Полный текст (544 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
- وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الذكر باللسان، أو الصلاة):
* ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرا﴾ [البقرة: ٢٠٠] ذكر اللسان.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرا﴾ [الأحزاب: ٤١] ذكر اللسان.
* ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] ويشمل جميع أنواع الذكر.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] الصلاة وجميع أنواع الذكر.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
(فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) إلى صلاة الجمعة.
- وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الوحي):
* ﴿أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥].
* ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] الملائكة تلقي الوحي على الرسل.
- وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الخبر):
* ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] أي: سأقصُّ عليكم منه خبرًا.
* ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا﴾ [الكهف: ٧٠] حتى أعطيك خبرًا بحاله.
- وجاءت مفردة الذكر بمعنى (اللوح المحفوظ):
* ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي: كتبناه في الكتب المنزلة، بعدما كتبنا في الكتاب السابق، الذي هو اللوح المحفوظ.
- وجاءت مفردة الذكر بمعنى (الموعظة والتذكير):
* ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣].
* وقد تكرر في كتاب الله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤].
стр. 142
* ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ولها معنيان:
١ - أن القرآن ذو ذِكْر؛ أي: ذو بيان للناس، يذكرهم ويتذكرون به.
٢ - ذو شرف؛ لشرفه وشرف مَنْ يعمل به.
* ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ [ص: ٤٩]:
١ - ذكر وثناء جميل على الأنبياء السابق ذكرهم في الآيات.
٢ - تذكير وموعظة لجميع الناس.
* ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
(لذكري) تحتمل معانيَ عدة بناء على معنى (اللام) في قوله: (لذكري)، وهذا من بلاغة القرآن الكريم واتساع معانيه:
١ - اللام تعليلية؛ أي: أقم الصلاة لكي تَذكُرَني بها؛ لأن الصلاة كلها ذكر لله، فجعلت هنا إقامة الصلاة عِلة الذكر وسببه. وتحتمل كذلك معنى آخر: أقم الصلاة لتقصد بها ذكري وحدي لنفي الشرك.
٢ - أن اللام للتوقيت؛ أي: أقم الصلاة عند الوقت الذي جعلته لذكري. وهذا يشمل أوقات الصلوات المفروضة.
ولها معنى آخر كذلك؛ أي: أقم الصلاة متى ذكرتني إذا نسيت.
ففي الصحيح: «إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فإنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، صحيح مسلم (٦٨٤).
ذلولٌ
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١].
(لَا ذَلُولٌ) أي: لم تذلل وتستخدم لحراثة الأرض.
(وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) ولا لسقاية الحرث.
والمعنى: هي بقرة برّية، لم تذلل قبل ذلك للعمل، ولا لحراثة الأرض، ولا لسقاية الزرع.
(مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) (مسلمة) أي: سالمة من العيوب. (لا شِيَة فيها): شية من: الوشي، وهي العلامة واللون والأثر. تقول العرب: (وشيتُ الثوبَ) أي: نقشته بألوان ونحوها.
والمعنى: أن البقرة لا لون فيها أو أثر من بياض أو سواد غير لونها الأصفر الفاقع.
стр. 143
ذنوبًا
قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩].
(ذنُوبًا) الذنوب: النصيب، والآية فيها تهديد ووعيد؛ أي: للذين ظلموا -والظلم: الكفر وعدم اتّباع النبي- نصيبًا من العذاب، مثل ما فُعل بأصحابهم في الكفر؛ وهم من سبقهم من أهل الظلم والتكذيب.
فائدة (١):
ورد التعبير عن النصيب في كتاب الله بعدة ألفاظ على اختلاف دقيق بحسب السياق، نذكر منها
الآيات التالية:
١ - (كِفل): ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
(كِفْلٌ) أي: نصيب.
٢ - (خلاق): ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠].
(خلاق) أي: نصيب.
٣ - (السهم) وهو النصيب؛ ومنه ما جاء في قوله تعالى عن يونس ﵇: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١] أي: فاقترعوا وتساهموا فوقع نصيبه، أو كان سهمُه أن يُلقَى في البحر.
٤ - (شِرك): ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي: حصة أو نصيب وشراكة في خلق السموات؛ ليستحقوا بذلك الاشتراك في الألوهية.
٥ - (القِطّ): القسم والنصيب: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ [ص: ١٦].
(قِطَّنَا) أي: نصيبنا وقسطنا.
٦ - (حظ): ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥] أي: نصيب.
٧ - (جزء): ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٤] أي: نصيب منهم.
٨ - (نصيب): ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣].
стр. 144
فائدة (٢):
ورد في السنة (الذَّنوب) بمعنى (الدلو):
ومنه الحديث: «جاء أعرابيٌّ فبال في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : «أهريقوا عليه ذنوبًا أو سجلًا من ماءٍ» أخرجه الإمام أحمد، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح (١٢٠٨٢).
стр. 145
حرف الراء
رابية
قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠].
(رَابِيَة) من (رَبَا) أي: زاد وكثر وعلا.
(رابية) أي: شديدة الزيادة عن حد إهلاكهم، ورابية من العلو فوقهم؛ فهي غامرة لهم جميعًا.
* ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيا﴾ [الرعد: ١٧].
