبق غير الولي فصلى، أن للولي أن يصلي؛ لأن صلاة غير الولي لا يسقط بها الفرض؛ لأنه لا يستحق التقدم، فوقع ما فعله مراعًى، فجاز للولي أن يصلي الصلاة؛ لأنه يسقط بها الفرض؛ ولهذا صلى رسول الله ﷺ على قبر مسكينة (١)؛ لأنه كان وليَّ المسلمين، وأولى بهم من أنفسهم، فلم يُعْتَدَّ بصلاة من صلى (٢) عليها. فإن قيل: لو اقتصر على الصلاة التي صَلّاها غير الولي جاز، فدل ذلك أن الفرض قد سقط بها. قلنا: ذلك المفعول مراعًى، فإن أعاد الولي سقط الأول وصار الفرض الثاني، وإن ترك الولي [الصلاة] زالت المراعاة، وسقط الفرض بالأول. قال: ولا يصلي على صَبِيٍّ وهو على دابة، ولا على أيدي الناس حتى يوضع؛ لأن الميت إذا جعل كالإمام للقوم، لم يجز إن كان محمولًا وهم على الأرض، وإن كان كالمؤتم فكذلك. قال: ولا ينبغي أن يرجع من تبع الجنازة حتى يصلي عليها؛ وذلك أن اتباع الجنازة إنما يفعل للصلاة، فلا يجوز الرجوع قبل ذلك، وقد روى أبو هريرة: "أن النبي ﷺ قال: "من اتبع جنازة حتى يصلي عليها، فله قيراط، ومن مكث

стр. 735

حتى يقضي قضاها فله قيرطان، وكل قيراط مثل أُحُد"" (١). قال: ويصلي على كل بَرٍّ وفاجر من أهل القبلة، إلا من بيَّنتُ لك من قطاع الطريق والبغاة ومَنْ في معناهم؛ وذلك لقوله ﵊: "صلوا على كل بر وفاجر"؛ لأنه لم يبلغ بمعصيته إلى مباينة جميع المسلمين، كالزاني والسارق، وقد أمر رسول الله ﷺ بالصلاة على مَاعِز، وقال عليٌّ -لأهل شُراحة الهمدانية حين رجمها-: "اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم" (٢).

стр. 736

بَابْ: التكبير على الجنازة وما يقال فيها قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: والتكبير على الجنازة: أن يكبِّر الإمام أربع تكبيرات، ويتبعه المأموم. وقد اختلف في عدد التكبير: فروي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وزيد: ثلاث تكبيرات. وعن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وابن أبي أوفى، وابن عمر، والحسن بن علي، والبراء بن عازب، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن الحنفية: أربع تكبيرات. وعن ابن مسعود، وزيد بن أرقم: خمس. وعن عَلِيّ أنه صَلَّى على سهل بن حنيف، فكبَّر عليه ستًا، وكبَّر على أبي قتادة سبعًا. والأصل في ذلك: قوله ﵊ في صلاة العيد: "أربع كأربع الجنائز لا سهوًا" (١)، وروي عن النبي ﵊: "أنه صَلّى على النجاشي، فكَبَّر أربعًا، وهي آخر صلاة صلاها" (٢)، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (إنكم معاشر المسلمين أصحاب رسول الله ﷺ ، أئمة يقتدي بكم من بعدكم، فإذا اختلفتم

стр. 737

في شيء كان من بعدكم أشد اختلافًا، فأجمعوا على شيء ترجعون إليه في صلاة الجنازة"، فأجمعوا على الرجوع إلى آخر صلاة صَلَّاها رسول الله ﷺ ، فكانت أربع تكبيرات) (١)، وروي عن ابن مسعود أنه قال: "كل ذلك قد كان، ولكني رأيت الناس قد أجمعوا على أربع تكبيرات"، ولأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وأكثر أعداد الصلاة أربع ركعات. قال: ويُكَبِّرُ ويكبرون الأولى ويحمدون الله تعالى بما هو أهله، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: يكبِّر الأولى ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك … إلى آخره؛ لأن هذا موضوع لاستفتاح الصلاة. قال: ثم يكبرون الثانية ويصلون على النبي ﵊؛ لأن ذكر الله تعالى يليه ذكر النبي ﵊؛ بدلالة ما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، قيل: لا أُذكر إلا وتذكر معي. قال: ثم يكبرون الثالثة، ويدعو للميت ولأموات المسلمين؛ لأن المقصود بالصلاة: الدعاء للميت والاستغفار له، وإنما يقدم ذكر الله تعالى وذكر نبيه أمامَ الدعاء، فإذا فرغ منها فعل المقصود. قال: ثم يكبر الرابعة، ولا يدعو بعدها؛ لأن التكبيرة الرابعة لا ذكر بعدها، فصار ما بعدها كمن فرغ من التشهد، فلا معنى لتوقفه عن السلام. قال: ثم يُسلِّم بتسليمتين عن يمينه وشماله؛ لأن هذه الصلاة لما دخل فيها بالتحريمة، خرج منها بالسلام، كصلاة الفرض؛ ولأن السلام تحية للحاضرين، فيجب أن يفعله عن يمينه ويساره.

