← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقال زفر: يجب فيه الزكاة، وبه قال الشافعي (١). لنا: أنّه خارجٌ عن يده، وهو (٢) ممنوعٌ من الانتفاع به، فلا تجب فيه الزكاة (٣) لما مضى، كمال الكتابة إذا عاد إليه بالعجز؛ ولأنّ السائمة المغصوبة قد عدم فيها النماء، وعدم النماء (٤) فيما لا تجب (٥) فيه الزكاة -إلا بطلب النماء- يسقط الزكاة، كما لو جعلها عوامل (٦). وجه قول زفر: أنّ الملك له، وإنما عُدِمت اليد، وعدم اليد لا يمنع وجوب الزكاة فيه، كالوديعة (٧). ٦٩٤ - [فَصْل: زكاة الدين المجحود] وأما الدَّين المجحود، إذا كان لصاحبه بيّنةٌ، فلم يقمها حتى مضى حولٌ، فقد روى هشام عن محمدٍ: أنّه لا زكاة عليه؛ لأنّ الحاكم كان يجوز أن يقبل البيّنة، ويجوز أن لا يقبلها (٨)، فلم يمنع ذلك من تواء المال، فلم تجب زكاته. وأما إذا كان القاضي يعلم الدين عليه (٩)، فعليه الزكاة؛ لأنّه بحالٍ لو رفعه إلى القاضي لقضى عليه، فقد ترك أخذه بفعله، فلا يَسقط زكاته.

стр. 842

وقد روى معلى عن أبي يوسف: أنّ الغريم إذا كان يقرّ في السرّ ويجحد في العلانية، فلا زكاة في الدين؛ لأن صاحبه لا يقدر على الانتفاع به، فهو كالمال المجحود في الحالين. ٦٩٥ - [فَصْل: في الدين على معسرٍ مقرٍّ به] قال أبو الحسن: وإن كان الدين على معسِرٍ مقرّ به، فمضى عليه حول ثم قبضه، زكَّاه في قولهم جميعًا (١)، وقال الحسن بن زياد: لا زكاة فيه. وجه قولهم: أنّ إعسار الغريم لا يمنع من صِحّة الدين؛ لأن الذمّة صحيحةٌ، والدين الصحيح تجب فيه الزكاة. وجه قول الحسن: أنّ الدين على المعسِر لا يمكن الانتفاع به، فهو (٢) كالتاوي. [قال]: ومن كان في يده مالٌ، فسقط منه أو غصبه غاصب، أو أخذه العدو، أو كانوا عبيدًا فأبَقوا، (فلا زكاة عليه إذا قدر عليه بعد الحول) (٣)؛ وذلك لأنّ المال خارجٌ عن يده وتصرّفه، وأمّا إذا غلب عليه العدو، (فقد ملكوه عندنا، فزال ملكه) (٤)، وزوال المِلك يمنع وجوب الزكاة. ٦٩٦ - [فَصْل: زكاة المال المدفون المنسي] [قال]: وكذلك إن دفن مالًا في غير حرزٍ ونسيه، ثم ذكره بعد حولٍ، فلا زكاة عليه، وإن دفنه في حرزٍ ثم نسيه، فعليه الزكاة؛ وذلك لأنّه إذا كان في غير

стр. 843

حرزٍ، فهو خارجٌ عن يده، فقد تعذّر عليه الانتفاع به، وإذا كان في حرزٍ، فيده ثابتةٌ عليه، فلا يعتبر الانتفاع به مع ثبوت اليد [عليه]، كما في صندوقه. و [قد] روى ابن رستم عن محمد: فيمن أودع رجلًا لا يعرفه مالًا، ثم أصابه بعد سنين، قال: لا زكاة عليه، وهذا بمنزلة من دفن مالًا في مفازةٍ. قال: وإن كان أودع رجلًا يعرفه فنسيه سنين ثم ذكره، فإنّه يزكيه، وهذا صحيحٌ؛ لأنّه إذا لم يعرفه، فما في يده تاوٍ، ومن يعرفه فيده قائمةٌ مقام يده، وإنما فرّط في النسيان، فلا تسقط الزكاة. ٦٩٧ - [فَصْل: الدين على معسر مفلس] [قال]: وإذا كان الدين على معسرٍ [قد] فلّسه القاضي (١)، ففيه الزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ [لما مضى]، وقال محمد: لا زكاة فيه. أمّا أبو حنيفة فمن أصله: أنّ الحكم بالتفليس لا ينفذ، وذمّة المفلس كذمّة غيره صحيحةٌ (٢)، فهو بعد التفليس كما (٣) قبله. وأمّا أبو يوسف: فإنّه وإن كان يرى الحكم بالتفليس، فإنّه يقول: أكثر ما فيه تأخير المطالبة إلى وقت اليسار، فصار كالتأجيل. وأما محمد فقال: إنّ التفليس يوجبُ عيبًا في الذمة (٤)، فيصير الدين ناقصًا لنقصان محله، والدين الناقص لا زكاة فيه كمال الكتابة (٥).

стр. 844

بَابْ: هلاك مال الزكاة بعد وجوبها، أو هلاك بعضه (قال الشيخ رحمه الله تعالى) (١): قال أصحابنا جميعًا: إذا هلك المال بعد الحول بغير تعدٍّ من صاحبه (٢) ومالكه، سقطت الزكاة، وقال الشافعي: إذا هلك بعد إمكان أدائه، ضمن [الزكاة] (٣). لنا: أنّه مالٌ هلك بغير فعله، فلم يلزمه الزكاة عنه بغير مطالبة آدميٍّ. أصله: إذا هلك قبل إمكان الأداء؛ ولأنّ مالا يكون مضمونًا قبل إمكان الأداء، لا يُضمن (٤) بالتأخير عن وقت الإمكان كالوديعة والتصدّق باللقطة؛ ولأنّه حقٌّ لم يتعيّن من يجب دفعه إليه، فلا يضمن بالتأخير (٥)، أصله لو قال لصاحبه المودَع (٦): سلّم الوديعة إلى أي غلماني شئت. ٦٩٨ - [فَصْل: امتناع دفع الزكاة للساعي حتى هلك] وكان أبو الحسن يقول: إنّ الساعي إذا طالب بالزكاة، فلم يدفع إليه حتى

