← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

٧٦٣ - [فَصْل: إخراج القيمة في زكاة الفطر] [قال]: ويجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة: دراهم، أو دنانير، أو فلوسًا، أو عروضًا، أو ما شاء. وقال الشافعي: لا يجوز إخراج القيمة (١). لنا: قوله ﵊: "أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم" (٢)، وهذا يقتضي جواز ما يقع به الغنى. قال: فأمَّا ما سُمِّي في الخبر، فلا يجوز بعضه عن بعضٍ بالقيمة، وإنما يجزئ عن نفسه؛ وذلك لأنّه منصوصٌ عليه لمعنًى واحدٍ، فصار كالشيء الواحد، فكما لا يجوز الحنطة عن الحنطة بالقيمة، فكذلك لا يجوز التمر عنها بالقيمة. ٧٦٤ - [فَصْل: دفع ما يجب على جماعة لواحد وبالعكس] ويجوز أن يعطي ما يجبُ في صدقة الفطر عن إنسانٍ واحدٍ جماعة مساكين، ويعطي ما يجب عن جماعةٍ مسكينًا واحدًا، وذلك لأنها زكاةٌ، فجاز جمعها وتفريقها في الدفع، كزكاة المال. ٧٦٥ - [فَصْل: تقدير الصاع الشرعي] والصَّاع: ثمانية أرطالٍ بالعراقيّ عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: خمسة أرطال وثلثٌ بالعراقي، وهو قول الشافعيّ (٣) الثاني (٤).

стр. 912

وجه قولهما: ما روي في حديث أنسٍ، قال: "كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ بالمدّ" -والمدّ: رطلان- "ويغتسل بالصاع" -والصاع: ثمانية أرطال- ذكره الدارقطني [في الطهارة من السنن] (١)؛ ولأنّ ما لا يتقدّر به إطعام مسكينٍ في كفارة، لا يتقدر به الصاع، كخمسة أرطال. وجه قول أبي يوسف: أنّ صاع أهل المدينة خمسة أرطالٍ وثلثٌ، وقد نقلوا ذلك عن رسول الله ﷺ خلفًا عن سلفٍ. وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ مالكًا [فقيههم] قال: إن صاع المدينة تحرّي عبد الملك بن مروان على صاع رسول الله ﷺ ، فبطل الاحتجاج بالنقل، وثبت أنّ صاع عمر ثمانية أرطال، فالرجوع إليه أولى من الرجوع إلى صاع عبد الملك. ٧٦٦ - [فَصْل: تقدير الصاع بالكيل والوزن] و [قد] روى معلى وبشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنّ الصاع: ثمانية أرطال وزنًا، وقال ابن رستم عن محمدٍ: كيلًا. قال: قلت له: لو أنّ رجلًا وزن أربعة أرطال بُرّ، فأعطاه مسكينًا، قال: لا يجوز؛ لأنّ البر يكون خفيفًا وثقيلًا. وقال الطحاوي: والصاع ثمانية أرطال مما يستوي كيله ووزنه. أما اعتبار الوزن؛ فلأنّ المختلفين في الصاع قدّروه، فدلّ على أن المعتبر الوزن.

стр. 913

وأما محمد فقال: إن الخبر (١) ورد بالصاع، وهو مكيال يختلف بوزن ما [يكال] (٢) فيه، فكان المعتبر بالكيل المنصوص عليه. وأما الذي ذكره الطحاوي من اتفاق الكيل والوزن، فمعناه: أنّ العدس والماش والزبيب، يستوي كيله ووزنه، (حتى لو وزن ثمانية أرطالٍ، ووضع في الصاع، لا يزيد ولا ينقص) (٣)، وما سواها تارةً يكون الوزن أكثر من الكيل كالشعير، وتارة يكون الكيل أكثر من الوزن كالملح، (فتقدير المكاييل بما لا يختلف كيله ووزنه أولى) (٤). وإذا كان المكيال يسع ثمانية أرطال من العدس والماش، فهو الصاع الذي يكال به الشعير والتمر. ٧٦٧ - [فَصْل: فطرة العبد بين شريكين] وإذا كان العبد بين شريكين، فلا فطرة على واحدٍ منهما. وقال الشافعي: عليهما الفطرة (٥). لنا: أنّه ليس لأحدهما عليه ولايةٌ كاملةٌ، بدليل أنّه لا يملك تزويجه، فصار كالمكاتَب. وأما إذا كان بين الشريكين رقيقٌ ذوي عددٍ، فلا فطرة عليهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: على كلّ واحدٍ منهما فطرةٌ بالحصّة (٦)،

стр. 914

بالقسمة من العدد لو قسموا. أما أبو حنيفة: فمن أصله: أنّ الرقيق لا يقسم، فكلّ واحدٍ منهما لم يملك عبدًا كاملًا، فلا يلزمه الفطرة. وأما أبو يوسف: [وإن] (١) كان يرى قسمة الرقيق، فيقول: إنّ الفطرة تتعلّق بالولاية، ولا ولاية لواحدٍ منهما كاملة، فلا يلزمه الفطرة. وأما محمد: فإنّه يرى قسمة الرقيق، فكلّ واحدٍ منهما يملك في المعنى عبدًا تامًّا، فكأنّه انفرد به في الزكاة، كالسوائم المشتركة. ٧٦٨ - [فَصْل: وقت وجوب الفطرة] وأمَّا وقت وجوب الفطرة، فقد قال أصحابنا: تجب بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، فمن مات قبل ذلك، سقطت فطرته، ومن ولد وأسلم قبل الطلوع، وجبت فطرته. وقال الشافعي: تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان (٢). والكلام في هذه المسألة [يكون] في فصلين: أحدهما: أنّ الفطر من رمضان يكون عندنا (٣) يوم الفطر؛ لأنّ (النبي ﵊ نهى عن صيام يومين: اليوم الذي تفطرون فيه من صومكم، واليوم الذي تأكلون فيه لحم

стр. 915

نسككم) (١)؛ ولأنّ هذا اليوم يضاف إلى معيَّنٍ (٢)، فكان واقعًا فيه، كيوم الجمعة. وإذا ثبت هذا، فقد روى ابن عمر: (أنّ النبي ﵊ فرض صدقة الفطر من رمضان) (٣). وأما الفصل الثاني في نفس المسألة: فقد روى ابن عمر: (أنّ النبي ﵊ كان يأمرنا أن نخرج صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلَّى) (٤)، والنبيّ ﷺ لا يأمر بتأخير الواجب عن وقت الوجوب؛ ولأنّ [وقت] (٥) الأضحية لم يدخل، (فلم يجب فيه الفطرة، كما قبل غروب الشمس) (٦). ٧٦٩ - [فَصْل: دفع زكاة الفطر لفقراء أهل الذمّة] قال أبو حنيفة ومحمدٌ: يجوز أن يُعطي الفطرة فقراء أهل الذمّة، وفقراءُ المسلمين أفضل. وقال أبو يوسف في إحدى الروايتين: لا يجوز. وجه قولهما: قوله ﵊: "تصدقوا على أهل الأديان" (٧)، ولأنها صدقةٌ ليس للإمام حقٌّ في أخذها كالنافلة.

