← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30053

الكاشف لدقائق المفردات القرآنية

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (544 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حسبانًا قال تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. (حُسبَانًا) الحسبان لها معنيان لا يتعارضان: ١ - بِمَعْنى الحِسابِ؛ أي: مِقْدارًا من العذاب للإحاطة بها وتدميرها. ٢ - جمع حُسْبانَةٌ، وهي: الصَّاعقة. فهو دعاء بصواعق ترسل عليها فتهلكها. * ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، (حُسبَانا) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - أي: حسابًا تُعرف بهما الأوقات: الأيام والليالي، والشهور والسنون. ٢ - أي: يجريان في أفلاكهما بحساب مقدَّر من الله تعالى. * ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. (بِحُسبَان) بحسابٍ دقيق يجريان كما أمرهما الله ، منذ خلقهما الله إلى أن يفنيهما. الحسنة الحسنة والسيئة في القرآن الكريم لها معنيان بحسب السياق؛ فإما أن يكون المعنى: ١ - الحسنة: الرخاء والسعة وسائر النعَم. والسيئة: هي الشدة والكَرْب والنِّقم. ٢ - الحسنة: الإيمان والعمل الصالح. والسيئة: معصية الشرك. ومن المعنى الأول قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥]. (بَدَّلنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ) أي: أبدلناهم مكان الضراء والبأساء الرخاءَ والسعةَ. (حتى عَفَوا) أي: تكاثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. * ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١]. (الحَسَنَةُ) الغنى والسعة والنعمة … (سَيِّئَة) البلاء والجدب وغيره مما يسوء …

стр. 107

* ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. (بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) بالنِّعم والنِّقم. * ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]. (بِالسَّيِّئَةِ قَبلَ الحَسَنَةِ) بحصول العذاب قبل الرحمة. - أما ما جاء بالمعنى الثاني فقوله تعالى: ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]. * ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]. * ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]. الحسنة: الإيمان والعمل الصالح. والسيئة: معصية الشرك. * ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢]. الحسنة: العمل الصالح؛ كالعفو، والحلم. والسيئة: المعاصي. - ومنها ما يحتمل المعنيين بلا تعارض؛ مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦]. (بِالسَّيِّئَةِ قَبلَ الحَسَنَةِ): ١ - لِمَ تبادرون بفعل السيئات وتحرصون عليها قبل فِعْل الحسنات؟! ٢ - لِمَ تبادرون بطلب العذاب قبل الرحمة؟!

стр. 108

فائدة: - سميت النعمة حسنة؛ لأن الناس يستحسنونها، وسمّيت الحسنة الأُخروية التي تحصل بالعمل الصالح حسنة: لأن لها حُسن أثر، وحُسن عاقبة. وسميت النِّقمة سيئة: لأنها تسوء الناس، وسميت السيئة التي تحصل بالعمل السيئ سيئة؛ لأن لها سوء أثر، وسوء عاقبة. حسومًا قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. (حُسُومًا) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - أي: تباعًا متتالية لا تتوقف حتى تُنهِي ما أمرت به. تقول العرب: (حسمت الدابة) إذا تابع كيّها من المرض مرة بعد مرة حتى ينحسم مرضها وتشفى. ٢ - من الحسم والقطع؛ تقول العرب: (حَسَمَت الريح كل شيء مرت به) أي: قطعته. والمعنى: سلط الله تعالى الريح العاصفة الشديدة البرودة أيامًا متتالية على عاد قوم هود حتى لم تترك لهم فرصة للحياة، فحسمتهم واستأصلتهم عن آخرهم، وحسمت كل شيء لهم مرت به؛ فلم تبق لهم باقية، نسأل الله السلامة، ونعوذ به من غضبه وعقابه! حَصَبُ قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. (حصَب) أي: حجارة تشعلها. فالحصب: أصلها من الحَصْباء والحصى؛ فهي الحجارة. والحطب من الشجر، ومن خصائص الحجارة أنها تبقى في النار ولا تتآكل كالحطب. فجهنم والعياذ بالله وقودها الناس والحجارة، فكذلك البشر فيها كالحجارة دائمة الاشتعال لا تفنى، وليست كالحطب تفنى وتذوب؛ ليذوقوا العذاب. والحكمة من حرق الآلهة مع الكفار في جهنم - وهي جمادات لا تعقل- ليراها مَنْ عبدها واستغاث بها؛ فتزداد حسرته، بل ويصيبه من لهيب اشتعالها فيزداد عذابه، نسأل الله العافية!

стр. 109

حصرت قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]. (حَصِرَتْ) الإحصار: من المنع والحبس. فمعنى (حصرت) أي: ضاقت صدورهم، وضمائرهم تمنعهم أن يقاتلوكم؛ للعهد الذي بينهم وبينكم. * ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. (أحصروا) أي: حبسهم ومنعهم الجهادُ والمرابطة في سبيل الله عن التّكسب. * ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. (أُحْصِرْتُمْ) أي: فإن حبسكم حابسٌ ومنعكم من إتمام الحج. * ومن أصل المعنى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]. (وَحَصُورًا) الحصور: هو الذي يُحجم عن الشيء ويمتنع عنه، أو يُحبس عنه. ويسمى الذي لا يشتهي النساء حصورًا. وقيل في يحيى ﵇ أقوال: ١ - أنه ليس له شهوة في النساء، واستبعده بعض المفسرين؛ لأن المقام هنا مقام مدح وثناء عليه، والمدح لا يكون إلا على أمر مُكتسب يقدر على خلافه. ٢ - أنه حصر نفسه ومنعها عن الشهوات -ومنها النساء- فهو متفرغ للعبادة. ٣ - أنه منع نفسه عن مساوئ الأخلاق. (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ): أي: مصدقًا بعيسى ابن مريم ﵇. * ومثلها في أصل المعنى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. (حَصِيرًا) لها معنيان: ١ - من الحصر والحبس؛ أي: محبسًا وسجنًا لهم. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورا﴾ [الفرقان: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ من الآيات.

стр. 110

٢ - من الْحَصِيرِ الَّذِي يُبْسَطُ وَيُفْرَشُ؛ والمعنى: فراشًا يجلسون عليها، فهي من فوقهم ومن تحتهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُم مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤١]، ونحو ذلك من الآيات؛ فاللفظ يشتمل على المعنيين بلا تعارض. حصيد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. (قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) أي: القرى التي أهلكت منها ما هو قائم؛ أي: بقيت حيطانها قائمة يراها الناظر إليها، ومنها ما هو حصيد؛ أي: كالزرع المحصود إذا صار هشيمًا وحُطامًا. أي: مُحِي أثرُها وصارت أنقاضًا، وتفرّقت فلم يبق منها شيء. * ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ [ق: ٩ - ١١]. (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أي: حبوب الزرع الذي يحصد؛ كالبُرّ والشعير، وما شابه ذلك. ففي الآيات يُعدّد الله ﵎ نعمه على العباد، ومنها إنزال الماء؛ فينبت به جنات من الأشجار المختلفة التي تثمر ويؤكل ثمرها من خضرة وفاكهة، وينبت به الزروع المختلفة التي تُحصَد ويؤكل حصيدها، والنخل الطوال التي يتدلى ثمرُها المتراكب؛ كل هذه الأصناف طعامًا طيبًا، ورزقًا منه ﵎ لعباده؛ فله الحمد وافيًا! حِطَّة قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]. (حِطَّةٌ) أي: احطط عنا ذنوبنا. والمعنى: ادخلوا الباب -وهو باب المسجد- وأنتم راكعون، أو منحنون انحناء الخشوع، وقولوا: (حِطّة) أي: رب حط عنا خطايانا. ولكن اليهود دخلوا الباب يزحفون على أدبارهم وهم يقولون: حنطة في شعير. وقيل باللغة العبرية: (حِطَّا سمقاتا) أي: حنطة حمراء؛ استهزاء ومخالفة؛ فأنزل الله ﵎ عليهم الرجز والعذاب المذكور في الآية التالية لها.