стр. 845

هلك المال، ضمنَ؛ لأنّها أمانةٌ، وقد طالبه بها من يملك المطالبة، فصار كالمودِع إذا طلب الوديعة [فلم يدفعها] مع الإمكان حتى هلكت، ضمن (١). وكان أبو سهل الزجاجي يقول: لا يضمن وإن طلب المصدّق؛ لأن المالك مخيّرٌ: إن شاء أعطى العين، وإن شاء أعطاه غيرها من القيمة، أو غير ذلك (٢)، فله أن يؤخّر الدفع ليحصل العوض عنها. ٦٩٩ - [فَصْل: الوجوب في حال اجتماع النصاب والعفو] قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا اجتمع في المال نصابٌ وعفوٌ، فالوجوب يتعلق بالنصاب دون العفو، فإذا هلك قَدْر (٣) العفو، لم يسقط شيءٌ من الزكاة. وقال محمد وزفر: الوجوب يتعلّق بهما، فالهالك منهما (٤). وقال الشافعي في الإملاء: الشاة وجبت في التسع (٥). لنا: حديث عمرو بن حزم: أنّ النبي ﷺ قال: "في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وليس في الزيادة شيءٌ إلى خمسٍ وثلاثين" (٦)، ذكره

стр. 846

إسماعيل بن إسحاق. ولأنها زيادة لا يزيد بها الوجوب، فلا ينتقل إليها الوجوب، أو لا يتعلّق بها الوجوب، كالزيادة المستفادة، والزيادة من غير جنس المال، والزيادة إذا بلغت نصابًا. وجه قول محمد وزفرٍ: أنّ ما يتعلّق به الوجوب غير متعيّنٍ لها (١)، [فصار] كأنّ النصاب اختلط بمالٍ آخر، فيكون الهالك منهما. ٧٠٠ - [فَصْل: الزكاة في هالك من المال بعد حَولان الحول] وذكر محمد في (الأصل من) (٢) الجامع الكبير: فيمن له أربعون من الإبل [حال عليها الحول]، فهلك منها عشرون (٣)، ففي الباقي أربع شياه عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: عشرون جزءًا من ست وثلاثين جُزءًا من بنت لبون. وقال محمد: نصف بنت لبون. أما أبو حنيفة فقال: الهالك بمنزلة ما لم يكن؛ بدليل أنّه لا يضمن زكاته، فيصير كأنّ الحول حال على عشرين. وأما أبو يوسف فقد قال: في الأربعين (٤) أربعةٌ عفوٌ، فالهالك أولًا منهما،

стр. 847

وبقي بنت لبون في ستٍ وثلاثين، فما هلك من المال سقط منها بقدره. وأما محمد فمن أصله: أن بنت لبون واجبة في الأربعين، فإذا هلك نصفها، سقط نصف الوجوب. ٧٠١ - [فَصْل: ترتب النصاب على النصاب من غير عفو] وأما إذا ترتّب النصاب على النصاب من غير عفوٍ، مثل مائة وإحدى وعشرين من الغنم، هلك منها إحدى وثمانون، فقد قال في الجامع الكبير: في الباقي شاةٌ في قياس قول أبي حنيفة (١). وقال أبو يوسف ومحمد: فيه أربعون جزءًا من مائة وإحدى وعشرين جزءًا من شاتين، وروى [أبو يوسف] في الإملاء عن أبي حنيفة مثله. قال أبو الحسن: وهو الصحيح؛ لأن هشامًا روى عن محمد أنّه قال: لا أحفظ في ذلك مذهب أبي حنيفة. أمّا وجه قوله على ما قاله في الجامع الكبير؛ فلأنّ النصاب الثاني يترتّب على الأول، كترتّب العفو على النصاب، فالهالك منه، وصار (٢) كأن لم يكن إلا الباقي. وجه قولهما: أنّ الوجوب متعلّقٌ بالجميع؛ لأنّه لا عفو فيه، فالهالك يهلك من النصابين، والباقي يبقى منهما.

стр. 848

٧٠٢ - [فَصْل: الهلاك من المالين المختلطين] وإذا كانت الإبل خمسًا وعشرين فهلك منها عشرةٌ، فقياسه ما روى محمد عن أبي حنيفة: أنّ في الباقي ثلاث شياه؛ لأنّه يجعل الهالك كأن لم يكن. وفي قول (١) أبي يوسف ومحمد وزفر: فيه ثلاثة أخماس بنت مخاض. وأما إذا انضم إلى مال الزكاة الذي يجب فيه ربع العشر مالٌ آخر بعد الحول واختلط به، ثم هلك بعضه، فالهالك من الجملة، وقد سقط من الزكاة بحسابه، مثاله: إذا كان له مائتا درهم، فحال عليها الحول، ثم ورث مائتين، فخلطها بها، ثم هلك نصفها، كان الهالك من المالين، وسقط نصف الزكاة؛ لأن أحد المالين ليس بتابعٍ للآخر، ولا مترتبٍ (٢) عليه، فهو كالمال المشترك. ولو ربح في المائتين بعد الحول مائتين، ثم هلك من الجملة، لم يسقط شيءٌ من الزكاة؛ لأنّ الربح تبعٌ للمال، فالهالك منه كالعفو. ٧٠٣ - [فَصْلٌ]: قال أبو الحسن: والعفو عند أبي حنيفة في سائر الأموال، فأما على قولهما: فلا يتصوّر العفو إلا في السوائم؛ لأن عندهما ما زاد على المائتين لا عفو فيه.

стр. 849

بَابْ: المال يكون للصبي والمجنون (قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى) (١): قال أصحابنا: لا زكاة في مال الصبيّ والمجنون، وقال الشافعي: فيه الزكاة (٢). لنا: أنّها أحد الأركان الشرعية، فلا يثبت وجوبها في حقّ [الصبيّ و] المجنون، كالصوم والصلاة؛ ولأنّه مالٌ (٣) لغير مكلّفٍ، [فلا تجب فيه الزكاة]، كالحُلِيّ، والخَيْل [المتوالد من] (٤) الظباء والغنم. و [أما] إذا أفاق المجنون في بعض الحول، فقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنّه إذا أفاق من جنونه استأنف حولًا من حين أفاق، ولا يجب يجب لما مضى من الأحوال شيء. وهذا قد حكاه أبو الحسن، وإنّما رواه الحسن في المجنون الأصلي إذا بلغ مجنونًا؛ لأنّه قال في روايته: إذا دخل الحول وهو صحيحٌ ثم جُنَّ بعد ذلك، فمكث حولًا، إنه يبطل حكم ما صحّ في الأول، وإن لم يتمّ به الجنون حولًا

стр. 850

أوجبت عليه الزكاة من الوقت الأول. وقال في نوادر الزكاة: إنّه متى أفاق [المجنون] في شيء من السنة، قلَّ أو كثر، فعليه الزكاة لتلك السنة. وقال هشام عن أبي يوسف: إنّه اعتبر الإفاقة أكثر السنة، خلاف رواية ابن سماعه عنه؛ لأنّه روي عنه؛: أنّه إذا أفاق ساعةً من الحول في أوله أو أوسطه أو آخره، وجبت [عليه] الزكاة، وهو قول محمد. أمّا الجنون الأصلي، فإنّما اعتبر أبو حنيفة ابتداء الحول من حين الإفاقة؛ لأن التكليف لم يسبق هذه الحالة، فصارت الإفاقة كبلوغ الصبي. وأمَّا إذا طرأ، الجنون، فإن استمرّ [به] سنةً، [فقد] أسقط التكليف، ألا ترى أنّه يسقط الصلاة والصوم والحج، فصار في حكم الجنون (١) الأصلي. وأما إذا جُنّ أقلّ من سنةٍ، فلم يسقط عنه جميع العبادات (من حجٍ وغيره) (٢)، فصار كجنونه ساعةً؛ ولأن المعتبر بابتداء الحول؛ لأنه وقت الانعقاد، وبآخره؛ لأنّه وقت الوجوب، وقد حصل التكليف فيهما، وزوال التكليف ما بين ذلك لا يؤثر في الوجوب. وجه قولهما: أن الحول مدّةٌ للعبادة، فالإفاقة في جزءٍ منها (٣) يتعلّق به الوجوب، كإفاقته في رمضان.