стр. 738

ولا يجهر بشيء مما يقوله في صلاته؛ لأن السُّنَّة في أدعية الصلاة أن يخفيها كالدعاء في سائر الصلوات، والذي روي: "أن النبي ﷺ جهر بالذكر فيها" فإنما فعل ذلك للتعليم. قال: ويرفع يديه في أول تكبيرة: وهي الأولى، ولا يرفع فيما عداها: أما التكبيرة الأولى؛ فلحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، وفي العيدين … " [ولم يذكر الجنازة]. فأما بعد الأولى؛ فلأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، والركعة الثانية لا ترفع اليد عندها. قال: وليس فيما ذكرت لك من الثناء على الله تعالى، ولا الصلاة على نبيه ﷺ ، ولا في الدعاء على الميت شيء مؤقت، ويقول من ذلك ما حضره وتيسر عليه؛ وذلك لما روي عن عائشة ﵂: "أنها سئلت عما كان يقوله ﵊ في صلاة الجنازة، فقالت: كان يقول: "اللهم اغفر لحَيِّنا ومَيِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذَكَرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان" (١)، وروي أنه كان يقول: "اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وأصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا على قلوب خيارنا" (٢).

стр. 739

وروي أنه وُجد في سيف عثمان بطاقه فيها الصلاة على الميت: "اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وألّف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا على قلوب خيارنا، اللهم إن كان زاكيًا فزكّه، وإن كان خاطئًا فاغفر له وارحمه، واجعله في خير مما كان فيه، واجعله خير يوم جاء عليه"، وروي عن أبي هريرة أنه قال: "اللهم هذا عبدك -أو أمتك-، كان لا يشرك بك شيئًا وأنت أعلم به، إن كان محسنًا فزده إحسانًا، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (١). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: "اللهم عبدُك وابن عبدك وابن أمتك، نزل بك، أفقر شيء هو إلى رحمتك، وأنت أغنى شيء عن عذابه، اللهم إنه كان يشهد أن لا إله إلا أنت، فاغفر له". فلما اختلفت [الرواية في] المنقول عن النبي ﷺ السلف، علمنا أنه ليس في ذلك ذِكْر معين. وقد قال أبو حنيفة: إن دعوت ببعض ما جاءت به السنة والأخبار، فحسن، وإن دعوت بما يحضر، فحسن. قال: ولا قراءة في الصلاة على الميت بفاتحة الكتاب ولا غيرها. وقد قال الشافعي: لا يجوز إلا بفاتحة الكتاب (٢). لنا: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: "ما وقَّت لنا رسول الله ﷺ في صلاة

стр. 740

الجنازة قولًا ولا قراءة، كبّر ما كبّر الإمام، واختر من أطيب الكلام ما شئت" (١)؛ ولأن الفاتحة لو وجبت [هاهنا] لتكرر وجوبها كسائر الصلوات. وقال أبو حنيفة: إذا صُلِّي على صبي قال: (اللهم اجعله فرطًا لأبويه، واجعله أجرًا وذخرًا)؛ ولأن الصبي لا يحتاج إلى الدعاء والاستغفار، وإنما يقع الدعاء لوالديه ولمن حضر. قال عمرو: قلت لمحمد: يطيل التكبيرة الأولى على الثانية والثالثة والرابعة؟ قال: ذلك سواء، ليس فيه شيء مؤقت؛ وذلك لأن التكبيرات يفصل بينها بالذكر، فيأتي من القيام بمقدار ما يفرغ من الذكر، ولا يتقدر (٢).
следующие страницы →