стр. 111

الحق (الحق) في القرآن الكريم له معان مختلفة بحسب السياق: - ففي الآيات التالية ورد بمعنى (العدل)؛ فإذا كان السياق يتضمن معنى: (الحكم، والوزن، والظلم والبغي) فيكون معنى مفردة (الحق) هو العدل: * ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] أي: بغير سبب عادل، بل هو الجور والظلم. * ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بالعدل. * ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] غير العدل: وهو الظلم والشرك. * ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: إلا بالعدل واستحقاق الجزاء. * ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] هو: العدل والقسط. * ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] أي: يحكمون بالعدل ويدعون إلى الدّين، وهم العلماء. * ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] غير العدل: وهو الجور والظلم. * ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] أي: بالعدل، وهو دعاء من النبي ﵊ أن يا رب، احكم بيني وبين قومي المكذبين لي المحاربين لدعوتك وعبادك المؤمنين، احكم بيننا بالحق والعدل، وبنصري عليهم. * ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٤١] بالعدل؛ فلم يكن الله ظالمًا لهم سبحانه. * ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] أي: جزاءهم العادل. * ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦] أي: يحكم بيننا بالعدل. * ﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] أي: بالعدل. * ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أي: بالعدل. * ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨] أي: بالعدل. * ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لجاثية: ٢٩] أي: ينطق بالعدل والصدق، فلا يزيد ولا ينقص. * وفي كتاب الله آيات أخرى مشابهة لما سبق، ولها نفس المعنى.

стр. 112

- وجاءت مفردة الحق بمعنى (الصدق) في الآيات التالية: الآيات التي تأتي على صيغة الخبر، فكلمة (الحق) فيها على الغالب تعني: الصدق: * كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٣٠] أي: الصدق واليقين. * ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: بالصدق فيما دعوا إليه. * ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] الصدق. * ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨] الصدق المشتمل على نبوة موسى ﵇. * ﴿أَن لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩] الصدق. * ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ﴾ [هود: ١٧] الصدق. * ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] صدق محقق. * ﴿الْئَانَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] الصدق. * ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الصدق. * ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] بالصدق، وهو إنجاب الولد. * ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] بالصدق والجد. * ﴿نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] بالصدق. * ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] الصدق، والرسالة التي أرسلت بها. * ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّا﴾ [الكهف: ٩٨] صدقًا منجَزًا لا محالة. * ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧] الصادق وقوعه، وهو القيامة. * ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] بالصدق؛ وهي صحيفة الأعمال، أو اللوح المحفوظ؛ فليس فيه إلا الصدق. * ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ [القصص: ٣] بالصدق. * ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الصدق. * ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] الصدق الثابت. فبالعموم: جملة (أنزلناه بالحق) وكذلك: (جاء بالحق) و (قوله الحق) و (إنه الحق) وما في معناها، كلها تعني: الصدق.

стр. 113

- وجاءت مفردة الحق بمعنى (الحكمة) في الآيات التالية -وسياق الآيات في الغالب متعلق بخلق السماوات والأرض-: * ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣] أي: بالحكمة، وليس بالعبث والعشوائية. * ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]. * ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢]. * ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩]. * ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر: ٥]. * ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. * ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤]. * ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]. * ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]. * ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]. جميع الآيات السابقة تعني: بالحكمة وليس بالعبث والعشوائية. * ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] أي: بالحكمة. * ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] أي: بحكمةٍ وتقديرٍ يرضاه الله؛ فقد أخرجه من المدينة لقتال المشركين يوم بدر. وإذا جاءت كلمة (الحق) في سياق الإنزال والإرسال ومجيء الحق واتباعه أو التكذيب به؛ فهي تشيرُ إلى أحد المعاني التالية:

стр. 114

القرآن، أو الصواب، والدّين الصحيح، والإسلام؛ كما في الآيات التالية: * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. (بما جَاءَكُم منَ الْحَقّ) أي: القرآن والإسلام. * ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] أي: القرآن. * ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] أي: بالتّمسك بالإيمان والدِّين بعامة. * ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩] أي: القرآن والدِّين. * ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] أي: القرآن الكريم. * ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] أي: بالدِّين الصحيح الذي فيه نجاتكم. * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد: ٣] أي: الإيمان والتوحيد، وهو الصواب. * ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥] بالقرآن والرسالة وما فيهما من صدق. * ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] الصواب والدِّين الصحيح. * ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] يظهر الدِّين الصحيح؛ وهو الإسلام. * ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا﴾ [المائدة: ٤٨] أي: من الدِّين والرسالة. * ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] أي: الإسلام ومحمد ﵊ الذي بشرت به كتبهم. * ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٤] أي: من الإسلام. * ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] وهو الإسلام. * ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] أي: الصواب؛ وهو التوحيد لله.

стр. 115

* ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] ومثلها في سورة [غافر: ٥] الصواب؛ وهو الدين الذي جاءت به الرسل. * ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] أي: بالحجة والعلم والدِّين الصحيح. * ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] الصواب والدِّين الصحيح الواضح. * ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الصف: ٩] الدِّين الصحيح المتضمن لتوحيد الله تعالى. * ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] يظهر الحق؛ وهو الإسلام. - وجاءت مفردة الحق بمعنى (الإله الحق المتحقق وجوده): ففي الآيات الآتية (الحق) جاء إما اسمًا لله أو صفة له ﷻ ، أو قريبًا من ذلك فهو (الحق) بمعنى: الإله الحق المتحقق وجوده، الذي لا مرية فيه، المستحق للعبادة وحدة، وهو الإله العدل في حكمه وأفعاله. * ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] صفة لله؛ فهو المستحق للألوهية وللعبادة وحده. * ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] صفة لله؛ فهو المتحقق وجوده، والمستحق للألوهية وللعبادة وحدة. و (الحق) الثانية بمعنى: الصدق، والحقيقة الثابتة. * ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبا﴾ [الكهف: ٤٤] صفة لله؛ أي: الوَلاية لذِي الْحَقِّ؛ فهو المستحق للسلطان والنصرة. ويجوز كذلك صفة للولاية؛ فهي المستحَقَّة لله وحده. * ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] اسم لله تعالى؛ فهو المستحِق للمُلك، الدائم الذي لا يزول، ولا مُلك على الحقيقة سوى مُلكه. * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] اسم له جل وعلا، المتضمن معنى أن لا إله على الحقيقة سواه؛ فهو المستحِق للألوهية وللعبادة وحده ﵎. وقد تكرر صدر الآية في آيات أخر ولها ذات المعنى. * ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] الحق من أسمائه جل وعلا، والمعنى يحتمل: ١ - لو اتبع الله الذي هو الواحد لا شريك له أهواءَهم في جعل الشركاء معه، لفسدت الأرض.

