بَابْ: معرفة السائمة
قال أبو الحسن: السائمة الراعية إذا كانت تكتفي بالرعي [ويجزيها] (١) ذلك، أو كان الأغلب من شأنها الرعي، فإن كان الرعي لا يجزيها، وهي ترعى حينًا وحينًا تُمان وتعلف، فإنه يعمل على الأغلب والأكثر؛ وذلك لأن السوم من شرائط الزكاة، والمرجع فيه إلى اللغة، وأهل اللغة يسمون المواشي سائمة وإن أعلفها ربها ساعة واحدة من الحول؛ لوجود الأكثر من غير علف.
ولأن السَّوم إنما أوجب الزكاة؛ لأن النماء يحصل به والمؤنة تخفّف، وهذا المعنى موجود إذا كانت تسام في غالب حالها، فأما إذا علفت في غالب حولها، فالمؤنة تكثر، وكثرة المؤنة تؤثر في إسقاط الزكاة كالمعلوفة.
стр. 807
بَابْ: صدقة الفُصْلان والحُمْلان والعَجَاجِيل
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ليس في تعالى: ليس في الفُصْلان، والحُمْلان، والعَجَاجيل صدقة في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: فيها ما في الكبار، وهو قول مالك، وقال أبو يوسف: فيها واحدة منها، وهو قول الشافعي (١).
أما الكلام على زفر، فقوله ﷺ : "إياكم وكرائم أموال الناس" (٢)، وقال: "لا تأخذوا من حزرات الأموال، ولكن خذوا من حواشيها"، وأخذ الكبار (٣) من الصغار أخذ كرائمها؛ ولأن الكبير قد يبلغ قيمته أكثر من نصاب الصغار فيؤدي إلى الإجحاف برب المال، والزكاة وجبت على وجه التخفيف.
وجه قول زفر: أنها لو اجتمعت مع غيرها، وجبت فيها كبيرة، فكذلك إذا انفردت كالمهازيل.
وأما الكلام على أبي يوسف: فلحديث أُبيّ أنه قال: في عهدي أن لا آخذ من راضع لبنٍ شيئًا؛ ولأنَّ السِّنَّ أحد ما يتغير به الفرض، فكان لنقصانه تأثير في منع وجوب الزكاة كالعدد؛ ولأن ما اختص وجوبه بالحيوان، اختص بسِنٍّ دون سن كالأضحية.
стр. 808
وجه قول أبي يوسف: ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "لو منعوني عَنَاقًا مما كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه" (١)؛ ولأن ما وجبت فيه الزكاة إذا انضم إلى غيره وجبت فيه بانفراده كالمهازيل.
وقد قال أبو حنيفة ومحمد: إن الحول لا ينعقد على الصغار، وقال الشافعي: ينعقد.
لنا: أنه حيوان لا تجوز الأضحية به مع سلامته من العيوب، فلم ينعقد الحول عليه حال انفراده كالسخال الحادثة (٢).
٦٧٠ - فَصْل: [الاختلاف في زكاة الفصلان]
وقد اختلفت الرواية عن أبي يوسف في زكاة الفصلان، فروي عنه أنه قال: لا زكاة فيها حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا لوجب فيها واحدة منها، وهي خمس وعشرون، فيجب فيها فصيل، ثم لا يجب فيها شيء حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا لوجب فيها اثنتان، فيجب فصيلان وهي ستة وسبعون.
ثم لا يجب فيه شيء حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا لوجب فيها ثلاثة، وهي مائة وخمسة وأربعون.
وقد اعترض محمد على هذا القول، فقال: إنما أوجب رسول الله ﷺ الزكاة فيما بين الخمس والعشرين منه وست وسبعين ثلاث نصب، فما لا يجب فيه شيء بين الخمس والعشرين والست والسبعين، فلا زكاة فيه.
стр. 809
وجه هذه الرواية: أن الفرض يتغير في الإبل بالسِّنِّ والعَدَدِ، ولا سِنّ في الفصلان، فوجب اعتبار التغيير بالعدد.
وروي عنه أن قال: في خمس منها الأقل من واحدة منها ومن شاة، وفي عشر الأقل من اثنتين منها ومن شاتين، وفي خمس عشرة الأقل من ثلاثة منها ومن ثلاث شياه.
وجه ذلك: أن الكبار في خمس منها شاة واحدة منها، فكذِلك الصغار، تجزئ واحدة منها إلا أن تعطى شاة فتجزئ كما تجزئ في الكبار، وفي العشر من الكبار يضعف ما في الخمس، فوجب أن يكون في الصغار الأقل من اثنتين منها ومن شاتين.
وروى الحسن بن أبي مالك عنه: أن في عشر منها الأقل من واحدة منها ومن شاتين، وهو الصحيح؛ لأن الكبار تجزئ في العشر واحدة منها، فالصغار أولى.
وروي أنه ذكر لابن أبي مالك رواية بكر القمي الذي قدمناها، فضحك، وقال: كيف يقول أبو يوسف في عشرين: أربعة منها، وفي خمس وعشرين واحدة؟، فقيل له: كأنك تقول إن بكرًا غلط في روايته، فقال: لا، ولكن هذا كان قول أبي يوسف، ثم رجع عنه.
٦٧١ - فَصْل: [اجتماع الصغار مع المسنات]
إذا اجتمعت الصغار مع المسنات عُدّت بلا خلاف، وكان فيها ما في المسنات؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: "وتعد صغارها وكبارها" (١)، وقال عمر
стр. 810
لساعيه: "عُد عليهم السخلة" (١)، ولو راح بها الراعي على يده، وشكى إليه الناس، فقالوا: إن سعاتك يعدون السخلة، ولا يأخذونها، فقال: ألسنا عفونا لكم عن الرُّبّى، والماخض، والأكيلة، وفحل الغنم، وذلك عدل بين رذّال المال وخياره (٢).
والأصل الذي يعتبر في اجتماع الصغار والكبار: أنها تُعَدّ ويجب فيها ما
يجب في الكبار إذا كان العدد الواجب في الكبار موجودًا فيها في قولهم. مثاله:
إذا كان له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملًا، فإن الزكاة تجب فيها؛ لأن العدد
الواجب موجود فيها، فإن لم تكن إلا مسنة واحدة، أخذت عند أبي حنيفة
ومحمد دون غيرها، وقال أبو يوسف: تؤخذ المسنة، ويؤخذ منها حمل على
أصله: أن الوجوب يتعلق بالصغار.
وكذلك ستون من البقر فيها تبيع واحد، فعند أبي حنيفة ومحمد: يؤخذ التبيع فحسب؛ لأنه ليس فيها ما تجزئ في الوجوب غيره، وقال أبو يوسف: يؤخذ التبيع ومعه عجل.
فكذلك ست وسبعون من الإبل فيها: ابنة لبون واحدة، فإنما تجب فيها بنت لبون عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: فيها بنت لبون وفصيل (٣).
стр. 811
بَابْ: صدقة الشركاء
قال الشيخ رحمه الله تعالى: والأصل في هذا الباب أن الشركة لا تؤثر في وجوب الزكاة، وإنما يعتبر في حال الشركة ما يعتبر في حال الانفراد في حق كل واحد من الشريكين، وقال الشافعي: إذا اشتركا في الكلب، والرعي، والدلو، والمراح، وكان حولهما واحدًا، صار مالهما كالمال الواحد، فيجب عليهما الزكاة، فإن كان لكل واحد منهما لو انفرد لم يجب عليه، (كأربعين بين شريكين، فيسقط عنهما من الزكاة ما كان واجبًا قبل الشركة) (١)، [كثمانين شاة بين رجلين يجب على كل واحد منهما شاة لو انفرد، فإذا اجتمعا ففيها شاة] (٢).