стр. 916

وأما أبو يوسف: فروي عنه أنّ كلّ صدقةٍ مذكورة في القرآن، لا يجوز دفعها إلى أهل الذمّة، كالزكاة، وما لم ينصّ عليه في القرآن، يجوز دفعها إليهم كالنفل، فعلى هذه الرواية يجوز دفع الفطرة إليهم. وقد روي عنه أنّه قال: كلّ ما وجب بإيجاب الله تعالى، لا يجوز دفعه إليهم، كالزكاة، فعلى هذا لا يجوز دفع الفطرة إليهم، ويجوز دفع النذور. وروي عنه أنّه قال: كلّ صدقةٍ واجبةٍ لا يجوز دفعها إليهم، فعلى هذا لا يجوز النذور (١). وأما الحربيّ المستأمن، فلا يجوز الدفع إليه في قولهم؛ لقوله ﵎: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩]؛ ولأنّ دفع الصدقة إليه، تقوية أهل الحرب، وذلك لا يجوز. ٧٧٠ - [فَصْل: دفع زكاة الفطر قبل الصلاة] قال: ويجوز دفع (٢) صدقة الفطر قبل الصلاة، وذلك أفضل، وقال أبو يوسف: إنّ الإنسان يستحب له يوم الفطر أن يستاك، ويغتسل، ويَطعم شيئًا، ويلبس أحسن ثيابه، ويمس طيبًا، ويخرج صدقة الفطر قبل أن يخرج [إلى المصلى]؛ وذلك لأنّ النبي ﵊ كان يخرج الفطرة قبل أن يخرج إلى المصلى؛ ولأنّه إنما أمر بها حتى يتشاغل الفقراء بالصلاة فيه عن المسألة، وهذا لا يكون إلا بتقديم الدفع. ٧٧١ - [فَصْل: لزوم صدقة الزوجة على الزوج] [قال]: وإذا كان المسلم حرًّا بالغًا، لم يجب عنه الصدقة على غيره، وهذا

стр. 917

على ما قدمنا؛ لأنّه لا يولى عليه، والفطرة تتعلق بثبوت الولاية. ولهذا قال أصحابنا: إن الزوج لا يلزمه الصدقة (١) عن زوجته. وقال الشافعي: يلزمه (٢). لنا: أنّ كلّ شخصٍ لزمه إخراج الزكاة عن ماله، لم يلزم غيره [إخراج] الفطرة عنه، [كالمبتوتة، ولأنّها تلزمها فطرة غيرها، لا يلزم غيرها عنها الفطرة] كامرأة المكاتَب. ٧٧٢ - [فَصْل: إخراج الجد فطرة ابن ابنه] و [قد] روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّ الجدّ (يلزمه إخراج صدقة الفطر) (٣) عن ابن ابنه؛ لأنّ ولايته عليه تامةٌ، كالابن؛ ولأنّه يلي بالولاد كالأب. وقال محمد في الأصل: لا يُخرج الجد عن ابن ابنه؛ لأنّه لا يلي عليه بنفسه، وإنما يلي بغيره، كالوصي (٤). ٧٧٣ - [فَصْل: إخراج الفطر عن العبيد] ولا تخرج الفطرة (٥) عن الحَمْل؛ لأنّ الصدقة يتعلق أداؤها بكمال الولاية (٦)، والحمل ليس يولى عليه؛ ولأنّا لا نعلم حياته، (فلا شيء فيه) (٧).

стр. 918

ويخرج عن عبده المؤاجر؛ لأن ولايته عليه كاملةٌ، وهو الموجب [ليد المستأجر] (١). فأمَّا عبد الرهن، فإن كان للراهن مالٌ (٢) أخرج عنه؛ لأنّ ولايته عليه كاملةٌ، ولو لم يكن له مالٌ، فهو فقيرٌ، فلا فطرة عليه (٣). ويخرج عن العبد الوديعة؛ لأنّ يد المودَع يدٌ للمودِع. ولا يخرج عن الآبق، [ولا المغصوب ولا المجحود] (٤)؛ لأنّه خارجٌ عن يده وتصرفه كالمكاتب. ويخرج عن عبده [المديون] (٥)، وإن كان الدين مستغرقًا؛ لأنّ ولاية المولى لا تتغير بدَينٍ عليه (٦)؛ ولأنّ الدين ليس بثابتٍ في ذمّة المولى. فأما عبيد المأذون (٧)، فإن كان على العبد دينٌ، فالمولى لا يملكهم، فلا يلزمه فطرتهم، وإن لم يكن عليه دينٌ، فهم عبيد تجارة، فلا يلزم عنهم الصدقة عندنا، وإنما تجب في عبيد القِنْيَة. وقال الشافعي: تجب عن عبيد التجارة. لنا: أنّها زكاةٌ تختص بجنس من الحيوان (٨)، فلا تجتمع مع زكاة التجارة،

стр. 919

كزكاة السوم. ويُخرِج عن العبد الموصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر صاحبُ الرقبة؛ وذلك لأنّه مالكٌ للرقبة، وحقّ الآخر متعلق بالمنافع، كالمستأجر والمستعير. ٧٧٤ - [فَصْل: سقوط الفطرة بالتأخير] ولا تسقط صدقة الفطر بتأخير أدائها، وهي دينٌ عليه حتى يؤديها (١). وقال الحسن بن زياد: إذا لم يؤدها حتى مضى يوم العيد (٢)، سقطت عنه، رواه عنه هشام. لنا: أنّها صدقةٌ، فلا تسقط بالتأخير، كالزكاة. وجه قول الحسن: أنّه حقٌّ يتعلق بيوم عيدٍ، فيسقط بالتأخير كالأضحية. ٧٧٥ - [فَصْل: تعلق صدقة الفطر بالذمة] وإن افتقر بعد يوم الفطر، لم تسقط عنه؛ لأنّ وجوبها لا يتعلّق بالمال، إنما يتعلّق بالذمّة، والمال شرطٌ في الوجوب، فهلاكه بعد الفرض لا يُسقط الوجوب (٣)، كالحج. ٧٧٦ - [فَصْل: الفطرة على كافر من ولده ورقيقه] ولا فطرة على كافرٍ في ولده، ولا في رقيقه وإن كانوا مسلمين؛ لأنها زكاةٌ في الشريعة، كزكاة المال.