стр. 116

٢ - ويجوز كذلك تفسير الحق بالدِّين الصحيح الذي نزل عليهم؛ فيكون المعنى: لو نزل الدِّين الصحيح بما يحبون وما يوافق أهواءهم، لفسدت الأرض. * ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] له دعوة التوحيد (لا إله إلا الله) المستحِق للألوهية وحده. * ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥] أن الألوهية والعبادة مستحَقَّة وواجبة له وحده. - وجاءت مفردة الحق في الآيات التالية بمعنى (اليقين، والحقيقة الثابتة): * ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] الخبر اليقين. * ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] الخبر اليقين. * ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] لَا يُغْنِي مِنَ الْيقين والحقيقة الثابتة. * ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧] يبدد باليقين والحجة الواضحة زيفَ الباطل. * ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] أنها الخبر اليقين، ومحققة الوقوع. - وجاءت مفردة الحق في الآيات التالية بمعنى (النصيب المستحق): * ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] نصيب معين وواجب مستحق. * ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] نصيب واجب مستحق. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ليبين المدِين المبلغَ المستحق للدائن. * ﴿وَإِن يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] أي: إن كانت الحكومة في صالحهم وكان لهم منها نصيب أو حاجة.

стр. 117

- وجاءت مفردة الحق في الآيات التالية بمعنى (وجَب): * ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] أي: وجب. * ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦] أي: وجبت. * ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] أي: وجبت عليه. * ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]. من الاستحقاق؛ أي: وجب وثبت في حقنا. * ومثلها في أصل المعنى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٥]. (وحُقَّت) أي: حقٌ وواجب عليها أن تسمع وتطيع. * وكذلك قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. (حَقِيقٌ) جدير بي وواجب عليَّ ألَا أقول على الله إلا الصدق. وانظر مفردة حاق ص ١٠٦ وارتباطها بالمعنى - وفي الآية التالية جاءت مفردة الحق بمعنى (القتال): * ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] في القتال والنفير بعد بيان حكم الله فيه. - وجاءت في الآية التالية مفردة الحق بمعنى (حاجة أو رغبة): * ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] من حاجة أو رغبة وشهوة. حكمًا (١) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ [الرعد: ٣٧]. (حُكْمًا) لها معان لا تتعارض: ١ - أي حاكمًا على الناس بما فيه من شرائع. ٢ - أي: مُحْكَمًا مُتقنًا لا اشتباه فيه. ٣ - حَكَمًا وفرقانًا يفصل بين الحق والباطل.

стр. 118

(عربيا) أي: بلسان العرب. والمعنى: يقول الله تعالى ردًّا على إنكار الأحزاب كما جاء في الآيات السابقة: -ومن الأحزاب من ينكر بعضه- وهم اليهود والنصارى والمشركون، كلهم تحزّبوا عليه وناصروا الكفر. فالمشركون أنكروا بعض ما جاء في القرآن، واليهود والنصارى كذلك أنكروا ما خالف كتبهم منه، فبيَّن الله تعالى مؤكّدًا أنه أنزل هذا القرآن: - حاكمًا بما ضمّنه من شرائع وأحكام على الناس كافة. - وحكَمًا فاصلًا بين الحق والباطل. - وحاكمًا على الكتب السابقة كلها ومهيمنًا عليها. وأنزله عربيًّا، على رسول عربي، بلسان العرب، وهو أوضح الألسنة وأفصح اللغات؛ لئلا يقع فيه شك واشتباه، وليُتبع وحده، فلا تدخله أهواء المضلين من ديانات أخرى. حكمًا (٢) قال تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]. (حُكما) الحُكم هنا قيل هو: الحكمة التي تُمَكّنه من فهم الأحكام ومعرفة الحلال والحرام وتبليغ الرسالة، وليس طلب المُلك. ذهب بعض المفسرين إلى أن الحُكم هو: العلم، وقال بعضهم: إنها النّبوة، ولقد اقترن في بعض الآيات الحكم مع العلم، والحكم مع النبوة؛ مما يبين أنها قدرٌ زائد على العلم. فهي الحكمة والفهم؛ كما ذكر كثير من المفسرين والله أعلم. ففي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤]، وتكررت الآية في أكثر من سورة. (حُكما) حكمة وفهمًا بما يَعرف به الأحكام الشرعية، ويحكم بها بين الناس. * ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا﴾ [مريم: ١٢] أي: الحكمة. * ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. (الحُكمَ) الحكمة والفهم. وقد تكرر في غير آية إيتاء الحكم للأنبياء، وكلها بمعنى: الحكمة؛ ليفهم بها مراد الله تعالى.

стр. 119

* ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧]. (حُكمًا) أي: مشتملًا على الحكمة والتشريعات والتكاليف والأحكام. انظر: المفردة السابقة. * ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. الحكم هنا هو: الأحكام والتشريعات؛ فأهل الجاهلية كانوا يحكّمون الضلالات والجهالات بالآراء والأهواء الفاسدة. حِلّ قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]. (حِلّ) لها معنيان: ١ - أُقسِم بهذا البلد حال كونك يا محمد حالًّا فيه؛ لأن حلول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووجوده في مكة يزيدها شرفًا إلى شرفها. ٢ - أُقسِم بهذا البلد حالَ كونها حِلًّا لك يا محمد. وذلك عام الفتح؛ لأن مكة عامَ الفتح أُحِلَّتْ للرسول ﷺ ، ولم تحلَّ لأحدٍ قبله، ولا تحلُّ بعد ذلك لأحد؛ كما قال ﷺ : «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» صحيح البخاري (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤). لأنها عام الفتح ازدادت شرفًا إلى شرفها؛ حيثُ طُهِّرتْ من الأصنام، وهُزِم المشركون، وصارت هذه البلد بلاد إيمان بعد أن كانت بلاد كفر. حللتم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. (حَلَلتُم) تشتمل على معنيين: ١ - إذا أصبحتم في حِلٍّ من الإحرام. ٢ - إذا خرجتم إلى الحِلّ؛ لأنه لا يجوز الصيد في مكة، سواء للمُحرم وغير المُحرم. فالآية تبين إباحة صيد البرّ بشرطين: ١ - التحلل من الإحرام. ٢ - الخروج إلى الحلّ.

стр. 120

فائدة: الأمر في قوله: (فاصطادوا) للإباحة؛ أي: اصطادوا إن شئتم. * ومنها: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ [الحج: ٣٣]. * ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. * ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. (المحل) في الآيات يشتمل على الزمان والمكان، بخلاف ما لو قلنا: (بلغ فلان محله) أي: بلغ مكانه، أما الآيات هنا فتدل على أمرين: ١ - الحِلّ؛ أي: حتى يبلغ الهدي زمان حِلّه واستحلاله. ٢ - المحل الذي هو المكان؛ أي: حتى يبلغ مكان حِلّه. - ومن المعنى الأول: * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]. (مُحِلِّي): من الحلال؛ أي: غير مستحلين للصيد أثناء إحرامكم وفي الحرم. * ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ٢]. (تحِلَّةَ) أي: تحليل الأيمان بالكفارة. حمولة قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. (حَمُولَة وَفَرشا) يَمتنُّ الله على عباده بأن سخر لهم الأنعام: - فمنها ما هو حَمُولة، وهي: الأَنْعَام التي يُحمل عليها؛ مثل: الناقة، والجمل، والثور، وكل ما يُحمل عليه؛ سواء كانت حمولته بضائع وأغراضًا متنوعة، أو حملت الناس. - ومنها ما هو فَرْشٌ، ولها معنيان محتمَلان:

стр. 121

١ - أنها صغار الأنعام؛ كالضأن والماعز والعجول الصغيرة … إلخ، سميت كذلك: لأنها تُفرَش على الأرض للذبح والأكل. ٢ - وقيل: هي جميع الأنعام التي يُتَّخَذُ مِنَها الوَبَرِ والصُّوفِ والشَّعْرِ فِراشًا يفترشه الناس. حَمِئة قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنا﴾ [الكهف: ٨٦]. (عَيْنٍ حَمِئَةٍ) المراد بها: البحر، أو المحيط يميل للسواد من أشعة الشمس، أو ماء طينته سوداء. والمعنى: أن ذا القرنين لما وصل إلى نهاية الأرض من جهة المغرب؛ حيث لا يستطيع أن يتجاوز لوجود البحر، فتراءى له هذا البحر والشمس من بعيد كأنها تغرب في داخله، كما يبدو لكل ناظر، وإنما هي في الحقيقة تغيب خلفه كما نراها في البحر. * ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. (الحمأ) الحمأ: الطين إذا تغيَّر لونه للسواد. وقد تقدم شرح: (حمأ مسنون) في حرف اللام في (لازب). الحنث قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]. (الْحِنثِ الْعَظِيمِ) الإثم العظيم، وهو: الشرك بالله وإنكار البعث. ويطلق لفظ (الحِنْث) كذلك على الحِنْث في اليمين؛ لأن صاحبه يأثم به. * ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. (تَحْنَثْ) أي: حتى لا تحنث في يمينك وتأثم بعدم الوفاء بها. وقيل: إن أيوب ﵇ قد حلف أن يضرب زوجته مائة ضربة، فأمره الله أن يجمع ضِغْثًا -وهو: مجموعة أعواد خفيفة من الزرع- بعدد الضربات كلها، ويضربها بها ضربة واحدة؛ ليبَرّ بقسمه ولا يأثم، ولكن لم يرد في هذه القصة حديث صحيح. حنيذ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]. (حَنِيذ) تقول العرب: (حَنذ فلان اللحم) أي: شواه.

стр. 122

والحَنِيذ: هو اللحم المشوي على الحجارة المُسخنة، يوقد عليها بالحطب، فإذا حميت واشتد حرُّها وُضع اللحم على تلك الصفائح من الحجارة، ثم يغلق عليها بصفائح أخرى حتى ينضج في داخلها. حُوبًا قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرا﴾ [النساء: ٢]. (حوبًا) الحوب: هو الإثم. أي: إثمًا عظيمًا ووزرًا جسيمًا، ومنه دعاء النبي ﷺ : «رب تقبّل توبتي، واغسل حَوبتي … » صحيح الجامع (٣٤٨٥) أي: امسح ذنبي، واغفر لي.

стр. 123

حرف الخاء خالصة قال تعالى بعد ذكر مجموعة من الأنبياء: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]. (أخلصناهم) التخليص: هو التنحية من الشوائب، والتصفية من الأخلاط. ومن مشتقات اللفظ: الإخلاص. والمعنى: زكّاهم وشرّفهم وأعلى منزلتهم. (بخالصة) أي: بسبب مزية تميزوا بها، وخصهم بها ، فتفرّدوا بها عن غيرهم. (ذكرى الدار) وهي تَذَكّرُهم للآخرة، وجعلها في قلوبهم يعملون لها ويُذكِّرون غيرهم. فائدة: هذه الآية الكريمة تدل على أن من أحبه الله أخلصه واصطفاه، وجعله خالصًا له من بين الناس؛ فالأنبياء هم خلاصة عباده وأصفاهم له. * ومثلها قوله تعالى عن عزيز مصر في شأن يوسف ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤]. (أَسْتَخْلِصْهُ) أي: أجعله من خُلصَائي المقربين لي، الذين أصطفيهم لخاصّة نفسي لا يشاركني فيه أحد. ومن مشتقات اللفظ كذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّا﴾ [يوسف: ٨٠]. (خَلَصُوا) أي: تخلصوا من الآخرين غيرهم ليكونوا بمفردهم، وتنحوا جانبًا للتشاور في الأمر سرًّا. خبالًا قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: ١١٨]. (خبالًا) من الخبَل: وهو الفساد والشر. (لا يألونكم خبالًا) أي: لا يقصرون في الفساد والشر؛ والعرب تقول: (ما ألوته جُهْدًا) أي: ما قصرت فيه. * ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالا﴾ [التوبة: ٤٧] أي: فسادًا وضررًا عليكم. ختّار قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]. (خَتَّارٍ) أي: غدّار. و (الخَتَر) عند العرب: أقبح الغدر؛ لأنه عاهد ربه إن نجاه من البحر سيكون من الشاكرين، فغدر بالعهد ونقضه ولم يف به.

стр. 124

الخرّاصون قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]. (الخَرَّاصُونَ): من هم الخراصون؟ وما هو الخرص؟ يجوز فيها معنيان: ١ - الخَرْص في اللغة: هو الكذب؛ تقول العرب: (رجلٌ خرَّاص) أي: كذاب. فيكون المعنى: هَلك أو قاتل الله الكذابين. ٢ - الخَرْص أيضًا: هو الظن والتخمين؛ تقول العرب: (خرصْتُ النخلَ) أي: حَزَرْتُ ما عليه من التمر بالتخمين. فيكون المعنى: قاتل الله أهل الظن والشك والارتياب. - من هم أهل الظن وأهل الكذب؟ هم الذين عناهم الله في الآية السابقة على وجه الخصوص، وهي عامّة في كل من هم على شاكلتهم؛ حيث قال: (إنكم لفي قول مختلف) أي: أقوال متعارضة. ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ٨ - ١٠]. فهم تخرَّصُوا بالظن في رسول الله ﷺ وكتاب الله؛ فقالوا: شاعر، وساحر، وكاهن، وأساطير الأولين، فهذه الظنون جرَّتهم إلى الكذب وقلب الحقائق وتزييفها؛ حتى يبتعدوا ويصدوا الناس عن الإيمان بالله. فائدة: قال ابن عاشور في تفسير الآية: «اعْلَمْ أنَّ (الخَرْصَ) -بمعنى: الظن والتخمين في أُصُولِ الاعْتِقادِ- محرم؛ لِأنَّها لا تُبْنى إلّا عَلى اليَقِينِ، وهو أصْلُ مَحَلِّ الذَّمِّ في هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا الخَرْصُ في المُعامَلاتِ بَيْنَ النّاسِ فَلا يُذَمُّ كله؛ إذ قد تكون هناك حاجة إليه». وقد تكرر في عدة آيات لفظ (يخرصون) كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦]. * ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠]. (يَخْرُصُونَ) أي: يتقوَّلون ويفترون الكذب وظن السوء بلا دليل ولا علم صحيح.