لنا: قوله ﷺ : "ليس في سائمة المرء المسلم إذا كانت أقل من أربعين صدقة" (٣)، وهذا المعنى موجود (٤)، وإن شارك كل واحد منهما لم يملك نصابًا، فلم تلزمه الزكاة، أصله: المنفردان والمشتركان مع اختلاف حولهما من غير أن يستأنفاها؛ ولأن النصاب أحد سببي الزكاة، فلا يتغير بالشركة كالحول.
وأما قوله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق، ولا يُفرق بين مجتمع، خشية
стр. 812
الصدقة" (١)، "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" (٢)، فإنه دلالة لنا؛ لأن قوله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق"، لا يخلو إما أن يكون المراد به المتفرق في المكان، أو المتفرق في الملك، أو هما جميعًا، ولا يجوز أن يراد به الأمران؛ لأنه يؤدّي إلى التناقض في الخبر، ألا ترى أنه [إذا] (٣) كان المراد [به]: لا يجمع بين [متفرق] (٤) في الملك، اقتضى وجوب الزكاة في ذلك، ولا يجوز أن يوجب ﵊ بأحد اللفظين في مال الزكاة، وينفيها باللفظ الآخر، فلم يبق إلا أن يكون المراد به: لا تجمعِ بين متفرق في الملك.
وهذا ضد ما يقوله مخالفنا به: إذا جمع بين مال (٥) الشريكين، وقوله: "لا يفرق بين مجتمع في الملك" يبقى أن يؤخذ من الثمانين لرجل واحد أكثر من شاة؛ لأنه لو جعلها نصابين، لفرق بين المجتمع في الملك.
وأما قوله ﷺ : "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"، فذلك محمول عندنا على إحدى وستين من الإبل بين شريكين: لأحدهما ست وثلاثون، وللآخر خمس وعشرون، فإذا أخذ المصدق منها بنت لبون وبنت مخاض، رجع كل واحد منهما على صاحبه بحصته.
وهذا أولى مما يقولونه؛ لأنا نثبت التراجع من كل واحد منهما في حالة
стр. 813
واحدة، وهم يثبتون التراجع في حالتين مختلفتين، وحقيقة التفاعل يقتضي وجود الفعل من الاثنين في حالة واحدة.
وقد قال بعض أصحابنا: إن الشركة تؤثر في جواز أخذ زكاة كل واحد منهما من مال الآخر [بغير رضاه]؛ لأنهما لما اشتركا مع علمهما بوجوب الزكاة، وأن المصدق لا يتميز له المال، كان ذلك إذنًا من كل واحد منهما في أخذ الزكاة من ماله، وإنما احتاجوا إلى هذا ليتأوَّلوا عليه الخبر، فأثبتوا مذهبًا لا يُعرف، وقد تأوَّلنا الخبر على ما يغني عن ذلك.
٦٧٢ - فَصْل: [وجوب الزكاة لكمال الملك]
قال أبو يوسف: إذا كان بين رجل وبين آخر شاة مشتركة، وبينه وبين آخر تمام ثمانين شاة، فعليه الزكاة، وقال زفر: لا زكاة عليه.
وجه قول أبي يوسف أن الزكاة تجب لكمال الملك، وفي ملكه نصاب كامل، فوجبت عليه الزكاة، كما لو شارك فيها واحدًا.
وجه قول زفر: أنه لا يصيبه (١) بالقسمة نصاب كامل، فلم تجب عليه الزكاة، كمن نقص ملكه عن النصاب.
стр. 814
[٢٣] بَابْ: صدقة الخيل
[قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى]: قال أبو حنيفة ﵀: في الخيل السائمة إذا كانت ذكورًا وإناثًا [ففيها] الزكاة، وإن كانت إناثًا ففيها روايتان ذكرهما الطحاوي، وإن كانت ذكورًا منفردة (١)، ففيها روايتان أيضًا ذكرهما في الآثار، وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة فيها، وبه قال الشافعي (٢).
لأبي حنيفة: ما روى أبو الزبير عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "في كل فَرَس سائمة دينار (٣)، وليس في الرابطة شيء" (٤)، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة في صدقة الخيل: "خيّر أربابها: فإن شاؤوا أدوا عن كل فرس دينارًا، وإلَّا فَقوِّمها وخذ من كلٍّ ما بين خمس دراهم"، وروي عن السائب: "أن عمر لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، أمره أن يأخذ من كل فرس شاتين، أو عشرة دراهم"؛ ولأن السَّوم سبب لإيجاب الزكاة، فجاز أن يكون له تأثير في إيجاب الزكاة في الخيل، أصله التجارة.
وجه قولهما: قوله ﷺ : "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق (٥)، إلا أن
стр. 815
يكون في الرقيق صدقة الفطر"، وقال: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" (١)؛ ولأنه ليس لها نصاب مقدر، فلا تجب فيها زكاة السوم كالحمير.
فأما الإناث المفردة، فقال في إحدى الروايتين: لا زكاة فيها؛ لأن النماء لا يوجد فيها بالتوالد، وقال في الرواية الأخرى: إن طرقها فَحْل من غيرها، فيوجد فيها النماء.
وأما الذكور المنفردة، فقال في الرواية المشهورة: لا زكاة فيها؛ لأنه لا يحصل منها النماء بالدَّر والنسل، ولحمها غير مقصود بالأكل؛ لأنه مكروه، وعدم النماء يمنع وجوب الزكاة.
وليس كذلك الإبل والبقر إذا كانت ذكورًا؛ لأن النماء يحصل بزيادة لحمها، وهو معنى مقصود منها.
وجه الرواية الأخرى: أن زكاة السوم لا تختلف بالإناث والذكور، كالإبل والبقر.
٦٧٣ - فَصْل: [الخيار في قدر إخراج زكاة الخيل]
وإذا ثبت وجوب الزكاة فيها، خُيِّرَ أربابها: فإن شاؤوا أعطوا من كل فرس دينارًا، وإن شاؤوا أعطوا رُبُع عشر قيمتها؛ لِمَا روي أن عمر كتب إلى أبي عبيدة بذلك، ولم يخالفه أحد من الصحابة (٢).
стр. 816
بَابْ: من يوضع الصدقة فيه
[قال الشيخ رحمه الله تعالى]: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، واختلف أهل الناسِ في معنى [الفقير والمسكين]، فقال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل، وهذا يدل على أن المسكين أفقر، واختلف أهل اللغة في ذلك.
والذي يدل على أن المسكين أفقر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، فسمّاهم فقراء وإن كان لهم ملك، وأنشد أبو زيد في ذلك:
أما الفقير الذي كانت حَلُوبته … وفق العيال فلم يترك له سبد (١)
فسماه فقيرًا وله حلوبة؛ ولأن الفقير من افتقر إلى غيره، (والمسكين من سكنت نفسه الفقر، وهذا معنى زائد) (٢).
واحتج من قال: إن الفقير أفقر، بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]. وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه قيل إنهم كانوا أجراء فيها.
стр. 817
وقالوا: لما بدأ الله تعالى بالفقر، دلَّ على أنه أهمّ [وأحوج].