стр. 920

٧٧٧ - [فَصْل: قصر صدقة الفطر بالآدمي] وليس في شيء من الحيوان صدقة [الفطر]، إلا في الرقيق؛ لأنّ رسول الله ﷺ فرض الفطرة طُهرةً للصائم، وما سوى الآدمي ليس من أهل الصوم. ٧٧٨ - [فَصْل: بعث الساعي على صدقة الفطر] ولا يبعث على صدقة الفطر ساعيًا؛ لأنّ النبي ﵊، لم يبعث عليها ساعيًا؛ ولأنها طُهرةٌ لا تجب في المال، كالكفارات. ٧٧٩ - [فَصْل: تلازم الفطرة بصوم رمضان] ومن سقط عنه صوم الشهر لكِبَرٍ أو مرضٍ أو سفرٍ، فصدقة الفطر له لازمةٌ، لا يسقط ذلك عنه لعذرٍ في فطر الشهر؛ وذلك لأنها تجب على الصغار مع عدم الصوم منهم، فعدمُ الصوم من البالغ لا يُسقطها. ٧٨٠ - [فَصْل: تعجيل صدقة الفطر قبل يوم العيد] ويجوز تعجيل صدقة الفطر (قبل يوم الفطر) (١) بيوم أو يومين. وروى الحسن [بن أبي مالك] عن أبي حنيفة: بسنةٍ أو سنتين، وقال خلف بن أيوب: يجوز تعجيلها إذا دخل شهر رمضان، وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها (٢). لنا: أنّها زكاةٌ في الشريعة، فحلّ تعجيلها كزكاة المال؛ ولأنّ العبد هو

стр. 921

الموجب عنه، فإذا ملك، جاز التعجيل، كمالك النصاب. وإذا ثبت جواز التعجيل، لم يختص بوقت كالزكاة. وما ذكر في الأصل: في اليوم واليومين فليس على طريق الشرط وإن جعلناه شرطًا؛ فلأنّ المقصود بالفطرة الغنى في يوم الفطر، [فوجب أن يختص إخراجها بالزمان الذي يبقى فيه إلى يوم الفطر] عن سؤال الناس. والذي ذكره خَلَف، فكأنّه جعل الشهر سبب الوجوب؛ لأنها فطرةٌ عن الصوم، فلا يجوز تقديمها عليه. وجه قول الحسن: هو أنّه حقٌّ يتعلق بيوم العيد، فلا يجوز تقديمه كالأضحية. ٧٨١ - [فَصْل: وجوب الفطر على المالك المعين] قال أبو يوسف: وليس في رقيق الأخماس ورقيق القُوَّام الذين يقومون على مرافق العوام (١)، مثل زمزم، وما أشبهها، ورقيقِ الفيء صدقةُ فطرٍ؛ لأنّ هؤلاء ليس لهم مالكٌ معيّنٌ، والصدقة لا تجب إلا على [مالكٍ] معيّنٍ كالزكاة (٢). وكذلك السباء ورقيق الغنيمة والأسرى قبل القسمة؛ لأنّ المالك فيهم لم يتعيّن. ٧٨٢ - [فَصْل: فطرة واحدة عن الشخص الواحد] وإذا كانت جاريةٌ بين رجلين، فجاءت بولد، فادعياه، فلا فطرة على واحد منهما في الأم، وقال أبو يوسف: يخرج كلّ واحدٍ منهما صدقة [الفطر] تامةً عن

стр. 922

الابن (١)، وقال محمد: عليهما صدقةٌ واحدةٌ. أما الأم؛ (فلأن الأمةَ المشتركة، لا فطرة فيها في قولهم جميعًا) (٢). وأما الولد، (فقول أبي يوسف) (٣): أنّه ولدٌ تامٌّ في حقّ كلّ واحدٍ (٤) منهما؛ بدليل أنّه يرث منهما ميراث ابنٍ كاملًا، فصار كأنّه انفرد به. وجه قول محمد: أنّ الشخص الواحد لا تجب [عنه] (٥) أكثر من فطرةٍ واحدةٍ كسائر الأشخاص. ٧٨٣ - [فَصْل: مكان إخراج الفطرة] وأما الكلام في الموضع الذي يستحب فيه إخراج الفطرة، فقال في الأصل: في الخراساني يكون بالكوفة، فيبعث بصدقته إلى خراسان، أجزأ عنه وقد أساء (٦)، فاعتبر مكان الوجوب (وإن كان الموجب عنه بخراسان) (٧). وروي عن محمدٍ قال: يؤدي زكاة المال حيث المال، وصدقة الفطر عن نفسه أو عبده حيث هو. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف قال: يؤدي عن نفسه حيث هو، وعن

стр. 923

عبيده حيث هم. قال الحاكم ﵀: كان قول أبي يوسف مثل قول محمد، ثم رجع، وروى رجوعه ابن سماعه. وجه قول أبي يوسف: أنها زكاةٌ في الشريعة، كزكاة المال، ومعلومٌ أن زكاة المال تؤدّى حيث الموجب عنه، فكذلك الفطرة. وجه قول محمد: أنّ الفطرة تتعلّق بذمة المولى (١) والمؤدِّي، [فوجب اعتبار مكان المؤدّي الذي يتعلق الوجوب به] (٢)، وليس كذلك الزكاة؛ لأنها تتعلق بالمال، فيعتبر مكان المال. و [قد] روى الفضل بن غانم عن أبي يوسف قال: يؤدي عن العبد الحيّ حيث هو، وعن الميت حيث المولى؛ لأنّ [العبد الحيّ الوجوب عنه [حيث هو]، فاعتبر موضعه، فأمّا] الميت [فالوجوب يختص بالمولى، فاعتبر مكانه] (٣) (٤). تمّ كتاب الزكاة بحمد الله ومنّه وعونه وحسن توفيقه إنّه سميع الدعاء فعّالٌ لما يشاء

стр. 924

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٢٧] كِتَابُ الصِّيَامِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الصوم في اللغة: الإمساك. [قال الشاعر: والبَكَرَاتُ شرهنّ الصائمة … . . . . . . . . (١)، أراد الواقفة] (٢) [وقال آخر] (٣): خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍ … [تحت العَجَاج وأخرى تعلك اللُّجُما] (٤) يعني: واقفة. وقد صار في الشريعة: عبارةً عن الإمساك عن الأكل والشرب والجماع في زمانٍ مخصوصٍ: وهو النهار، من شخصٍ مخصوصٍ -وهو الطاهر من الحيض والنفاس-، (مع اتباع النية) (٥). وهذه المعاني لا يعرفها أهل اللغة، فالاسم شرعيٌّ فيه معنى اللغة.

стр. 925

والصوم على ضربين: أحدهما: [ما] أوجبه الله تعالى ابتداءً من غير سببٍ مِنَّا، مثل صيام رمضان. والضرب الثاني: ما أوجبه بوجود (١) سببٍ من جهته، وهو ينقسم: فتارةً يجب عند سببٍ هو معصيةٌ، وتارةً يجبُ عند سببٍ لا يوصف بمعصيةٍ، وهذا كالفطر في رمضان عامدًا من غير عُذرٍ، والفطر بالمرض والسفر، وكفارة الظهار [للعامد، ومن يسبق الظهار على لسانه]، وكفارة القتلِ لقاتل شبه العمد، والقتل خطأً، وكفارة اليمين. والأصل في وجوب صيام رمضان: قوله ﵎: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله ﵊: "بني الإسلام على خمس" وذكر "صوم رمضان" (٢)، واجتمعت الأمة عليه.