стр. 125

خرجًا قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾ [المؤمنون: ٧٢]. (خَرْجًا): أي عطاءً وأجرًا، وأصل (الخراج) ما يخرج من الأرض من غلة وثمر، والمقدار الذي يُعْطَى للعامل نظير عمله. والمعنى: في الآية تهكمٌ وتعريض بالمشركين وبما ركبهم من جهل وإعراض. أي: هل من دواعي إعراضهم -يا محمد- عن الخير الذي تقدِّمه لهم، أنك تسألهم عليه أجرًا وعطاءً وتشح عليه أموالهم؟! فخراج ربك وعطاؤه الذي ينتظرك خير من عطائهم، إنما يُقدم لهم ذلك بغير ثمن، فلا يريد الرسول منهم عليه خراجًا، ومع ذلك يرفضونه؛ ففاتهم الخير وخسروا كنزًا يجعلهم ملوكًا ويرفعهم أعزة يوم القيامة، فأبوا إلا الذلة والخزي. * ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]. (خرجًا) أي: عطاءً وأجرًا. فائدة: خراج الحيوان: نسله ودرّه. وخراج الأرض: ثمرها وغلتها. وخراج العامل: ما يكسب نظير عمله. وخراج الله تعالى: ثوابه وأجره. خصيمًا قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيما﴾ [النساء: ١٠٥]، (خَصِيمًا) الخصيم: الذي يجادل بالباطل في الخصومة. والمعنى: لا تكن لِأجْلِ الخائِنِينَ خَصِيمًا؛ أي: مُخاصِمًا عَنْهم مُجادِلًا لِلْمُحِقِّينَ بِسَبَبِهِمْ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ. وفي الآية دليل على عصمة النبي ﷺ ؛ فهو مأمور من الله ومؤيد منه ألا يحكم بين الناس بهواه ورأيه، بل (بما أراك الله).

стр. 126

ولا تكن لأي خائن أو مدّع ما ليس له خصمًا تدافع وتجادل عنه، والآية عامة؛ سواء كانت حقوقًا دنيوية أو دينية، فلا تُعن الخائن على خيانته بالدفاع عنه. ومثلها في المعنى: * ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ٤]. (خَصِيمٌ) أي: بعدما كان نطفة لا حياة فيها ولا قوة، فإذا هو إنسان مميز ذو عقل ورأي ينكر البعث ويجادل، ونسي ما كان عليه من الضعف والعجز. * ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. (في الْخِصَامِ) أي: في الجدال والاحتجاج. والمقصود: أن الإناث الغالب عليهن أنهن ضعيفات الحجة، فكيف ينسبونهن لله. فالخصيم: هو أحد طرفي الخصام، أو المدافع عن الخصم. والخصام: هو حالة الجدال والاحتجاج. ويختلف المعنى بحسب تعْدِيَتِه بحرف الجر بعده: - (خصيم لفلان) أي: مدافع عنه. - (خصيم على فلان) أي: ضده. خِلال قال تعالى: ﴿قُل لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]. (ولا خِلال) الخلال من (الخُلَّة) وَهي: الصداقة والصحبة. والمعنى: أن الله ﵎ أمرهم بطاعته وأهمها إقامة الصلاة، وأمرهم بالإحسان إلى الناس والإنفاق سرًّا وجهرًا قبل أن يأتي يوم القيامة، فلا تنفع فيه تجارة ولا بيع؛ فلا يفادي أحد نفسه بمال، ولا يستطيع شراء ما فاته من الجنة، ولا تنفع الصحبة والصداقة؛ فلن ينصره صاحب، ولن يدافع عنه صديق بأي حال. * أما الموقف الذي تنفع فيه صحبة المتقين: كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] هو: شفاعة المؤمنين لأصدقائهم ومعارفهم من عصاة المسلمين إذا دخلوا النار.

стр. 127

* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] أي: لا تنفع فيه صحبة صاحب ينصره أو يرد عنه السوء، ولا شفاعة شافع عند الله إلا بإذنه. خليفة قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة﴾ [البقرة: ٣٠]. (خليفة) لها ثلاثة معان: ١ - خليفة يخلف اللهَ في إبلاغ شرعه لعباده، وليس المعنى: خليفة عن الله في الأرض؛ فالله تعالى لا يغيب بإحاطته وعلمه وتدبيره حتى يخلفه أحد، بل هو الذي يخلف العبدَ؛ ففي دعاء السفر قوله ﷺ : «أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل» صحيح النسائي (٥٥١٦). وهذا المعنى يؤيده قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. (خليفة) تقيم حكم الله في الأرض. ٢ - خليفة لمن سبقه من كائنات في الأرض، قيل: إن الأرض كانت معمورة بالجن قبل آدم فأفسدوا فيها، فأرسل الله عليهم من يقاتلهم؛ فجعلهم في البحار والجبال، وجعل آدمَ وذريته يخلفونهم في الأرض؛ ولذلك قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]. ٣ - أي: خلائف يخلف بعضهم بعضًا ويتناسلون، وهذا المعنى كما في قوله تعالى: * ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]. * ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. * ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. * ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [يونس: ٧٣]. * ومنها قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورا﴾ [الفرقان: ٦٢] (خِلفة) أي: كلما ذهب أحدهما خَلَفَهُ الآخر. انظر تفسير العثيمين للآية، وتفسير أضواء البيان. الخير قال تعالى ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. مفردة (الخَير) في القرآن الكريم لها معان مختلفة بحسب السياق:

стр. 128

- فجاءت بمعنى: (الخيل) في الآية السابقة، والمراد: أن الخيل ألهتْ سليمان ﵇ عن الصلاة. - وجاءت بمعنى: (المال) في قوله تعالى: * ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] أي: لحب المال. * ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] أي: إذا آتاه الله مالًا تجده منوعًا شحيحًا. * ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: ترك مالًا، والمراد عُرفًا بالخير هنا: ترَك مالًا كثيرًا. وقد اختلف المفسرون في الوصية في هذه الآية الكريمة؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا وصية لوارث» صحيح الجامع (٧٥٧٠) فكيف تكون للوالدين والأقربين؟! ويحسم الخلاف ما جاء في الصحيح: عن ابن عبّاسٍ ﵄، قال: «كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ اللّه من ذلك ما أحبّ؛ فجعل للذّكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلّ واحدٍ منهما السّدس، وجعل للمرأة الثُّمن والرّبع، وللزّوج الشّطر والرّبع» صحيح البخاري (٢٧٤٧). فالآية على هذا منسوخة، وتبقى على الاستحباب في حال الأبوين اللذين لا يرثان بسبب الكفر أو الرق، وفي حال الأقرباء الذين لا نصيب لهم في الميراث. * كذلك تكرر في كتاب الله: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإذا اقترن (الخير) بالإنفاق أو الصدقات والفقر والشحّ فهو المال؛ ومن ذلك: * ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. * ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: من تطوع من الصدقة فزاد على القدر الواجب. * ﴿وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] بنعمة وسعة ومال. * ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: بخلاء بالمال والنفقة. * ﴿مَّنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾ [ق: ٢٥] بخيل بالمال لا يؤدي حقه. * ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١].

стр. 129

* ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] أي: مال وعافية ورزق. * ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤] أي: فقير إلى المال وغيره. - ومنها ما جاء بمعنى (الطاعات والعمل الصالح) ومن ذلك: * ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]. * ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرا﴾ [آل عمران: ٣٠]. * ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥] أي: من كل طاعة وعمل صالح. * ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا﴾ [الأنعام: ١٥٨] أي: إذا طلعت الشمس من مغربها، أو ساعة الاحتضار لن ينفع نفسًا إيمانُها ولا كسبُها من العمل الصالح. * ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] إيمانًا وصلاحًا. * ﴿وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] إلى الصلاح والرشد. * ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فضلًا عظيمًا يقود لخَيْرَي الدنيا والآخرة. - ومنها ما جاء بمعنى (المنافع والمصالح) مثل: * ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرا﴾ [النساء: ١٩] جميع المصالح والمنافع، ومنه الولد الصالح. * ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] منافع الدنيا وثواب الآخرة. * ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] أي: من خيري الدنيا والآخرة. * ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. - وجاءت (ضد الشر): * ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الخير المطلق وخزائنه من كل شيء. * ﴿لَّا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩]. (الخيرِ) ضد الشر؛ فهو: الخير، والعافية، والمال، والزوجة، والأبناء، والرزق بعامة.

