"فإذا بلغ الذهب قيمة مائتي درهم، ففيه ربع عشره" (١)، وكان الدينار مقدرًا بعشرة دراهم، فقدر نصاب الذهب بعشرين مثقالًا، وأجمعت الأمة عليه.
٦٣٩ - فَصْل: [الزكاة فيما زاد على المائتين]
وقد قال أبو حنيفة: ليس فيما زاد على المائتين زكاة حتى يبلغ أربعين، فيكون فيها درهم، وعلى هذا أبدًا: في كل أربعين درهمٍ درهم.
وليس فيما زاد على نصاب الذهب زكاة حتى يبلغ أربعة مثاقيل، فيكون فيها قيراطان، وعلى هذا أبدًا، يجب في كل أربعة [ذلك].
وقال أبو يوسف ومحمد: ما زاد على المائتين، وعلى العشرين مثقالًا، ففيه الزكاة بحسابه، وبه قال الشافعي (٢).
وجه قوله: ما روي في كتاب عمرو بن حزم: "فإذا بلغت مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة"، وفي حديث عبادة بن نسي عن معاذ: "أن رسول الله ﷺ أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسور شيئًا، فإذا كانت الوَرِق مائتي درهم، فخذ منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئًا حتى يبلغ أربعين درهمًا، فخذ منها درهمًا) (٣)؛ ولأن كل مالٍ له نصاب، كان له عفو بعد النصاب لإيجاب الزكاة
стр. 772
كالإبل؛ ولأن كل حالة يعتبر فيها عفو السائمة، يعتبر فيها عفو الأثمان كالابتداء.
وجه قولهما: ما روي في حديث عَلِيّ: أن النبي ﷺ قال: "ما زاد على المائتين فبحسابه" (١)؛ ولأنها زيادة على نصاب من جنس الأثمان، فصارت كالأربعين.
والجواب: أن الخبر هذا لم يروه أحد على القطع، وإنما شَكّ فيه الراوي: أن قوله: "وما زاد على المائتين" من كلام رسول الله ﷺ ، أو من غير كلامه، فلا يعارض ذلك خبرنا [المجمع عليه من النقل].
٦٤٠ - فَصْل: [تعلق التملك في زكاة الأثمان]
فأما قول أبي الحسن: نوى بذلك التجارة والشراء والبيع، أو لم ينو؛ فلأن وجوب الزكاة في الأثمان يتعلق بتملكها، ولا تعتبر فيها صفة زائدة على الملك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، والكنز: هو المال الذي لم يعدّ للتقلب؛ ولأن الأموال إنما اعتبر فيها القصد إلى طلب النماء؛ ولأن ذلك لا يمكن فيها إلا بمعنًى ينضم إلى الملك: إما السوم أو التجارة، والذهب والفضة معدّان للنماء، يمكن أن يصرفه فيما شاء، ليحصل له الربح، فصار كالمعَدِّ بالنية.
٦٤١ - فَصْل: [زكاة الحُلِيّ]
وأما الحُلِيّ، فقد قال أصحابنا: الزكاة فيه واجبة، وقال الشافعي: كل حُلِي
стр. 773
معد للبس مباح، أو لعارية طلب الثواب، فلا زكاة فيه (١).
لنا: ما روي أن أم سلمة كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فسألت نبي الله ﷺ : أكنز هو؟ قال: "إذا أديتِ زكاته فليس بكنز" (٢)، وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن امرأتين أتتا إلى النبي ﷺ في أيديهما سِواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاته؟ فقالتا: لا، فقال لهما: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار جهنم؟، قالتا: لا، قال: فأدّيا زكاته" (٣).
ولأن كل عين لو لم تكن معدة للاستعمال، وجبت (٤) الزكاة فيها، فإن الزكاة تجب فيها وإن كانت معدة للاستعمال كاللجام والأواني، ولا يلزم العروض؛ لأنها إذا لم تعد للاستعمال لا تجب الزكاة فيها حتى يبيعها بنية التجارة.
[ولأنها ملكت] (٥) قدر النصاب من جنس الأثمان، فوجبت فيه الزكاة كالآنية.
стр. 774
٦٤٢ - فَصْل: [تكملة النصاب بضم أحد الصنفين إلى الآخر]
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: فإذا اجتمع الصنفان جميعًا، ضُمَّ بعضهما إلى بعض، وإنما يعني بذلك: إذا كان كل واحد منهما أقل من نصاب، كمّل نصاب أحدهما بالآخر.
وقال الشافعي: يعتبر لكل واحد منهما نصاب بانفراده.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، ولم يفصل بين من ملك نصابًا أو نصابين؛ ولأن كل عينين إذا بيع إحداهما بالأخرى، يعتبر فيهما التقابض في المجلس، جاز أن يضم إحداهما إلى الأخرى في إيجاب الزكاة، كالسود والبيض؛ ولأن نصاب أحدهما يكمل بما يكمل به نصاب الآخر؛ بدلالة أن من ملك أقلَّ من عشرين مثقالًا، وأقل من مائتي درهم، وعنده عَرَض اشتراه بعَرَض، ونقد البلد في الدنانير والدراهم سواء: فإن شاء كمل به نصاب الذهب، وإن شاء كمل به نصاب الفضة، وإذا كمل نصاب أحدهما بما يكمل به نصاب الآخر، فصار كالنوعين من جنس واحد.
٦٤٣ - فَصْل: [كيفية ضم بعض النصاب إلى البعض الآخر]
وأما كيفية الضمّ، فقال أبو حنيفة: يُقَوَّم أحدهما ويضمه إلى الآخر، وقال محمد وأبو يوسف: لا تجب الزكاة في الأثمان بقيمة أبدًا، وإنما يضم بالأجزاء، فإذا كان معه نصف أحد النصابين ونصف الآخر، وجبت الزكاة.
ويتعين الخلاف بينهم: فيمن له مائة درهم، وخمسة دنانير قيمتها مائة درهم، فقال أبو حنيفة: تجب فيها الزكاة، وقالا: هذا معه نصف نصاب، وربع
стр. 775
نصاب، فذلك ثلاثة أرباع نصاب، فلا زكاة عليه.
وجه قوله: أن كل مائتين وجب ضَمُّ أحدهما إلى الآخر في أداء الزكاة، ضُمَّ بالقيمة كالعروض.
وجه قولهما: أن الزكاة تتعلق بأعيان الأثمان دون قيمتها؛ بدلالة أن من له إبريق وزنه مائة وخمسون درهمًا، وقيمته مائتان، فلا زكاة [عليه فيه] مع كمال القيمة لنقصان الوزن.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنا لا نعتبر القيمة للإيجاب، وإنما نعتبرها للضَّمِّ، فإذا انفرد أحد الجنسين فلا ضم، فلا تعتبر القيمة [بخلاف الجنسين].
وقد روى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما، وهو قوله الأول. والله أعلم (١).
стр. 776
[١٩] بَابْ: زكاة أموال التجارة
[قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى]: قال أصحابنا: عروض التجارة تجب فيها الزكاة، وقال مالك: إذا نضّت (١)، زكَّاها لحول واحد، وقال نفاة القياس: لا زكاة فيها (٢).