стр. 851

وجه رواية هشام عن أبي يوسف: أن الأكثر يقوم مقام الجميع، فإذا جُنّ أكثر الحول، صار كأنّه جُنّ في جميعه، وإذا جُنّ في أقلّه، فقد غلبت الصحّة، فصار كجنون ساعة. ٧٠٤ - [فَصْل: الجنون والإغماء المؤثر في العبادات] والذي يجنّ ويفيق بمنزلة الصحيح؛ لأن هذا الجنون لا يستحقّ به الحجر، فهو كالنوم. وأمّا المغمى عليه، فهو كالصحيح؛ لأن الإغماء لا يؤثر في العبادات التي ليس من شرطها الطهارة؛ بدلالة الصوم والحج (١). ٧٠٥ - [فَصْل: زكاة المرتد] وإذا ارتدّ الرجل عن الإسلام -وقد وجبت عليه الزكاة- بطلت عنه الزكاة، وكذلك ما مرّ عليه من الأحوال، وهو فيها مرتدٌّ، فلا زكاة [فيه] عليه، وقال الشافعي: الردّة لا تسقط الزكاة (٢). لنا قوله ﷺ : "الإسلام يجبُّ ما قبله" (٣)، ولأنّ من يخاطب بالإيمان لا يلزمه الزكاة كالحربيّ (٤).

стр. 852

٧٠٦ - [فَصْل: سقوط الزكاة بالموت] وقد قال أصحابنا: إنّ الزكاة تسقط بالموت، وقال الشافعي: لا تسقط (١). لنا: أنّ كلّ عبادةٍ وجبت عليه في حياته، [لا يجب] (٢) أداؤها بعد موته، أصله: الصلاة (٣)، ولأنّه أدّى الزكاة عنه بغير نيّته، فصار كحال حياته. وقالوا من مات في خلال الحول: انقطع، حوله، وقال الشافعي: يبني الوارث عليه. لنا: أنّ ملكه زال عن النصاب، [فانقطع حوله]، فصار (٤) كما لو باع ذلك.

стр. 853

بَابْ: تعجيل الزكاة قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: تعجيل الزكاة في جميع الأموال إذا ملك نصابًا يجوز، وقال مالكٌ: لا يجوز (١). لنا: ما وري أنّ النبي ﷺ استسلف من العباس زكاة عامين (٢)؛ ولأنّه حقٌّ مؤجلٌ، فإذا عجّله فقد أحسن، كالدين المؤجل. وأمّا إذا لم يكن عنده (٣) نصابٌ، فلا يجوز التعجيل؛ لأنّه لم يجب الحقّ، ولا وجد سببُ الوجوب، وأداء العبادات قبل وجوبها وقبل وجود (٤) سبب وجوبها لا يجوز. ٧٠٧ - [فَصْل: تعجيل زكاة سنتين أو أكثر] قال أصحابنا: إذا ملك نصابًا، فعجل لنصابين أو أكثر، جاز، وقال زفر:

стр. 854

لا يجوز أن يعجل زكاة ما ليس في ملكه. لنا: أنّ وجود النصاب في ملكه (١) سببٌ لوجوب الزكاة فيما [يستقبل] (٢)، بدلالة أنّه يضمّه إلى المال ويزكيه بحوله، فقد عجل عند وجود سبب الوجوب (٣)، فجاز التعجيل. وجه قول زفر: أنّه عجّل زكاة ما ليس في ملكه، فلا يجوز، كالنصاب الأول. ٧٠٨ - [فَصْل: شرط إجزاء تعجيل الزكاة] قال أبو الحسن: إنّما يجزئ التعجيل إذا كان مالكًا للنصاب في أوّل الحول وآخره، ومعه في وسط الحول نصابٌ أو بعضه؛ وذلك لأنّ المُعجَّل إنّما يقع عمَّا يجبُ عليه بحول الحول، ولا يجب عليه إلا أن يكون النصاب كاملًا في طرفي الحول، وقد وُجد في أثنائه جزءٌ منه. فأمَّا إذا عجّل زكاة المائتين، ثم هلكت كلها (٤) واستفاد مائتين، لم يجز ما عجّل عنها؛ لأنّه عجّل [عن مال] (٥) تبيّنا أنّه لا زكاة فيه، (وما استفاد لا زكاة عليه) (٦)، فلم يجز المعجَّل.

стр. 855

٧٠٩ - [فَصْل: اعتبار المعجل في تمام النصاب] قال أبو الحسن: وإن حال الحول وليس عنده نصابٌ، وهو إذا ضمَّ إليه ما عجل تمَّ النصابُ، فلا زكاة عليه ولا يعتبر المعجل في تمام النصاب، مثاله: مَن عجّل شاةً عن أربعين [من الغنم]، فحال الحول وعنده تسعة وثلاثون، فإن الزكاة لا تجبُ عليه. قال في الزيادات: إن كان دفع الواحدة إلى الفقراء وقعت نفلًا، وإن كانت قائمةً بعينها في يد الإمام أو الساعي أخذها، فإن باعها الإمام لنفسه ضمنها، والثمن له، وإن باعها فلم يتصدَّق بثمنها ردّ عليه الثمن، وقال الشافعي: يُكمل النصاب بما عجل (١)، فيقع عن الوجوب (٢). لنا: أنّه مالٌ أخرجه بنية الزكاة، فلا يكمل به نصابه، أصله: إذا تلف في يد الإمام. ٧١٠ - [فَصْل: الضمان فيما إذا استسلف الإمام وهلكت] قال أصحابنا: إذا استسلف الإمام الزكاة، فتلفت (٣) في يده، لم يضمن، وقال الشافعي: إذا استسلف بغير مسألة ربّ المال، ولا أهل السهمان (٤)، ضمن (٥).