стр. 130

* ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. * ﴿إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [النساء: ١٤٩] كل خير من الأقوال والأفعال. * ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] أي: لا ينقل من سماعه لكم إلا ما فيه الخير لكم لا الشر والفساد. * ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] يشمل كل نِعَم الدنيا. - وجاءت بمعنى (الظفر والنصر): * ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]. - وبمعنى (الثواب والأجر): ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] لا ثواب، بل على العكس منه. - وبمعنى (القدرة والرشد والعقل): ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا﴾ [النور: ٣٣] أي: قدرة على التّكسب ورُشدًا. * ومثلها: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] أي: عقلًا وفهمًا، ولكنهم صمٌّ بكمٌ لا يعقلون! - ومن الآيات ما جاء بصيغة التفضيل، وهي كثيرة وجليّة منها: * ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. * ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]. * ﴿فَئَامِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]. * ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]. * ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] أي: خيرٌ حِفظًا؛ فحِفظُه خيرُ حِفظ.

стр. 131

حرف الدال داخرين قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]. (دَاخِرِينَ) تقول العرب: (دَخِرَ الرجل) إذا ذلَّ وصَغُر. و (الشخص الداخر): هو المُهان الذليل الذي ينقاد ويفعل ما يُؤمر به. فمعنى (داخرين) أي: صاغرين، شاءوا أم أَبَوْا؛ مسلوبي الإرادة ومنقادين رغمًا عنهم لأمر الله. * ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. (دَاخِرِينَ) أي: حقيرين عليهم الذُّل والصَّغار، فيجتمع عليهم العذاب والإهانة جرَّاء استكبارهم عن عبادة الله ﵎. * ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. (دَاخِرُونَ) مقهورون خاضعون. * ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨]. (دَاخِرُونَ) حَقِيرُونَ أذلاء مقهورون تحت قدرة الله ﵎. دائمون قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. (دَائْمُونَ) الدوام على الصلاة له معنيان: ١ - دوام على أدائها والمواظبة عليها مدى العمر حتى يتوفاه الله. ٢ - دوام على شروطها وأركانها وسننها والطمأنينة فيها، وإقامة وجوههم نحو القبلة؛ فلا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا. وينتج عن ذلك الخشوع؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فهو حضور القلب والطمأنينة، واستشعار أفعال الصلاة. قال ابن القيم ﵀: «هُما أمْرانِ: الدَّوامُ عَلَيْها، والمُداوَمَةُ عَلَيْها» مدارج السالكين (١/ ٣٦٥). فالدوام عليها: أداؤها على وجهها، والمداومة عليها: عدم تركها، اللهم اجعلنا منهم!

стр. 132

* وكذلك المعنى في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]. * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]. * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]. (يحافظون) لها معنيان: ١ - المحافظة على أدائها: بالمواظبة وعدم التهاون على مدى الحياة؛ لأن تركها كفر. ٢ - حفظ أركانها وشروطها ومواقيتها، فتؤدَّى على الوجه الصحيح. دحورًا قال تعالى: ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٨ - ٩]. (دحورًا) أي: طردًا وقذفًا، من (دَحَر) أي: دفع وأبعد وطرد؛ تقول العرب: (دحرته فاندحر) أي: طردته فانطرد. * ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورا﴾ [الأعراف: ١٨]. * ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورا﴾ [الإسراء: ١٨]. * ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أي: مُبْعَدًا مطرودًا. دخان قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. (بِدُخَانٍ): اختلف المفسرون في حقيقة هذا الدخان وزمنه، وظنّ بعضُهم أنه الدخان الذي هو من علامات الساعة. والراجح -كما رجحه ابن عاشور- لدلالة السياق، وأيضًا فإن له دليلًا من السنة بما لا يدع مجالًا للخلاف: أنه دخان أصاب قريشًا في سِني القحط التي دعا بها رسول الله عليهم. فالخطاب في قوله: (فارتقب) يعني: يا محمد، ولو كان هذا الدخان من أشراط الساعة، لما كان الخطاب له ﵊. - والدليل من السنة: (إن قريشًا لما غلبوا النبي ﷺ واستعصوا عليه، قال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف؛ فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من

стр. 133

الجوع، قالوا: ﴿رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] إلى قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]). صحيح البخاري (٤٨٢٢). دَخَلًا قال تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]. (دَخَلًا) الدَّخَل: ما يدخل في الشيء فيفسده. أي: لا تدخلوا الفساد والخديعة عن طريق الحلف والأيْمان؛ فتكون أيْمانكم وسيلة للغدر والخداع. * أما قوله تعالى: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]. (أربى) أي: أكثر. والمعنى: لا يصح أن تتخذوا الأيْمان المؤكدة بينكم وبين من عاهدتم وسيلة للغدر، فإذا كان العاقد ضعيفًا انتقلتم إلى من هو أربى وأكثر لينفعكم، وأخللتم بالعهد مع الأول. * ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤]. (دَخَلًا) أي: وسيلة للغدر والخديعة؛ لتقطعوا بذلك حقوق الغير، أما قوله: (فتزل قدم بعد ثبوتها): فهو تحذير من نقض العهود؛ لأنه سبب زلة الأقدام على الصراط والسقوط إلى شر حال. دسّاها قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. (دَسَّاهَا) من الدَّس: وهو الإخفاء. والمعنى: خاب مَنْ أخفاها؛ فأخفى فطرة الإيمان التي فطره الله عليها، وطمس معالم النور التي كان بالإمكان أن تسطع في جوانبه بتزكيتها، ولكنه دسها وغمرها في مستنقع الشرك والضلال. فالتّدْسِية: عكس التزكية؛ (التّدْسِية): فساد وخسارة وإخفاء. و (التزكية): زيادة وبركة ونماء. * ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩]. (يَدُسُّهُ) أي: يخفيه ويدفنه في التراب. ولكن المعنى في الآية الأولى معنوي، وفي الآية الثانية مادي محسوس.

