← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بَابْ: التكبير على الجنازة وما يقال فيها قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: والتكبير على الجنازة: أن يكبِّر الإمام أربع تكبيرات، ويتبعه المأموم. وقد اختلف في عدد التكبير: فروي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وزيد: ثلاث تكبيرات. وعن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وابن أبي أوفى، وابن عمر، والحسن بن علي، والبراء بن عازب، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن الحنفية: أربع تكبيرات. وعن ابن مسعود، وزيد بن أرقم: خمس. وعن عَلِيّ أنه صَلَّى على سهل بن حنيف، فكبَّر عليه ستًا، وكبَّر على أبي قتادة سبعًا. والأصل في ذلك: قوله ﵊ في صلاة العيد: "أربع كأربع الجنائز لا سهوًا" (١)، وروي عن النبي ﵊: "أنه صَلّى على النجاشي، فكَبَّر أربعًا، وهي آخر صلاة صلاها" (٢)، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (إنكم معاشر المسلمين أصحاب رسول الله ﷺ ، أئمة يقتدي بكم من بعدكم، فإذا اختلفتم

стр. 737

في شيء كان من بعدكم أشد اختلافًا، فأجمعوا على شيء ترجعون إليه في صلاة الجنازة"، فأجمعوا على الرجوع إلى آخر صلاة صَلَّاها رسول الله ﷺ ، فكانت أربع تكبيرات) (١)، وروي عن ابن مسعود أنه قال: "كل ذلك قد كان، ولكني رأيت الناس قد أجمعوا على أربع تكبيرات"، ولأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وأكثر أعداد الصلاة أربع ركعات. قال: ويُكَبِّرُ ويكبرون الأولى ويحمدون الله تعالى بما هو أهله، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: يكبِّر الأولى ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك … إلى آخره؛ لأن هذا موضوع لاستفتاح الصلاة. قال: ثم يكبرون الثانية ويصلون على النبي ﵊؛ لأن ذكر الله تعالى يليه ذكر النبي ﵊؛ بدلالة ما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، قيل: لا أُذكر إلا وتذكر معي. قال: ثم يكبرون الثالثة، ويدعو للميت ولأموات المسلمين؛ لأن المقصود بالصلاة: الدعاء للميت والاستغفار له، وإنما يقدم ذكر الله تعالى وذكر نبيه أمامَ الدعاء، فإذا فرغ منها فعل المقصود. قال: ثم يكبر الرابعة، ولا يدعو بعدها؛ لأن التكبيرة الرابعة لا ذكر بعدها، فصار ما بعدها كمن فرغ من التشهد، فلا معنى لتوقفه عن السلام. قال: ثم يُسلِّم بتسليمتين عن يمينه وشماله؛ لأن هذه الصلاة لما دخل فيها بالتحريمة، خرج منها بالسلام، كصلاة الفرض؛ ولأن السلام تحية للحاضرين، فيجب أن يفعله عن يمينه ويساره.

стр. 738

ولا يجهر بشيء مما يقوله في صلاته؛ لأن السُّنَّة في أدعية الصلاة أن يخفيها كالدعاء في سائر الصلوات، والذي روي: "أن النبي ﷺ جهر بالذكر فيها" فإنما فعل ذلك للتعليم. قال: ويرفع يديه في أول تكبيرة: وهي الأولى، ولا يرفع فيما عداها: أما التكبيرة الأولى؛ فلحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، وفي العيدين … " [ولم يذكر الجنازة]. فأما بعد الأولى؛ فلأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، والركعة الثانية لا ترفع اليد عندها. قال: وليس فيما ذكرت لك من الثناء على الله تعالى، ولا الصلاة على نبيه ﷺ ، ولا في الدعاء على الميت شيء مؤقت، ويقول من ذلك ما حضره وتيسر عليه؛ وذلك لما روي عن عائشة ﵂: "أنها سئلت عما كان يقوله ﵊ في صلاة الجنازة، فقالت: كان يقول: "اللهم اغفر لحَيِّنا ومَيِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذَكَرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان" (١)، وروي أنه كان يقول: "اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وأصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا على قلوب خيارنا" (٢).

стр. 739

وروي أنه وُجد في سيف عثمان بطاقه فيها الصلاة على الميت: "اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا، وألّف بين قلوبنا، واجعل قلوبنا على قلوب خيارنا، اللهم إن كان زاكيًا فزكّه، وإن كان خاطئًا فاغفر له وارحمه، واجعله في خير مما كان فيه، واجعله خير يوم جاء عليه"، وروي عن أبي هريرة أنه قال: "اللهم هذا عبدك -أو أمتك-، كان لا يشرك بك شيئًا وأنت أعلم به، إن كان محسنًا فزده إحسانًا، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (١). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: "اللهم عبدُك وابن عبدك وابن أمتك، نزل بك، أفقر شيء هو إلى رحمتك، وأنت أغنى شيء عن عذابه، اللهم إنه كان يشهد أن لا إله إلا أنت، فاغفر له". فلما اختلفت [الرواية في] المنقول عن النبي ﷺ السلف، علمنا أنه ليس في ذلك ذِكْر معين. وقد قال أبو حنيفة: إن دعوت ببعض ما جاءت به السنة والأخبار، فحسن، وإن دعوت بما يحضر، فحسن. قال: ولا قراءة في الصلاة على الميت بفاتحة الكتاب ولا غيرها. وقد قال الشافعي: لا يجوز إلا بفاتحة الكتاب (٢). لنا: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: "ما وقَّت لنا رسول الله ﷺ في صلاة

стр. 740

الجنازة قولًا ولا قراءة، كبّر ما كبّر الإمام، واختر من أطيب الكلام ما شئت" (١)؛ ولأن الفاتحة لو وجبت [هاهنا] لتكرر وجوبها كسائر الصلوات. وقال أبو حنيفة: إذا صُلِّي على صبي قال: (اللهم اجعله فرطًا لأبويه، واجعله أجرًا وذخرًا)؛ ولأن الصبي لا يحتاج إلى الدعاء والاستغفار، وإنما يقع الدعاء لوالديه ولمن حضر. قال عمرو: قلت لمحمد: يطيل التكبيرة الأولى على الثانية والثالثة والرابعة؟ قال: ذلك سواء، ليس فيه شيء مؤقت؛ وذلك لأن التكبيرات يفصل بينها بالذكر، فيأتي من القيام بمقدار ما يفرغ من الذكر، ولا يتقدر (٢).