(زَبَدًا رَابِيًا) رابيًا: من الزيادة والكثرة، والطفو فوق الماء.
فالمعنى: مَثَلٌ ضربه الله للحق والباطل؛ فهذا الزَّبد يعلو على الماء بصفة مؤقتة ثم يتبدد، هكذا الباطل يعلو ويطفو على الحق ثم يتبدد ويتلاشى.
* ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
(بِرَبْوَةٍ) سميت الربوة ربوة؛ لأنها ارتفعت وعلت.
واختيرت الجنة أن تكون على ربوة؛ لزيادة الحسن.
* ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩].
(ربت) أي: زادت ونمت.
راعنا
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤].
(رَاعِنَا): كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمور الدين: (رَاعِنَا) فيقصدون بها معنى صحيحًا؛ أي: راعِ أحوالنا.
فانتهز اليهود الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول بها، ويقصدون بها معنى فاسدًا؛ فيقولون: (راعنا) ويقصدون بها سب الرسول ﵊: إما بمعنى سيّئ في لغتهم، أو من الرعونة والحُمق.
فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدًّا لهذا الباب، ولأن فيهم المنافق الذي قد يستعمل هذا اللفظ إساءة للنبي.
* من فوائد الآية الكريمة:
- النهي عن الأمر الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم.
стр. 146
- وفيه الأدب مع الرسول، والكبير، والمعلم، وغيره.
- من الأدب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحَسن من المعاني، وترك الألفاظ المشتبهة التي تحتمل معنى غير لائق.
فقد أمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسَن فقال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا) أي: انتظرنا وتأنَّ معنا حتى نفهم عنك؛ فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور.
(وَاسْمَعُوا) من الاستجابة والطاعة؛ أي: أطيعوا ما أمركم الرسول به.
ولم يذكر المسموع؛ ليعمَّ كلَّ خير، فيدخل فيه القرآن والسنة وكل نافع.
رَاغَ
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١].
(فَرَاغَ) الرَّوْغ: هو العودة السريعة بخفة وخفية، ومنها (المراوغة) وهي: العودة السريعة مرة بعد مرة.
والمعنى: بعد أن خرج القوم من عند آلهتهم عاد هو إليهم خِفْيَة.
* ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣].
فعاد إليهم خِفْيَة مغتنمًا خلو المكان من الناس، فمال عليهم ضربًا وتحطيمًا.
* ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] أي: عاد إلى أهله بخفة وخِفية؛ كي لا يستأذن ضيوفه فيشعروا به، وهو زيادة في الإكرام حتى لا يشعروا بالتكلف لهم فيستحيوا منه.
رِبِّيّون
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
(رِبِّيُّون) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - من الرِّبَّة: وهي الجماعة.
وقيل: (الرِّبَّة) الواحدة هي الجماعة، أو الأتباع المكونة من عشرة آلاف فرد. فمعنى (ربيون كثير): آلاف كثيرة من الأتباع.
٢ - وقيل: من (الرَّب)؛ فالربيون: هم الرَّبانيون الذين يعبدون الرب.
وقد رَبَّتْهم أنبياؤُهم على الإيمان والأعمال الصالحة؛ فالمعنى: أتباع ربانيّون كثير.
стр. 147
ومعنى الآية العام: يخبر الله تعالى نبيه الكريم بما حصل للأنبياء السابقين، وكيف كان صبر أتباعهم ليقتدوا بهم؛ فقد قتل من أتباعهم جماعات كثيرة، فما وهَنَ من بقي منهم ولا ضعفوا ولا ذلوا، بل بقوا على قوتهم وعزتهم وصبرهم وثباتهم.
رجالا
قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
(رِجَالًا): جمع راجِل؛ أي: مُشاة على أرجلهم، ولكن المراد: مشاة وركبانًا. وقدم المشاة؛ إظهارًا لشوقهم إلى إجابة الداعي لحج بيت الله.
(ضامر) الضامر: هي الناقة أو البعير؛ سواء كان ذكرًا أو أنثى. وسمي ضامرًا؛ لهزاله بسبب قطع المسافات الطويلة، وذَكَرَهُ الله تعالى هنا كناية عن الركبان.
فكأن المعنى: ورُكْبانًا عَلى ضَوامِرَ يَأْتِين، وإضافة (كُلّ) هُنا لِلتَّكْثِير في العدد.
(مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق) أي: من كل طريق ومكانٍ ومسلكٍ بعيد.
و (فجّ) جمعها فِجاج؛ كما قال تعالى: ﴿لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجا﴾ [نوح: ٢٠].
* ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] أي: طرقًا واسعة ومنافذ ومسالك.
رجز
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥].
(رجْز) اختلف العلماء في معنى الرجز، وأظهر الأقوال: أن الرجز هو: كل ما تضطرب له القلوب من السوء والعذاب.
(من رجْز) أي: من سوء العذاب.
* ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩].
(رجْزًا) أي: عذابًا يسوؤهم وتضطرب له قلوبهم.
* ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١].
стр. 148
(رجز الشيطان) سمي رجْزًا؛ لأنه يوسوس في صدورهم بما يسوؤهم، وينشر الاضطراب بينهم.
* ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
(الرجز) السوء والبلاء.
و (الرِّجز) -بكسر الراء- غير الرُّجز -بضمها- فقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥].