قلنا: إنما بدأ به؛ لأنه لا يسأل، فالاهتمام به [أوجب تقديمه] (١) على من يسأل؛ ولأن الواو لا توجب التقديم عندنا.
قالوا: أفقر مشتق من كسر فقار الظَهْر من الجوع.
قلنا: قد قيل في الافتقار إلى الفقير، وقد قلنا: إن المسكين مأخوذ من السكون إلى الغير، قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]، قيل في التفسير: قد ألصق بطنه في التراب من الجوع.
قالوا: رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" (٢)، فاستعاذ من الفقر، فدل على أنه أشد.
قلنا: إنما استعاذ من الفقر؛ لأنه الافتقار إلى الغير، ولا تعلق لذلك لشدة الحاجة، وهذا الخلاف لا يتبين له معنى عندنا إلا في الوصايا، فأما في الزكاة، فالمطلوب الفقر، ويجوز أن يفتقر على نوع واحد، فلا يتبين معنى الخلاف (٣).
стр. 818
٦٧٤ - فَصْل: [العاملون في الزكاة]
فأما العاملون فهم العُمَّال الذين ينصبهم الإمام لجباية الأموال، أموال الصدقات، فيعطيهم أجر عملهم منها، وقال الشافعي: يعطيهم ثمنها (١).
وهذا ليس بصحيح؛ لأن العامل مستحق بعمله؛ بدلالة أن من حمل زكاته إلى الإمام لم يستحق العامل منها شيئًا، ومن استحق بعمله، دفع إليه على قدر العمل، كسائر عُمَّال (٢) المسلمين.
وقد قال أصحابنا: إن حَقَّ العامل فيما في يده من المال، فإن جبى الزكاة فهلكت في يده، سقط حقه، وأجزأت؛ وذلك لأن قبض العامل مأذون فيه، فهو كقبض الإمام، أو قبض الفقير، وإنما سقط حق العامل؛ لأنه يستحقه في مقابلة عمله، لا على وجه البدل، ألا ترى أنه لا يقدر له مدة معلومة، فصار كالمضارب الذي يسقط حقه بهلاك المال، ولما قدمنا، جاز للعامل أخذ العوض مع الغنى، ولو كان ما يستحقه صدقة، لم يجز أخذها مع غناه.
٦٧٥ - فَصْل: [زكاة المؤلفة قلوبهم]
فأما المؤلفة قلوبهم: فهم قوم من المشركين من وجوه القبائل، مثل عُيينة بن حصن، وصفوان بن أمية، كان النبي ﷺ يعطيهم جُزءًا من الصدقات يتألفهم على الإسلام، ويكف ضررهم عن المسلمين، وهذا سهمٌ قد سقط؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام، وأغنى أهله عن تأليف المشركين.
فإن قيل: كيف يجوز أن يعطى الكافر من الزكاة؟
стр. 819
قلنا: الزكاة حق للفقراء، والجهاد فرض عليهم، فإذا دفع عنهم القتال بما يُعطى المشركون، كان في ذلك منفعة لهم، فكأنه صرفه إليهم.
٦٧٦ - فَصْل: [الرقاب في الزكاة]
وأما قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فمعناه عندنا: إعانة المكاتبين بالصدقة، وقال مالك: يشترى بالزكاة مملوك فيعتق (١).
وهذا فاسد؛ لأنه لا يخلو إما أن تكون الزكاة منصرفة إلى المولى أو إلى العبد، ولا يجوز أن تكون للمولى؛ لأنه يأخذها عوضًا عن ملكه، ولا يجوز أن يكون للعبد؛ لأن العبد لا يملك رِقّ نفسه، وإنما تتلف على [ملك المولى] (٢)، والزكاة يعتبر فيها التمليك، وقد روي أن رجلًا قال للنبي ﷺ : علمني عملًا يدخلني الجنة، فقال: "لئن [كنت] قصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: فك الرقبة، وأعتق النسمة"، فقال الرجل: أو ليستا سواء؟ قال: "لا، فك الرقبة: أن تعين في عتقها، وعتقها: أن تنفرد بعتقها" (٣)، فلما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، دلَّ على أن المراد: المعونة في العتق.
٦٧٧ - فَصْل:
وأما قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]: فهم الذين لزمتهم الديون، يجوز أن
стр. 820
تدفع إليهم الزكاة وإن كان في أيديهم مال؛ لأن ذلك المال مستحق بالدَّين.
٦٧٨ - فَصْل: [المراد في سبيل الله]
وأما قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، قال أبو يوسف: المراد به: فقراء الغُزاة، وقال محمد: الحاج المنقطع، وقال الشافعي: تدفع الزكاة إلى الغازي الغني (١).
وجه قول أبي يوسف: أن سبيل الله تعالى عبارة عن جميع القُرَب، إلَّا أن الإطلاق يقتضي الجهاد، فوجب حمله على إطلاقه.
وجه قول محمد: ما روي أن رجلًا جعل بعيرًا له في سبيل الله، فقال النبي ﷺ : "الحج من سبيل الله" (٢).
وأما الذي قاله الشافعي، ففاسد؛ لقوله ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم، وأردّها على فقرائكم" (٣)، فدل على أنها لا تستحق مع الغنى، وأما قوله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاث" (٤) وذكر الغازي، فمحمول على الغني الذي يكتسب، لا يحل له طلب الصدقة إلا أن يكون غازيًا؛ لأنه يشتغل بالجهاد عن العمل.
стр. 821
٦٧٩ - فَصْل: [ابن السبيل في دفع الزكاة]
وأما ابن السبيل: فهو المنقطع عن ماله، يجوز دفع الصدقة إليه وإن كان له مال كثير إذا كان غائبًا عنه لا يتوصل إلى الانتفاع به، فهو كالفقير الذي لا مال له.
وإنما يسمى ابن السبيل؛ لأن السبيل: الطريق، فمن لازم السفر نسب إليه أنه ابنه، كما يقال: فُلَان ابن الغنى، وابن الفقر، ولم يشترط سبحانه في ابن السبيل الفقر؛ لأن ذلك معلوم، ولم يشترط في اليتامى في آية الخمس الفقر؛ لأن ذلك معلوم.
وقد قال أصحابنا: إن الله تعالى ذكر هذه الأصناف بيانًا لجهة الاستحقاق، وأنه لا يخرج عنها، وإنما المقصود: الفقر، فإن دفع إلى صنف واحد جاز، وقال الشافعي: لا بد [من] أن يقسم كل رجل صدقته على ثلاثة من كل صنف (١).
والدليل على أن الفقر هو المعتبر: ما روي أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأرُدَّها في فقرائكم"، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فإن أجابوك، فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقًا في أموالهم، يؤخذ من أغنيائهم، ويردّ في فقرائهم" (٢) وهذا خبر يجري مجرى الاستفاضة؛ لأن الأمة تلقته بالقبول، فدلّ على أن الصدقة حق الفقراء، وأن المعتبر الفقر.
ولأن الإمام يجوز له أن يدفع صدقة الواجب إلى الواحد، وهو قائم مقام صاحب المال في الدفع، فإذا جاز له ذلك، جاز للمالك أيضًا؛ ولأن الدفع
стр. 822
صادف الفقر، فأشبه إذا دفع إلى الأصناف الثمانية (١).