لنا: ما روي في حديث جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ كان يأمرنا بإخراج الزكاة من [الرقيق] (٣) الذي يعد للبيع"، وفي حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: "في البَزِّ صدقة" (٤)، قاله بالزاي، وفي الحديث المعروف: أن النبي ﷺ قال: "ألا لا ألفينّ أحدكم يوم القيامة يأتي وعلى عنقه نسع من أدم، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني عنك من الله شيئًا، ألا قد بلغت" (٥)، وهذا قاله في مانعي الزكاة، وروي في حديث عمر أنه قال لحماس: "أدِّ زكاة مالك، فقال: إن
стр. 777
مالي الجعاب والأُدم، فقال: أدِّ زكاتها" (١)؛ ولأنه مال يطلب نماؤه لا من بدل منافعه كالسوائم.
وعلى مالك: أنّ ما وجبت زكاته لحول واحد، وجبت زكاته لكل حول كالسوائم والدراهم (٢).
٦٤٤ - فَصْل: [إخراج زكاة العروض]
وقد قال أصحابنا: إن زكاة العروض في عينها، وقال الشافعي: في قيمتها (٣).
لنا: قوله ﷺ : "وفي البَزِّ صدقة"؛ ولأنها عين، فلا تجب الزكاة في قيمتها كسائر الأعيان، ولأنها نوع زكاة، فلا يتعين إخراجها من جنس النصاب، كخمس من الإبل.
٦٤٥ - فَصْل: [الزكاة فيما سوى الأثمان]
وقد قال أصحابنا: إن ما سِوى الأثمان من الأموال لا تجب فيها الزكاة، حتى ينضم إلى الملك طلب النماء بالتجارة، أو السوم فيما يسام، ولا تعمل النية في ذلك، حتى ينضم إليها الفعل بالبيع والشراء فيما أريد به التجارة، أو السوم فيما يسام؛ وذلك لأن حقوق الله تعالى تتعلق بالمال النامي، وهذه الأموال قد
стр. 778
[ترصد] (١) للنماء ولغيره، فما لم يقصد به النماء، لا تجب فيه الزكاة.
وإنما لم تكف النية؛ لأن التجارة والسوم عمل، والعمل لا يكون عملًا بمجرد النية، فما لم يوجد التصرف بالبيع، والشراء، والرعي، لم تجب الزكاة.
٦٤٦ - فَصْل: [نصاب عروض التجارة]
قال أبو الحسن ﵀: وما كان من أموال التجارة كائنًا ما كان عقارًا أو عرضًا، أو شيئًا مما يكال أو يوزن، وسائر أصناف الأموال، ففيه الزكاة: ربع العشر، إذا بلغت قيمته مائتي درهم، أو عشرين مثقالًا من الذهب، وحال عليه الحول.
أما وجوب الزكاة في العروض، فقد قدمناه، واختلاف أنواعها واتفاقها سواء؛ لأن المعتبر فيها الغنى بقيمتها، وإنما جعل نصابها من قيمتها؛ لأنه لا نصاب لها في نفسها، والمقصود منها ليس هو أعيانها، وإنما هو التمول بمعانيها، فجعل نصابها من مقصودها، وهو القيمة.
وأما اعتبار حول الحول؛ فلقوله ﵇: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٢)، وأما ضمُّ بعضها إلى بعض؛ فلأن المعتبر القيمة، وهي متفقة.
وقد قال أصحابنا: وإنما يعتبر فيها كمال تمام النصاب في أول الحول وآخره، ولا يعتبر بنقصانه فيما بين ذلك، وقال الشافعي: يعتبر كمال قيمتها في آخر الحول دون أوله (٣).
стр. 779
لنا: أن كل حالة اعتبر فيها كمال نصاب من السائمة، اعتبر فيها كمال نصاب العروض كآخر الحول؛ ولأنه حول، فلا ينعقد على ما دون النصاب كالماشية.
٦٤٧ - فَصْل: [إخراج العين أو القيمة]
وأما قول أبي الحسن: إذا بلغت قيمته ما تبيّن، أخرج ربع عشره، فقد قال أصحابنا: إنه يخَيّر في العروض بين إخراج جزء منها، وبين إخراج قيمة ربع عشرها، وهذا فرع على جواز إخراج القيم في الزكاة [عندنا]، وهذه المسألة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى؛ ولأن كل عين وجبت الزكاة لأجلها، جاز إخراج زكاتها منها كالسوائم.
٦٤٨ - فَصْل:
وقد قال أبو حنيفة: إن المالك يخيّر عند حلول الحول: بين إخراج ربع عشر العين، وبين إخراج ربع عشر القيمة، وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب بالحول ربع عشر العين، وإنما ينقل إلى القيمة عند الأداء.
ويتعين الخلاف بينهم: فيمن له مائتا قفيز حنطة (١)، تساوي مائتي درهم، حال عليها الحول، وهي كذلك، فلم تؤدّ زكاتها حتى نقص السعر، فصارت قيمتها مائة درهم.
وقال أبو حنيفة: إن أخرج من العين، أخرج خمسة أقفزة، وإن أخرج من
стр. 780
القيمة، أخرج خمسة دراهم، وقالا: إن أخرج من القيمة، أخرج درهمين ونصف درهم.
وجه قوله: إن زكاة الأموال متعلقة بأعيانها، وقد دلت الدلالة على جواز إخراج قيمتها، فكأنه قيل له عند الحول: إما أن تخرج ربع عشر العين أو قيمتها، فيجب عليه بالحول أحد الأمرين بغير عينه، فإذا اختاره تعين عليه على الوجه الذي كان عند الحول، ونقصان القيمة بعد ذلك لا يؤثر.
وجه قولهما: أن الزكاة تتعلق بالأعيان والقيمة بدل عنها، تنتقل إليها باختيار المالك، فوجب اعتباره عند الانتقال، كسائر الأبدال.
٦٤٩ - فَصْل: [الزكاة في آلات الصُّنَّاع ونحوها]
وإذا ثبت بما قدمناه من وجوب الزكاة في العروض: فقد قال أصحابنا: إن الأُجراء الذين يعملون للناس بأعيان من عندهم، كالصَّبَّاغين والقَصَّارين إذا ابتاعوا تلك الأعيان ليعملوا بها، فحال عليها الحول عندهم، فهي على وجهين: كل عين يبقى لها في المعمول أثر كالعصفر والزعفران، والسَّمْن الذي يدبغ به الجلد والشحم، فإن في ذلك الزكاة؛ لأن ما يأخذونه من الأجر في حكم العوض عن هذه الأعيان، ألا ترى أنهم يسلمونها إلى المستأجر، فصارت كأموال التجارة.
وأما ما لا يبقى له أثر في المعمول فيه مثل الصابون والأشنان، [والحطب للتنور والملح]، فلا زكاة فيه؛ لأن العين تتلف، فلا يكون العوض مأخوذًا عنها، فلا تجب الزكاة فيها.