стр. 856

لنا: أنّه مأذونٌ [له] في الأخذ، فإذا لم يضمّن به، لم يضمن بالهلاك، كالأب يستقرض للصغير؛ ولأنّ له ولايةً في استيفاء هذا الحقّ للفقراء، فإذا استوفاه وتلف في يده لم يضمنه من غير تفريطٍ، أصله: إذا أخذها بعد الحول. ٧١١ - [فَصْل: تأثير إيسار الفقير قبل تمام الحول] قال أصحابنا: إذا دفعها الإمام إلى فقير، فأيسر الفقير (١) قبل تمام الحول، أو مات، أو ارتدّ، جاز عن الزكاة. وقال الشافعي: يستردّ الإمام إلا أن يكون اليسار من المال. لنا: أنّ الدفع صادف فقرًا، فما يحدث بعده من الغنى لا يؤثر فيه، أصله: إذا أخرجها بعد الحول. ٧١٢ - [فَصْل: الرجوع إلى الزكاة المعجلة إذا هلك المال] قال أصحابنا: إذا عجّل زكاة ماله، فهلك المال، لم يرجع على الفقير. وقال الشافعي: إذا قال له: إنّها معجّلةٌ، رجع عليه (٢). لنا: أنّه مالٌ وصل إلى المسكين بنيّة الزكاة، فلم يجز الرجوع فيه، كما لو أطلق الدفع (٣). وقالوا (٤): إذا كان دراهم ودنانير وعروضٌ، فعجّل زكاة جنسٍ منها فهلك

стр. 857

جَاز المعجّل عن الباقي؛ لأنّ الجميع في حكم المال الواحد، ألا ترى أنّ نصاب بعضه يبنى على نصاب (١) البعض، فصار كمن له ألف درهمٍ فعجل زكاة المائتين، ثم هلك بعض المال. وقالوا في السوائم المختلفة: إذا عجّل شاةً عن خمس من الإبل، فهلكت، وعنده أربعون من الغنم، لم يجز عن زكاتها؛ لأنهما نصابان مختلفان، فالتعجيل من أحدهما لا يقع عن الآخر. ٧١٣ - [فَصْل: تعجيل العشر في الأراضي الزراعية] قال أبو يوسف: إذا زرع أرضه جاز تعجيل العشر، وإن لم ينبت البذر، وقال محمد: لا يجوز حتى ينبت، ولا يختلفون أنّه إذا عجل قبل البذر، لم يجز (٢). لأبي يوسف: أنّه إذا طرح البذر، فلم يبق إلى وقت الوجوب إلا مضيٌّ الزمان، فصار ذلك كوجود النصاب، وليس كذلك قبل البذر؛ لأنّ الوجوب موقوفٌ على فعلٍ حادثٍ. وجه قول محمد: أنّ البذر يتلف، وإنما يتولد (٣) الحبُّ من النبات، فما لم يوجد، فقد عجل الزكاة قبل وجود سبب الوجوب، فلم يجز (٤). ٧١٤ - [فَصْل: تعجيل عشر ثمر النخل قبل أن يطلع] قال أبو يوسف: إذا عجّل عشر ثمرة النخل قبل أن يَطلعَ، جَاز، وقال

стр. 858

محمد: لا يجوز حتى يَطلع وجه قول أبي يوسف: أنّه لم يبق إلى وقت الوجوب إلا مضيّ الزمان، فصار كوجود النصاب. وجه قول محمد: أنّ النخل يبقى في ملكه، ويتوالى الخارج منه، فلم يكن سببًا للوجوب (١) كالأرض. [والله أعلم] (٢).

стр. 859

بَابْ: ما يُمرّ به على العاشِرِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ما مرّ به المُسلم على العاشر مما تجب فيه الزكاة، وقد حال عليه الحول، أخذ منه ربع العشر، وهذا هو الزكاة الواجبة عليه بعينها، تجب على شروط الزكاة، وتسقط بما تسقط به الزكاة. والأصل في ذلك: ما روي أنّ عمر الله ﵁ نصَّبَ العُشَّار، وقال لهم: (خذوا من المسلم رُبُعَ العُشر، ومن الذمي نِصْفَ العُشْر، ومن الحربي العشرَ) (١)، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكيرٍ (٢). [وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله بذلك، وقال: "أخبرني من سمعه من رسول الله ﷺ " (٣)]. ولأنّ الزكاة في المال النّاض (٤) يتعلّق بها حقّ الإمام، كالمال الظاهر، وإنما رأى عثمان أنّ الأموال كثرت، وأنّ تتبعهم بها يشقّ عليهم (٥)، ففوّض ذلك إلى

стр. 860

أربابها، فإذا اجتازوا بها على المُصدق، فقد ظهرت، فصارت كالسائمة. وإذا ثبت أنّ المأخوذ زكاةٌ، اعتبر فيها شرائط الزكاة، وقد قالوا: إنّ من شرط الأخذ اجتماع الملك والمالك؛ لأنّ المالك إذا حضر وماله لم يظهر، فلا يطالب بزكاته، وإذا حضر ماله والمالك لم يحضر، لا تؤخذ الزكاة. وقال محمد في الجامع الصغير: إذا مرّ المضارب والعبدُ المأذون [له بالتجارة] بمالٍ أخذ منه العاشر الزكاة في قول أبي حنيفة الأول. قال أبو يوسف: ثم رجع في المضارب وقال: لا يؤخذ منه (١)، و [قال]: لا أعلمه في العبد رجع. وجه قوله الأول: أنّ المضارب مالك التصرفِ في المال على العموم، فهو كربّ المال. والصحيح: أنّ رجوعه في أحدهما، رجوعٌ في الآخر؛ لأنّ الملك حضر دون المالك، ومن شرط الأخذ اجتماع الأمرين. ومن أصحابنا من تكلف الفرق فقال: يد المأذون [له يدٌ] لنفسه؛ بدلالة أنّه لا يرجع بالديون على مولاه، فصار كالمالك، فيؤخذ منه (٢). وأمّا المضاربُ، فيده كربّ (٣) المال؛ بدليل أنّه يرجعُ بالديون عليه، (ولم