(الرُّجز) بضم الراء المراد بها: الأوثان وكل باطل، وإن كانت كذلك داخلة في معنى السوء.
رحمته
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
(رحمته) المقصود بالرحمة هنا: هي المطر.
والمعنى العام: أن الله يمتن على عباده بإنزاله المطر الغزير، وينشره بواسطة الرياح على الأرض بعد الإياس من نزوله؛ فيحيي به الأرض، ويغيث به البلاد والعباد.
* ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧].
(رَحْمَتِه) أي: المطر.
والمعنى: يمتن الله على عباده بأنه هو الذي يرسل إليهم الرياح مبشرة بقدوم رحمته، وهي المطر.
* ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦].
(وَلِيُذِيقَكُمْ من رَحْمَتِهِ) ولتذوقوا من رحمته الجالبة لأرزاقكم؛ فيهطل المطر بالرياح، وتجري الفلك بالرياح فتتمكنون من السفر والتجارة؛ فتشكرونه بكثرة الأعمال الصالحة الفاتحة لمزيد خزائن رحمته.
وقد تكرر في القرآن الكريم لفظ (الرحمة)، والمقصود به: المطر تسبقه الرياح المبشرة بقدومه.
فائدة:
إذا كان المطر عذابًا أو فيه أذًى: فالآيات تشير إليه بلفظ: (المطر) وليس الرحمة:
كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].
* ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
стр. 149
وهذا هو أسلوب القرآن الكريم، إلا أنه لا حرج في استخدام لفظ (المطر) عمومًا؛ وقد جاءت السُّنَّة به ولغة العرب، وفي الصحيح: «مُطِرنا بفضل الله ورحمته» صحيح البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).
رُخاء
قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].
(رُخَاءً) رُخاء من (الرَّخْو والليونة) فقد سخر الله لسليمان الريح الرَّخْوة اللينة؛ يقال: (أرخيت الستر) أي: أسدلته؛ لأن السِّتْرَ ليّن، ومنه أيضًا: (رَخَاء العيش) أي: لِينه وسعته.
ف (الريح الرخاء) هي: الريح الطيّبَة الطَيّعَة له حيثما يريد، ولا منافاة بينها وبين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١].
فيتبين أن الله ﵎ سخر لسليمان الريح إن أرادها تعصف وتشتد، أو أرادها تلين وتهدأ؛ فهي طوع أمره.
ردءًا
قال تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤].
(ردْءا) الردء: هو العون؛ تقول العرب: (ردأته على عدوه) أي: أعنته عليه.
والمعنى: معينًا ومساعدًا، وهي كما قال ﵎: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] أي: وزيرًا يؤازرني ويعينني.
رَدِفَ
قال تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢].
(رَدِفَ لَكُمْ) والرِّدْف: هو التابع.
فالمعنى: تَبِعَكم وأوشك أن يلحقكم ويقع بكم العذاب.
* ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧].
(الرّادفة) سميت النفخة الثانية بالرادفة؛ لأنها تتبعها من ورائها.
* ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩].
стр. 150
(مُرْدِفِينَ) أي: يتبع بعضهم بعضًا، ومنه ما جاء في الأثر: «كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ » أي: كنت راكبًا خلفه ﵊.
الرِّفْد
قال تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩].
(الرِّفْد المَرْفُود) الرفد: من (الرّفادة) وهي الزيادة في العطاء.
والآية في قوم فرعون؛ فهي على سبيل الذم، فبئس العطاء وبئست الزيادة، فهم بعد لعنة الدنيا -وهي العقاب بالغرق- أُتْبِعوا بلعنات يوم القيامة، فالمقصود ب (الرِّفد المَرْفود) بئس العطاء المتتابع؛ فهي لعنات متلاحقة بعضها خلف بعض يوم القيامة إلى الأبد والعياذ بالله.
رفرفٍ
قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦].
(رَفْرَفٍ) نوع من البُّسط والوسائد المنسوجة توضع فوق الفراش، وهي هنا منسوجة من حرير الجنة الأخضر.
(وَعَبْقَرِيٍّ) العبقري: وصف لصنف من الفرُش المنقوشة فائق الجمال؛ كانت العرب تصف الشيء النادر في جماله ووجوده بهذا الوصف.
الرقيم
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩].
(الرَّقِيمِ) اختُلف في تفسيره، وأظهر الأقوال: أن الرقيم من (المرقوم)؛ أي: المكتوب. فكأنه لوح على باب الكهف كتب عليه أسماؤهم أو قصتهم ذلك الزمان، أو صَخْرَةٌ نُقِشَتْ عليها أسْماؤُهم.
وقيل: هو الجبل الذي فيه الكهف، أو الوادي المطل عليه، والله تعالى أعلم.
ركزًا
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَا﴾ [مريم: ٩٨].
(رِكْزًا) الركز: هو ما خفي من صوت أو حس.
والمعنى: أن الله أهلكهم بالكلية، فلم يَبْقَ منهم أثرٌ ولا عين ولا خبر.
стр. 151
* فائدة:
ومن ذلك سمي (الركاز)؛ لأنه مال مخفي ومدفون في باطن الأرض. وتقول العرب: (رَكَزَ الرمح) أي: غيّبَ طرفه في الأرض.