وأما آلات الصُّنَّاع التي يعملون بها ظروف أمتعة التجار، كبراني العطار
стр. 781
التي لا تباع مع المتاع، فلا زكاة فيها؛ لأنها لم تعد للتقلب والتصرف.
وقالوا: في نخاس الدواب إذا ابتاع المقاود والجِلال [فقد قال أصحابنا]: فإن كان يبيعها مع الدواب ففيها الزكاة؛ لأنها [ترصد] للنماء، وإن كان لا يبيعها وإنما يحفظ بها الدواب، فلا زكاة فيها كآلة الصُّنَّاع.
٦٥٠ - فَصْل: [منع الزكاة لسبب الدَّيْن]
قال أبو الحسن: فإن كان عليه دَيْن عزل قدر الدَّيْن، وأدّى زكاة ما بقي، وهذا كما قلنا: أن الدين يمنع الزكاة عندنا بقدره، وقال الشافعي: لا يمنع (١).
لنا: أن الزكاة حق لله تعالى لا يتعلق بمال المكاتَبِ، [فلا يتعلق بمال قِنّ عليه دَين مستغرق كالأُضحية؛ ولأن الصدقة تحل له مع ثبوت يده على ماله، فلا يجب عليه، كالمكاتب]؛ ولأن الدين يوجب نقصان الملك؛ بدلالة أن الغريم له أن يأخذ المال [منه]، ويملكه من غير رضًا ولا قضاء، وهذا يدل على عدم الملك، فأولى أن يدل على نقصانه، ولا يلزم الأب [أن] يأخذ من مال ابنه بنفقته؛ لأنه لا يتملكها.
ولا يلزم الواهب أن يرجع في الهبة؛ لأنه لا يتملكها إلا برضًا أو قضاء، ولا يلزم الحربي يغلب [على أمواله، أو هو] على أموالنا؛ لأن ذلك لا يجوز، ولا يلزم عليه أخذنا لأموال الحربي؛ لأن جواز ذلك أوجب عندنا نقصان ملكه، ونقصان المِلك يمنع وجوب الزكاة، كمال المكاتب.
стр. 782
٦٥١ - فَصْل: [الدَّيْن الذي يسقط الزكاة]
قال أبو الحسن: وهذا إذا كان الدَّيْن مما يثبت للناس المطالبة به، وبه يأخذ الحكام والأئمة، وما كان غير ذلك من العبادات: مثل الكفارات، والنذور، والحج، ونحو ذلك، فليس يسقط وجوب الزكاة، ولا يعزل من المال بقدره.
وهذا صحيح؛ لأن كُلَّ دَيْنٍ يثبت للآدمي المطالبة به، فإنه يمنع من وجوب الزكاة؛ لأنه يؤثر في نقصان الملك، وما كان من حقوق الله تعالى التي لا يطالب بها الآدمي، فإنها لا تمنع؛ لأنها عبادة لا يطالب بها الآدمي كالصلاة.
وقد قال أصحابنا: إن النفقة ما لم يقض بها، فإنها لا تمنع الزكاة؛ لأنها ليست في حكم الدين، فإذا قضى بها [القاضي] منعت [الزكاة].
وقالوا: فيمن ضمن دركًا في بيع، فاستحق المبيع بعد الحول: لم تسقط الزكاة؛ لأن الدَّيْن إنما وجب عليه عند الاستحقاق، ولم يجب بالضمان.
٦٥٢ - فَصْل: [الزكاة تمنع الزكاة]
فأما الزكاة، فإن وجوبها يمنع الزكاة عند أبي حنيفة ومحمد في الأموال الظاهرة والباطنة، سواء كانت الزكاة في العين أو في الذمة.
وقال زفر: الزكاة لا تمنع الزكاة، وقال أبو يوسف: إذا كانت الزكاة في العين، منعت [الزكاة] استحسانًا، وإن كانت في الذمة مثل من وجبت الزكاة في ماله فاستهلكه، ثم ملك مالًا آخر، فإن وجوب الزكاة في ذمته لا يمنع وجوب الزكاة في هذا المال.
стр. 783
وقد روي أن أبا يوسف قيل له: ما حجتك على زفر؟ فقال: أيّ حجة لي على من قال: يجب في مائتي درهم أربعمائة درهم.
وهذا صحيح؛ لأن الزكاة إذا لم تمنع الزكاة، وجب في المال أكثر منه، وهذا قبيح.
أما الأموال الظاهرة، فلا شبهة فيها؛ لأن الإمام يطالب بزكاتها، والحقوق التي يطالب بها الآدمي تمنع الزكاة كالدين.
فأما الباطنة فحق الأئمة متعلق فيها، ألا ترى أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر وعمر ﵄ طالبوا بها، وطالب بها عثمان ﵁، ثم قال: "من كان عليه دين فليؤدّه، وليزكّ ما بقي له من ماله" (١)، وهذا توكيل [منه] لأرباب الأموال، ألا ترى أن الإمام يملك أن يستنيب في حقوق المسلمين، ولا يملك إسقاطها.
ولا يجوز أن يقال: لو كان كذلك، لجاز لمن بعده المطالبة بها؛ لأن عثمان إنما وكّل بالمطالبة لما كثرت الأموال، وعلم أن في تتبعها مشقة على أربابها، وهذا المعنى موجود بعده؛ فلذلك لم يجز فسخ توكيله.
وقد كان أصحابنا يقولون: إذا اطَّلع الإمام على ترك أهل بلد لإخراج زكاتهم، جاز أن يطالبهم، فإذا ثبت أن عثمان ﵁ وَكَّل أرباب الأموال، والتوكيل لا يسقط الحق، فحق المطالبة قائم، فصارت كالأموال الظاهرة.
وجه قول زفر: أنها عبادة، فوجوبها لا يمنع الزكاة كالنذور، والكفارات، والحج.
стр. 784
وجه قول أبي يوسف: أن القياس ما قال زفر، إلا أن الزكاة إذا كانت في العين، فجزء منها مستحَق بها، فكان النصاب ناقصًا، وهذا المعنى لا يوجد فيما في الذمة، فبقي على أصل القياس، [فلا يمنع وجوب الزكاة].
٦٥٣ - فَصْل: [هلاك المال كله في الحول]
قال: فإن هلك المال كله في الحول، ثم كسب في ذلك الحول مالًا، استأنف حولًا له إذا كان ما أفاد قدر النصاب؛ وذلك لأن المال إذا هلك انقطع الحول؛ لأن الحول لا يكون حولًا لنفسه، وإنما هو حول لغيره، فإذا لم يبق ما يكون حولًا له سقط.
وليس كذلك إذا هلك بعض النصاب؛ لأنه بقي ما يتعلق الحول به، فجاز أن يبني عليه.
٦٥٤ - فَصْل: [ضمّ النقدين إلى العروض]
قال: والذهب والفضة يضم كل واحد منهما إلى العروض؛ وذلك لأن نصاب العروض من قيمتها، والقيمة من جنس الدراهم والدنانير، فيضم بعضها إلى بعض.
إلّا أنهم اختلفوا في الضم، فقال أبو حنيفة: يجوز تقويم العروض وضمها، ويجوز تقويم الدراهم وضمها.