стр. 926

بَابْ: وقتِ الصِّيَامِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وقت الصيام من حين يطلع الفجر الثاني -وهو المعترض في الأُفُق- إلى غروب الشمس. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال أبو عبيدة: الخيط [الأبيض]: الصُّبحُ الصادق، والخيط: هو اللون. وروى عدي بن حاتم: أنّ النبي ﵊ قال: "الخيط الأبيض والأسود، سواد الليل وبياض النهار" (١). وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنّه بلغه أنّ النبي ﵊ قال: "هما فجران، فأمّا الذي كأنّه ذنب السرحان، فإنّه لا يحلّ شيئًا ولا يحرمه، وأمَّا المستطيل الذي يعارضُ الأفق، ففيه تحلّ الصلاة ويحرم الطعام" (٢). وفي حديث ابن مسعودٍ: أنّ النبي ﵊ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أمّ مكتوم، ولا يغرنّكم هذا الفجر المستطيل،

стр. 927

ولكن الفجر المستطير" (١). وفي خبر طلق بن عليٍّ: أنّ النبي ﵊ قال: "كلوا واشربوا، ولا يغرنّكم الساطع حتى يعترض لكم الأحمر" (٢). وعن الشعبيّ وعطاء: أن الفجر المعترض الذي إلى جنبه الحمرة (٣). وأما خروج الصوم، فبغروب الشمس؛ [لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولقوله ﵊: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم" (٤). قال أبو الحسن: فمن كان صحيحًا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، مقيمًا، لزمه فرض صوم رمضان إذا كان بهذه الصفة قبل طلوع الفجر الثاني، وتكون المرأة مع هذا طاهرًا من الحيض والنفاس. أمّا البلوغ والعقل؛ فلقوله ﵊: "رُفع القلم عن ثلاثٍ: عن الصبيّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ" (٥). وأما الصحّة [والإفاقة]؛ فلقوله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وروي عن النبي ﵊ أنّه قال: "إن الله تعالى

стр. 928

أسقط عن المسافر شطر الصلاة، والصوم، وعن المريض والحامل والمرضع" (١). وأمّا الإسلام؛ فلأنّ الصوم عبادةٌ من شرطها النيّة، فلا تصح من كافر. وأمّا الطهارة عن الحيض والنفاس؛ فلما (روي أنّ عائشة سئلت فقيل: لمَ تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت للسائلة: أحروريةٌ أنت؟! هكذا كنّ النساء يفعلن على عهد رسول الله ﷺ ) (٢)، ولا يجوز أن يُجمع الناس على فعلٍ شرعيٍّ في زمانه ولا يؤخذ عنه. والسّحور مندوبٌ إليه للصائم؛ لما روي عن النبي ﵊ أنّه قال: "تسحروا، فإن في السحور بركةً" (٣): وفي حديث ابن عباسٍ: أنّ النبي ﵊ قال: "استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل، وبأكل السحور على صيام النهار" (٤). وعن عمرو بن العاص: أنّ النبي ﵊ قال: "إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر" (٥). وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة [أنه] قال: إذا شكّ في الفجر، فأحبُّ إليّ أن يدع الأكل، وإن أكل فصومه تمامٌ؛ لما روي عن النبي ﵊ أنّه قال: "لكل ملكٍ حمًى، وإن حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (٦)،

стр. 929

وإنّما تمّ صومه؛ لأنّ الأصل بقاء الليل، فلا ينتقل عنه إلا بيقينٍ. وقال الحسن عن أبي حنيفة: إذا كان في موضعٍ يستبين له الفجر، ويرى مَطلعه من حيث يطلع، وليس هناك علّة، فليأكل ما لم يستبن له الفجر، وإن كان في موضعٍ لا يستبين له الفجر، أو كانت السماء متَغيِّمةً (١)، فشكَّ، فلا يأكل، وإن أكل فيه (٢) فقد أساء. [وإن كان أكثر رأيه أنّه أكل والفجر طالعٌ، قضى، وكذلك إذا كان في موضعٍ يستبين له غروب الشمس، فإذا غربت أفطر، وإن كان لا يستبين له غروبها، لم يفطر حتى يستيقن]. وإن كان أكبر رأيه أنّه أكل قبل غروب الشمس، قضى؛ وذلك لأنّه إذا كان يرى الغروب والطلوع ولا علّة هناك، فهو على يقين من الليل، فكان له الأكل حتى يرى الفجر، وأما إذا كان لا يستبين، لم يجز الأكل؛ لأنّه يعرِّض نفسه [للفطر] (٣). وأمّا الذي قال في وجوب القضاء بغالب الظنّ، فهو خلاف رواية أبي يوسف، والصحيح: أن لا قضاء عليه؛ لأنّ الأصل الليل، فلا ينتقل عنه إلا بيقينٍ.

стр. 930

بَابْ: الدخول في الصوم قال الشيخ أبو الحسن (١) رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: لا يصحّ الصوم إلا بنيَّةٍ، وقال زفر: إن كان مقيمًا صحيحًا مُمسكًا، فهو صائمٌ وإن لم ينو الصوم، وذكر أبو الحسن: أنّ مذهب زفر: أنّ صوم الشهر يصح بنيةٍ واحدةٍ. والدليل على وجوب النية: قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنِّيات" (٢)؛ ولأنها عبادةٌ مقصودةٌ لنفسها كالصلاة. وجه قول زفر: أنّ الصوم في [شهر] رمضان مستحقّ العين، فلا يفتقر إلى نيّةٍ، كردّ الودائع. ٧٨٤ - [فَصْل: صيام رمضان بنية واحدة] قال أصحابنا: يجب عليه النية لكلّ يومٍ. وقال مالك: يصحُّ صوم جميع الشهر بنيّةٍ واحدةٍ (٣). لنا: أنّ كلّ يومٍ عبادةٌ منفردةٌ، بدلالة أنّ ما يفسد أحد اليومين، لا يفسد الآخر، وفي كلّ يومين زمانٌ ليس بزمان لهما، فصار كالعبادات المختلفة والصلوات.

стр. 931

وأما مالك فيقول: إنّه عبادةٌ واحدةٌ، [بدلالة أنّه يخرج منه بمعنًى واحدٍ، وهو الفطر من رمضان]، فصار كالحجّ والصلاة. ٧٨٥ - [فَصْل: محل النية في صوم رمضان] وأمَّا محل النية في صوم رمضان، فقد قال أصحابنا: إن نوى بالليل، جاز، وإن نوى بالنهار قبل زوال الشمس جاز. وقال الشافعي: لا يصحّ إلا بنيةٍ في الليل (١). لنا: ما رُوي أنّ الهلال غُمّ على عهد رسول الله ﷺ ، فلما أصبحوا جاء أعرابيٌّ فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي ﵊ مناديًا، فنادى: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك بقية يومه (٢). لأنّه صومٌ لا يثبت أداؤه في الذمّة، فهو (٣) كالتطوع؛ ولأنّ النهار محلٌّ للنيّة في صوم النفل، فكان محلًّا للنية في صوم رمضان كالليل. ٧٨٦ - [فَصْل: كيفية النية] وأمَّا كيفيّةُ النيَّةِ، فقال أبو الحسن: الصوم ضربان: صوم يومٍ بعينه، ويومٍ بغير عينه، فما كان معيّنًا، فإنّه يصح الصوم فيه إذا نوى الصوم، وما كان في ذمّته