стр. 741

بَابْ: أين يقوم الإمام من الميت، وكيف توضع الجنائز قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: يقوم الإمام إذا صَلَّى على ميت بحذَاء الصدر من الرجل والمرأة، لا اختلاف بين أصحابنا في ذلك، إلا الحسن بن زياد، فإنه روى عن أبي حنيفة قال: يقوم بحَذَاء وَسَطِه، فإن كانت امرأة فبحَذاء وَسَطها، إلا أنه يكون إلى رأسها أقرب. وقد ذكر في الأصل: أنه يقوم بحذاء الصدر، وفي المجرَّد ما حكاه عن الحسن وعن أبي يوسف قال: يقف من المرأة بحذاء وسطها، ومن الرجل مما يلي الرأس، قال الطحاوي: وهذا قوله الأخير (١). وأما الرواية التي اعتبرت الوسط، فقد روى سمرة بن جندب: "أن النبي ﷺ صَلَّى على امرأة ماتت في نفاستها فقام وسطها" (٢)، وإذا كان هذا سنة المقام في المرأة، فكذلك في الرجل؛ لأنهما لا يختلفان في أحكام الصلوات؛ ولأن النظر إلى عورة المرأة أشد، فإذا وقف منها هذا الموقف، فالرجل أولى؛ ولأن الميت كالإمام للقوم، فوجب أن يقف المصلي عليه متوسطًا. وأما الرواية التي قال بحذاء الصدر؛ فلأن الصدر هو الوسط إذا أسقطت الأطراف ولم يعتد بها؛ ولأن الصدر موضع اعتقاد الإيمان، فهو أشرف من غيره،

стр. 742

فالوقوف حياله أولى. وأما قول أبي يوسف؛ فلِمَا روى أنس بن مالك: أنه قدِّم إليه جنازة امرأة، فقام حذاء وسطها، ثم لم يلبث أن جيء بجنازة رجل، فوقف مما يلي الرأس، فقيل يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي على الرجل والمرأة؟ فقال: نعم. قال: وإذا اجتمعت جنائز رجال ونساء وصبيان، جُعِل جنائز الرجال مما يلي الإمام، ثم الصبيان الذكور، ثم النساء، ثم الإناث من الصبيان على ما يصُفّون في الصلاة خلف الإمام (١). والأصل في هذا أن الجنائز إذا اجتمعت فالإمام مخيَّر: إن شاء صَلَّى عليها كلها دفعة واحدة، وإن شاء صَلَّى على كل جنازة صلاة؛ وذلك لما روي: "أن النبي ﷺ صَلَّى يوم أُحُدٍ على حمزة، ثم حمل الشهداء تسعة تسعةً فصَلَّى عليهم .... " (٢) وروي (أن جنازة أم كلثوم بنت عليّ وابنها زيد وضعتا، فصلي عليهما، والإمام سعيد بن العاص (٣)، وفي الناس: ابن عباس، وأبو هريرة،

стр. 743

وأبو سعيد، وأبو قتادة)، فدل على جواز الجمع في الصلاة [بين الجنازتين]. وإن أفرد كلًا بصلاة جاز؛ لأن كل ميت تجب عليه الصلاة على الانفراد، فإذا أدَّوها كما وجبت جاز. وأما وضع الجنائز إذا جمعها، فإنه يجعل الرجال مما يلي الإمام، والصبيان بعدهم، والنساء مما يلي القبلة. وقال الحسن، والقاسم، وسالم: يجعل النساء مما يلي الإمام، وقد روي أن ابن عمر صَلَّى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام؛ ولأنهم يصفّون بعد الموت كما يصفون في حال الحياة، ومعلوم أن الرجال في حال الحياة إلى الإمام أقرب. وأما المخالف فقال: بأن الرجال يجب أن يصفوا إلى القبلة أقرب كما يصفون في حال الحياة. قال: وإذا كان حر ومملوك، فكيف ما وضعت أجزاك؛ لأنهما لا يختلفان في المقام في حال الحياة، فكذلك بعد الموت. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن يوضع أفضلهما مما يلي الإمام وأشبهه، وقال أبو يوسف: أحسن ذلك عندي أن يكون أهل الفضل مما يلي الإمام؛ لأن النبي ﷺ قال: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى" (١)، فكذلك بعد الموت. قال أبو يوسف: قال ابن أبي ليلى: إذا اجتمعت الجنائز وضع كل رجل

стр. 744

خلف كل رجل، رأس الأول أسفل من رأس الآخر، يصفونها كذا درجًا. قال أبو حنيفة: إن وضعوا هكذا فحسن، وإن وضعوا رأس كل واحد بحذاء رأس صاحبه فحسن، وإن جعلوها صفًا واحدًا فحسن؛ وذلك لأنهم إذا وقفوا في حال الحياة جاز أن يكونوا صفًا واحدًا، وأن يكونوا صفوفًا. والذي قال ابن أبي ليلى؛ لأن النبي ﷺ وصاحبيه دفنوا على هذه الصفة، فالوضع للصلاة كذلك. قال: وإذا كبّر الإمام على جنازة، ثم جيء بأخرى مضى على صلاته على الأولى، فإذا فرغ استأنف على الثانية؛ لأن التحريمة وقعت للأولى، فلا يجوز أن يصلي على الثانية من غير تحريمة؛ ولأنه إن كبّر بقية التكبيرات حصلت الصلاة على الثانية من غير تحريمة ثلاث تكبيرات، وهذا لا يجوز، وإن كبّر عليها تكبيرة زائدة، أدى بتحريمة صلاة الجنازة خمس تكبيرات، وهذا لا يجوز. قال: فإن كان لما وضعت كبّر التكبيرة الثانية ينويهما، فهي للأولى أيضًا؛ ولا تكون للثانية؛ وذلك لأنه لم ينو الخروج من الأولى، فنيته للثانية لا تصحُّ، كمن صَلَّى الظهر، ثم نوى في خلالها الظهر والعصر. قال: وإن كبّر التكبيرة الثانية ينوي الثانية وحدها فهي للثانية، وقد خرج من الصلاة على الأولى، فإذا فرغ أعاد الصلاة على الأولى؛ لأنه لما كبّر في خلالها ينوي صلاة أخرى، وخرج منها كمن كبّر في خلال الظهر ينوي العصر. قال: وإذا جاء الرجال وقد كبّر الإمام التكبيرة الأولى ولم يكن حاضرًا مع

стр. 745

القوم، فإنه ينتظر في قول أبي حنيفة ومحمد: حتى يكبر الثانية، فيكبر معه، فإذا فرغ الإمام من التكبير، كَبَّر التي فاتته قبل أن ترفع الجنازة، وكذلك إذا جاء وقد كَبَّر الإمام اثنتين أو ثلاثًا. وقال أبو يوسف: يكبّر حين يجيء ولا ينتظر الإمام، فإن كان الإمام إنما كبّر واحدة، لم يقض الجائي شيئًا، وإن كان كبّر اثنتين، قضى واحدة، ولا يقضي تكبيرة الافتتاح، ويقضي غير ذلك. وجه قولهما: أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، والإمام إذا سبق المؤتم بركعة، لم يجز قضاؤها قبل الدخول مع الإمام؛ ولأنه يقدر أن يدخل بتكبيرة الإمام، فلم يجز أن يتقدم على تكبيرة، أصله التكبيرة الأولى. وجه قول أبي يوسف: أن المسبوق يأتي بتكبيرة يشارك بها الإمام، ثم يتبع الإمام فيما يفعله، أصله سائر الصلوات. قال: فإن كان الرجل واقفًا مع القوم في الصف، أو حيث يجزئه الدخول مع الإمام، وكبَّر الأولى ولم يكبّر معه، [فإنه يكبّر] ويدخل ما لم يكبر الإمام الثانية. فإن كبّر الإمامُ الثانيةَ قبل أن يكبر هذا الواقف، كبَّر معه في الثانية وقضى الأولى في قول أبي حنيفة ومحمد؛ وذلك لأن الإمام إذا كبَّر وهو واقف، فهو كالمدرك للتكبيرة؛ بدلالة أن تكبيرة الافتتاح في سائر الصلوات يفعلها المؤتم بعد الإمام، ويكون ذلك أداءً لا قضاء، فكذلك تكبيرة الجنازة، فإذا كبّر الإمام الثانية، فقد انقضى فعل الأولى فصارت فائتة، فلا يجوز أن يقضيها.