وقالا: لا تضم الدراهم بالقيمة، ولكن تُقَوَّم العروض، فإذا بلغت جزءًا من النصاب ضم الدراهم إليها بالأجزاء، وقد بيّنا ذلك.
стр. 785
٦٥٥ - فَصْل: [انقلاب الأموال في الحول]
قال: وإذا انقلبت الأموال في الحول، فبيع بعضها ببعض، فانقلبت إلى جنسها وغير جنسها، فالحول معتبر فيها بأوّله، فإذا تمّ وجبت الزكاة، وهذا لا خلاف فيه في العروض؛ وذلك لأن المقصود منها قيمتها دون أعيانها، فاختلاف العين لا يؤثر.
فأما الدراهم والدنانير إذا باعها بجنسها، أو بغير جنسها، لم ينقطع حولها عندنا.
وقال الشافعي: ينقطع، ولا يجب في مال الصيارفة زكاة (١).
لنا: أن المقصود منها التمول بها دون أعيانها، وذلك موجود في أبدالها، فصارت كالعروض.
وأما السائمة إذا باعها بجنسها، انقطع حولها عندنا، وقال زفر: لا ينقطع حولها.
لنا: أن المقصود من الحيوان عينه لا قيمته، فصار اختلاف الأعيان كاختلاف الأجناس.
وجه قول زفر: أنه نقلها إلى جنسها، فصار كالدراهم إذا باعها بدراهم.
٦٥٦ - فَصْل: [أثر تَغَيُّر النية في العروض]
قال: وما كان في يده من عروض قد ورثها، أو وُهِبَت له، أو ملكها ببيع
стр. 786
وهو لا يريد بها التجارة في حال ابتياعه لها، ثُمّ نوى بها التجارة، فإنها لا تكون للتجارة حتى يبيعها، فيكون إبدالها للتجارة.
وهذا على ما قدمناه: أن الأموال التي ليست بأثمان، لا يجب فيها الزكاة بالملك حتى ينضم إليها طلب النماء، وبيّنا أن نية التجارة لا يتعلق بها حكم حتى ينضم إليها البيع.
فأما إذا كان المال للتجارة، ونوى أن يجعله للقُنْية، خرج من التجارة بنفس النية؛ لأن ذلك ترك للعمل، والإنسان يصير تاركًا للشيء بالنية.
فأما السائمة إذا نوى أن يجعلها مَعْلوفةً، أو عاملة، فإن كان يرعاها لم يتعلق بنيته حكم؛ لأنه ليس بتارك للسَّوم، وإن ترك رعيها، فقد أخرجها من السَّوْم، فسقطت عنه زكاتها.
٦٥٧ - فَصْل: [تقويم العروض بحولان الحول]
قال: وإذا كان حال الحول، فأراد أن يُقوِّم العروض، قَوَّمها عند أبي حنيفة بأوفر القيمتين، وما هو أحظى (١) للمساكين من الدراهم والدنانير.
وروى محمد عن أبي يوسف: أنه يُقَوِّمُها على الثمن الذي اشتراها به، فإن لم يكن اشتراها بثمن، قَوَّمها على الأغلب (٢) من النقد في المِصْر الذي هو فيه.
وحكى ابن سماعة عن محمد: أنه يُقَوِّمها بغالب نقد البلد في مصره، وهو ما يتعارفونه من نقدهم إذا لم يشترطوا نقدًا بعينه.
стр. 787
وجه قول أبي حنيفة: أن المالك قد ملك النصاب، وانتفع به في طول الحول، فوجب اعتبار منفعة المساكين، فما كان أوفر لحقهم، فهو أولى؛ ولأن القيمة إذا بلغت بأحد المالين النصاب، ولم تبلغ بالآخر، قوّم بما يبلغ النصاب؛ لِمَا في ذلك من منفعة المساكين، فكذلك هذا.
وجه قول أبي يوسف: أن حكم البدل حكم المبدل عنه في الزكاة، فكان الثمن الذي اشتراه به في يده، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب اعتبار قدر الثمن، فلما لم يعتبر قدره، فكذلك جنسه.
وجه قول محمد: أن كل مال احتجنا تقويمه، قُوِّم بغالب نقد البلد كالمستهلك (١).
стр. 788
بَابْ: تصرف الرجل في ماله بعد الحول
قال رحمه الله تعالى: هذا الباب مبني على أصلنا في جواز بيع ما وجبت الزكاة فيه، وقال الشافعي: لا يجوز بيع مقدار الزكاة، وبيع ما عداه فيه قولان (١).
لنا: أنه حق لله تعالى، يجب لأجل المال، فجاز بيع المال الذي وجب لأجله مع بقاء وجوبه كصدقة الفطر [في عبده]؛ لأن كل عين جاز بيعها بعد إخراج زكاتها، جاز قبل إخراج زكاتها، كما قبل إمكان الأداء.
٦٥٨ - فَصْل: [إخراج المالك ملكه بعد تمام الحول]
قال أبو الحسن: إذا حال الحول على مال لرجلٍ، فوجبت فيه الزكاة، فإن أخرجه مالكه عن ملكه بغير عوض، أو بعوض لا يجب فيه الزكاة، فهو ضامن لما وجبت فيه من الزكاة، سواء بقي العوض في يده أو هلك؛ وذلك لأنه إذا تصرف في ماله، فهو على وجهين:
كل تصرف قطع به الحول، ضمن به الزكاة.
ومثاله ما ذكره، وكذلك إذا باع السائمة بغير جنسها؛ لأن حول المال الثاني لا يبتنى على حول المال الأول، فقد (٢) قطع الحول، فضمن؛ ولأنه إنما يتصرف
стр. 789
في حقهم من طريق الحكم، فإذا أسقط حقهم بتصرفه ضمنه، كالوَصِيّ إذا تصرف على وجه غير مأذون فيه.
فأما إذا تصرف تصرفًا لا يقطع الحول، مثل أن يبيع العروض بالعروض، أو بدراهم، أو بدنانير، فإنه لا يضمن (إذا هلك في يده من غير تعدي) (١)؛ لأن حق الفقراء لم ينقطع بهذا التصرف، فكان مأذونًا فيه، فلم يضمن كالوَصِيِّ إذا باع على الوجه المأذون فيه.
٦٥٩ - فَصْل:
قال: وإن كان العوض عن ذلك غير مال، مثل: أن يتزوج عليه، أو يستأجر به، أو يصالح [به] عن دم عمد، أو تخلع به، فالزكاة في ذلك مضمونة، وهذا على ما بيّنا: أنه تصرّفٌ يقطع به حكم الحول.
٦٦٠ - فَصْل: [الإخراج بعوض مع المحاباة]
قال: فإن كان أخرجه في عوض وحابى فيه، فإنه إن كانت المحاباة مما يتغابن فيه الناس، لم يضمن، وإن كان حابى بما لا يتغابن فيه، ضمن زكاة مقدار ما نقص، ولم يضمن زكاة ما بقي؛ وذلك لأنه يتصرف في حق الفقراء من طريق الحكم، ألا ترى أنهم لم يأذنوا له في التصرف، فصار كالأب، والوَصِيّ، والحاكم، إذا حطوا ما يتغابن في مثله، جاز، وإن حطوا أكثر (٢) من ذلك لم يجز، وما لا يجوز تصرّف الوصي فيه، يضمنه ربّ المال.