стр. 861

يحضر ربّ المال ولا رضي به، فلا يؤخذ منه الزكاة) (١). وعلى هذا قالوا: إذا مرّ على العاشر بشقص (٢) نصابٍ، وأخبره أنّه مالكٌ لتمام النصاب، لم يأخذ منه شيئًا؛ لأنّ ما لم يحضره ليس بظاهرٍ، والأخذ يتعلق بالمال الظاهر. ٧١٥ - [فَصْل: أخذ العشر من المسلم والذمي والحربي] قال: ولا يأخذ من المسلم إذا مرّ عليه في الحول أكثر من مرّةٍ واحدةٍ؛ لأنّ المأخوذ زكاةٌ، [والزكاة] لا يتكرر وجوبها في الحول، وكذلك الذميّ لأنه من أهل دار الإسلام كالمسلم، فأما الحربي فكلّما عاد إلى دار الحرب ثم خرج منه، [أُخذ منه] (٣) العشر؛ [لأنّ الحق يجب عليه]، لأنّ ماله صار محظورًا في دار الإسلام، (وهو يحتاج كل مرة إلى تجديد الأمان، فإذا) (٤) عاد تجدد الحظر، فوجب عليه العشر (٥). قال: وإذا مرّ الذميّ بخمر للتجارة، أُخذ عشر ثمنها، ولا تُعْشَر الخنازير؛ لما روي عن عمر أنّه قال: (وَلّوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها) (٦)، وروي عن مَسروق: (أنّ الخمر تُعْشَر)؛ ولأنها كانت مالًا للمسلمين، وتعود (٧) مالًا إذا

стр. 862

تخللت، وهي فيما بين ذلك مال أهل الذمّة، فغلّب معنى المال فيها، فوجب العشر. وأما الخنازير، فلم تكن مالًا للمسلمين، ولا تعود مالًا لهم، فلم يغلّب معني المالية فيها، فلا تعشّر. ٧١٦ - [فَصْل: ادعاء المسلم أو الذمي دفع العشر] [قال]: وإذا قال المسلم أو الذميّ للعاشر: أدّيتها إلى عاشرٍ غيرك، أو دفعتها إلى المساكين، فإن القول قوله مع يمينه، فإن جاء ببراءةٍ فاتّهمَه فيها، استحلفهُ. أمّا إذا ادّعى دفعها إلى عاشرٍ آخر، وقد كان في تلك السنة (١) عاشرٌ [آخر]، فالقول قوله؛ لأنّ الأمر يجوز أن يكون كما قال، (وهو أمينٌ فيُصدّق) (٢). وقد قالوا في إحدى الروايتين: إنّ قوله لا يُقبل إلا أن يحضر ببراءة عاشرٍ؛ لأنّ العاشر إذا أخذ يكتب البراءة، فإذا لم يحضر البراءة، فقد أكذبه الظاهر. وقالوا في الرواية الأخرى: يُصدّق (٣) من غير براءةٍ؛ لأنّه أمينٌ، فيقبل قوله من غير حجةٍ، كالمودَع. وأما إذا قال: أدّيت زكاتها إلى المساكين، فالقول قوله؛ لأنّه يملك الأداء إليهم، ويُستحلف على ذلك عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن من جعل القول قوله

стр. 863

فيما يلزمه فيه الخصومة، والشيء مما يصح بذله، فالقول قوله فيه مع يمينه، كالمدّعى عليه الدَّينُ. وروى ابن سماعة (عن أبي يوسف) (١): أنّه لا يستحلف؛ لأنها عبادةٌ، فالقول فيها قوله أنّه أدّاها بغير يمينٍ، كالصلاة والصيام (٢). وعلى هذا، إذا قال للعاشر: عليّ دينٌ، أو لم يحل عليّ الحول؛ لأن الزكاة تتعلق بشرائط لا تُعلم إلا من جهته، فالقول قوله فيها، وكذلك الذمِّي؛ لأنّه من أهل دار الإسلام كالمسلم. (فأمّا المسلم، فقد بيّناه) (٣)، وأما الحربي، إذا قال عليّ دينٌ، أو لم يحل علي الحول، أخذ منه؛ لأنّ [في الأصل] الدين يؤثّر في نقصان الملك، والحربيّ ناقص الملك في الأصل، والعشر واجب عليه، وكذلك الحول لا يعتبر في حقه. فإن كان معه مماليكٌ، فقال: هم أولادي، أو أمهات أولادي، فالقول قوله؛ [لأن النسب يثبت في دار الحرب كما يثبت في دار الإسلام] (٤)، فيرجع إلى قوله فيه. فإن قال: هم مُدبَّرون، لم يُلتفت إلى قوله؛ لأنّ التدبير لا يصحُّ في دار الحرب (٥).

стр. 864

٧١٧ - [فَصْل: معاملة أهل الحرب بالمثل في التعشير] قال: ويأخذ من أهل الحرب مثل ما يأخذون من المسلمين، فإن كانوا لا يَعشِرون المسلمين لم يُعشَروا. فإن لم يعلم هل يَعْشِرون المسلمين أم لا يَعْشِرون، أو لم يعلم قدر ما يأخذون، أُخذ منهم العشر؛ لما روي أنّ عمر قال: خذوا منهم ما يأخذون من تجارنا، فقيل له: فإن [لم] نعلم ما يأخذون؟ فقال: خذوا العشر (١)، وهذا ليس على طريق المقابلة لفعلهم؛ لأن ما يأخذونه من المسلمين ظلمٌ، وما نأخذه منهم حقٌّ، وإنما يفعل ذلك؛ لأنّه أدعى إلى تثبيت الأمان، وأقرب إلى اتصال التجارات. ويؤخذ من بني تغلب نصف العُشر؛ وذلك لأنّ عمر ﵁ صَالَحَهم على ضعف ما يؤخذ من المسلمين (٢). ٧١٨ - [فَصْل: العشر في الفواكه والخضراوات] قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا مرّ على العاشر بما لا يبقى حولًا، مثل الفاكهة ونحوها، فلا شيء فيه. وقال أبو يوسف ومحمد: فيه العُشر (٣). وجه قول [أبي حنيفة]: قول النبي ﷺ : "ليس في الخضروات صدقة" (٤)؛

стр. 865

ولأنها لا تبقى حولًا، فإذا مرّ بها [في الحول]، فمعنى الحول فيها ناقصٌ، فكأنّه لم يحل عليها الحول. وجه قولهما: أنّ المعتبر في أموال التجارة معانيها دون أعيانها، وقيمة الفواكه كاملةٌ، فيجبُ فيها الزكاة. وإذا مرّ الحربيّ على العاشر، فلم يعلم به حتى عاد إلى دار الحرب، ثم خرج ثانيًا فعلم به، لم يأخذه بما مضى؛ لأنّ عوده إلى دار الحرب يسقط الحقوق عنه؛ لامتناع بقاء الحقوق عليه وهو حربيٌّ، ولأنا كنا نأخذ العشر منه لحظر ماله، فلما عاد زال الحظر، فسقط ما وجب لأجله. ولو اجتاز المسلم والذميّ، ولم يعلم بهما العَاشِرُ، ثم علم بهما في الحول الثاني، أخذ الحقّ (١) منهما؛ لأنّ الوجوب قد حصل، ولم يوجد معنى يسقطه، فصحّت به المطالبة.