стр. 932

وليس في يومٍ بعينه، فلا يصح الدخول فيه إلا بنيتين، نيَّةِ الصوم ونيةِ القضاء. فخرج من هذا: أنّ صوم رمضان، والنذر المعلّق بزمانٍ بعينه، والنفل يجوز بنيةٍ مطلقةٍ. وقال الشافعي: لا يصحُّ الصوم الواجب إلا بنيةٍ معيَّنةٍ (١). لنا: قوله ﵊: "لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل" (٢)، ولم يفصّل؛ ولأنّه زمانٌ لا يصح فيه إلا نوعٌ واحدٌ من الصوم، فلا يفتقر إلى تعيين النية، كاليوم الذي أصبح فيه من غير رمضان؛ ولأنّ هذا الزمان متعيِّنٌ لهذا الصوم، إذ (٣) لا يصح فيه غيره، وتعيين النية إنما يحتاج إليه لتعيين الزمان. فلهذا قلنا: إنّ الصوم الذي لا يتعلّق بالعين لَمّا وقع في زمان يصح فيه غيره لم يكن بدٌّ من تعيين النية لتخصيص الزمان به. ٧٨٧ - [فَصْل: صوم رمضان في السفر إذا نوى فيه واجبًا آخر] وأمّا صوم رمضان في السفر، إذا نوى فيه واجبًا آخر، وقع عما نوى عند أبي حنيفة، وقالا: يقع عن رمضان. له: أنّ الصوم في السفر غير مستحقٍّ، بدلالة جواز تأخيره، فصار كالصوم

стр. 933

في غير رمضان. وجه قولهما: أنّ الصوم مستَحقٌّ، وإنما رخّص له في الترك للعذر، فإذا صام ولم يترخّص، وقع عن المستحَقّ. ٧٨٨ - [فَصْل: نية المسافر التطوع في رمضان] وأمّا إذا نوى السَّفَر التطوع، فروى ابن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنّه يقع (١) عن التطوع؛ وذلك لأنّ الصوم غير مستحقٍّ، فصار كغير رمضان. وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، والحسن عن أبي حنيفة: أنّه يقع عن رمضان؛ لأنّ التطوع لا يفتقر إلى تعيين النيَّة (٢)، فصار كأنّه [صام] في رمضان ينوي الصوم مطلقًا (٣)، فيقع عن الفرض، والرواية الأولى أصحُّ. وأمّا المريض إذا نوى التطوع، فكان أصحابنا يفصلون بينه وبين المسافر، فيقولون: يقع عن الفرض؛ لأن الصوم مستحَقٌّ عليه، وإنما رُخِّص له لأجل العذر، فإذا لم يترخَّص وقع عن الفرض، وليس كذلك المسافر؛ لأن الصوم غير مستحقٍّ عليه؛ بدليل أنّه يجوز له أن يفطر من غير مشقَّةٍ. وقد جمع أبو الحسن رحمه الله تعالى بين المريض والمسافر، وهذا يقتضي أن يتساويا.

стр. 934

وروى ابن أبي مالكٍ، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: في مريض رُخِّصَ له في الفطر، أو مسافر، إذا صاما عن التطوع، وقع تطوعًا. ووجه ذلك: أنّ المريض لا يلزمه فرض الصوم كالمسافر. ٧٨٩ - [فَصْل: وقت نيّة المسافر للفرض] قال أصحابنا: إذا صام المسافر بنيَّةٍ قبل الزوال، جاز، وقال زفر: لا يجوز. لنا: أنّ هذا الصوم لمَّا صح بنيةٍ من الزوال (١)، استوى فيه المسافر والمقيم، كالنفل (٢). وجه قول زفر: أنّ الصوم غير مستحَقٍّ عليه، فلا يجوز فرضه إلا بنيَّةٍ متقدمةٍ، كقضاء رمضان. ٧٩٠ - [فَصْل: وقت النية في صيام التطوع] وأمَّا التطوع، فيجوز بنيَّةٍ قبل الزوال، وقال مالكٌ: لا يجوز (٣). لنا: حديث ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يُصبح لا ينوي الصوم، ثم يبدو له، فيصوم) (٤)، وروى عن عائشة: (أن النبي ﵊ كان يدخل على أهله، فيقول: "هل عندكم من غداءٍ"، فإذا قالوا: لا، قال: "فإنّي صائمٌ" ((٥).

стр. 935

ورُوي عن [ابن] عُمر: أنّ الرجل بالخيار ما لم يطعم إلى نصف النهار (١). وروي صوم التطوع بنيةٍ من النهار عن عليٍّ (٢)، وابن مسعودٍ (٣)، وأبي طلحة (٤)، وابن عباسٍ (٥). ٧٩١ - [فَصْل: وقوع نية التطوع بعد الزوال] وأمَّا (٦) إذا صام التطوع بنيَّةٍ بعد الزوال، لم يجز عندنا، وقال الشافعي: يجوز في أحد قوليه (٧). لنا: أنّه محل لا يجوز فيه الفرض بالنيَّة، فلا يجوز فيه النفل، كحال غروب الشمس. ٧٩٢ - [فَصْل: الاشتراك بنية التطوع والقضاء معًا] وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: فيما أوجبه على نفسه [في زمانٍ بعينه من الصوم] (٨)، فصام تطوعًا، وقع عن الواجب؛ وذلك لأن التطوع ليس بواجبٍ (٩)، ولا يفتقر إلى تعيين نيّة التطوع، فسقط التعيين، فكأنّه صام بنيّة الصوم.

стр. 936

قال: وإن نوى واجبًا غير الذي أوجبه، كان عمَّا نواه؛ لأنّ هذا اليوم لم يتعيَّن بتعيين الله تعالى، وإنما تعيَّن بتعيين المُكلَّف، فجاز إن أُسقط بتعيينٍ آخر من جهته. ٧٩٣ - [فَصْل: تداخل النية بين القضاء والتطوع] قال ابن سماعة عن أبي يوسف: ومن نوى بصومه قضاء رمضان والتطوع معًا، كان عن القضاء؛ لأنّ التطوع لا يفتقر إلى تعيين النيَّة، فلغا تعيينه، فكأنّه نوي قضاء رمضان [فحسب] (١). وقال محمد: يكون عن التطوع؛ لأنّ كلّ واحدٍ من التعيينين ينافي الآخر، فسقطا، فبقي الصوم بنيَّة الصوم. وقال أبو يوسف: وإن نوى قضاء رمضان وكفَّارة الظهار، كان عن القضاء استحسانًا. وجه القياس: أنّ كلّ واحدٍ من التعيينين يحتاج إليه، وهما يتنافيان فسقطا، فصار الصومُ تطوعًا. وجه الاستحسان: أنّ القضاء وجب بإيجاب الله تعالى ابتداءً، فكان آكد، فوقع الصوم عنه، وقال محمد: يكون تطوعًا، ووجهه ما ذكرنا من القياس. وروى ابن سماعة عن محمد: فيمن نذر صوم يوم بعينه، فصامه ينوي النذر وكفَّارة يمين، فهو عن النذر؛ لأنّ [التعيينين تنافيا] (٢)، فبقي الصوم بنيَّة الصوم