стр. 790
٦٦١ - فَصْل:
وقد قال أصحابنا في عبد التجارة: إذا قتله عبد خطأ، فدفع به: إن الثاني (١) للتجارة؛ لأنه عوض عن الأول، فهو كالعوض بالبيع.
ولو قتله عمدًا فصالح المولى عن الدم على عبده، أو غيره، فليس للتجارة؛ لأنه ليس بعوض عن المقتول، وإنما هو عوض عن القصاص، وذلك ليس بمال.
وقالوا: فيمن اشترى عصيرًا للتجارة، فصار خمرًا، ثم صار خَلًّا، فإنه للتجارة؛ لأنه لم يحدث [فيها] ما يخرجها عن حكم التجارة، وإنما تَعَذَّرَ بيعها، ثم زال التعذر، وكذلك قالوا في الشاة إذا ماتت فدبغ جلدها: إن الجلد للتجارة لما ذكرنا.
стр. 791
بَابْ: زكاة الفائدة
قال أبو الحسن: وما استفاد الرجل من ماله وعنده نصاب في أول الحول، ضَمَّه إليه وزكّاه إذا حال الحول منذ ملك النصاب الأول، وكذلك إذا هلك بعض النصاب وبقي بعضه قبل الحول، ثم استفاد تمام النصاب أو أكثر من ذلك، فإنه يزكِّي ما حال عليه الحول وهو في يده، وهذا في كل ما يحتاج إلى حول الحول، مثل أموال التجارة، وأولاد السائمة، وثمر نخل التجارة، ولا يحتاج في ذلك إلى أن يحول على النماء الحول.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا: أن كل زيادة لو كانت موجودة في أول الحول، لضمّها إلى ماله، فإذا حدثت في أثناء الحول، جاز أن يضمها إليه.
وقال الشافعي في أولاد السائمة: إنها تُضَمُّ، وكذلك الربح قبل التمييز، وما سوى ذلك من الفوائد لا تضم (١).
لنا: أن كل زيادة لو حدثت في ابتداء الحول ضمَّها إليه، فإذا وجدت في أثنائه جاز أن يضمها إليه، ويزكِّيها [معه] كالسخال، ولا يلزم ثمن الإبل المزكّى؛ فلأنه يجوز أن يضمه إذا أعلفها قبل بيعها؛ ولأنه حق لله تعالى لا يعتبر في وجوبه النصاب، فلا يعتبر [فيه] الحول [كالحمير] (٢) والزكاة في السخال.
стр. 792
٦٦٢ - فَصْل: [البدل والمبدل في الزكاة]
وأما ثمن الإبل فقال أبو حنيفة: إذا كان للرجل خمس من الإبل سائمة، ومائتا درهم، فسبق حول السائمة، فزكّاها ثم باعها بدراهم، استأنف لها حولًا ولم يضم ثمنها إلى الدراهم، وقال أبو يوسف ومحمد: يضمها.
واتفقوا في عبد الخدمة إذا أدّى [صدقة] فطرته ثم باعه، أنه يضم ثمنه. وكذلك إذا أخرجت أرضه طعامًا فأدّى عُشره ثم باعه، أنه يضم ثمنه.
وجه قول أبي حنيفة: أن حكم البدل والمبدل في الزكاة سواء؛ بدلالة اتفاق شرائطهما في وجوب الزكاة من الحول والنصاب، وتأثير الدين [فيها]، فلو ضم الثمن [في السوائم]، لزكّى مالًا واحدًا لحول واحد في حق مكلف واحد مرتين، وهذا لا يصحُّ.
(وليس كذلك زكاة الفطر وعشر الطعام؛ لأنه لا توافق زكاة البدل المبدل في شرائطه) (١)، فلم يكونا كالمال الواحد؛ فلذلك جاز الضم.
وجه قولهما: أنه مستفاد في الحول على نصاب من جنسه، كما لو وُهب له أو ورثه، [وكالمسألتين].
٦٦٣ - فَصْل: [نقصان النصاب أثناء الحول]
وأما قوله: إن بعض النصاب إذا هلك واستفاد تمام النصاب، أكمل به النصاب.
стр. 793
فهذا على أصلنا: أن نقصان النصاب في خلال الحول لا يقطع حكم الحول، فصار المستفاد مع نقصان النصاب كالمستفاد مع كماله، والكلام في هذه المسألة يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال زفر: نقصان النصاب يقطع حكم الحول، وبه قال الشافعي (١).
لنا: أنه مال من أموال الزكاة فنقصان نصابه في خلال الحول لا يقطع حكم الحول، أصله: العروض؛ ولأن كل حالة كان نقصان [قيمة] العروض عن النصاب (٢) لا يقطع حكم الحول، فإن نقصان نصاب السائمة لا يقطع حكمه أيضًا كما بعد الحول.
وجه قول زفر: لو هلك المال كله، سقط حكم الحول، فإذا نقص عن النصاب في تلك الحال، سقط حكم الحول أيضًا، أصله: طرفا الحول.
٦٦٤ - فَصْل: [الزكاة في الحمل]
قال: وما كان من سائمة حال عليها الحول وهي حوامل، لم يعتد بحملها، ولم تجب الزكاة فيه؛ وذلك لأن الحمل يجوز أن يكون حيًّا، ويجوز أن يكون ميتًا؛ ولأنه قبل الانفصال صفة لأمه، فلا تجب فيه الزكاة كسائر صفاتها (٣)(٤).
стр. 794
[٢٠] بَابْ: زكاة السائمة من الإبل
[قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى]: الأصل في وجوب الزكاة في الإبل: قوله ﷺ : "لا ألفين أحدكم يوم القيامة يأتي وعلى عاتقه بعير له رغاء، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني عنك من الله شيئًا، ألا قد بلَّغت" (١).
فإذا ثبت وجوب الزكاة فيها، قال أصحابنا: ليس فيما دون الخمس من الإبل زكاة، فإذا كانت خمسًا سائمة: ففيها شاة، وفي العشر: شاتان، وفي خمس عشرة: ثلاث شياه، وفي عشرين: أربع شياه، إلى أربع وعشرين.
فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض -وهي التي تمت لها سنة وطعنت في الثانية، وإنها سميت ابنة مخاض؛ لأن أمها حملت بعدها، فهي ماخض- إلى خمس وثلاثين.
فإذا كانت ستًّا وثلاثين: ففيها بنت لبون -وهي التي تمت لها سنتان وطعنت في الثالثة، وإنما سميت ابنة لبون؛ لأن أمها حملت بعدها وولدت، فهي ذات لبن- إلى خمس وأربعين.
فإذا كانت ستًّا وأربعين ففيها حِقَّة -وهي التي تمت لها ثلاث سنين
стр. 795
وطعنت في الرابعة، وإنما سميت حِقَّة؛ لأنها استحقت الضراب، وقيل: استحقت أن يحمل عليها- إلى ستين.