٦٨٠ - فَصْل: [دفع الزكاة إلى الوالد والولد]
قال: ولا يجوز أن يعطي صدقته والدًا، وإن علا، ولا ولدًا وإن سفل.
قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا: أن كل من ينسب إليه الدافع بولاد، أو بنسب إلى الدافع أو بولاد، لا يجوز دفع الصدقة إليه؛ وذلك لأن مِلك هؤلاء قد أجري مجرى ملكه، بدلالة أن ما يحصله لهم بشهادته قد أجري مجرى ما يحصله بشهادة لنفسه، فكما لا يجوز وضع صدقته في نفسه، فكذلك في هؤلاء.
٦٨١ - فَصْل: [دفع الزوجين الزكاة للآخر]
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ولا يجوز لكل واحدٍ من الزوجين دفع زكاته إلى الآخر، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز للمرأة أن تعطي زوجها استحسانًا، ولا يجوز له أن يدفع إليها.
وجه قوله: أن بينهما سببًا يوجب التوارث من غير حجب، كالولادة؛ ولأن كل شخصين بينهما سبب يمنع من دفع زكاة أحدهما إلى الآخر مع الفقر، فإنه يمنع من دفع زكاة الآخر إليه كالوالد والولد.
وجه قولهما: ما روي أن زينب سألت رسول الله ﷺ عن الصدقة على زوجها ابن مسعود فقال: "لكِ أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة" (٢).
стр. 823
٦٨٢ - فَصْل: [دفع الزكاة لعبيده]
قال: ولا يجوز أن يدفع إلى عبده و [لا] مدَبَّره، ولا أم ولده؛ لأن هؤلاء لا يملكون ذلك بالدفع، فما يدفعه إليهم باقٍ على ملكه، فكأنه لم يخرجه [عن ملكه]، ولا يدفع إلى مكاتبه؛ لأن المكاتب موقوف عليه وعلى مولاه، فلم يخرجه إخراجًا [تاما] صحيحًا، فلم يجز.
٦٨٣ - فَصْل: [الزكاة في وجوه البر مما لا يقبض]
ولا يجوز في شيء من وجوه البِرِّ مما لا يقبض، فلا يملك (١) بالقبض من نفقة في بناء مسجدٍ، ولا سقاية، ولا قَنطرة، ولا كفن ميت، ولا في قضاء دين مَيِّت؛ وذلك لأن الزكاة قد استحق فيها التمليك، ألا ترى أن الله تعالى سمّاها صدقة؛ وذلك عبارة عن التمليك، وبناء المساجد والقنطرة والسقاية ليس فيها تمليك لاحد.
وكذلك كفن الميت لا يملكه الميت؛ لأن الموت ينافي التمليك، وأما إذا قضي دين الميت، فالميت لا يملك، والمدفوع إليه لا يقبض صدقة، وإنما يأخذ بدلًا عن دينه، فلم يوجد تمليك الصدقة، فلم يجز.
قال: ولا أن يعتق بها عبدًا لما بينا أن بائع العبد يأخذ الثمن عوضًا عن ملكه، [وكذا عبد نفسه؛ لأن التمليك لم يوجد، إذ] العبد لا يملك رقه، وإنما يتلف على ملك معتقه، ولهذا يستحق الولاء، وإذا لم يوجد التمليك، لم تجز الصدقة.
стр. 824
٦٨٤ - فَصْل: [القبض في الزكاة]
قال: ولا تجوز الزكاة إلَّا أن يُقْبِضَها فقيرًا، أو يقبضها له من يجوز له [قبضه] بولاية أو وكالة منه؛ وذلك لأن الصدقة تمليك للفقراء، فإذا قبضوها ملكوها بالقبض، فأجزأت، فأما إذا قبضت لهم فإن كان القابض الإمام أو العامل جاز؛ لأن لهم ولاية على الفقراء، وقبض الولي كقبض المُولَى عليه.
وكذلك من تصدق على صَبِيٍّ فقير أو مجنون، فقبض له أبوه، أو جده، أو وصيهما، جاز؛ لأنهم يلون عليه فصار كقبضه قبضهم.
وكذلك إن قبض له بعض ذوي أرحامه، وليس هناك أقرب منه وهو في عِياله، أو قبض له أجنبي يعوله، أو الملتقط إذا قبض للقيط؛ لأنهم قالوا في قبض هؤلاء للهبة إنه قبض جائز، فكذلك قبضهم للصدقة.
فأما الفقير البالغ العاقل إذا قبض له قابض، فلا يجوز إلا بتوكيلٍ منه؛ لأنه لا يولى عليه، فاعتبر أمره بالقبض كما يعتبر أمره في قبض [الصدقة]، والهبة [من المتبرع].
٦٨٥ - فَصْل: [دفع الزكاة لغني]
قال: ولا يُعطى منها غني ولا ولد غني.
أما الغني، فلا يجوز؛ [لقوله: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم"؛ ولقوله] ﵎ [ابتداءً]: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وقال ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاث" (١)(٢).
стр. 825
وأما [قوله] ولد غني، فإذا كان صغيرًا، لم يجز دفع الصدقة إليه؛ لأنه غني بغناء أبيه، وأما إذا كان كبيرًا فقيرًا، جاز دفع الصدقة إليه؛ لأنه ليس بغني بغناء أبيه، فصار كالأجنبي.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز أن تعطى المرأة الفقيرة إذا كان زوجها غنيًا، وكذلك البنت الكبيرة إذا كان أبوها غنيًا؛ وهي إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروي عنه: أنها لا تعطى إذا قضى لها بالنفقة.
وجه قولهما: أن الزوجة لا تصير غنية بغناء زوجها، ألا ترى أنه يلزمه لها مقدار مقدّر من النفقة، لا تصير به غنية، فصارت كمن لا زوج لها.
وجه قول أبي يوسف: أن الزوجة يجب نفقتها على الزوج، فصارت بغناه غنية كالولد الصغير، وشرط في ذلك أن يقضى لها بالنفقة؛ لأنه ما لم يقض لها بالنفقة لا يصير دينًا، فلا يعتد بها.
فأما عبد الغني، ومدبّره، وأم ولده، فلا يجوز له الدفع إليهم؛ لأن المولى يملك المدفوع، وهو غني، ويجوز الدفع إلى مكاتب الغني؛ لأن المولى لا يملك ما يدفع إلى مكاتبه بالدفع، وإنما يملكه بالعجز؛ وذلك سبب حادث بعد جوازه عن الصدقة، فلا يمنع جواز [الدفع عن الصدقة].
وقال أبو يوسف: إنما لا تحل الصدقة لغني إذا كانت صدقة مفروضة، فأما صدقة النفل، فتجوز عليه، ويحل له أخذها؛ لأنها تجري مجرى الهبة.
стр. 826
٦٨٦ - فَصْل: [دفع الزكاة للكفار]
قال: ولا يعطي كافرًا من زكاة ماله؛ وذلك لقوله ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم"، فدلّ على أنها لفقراء من تؤخذ من أغنيائهم؛ ولأن الإمام هو الذي يتولى أخذها، وهو قائم مقام المسلمين، فدلّ على أنها حق لهم.
٦٨٧ - فَصْل: [دفع الزكاة باجتهاد لفقير ثم بان أنه غني]
[قال]: فإن دفع الزكاة إلى فقير باجتهاد، ثم بانَ له أنه غني، جاز ذلك عند أبي حنيفة ومحمد، لا اختلاف عنهما فيه، وقال أبو يوسف: لا يجوز.