стр. 937

مُطلقًا، فيقع عن النذر المعيَّن. ٧٩٤ - [فَصْل: ما لا يصح صومه إلا بنية من الليل] فأما الصوم الثابت في الذمَّة، فلا يجوز إلا بنيَّةٍ من الليل؛ لقوله ﵊: "لا صيام لمن لم يُبَيّت صيامه من الليل" (١)؛ ولأنّ الصوم يقع في زمانٍ يصلح له ولغيره، فلا بد من تقدم النيَّة حتى يتعيّن الزمان به. وقد قال أبو الحسن: إنّه لا يصح إلا بنيّةٍ قبل طلوع الفجر، وهذا إنما ذكره؛ لأنّه يتعذّر النية مع الفجر، فإن اتفق ذلك نوى مع الطلوع؛ لأنّ تقدم النيَّة على الدخول في العبادة لا يجبُ كسائر العبادات. ٧٩٥ - [فَصْل: نية الصائم الفطر فقط] قال أبو الحسن ﵀: إذا نوى الصائم الفطر ولم يُحدث شيئًا غير النيَّة فصومه تامٌّ (٢). وقال الشافعي: يبطل صومه (٣). لنا: أنّ هذه عبادةٌ يجبُ بإفسادها (٤) الكفارة، فلم يخرج منها بنيَّة الإفساد كالحج. قال: ومن أمسك في يومٍ عن جميع ما يمسك عنه الصائم، ولم يكن له نيَّةٌ في الصوم، فإنّه لا يكون صائمًا، وهذا على الأصل الذي بيَّنا: أنّ الصوم لا يصحّ

стр. 938

إلا بنيَّةٍ، فرضًا كان أو نفلًا. ٧٩٦ - [فَصْل: الصوم بنية رمضان ظنًّا أنه ليس فيه] قال: وإن نوى صوم رمضان، وهو يرى أنّه [ليس] فيه، ثم بان أنّه فيه، أجزأه، وإن بان أنّه لم يأت بعد لم يجزئه. وهذه مسألة الأسير إذا اشتبه عليه الصوم قبل رمضان، لم يجزئه؛ لأنّها عبادةٌ مؤقَّتة، فإذا أدَّاها قبل وقتها [بالتحري]، لم يجزئه كالصلاة. وأما إن وافق صومه رمضان، جاز؛ لأنّه نوى الفرض الذي عليه من فرض رمضان، (فصحَّت نيَّته على أي وجهٍ وقعت) (١)، وإن صام بعده أجزأه؛ (لأنّه فعل العبادة بعد وجوبها، [وفرضه القضاء]، فكأنّه نوى ذلك) (٢). ولا يقال: إن من شرط القضاء عندكم تعيين النيَّة، وهذا صام وهو لا يَعلم أنّه يقضي؟ وذلك لأنّه عيّن الفرض عليه من الشهر (٣)، وليس عليه إلا القضاء، فتعيَّن ذلك. و [قد] قالوا: إن كان القضاء وافق شوال، قضى يوم الفطر؛ لأن قضاء رمضان لا يجوز فيه، وإن وافق ذا الحجة، قضى أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق؛ لأنّ صوم هذه الأيام لا يجزئ عن القضاء (٤).

стр. 939

بَابْ: ما يفسد الصوم قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ما فَعلهُ الصَّائم ممَّا حَظرهُ الله تعالى في الصوم وهو ناسٍ لصومه، فلا قضاء عليه، وهو على صيامه. وقال مالك: إن كان في صوم رمضان قضى، وإن كان في صوم تطوعٍ لم يقض (١). و [قد] رُوي مثل قولنا عن عليٍّ، وابن عمر، وأبي هريرة، وزيد، وعطاء، وطاووس، وعلقمة، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وسعيد بن جُبير، والنخعي. وقال ربيعة: يقضي بكلّ حالٍ. لنا: ما روى أبو هريرة أنّ النبي ﵊ قال: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليُتِمَّ صومه، فإن الله تعالى أطعمه وسقاه" (٢)، وروى أبو سلمة عن أبي هريرة: أنّ النبي ﵊ قال: "من أفطر في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة" (٣)؛ ولأنّ ما لا يوجب القضاء عليه في غير رمضان، لا يوجب القضاء فيه كسائر المعاني.

стр. 940

وقد قال أبو حنيفة: لا قضاء على الناسي للأَثر الذي روي (١) عن النبي ﷺ ، والقياس: أن يقضي، ولكن اتباع الأثر أولى إذا كان صحيحًا. قال أبو يوسف: وليس هو بحديثٍ شاذٍّ (٢) يُجترئ على تركه. وأمّا إذا وطئ ناسيًا، لم يفطر، و [روي] عن عطاء والثوري: الفرق بين الوطء والأكل (٣). لنا: أنّ تأثير الوطء في الصوم كتأثير الأكل، فإذا بيّن ﷺ حكم الناسي في أحدهما، كان الآخر مثله. ٧٩٧ - [فَصْل: ما يفطر الصائم] قال أبو الحسن: وإنّما يفطر من وجوهٍ أربعةٍ: ما وصل إلى الجوف، وما خرج منه من (٤) الفم إذا ملأه، وما وصل إلى الرأس دون ما خرج منه، وما أوجب الغسل، إلا أن يكون عن فكرٍ أو نظرٍ. أمّا ما وصل إلى الجوف، فإنّه يفطر عند أبي حنيفة بكلّ حالٍ؛ لأنّه ينافي الإمساك، والصوم هو الإمساك، ولا فرق بين أن يصل إلى الجوف من الفم، أو من غيره من المخارِق المعتادة مثل الحقنة؛ لأنها تصل إلى الجوف (لا من الفم) (٥). ولا يقال: إن الواصل [إلى الجوف] بالحقنة لا يتعلّق به الرضاع، فكذلك

стр. 941

التحريم؛ لأنّ معنى الرضاع ما يحصل للصبيّ [به] من التغذي، وذلك لا يكون من المِعَاء (١) السفلي، ومعنى الفطر: زوال الإمساك، وهذا المعنى موجودٌ. ٧٩٨ - [فَصْل: ما يصل إلى الجوف من جراح] وأمّا ما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ من غير المخارق المعتادة، مثل أن يصل من جراح، فإنّه يفطر عند أبي حنيفة، وقالا: لا يُفطر. له: أن الفطر يتعلّق بالواصل والمسلك، فإذا استوى في الواصل المعتاد وغير المعتاد، فكذلك في المسلك. وجه قولهما: أنّ الصوم هو الإمساك، وذلك يقع في المخارق المعتادة التي خلقها الله تعالى في البدن، فأما الجراحة فغير معتادة (٢)، فلا يتعلق بها فطرٌ. ٧٩٩ - [فَصْل: تأخير الخارج من الجوف إلى الفم] وأما الخارج من الجوف إلى الفم، فإن لم يملأه لم يفطر، روى ذلك الحسن عن أبي حنيفة نصًّا؛ [لأنّ ذلك في حكم الريق، ألا تري أنّه لا ينقض الطهارة؛ ولأنّه في حكم ما يخرج مع الجُشَاء، وذلك لا ينقض الصوم]. وقد ذكر في الأصل: أنّ القيء يُفطر، ولم يفصّل (٣).