رهطك
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١].
(رَهطُكَ) يخبر الله تعالى عن قبيلة شعيب بعد تكذيبهم له قولهم: ولولا رهطك لرجمناك؛ أي: ولولا أنك في منَعَة من عشيرتك لقتلناك رجمًا.
والرَّهْطُ إذا أُضِيفَ إلى رَجُلٍ قد يُراد به القَرابَةُ الأدْنَوْنَ، أو ربما كانوا فَخِذًا من قبيلة؛ فَلِذَلِكَ وقَّرُوهم بِكَفِّ الأذى عَنْ قَرِيبِهِمْ.
* ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨].
(رَهْط) الرهط: هم مجموعة دون العشرة، وقيل: أكثر. وهم هنا: تسعة من الأصحاب، منهم:
عاقر الناقة.
الرُّوح
معاني (الروح) في القرآن الكريم:
- جاءت الروح بمعنى (الوحي) في الآيات التالية:
* ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢].
(بِالرُّوحِ) بالوحي.
* ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].
(يلقي الرُّوحَ) يلقي الوحي.
- وجاءت الروح بمعنى (جبريل ﵇ في الآيات التالية:
* ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤].
(الرُّوحُ) من الملائكة، وقيل: جبريل ﵇.
стр. 152
* ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
(وَالرُّوحُ) جبريل ﵇.
* ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابا﴾ [النبأ: ٣٨].
(الرُّوحُ) جبريل ﵇.
* ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيّا﴾ [مريم: ١٧].
(رُوحَنَا) جبريل ﵇، وأضافها إليه تشريفًا.
وكذلك الآيات المشتملة على (روح القدس، والروح الأمين) المراد بها: جبريل ﵇.
- وجاءت الروح بمعنى: (روح الإنسان، أو المخلوق):
* ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥].
(الرُّوح) الروح التي يحيا بها بدن المخلوق.
- وجاءت الروح بمعنى: (روح عيسى ﵇ خاصة):
* ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
(وَرُوح منهُ) روح عيسى ﵇، خلقها الله وأضافها إليه تشريفًا.
* ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١].
(من روحنا) روح عيسى ﵇، خلقها وأضافها إليه تشريفًا.
- وجاءت الروح بمعنى: (روح آدم ﵇ خاصة):
* ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].
(رُوحِي) روح آدم المخلوقة، ونسبها الله تعالى إليه تشريفًا.
- وجاءت بمعنى: (القرآن):
* ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
(رُوحًا) القرآن؛ لأنه تحيا به القلوب.
стр. 153
رَوْحٌ
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩].
(رَوْحٌ) أصل الكلمة من السعة والامتداد؛ تقول العرب: (قصعة رَوْحَاء) أي: واسعة. وتقول: (تَرَوّحَت البقول) إذا امتدت وطالت.
فالمعنى: كل ما يدل على السعة المعنوية للنفس والقلب: من الرحمة، والسعادة، والفرج، والراحة، والانشراح، وطيب العيش.
والمراد: البشرى للمقربين عند الاحتضار بهذه البشارة التي تسعد بها الروح، وتطير فرحًا عند سماعها.
* ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَايْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
(روْحِ اللَّهِ) رحمته وفرجه.
أما قوله تعالى: (وَرَيْحَانٌ) فالريحان له معان لا تتعارض:
- أنه ريحان الجنة.
- أنه كل لذة بدنية، وروائح طيبة.
وكما قال تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢].
(وَالرَّيحَانُ) هو الريحان المعروف، أو جميع الروائح الطيبة.
وبذلك جمع الروح والريحان بين طيب العيش وطيب الرائحة، وبين كل لذة نفسية: من راحة، ورحمة، وسعادة … وكل لذة بدنية: من مشموم، ومأكول، ومشروب، ومنكوح، وملبوس …
ريب
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
(رَيْبَ الْمَنُونِ) أي: مصائب الدهر المؤدية إلى الموت، وهو المنون.
وقيل: سمي ريبًا؛ لأنه مشكوك في وقت حدوثه، لا في حقيقة حصوله.
ريشًا
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
(وَرِيشًا) الريش: ما يُتجمّل به من الثياب.
стр. 154
(قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا) عبّر عنه بالإنزال؛ لأنه أنزل أسبابه؛ فكله مستخرج من نبات الأرض الذي نما من الأمطار.
* فائدة:
والرّيش يطلق أيضًا على جميع أصناف الرزق: من مال، ولباس، وأثاث، وغيره؛ يقال: (تَريّش فلانٌ) أي: اغتنى في معاشه.
ريع
قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨].
(رِيع) تطلق العرب معنى (الرِّيع) على:
- المكان المرتفع من الأرض.
- وعلى الطريق، وجمعها: رِياع.
وقيل: إن قوم عاد من براعتهم في البناء كانوا يبنون أبراجًا فوق المرتفعات، ومباني عالية على وجه المفاخرة والعبث.
* فائدة لغوية:
- (الرِّيع) بكسر الراء وتشديدها: هو الطريق أو المكان المرتفع. وهو المراد في هذه الآية.
- (الرَّيع) بفتح الراء وتشديدها: هو الغلة، والفضل، والناتج من الشيء.