وجه قولهما: أنه أمضى الدفع بالاجتهاد، فإذا ظهر له اجتهاد آخر، لم يفسخ الأول كالحاكم، والدليل على أن الغنى والفقر يعلم من طريق الاجتهاد: أن من في يده مال، يجوز أن يكون مغصوبًا أو مستحقًا بالدين، فلا يعلم أنه غني به إلَّا بالظاهر.
وجه قول أبي يوسف: أنه لا يجوز له الدفع إليه مع العلم، فلا يجوز مع الاجتهاد، كعبده ومكاتبه.
وأما إذا دفع الصدقة إلى أبيه أو ابنه، وهؤلاء يعرفه، ثم ظهر له، فذكر في الأصل: أنه يجوز له عند أبي حنيفة ومحمد.
وذكر ابن شجاع عن أبي حنيفة: في الوالدين والولد والزوجة، رواية أخرى أنه لا يجوز، وهو قول أبي يوسف.
وجه ما ذكره في الأصل: ما روي أن يزيد بن معن دفع صدقته إلى رجلٍ
стр. 827
وأمر أن يأتي المسجد ليلًا فيتصدق بها، فدفعها إلى ابنه معن، فلما أصبح رآها في يده، فقال له: يا بُني لم أُردك بها، واختصما إلى رسول الله ﷺ فقال: "لك يا معن ما أخذت، ولك يا يزيد ما نويت" (١).
ولأنّ النسب يعلم باجتهاد، فلا يتوصل إلى حقيقته، فقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد، فلا يفسخ الاجتهاد الأول.
وجه رواية ابن شجاع: أن النسب وإن كان مجتهدًا فيه، فقد صار في الشرع كالمقطوع به؛ بدلالة أن من نفى نسب رجل عن أبيه، حُدَّ، فقد انتقل من اجتهاد إلى يقين، فيفسخ الأول.
وجه قول أبي يوسف: أنه لا يجوز له الدفع مع العلم، فلا يجوز مع الاجتهاد، كعبده ومكاتبه.
فأما إذا دفع إلى هاشمي، وهو لا يعلم، ثم علم، جاز عند أبي حنيفة ومحمد على رواية الأصل.
وذكر أبو يوسف في جامع البرامكة عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز، وهو قوله.
وجه رواية الأصل أن النسب يعلم من طريق الاجتهاد.
وجه الرواية الأخرى: أنه كالمقطوع به؛ بدلالة أن من قال لهاشمي: لست بهاشمي حُدَّ.
стр. 828
وجه قول أبي يوسف: أنه لا يجوز الدفع إليه مع العلم، فلا يجوز مع الاجتهاد.
وأما إذا دفع إلى ذِمِّي، فيجوز على رواية الأصل عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الكفر والإسلام يعلم من طريق الاجتهاد.
وذكر أبو يوسف في الإملاء عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز؛ لأن الكفر مما يحكم به، وما كان محكومًا به، فهو كالمقطوع به.
فأما إذا دفع إلى حربي جاز على رواية الأصل؛ لأن المانع هو الكفر، وذلك يعلم بالاجتهاد، وذكر أبو يوسف في جامع البرامكة عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز؛ لأن الصدقة لا تكون قُرْبة في حقه بحال، ألا ترى أنه لا يجوز أن يتطوع بالصدقة عليه.
وليس كذلك الذمي؛ لأن الصدقة يثبت لها حكم في حقه، ألا ترى أنه يتطوع عليه، كذلك الذِّمِّي]، وأبو يوسف مضى على أصله.
فأما إذا دفع إلى عبده ومكاتبه وهو لا يعلم ثم علم، لم يجز في قولهم؛ لأنه لم يخرج ما دفع إليهم من ملكه إخراجًا صحيحًا؛ فكأنه أبقاه في يده (١).
٦٨٨ - فَصْل: [إعطاء الزكاة لفقراء بني هاشم]
ولا يجوز أن يعطي الزكاة فقراء بني هاشم، ولا مواليهم؛ وذلك لما روي أن النبي ﷺ قال: "إن الصدقة محرمة على بني هاشم" (٢)، وروي أنه رأى في
стр. 829
الطريق تمرة، فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" (١)، وقال: "إن الله حرم عليكم يا بني هاشم غسالة أيدي الناس" (٢).
وأما مواليهم؛ فلما روى مقسم عن ابن عباس قال: استعمل أرقم بن أبي أرقم الزهري على الصدقات، فاستتبع أبا رافع، فأتى النبي ﷺ فسأله، فقال: "يا أبا رافع، إن الصدقة محرمة على محمدٍ وعلى آل محمد، وإنَّ موالي القوم من أنفسهم" (٣).
وبنو هاشم الذي تحرم عليهم الصدقة: آل العباس، وآل عَلِيّ، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب؛ وذلك لأن الله تعالى حرم الصدقة على فقرائهم، وعوّضهم [عنها] الخُمُس، والخمس: هو سهم ذوي القربى يختص بهؤلاء، وكذلك تحريم الصدقة يختص بهم، ومن سواهم من القرابة لا حق [لهم] في الخمس، فهم كالأجانب، فتحل لهم الصدقة.
وقال هشام: وسألت محمدًا عن الصدقة التي لا تحل لغني، فقال: هي الصدقة التي افترضها الله تعالى: الزكاة وعشور الأرضين، فأما الصدقة التي على وجه الصلة (٤)، فلا بأس بها، وإنما يعني بهذا التطوع، وقد قدمناه.
стр. 830
قال بشر بن الوليد: لا تحل الصدقة لغني ولا لفقير من بني هاشم، وهذا عندنا: على زكاة الأموال والمواشي والأرضين، وعلى الصدقات في الكفارات في الأيمان، والظِّهار، وجزاء الصيد، والقتل، وكل صدقة وكل صدقة من كفارة أو نذر؛ وهذا لأن هذه صدقات واجبة، فلا تجوز عليهم.
وأما قوله: أو قتل، فإن كفارة القتل لا صدقة فيها، وإنما يريد من مات وعليه كفارة قتل، فأوصى أن يطعم عنه.
وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز أن يُعطوا من صدقة الأوقاف، وهذا إنما يريد به إذا سمي في الوقف الأغنياء وبنو هاشم.
فأمَّا إذا أطلق شرط الصدقة، فهي صدقة واجبة، فلا يجوز دفعها إليهم، ويجوز مع الشرط؛ لأن ذلك في حكم صدقة التطوع؛ ولأن الوقف يجوز أن يشترط انتفاعه للأغنياء، وكذلك لبني هاشم.
٦٨٩ - فَصْل: [إخراج القيمة في الزكاة]
قال: ويجوز أن يُعطى في الصدقة المفروضة في الزكاة وغيرها ما شاء من العروض والطعام وغيرهما، مما لو تصدق به تطوعًا كان قربة، يعطى من ذلك بقدر قيمة ما وجب عليه.
قال: وتحصيل هذا: أن كل مالٍ صحت الصدقة به، جاز أداؤه في الزكاة، سواء كان من الجنس الذي وجبت فيه الزكاة، أو من غيره، وقال الشافعي: لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة (١).
стр. 831
وقد ذكر أبو الحسن عن طاووس: أن معاذًا كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة (١)، ويجعلها في صنف واحد، وعن عطاء: أن عمر كان يأخذ العروض في الصدقة من الثياب وغيرها (٢).