стр. 942

والصحيح: أنّه على تفصيل الحسن، وإن جعلناه روايةً أخرى؛ فلأنّ ما ينقض الصوم لا فرق بين قليله وكثيره؛ (لأنّ ذلك في حكم الجشاء والريق، ألا ترى أنّه لا ينقض الطهارة) (١). وأمّا إذا ملأ الفم، فهو على وجهين: إن كان بفعله أفطر، وإن غلبه لم يفطر؛ وذلك لحديث ابن سيرين عن أبي هريرة: أن النبي ﵊ قال: "إذا ذرعه القيء فليس عليه القضاء، وإن تقيَّأ فعليه القضاء" (٢)، وعن أبي الدرداء: (أنّ النبي ﵊ قاء فأفطر) (٣)؛ ولأنّ القياس ينفي تعلّق الفطر به؛ لأنّه خارجٌ يؤثر في الوضوء، وإنما تركنا القياس إذا استدعاه للخبر، فما سواه فهو على أصله. وإن قاء بلغمًا فملأ فمه، لم يفطر عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: يُفطر، وهذا فرعٌ على اختلافهم في نقض الطهارة، فمن لم ينقض به الطهارة، جَعلهُ كالريق، [ومن نقض به الطهارة، جعله كأنواع القيء]، ولا كفارة في القيء؛ لأنّ قوله ﵊: "عليه القضاء" بيانٌ لجميع الحكم؛ ولأن مَأْثَمه أقلّ من مأثم المجامِع. ٨٠٠ - [فَصْل: إذا عاد القيء في الصوم] وأمَّا إذا عاد القيء فروى الحسن عن أبي حنيفة قال: إذا خرج القيء إلى

стр. 943

حلقه فردَّه وهو يقدر على أن يرمي به، وهو ذاكرٌ لصومه، فعليه القضاء. وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا ذرعه القيء فخرج ملء فيه أو أكثر، ثم رجع إلى حلقه وهو ذاكر لصومه، فقد أفطر، تعمّد ذلك أو غلبه، فإن كان أقلّ من ملء فيه، لم يفطّره ما ارتجع. وذُكر الحاكم في رواية ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنّه إذا قاء أقلّ من ملء فيه، وَرَدّهُ وهو يقدر أن يرميه، فطَّره. وذكر عنه روايةٌ أخرى من طريق ابن أبي مالك، عن أبي يوسف: إذا ذرعه القيء ملء الفم، ثم رجع إلى حلقه متعمدًا، أو غلبه (١) فرجع منه (٢)، مثل الحمّصة، وهو القدر الذي يفطّره في الأكل، فطَّره، وإن كان خرج أقلّ من ملء الفم، لم يفطّره ما ارتجع، قال: وهذا قول أبي يوسف. وقال ابن أبي مالك: سمعت أبا يوسف يقول غير هذا: إذا كان أقل من ملء فيه فارتجعه متعمدًا، فطَّره، وإن غلبه لم يفطِّره. وروى ابن سماعة عن محمدٍ: فيمن ذرعه القيء ملء فيه أو أقلّ، ثم رجع بعضه، فإن كان القَلْس (٣) ملء الفم، فإنّه يفطِّره، [بإرادةٍ كان أو بغير إرادةٍ]، إذا كان ذاكرًا لصومه، فإن كان [القَلْس] أقلّ من ملء فيه، فإن عاد بفعله وهو يقدر

стр. 944

على طرحه (١)، فعليه القضاء وإن رجع بغير فعله، [فإن] (٢) كان لا يقدر على طرحه، فلا قضاء عليه. وروى ابن سماعة [ومعلّى] عن أبي يوسف: من قاء ملء فمه أو أقلّ، ثم عاد، فإن غلبه [فلا قضاء عليه] (٣) إذا كانت الغلبة في الخروج والرجوع جميعًا، فإن غلبه في الخروج وأعاده بغير غلبةٍ، فعليه القضاء، قليلًا كان أو كثيرًا، إلا أن يكون مثل حبّ السويق. [وروى عنه بشر وعليّ بن الجعد: أنّه إذا أعاده من غير غلبةٍ، وهو أقلّ من ملء فيه، لم يفطّره، وقال: إذا قَلس ملء فيه، ثم رجع بإرادةٍ أو غير إرادةٍ، وهو ذاكرٌ لصومه، فعليه القضاء، وإن قلس أقلّ من ملء فيه، فأعاده، فعليه القضاء، وإن غلبه فلا قضاء عليه]، وهذا كله إذا لم يخرج من فمه، فإن خرج منه ثم أعاده [مرّةً]، فطَّره. قال أبو الحسن ﵀: وإن تعمَّد القيء، فقاء أقلّ من ملء فيه، لم يفطره، وهذه الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، والحسن بن زياد، وقال زفر: إذا قاء أقلّ من ملء فيه أفطر إذا كان متعمدًا. وجه رواية الحسن في القيء القليل إذا ردّه: أنّ القيء إذا كان ملء الفم، فرده أفطر، وكذا القليل، ألا ترى أنّ الريق لمّا لم يُفطر بردّه، استوى فيه الأمران. وجه رواية ابن أبي مالك: أنّ ما دون ملء فمه كالريق؛ بدلالة أنّه [لا يفطره،

стр. 945

و] لا يبطل الوضوء، فلا يفطر بردِّه. وجه رواية ابن سماعة: في الفرق بين القليل والكثير، وبين أن يرجع بفعله أو غلبةٍ (١) بغير فعله؛ فلأن الفطر لم يقع [ابتداءً به] (٢) حال خروجه، فإن عاد على وجهٍ لا يمكن الاحتراز منه، صار بمنزلة الرِّيق، وإن ابتدأ إيصاله، فقد أمكنه الاحتراز منه، فصار كما لو ابتدأ أكله. يُبيِّن ذلك [كلّه]: أنّ الذباب إذا وصل إلى جوفه لم يفطّره، ولو تناوله باختياره فطَّره، وإن لم يكن من جنس المأكول. والذي قال أبو يوسف: إذا أعاده [بغير غلبةٍ]، فهو مثل رواية الحسن، وقوله: إلا أن يكون مثل حبّ السويق؛ فلأنّ هذا القدر في حكم ما يبقى (٣) بين الأسنان. [وأمّا وجه رواية بِشر عن أبي يوسف: إذا كان أقلّ من ملء الفم، فأعاده من غير غلبةٍ، لم يفطّره، وقال: إن كان ملء فيه، فعليه القضاء إذا كان ذاكرًا لصومه، سواءٌ رجع بإرادته أو بغير إرادته؛ لأنّ ملء الفم، مما يمكن الاحتراز منه، فيصير في حكم الماء يدخله فاه فيسبق إلى حلقه، وإن كان أقلّ، فهو بمنزلة الريق، بعلّة تعذّر الاحتراز منه، فإن ردّه، فقد زال العذر، وإن لم يعده، فالعذر قائمٌ]. فخرج من هذه الجملة: أنّ قول أبي يوسف: فيمن ذرعه القيء ملء فيه، ثم عاد بغير فعله، لم ينتقض صومه، وقال محمدٌ: يبطل.