стр. 746

وإنما شرط في القضاء ما لم ترفع الجنازة؛ لأن الصلاة [على الجنازة] لا تجوز بعد رفعها، كما لا يجوز أن يبتدئها على هذه الصفة (١). قال: وإن كبّر الإمام أربعًا والرجل حاضر، فإنه يكبر ما لم يسلِّم الإمام، فيكبر الرابعة، ويقضي الثلاث قبل أن يُسَلِّم؛ وذلك لأنه في حكم المدرك للتكبير، فكأنه كبّر مع الإمام، وأما إذا سَلَّم الإمام فلا يكبر؛ لأنه خرج من الصلاة، فلا يجوز الدخول في صلاته. قال الحسن عن أبي حنيفة: إن جاء وقد كبر الإمام أربعًا ولم يُسَلِّمْ، فلا يدخل معه وقد فاته، وهذا صحيح على أصل أبي حنيفة ومحمد: أن المؤتم يدخل بتكبيرة الإمام، فلا يأتي بتكبيرة لم يدركها، فإذا فرغ الإمام من التكبيرات الأربع قبل حضور هذا الرجل، لم يجز له التكبير. وقد روي عن أبي يوسف: أنه يكبِّر، وهذا صحيح على أصله: أن المسبوق يتقدم بتكبيرة، فإذا كبَّر مع بقاء الإمام في الصلاة، شاركه فيها (٢)، وقضى ما فاته.

стр. 747

بَابْ: ما يفسد الصلاة على الجنازة قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: كره أصحابنا جميعًا الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وغروبها، وعند قيام الظهيرة؛ لِمَا روى عقبة بن عامر قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي في ثلاث ساعات، وأن نقبر فيهن موتانا" (١)، ومعلوم أنه لم يرد الدفن، فلم يبق إلا أن يكون أراد الصلاة؛ ولأن هذه الأوقات لا يجوز فيها فرض ولا نفل، وصلاة الجنازة واجبة. وقد قال أصحابنا: إذا صلوا في أحد هذه الأوقات، لم يعيدوا؛ لأن صلاة الجنازة تتعيّن على المصلي بالفعل؛ لأنها من فروض الكفاية، فصارت كالنافلة، ومن دخل في صلاة نفل في هذه الأوقات، لم يجب عليه قضاؤها، كذلك هذا. قالوا: ولا تكره الصلاة على الجنازة [في هذه الأوقات، يعني:] بعد صلاة الفجر، وبعد العصر؛ لأن الواجبات لا تكره في هذين الوقتين إذا لم يقف وجوبها على فعله، وصلاة الجنازة تجب بإيجاب الله تعالى [فلا تكره]. ومن صَلّى على جنازة راكبًا أو قاعدًا من غير عذر، لم يجزئه؛ لأنها صلاة واجبة، فلا يجوز ترك القيام فيها من غير عذر كالفرائض، وقد كان القياس عندهم أن يجوز؛ لأنها ركن مفرد، فجازت على الراحلة كسجدة التلاوة، وإنما تركوا ذلك؛ لأن صلاة الجنازة ليست بأكثر من القيام، فإذا ترك القيام فيها، لم يجزئه.

стр. 748

قال: فإن كان ولي الميت مريضًا، فصَلَّى قاعدًا، وصلى الناس خلفه قيامًا، أجزأهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يجزئ الإمام ولا يجزئ المأموم، وهذا فرع على اختلافهم في صلاة القائم خلف القاعد، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز، وقال محمد: لا يجوز. قال: فإن صلّى على [ميِّتٍ] (١) وهو محمول على دابة، لم يجز؛ لأن الميت إما أن يجعل كالإمام أو كالمؤتم، وأيّ ذلك كان لم يجزئه على هذه الصفة. قال: فإن صلت امرأة على جنازة [فوقفت] إلى جانب رجل، لم تفسد عليه [صلاته]؛ وذلك لأنه لا مقام لها في صلاة الجنازة، ألا ترى أن النبي ﷺ قال لهن: "انصرفن مأزورات غير مأجورات"، وإذا لم يجعل لها مقام فيها، صارت كالقائمة إلى جانبه في غير الصلاة. قال: ومن قهقه في الصلاة على الجنازة، أعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء؛ لأن القياس ينفي وجوب الوضوء من القهقهة، وإنما ورد الخبر في صلاة كاملة الأركان، فما سوى ذلك على أصل القياس. قال: وإن صلوا عليها إلى غير القبلة أجزأهم في الخطأ، ولم يجزئهم في العمد، وإنما نعني: الخطأ مع الاجتهاد؛ لأن صلاة الفرض تجوز على هذا الوجه، فكذلك صلاة الجنازة. وإن كان في ثوب المصلي أكثر من قدر الدرهم نجاسة، لم تجزئه الصلاة، وكذلك إن افتتح الصلاة على مكان نجس؛ لأنها صلاة، فكان من شرطها طهارة

стр. 749

المكان والثوب، كالفرض. قال: وإذا ذكروا بعد الصلاة على الميت أنهم لم يغسلوه، غسلوه، وأعادوا الصلاة عليه؛ لأن غسل الميت إنما يراد للصلاة، فإذا عدم، لم يعتد بالصلاة عليه، كما لو عدمت طهارة الإمام، وإذا لم يعتد بالصلاة غُسّل وصُلّي عليه. قال: فإن ذكروا ذلك بعد ما دفنوه، لم ينبشوا عنه، ولم يعيدوا الصلاة عليه، قال ابن سماعة عن محمد: يخرجونه ما لم يهيلوا التراب عليه بعدما دفنوه، فإذا أهالوا التراب لم يخرجوه، وصلوا عليه في قبره؛ وذلك لأن النبش مُثْلَة، والمُثْلَة ممنوع منها لحق الله تعالى، والغسل مأمور به لحق الله تعالى، فإذا اجتمع المأمور به لحق الله تعالى، والمنهي عنه لحقه، كان اعتبار المنهي عنه أولى. فأما إذا وضعوه في القبر، ونصبوا اللَّبِن عليه أخرجوه؛ لأن ذلك ليس بنبش، فكأنه على أيديهم [بعدُ]. والذي قاله: إنهم لا يعيدون الصلاة؛ فلأنهم لو أعادوها لفقدِ الطهارة، لصلّوها بلا طهارة، فلا معنى للإعادة. والذي حكى ابن سماعة محمد: عن أنهم يصلون على القبر؛ فلأنهم صلوا على الميت بغير طهارة مع إمكان الطهارة، فلا يعتد بتلك الصلاة، والآن قد تعذرت الطهارة، فجاز أن يصلى عليه. قال: فإن دفنوه بعد الغسل ونسوا الصلاة عليه، صَلّوا على القبر ما لم يمض ثلاثة أيام، وقال ابن رستم عن محمد: يصَلّى عليه ما علم أنه لم يتمزق، وإذا شكّ فيه لم يصلّ عليه؛ وذلك لأن الميت في الغالب يتغير في ثلاثة أيام، فيخرج