والدليل عليه: ما رُوي: "أن النبي ﷺ رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء، فقال: "إياكم وحزرات أموال الناس"، فقال المصدق له: أخذتها ببعيرين" (٣)، وهذا يدل على جواز أخذ القيمة؛ ولأن ما يتعلق الزكاة بجنسه، جاز أن يؤخذ في زكاة السوائم ابتداءً كالحيوان، وهذا تعليل في الدراهم، وتعليل للثياب، فنقول: فجاز إخراجه في الزكاة كالدراهم؛ ولأن ما جاز إخراجه بين الفريضتين، جاز إخراجه عن نصاب من السوائم كالشاة (٤).
٦٩٠ - [فَصْل: إخراج زكاة المكيل والموزون]
وإذا كان مال الرجل شيئًا لا يجوز بيعه بجنسه إلّا مثلًا بمثل، فأعطى أقل من الكيل الواجب عليه من ذلك الجنس، لم يجز عنه إلَّا بقدر كيله، وكذلك الموزون عن الموزون، إذا كان من جنسه؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا، فلا قيمة لها، ألا ترى أن الشرع منع تقويمها، فصار كأنه أعطى من الصفة التي وجبت عليه أقل مما وجب.
стр. 832
فأما ما لا ربا فيه، فقد ذكر في "الجامع الكبير": إذا أعطى شاة سمينة، بقيمة شاتين وَسَط جاز؛ لأن الشريعة لم تمنع من تقويم الجودة في الغنم (١)، فجاز اعتبارها
٦٩١ - فَصْل: [دفع قدر الكيل والوزن من الجنس الرديء]
فإذا أعطى قدر الكيل أو الوزن من الجنس الرديء، أجزأ عنه عند أبي حنيفة، وقال محمد: يؤدي الفضل، وقال أبو يوسف: إن كانت فضة عن فضة، وكان المدفوع كله فضة، مثل أن يعطي غَلّة جيادًا عن مضروبة، أو تِبرًا جيدًا، فذلك جائز، وإذا كان وزن الفضة فيما دفع أقل، لم يجز حتى يعطي قدر النقصان، مثل أن يؤدي نبهرجة عن جِياد، قال أبو الحسن: وقد روى محمد عن أبي يوسف غير هذا، يعني: أنه يجوز مطلقًا، وهذا التفصيل إنما رواه ابن سماعة عن أبي يوسف.
وجه قول أبي حنيفة: أن الجودة إذا لاقت جنسها فيما يثبت فيه الربا لا [تتقوم] (٢)، وكأنه أخرج الجيد عن الجيد، وهذا صحيح على أصله فيمن له على رجل دراهم جياد، فأعطاه رديئة، فأخذها وهو لا يعلم فأنفقها، فإنه لا يرجع عليه بشيء [للجودة].
فأما أبو يوسف فمن أصله في الدَّين: أنه يرجع مثل الرديئة، ويأخذ [منه] الجياد، وقال في رواية محمد: في الزكاة يجوز عن الجياد.
والفرق بين الدَّيْن والزكاة: أنه لو أثبت للفقير حق [القبض] والرد، لم
стр. 833
يتعلق به فائدة، ألا ترى أن صاحب المال يأخذ منه الرديئة، ولا يعطيه شيئًا [ويعطيه إلى فقير آخر]، فإذا لم يكن في الفسخ فائدة لم يثبت الفسخ.
وأما رواية ابن سماعة، فإنه قال: إذا كان المدفوع فضة، فالجودة لا قيمة لها، وإذا كانت نبهرجة، فقد دفع من الفضة أقل من الوزن المستحق عليه، فلا يجزئه.
وأما محمد، فقد قال في مسألة الدَّين: يرد مثل المقبوض ويرجع بحقه، وقال: هاهنا يتصدق بالفضل.
والفرق بينهما: أنه لو أخذ الفضل في الدَّين لأدّى إلى الربا، وإذا أخرج الفضل في الزكاة لم يؤدّ إلى الربا؛ لأن الربا [اسم للزيادة] (١) المستحقة بعقد البيع، ولم يذكر أبو الحسن إخراج الجياد عن الرديئة.
وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الزكاة تجب في الدراهم النبهرجة والزيوف والمُكَحَّلَة والمزيَّفة، إذا كانت مائتين؛ وذلك لأن الغالب عليها الفضة، فاسم الدارهم يتناولها، والنبي ﷺ ، أوجب في مائتين [خمسة] دراهم، ولم يفصل.
قال: فإن كانت ستوقة فلا زكاة فيها، إلا أن تكون كثيرة يبلغ ما فيها من الفضة مائتين؛ لأن الغالب على الستوق الغِش، فاسم الدراهم لا يتناولها، فاعتبر ما فيها من الفضة، فإذا بلغت نصابًا وجبت فيه [الزكاة].
وهذا الذي رواه يجب أن يكون في الستوق الذي ليس للتجارة، فأما إذا
стр. 834
كان للتجارة، فيعتبر أن يبلغ قيمتها مائتين [كسائر] العروض.
[فأما إذا كان للتجارة، فتبين] ذلك ما قال في روايته: وإن كان عنده فلوس أو دراهم رَصَاص أو نحاس أو نحوه، فلا يتخلص الفضة منها وكانت كثيرة، فإن كانت لغير التجارة، فلا زكاة فيها، وإن كانت للتجارة وثمنها يبلغ مائتين ففيها الزكاة.
وهذا صحيح؛ لأن الصُّفر لا تجب فيها الزكاة إلا بنية التجارة، والفضة لا تعتبر فيها نية التجارة، فمتى كان الستوق لغير التجارة، اعتبر ما فيها من الفضة، وإذا كانت للتجارة اعتبر قيمتها.
قال: فإن أدى عن مائتي النبهرجة أربعة جيادًا، يكون قيمتها خمس نبهرجة، لم تجز فيها إلا عن أربعة في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال زفر والحسن: يجزئه.
وأما أبو حنيفة، فمضى على أصله في أن الجودة إذا لاقت جنسها، لا قيمة لها، وأما أبو يوسف ومحمد، فحملا على ذلك الدين.
ومن كان له على رجل دراهم نبهرجة، فأعطاه جيادًا أقل من وزنها، لم يجز إلا عن وزنها، فكذلك هذا.
أما زفر فقال: المعتبر القيمة، والربا لا يقع في الزكاة، وإنما يقع في البياعات، فكذلك جاز.
٦٩٢ - فَصْل: [زكاة الآنية المختلفة بين الوزن والقيمة]
قال عمرو: وسألت محمدًا عن الآنية من الذهب والفضة كيف يزكي إذا
стр. 835
كان إناء وزنه مائتان، وقيمته ثلاثمائة، قال: إن شاء دفع رُبْع عشر إلى فقير، فشاركه فيه، وإلا دفع عشر قيمته من الذهب؛ وذلك أنه إذا شاركه بربع عشره، فقد أخرج الوزن والجودة، وأدى من غيره، فلم يجز على أصل محمد؛ لأن الجودة عنده معتبرة، فلا بد من العدول إلى الذهب.
فأما على قول أبي حنيفة: فإن أخرج خمسة دراهم من غير الإناء، جاز على أصله في جواز الرديئة عن الجياد.
فإن أعطى من الذهب قيمة خمسة دراهم من غير الإناء، لم يجز في قولهم جميعًا، حتى يؤدي تمام القيمة؛ لأن أبا حنيفة يسقط الواجب بالخمسة الرديئة.