تقول العرب: (نما الزرع وكثُر رَيعُه). وكما نقول: (رَيع هذا العمل لله) أي: يُصرف ربحه وما يرجع منه لله. ونقول في (رَيع الشباب ورَيعان الشباب) أي: أوله وأفضله.
стр. 155
الزّبر
قال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤].
(الزُّبُرِ) بضم الزاي والباء، ومفردها: زبور.
ومعناها بحسب سياق الآية: فهي هنا بمعنى: الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء.
* ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
(الزُّبُرِ) الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء.
* ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥].
(وَبِالزُّبُرِ) الكتب السماوية.
و (الكتاب المنير) وصف للكتب على سبيل التأكيد أنها مضيئة واضحة بالحجج والبراهين.
* ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣].
(الزُّبُرِ) أي: أم أن الله أنزل لكم الأمان في الكتب السماوية المتقدمة؟!
والخطاب لكفار مكة؛ يذكّرهم بأنه أهلك الأقوام السابقة المكذبة، فهل أنتم في أمان؟! وهل أنزل الله براءتكم من العقوبة في الكتب السابقة؟!
* ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢].
(الزُّبُرِ) أي: مكتوب في الكتب القدرية، وهي: كتب الحفظة، وكل أعمالهم مسجلة في صحائفهم.
* ومن أصل اللفظ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
(في الزبور من بعد الذكر) الزبور: هو الكتاب. والمزبور: هو المكتوب. و (زبرت الكتاب) أي: كتبته.
و (الزبور) في الآية هي: كتب الأنبياء كلها.
(الذكر) هو: اللوح المحفوظ، هو القول الذي عليه أكثر المفسرين.
فالمعنى: يخبر الله أنه كتب في الكتب المنَزّلة التي أنزلها على رسله -وهي منسوخة مما كتب سابقًا في اللوح المحفوظ- أن الأرض -والمقصود بها هنا: أرض الجنة- أنها لعباده الصالحين؛ وهو المعنى الراجح كذلك.
стр. 156
* أما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورا﴾ [الإسراء: ٥٥].
ف (الزبور) هنا: هو الكتاب الذي أُنزل على داود ﵇.
زخرفًا
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
(وَزُخْرُفا) الزخرف عند العرب: هو الذهب -إذا جاءت الكلمة غير مضافة- ويجوز في الآية أن يكون الزخرف: هو زينة كل شيء.
فيكون المعنى:
- ونجعل لهم مع ما سبق ذهبًا وغنًى.
- وبمعنى الزينة؛ أي: ونجعل لهم زينة في كل شيء بأنواع الزخارف.
* ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣].
(مِنْ زُخْرُفٍ) أي: من ذهب.
أما إذا جاءت كلمة زخرف مضافة فتعني (الزينة):
(زخرف القول): هو الكلام المزين والمنمق بالباطل؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
(زخرف الأرض) أي: زينتها؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤].
زكاها
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩].
(زَكَّاهَا) التزكية لها معنيان:
١ - التنقية والتخلية من الشرك والكفر والفسوق والعصيان.
٢ - التنمية والتحلية بزيادة الإيمان والأعمال الصالحة.
* ﴿وَحَنَانا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّا﴾ [مريم: ١٣].
(وَزَكَاة) أي: طهارة من الذنوب، وزيادة في الإيمان والأوصاف المحمودة.
стр. 157
* ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨].
(تَزَكَّى) تتطهر من الكفر والذنب، وتتحلى بالإيمان بالله والاستسلام له.
وهكذا جميع آيات التزكية.
زُلفًا
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
(وَزُلَفًا) أصل الكلمة من (الزَّلَف) ومفردها: (زُلفة) وهي القرب.
(زُلَفًا منَ اللَّيْلِ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - من القُرب زمانًا؛ أي: ما قَرُب من النهار من ساعات الليل؛ وهي المغرب والعشاء، فهي مع قوله ﵎: (طرفي النهار) وهي الصبح والظهر والعصر؛ فيكون المقصود بالآية: الصلوات الخمس المفروضة جميعها.
٢ - من التّزَلّف: وهو التقرب إلى الله عبادةً؛ فيكون المعنى: (زُلفًا من الليل) أي: تقربًا إلى الله بصلاة القيام، ويدخل في المعنى: المغرب والعشاء، والنافلة.
* ومثلها في أصل المعنى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١].
(أُزلفت) أي: قُرّبَتْ وأدنيت منهم.
* ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْأخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤].
(أزلفنا) أي: قربناهم من بعضهم، وجمعناهم ليقترب بعضهم من بعض في البحر، فأغرقناهم فيه؛ وهم آل فرعون.
* ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ [ص: ٤٠].
(زلفى) أي: قربة وحُظْوَةً عند الله تعالى.
* ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧].
(زلفة) أي: فلما رأوا العذاب قد اقترب وعاينوه أمامهم، ساءهم ذلك، وبان السوء في وجوههم فتغيرت.
ومن هذا المعنى سميت (مزدلفة) بهذا الاسم؛ من التَّزَلف والتقرب إلى الله، ومن الازدلاف: وهو الاجتماع والاقتراب بعضهم من بعض.
стр. 158
زنيم
قال تعالى: ﴿عُتُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣].
(زَنِيمٌ) لها معان، والراجح قولان مشهوران:
١ - زنيم: وَهُوَ الدَّعِيُّ -الْمُلْصَقُ- بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ.