стр. 134

دعّا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. (يُدَعُّونَ) من الدَّع: وهو الدفع بعنف في القفا. والمعنى: يوم تدفعهم ملائكة العذاب بعنف من خلفهم في النار، وكلما أرادوا الخروج تعيدهم إلى النار دفعًا على وجوههم وهم بالأغلال مقيدون، عياذًا بالله. * ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] أي: يدفعه بغلظة وشدة؛ ليمنعه من أخذ حقوقه. دلوك قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودا﴾ [الإسراء: ٧٨]. (لِدُلُوكِ الشمس) أي: عند زوالها ومَيلانها إلى جهة الغرب؛ تقول العرب: (دلكت الشمس) أي: زالت ومالت عن مكانها. والمعنى: زوالها عن كبد السماء، وهو وقت الظهر، ويدخل فيه وقت العصر. (غسق الليل) أول الليل، وغياب الشمس تمامًا، وهو وقت المغرب ويدخل فيه وقت صلاة العشاء. (وقرآن الفجر) هي صلاة الفجر؛ فهذه الصلوات الخمس المفروضة بأوقاتها. دمدم قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]. (فَدَمْدَمَ) دمدم الشيءَ أي: ألصقه بالأرض. فالدمدمة: هي الهلاك والرجفة التي أرسلها عليهم فهلكوا جميعًا. (فَسَوَّاهَا) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - جعل العقوبة نازلة عليهم جميعًا على السواء؛ فلم ينج منهم أحد. ٢ - سوّى بلادهم عليهم بالأرض. دِهاقًا قال تعالى: ﴿وَكَأْسا دِهَاقا﴾ [النبأ: ٣٤]. (وَكَأسًا) الكأس المراد بها: الخمر؛ خمر الجنة التي لا تشبه خمر الدنيا إلا في اسمها، فهي لا تُذهِب العقلَ، ولا تصدع الرأس.

стр. 135

(دهاقًا) دهق: من الأضداد؛ تقول العرب: (دهَقتُ الكأسَ) أي: ملأته لآخره فلم يبق فيه فراغ. و (دهقت الماءَ) أي: أفرغته لآخره فلم يبق منه قطرة. فلعلّ اللفظ إذا ارتبط بالإناء دلّ على امتلائه، وإن ارتبط بالسائل دلّ على إفراغه؛ لذلك جاء اللفظ مع الكأس ليدل على امتلائه، فلو جاء اللفظ: (وخمرًا دهاقا) لدل على عكس المعنى؛ أي: خمرًا منسكبة على آخرها، والله أعلم. وجاء في وصف الخمر في القرآن الكريم كذلك قوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥]. (رّحِيق) الرحيق: خلاصة الخمر. (مختوم) لها معنيان: ١ - بقيَّته وآخره بنكهة المسْك الخالص. ٢ - خُتم على فم الكأس بالمسك زيادة في اللذة، فلا يفتحه إلا صاحبه. وهذا خلاف أنهار الخمر الجارية. وجاء الخمر كذلك باسمه؛ قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] فجاء التعبير عن الخمر في القرآن بهذه الأسماء الثلاثة: (الخمر، الكأس، الرحيق). الدِّين مفردة الدِّين لها ثلاثة معان في القرآن الكريم، وجميعها من الفعل (دان): ١ - الملة والشريعة، أو التوحيد أو الدين؛ سواء الإسلام أو غيره؛ يقال: (دان بدين كذا). ٢ - الجزاء والحساب؛ كما في الأثر: «الكيِّس من دان نفسه» أي: حاسبها. ٣ - الخضوع والطاعة؛ يقال: (دانت له الجبابرة) أي: خضعت له. - فما جاء بمعنى: (الدِّين والملة) كثير وبيّن؛ ومنه قوله تعالى: * ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. * ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] دين التوحيد لله لا شريك له. * ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. * ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] أي: في ملّتهم.

стр. 136

* ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]. * ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينا﴾ [المائدة: ٣]. * ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا﴾ [الأنعام: ١٦١]. * ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. * ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩] الدِّين الصحيح الذي شرعه الله. * ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] جميع الأديان. * ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥] اتَّبع شرائعه. * ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]: دِينِ الْمَلِكِ: شريعته الحاكمة؛ والمعنى: ما كان يوسف ليطبّق حكم عزيز مصر على أخيه بنيامين؛ لأن حكمه: أن يغرّم السارق ضعف ما سرق ثم يخلّى سبيله، ولكنه بدهائه وإلهام من الله حكم عليه بحُكم إخوانه، وهو الحكم الذي عليه شريعة يعقوب ﵇؛ فقد كان الحكم: أن يؤخذ السارق بسرقته عبدًا يُسترقّ. * ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] في حكمه وتشريعه. * ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] دين فرعون وتشريعاته. - ومنها ما جاء بمعنى: (الجزاء والحساب) وهي كل ما جاء مضافًا إلى يوم (يوم الدين): * ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]. * ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] يوم الجزاء والحساب. - ومنها ما جاء يحتمل معنيين معنى الملة والدين ومعنى الجزاء والحساب كقوله تعالى: * ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٩]. (بِالدِّينِ) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - الملة؛ وهي الدِّين الذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . ٢ - الدِّين: الجزاء والحساب.

стр. 137

* ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧]. ١ - الدِّين: الملة والشريعة. ٢ - الدِّين: الجزاء والحساب. وحرف (ما) في قوله: (فما يكذبك) له معنيان: ١ - الضمير عائد على الإنسان؛ أي: ما يحملك أيها الإنسان بعد هذه النعم على أن تكذب بدين الله وبالجزاء والحساب؟! ٢ - الضمير عائد على الرسول ﷺ ، و (ما) هنا بمعنى (مَنْ) أي: فَمَنِ الَّذِي يُكَذِّبُكَ يا محمد بَعْدَ هَذا البَيان وهذه النعم؟! وانظر نظائر هذه الآية في معاني حرف (ما). * ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١]. (بالدّين): ١ - بالحساب والجزاء فلا يؤمن به. ٢ - بالملة والشريعة -وهي الإسلام- فلا يطيع الله في أمره ونهيه. - ومنها ما جاء بمعنى: (التوحيد) وبمعنى: (الطاعة والخضوع والعبادة): * ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. ١ - الِّدين والتوحيد خالصًا لله لا شرك فيه. ٢ - الطاعة والعبادة له وحده. * ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢]. ١ - التوحيد خالصًا دائمًا لله لا شرك فيه. ٢ - الطاعة والعبادة له وحده دائمة ثابتة. * ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. ١ - التوحيد له لا شرك فيه. ٢ - الطاعة والعبادة له وحده.

стр. 138

* ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ١ - الدِّين والتوحيد خالصًا لله لا شرك فيه. ٢ - الطاعة والعبادة لله لا شِرْكَ فيها لغيره؛ وذلك هو الدِّين المستقيم.

стр. 139

حرف الذال ذَرْوًا قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوا﴾ [الذاريات: ١]. (الذَّارِيَاتِ) الرياح. فالذاريات: جمع ذارية؛ لأنها تذرو الترابَ وبخارَ الماء وغيره فتفرّقه في الهواء. (ذروًا) أي: هبوبًا وتفريقًا بلين ولطف، أو بقوة وشدة. والمعنى: أقسم اللهُ بالرياح في هبوبها حاملة معها ما تذروه وتفرقه هنا وهناك. * ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]. (تَذرُوهُ) تنثره وتفرقه. ذكر مفردة (الذكر) لها عدة معان في القرآن الكريم: ١ - الشرف والثناء. ٢ - الكتب، أو القرآن والتوراة. ٣ - ذكر الله بأنواعه، والصلاة. ٤ - الوحي. ٥ - الخبر. ٦ - اللوح المحفوظ. ٧ - موعظة وتذكير. - فجاءت مفردة الذكر بمعنى (الشرف): * في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. (لَذِكرٌ) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - الذكر من التذكير. فالمعنى: فيه تذكير لكم وموعظة وتفصيل للدِّين. ٢ - الذكر من الشرف والحسَب. والمعنى: فيه شرف لك ولقومك؛ لنزوله بلغتكم، ولكونه نزل على واحد منكم.