стр. 836
بَابْ: زكاةِ الدَّين
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: هذا الباب يشتمل على فصول:
أولها: ما ملكه الإنسان دَينًا بغيرِ فعله، وليس ببدلٍ عن شيءٍ كالميراث (١)، فلا زكاة فيه حتى يقبضه ويحول عليه الحول عند أبي حنيفة.
وكذلك ما ملكه بفعله وهو دينٌ، إلا أنّه ليس ببدل عن شيءٍ، مثل أن يُوصَى له به (٢)، وما ملكه بدلًا عما ليس بمالٍ وهو دينٌ، فلا زكاة فيه حتى يقبِضه ويحول عليه [الحول]، كالدية على العاقلة، والبدل في الخلع والمهر، ومال الكتابة، والصلح عن دمٍ عمدٍ.
وما ملكه بدلًا عن مالٍ لو بقي في يده لم تجب فيه الزكاة، مثل عبد الخدمة، وثياب البدن إذا باعها، ففيه روايتان:
قال في الأصل: إذا قبض مائتين زكّى لما مضى، وروى ابن سَماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنّه لا زكاة فيه حتى يقبضه ويحول عليه الحول، وهو الصحيح.
وما كان بدلًا عن مالٍ لو بقي في يده وجبت فيه الزكاة، مثل عروض التجارة
стр. 837
إذا باعها، فإنّه إذا قبضها وقد حال [عليها] الحول، لم يزكه حتى يقبض أربعين فصاعدًا.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: كل دينٍ صحيحٍ إذا قبضه زكّاه؛ لما مضى، فكذلك إن قبض بعضه.
وما لم يكن دينًا صحيحًا، لم يزكه، والديون كلها صحيحةٌ إلا الدِّيَة على العاقلة، ومال الكتابة.
أما الميراث [و] الوصية (١)؛ فلأنّه لم [يملكهما إلّا وهما] (٢) دينٌ، فصارا كالدِّيَة على العاقلة؛ ولأنّ النصاب المتفق عليه ما اجتمع فيه اليد والملك، وقد وجد [فيه] الملك دون اليد، فلا يثبت نصابًا من غير اتفاق.
وأما الدَّيَة على العاقلة ومال الكتابة، فليس بدينٍ صحيحٍ؛ بدلالة أن من مات من العاقلة سقط ما عليه، والمولى لا يثبت له على [عبده] دينٌ صحيحٌ، والملك الناقص لا زكاة فيه.
وأمّا المهر إذا كان دينًا، فلا زكاة فيه؛ لأنّه بدلٌ عما ليس بمالٍ كالدِّيَة على العاقلة.
وعلى الشافعي (٣): أنّه دينٌ وجب صداقًا، فلم تجب فيه الزكاة، كما لو تزوّجها على مالٍ لم ينو به التجارة (٤).
стр. 838
وأمّا البدل في الصلح والخلع؛ فلأنّه بدلٌ عما ليس بمالٍ، كالدية.
وأما بدل [عبد] الخدمة، فالصحيح: أنّه لا تجب فيه الزكاة حتى يقبض مقدار النصاب، ويحول عليه الحول؛ لأنّه لم يملكه وهو على صفة تجب فيه الزكاة إلا وهو دينٌ في الذمة، فصار كالميراث.
وجه رواية الأصل: أنّه أخذ شبهًا من أصلين: من ثمن متاع التجارة؛ لأنّه بدلٌ عن مالٍ كانت يده ثابتةً عليه، ومن المهر والميراث؛ لأنّه لم يملكه وهو على صفةٍ يتعلّق به الزكاة إلا وهو دينٌ، فأُعطي حكم الشبه من الأصلين، فقلنا: يُعتبر قبض مائتين ليلحق بالميراث، فيزكيها لما مضى ليلحق بثمن عبد التجارة.
وأما ثمن عُروض التجارة، فوجه قول أبي حنيفة: أن الوجوب قد حصل بحول الحول، وإنما يحتاج إلى الأداء، ونصاب الأداء بعد الوجوب يتقدّر عنده بأربعين، كالزيادة (١) على المائتين.
وجه قولهما: أن كلّ دينٍ صحيحٍ فإن الزكاة تجب فيه كثمن العروض، وما لم يكن دينًا صحيحًا لم تجب فيه الزكاة؛ لنقصان الملك فيه، وقليل المقبوض عندهما وكثيره سواءٌ؛ لأن الوجوب إذا حصل لم يتقدّر عندهما نصابٌ للأداء، كما في الزيادة (٢) على المائتين.
٦٩٣ - [فَصْل: زكاة المال المستفاد في الحول]
قال أبو الحسن: وهذا إذا لم يكن لصاحب المال مالٌ [آخر] غير الدين،
стр. 839
فإن كان له مالٌ، فما قبض من ذلك فهو بمنزلة الفائدة يضمه إلى المال؛ لأنّه مستفادٌ في الحول، فلا يعتبر فيه نقصانه قبل القبض، كما لو ورثه.
و [قد] قال أبو حنيفة: إذا [تزوجت] (١) على إبل بعينها ولم تقبضها حتى حال عليها الحول، فلا زكاة [فيها] (٢)، وقال أبو يوسف ومحمد: فيها الزكاة.
وجه قول أبي حنيفة: أنّه بدلٌ عما لا يجب فيه الزكاة، فلا يجب فيه الزكاة قبل القبض كالدية على العاقلة.
وجه قولهما: أنها قد ملكت المهر، وتمّ ملكها فيه، بدليل جواز تصرفها كالمقبوض.
فأما المبيع قبل القبض، فقد روي عن أبي يوسف: أنّه لا زكاة فيه على المشتري؛ لأن ملكه لم يتمّ [فيه]، ألا ترى أنّه لا يجوز تصرّفه فيه (قبل القبض) (٣). [والله أعلم].
стр. 840
بَابْ: المال يتوى ثم يَقدِرُ عليه، هل فيه الزكاة أم لا؟
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الأصل الذي تقدّم في هذا الباب: أنّ الديون الصحيحة تجب فيها الزكاة؛ وذلك لأنّه حصلها في ذمّة غيره بفعله، فهو كما لو حصلها في يده، ولا يلزمه إخراج زكاتها حتى يقبضها، خلاف ما قاله الشافعي (١)؛ [لأنّه دينٌ] (٢) في الذمّة، فلا يجب إخراج الزكاة عنه قبل قبضه، أصله إذا كان الذي عليه الدين معترفًا [به] في الباطن دون الظاهر.
ولأنّه إن أخرج عنه دينًا لم يجز؛ (لأنّ ما في الذمّة حقٌ) (٣)، والحقوق لا تجزئ في الزكاة كالمنافع، ولا يجوز أن يلزمه إخراج العين؛ لأنها أكمل من ملكه في الدين (٤)، ولا يلزمه (٥) إخراج الكامل عن ناقصٍ.
قال أبو الحسن: وإذا كان للرجل مالٌ على مُوسرٍ أو معسِرٍ، وهو جاحدٌ له، حتى مضى حولٌ له أو أحوالٌ (٦)، ثم أقرّ به، فأخذه صاحبه، فلا زكاة عليه فيما مضى، وكذلك المال المغصوب.
стр. 841
وقال زفر: يجب فيه الزكاة، وبه قال الشافعي (١).