стр. 750

عن الصفة التي كان عليها ابتداءً، فلا يصَلّى عليه، كما لا يصَلّى بعد مضي السنين. والذي ذكر محمد ليس بخلاف؛ لأنا نشك بعد الثلاث أنه على حاله أو قد تغير، والذي روي: "أن النبي ﷺ صَلَّى على قتلى أُحُدٍ بعد أربع سنين" (١)، فيجوز أن يكون دعاءً، ويجوز أن يكون علم أنهم لم يتغيروا. وإنما جازت الصلاة على القبر؛ لأن النبي ﷺ صَلَّى على قبر المسكينة. قال: وإذا صَلَّى الإمام على غير طهارة، أعادوا؛ والدليل على اعتبار الطهارة قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهارة" (٢)، وما روي أنه قال: "من حمل ميتًا فليتوضَّأ" (٣) معناه: ليصلي عليه؛ ولأنها صلاة واجبة كسائر الصلوات، فإذا ثبت أنها شرط فيها، لم يعتد بها مع عدم طهارة الإمام. قال: وإذا كان الإمام على طهارة، والقوم على غير طهارة، أجزأ الإمام، ولم يعيدوا (٤) الصلاة؛ لأن عدم طهارة المؤتم لا تؤثر في صلاة الإمام، فإذا صحَّتْ صلاة الإمام، سقط الفرض بها، فلم تجز إعادته بعد ذلك. قال: ومن حضر الصلاة على الجنازة، فأحدث، أو كان محدثًا فخاف فوتَ

стр. 751

الصلاة إن توضَّأ، أجزأه التيمم [عندنا]؛ وذلك لأن صلاة الجنازة إذا فاتت لم تقض عندنا، فلو أمرناه بالوضوء مع خوف الفوت، لأمرناه بذلك لا للصلاة، ولا ما يقوم مقامها، وذلك لا معنى له، وإذا سقط الأمر بالوضوء وهو مخاطب بالصلاة، جاز له التيمم كالمريض. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الولي إذا كان على غير طهارة، لم يجز أن يتيمم؛ لأنه لا يخشى فوات الصلاة. قال: والميت إذا لم يجدوا له ماء يمَّمُوه، وصلَّوا عليه؛ لأن غسل الميت كغسل الجنب، فإذا قام التيمم مقام أحدهما، قام مقام الآخر (١). قال: وإذا صَلَّى نساء وحدهن على جنازة، قامت التي تؤم وسط الصف؛ وذلك لما روي: "أن عائشة كانت إذا صلت بالنساء، وقفت وسطهن"؛ ولأن بدن المرأة عورة، فإذا تقدمت لم يؤمن أن يطلع على عورتها.

стр. 752

بَابْ: من أولى بالصلاة على الميت قال أبو الحسن: قال أبو حنيفة: أئمة الحي الذين يصلون بالأحياء: الذين يصلون على الموتى، وهو قول إبراهيم. وقال الحسن عن أبي حنيفة: يصلي الإمام إن حضر، أو القاضي، أو الوالي، فإن لم يحضر أحدهم، فينبغي أن يقدموا إمام الحي، فإن لم يكن إمام الحي، فأقْرب الناس منه. وقال محمد: ينبغي للولي أن يقدم إمام المسجد، ولا يجبر على ذلك، وهو قول أبي حنيفة. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: الصلاة على الناس إلى الأولياء دون إمام الحي. وجملة هذا: أن السلطان أولى بالصلاة إذا حضر؛ لِمَا روي أن النبي ﷺ قال: "لا يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلّا بإذنه" (١)، وروي أن الحسن لما مات، دفع الحسين في ظهر سعيد بن العاص، وقال: لولا أنها السنة لما قدمتك (٢)، (وذكر أبو يوسف في الإملاء: أنه قدم مروان، وقال:

стр. 753

لولا أنها السنة لما قدمتك) (١). وأما إمام الحي، فتقديمه على طريق الأفضل، وليس بواجب كتقديم السلطان، هكذا فسره ابن شجاع؛ لأنهم رضوا بتقديمه عليهم في حياتهم، فكذلك بعد موتهم، ولا يجب ذلك؛ لأن السلطان إنما قدم؛ لأن التقدم عليه فيه إفساد لأمر المسلمين، وهذا المعنى لا يوجد في إمام الحي. قال: وأجمع أصحابنا بعد إمام الحي على أن الأقرب فالأقرب من ذوي الأنساب أحق؛ وذلك لأن الأقرب أولى به في حال حياته، فكذلك بعد الموت، فإن تساووا في القرابة، فأسنّهم، لأن النبي ﷺ أمر بتقديم الأسنّ في الصلاة (٢). قال: وليس لأحدهما أن يقدم غير شريكه إلا بإذنه؛ لأن الولاية تثبت لهما، وإنما قدم الأسن للسُّنَّة، فإذا أراد أن يستخلف، فقد رضي بإسقاط حقه، فلم يجز إسقاط حق شريكه. قال: فإن كان أحدهما أقرب من الآخر، فللأقرب أن يقدم من شاء؛ وذلك لأنه لا ولاية للبعيد مع القريب، فصار كالأجنبي. وقالوا: في امرأة ماتت وتركت زوجها وابنها منه: أنه يكره للابن أن يتقدم أباه، أما الزوج فلا ولاية له [عليها]؛ لأن السبب الذي [كان] بينهما انقطع بالموت، فصار بعد الموت كالأجنبي، فبقيت ولاية الابن، وهو ممنوع من التقدم على أبيه؛ فلذلك أمر بتقديمه.

стр. 754

قال أبو يوسف: وللابن في حكم الولاية أن يقدم غير أبيه؛ لأنه هو الولي، وإنما منع من التقدم حتى لا يستخف بأبيه، وذلك لا يسقط ولايته في التقديم (١). قال: وإن كان لها ابن من غير الزوج، فلا حق للزوج، ولا بأس أن يتقدم ابنها [عليه] من غيره؛ لأنه ليس في تقدمه تقدم على أبيه، وهو الولي، فجاز له التقدم. قال: وسائر القرابات أولى بالصلاة من الزوج، وكذلك مولى العَتاقة وابن المولى؛ لأن الزوج ينقطع سببه بالموت، وسبب من سواه بحاله، [وهي القرابة، أو على ذلك، فكان أولى]. قال: فإن تركت أبًا وزوجًا وابنًا، والزوج أبو الابن، فليس للابن أن يقدم أباه إلا برضى الجد، وكذلك يستحب لابن الميت أن يقدم جَدَّه؛ لأنه بمنزلة الوالد؛ وذلك لأن ابن الميت إذا منع من التقدم على جده؛ فلأن يمنع من أن يقدم عليه غيره أولى. قال: [ومولى العتاقة]، ومولى الموالاة إذا لم يكن قرابة أحق من الأجنبي؛ لأنه أولى بميراثه، فصار كالنسب. قال أبو يوسف: إذا كان وليان، أحدهما أقرب إلى الميت، كابن، وأخ لأب وأم، والأقرب غائب بمكان تفوت الصلاة على الجنازة بحضوره، فالآخر أولى، وإن كتب الغائب أن يصلي عليه غيره، كان للأخ من الأب والأم أن يمنعه.