فإذا كانت إحدى وستين: ففيها جَذَعَة -وهي التي تمت لها أربع سنين وطعنت في الخامسة، ولا اشتقاق لاسمها، وهي أقصى من تجب في الزكاة، وبعدها أسنان لم يذكرها الفقهاء؛ لأنه لا مدخل لها في الزكوات- إلى خمس وسبعين.
فإذا كانت ستًّا وسبعين: ففيها ابنتا لبون، إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين: ففيها حِقَّتان، إلى مائة وعشرين.
والأصل في ذلك: ما روي في كتاب كتبه رسول الله ﷺ لأبي بكر ﵁، وكتبه أبو بكر لأنس، وفيه: "في أربع وعشرين وما دونها [من الإبل]: الغنم، في كل خمس ذود شاة، فإذا كانت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين: ففيها بنت مخاض، فإذا كانت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين: ففيها بنت لبون، فإذا كانت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة، فإذا كانت إحدى وستين إلى خمس وسبعين: ففيها جذعة، فإذا كانت ستًّا وسبعين إلى تسعين: ففيها بنتا لبون، فإذا كانت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين: ففيها حقتان، فإذا زادت على مائة وعشرين، ففي كل خمسين: حقة، وفي كل أربعين: بنت لبون" (١).
وهذه الجملة لا خلاف فيها، إلا ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "في كل خمس وعشرين: خمس شياه، وفي ست وعشرين: بنت مخاض" (٢).
стр. 796
والدليل على فساد ذلك: ما روي في حديث أبي بكر الذي قدَّمنا، وما روي في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لآل عمرو في كتاب عمرو بن حزم؛ ولأن ما قاله يخالف أصول الزكاة، ولأنه يؤدي إلى الانتقال من فرض إلى فرض من غير وقص، وقد حكي عن الثوري أنه قال: "عَلِيّ أفقه من أن يقول هذا، إنما هو غلط الرجال"، يريد بذلك: أن الراوي يجوز أن يكون سمعه يقول: في ستة وعشرين: بنت مخاض، وفي خمس وعشرين: خمس من الغنم، قيمة ابنة مخاض، فجمع بينهما.
واختلفوا في الزيادة على مائة وعشرين، فقال أصحابنا: تستأنف الفريضة، فيكون في خمس: شاة، وفي عشر: شاتان، وفي خمس عشرة: ثلاث شياه، وفي عشرين: أربع شياه، فإذا بلغت مائة وخمس وأربعين: ففيها حقتان وبنت مخاض، إلى مائة وخمسين فيكون فيها: ثلاث حقاق.
ثم تستأنف الفريضة، هكذا في كل خمس: شاة، فإذا بلغت مائة وخمسًا وسبعين: ففيها ثلاث حقاق وبنت مخاض، فإذا بلغت مائة وستًّا وثمانين: ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون، إلى مائة وست (١) وتسعين: فيجب فيها أربع حقاق، إلى مائتين.
ثم تستأنف الفريضة أبدًا، في كل خمس مثل ما استؤنف في مائة وخمسين إلى مائتين (٢).
وقال مالك: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة، فالمصدق بالخيار:
стр. 797
إن شاء أخذ منها ثلاث بنات لبون، (وإن شاء تركها حتى يبلغ مائة وثلاثين، ويأخذ منها بنتي لبون) (١) وحقة.
وقال الشافعي: إذا زادت على مائة وعشرين واحدة: ففيها ثلاث بنات لبون (٢).
لنا: ما روي في حديث عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ قال: "فما زاد على المائة، والعشرين، فإذا كان أكثر من ذلك، ففي كل خمس شاة"؛ ولأنه روي استئناف الفريضة: عن عَلِيّ، وابن مسعود، وذلك لا يعلم إلا بالتوقيف؛ ولأن عليًّا ﵁ قال: "ما عندنا شيء نقرأه إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة، فيها أسنان الإبل، أخذتها من رسول الله ﷺ (٣)، ولا يجوز أن نخالفها"، فدلَّ على أن مذهبه مأخوذ منها، وقد روي أنه أنفذ بها إلى عثمان، فقال له: "مر سعاتك فليعملوا بها"، فقال:" لا حاجة لنا فيها، معنا مثلها وما هو خير منها"، فدلَّ على أنه وافق عليها [عليًّا]؛ ولأن ما وجب في الخمسين الأولى، جاز أن يعود بعد المائة والعشرين فرضًا بنفسه كبنات اللبون والحقاق، وهذه العلة تدل على جواز عود الغنم وبنات المخاض (٤).
стр. 798
[٢١] بَابْ: صدقة البقر
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب صدقة البقر: ما روي أن النبي ﷺ قال في مانعي الزكاة: "لا ألفينَّ أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بقرة لها خُوار، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني عنك من الله شيئًا، ألا قد بلغت" (١).
فإذا ثبت وجوب الزكاة فيها: فليس في أقلّ من ثلاثين منها صدقة، فإذا كانت ثلاثين سائمة: ففيها تَبِيع أو تَبِيعة: وهو الحولي الذي تم له حول وطعن في الثاني، إلى تسع وثلاثين.
فإذا كانت أربعين: ففيها مُسِنَّة: وهي التي طعنت في السنة الثالثة.
والأصل في هذا: ما روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين وَجَّهَه إلى اليمن: "خذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مُسِنَّة" (٢).
واختلفت الرواية فيما زاد على الأربعين، قال في الأصل عن أبي حنيفة: فيها بحساب ما مضى في الواحدة: رُبُعُ عُشْر مُسِنّة، وفي الاثنين: نِصف عُشْر
стр. 799
مسنة، وفي الثلاث: ثلاثة أرباع عُشْر مسنة، وفي الأربع: عُشْر مسنة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين، فيكون فيها مسنة ورُبُع.
وروي أسد بن عمرو عن أبي حنيفة: أنه لا شيء في الزيادة حتى يبلغ [ستين] (١) فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان، وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد (٢).
وجه رواية الأصل: أن الحيوان أحد نوعي المال، فجاز أن يكون فيه ما تجب زكاته بالكسر ابتداءً كالأثمان؛ ولأنه حيوان يجزئ في الهدايا عن سبعة، فوجب أن يكون ما بين الأربعين والستين منه ما تجب به زيادة الزكاة كالإبل.
وجه رواية الحسن: أنه وقص مرتب على نصاب البقر، فلا يزيد على تسعة، أصله ما بعد الستين؛ ولأنها زيادة لو استفادها في أثناء الحول، وجبت فيها الزكاة، فإذا ملكها في ابتدائه، وجبت فيها الزكاة كالعشرين.
وجه رواية أسد: ما روي أن معاذًا سئل عما بين الأربعين والستين، فقال: "تلك أوقاص لا شيء فيها" (٣)؛ ولأن الزكاة في الحيوان لا تجب ابتداءً بالكسر، أصله بالكسر سائر الأنصبة.