٢ - زنيم: من له زَنمة -مأخوذة في اللغة من (زنمة العنز) المتعلقة تحت حنكه- وهي هنا بمعنى: علامة وصفة لازمة فيه، وهي: الشر والعناد والاستكبار. تقول العرب: (فلان زَنَمَة خير، وزَنَمَة شر) أي: من سماته اللازمة فيه.
و (العُتل): على أشهر الأقوال أنه الشرس الفظ الغليظ.
زهق
قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
(زهق): تقول العرب:
(زهق الفرس): إذا مضى وتقدم.
(زهق السهم): إذا جاوز الهدف.
(زهقت نفسه) أي: خرجت.
والمعنى: جاء الحق والإسلام بظهوره وعلوه، وذهب الباطل والكفر واضمحلّ وتلاشى، إنّ الباطل ذاهبٌ مُضمحل كلما ظهر الحق في كل زمان ومكان.
وفي الصحيح: عن عبد اللّه بن مسعودٍ ﵁ قال: «دخل النّبيّ ﷺ مكّة، وحول البيت ستّون وثلاثمائة نُصُبٍ، فجعل يطعنها بعودٍ في يده، ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ [سبأ: ٤٩]» صحيح البخاري (٤٧٢٠).
* ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]، وقد تكررت الآية بلفظ قريب في السورة ذاتها.
(تزْهَقَ): تخرج من بين جوانبهم بالموت.
* ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨].
(زاهق) أي: ذاهب مضمحل:
стр. 159
(فيدمغه): أصل اللفظ من إصابة الدماغ أو شَجّه بضربة، ويستعملها العرب مجازًا للتعبير عن العلو على الشيء وقهره والغلبة عليه، والمعنى: يُذهبه ويُبطله.
يقال: (حجة دامغة) أي: مُفحِمة قاطعة بالبرهان، ومنه (الدمغة) أي: العلامة أو الشعار الذي يعلو الشيء لتوضيح مواصفاته.
زوج
مفردة (زوج) تطلق على ثلاثة معان:
١ - الفرد إذا اقترن بآخر يسمى كل فرد منهما: زوجًا.
٢ - الأصناف والأنواع.
٣ - النُّظراء والأشباه.
فبالمعنى الأول -وهو المعنى المعروف؛ وهو: اقتران فرد بآخر- وردت العديد من الآيات وهي واضحة المعنى؛ نذكر منها:
* ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].
(وَزَوْجُكَ): قرينك من الجنس الآخر.
* ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
(زَوْجًا) أي: قرينًا من الجنس الآخر.
* ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينا﴾ [النساء: ٢٠].
(زَوْجٍ) أي: قرينًا من الجنس الآخر.
* ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦].
(وأزواجهم): الزوج وقرينته.
- أما ما جاء يفيد المعنى الثاني -وهو الأصناف والأنواع- ففي الآيات التالية:
* ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
(يُزَوِّجُهُمْ) أي: يجمع للمولود له النوعين -الذكور والإناث- فيهب له منهما معًا.
стр. 160
* ومثلها: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣].
(أَزواجٍ): أصناف أو أنواع.
* ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ [طه: ٥٣].
(أَزْوَاجًا): أصنافًا.
* ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: ٥٨] أي: أصنافًا وأنواعًا شتى من العذاب.
* ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥].
(زَوْجٍ): من كل صنف ولون.
* ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ [الشعراء: ٧].
(زَوْجٍ): من كل صنف حسَن، وقد تكررت في كتاب الله.
* ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢].
(زَوْجَانِ): صنفان؛ قيل: رطب ويابس، أو حلو وحامض، أو غير ذلك.
* ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥)﴾ [النجم: ٤٥] أي: الصنفين.
* ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩].
أي: نوعين أو صنفين؛ كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والذكر والأنثى، والبر والبحر، والليل والنهار.
* ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠].
(زَوْجَيْنِ): من كل صنفين: ذكر وأنثى؛ ليبقى النسل.
- وما جاء بمعنى (النظراء والأشباه) ففي قوله تعالى:
* ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].
(وأزواجهم) أي: أشباههم الذين عملوا من جنس أعمالهم.
* وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧].
(زُوِّجَتْ) أي: قرنت بأشباهها ونظرائها في الأعمال.
стр. 161
زيّلنا
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨].
(زيّلنا) من: (أزلتُ الشيء عن الشيء) أي: فرّقته.
فهي من التّزايل والتباعد، وليس من زوال الشيء بالكلية.
والمعنى: أزلنا بعضهم عن بعض، وميّزنا وفرقنا بينهم.
والآية تدلّ على أن المشركين يوم الحشر يُجمعون مع ما كانوا يعبدون من دون الله، ثم يؤمَرون بالثبات في أماكنهم، فيباعَد بينهم وبين شركائهم الذين كان بينهم في الدنيا مودة وعبادة، وهذه المباعدة في الحقيقة بدنية وقلبية؛ فيلعن بعضهم بعضًا، ويفرَّقون عن الموحّدين؛ ليواجهوا سوء المصير، والعياذ بالله!
* ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] (تزيّلوا) أي: لو زالوا من بينهم وتميز بعضهم عن بعض وتفرقوا.