стр. 755

قال أبو يوسف: وليس [له] مع الغيبة التي وصفنا حق؛ وذلك لأن في انتظار الغائب إلحاق ضرر بالميت؛ لما في ذلك من تفويت الصلاة [على الميت]، والولاية تسقط مع ضرر المولى عليه، فإذا سقطت ولايته، انتقلت إلى من هو دونه. قال: وإن كان مريضًا في المصر، فهو بمنزلة الصحيح، يقدم من شاء؛ لأن ولايته لم تسقط، ألا ترى أنه يقدر أن يصلي عليه مع المرض، فصار كالصحيح، فإذا قدم غيره لم يكن للولي البعيد الاعتراض عليه. قال: وإن قدم الأَخَوان من الأب والأم كل واحد منهما رجلًا، فالذي قدمه الأكبر أولى؛ لأنهما رضيا بإسقاط حقهما وتساويا، فالأكبر أولى بالتقديم كما هو أولى بفعل الصلاة. قال: ولا حق للنساء في ذلك، ولا للصغار من الذكران. أما الصغار، فلا فرض عليهم، فلا معنى لتعلق الولاية بهم، وأما النساء، فَلَسْنَ من أهل هذه الصلاة، فلا يعتد بهن فيها (١).

стр. 756

بَابْ: الدفن قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب الدفن: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، ودفنت الملائكة آدم وقالوا لولده: "هذه سنة موتاكم يا بني آدم" (١)، ودُفِنَ النبي ﷺ ، ودُفِنَ الناس، فدَلَّ على أن هذا هو السنة. قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا انتهى بالميت إلى القبر، فلا يضر وترٌ دخَل به القبرَ أو شفعٌ؛ وذلك لأن نزول القبر إنما يحتاج إليه لأجل الميت، فوجب أن يعتبر من يحتاج إليه في ذلك. قال: فإذا وضع في القبر، قال واضعه: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، ويوضع على شقه الأيمن، ويوجه إلى القبلة، ويستقبل به القبلة عند إدخاله في القبر؛ وذلك لما روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: "مات رجل من بني عبد المطلب، فشهد رسول الله ﷺ جنازته، وقال: "يا عليّ، استقبل به القبلة استقبالًا، وقولوا جميعًا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ (٢)، وضعوه لجنبه ولا تكبّوه لوجهه، ولا تلقوه لظهره".

стр. 757

قال: ويلحد ولا يشق؛ لقوله ﷺ : "اللحد (١) لنا والشق لغيرنا" (٢)؛ ولأن الشق فعل اليهود، فيجب أن يخالفوا. قال: فإذا وضع في القبر، فإن كانت أكفانه عقدت، حلت؛ لأنها تعقد حتى لا ينتشر الكفن [عنه]، وهذا المعنى مأمون في القبر. ويجعل على اللحد القضب واللَّبِن، ويكره الآجُرَّ ورفوف الخشب؛ لما روي: "أن النبي ﷺ جعل على قبره اللَّبِن" (٣)؛ ولأنه أقرب إلى البِلى؛ ولأن الآجر والخشب إنما يجعل للتبقية ولزينة الدنيا، والميت لا يحتاج إلى ذلك. قال: ويسنَّم القبر، ولا يربّع، لِمَا روي عن إبراهيم أنه قال: "أخبرني من شاهد قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر، وعمر، وهي مسنَّمة، عليها فِلْقٌ مِن مَدَرٍ أبيض" (٤)، وروي: "أنه ﵇ نهى عن تربيع القبور، وعن تجصيصها" (٥)، ولأن التربيع أشبه ببناء الأحياء، والتسنيم خلاف ذلك، فهو أولى. قال: ولا يجصص القبر ولا يطين، وكره أبو حنيفة البناء على القبر، وأن

стр. 758

يعلم بعلامة. وقال أبو يوسف: أكره أن يكتب عليه كتاب، لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجصصوا القبور، ولا تبنوا عليها ولا تقعدوا عليها، ولا تكتبوا عليها" (١)، وروى أحوص بن حكيم عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على قبور المسلمين، أو تطيّن، أو تجصص" (٢). قال: ويكره أن يزاد على تراب القبر الخارج منه؛ لأن الزيادة تجري مجرى البناء، فمنع منها. قال: ولا بأس أن يرش الماء؛ لأن ذلك يفعل لتسوية التراب. وروى خلف بن أيوب عن أبي يوسف: أنه كره الرش؛ لأنه يجري مجرى التطيين. قال: ويُسَجَّى قبر المرأة، ولا يسجى قبر الرجل. أما قبر المرأة؛ فلأن بدنها عورة، فلا يؤمن أن ينكشف منها شيء حال نزولها في القبر؛ ولأنها تغطى بالنعش لهذه العلة، كذلك في القبر. وأما قبر الرجل، فلا يسجّى؛ لما روي: "أن عليًّا حضر جنازة يزيد بن المكفكف، فسجي قبره بثوب، فأخذه فألقاه، وقال: إنه ليس بامرأة" (٣). وكما لا يغطى على سريره، فكذلك في قبره، وقد اختلفت العبارة في هذا،

стр. 759

فذكروا في بعض المواضع ما يدل على أنه يكره؛ لأن عليًّا أنكره، وفي بعض المواضع ما يدل على أنه ليس بسنة، وهذا يقتضي جوازه؛ لأنه يفعل لستر الميت، وذلك غير ممنوع منه. قال: وإذا هالوا التراب على المرأة كشفوا الثوب؛ لأنه يراد للستر، والستر بالتراب أبلغ. قال: وذَوو الرَّحِم المَحْرم أولى بإدخال المرأة [القبر] من غيرهم؛ لأنه يجوز لهم مسُّها في حال الحياة، فكذلك بعد الموت، ويكره للأجانب مسّها في حال الحياة، فكذلك بعد الموت. قال: ولا ينبغي أن يدفن الرجلان في قبر واحد، وإن احتاجوا إلى ذلك، قدموا في اللحد أفضلهما، ويكون بين كل رجلين حاجز من تراب، فإن كان رجل وامرأة، جعل الرجل مما يلي القبلة، والمرأة وراءه، وجعل بينهما حاجز من تراب. وأما عند عدم الحاجة، فيدفن كل [واحد] (١) في قبر؛ لأن النبي ﷺ والمسلمين هكذا فعلوا [إلى يومنا] في غير حال الضرورة، وأما عند الحاجة، فيجوز؛ لما روي عن النبي ﷺ : "أنه أمر في قتلى أُحُد بأن يدفن في القبر الرجلان والثلاثة، وقال: "قدموا أكثرهم قرآنًا"" (٢). وإنما جعل بينهما حاجزًا من الصعيد؛ لأنه لما لم يمكن التفريق بينهما في قبرين، فرق بينهما بالصعيد.