وأما ما زاد على الستين فيتغير الفرض يعتبر فيه عشر أبدًا بلا خلاف، فيتغير
стр. 800
من تبيع إلى مسنة، ومن مسنة إلى تبيع، فيكون في السبعين: مُسنة وتبيع، وفي الثمانين: مُسِنّتان، وفي التسعين: ثلاثة أتبعة، وفي المائة: تبيعان ومسنة، وفي مائة وعشر: مسنتان، وفي مائة وعشرين: ثلاث مسنات أو أربع أتبعة، وعلى هذا أبدًا.
٦٦٥ - فَصْل: [زكاة البقر العوامل]
وليس في البقر العوامل صدقة، وهذا كما قال: لا تجب في المعلوفات من الحيوان ولا العوامل صدقة، وقال مالك: تجب فيها الزكاة (١).
لنا: قوله ﷺ : "في أربعين شاة سائمة: شاة" (٢)
والأصل: أن لا وجوب، فإذا أوجب ﵊ في السائمة، بقي ما سواه على أصله، وروي في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس في البقر العوامل صدقة" (٣).
وروي أن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الجَبْهَة، والنُّخَّة، والكُسْعَة" (٤)، قال عبد الوارث بن سعيد: الجبهة: وهي الخيل، والنخة: الإبل العوامل، وقال الكسائي: والنخة: البقر العوامل، وقال ثعلب: أصل النخة:
стр. 801
من النَّخ، وهو السَّوْق الشديد، وهو إنما يكون في العوامل؛ ولأن نماءها مطلوب من بدل منافعها، كدور السكنى؛ ولأن المعلوف تكثر مؤنته، وكثرة المؤنة لها تأثير في إسقاط حقوق الله تعالى.
والدليل عليه وجوب نصف العشر فيما سقي بغرب أو دالية، فكل من جعل لكثرة المؤنة تأثيرًا في إسقاط حقوق الله تعالى، قال: فإن الزكاة لا تجب فيها هاهنا، فثبت سقوط الزكاة بالإجماع.
стр. 802
[٢٢] بَابْ: صدقة الغنم
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب الزكاة في الغنم: قوله ﷺ : "لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وهو حامل شاة تَيْعَر، فيقول: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أغني عنكَ من الله شيئًا، ألا قد بلغت"، وروي أنه قال: "ما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر فتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها" (١).
وأما مقدار الموجَب فيه: فإذا بلغت الغنم السائمة: أربعين: ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة: ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة: ففيها ثلاث شياه إلى أربع مائة، فيكون فيها: أربع شياه، ثم في كل مائة شاة.
وقال الحسن بن حي: علي في ثلاثمائة وواحدة: أربع، وفي أربعمائة: خمس.
والأصل في ذلك: ما روي في حديث أنس: أن أبا بكر الصديق كتب له الكتاب الذي كتبه له رسول الله ﷺ في الصدقات، وقال فيه: "وليس في سائمة الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين، فإذا كانت أربعين: ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة: ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإذا زادت واحدة: فلا شيء حتى يبلغ أربعمائة، فيكون: أربع
стр. 803
شياه، ثم في كل مائة شاة: شاة" (١).
٦٦٦ - فَصْل: [صفة الشاة الواجبة]
وأما صفة الشاة الواجبة: فقال في الأصل عن أبي حنيفة: (لا يجوز إلا الثني فصاعدًا.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة) (٢): أنه يجوز الجَذَع من الضَّأن والثَّني من المَعْز، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي (٣).
وجه ما في الأصل: ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "لا يجوز في الزكاة إلا الثني فصاعدًا"؛ لأنَّ ما لا يجوز في الزكاة من المعز، لا يجوز من الضَّأن كما دون الجذع.
وجه رواية الحسن: قوله ﷺ : "إنما حقنا في الجذع (٤) والثنية"؛ ولأن ما جاز في الأضاحي، جاز في الزكاة كالثنى؛ ولأن الأضاحي يعتبر فيها من الشروط ما لا يعتبر في الزكاة، فإذا جاز فيها الجذع من الضَّأن، فلأن يجوز في الزكاة أولى.
وقد قال أصحابنا: يجوز في زكاتها الذكر والأنثى، وقال الشافعي: لا يؤخذ الذكر إلا إذا كانت ذكورًا (٥).
стр. 804
لنا: قوله ﷺ : "في أربعين شاة: شاة" (١)، وقال الشافعي: الشاة عبارة عن الذكر والأنثى.
وهذا صحيح في اللغة، وإنما حكينا قوله ليكون أحج عليه؛ ولأنه تجوز الأضحية به، فجاز أخذه عن نصاب الإناث بنفسه كالأنثى؛ ولأن كل نصاب جاز أخذ الذكر منه إذا كان كله ذكورًا، جاز أخذ الذكر منه إذا كانت كلها إناثًا كالبقر.
٦٦٧ - فَصْل: [زكاة السائمة إذا اشتريت للتجارة]
وقد قال أصحابنا في السائمة إذا اشتراها للتجارة: أنه يزكِّيها زكاة التجارة دون زكاة السَّوْم، وقال الشافعي: يزكيها زكاة السَّوْم، إلا أن تكون ناقصة عن نصاب السوم، وتبلغ نصاب التجارة (٢).
لنا: أن كل مال لو لم يكن سائمًا، وجبت فيه زكاة التجارة، فإذا كان سائمًا، وجبت فيه كالخيل؛ ولأن كل مال لو نقص عدده عن خمسٍ، وجب [فيه زكاة التجارة]، فإذا بلغ خمسًا وجبت فيه، أصله: إذا لم يكن سوائم.
٦٦٨ - فَصْل: [الزكاة في جمع النوعين من النصاب]
قال أصحابنا: إذا جمع النصاب نوعين، كالضأن والمعز، والبقر والجواميس، والعِرَاب والبُخْتِ، أخذ المصَّدِّق واحدةً وَسَطًا، إما من أدون أرفعها، أو من أرفع أدونها. ذكر ذلك في المنتقى.
стр. 805
وقال الشافعي في أحد قوليه: يؤخذ من الغالب، وفي الآخر: يجمع بين قيمة شاة من الضأن وشاة من المَعْز، وينظر نصف القيمتين، فتؤخذ شاة بقيمة ذلك من أي النوعين كانت (١).
لنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إياكم وحَزَرات (٢) أموال الناس، خذوا من أوسطها" (٣)؛ ولأن كل ما وجب في النصاب من جنسه، لم تعتبر فيه الغلبة كالصغار والكبار.
وعلى القول الآخر: أنه نصاب وجبت فيه شاة، فلم تختلف صفتها باختلاف أنواع النصاب، كالشاة في خمس من الإبل، بُخت وعِراب.
٦٦٩ - فَصْل: [الزكاة في الحادث بين النوعين]
قال أصحابنا: في الحادث من الغنم والظبي إذا كانت الأم من الغنم، وجبت فيه الزكاة، وكذلك الحادث من البقر الأهلي والوحشي، وقال الشافعي: لا زكاة فيه (٤).