ومعنى الآية: لو تميّز المشركون وتفرقوا عن المؤمنين من رجال ونساء في مكة المكرمة، لأذِنّا لكم في حربهم وقتالهم.
стр. 162
حرف السين
سائحات
قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارا﴾ [التحريم: ٥].
(سَائِحَاتٍ) اختلف في معنى (السياحة) وأكثر المفسرين على أن السياحة: هي الصوم.
وسمي الصائم سائحًا: لأنه يسيح في النهار بلا زاد. وقيل: (سائحات) أي: ذاهبات في طاعة الله، فإن خرجن وذهبن كان خروجهن للطاعة والعبادة؛ كالهجرة، والحج، والعمرة، وطلب العلم الشرعي.
* ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢].
(السَّائِحُونَ) الصائمون أو الذاهبون في طاعة الله كالمعنى السابق: الهجرة، والحج، والعمرة والجهاد، والصلاة في المساجد، وطلب العلم الشرعي …
سابغات
قال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١١].
(سَابِغَاتٍ) السابغات: هي الدروع الطويلة الواقية للبدن؛ تقول العرب: (سَبَغَ الشعرُ) إذا طال وكثُر. و (سَبَغَ المطرُ) إذا امتد وسال على الأرض.
ومنها حديث: «أسْبِغُوا الوُضُوءَ» مسلم (٢٤٢) أي: أبلغوا مواضعه، وأوفوا كل عضوٍ حقه.
(السَّرْدِ) السرد في الأصل: هو نسج الأشياء الغليظة مثل الحديد. وهي غالبًا تنسج بالمسامير والحلقات؛ ويسمى صانع الدروع: سرّاد.
وقيل: السرد من التتابع؛ يقال: (سردت الكلام) أي: تابعته. فالمسامير مسرودة بعضها خلف بعض؛ لتنسج الحديد بالحلقات.
والدروع مسرودة؛ أي: مسمورة بمسامير وحِلَق.
ومعنى: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أي: ضع المسامير المناسبة؛ فلا تكون دقيقة فتتخلخل، ولا غليظة
فتكسر الحلقة.
وهو إرشاد من الله تعالى لنبيّه داود ﵇ في تعليمه صناعة الدروع بعدما ألان له الحديد؛ كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
стр. 163
(صَنعَةَ لَبُوس) صناعة الدروع ونسجها؛ لتكون سابغة ومُحكمة للوقاية في القتال والحرب، وهو أول من صنعها، وسرَتْ صناعتُه لمن بعده وتوارثها الناس.
سارب
قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].
(سَارِبٌ): لها معنيان:
١ - تقول العرب: (سَرَبَ الدمع) أي: سال وجرى. وتقول: (جمل سارب) أي: مهمل يرعى حيث شاء؛ فيكون المعنى: كل من دب على الأرض ومشى في مكان.
٢ - من السِّرْب؛ وهو: ما يختفي ويتوارى فيه الشيء، أي: كل من توارى في سربه عن الأنظار.
والمعنى: كل من تَخفَّى بظلام الليل، أو توارى في سربه، أو دبَّ على الأرض بالنهار؛ وبهذا تجمع الجملة المباركة جميعَ الكائنات.
وقد جاء في الحديث الشريف: «من أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ، عندَهُ قوتُ يومِهِ؛ فَكَأنَّما حِيزت لَهُ الدُّنيا» رواه ابن ماجه، وقال الألباني: حسن (١٤١٤) (في سربه) أي: في بيته، أو في طريقه ومسلكه؛ فهو يحتمل المعنيين.
والخلاصة: تبين الآية الكريمة إحاطة الله بعلمه لكل صغيرة وكبيرة؛ سواء من تَخَفَّى في مكان، أو استتر بالليل، أو ظهر وبان.
* ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبا﴾ [الكهف: ٦١].
(سَرَبًا) أي: انسرب في طريقه، وسلك سبيله في البحر.
سامدون
قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١].
(سَامِدُونَ) السُّمُود: هو اللهو والباطل، والسّامد: هو اللاهي.
والمعنى: أفمن هذا القرآن تعجبون منكرين له، وتضحكون استهزاء به، وأنتم غافلون ولاهون عن تدبره وعما فيه من العبر، بدلًا من البكاء خشية وخوفًا مما جاء فيه من الوعيد؟!
стр. 164
سامرًا
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٦٧].
(سَامِرًا): وَحّدَ سامرًا وهم سُمّار؛ لأن المقصود هو اجتماعهم في وقت واحد، وهو السمر ليلًا على التكذيب والكفر؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ [الحج: ٥] ولم يقل: (أطفالًا)؛ لأن المقصود هو المرحلة وليس العدد.
ويقال: السامر لجماعة الحي يسمرون ليلًا، ويقال أيضًا للموضع الذي يجتمعون فيه.
(تهجرون): لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - من الهُجْر والإهجار، وهو فحش الكلام.
٢ - ومن الهَجْر؛ والمقصود: تفارقون رسولي وما أرسلت إليكم.
والضمير في (مستكبرين به) يشير إلى البيت الحرام؛ مما يضاعف الجرم والظلم.
والمعنى: تتخذون استهزاءكم وتكبركم على رسولي وما جاء به، مادةً لمجالس السمر والاستهزاء به والطعن فيه مع بعضكم البعض عند بيت الله الحرام ليلًا.