стр. 866

بَابْ: العشر قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب العشر في الزروع والثمار قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقول النبي ﷺ : "فيما سقت السماء العُشْر" (١)، ولا خلاف في ذلك. قال أبو الحسن: قال أبو حنيفة: في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره العشر. وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء (٢) في أقلّ من خمسة أوسقٍ، والوَسْق: ستون صاعًا بصاع رسول الله ﷺ (٣). وجه قول [أبي حنيفة]: قوله ﷺ : "فيما سَقتِ السماءُ العُشْر"؛ ولأنّه حبٌّ أخرجته الأرض العشرية، [فوجب فيه العشر] كخمسة أوسق؛ ولأنّه حقٌّ [في] مالٍ ليس له عفوٌ بعد النصاب، فلا يكون له نصابٌ ابتداءً، كخمس الغنيمة. وجه قولهما: قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٤).

стр. 867

٧١٩ - [فَصْل: العشر فيما يُبتغى بزراعته النماء] قال أبو حنيفة: فيما أخرجت الأرض العُشْر إذا كان مما يُبتغى بزراعته النماء. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر إلا في الحبوب والثمار الباقية. وجه قوله: ما روي عن النبي ﷺ أنّه قال (١): "فيما سقت السماء العشر"؛ ولأنّه زرعٌ يدخل في البيع بالشرط، فوجب فيه العُشر كالحنطة والشعير (٢)، وعكسه الحشيشُ؛ ولأنّه نوع نبتٍ لا يوجد مباحًا تافهًا كالحنطة، وهذه العلة هي التي تعلق الزكاة بها، ألا ترى أن الله تعالى أوجبها في الأموال التي لا توجد مباحةً ليشارك الفقراء الأغنياء في الانتفاع بها؛ ولهذا [المعنى] لم تجب الزكاة في الصيود، ولا في الحشيش والحطب؛ لأن الفقير يتوصل إليه، فيشارك الغني في الانتفاع به. وجه قولهما: قوله ﷺ : "ليس في الخضروات صدقةٌ"؛ ولأنّه لا يبقى في أيدي الناس غالبًا، كالحشيش. ٧٢٠ - [فَصْل: العشر فيما لا يقصد بالزراعة] وليس في الحطب، ولا في القصب، ولا في الحشيش عشرٌ؛ لأن ذلك لا يقصد بالزراعة، ولا يطلب به نماء الأرض، وإنما يغلب على الأرض فيفسدها؛ ولأنّه يوجد مباحًا تافهًا، فلم تتعلق به الزكاة، كالوحش. قال: وليس في التبن، ولا في السَّعفِ عشرٌ؛ لأنّ السَّعف جزءٌ من النخلة،

стр. 868

والعشر إنما يجب في الثمرة، وأمّا التبن: فهو الساق الذي يتولد منه الحب (١)، فوزانه وزان أصل الشجرة. ٧٢١ - [فَصْل: زكاة الخُضَر] قال محمد: ليس في الخُضَرِ شيءٌ، والخُضَرُ: ما ليس له ثمرةٌ باقيةٌ، كالبقول، والرطابِ، والخيار، والقثاء، والبصل، والثوم، وأشباهه، وقد روي عنه أن في البصل العشر؛ لأنّه يبقى في أيدي الناس، ويدخل تحت الكيل (٢). قال: والرياحينِ كلِّها: الآسِ (٣)، [والوردِ]، والحناءِ، والوَسِمةِ (٤)، روى (٥) ذلك داود بن رشيد عنه. وقال أبو يوسف: في الحناء والزعفران العشر، ولا أرى في الوسِمة والأشنان والخِطمي عشرًا. أمّا الآس، فلا عشر فيه في قولهما، وقد روي [عنهم]: أنّه لا عشر في حبّه؛ لأنّه لا يعلم الانتفاع به، وأمّا الوسِمة، فلا ينتفع بها انتفاعًا عامًا. وأمّا الحِنّاء، فقال أبو يوسف: فيه العشر؛ لأنّه يدخل تحت الكيل، وينتفع به منفعةً عامةً. وقال محمد: لا عشر فيه؛ لأنّه من نوع الريحان كالآس.

стр. 869

وقالا جميعًا: ليس في بذر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة، وكلّ بذرٍ لا يصلح إلا للزراعة عشر؛ لأنّ ذلك لا يقصد بالحرث، وإنما المقصود ما هو فيه، وذلك مما لا عشر فيه. وروي داود بن رشيد عن محمد: أنّه لا عشر في التين، والنبق (١)، والإجاص، والكمثرى، والتفاح، والمشمش، والتوت، والخوخ، والخرنوب، والموز. وروي عنه: أنّ في التين والفستق العشر. قال أبو الحسن: وهذا هو الصحيح عنه؛ لأنّ التين والفستق تبقى ثمرتهما في أيدي الناس، ينتفع بها منفعةً عامةً. وقال أبو يوسف: يجب العشر في اللوز، والجوز، والفستق، والإجاص، والتين؛ لأنّ هذا مما يجفف وينتفع به كالزبيب. قال محمد: الخوخ والكُمّثرْى، إن شُفِّق وجُفِّف، فلا شيء عليه (٢)؛ لأنّ ذلك لا يعمّ (٣) الانتفاع به، ولا يقصد. وذكر في الأصل: أنّ في قصب الذريرة (٤) العشر بغير خلافٍ، وروى ابن

стр. 870

سماعة، عن محمد، عن أبي حنيفة: أنّه لا عشر فيه. وجه رواية الأصل: أنّه يزرع للنماء كقصب السكر، وجه رواية ابن سماعة: أنّه نوع من أنواع القصب، كسائر أنواعه. وأما العصفر، والكتان، فإذا بلغ القرطم والحبّ خمسة أوسق، وجب فيه، وفي الكتان والعصفر العشر عندهما؛ لأن المقصود بزراعتها الحبّ، وهو مما يوسق، فاعتبر فيه الأوسق، فإذا بلغ النصاب وجب العشر في العصفر والكتان على طريق التبع. وقالوا في القِنَّب إذا بلغ حبّه الأوسق، ففيه العشر، ولا شيء في القِنِّب؛ لأنّه لحاء الخشب، و [ذلك] لا شيء فيه (١). وقالا: في حبّ الصنوبر إذا بلغ الأوسق، ففيه العشر؛ لأنّه ينتفع به، ويُدّخر، ولا شيء في خشبهِ كخشبِ الأشجارِ. وأما قصب السكر، إن كان مما يتخذ منه السُّكر، فإذا بلغ ما يخرج منه خمسة أفراق (٢)، وجب فيه العشرُ عند محمد؛ لأن ذلك مما يبقى وينتفع به منفعةً عامةً. وقال: لا شيء في البلوط؛ لأنّه لا يعلم المنفعة به. وفي الكراويا (٣)، والكمون، والكزبرة، والخردل العشر؛ لأنّه مما يدخل