стр. 140

(وَسَوفَ تُسألونَ) تُسألون عن القيام بحقه في العمل به وإبلاغه للناس. * ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] أي: بما فيه الشرف لهم. * ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي: فيه شرفكم ورقيُّكم إن عملتم بما فيه. - وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الكتب السماوية، أو القرآن): * ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤]. (ذِكرُ مَنْ معِي وَذِكرُ مَنْ قَبلِي) ذكر من معي: هو القرآن. وذكر من قبلي: هو كُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ، نَاطِقٌ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. * ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨ - ١٦٩]. يخبر تعالى أن هؤلاء المشركين يُظهرون التمني، ويقولون: لو جاءنا من الذكر والكتب ما جاء الأولين، لأخلصنا للّه العبادة. * ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] أي: اسألوا أهل الكتب السابقة -وهي التوراة والإنجيل- يخبرونكم بما عندهم من العلم، وأنهم كلهم بشر من جنس المرسل إليهم. - وجاء بمعنى (القرآن الكريم) في الآيات التالية: * ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]. * ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢]. * ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]. * ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥]. * ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]. انظر تفسير الآية في باب الجمل، (سورة الزخرف، آية: ٥). * ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]. * ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. * ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] أي: الملائكة تتلو القرآن الكريم.

стр. 141

- وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الذكر باللسان، أو الصلاة): * ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرا﴾ [البقرة: ٢٠٠] ذكر اللسان. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرا﴾ [الأحزاب: ٤١] ذكر اللسان. * ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] ويشمل جميع أنواع الذكر. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] الصلاة وجميع أنواع الذكر. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. (فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) إلى صلاة الجمعة. - وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الوحي): * ﴿أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥]. * ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] الملائكة تلقي الوحي على الرسل. - وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الخبر): * ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] أي: سأقصُّ عليكم منه خبرًا. * ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا﴾ [الكهف: ٧٠] حتى أعطيك خبرًا بحاله. - وجاءت مفردة الذكر بمعنى (اللوح المحفوظ): * ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي: كتبناه في الكتب المنزلة، بعدما كتبنا في الكتاب السابق، الذي هو اللوح المحفوظ. - وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الموعظة والتذكير): * ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣]. * وقد تكرر في كتاب الله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤].

стр. 142

* ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ولها معنيان: ١ - أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به. ٢ - ذو شرف؛ لشرفه وشرف مَنْ يعمل به. * ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ [ص: ٤٩]: ١ - ذكر وثناء جميل على الأنبياء السابق ذكرهم في الآيات. ٢ - تذكير وموعظة لجميع الناس. * ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. (لذكري) تحتمل معانيَ عدة بناء على معنى (اللام) في قوله: (لذكري)، وهذا من بلاغة القرآن الكريم واتساع معانيه: ١ - اللام تعليلية؛ أي: أقم الصلاة لكي تَذكُرَني بها؛ لأن الصلاة كلها ذكر لله، فجعلت هنا إقامة الصلاة عِلة الذكر وسببه. وتحتمل كذلك معنى آخر: أقم الصلاة لتقصد بها ذكري وحدي لنفي الشرك. ٢ - أن اللام للتوقيت؛ أي: أقم الصلاة عند الوقت الذي جعلته لذكري. وهذا يشمل أوقات الصلوات المفروضة. ولها معنى آخر كذلك؛ أي: أقم الصلاة متى ذكرتني إذا نسيت. ففي الصحيح: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فإنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، صحيح مسلم (٦٨٤). ذلولٌ قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]. (لَا ذَلُولٌ) أي: لم تذلل وتستخدم لحراثة الأرض. (وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) ولا لسقاية الحرث. والمعنى: هي بقرة برّية، لم تذلل قبل ذلك للعمل، ولا لحراثة الأرض، ولا لسقاية الزرع. (مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) (مسلمة) أي: سالمة من العيوب. (لا شِيَة فيها): شية من: الوشي، وهي العلامة واللون والأثر. تقول العرب: (وشيتُ الثوبَ) أي: نقشته بألوان ونحوها. والمعنى: أن البقرة لا لون فيها أو أثر من بياض أو سواد غير لونها الأصفر الفاقع.

стр. 143

ذنوبًا قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]. (ذنُوبًا) الذنوب: النصيب، والآية فيها تهديد ووعيد؛ أي: للذين ظلموا -والظلم: الكفر وعدم اتّباع النبي- نصيبًا من العذاب، مثل ما فُعل بأصحابهم في الكفر؛ وهم من سبقهم من أهل الظلم والتكذيب. فائدة (١): ورد التعبير عن النصيب في كتاب الله بعدة ألفاظ على اختلاف دقيق بحسب السياق، نذكر منها الآيات التالية: ١ - (كِفل): ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. (كِفْلٌ) أي: نصيب. ٢ - (خلاق): ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠]. (خلاق) أي: نصيب. ٣ - (السهم) وهو النصيب؛ ومنه ما جاء في قوله تعالى عن يونس ﵇: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١] أي: فاقترعوا وتساهموا فوقع نصيبه، أو كان سهمُه أن يُلقَى في البحر. ٤ - (شِرك): ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي: حصة أو نصيب وشراكة في خلق السموات؛ ليستحقوا بذلك الاشتراك في الألوهية. ٥ - (القِطّ): القسم والنصيب: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص: ١٦]. (قِطَّنَا) أي: نصيبنا وقسطنا. ٦ - (حظ): ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥] أي: نصيب. ٧ - (جزء): ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٤] أي: نصيب منهم. ٨ - (نصيب): ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣].

стр. 144

فائدة (٢): ورد في السنة (الذَّنوب) بمعنى (الدلو): ومنه الحديث: «جاء أعرابيٌّ فبال في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : «أهريقوا عليه ذنوبًا أو سجلًا من ماءٍ» أخرجه الإمام أحمد، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح (١٢٠٨٢).

стр. 145

حرف الراء رابية قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]. (رَابِيَة) من (رَبَا) أي: زاد وكثر وعلا. (رابية) أي: شديدة الزيادة عن حد إهلاكهم، ورابية من العلو فوقهم؛ فهي غامرة لهم جميعًا. * ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيا﴾ [الرعد: ١٧]. (زَبَدًا رَابِيًا) رابيًا: من الزيادة والكثرة، والطفو فوق الماء. فالمعنى: مَثَلٌ ضربه الله للحق والباطل؛ فهذا الزَّبد يعلو على الماء بصفة مؤقتة ثم يتبدد، هكذا الباطل يعلو ويطفو على الحق ثم يتبدد ويتلاشى. * ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. (بِرَبْوَةٍ) سميت الربوة ربوة؛ لأنها ارتفعت وعلت. واختيرت الجنة أن تكون على ربوة؛ لزيادة الحسن. * ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]. (ربت) أي: زادت ونمت. راعنا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤]. (رَاعِنَا): كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمور الدين: (رَاعِنَا) فيقصدون بها معنى صحيحًا؛ أي: راعِ أحوالنا. فانتهز اليهود الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول بها، ويقصدون بها معنى فاسدًا؛ فيقولون: (راعنا) ويقصدون بها سب الرسول ﵊: إما بمعنى سيّئ في لغتهم، أو من الرعونة والحُمق. فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدًّا لهذا الباب، ولأن فيهم المنافق الذي قد يستعمل هذا اللفظ إساءة للنبي. * من فوائد الآية الكريمة: - النهي عن الأمر الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم.
следующие страницы →