لنا: أنّه خارجٌ عن يده، وهو (٢) ممنوعٌ من الانتفاع به، فلا تجب فيه الزكاة (٣) لما مضى، كمال الكتابة إذا عاد إليه بالعجز؛ ولأنّ السائمة المغصوبة قد عدم فيها النماء، وعدم النماء (٤) فيما لا تجب (٥) فيه الزكاة -إلا بطلب النماء- يسقط الزكاة، كما لو جعلها عوامل (٦).
وجه قول زفر: أنّ الملك له، وإنما عُدِمت اليد، وعدم اليد لا يمنع وجوب الزكاة فيه، كالوديعة (٧).
٦٩٤ - [فَصْل: زكاة الدين المجحود]
وأما الدَّين المجحود، إذا كان لصاحبه بيّنةٌ، فلم يقمها حتى مضى حولٌ، فقد روى هشام عن محمدٍ: أنّه لا زكاة عليه؛ لأنّ الحاكم كان يجوز أن يقبل البيّنة، ويجوز أن لا يقبلها (٨)، فلم يمنع ذلك من تواء المال، فلم تجب زكاته.
وأما إذا كان القاضي يعلم الدين عليه (٩)، فعليه الزكاة؛ لأنّه بحالٍ لو رفعه إلى القاضي لقضى عليه، فقد ترك أخذه بفعله، فلا يَسقط زكاته.
стр. 842
وقد روى معلى عن أبي يوسف: أنّ الغريم إذا كان يقرّ في السرّ ويجحد في العلانية، فلا زكاة في الدين؛ لأن صاحبه لا يقدر على الانتفاع به، فهو كالمال المجحود في الحالين.
٦٩٥ - [فَصْل: في الدين على معسرٍ مقرٍّ به]
قال أبو الحسن: وإن كان الدين على معسِرٍ مقرّ به، فمضى عليه حول ثم قبضه، زكَّاه في قولهم جميعًا (١)، وقال الحسن بن زياد: لا زكاة فيه.
وجه قولهم: أنّ إعسار الغريم لا يمنع من صِحّة الدين؛ لأن الذمّة صحيحةٌ، والدين الصحيح تجب فيه الزكاة.
وجه قول الحسن: أنّ الدين على المعسِر لا يمكن الانتفاع به، فهو (٢) كالتاوي.
[قال]: ومن كان في يده مالٌ، فسقط منه أو غصبه غاصب، أو أخذه العدو، أو كانوا عبيدًا فأبَقوا، (فلا زكاة عليه إذا قدر عليه بعد الحول) (٣)؛ وذلك لأنّ المال خارجٌ عن يده وتصرّفه، وأمّا إذا غلب عليه العدو، (فقد ملكوه عندنا، فزال ملكه) (٤)، وزوال المِلك يمنع وجوب الزكاة.
٦٩٦ - [فَصْل: زكاة المال المدفون المنسي]
[قال]: وكذلك إن دفن مالًا في غير حرزٍ ونسيه، ثم ذكره بعد حولٍ، فلا زكاة عليه، وإن دفنه في حرزٍ ثم نسيه، فعليه الزكاة؛ وذلك لأنّه إذا كان في غير
стр. 843
حرزٍ، فهو خارجٌ عن يده، فقد تعذّر عليه الانتفاع به، وإذا كان في حرزٍ، فيده ثابتةٌ عليه، فلا يعتبر الانتفاع به مع ثبوت اليد [عليه]، كما في صندوقه.
و [قد] روى ابن رستم عن محمد: فيمن أودع رجلًا لا يعرفه مالًا، ثم أصابه بعد سنين، قال: لا زكاة عليه، وهذا بمنزلة من دفن مالًا في مفازةٍ.
قال: وإن كان أودع رجلًا يعرفه فنسيه سنين ثم ذكره، فإنّه يزكيه، وهذا صحيحٌ؛ لأنّه إذا لم يعرفه، فما في يده تاوٍ، ومن يعرفه فيده قائمةٌ مقام يده، وإنما فرّط في النسيان، فلا تسقط الزكاة.
٦٩٧ - [فَصْل: الدين على معسر مفلس]
[قال]: وإذا كان الدين على معسرٍ [قد] فلّسه القاضي (١)، ففيه الزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ [لما مضى]، وقال محمد: لا زكاة فيه.
أمّا أبو حنيفة فمن أصله: أنّ الحكم بالتفليس لا ينفذ، وذمّة المفلس كذمّة غيره صحيحةٌ (٢)، فهو بعد التفليس كما (٣) قبله.
وأمّا أبو يوسف: فإنّه وإن كان يرى الحكم بالتفليس، فإنّه يقول: أكثر ما فيه تأخير المطالبة إلى وقت اليسار، فصار كالتأجيل.
وأما محمد فقال: إنّ التفليس يوجبُ عيبًا في الذمة (٤)، فيصير الدين ناقصًا لنقصان محله، والدين الناقص لا زكاة فيه كمال الكتابة (٥).
стр. 844
بَابْ: هلاك مال الزكاة بعد وجوبها، أو هلاك بعضه
(قال الشيخ رحمه الله تعالى) (١): قال أصحابنا جميعًا: إذا هلك المال بعد الحول بغير تعدٍّ من صاحبه (٢) ومالكه، سقطت الزكاة، وقال الشافعي: إذا هلك بعد إمكان أدائه، ضمن [الزكاة] (٣).
لنا: أنّه مالٌ هلك بغير فعله، فلم يلزمه الزكاة عنه بغير مطالبة آدميٍّ.
أصله: إذا هلك قبل إمكان الأداء؛ ولأنّ مالا يكون مضمونًا قبل إمكان الأداء، لا يُضمن (٤) بالتأخير عن وقت الإمكان كالوديعة والتصدّق باللقطة؛ ولأنّه حقٌّ لم يتعيّن من يجب دفعه إليه، فلا يضمن بالتأخير (٥)، أصله لو قال لصاحبه المودَع (٦): سلّم الوديعة إلى أي غلماني شئت.
٦٩٨ - [فَصْل: امتناع دفع الزكاة للساعي حتى هلك]
وكان أبو الحسن يقول: إنّ الساعي إذا طالب بالزكاة، فلم يدفع إليه حتى
стр. 845
هلك المال، ضمنَ؛ لأنّها أمانةٌ، وقد طالبه بها من يملك المطالبة، فصار كالمودِع إذا طلب الوديعة [فلم يدفعها] مع الإمكان حتى هلكت، ضمن (١).
وكان أبو سهل الزجاجي يقول: لا يضمن وإن طلب المصدّق؛ لأن المالك مخيّرٌ: إن شاء أعطى العين، وإن شاء أعطاه غيرها من القيمة، أو غير ذلك (٢)، فله أن يؤخّر الدفع ليحصل العوض عنها.
٦٩٩ - [فَصْل: الوجوب في حال اجتماع النصاب والعفو]
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا اجتمع في المال نصابٌ وعفوٌ، فالوجوب يتعلق بالنصاب دون العفو، فإذا هلك قَدْر (٣) العفو، لم يسقط شيءٌ من الزكاة.
وقال محمد وزفر: الوجوب يتعلّق بهما، فالهالك منهما (٤).
وقال الشافعي في الإملاء: الشاة وجبت في التسع (٥).
لنا: حديث عمرو بن حزم: أنّ النبي ﷺ قال: "في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وليس في الزيادة شيءٌ إلى خمسٍ وثلاثين" (٦)، ذكره