стр. 871

تحت الكيل، ويعم به الانتفاع. قالوا: ولا شيء في السَّعتر، والنانخاه (١)، والشونيز، والحِلبة؛ لأنها من جملة الأدوية (٢). ٧٢٢ - [فَصْل: العُشر فيما سقت السماء] قال أصحابنا: يؤخذ العشر من كلّ أرض عشر، ولا ينظر إلى مالكها [إن] (٣) كان مسلمًا، الصغير والكبير والعاقل والمجنون في ذلك سواءٌ. والأصل في وجوب العشر في أرض الصبيّ والمجنون: قوله ﵊ "فيما سقت السماء العشر"؛ ولأنّه من حقوق الأرض، كالخراج. وفي أرض المكاتَب العشر. وقال الشافعي: لا عشر في أرضه. لنا: أنّه حقٌّ يجوز أن يجب لأجل أرض الصبيّ، فجاز أن يجب لأجل (٤) أرض المكاتَب، كالخراج. فأمَّا الذميّ إذا اشترى أرض عشرٍ، جاز الشراء، وعليه الخراج عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه عُشْران، وقال محمد: عليه عشرٌ واحدٌ، وقال مالك: لا يجوز البيع، وهو اختيار أبي حازم.

стр. 872

أما جواز الشراء؛ فلأنّ كلّ ما جاز للمسلم شراؤه، جاز للذميّ شراؤه، كأرض الخراج؛ ولأنّ العُشر حقٌّ الله تعالى يتعلق بالمال، فلا يمنع ذلك من تملّك الكفار كزكاة السَّوْمِ. وأما سقوط العشر؛ فوجه قول أبي حنيفة: أنّ العشر طريقه طريق الطُهرةِ، فلا تثبت في حقّ الذميّ كالزكاة؛ ولأنّه حقٌّ [الله]، فلا يبتدئ به إلا المسلم كالزكاة، وإذا سقط العشر بقيت أرض الذميّ ينتفع بها في دار الإسلام، (فلا يجوز إخلاؤها من حقٍّ يجب فيها، فيوضع عليه الخراج) (١)، كما لو جعل داره بستانًا. وجه قول أبي يوسف: أنّ هذا الحقّ [يختلف] (٢) باختلاف المالك، فوجب على الذميّ ضعف ما يجب على المسلم، كالمال الذي يُمرّ به على العاشر. وجه قول محمد: أنّ العشر (٣) حقٌّ ابتدأت به للأرض، فلا يتغير بعد (٤) وجوبه كالخراج. واختلفت الرواية عنه (٥) في موضع هذا العشر: فقال في السِّيَر الصغير: إنّه يوضع موضع الصدقة، ورواه قريش (٦) بن إسماعيل عنه؛ وذلك لأنّ [هذا] قدر الواجب لمّا لم يتغير لم يتغير صفته، ألا ترى أنّ المُسلم إذا اشترى أرض خراجٍ،

стр. 873

وضع خراجها موضع الفيء؛ لأنّ القدر لمّا لم يتغير، لم تتغير الصفة. وروى ابن سماعة عنه: أنّه يوضع موضع الخراج؛ لأن الصدقة طريقها طريق الطهرة، فلا تثبت في مال الكافر. ٧٢٣ - [فَصْل: ما يؤخذ من التغلبي في أرض العشر] وإذا اشترى التغلبيّ أرض عشر، فعليه عُشران عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: عليه (١) عشرٌ واحدٌ، وذكر الحاكم في رواية أبي سليمان قال: عليه عشرٌ واحدٌ في قول أبي يوسف ومحمد أما أبو حنيفة فقال: إنّ عُمَرَ صَالَح بني تغلب على أن يأخذ منهم ضعف ما يأخذ من المسلمين. وأبو يوسف يقول: إن الحق يختلف باختلاف المأخوذ منه، فيجب على الذميّ ضعف ما يجب على المسلم. وأمَّا محمد فقال: إن العشر حقٌّ ابتدأت به الأرض فلا يتغير. وما ذكره الحاكم عن أبي يوسف خلاف أصله. ٧٢٤ - [فَصْل: تعلق الخراج بالأرض] فإن أسلم التغلبي، أو باعها من مسلمٍ، لم يتغير [العشران] (٢) [عند] أبي حنيفة؛ لأنها صارت خراجيةً، والخراج إذا تعلَّق بالأرض، لم يتغيَّر.

стр. 874

وقال أبو يوسف: عشرٌ واحدٌ؛ لأن من أصله: أن هذا الحق يختلف باختلاف المالك، فصار كالسائمة إذا ملكها مسلم. وحكى أبو الحسن عن محمد: أنّه يجب عشرٌ واحدٌ، وذكر الطحاوي: في التغلبيّ يشتري أرض عُشرٍ ثم يُسلم، أنّه يؤخذ منه عشران في قولهم، والصحيح: ما قدمناه من أصل محمد. ٧٢٥ - [فَصْل: العشر في أرض التغلبي] فإن اشترى التغلبي أرض عشر فباعها من ذمّي، فعليه عشران؛ لأنهما وجبا [عليه] على طريق الخراج، فلا يتغيران. وروى ابن زياد عن أبي حنيفة: أنّ عليه الخراج؛ لأنّ العشرين وجبا بالصلح، وذلك لا يوجد في حقّ غير التغالبة. ٧٢٦ - [فَصْل: بيع المسلم من ذمي أرضًا عشرية] وإذا باع المسلم من ذميٍّ أرضًا عشرية، فأخذها مسلم بالشفعة ففيها العشر؛ لأن الشفعة تجب عندنا بخروج الشيء عن ملك البائع قبل دخوله في ملك المشتري، فكأنها انتقلت من مسلمٍ إلى مسلمٍ. ٧٢٧ - [فَصْل: اعتبار القيمة فيما لا يدخل في الكيل] وما لا يدخل في الكيل، قال أبو يوسف: يعتبر أن يخرج منه ما يكون قيمته خمسة أوسق في أدنى ما يدخل تحت الوسق. وقال محمد: يعتبر خمسة أمثال على ما يُقدّر ذلك الشيء به.

стр. 875

[فيعتبر] (١): في القطن خمسة أحمال (٢)، وفي العسل خمسة أفراق، والفرق: ستة وثلاثون رطلًا، وفي الزعفران خمسة أَمناء (٣). وجه قول أبي يوسف: أنّ النصاب لما كان من الأوسق، [وأجمعنا] (٤) على وُجوبِ العشر فيما لا يوسق، وجب أن يرد إلى الموسق بالقيمة، كعروض التجارة التي تردّ إلى نصاب الدراهم بالقيمة. وجه قول محمد: أنّ المقصود من هذه الأموال أعيانها، فنصابها منها كالسوائم؛ ولأن النبي ﵊ اعتبر خمسة أوسق، والوسق في زمانه على ما يقدّر به المكيلات، فوجب أن يعتبر على ما يُقدَّر به كل نوع في خمسة أمثاله. ٧٢٨ - [فَصْل: اختلاف القدر باختلاف السقي] قال: وما سُقي من ذلك سيحًا، أو سقته السماء، ففيه العشر، وما سُقي بغَرْبِ (٥) أو داليةٍ، أو سانيةٍ، ففيه نصف العشر؛ وذلك لما روى قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء [أو العين] أو كان بعلًا العشر، وما سُقي بالرشاء ففيه نصف العشر" (٦).