стр. 946

لأبي يوسف: أنَّ تعذّر الاحتراز في عوده، كتعذّره في خروجه، فإذا اختلف في الخروج ما كان من قصده أو غير قصده، اختلف أيضًا في العود؛ ولأن ما دون ملء الفم إذا عاد بغير فعله، لم يبطل صومه، وما يُبطل الصوم فلا فرق بين قليله وكثيره. وجه قول محمدٍ: أنّ ما حصل في فيه، وهو ملء الفم، فالاحتراز ممكنٌ من عوده، فصار كمن تمضمض فسبق الماء إلى جوفه وهو ذاكر. وقال أبو يوسف: فيما دون ملء الفم إذا ارتجعه لا ينقض صومه؛ لأنّه [لا] يمكن الاحتراز عن مثله في الجشاء، فصار كالريق. وليس كذلك الكثير؛ لأنّه يحترز من عوده، ألا ترى أنّ الإنسان لا يضبط نفسه في إمساكه. وقال محمد: يبطل صومه؛ لأنّ ما يُفسد الصوم لا يختلف [الحكم بـ] قليله وكثيره، وهذا كله في السابق. فأمَّا إذا استقاء عمدًا لم ينقض صومه عند أبي يوسف إذا كان أقلّ من ملء الفم، وقال محمد: ينقض (١) صومه؛ لأن ما يفسد الصوم لا يختلف حكم قليله وكثيره (٢). وأما إذا ردّه، فعند أبي يوسف في إحدى الروايتين: لا ينقض صومه، وفي الأخرى: ينقض.

стр. 947

٨٠١ - [فَصْل: ما يصل إلى الجوف ما ليس بمقصود بالأكل ولا يمكن الاحتراز منه] وقد قالوا فيما يصل إلى الجوف مما ليس بمقصودٍ بالأكل إذا وصل على وجهٍ لا يمكن الاحتراز عنه، لم يفطره، مثل الذباب. وقال أبو يوسف: القياس فيه: أن يفطره؛ لأنّ الفطر لا يختلف بالمأكول وغير المأكول، كما لو أكله بنفسه (١)، ولكنّا استحسنًا؛ لأنّه جنسٌ غير مقصودٍ لا يمكن الاحتراز عنه كالغبار (٢). قال أبو يوسف: وقد دخل في هذا الاستحسان بعض القياس، ألا ترى أنّه لو وصل إلى جوفه ثم عاد فخرج، لم يفطره، وهذا صحيحٌ؛ لأنّه لما لم يفطّره باستقراره في جوفه، لم يفطّره بالبقاء بعد ذلك. ولا يلزم على هذا: إذا طُعن برمحٍ فبقي النصل أنَّه لا يفطر بوصوله؛ بدليل أنّه لو نزعه (٣) لم يفطره، ويفطر ببقائه؛ لأنّ الرمح (٤) لم يستقر ما دام في يد الآدميّ، ألا ترى أنّه يصرفه باختياره، فأما الذباب، فقد استقر [ولا يد عليه، ومع ذلك لم يفطر به]. وأما الغبار والدخان وطعم الأدوية [إذا وجده] في حلقه، فإنّه لا يفطره؛ لأنّ هذا لا يخلو الصائم منه، ولا يمكنه (٥) الاحتراز منه.

стр. 948

ومن هذا النوع، إذا ابتلع ما بين أسنانه، روى هشام عن محمد: في سمسمةٍ بين أسنانه ابتلعها، لم يفسد صومه، وإن ابتدأ إدخالها في فمه، فسد صومه. وفي الجامع الصغير: في الصائم بين أسنانه شيءٌ، فأدخله حلقه متعمدًا، قال: لا يفسد صومه (١). وعن أبي يوسف: في الصائم يكون بين أسنانه لحمٌ، فابتلعه متعمدًا، فعليه القضاء دون الكفارة. قال ابن أبي مالك: وهذا إذا كان مثل الحمّصة أو أكبر، وقال زفر: فيه القضاء والكفارة. والذي ذكره في الجامع الصغير، محمولٌ على تفصيل ابن أبي مالك، والوجه في ذلك: أنّ اليسير الذي (٢) يبقى بين الأسنان، ليس بمقصودٍ في نفسه، ولا يمكنه الاحتراز منه، كالريق؛ ولأنّه من بقايا ما كان مباحًا، والاحتراز منه غير ممكنٍ، فهو كالقليل الذي يبقى في فمه من الأكل والمضمضة، [وليس كذلك إذا كان أكبر من الحمصة؛ لأنّ هذا ليس بمعتادٍ، ولأنّه يمكنه الاحتراز منه، فصار كبعض ماء المضمضة إذا بقي، ولا كفارة فيه؛ لأنّه غير مقصودٍ بالأكل كالطين]. وجه قول زفر: أنّه [جزءٌ] من جنس ما يتعلق الكفارة به، إلا أنّه متغيّرٌ، فصار كلحم مُنتنٍ. وعلى هذا إذا جمع ريقه في فمه ثم ابتلعه، لم يفطر؛ لأنّ ذلك مما لا يمكن

стр. 949

الاحتراز منه، وليس بمقصودٍ في نفسه. ٨٠٢ - [فَصْل: تأثير ما يصل إلى الدماغ في الصوم] وأمّا ما وصل إلى الدماغ بالسعوط، أو الإقطار في الأذن، فإنّه يفطّر؛ لما روي في حديث لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق (١) على عهد (٢) رسول الله ﷺ ، فقال لي: "اسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (٣)، ولولا أنّ ما يصل [إلى دماغه] بالمبالغة يفطّر، وإلا لم يكن للاحتراز منه معنًى؛ ولأنّ الرأس متصلٌ بالجوف، فصار كجوانب جوفه. وأمّا ما خرج من الرأس مما وصل إليه، فإنّه لا يفطّر، كمن استعط بالليل فخرج نهارًا؛ وذلك لأنّ الخارج الطاهر من الدماغ، لا يؤثر في الطهارة و [لا] في الصلاة، وهي أضعف؛ فلأن لا يبطل الصوم أولى. وأمَّا ما يوجب الغسل كالحيض والنفاس، فإنّه يبطل الصوم؛ وذلك لما قدمنا من حديث عائشة: (أنّ النساء على عهد رسول الله ﷺ كنَّ يقضين الصوم، ولا يقضين الصلاة)، فدلّ على أنّ الحيض ينافي الصوم. وكذلك الإنزال إذا كان بمباشرةٍ؛ لأنّ النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ أوجب على الواطئ في رمضان الكفارة (٤)، ولو لم يبطل صومه بالوطء لم يوجب عليه الكفارة.

стр. 950

وكذلك إذا التقى الختانان ولم ينزل؛ لأنّ هذا في حكم الإنزال (في جميع الأحكام، من وجوب الغسل، وتحليل الزوج، والمهر، وغير ذلك) (١). فأمّا إذا أنزل عن فكرٍ، أو نظرٍ، لم يبطل صومه؛ لأنّه أنزل من غير مباشرةٍ، (كما لو احتلم) (٢) [وقد روي أنّ النبيّ ﷺ قال: "ثلاثٌ لا يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام" (٣)]. وقد قال مالك: من تابع النظر فأنزل، فعليه القضاء (٤). وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ القضاء لمّا لم يجب بقليل النظر [لم يجب] بكثيره (٥). وإذا اكتحل الصائم لم يفطر، وإن وجد طعم الكحل في حلقه، روي ذلك عن [ابن] عمر، وقال ابن أبي ليلى: يفطر (٦). لنا: ما روي في حديث [أبي] رافع (أنّ رسول الله ﷺ دعا في رمضان بكحل إثمدٍ، فاكتحل به) (٧). وقال ابن مسعود: (خرج رسول الله ﷺ في رمضان
следующие страницы →