стр. 760

قال: فإن وضعوه لغير القبلة، أو على يساره، ثم ذكروا، فإن أبا حنيفة قال: إن ذكروه وقد شَرَّجوا اللبن، أزالوا ذلك، وإن كانوا قد أهالوا التراب، لم ينبش؛ وذلك لأن السنة التوجيه إلى القبلة، فإذا أمكن ذلك من غير نبش، فعل، وأما إذا أهيل التراب فذلك لا يمكن إلّا بالنبش، فلم يجز للمُثْلَة. قال: وكره أبو حنيفة أن يوطأ على القبر، أو يجلس عليه، أو يقضى عليه حاجة من غائط، أو بول، أو ينام عليه؛ لما رُوي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن الجلوس على القبور" (١)، وعن ابن مسعود أنه قال: "لأن أطأ على جمرةٍ أحبّ إلي من أن أطأ على قبر" (٢)؛ ولأن الآدمي يجب تعظيمه حيًّا وميتًا لحرمته، وفي المشي على قبره، والجلوس عليه، ترك التعظيم. قال: ويكره أن يصلي عنده؛ لما رُوي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن الصلاة إلى قبره"، وقال: "لا تتخذوا قبري مسجدًا، كما اتخذت بنو إسرائيل قبور أنبيائهم مساجد" (٣). وقد روى الحسن عن أبي حنيفة قال: لا ينبغي أن تصلي على ميت بين القبور، فإن فعلت أجزأك، وكان علي وابن عباس يكرهان ذلك، وروى نافع: أنهم صَلَّوا على عائشة وأم سلمة بين مقابر البقيع، والإمام أبو هريرة، وكان هناك ابن عمر (٤) (٥).

стр. 761

بَابْ: معرفة الشهيد الذي لا يغسل قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قُتِلَ الرجل في المعركة، أو غيرها، وهو مقاتل لحق عدوًّا من الكفار، أو قُطّاع الطريق، أو بُغاة، أو قُتِلَ مدافعًا عن ماله، ونفسه، أو أهله، أو عن رجل من المسلمين، أو رجل من أهل الذمة، فهو شهيد، لا يُغسَّل بأي شيء قتل، وعلى أي وجه من وجوه الموت قتل، بسلاح أو غيره. والأصل في سقوط غسل الشهيد: ما روي: "أن النبي ﷺ لم يغسل قَتلى أحد، وقال: "إنهم يبعثون يوم القيامة وجروحهم تشخب دمًا"، وقال: "الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يشخب دمًا" (١)، فجعل العلة التي أسقطت الغُسل: الشهادة في شهداء أحد، وهي موجودة في كل شهيد. ولا يجوز أن يقال: إنه لم يغسل لتعذر ذلك؛ لأنه لو تعذر الغسل مع وجوبه، لوجب التيمم. وقد قال الحسن وابن المسيب: إن الشهداء يغسلون؛ لأن كل ميت يُمْنِي عند موته، وإنما ترك الغسل خاصًّا لأهل أحد، وما ذكرناه دليل عليهما. فأما من قتله المسلمون ظلمًا فإنه لا يغسّل؛ لما رُوي أن يزيد بن صوحان، أوصى أن لا يغسل، وكذلك حجر بن عدي، وعمار بن ياسر، ولم يغسل

стр. 762

الصحابة عثمان بن عفان، وقد قتلَ هؤلاء المسلمون؛ ولأنه مقاتل بحق، كمن قاتل المشركين. وإنما استوى القتل بسائر الآلات؛ لأنه لو قتل بأي آلة وقع، لم يجب به الدية، فصار كقتل سائر الكفار. قال: ويُصَلَّى عليه، وقال الشافعي: لا يصلى عليه (١). لنا: ما روي عن النبي ﷺ : "أنه صَلَّى على قتلى أحد" (٢)؛ ولأن الشهيد إن اعتبر بمن عظمت منزلته، وجب أن يصلى عليه كالأنبياء، وإن اعتبر بمن نقصت منزلته، لم يجز، وهذا في أعلى المنازل [فيصلى عليه]. قال: ويصنع في كفنه ما ذكرتُ لك قبل هذا الباب، يعني من الزيادة والنقصان. قال: وكذلك من قُتل مظلومًا قتلًا يجب به القصاص، فإن وجب به مال، غُسّل. وجملة هذا: أن كل مكلف مقتول ظلمًا لم يجب بقتله (٣) بدل هو مال ولم يرتث، فإنه لا يجب غسله بموته، وإنما لم يؤثر وجوب القصاص؛ لأنه ليس بمال، والمنفعة إذا لم تكن مالًا لم تبطل معنى القربة، كالولاء في العتق. وأما من وجب بقتله الدية، فإنه يغسل؛ لأن المنفعة التي هي مال، تسقط معنى القربة، بدلالة العتق على مال [لا يجزئ] (٤) عن الكفارة.

стр. 763

قال: وهذا كله إذا مات الشهيد قبل أن يرتث، والارتثاث عند أبي يوسف: أن يحمل على أيدي الرجال، أو يأكل أو يشرب، أو يوصي بدَيْنه بثُلُثه، أو يُصَلِّي، أو يبقى يومًا وليلة في المعركة حيًّا يعقل، أو يمضي عليه وقت صلاة فيجب عليه قضاؤها، فإن كان مغمًى عليه في ذلك لا يعقل، فليس بمرتث. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: [أنه] إن بقي في المعركة أقلّ من يوم، لم يكن مرتثًّا، وقال محمد مثل قول أبي يوسف في جميع ذلك، إلا أنه قال: إن عاش في مكانه يومًا كاملًا كان مرتثًّا، وإن كان أقل لم يكن مرتثًّا، ولم يجعل الوصية ارتثاثًا. وقال في الزيادات: إن أوصى بمثل وصية سعد بن الربيع ثم مات، لم يغسل، وإن كثر ذلك في كلامه حتى طال، غسل. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إن تكلم بكلمة أو شيء من نحو ذلك، لم يغسل. وجملة هذا: أن المجروح إذا خرج عن صفة [المقتول وصار] (١) إلى حال الدنيا نقض (٢) بذلك معنى الشهادة فيه، ووجب غسله؛ بدلالة: "أن النبي ﷺ غسل سعد بن معاذ" (٣)، وقد كان ارتث، وإن مات قبل أن يصير إلى حال الدنيا، فليس بمرتث؛ لأن المقتول قد يضطرب في مكانه، وقد يتكلم في الغالب، فلم يعتد بذلك.

стр. 764

أما إذا أكل، أو شرب، أو مرض، فقد صار إلى حال الدنيا، وكذلك إذا أوصى عند أبي يوسف؛ لأن الوصية نظر في مصالحه. وإذا صَلّى فقد صَحَّتْ صلاته، وهذا من أحكام الدنيا (١)، وكذلك إذا مضى وقت صلاة وجبت عليه؛ لأن وجوب الصلاة من أحكام الحياة. فأما إذا بقي في مكانه لا يعقل، فلم يحصل له حكم من أحكام الأحياء، وقال محمد: إن بقي يومًا فما زاد، فهو مرتث؛ لأنه خرج عن حكم الابتداء (٢)، ولم يعتبر قليل الإغماء ولا كثيره، ولم يجعل محمد الوصية ارتثاثًا؛ لأنها من أمر الموت. وقال في الزيادات: إن أوصى بمثل وصية سعد، فليس بارتثاث؛ لأنها كانت من أمور الآخرة، فأما إذا أوصى بأمر من أمور الدنيا، فهو مرتث. قال: ومن وُجِدَ في المعركة لا أثر به، غُسّل؛ لأنه لو كان قتيلًا ظهر به أثر [الضرب]، فلما لم يظهر فيه، فهو ميت، فيغسل. قال: وإن كان الدم خارجًا (٣) من عينه أو أذنه، لم يغسل؛ لأن هذا في الظاهر لا يكون إلا من ضرب، وإن كان من أنفه أو من ذَكَره أو من دُبُره، غُسِّل، وإن كان من جوفه وكان دمًا، لم يغسل. وإن كان دمًا يخرج من رأسه إلى فيه، غُسِّل؛ لأن خروج الدم من الأنف قد يكون للرعاف، وخروجه من الذكر والدبر قد يكون لمرض، فلا يدل