لنا: أنه انفصل من حيوان تؤخذ فيه الزكاة بنفسه، وهو حيوان، فجاز أن تجب فيه زكاة السوم كالحادث من البقر والجواميس (٥).
стр. 806
بَابْ: معرفة السائمة
قال أبو الحسن: السائمة الراعية إذا كانت تكتفي بالرعي [ويجزيها] (١) ذلك، أو كان الأغلب من شأنها الرعي، فإن كان الرعي لا يجزيها، وهي ترعى حينًا وحينًا تُمان وتعلف، فإنه يعمل على الأغلب والأكثر؛ وذلك لأن السوم من شرائط الزكاة، والمرجع فيه إلى اللغة، وأهل اللغة يسمون المواشي سائمة وإن أعلفها ربها ساعة واحدة من الحول؛ لوجود الأكثر من غير علف.
ولأن السَّوم إنما أوجب الزكاة؛ لأن النماء يحصل به والمؤنة تخفّف، وهذا المعنى موجود إذا كانت تسام في غالب حالها، فأما إذا علفت في غالب حولها، فالمؤنة تكثر، وكثرة المؤنة تؤثر في إسقاط الزكاة كالمعلوفة.
стр. 807
بَابْ: صدقة الفُصْلان والحُمْلان والعَجَاجِيل
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ليس في تعالى: ليس في الفُصْلان، والحُمْلان، والعَجَاجيل صدقة في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: فيها ما في الكبار، وهو قول مالك، وقال أبو يوسف: فيها واحدة منها، وهو قول الشافعي (١).
أما الكلام على زفر، فقوله ﷺ : "إياكم وكرائم أموال الناس" (٢)، وقال: "لا تأخذوا من حزرات الأموال، ولكن خذوا من حواشيها"، وأخذ الكبار (٣) من الصغار أخذ كرائمها؛ ولأن الكبير قد يبلغ قيمته أكثر من نصاب الصغار فيؤدي إلى الإجحاف برب المال، والزكاة وجبت على وجه التخفيف.
وجه قول زفر: أنها لو اجتمعت مع غيرها، وجبت فيها كبيرة، فكذلك إذا انفردت كالمهازيل.
وأما الكلام على أبي يوسف: فلحديث أُبيّ أنه قال: في عهدي أن لا آخذ من راضع لبنٍ شيئًا؛ ولأنَّ السِّنَّ أحد ما يتغير به الفرض، فكان لنقصانه تأثير في منع وجوب الزكاة كالعدد؛ ولأن ما اختص وجوبه بالحيوان، اختص بسِنٍّ دون سن كالأضحية.
стр. 808
وجه قول أبي يوسف: ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "لو منعوني عَنَاقًا مما كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه" (١)؛ ولأن ما وجبت فيه الزكاة إذا انضم إلى غيره وجبت فيه بانفراده كالمهازيل.
وقد قال أبو حنيفة ومحمد: إن الحول لا ينعقد على الصغار، وقال الشافعي: ينعقد.
لنا: أنه حيوان لا تجوز الأضحية به مع سلامته من العيوب، فلم ينعقد الحول عليه حال انفراده كالسخال الحادثة (٢).
٦٧٠ - فَصْل: [الاختلاف في زكاة الفصلان]
وقد اختلفت الرواية عن أبي يوسف في زكاة الفصلان، فروي عنه أنه قال: لا زكاة فيها حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا لوجب فيها واحدة منها، وهي خمس وعشرون، فيجب فيها فصيل، ثم لا يجب فيها شيء حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا لوجب فيها اثنتان، فيجب فصيلان وهي ستة وسبعون.
ثم لا يجب فيه شيء حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا لوجب فيها ثلاثة، وهي مائة وخمسة وأربعون.
وقد اعترض محمد على هذا القول، فقال: إنما أوجب رسول الله ﷺ الزكاة فيما بين الخمس والعشرين منه وست وسبعين ثلاث نصب، فما لا يجب فيه شيء بين الخمس والعشرين والست والسبعين، فلا زكاة فيه.
стр. 809
وجه هذه الرواية: أن الفرض يتغير في الإبل بالسِّنِّ والعَدَدِ، ولا سِنّ في الفصلان، فوجب اعتبار التغيير بالعدد.
وروي عنه أن قال: في خمس منها الأقل من واحدة منها ومن شاة، وفي عشر الأقل من اثنتين منها ومن شاتين، وفي خمس عشرة الأقل من ثلاثة منها ومن ثلاث شياه.
وجه ذلك: أن الكبار في خمس منها شاة واحدة منها، فكذِلك الصغار، تجزئ واحدة منها إلا أن تعطى شاة فتجزئ كما تجزئ في الكبار، وفي العشر من الكبار يضعف ما في الخمس، فوجب أن يكون في الصغار الأقل من اثنتين منها ومن شاتين.
وروى الحسن بن أبي مالك عنه: أن في عشر منها الأقل من واحدة منها ومن شاتين، وهو الصحيح؛ لأن الكبار تجزئ في العشر واحدة منها، فالصغار أولى.
وروي أنه ذكر لابن أبي مالك رواية بكر القمي الذي قدمناها، فضحك، وقال: كيف يقول أبو يوسف في عشرين: أربعة منها، وفي خمس وعشرين واحدة؟، فقيل له: كأنك تقول إن بكرًا غلط في روايته، فقال: لا، ولكن هذا كان قول أبي يوسف، ثم رجع عنه.
٦٧١ - فَصْل: [اجتماع الصغار مع المسنات]
إذا اجتمعت الصغار مع المسنات عُدّت بلا خلاف، وكان فيها ما في المسنات؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: "وتعد صغارها وكبارها" (١)، وقال عمر
стр. 810
لساعيه: "عُد عليهم السخلة" (١)، ولو راح بها الراعي على يده، وشكى إليه الناس، فقالوا: إن سعاتك يعدون السخلة، ولا يأخذونها، فقال: ألسنا عفونا لكم عن الرُّبّى، والماخض، والأكيلة، وفحل الغنم، وذلك عدل بين رذّال المال وخياره (٢).
والأصل الذي يعتبر في اجتماع الصغار والكبار: أنها تُعَدّ ويجب فيها ما
يجب في الكبار إذا كان العدد الواجب في الكبار موجودًا فيها في قولهم. مثاله:
إذا كان له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملًا، فإن الزكاة تجب فيها؛ لأن العدد
الواجب موجود فيها، فإن لم تكن إلا مسنة واحدة، أخذت عند أبي حنيفة
ومحمد دون غيرها، وقال أبو يوسف: تؤخذ المسنة، ويؤخذ منها حمل على
أصله: أن الوجوب يتعلق بالصغار.
وكذلك ستون من البقر فيها تبيع واحد، فعند أبي حنيفة ومحمد: يؤخذ التبيع فحسب؛ لأنه ليس فيها ما تجزئ في الوجوب غيره، وقال أبو يوسف: يؤخذ التبيع ومعه عجل.
فكذلك ست وسبعون من الإبل فيها: ابنة لبون واحدة، فإنما تجب فيها بنت لبون عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: فيها بنت لبون وفصيل (٣).