стр. 876

وروى أبو الزبير عن جابر، وسالمٌ عن أبيه، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي حديث عمرو بن حزم نحو ذلك. و [قد] قال بعض الناس: إنّ الحقّ إنّما اختلف بقلّة المؤنة وكثرتها. ومنع أصحابنا من ذلك، وقالوا: إنّما اختلف بحسب ما علم الله سبحانه من المصلحة؛ بدلالة أنّ الغنيمة يلحق في تحصيلها المشقّة أعظم من مشقّة الزرع، والواجب فيها أكثر من الواجب في الزرع. ٧٢٩ - [فَصْل: المعتبر الأغلب في الاشتراك للسقي] وإذا سقي الزرع في بعض السنة سَيْحًا، وفي بعضها بالدلاء (١)، فالمعتبر الأغلب من ذلك، كما قالوا في السَّوْمِ. ٧٣٠ - [فَصْل: العشر في أرض الخراج] وقد قال أصحابنا: إنّ أرض الخراج لا عشر فيها (٢) وفيما يخرج منها، وقال الشافعي: في الخارج من السواد: العشر (٣). لنا: ما روي ابن مسعود: أنّ النبي ﷺ قال: "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم" (٤)، ولأنّ أئمة العدل ووُلاة الجور لم يأخذوا من أرض السواد

стр. 877

عشرًا، فصار سقوط العشر فيها إجماعًا؛ ولأنّ كلّ أرضٍ لا يجب العشر في الخضروات الخارجة منها، لا يجب في الحبّ الخارج منها، كأرض المكاتب. ٧٣١ - [فَصْل: اجتماع حقين في مال واحد] و [قد] قال أصحابنا: فيمن اشترى أرض عشر أو خراجٍ للتجارة، ففيها العشر أو الخراج، ولا تجب فيها (١) زكاة التجارة مع أحدهما. وروي عن محمد: أنّه [قال]: يجبُ العشر والزكاة. وجه قولهم (٢) المشهور: أنّ العشر حقٌّ لله تعالى، يجب لأجل الأرض، ألا ترى أنها توصف به، فيقال: [له] أرضٌ عُشريَّة، كما يقال: خراجيَّة، والحقوق التي لله تعالى تتعلق بالأموال الثابتة لا يجب فيها حقَّان لأجل مالٍ (٣) واحدٍ، كزكاة السوم والتجارة؛ وكذلك الخراج حقٌّ لله تعالى، يجب لأجل الأرض، فلا يجتمع (٤) مع الزكاة. وإذا ثبت أنهما لا يجتمعان، كان إيجاب العشر أو الخراج أولى؛ لتأكُّد وجوبها، ألا ترى أنهما يجبان في أرض المكاتب والصبيّ والمجنون. وجه قول محمد: أنّ زكاة التجارة تجب في الأرض، والعشر يجب (٥) في

стр. 878

الزرع، وهما مالان مختلفان، (فلم يكن في جمعهما اجتماع حقَّين في مالٍ واحدٍ) (١). وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ العشر يجب عن الأرض، وإن كان محل وجوبه غيرها، كما يجب في خمسٍ من الإبل شاة. ٧٣٢ - [فَصْل: العشر في الأرض المؤجرة] قال أبو حنيفة: إذا استأجر أرضًا فالعشر على المؤاجر، وقالا (٢): على المستأجر. له (٣): أنّ منفعة الأرض بالزراعة حصلت (٤) للمؤاجر حيث سلم له بدلها، فصار كأنّه زرعها بنفسه. وجه قولهما: أنّ العشر يجب في الزرع والحبّ (٥)، وهو ملك المستأجر، فكان على مالكه (كما لو أعار الأرض) (٦). ٧٣٣ - [فَصْل: العشر في الأرض المعارة] وأما المستعير إذا زرع فعليه العشر؛ لأنّ ربّ الأرض لم يسلم له بدل (٧)

стр. 879

منفعة أرضه، فلم يلزمه العشر، كما لو عطّلها. و [قد] روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أنّ العشر على المعير؛ لأنّه أسقط حقّ نفسه بالعارية، فإذا حصلت المنفعة، لزمه العشر؛ (ولا يسقط حق الفقراء) (١)، كما لو وهب الزرع. ٧٣٤ - [فَصْل: العشر في الأرض المغصوبة] وأما الغاصب إذا زرع، فإن نقصت الأرض بزراعته، غرم النقصان، ولزم ربّ الأرض العشر؛ لأنّه سلم له عوضٌ عن المنفعة، وإن لم ينقص، فلا عشر على ربّ الأرض؛ لأنّه لم يسلم له بدلٌ عن (٢) المنفعة.

стр. 880

بَابْ: ما يُضَمُّ بعضه إلى بعض في إيجاب العشر (قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى) (١): روى محمد عن أبي يوسف -وهي رواية ابن سماعة والفضل بن غانم عنه-: أنّ الأرض إذا أخرجت أجناسًا، كالحنطة والشعير والعدس، وكلّ صنف منها لا تبلغ خمسة أوسق، أنّه لا يُضمُّ بعضها إلى بعض، وتعتبر الأوسق في كلّ نوع. وروى الحسن بن زياد، وابن أبي مالك عنه: أنّ كل نوعين لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، يضمُّ أحدهما إلى الآخر في الأوسق، وما يجوز فيه التفاضل لم يضم، وهو قول محمدٍ، رواه ابن رستم عنه. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رواية أخرى، قال: في الحبوب ما أدرك [منها] في وقت واحدٍ يضم بعضه إلى بعض، وإن اختلفت أجناسه، فإن لم يُدرك في إِبَّانٍ (٢) واحدٍ، وإنما أدرك شيءٌ بعد شيء، لم يضمّ. وجه الرواية التي اعتبر فيها تحريم التفاضل، وهو قول محمد: أنّ ما لا يجوز التفاضل فيه، فهو كنجسٍ واحدٍ، فيضمّ بعضه إلى بعض، كالسود والبيض في الدراهم (٣)، وما يجوز التفاضل فيه، فهما جنسان مختلفان، فلم يجريا مجرى جنسٍ واحدٍ في الأحكام، فصار كالإبل والبقر.
следующие страницы →