стр. 765

ذلك على القتل. قال: وإن كان الشهيد جُنُبًا غُسِّل عند أبي حنيفة، ولم يغسل عند أبي يوسف ومحمد. وجه قول أبي حنيفة: أن النبي ﷺ بادر إلى غسل سعد بن معاذ، وقال: "خشيت أن تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة" (١)، وقد كان حنظلة قتل جنبًا، فدَلَّ على أن الملائكة لو لم تغسله غسله رسول الله ﷺ ، ولأنه غسل واجب، فلا يسقط بالموت كالنجاسة. وجه قولهما: أن الشهادة أجريت مجرى الغسل، والغسل إذا وجد من طريق المشاهدة، قام مقام ما وجب بالموت وما وجب بالجنابة، فكذلك الغسل من طريق الحكم. وأما الحائض إذا قتلت بعد انقطاع دمها، غسلت عند أبي حنيفة؛ لأن الغسل وجب عليها قبل موتها، كالجنب سواء، وإن قتلت قبل انقطاع الدم، [فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنها لا تغسل؛ [لأنّ الغسل لم يكن وجب في حياتها قبل انقطاع الدم] فلا يجب بعد الموت. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها لا تغسل؛ لأن الموت يقطع حكم الحيض، فكأنّ الدم انقطع عنها قبل موتها (٢). تم كتاب الصلاة، يتلوه كتاب الزكاة والحمد لله رب العالمين

стр. 766

[١٧] كتاب الزكاة قال الشيخ رحمه الله تعالى: الزكاة في اللغة: النماء، يقولون: زكا الزرع إذا نما، وقد عبَّر بها في الشريعة عن أخذ جزء من المال، وذلك ليس بزيادة، إلا أنه لما حصل به النماء بالثواب، سمي زكاة، فالاسم شرعي فيه معنى اللغة. والزكاة في الشرع: كل حق يجب لأجل المال يعتبر في وجوبه الحول والنصاب. والأصل في وجوب الزكاة: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال ﷺ : "بُنِي الإسلام على خمس" (١) وذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وقد قال أصحابنا: إن الزكاة تجب في عين المال، وقال الشافعي في أحد قوليه: تجب في الذمة، والعين مرتهنة بها (٢). لنا: قوله ﷺ : "في خمس ذودٍ شاة، وفي أربعين من الغنم شاة، وفي مائتي

стр. 767

درهم خمسة دراهم" (١)، وهذا يقتضي تعلق الوجوب بالعين، ولأنه حق ينصرف إلى الفقراء، يعتبر فيه الحول شرعًا، فلم يتعلق بالذمة ابتداءً كاللقطة. ٦٣٧ - فَصْل: [كيفية وجوب الزكاة] واختلف أصحابنا في كيفية وجوب الزكاة، فقال أبو الحسن: إنها تجب على الفور، وعن أبي يوسف ما يدل عليه، وهو قول الشافعي (٢). وذكر الحاكم في المنتقى: إذا كان له مائتا درهم، فحال عليها حولان، فلم يزكها، فقد أساء وأثم، ولم يَحِلّ له ما صنع، وعليه زكاة حول واحد. وقال محمد: من لم يؤد الزكاة، لم تقبل شهادته، وروي عنه: أن التأخير لا يجوز. وكان أبو بكر الرازي يقول: إنها على التراخي، ويستدل بما قالوا: أنه إذا أخر الأداء حتى هلك المال، لم يضمن، وذكر ابن شجاع عن أصحابنا مثله. وجه قول أبي الحسن: أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب على الفور، وقد أمر الله تعالى بالزكاة أمرًا مطلقًا. وجه قول أبي بكر: أنها عبادة شرعية، لا تفوت بفوات وقتها، فلم يكن أصل وجوبها على الفور، كقضاء رمضان، ولأنها عبادة يجوز أداؤها قبل وقتها،

стр. 768

فجاز تأخيرها عن أول وقت وجوبها من غير عذر، كالكفارات. ٦٣٨ - فَصْل: [الحول في الزكاة] وقد قال أصحابنا: إن الزكاة تجب بالحول والنصاب. وقال الشافعي في الأم والقديم: تجب بثلاث شرائط: الحول، والنصاب، وإمكان الأداء، وقال في الإملاء: الإمكان من شرائط الضمان (١). لنا: قوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٢)، وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها؛ ولأنها في حالة لو أُتْلِفَ فيها المال، ضمن، فكانت الزكاة واجبة، أصله: بعد الإمكان. والله أعلم (٣).

стр. 769

[١٨] بَابْ: زكاة الذهب والفضة قال رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب الزكاة في الأثمان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مال أدّيت زكاته فليس بكنز" (١)، وقال: "في الرِّقَّة ربع العشر" (٢). قال أبو الحسن: الزكاة واجبة في الذهب والفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، حُلِيًّا كانت أو غير حلي، تِبْرًا كان ذلك أو غير تبر، نوى به التجارة والبيع والشراء، أو لم ينو، إذا بلغت الفضة مائتي درهمًا وزنًا. والأصل في وجوب الزكاة في مضروب ذلك وغير مضروبه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، والاسم يتناول الجميع. وأما اعتبار النصاب؛ فلِمَا روي في حديث عمرو بن حزم: "أن النبي ﷺ كتب له: "الرقة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتين، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم" (٣)، وقال لمعاذ حين وجَّهه إلى اليمن: "لا تأخذ من الكسور شيئًا، فإذا

стр. 770

كانت الورق مائتي درهمٍ، فخذ منها خمسة دراهم" (١)، والنُّصب لا تعلم إلا بالتوقيف. وقد قال أصحابنا: إن النصاب إذا نقص نقصانًا يسيرًا يدخل بين الموازين، لم تجب فيه الزكاة في حق صاحبه؛ لأنه ناقص في ملكه، فلا يعتبر كماله في حق غيره، وإنما اعتبروا الوزن دون العدد؛ لأن إطلاق الدراهم يقتضي الوزن، ألا ترى أنه عبارة عن [جملة موزونة، وعن] قدر من الوزن يشتمل على جملة موزونة من الدوانيق والحبات. قال أبو الحسن: وزن سبعة: وهو أن يكون الدرهم وزنه أربعة عشر قيراطًا، ويكون العشرة وزن سبعة مثاقيل، والمائتان وزن مائة وأربعين مثقالًا؛ وذلك لأن هذا الوزن هو الذي تعلق به الحكم في الشرع باتفاق الفقهاء، وقد كانت الدراهم في الجاهلية ثقالًا مثاقيل، وخفافًا طرية، فلما قرنت الدراهم في الإسلام، جمعوا الدرهم الثقيل [المثقال]، والخفيف [الطري] فجعلوهما درهمين، فكانا درهمين بوزن سبعة، واتفقت الأمة على تعليق الأحكام بها. فأما الذهب، فإذا بلغ عشرين مثقالًا ففيه نصف مثقال (٢). والأصل في ذلك: ما روي "أن النبي ﷺ قال في كتاب عمرو بن حزم:

стр. 771

"فإذا بلغ الذهب قيمة مائتي درهم، ففيه ربع عشره" (١)، وكان الدينار مقدرًا بعشرة دراهم، فقدر نصاب الذهب بعشرين مثقالًا، وأجمعت الأمة عليه. ٦٣٩ - فَصْل: [الزكاة فيما زاد على المائتين] وقد قال أبو حنيفة: ليس فيما زاد على المائتين زكاة حتى يبلغ أربعين، فيكون فيها درهم، وعلى هذا أبدًا: في كل أربعين درهمٍ درهم. وليس فيما زاد على نصاب الذهب زكاة حتى يبلغ أربعة مثاقيل، فيكون فيها قيراطان، وعلى هذا أبدًا، يجب في كل أربعة [ذلك]. وقال أبو يوسف ومحمد: ما زاد على المائتين، وعلى العشرين مثقالًا، ففيه الزكاة بحسابه، وبه قال الشافعي (٢). وجه قوله: ما روي في كتاب عمرو بن حزم: "فإذا بلغت مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة"، وفي حديث عبادة بن نسي عن معاذ: "أن رسول الله ﷺ أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسور شيئًا، فإذا كانت الوَرِق مائتي درهم، فخذ منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئًا حتى يبلغ أربعين درهمًا، فخذ منها درهمًا) (٣)؛ ولأن كل مالٍ له نصاب، كان له عفو بعد النصاب لإيجاب الزكاة

стр. 772

كالإبل؛ ولأن كل حالة يعتبر فيها عفو السائمة، يعتبر فيها عفو الأثمان كالابتداء. وجه قولهما: ما روي في حديث عَلِيّ: أن النبي ﷺ قال: "ما زاد على المائتين فبحسابه" (١)؛ ولأنها زيادة على نصاب من جنس الأثمان، فصارت كالأربعين. والجواب: أن الخبر هذا لم يروه أحد على القطع، وإنما شَكّ فيه الراوي: أن قوله: "وما زاد على المائتين" من كلام رسول الله ﷺ ، أو من غير كلامه، فلا يعارض ذلك خبرنا [المجمع عليه من النقل]. ٦٤٠ - فَصْل: [تعلق التملك في زكاة الأثمان] فأما قول أبي الحسن: نوى بذلك التجارة والشراء والبيع، أو لم ينو؛ فلأن وجوب الزكاة في الأثمان يتعلق بتملكها، ولا تعتبر فيها صفة زائدة على الملك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، والكنز: هو المال الذي لم يعدّ للتقلب؛ ولأن الأموال إنما اعتبر فيها القصد إلى طلب النماء؛ ولأن ذلك لا يمكن فيها إلا بمعنًى ينضم إلى الملك: إما السوم أو التجارة، والذهب والفضة معدّان للنماء، يمكن أن يصرفه فيما شاء، ليحصل له الربح، فصار كالمعَدِّ بالنية. ٦٤١ - فَصْل: [زكاة الحُلِيّ] وأما الحُلِيّ، فقد قال أصحابنا: الزكاة فيه واجبة، وقال الشافعي: كل حُلِي

стр. 773

معد للبس مباح، أو لعارية طلب الثواب، فلا زكاة فيه (١). لنا: ما روي أن أم سلمة كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فسألت نبي الله ﷺ : أكنز هو؟ قال: "إذا أديتِ زكاته فليس بكنز" (٢)، وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن امرأتين أتتا إلى النبي ﷺ في أيديهما سِواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاته؟ فقالتا: لا، فقال لهما: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار جهنم؟، قالتا: لا، قال: فأدّيا زكاته" (٣). ولأن كل عين لو لم تكن معدة للاستعمال، وجبت (٤) الزكاة فيها، فإن الزكاة تجب فيها وإن كانت معدة للاستعمال كاللجام والأواني، ولا يلزم العروض؛ لأنها إذا لم تعد للاستعمال لا تجب الزكاة فيها حتى يبيعها بنية التجارة. [ولأنها ملكت] (٥) قدر النصاب من جنس الأثمان، فوجبت فيه الزكاة كالآنية.

стр. 774

٦٤٢ - فَصْل: [تكملة النصاب بضم أحد الصنفين إلى الآخر] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: فإذا اجتمع الصنفان جميعًا، ضُمَّ بعضهما إلى بعض، وإنما يعني بذلك: إذا كان كل واحد منهما أقل من نصاب، كمّل نصاب أحدهما بالآخر. وقال الشافعي: يعتبر لكل واحد منهما نصاب بانفراده. لنا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، ولم يفصل بين من ملك نصابًا أو نصابين؛ ولأن كل عينين إذا بيع إحداهما بالأخرى، يعتبر فيهما التقابض في المجلس، جاز أن يضم إحداهما إلى الأخرى في إيجاب الزكاة، كالسود والبيض؛ ولأن نصاب أحدهما يكمل بما يكمل به نصاب الآخر؛ بدلالة أن من ملك أقلَّ من عشرين مثقالًا، وأقل من مائتي درهم، وعنده عَرَض اشتراه بعَرَض، ونقد البلد في الدنانير والدراهم سواء: فإن شاء كمل به نصاب الذهب، وإن شاء كمل به نصاب الفضة، وإذا كمل نصاب أحدهما بما يكمل به نصاب الآخر، فصار كالنوعين من جنس واحد. ٦٤٣ - فَصْل: [كيفية ضم بعض النصاب إلى البعض الآخر] وأما كيفية الضمّ، فقال أبو حنيفة: يُقَوَّم أحدهما ويضمه إلى الآخر، وقال محمد وأبو يوسف: لا تجب الزكاة في الأثمان بقيمة أبدًا، وإنما يضم بالأجزاء، فإذا كان معه نصف أحد النصابين ونصف الآخر، وجبت الزكاة. ويتعين الخلاف بينهم: فيمن له مائة درهم، وخمسة دنانير قيمتها مائة درهم، فقال أبو حنيفة: تجب فيها الزكاة، وقالا: هذا معه نصف نصاب، وربع

стр. 775

نصاب، فذلك ثلاثة أرباع نصاب، فلا زكاة عليه. وجه قوله: أن كل مائتين وجب ضَمُّ أحدهما إلى الآخر في أداء الزكاة، ضُمَّ بالقيمة كالعروض. وجه قولهما: أن الزكاة تتعلق بأعيان الأثمان دون قيمتها؛ بدلالة أن من له إبريق وزنه مائة وخمسون درهمًا، وقيمته مائتان، فلا زكاة [عليه فيه] مع كمال القيمة لنقصان الوزن. وهذا ليس بصحيح؛ لأنا لا نعتبر القيمة للإيجاب، وإنما نعتبرها للضَّمِّ، فإذا انفرد أحد الجنسين فلا ضم، فلا تعتبر القيمة [بخلاف الجنسين]. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما، وهو قوله الأول. والله أعلم (١).
следующие страницы →