سباتًا
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتا﴾ [النبأ: ٩].
(سُبَاتًا) أي: جعلناه لكم راحة وسكونًا.
ف (السُّبَات) هو السكون. و (سبات العقل) خموله. و (سبات الجسد) راحته. وتقول العرب: (أسبتت الحية) إذا توقفت عن الحركة.
* ومثله في أصل المعنى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
(السَّبْتِ) قيل: سُمي يوم السبت سبتًا: لأنه يوم الراحة والتوقف عن العمل عند اليهود بنص التوراة. ثم شاع هذا الاسم عند العرب.
(وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ) أي: في غير يوم السبت.
стр. 165
سبْحًا
قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ [المزمل: ٦ - ٧].
(سَبْحًا) أصل (السّبح) من السباحة، وهي: حرية التنقل والتقلب.
فكأن وقت النهار واسع يسبح فيه الإنسان لأداء مهامّه؛ فمعنى (سَبْحًا) أي: وقتًا وسعة.
والمعنى في قوله: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) أي: إنّ لك يا محمد في وقت النهار متّسعًا تتنقل فيه لقضاء حوائجك وأمور معاشك، ولمهام الدعوة والرسالة؛ فلن تتفرغ فيه التفرغ التام للقرآن مثل الليل.
فجعل أوقات النهار للسبح؛ أي: التحرك والتنقل والعمل، وجعل ساعات الليل للسكون ونافلة العبادة بعيدًا عن الشواغل.
* ويشترك في أصل المعنى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحا﴾ [النازعات: ٣].
(فالسابحات) هي الملائكة.
(سبحًا): تسبح وتتنقل في الهواء صعودًا ونزولًا لأداء ما كلفت به من أعمال؛ فالأُولَى: سبْحًا في الوقت ومتسعًا فيه. والثانية: سَبْحًا في الهواء وتردّدًا فيه.
سبحان
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
(سبحان) أي: أُسَبّحُ الله ﵎، والمراد بالتسبيح عمومًا: تنزيه الله مما ينسبه له المشركون، وتقديسه عن كل سوء.
ولكن الآية السابقة لها دلالات أكثر شمولًا؛ فالمراد بها عدة أمور داخلة في التنزيه والتعظيم والعبادة:
١ - المراد بها: الصلاة؛ فهي تدل على أوقات الصلوات الخمس المفروضة.
٢ - تدل على دوام واستمرار التسبيح لله من جميع خلقه في كل زمان؛ فهو المستحق لذلك جل وعلا.
٣ - وتدل كذلك على المعنى الأول؛ وهو التنزيه له سبحانه عن كل نقص وعيب.
فائدة:
فمن آيات التسبيح الدالة -مع التنزيه لله تعالى- على الصلاة أيضًا، وعلى تخصيص أول الصباح والمساء بفضيلة الأذكار؛ قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩].
стр. 166
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
سُجّدًا
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨].
(سُجَّدًا): تكررت في كتاب الله، وتحتمل ثلاثة معان؛ لتعذّر حمل المعنى على ظاهره، إذ من غير الممكن الحركة والمشي على وضع السجود:
١ - أن يكون المراد: الخضوع والتذلل.
٢ - أو يُقصد به: الانحناء والركوع.
٣ - أو أن الأمر بالسجود متأخر بعد الدخول؛ أي: فور دخولهم يخرون ساجدين شكرًا لله ﵎ على هذه النعمة.
وبموجز القول: فإن بني إسرائيل حينما عادوا من التيه، أمرهم الله -والأمر للإباحة- أي: أبحنا لكم دخول القرية، والمراد بها: بيت المقدس؛ ليكون لكم فيها عيشٌ هنيئٌ ووطنٌ آمنٌ.
والباب الذي أمروا بدخوله قيل: هو باب (حِطّة) من أبواب بيت المقدس.
وأمروا أن يقولوا: (حِطّة)؛ ليحط عنهم خطاياهم، فبدّل الذين ظلموا القولَ والفعلَ؛ فمنهم من قال استهزاء: حنطة، ومنهم من قال: حبة في شعيرة.
وبدلًا من الدخول سُجّدًا خاضعين، دخلوا زاحفين على أستاهم رافعي رؤوسهم؛ فاستحقوا غضب الله، فأنزل عليهم رجزًا -أي: عذابًا- من السماء، قيل: أرسل عليهم الطاعون فأهلكهم.
وقد جاء في الصحيح قوله ﷺ : «الطّاعون رجسٌ أُرسل على طائفةٍ من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم». صحيح البخاري (٣٤٧٣).
سِجّين
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ٧ - ١٠].
(سِجِّين) من المبالغة في السجن والحبس، والضيق الشديد. على وزن (فِعِّيل) كسِكِّير، وخِمِّير.
стр. 167
وسجين تحتمل معنيين:
١ - قيل: هو ديوان أعمال الكفار في سجين تحت الأرض السابعة.
٢ - وقيل: هو مستقر أرواح الكفار أسفل الأرض السابعة هم وأعمالهم؛ لأن جهنم هناك في أسفل سافلين.
ثم فسره بقوله: (كِتَابٌ مرقُوم)؛ أي: كتاب مَكْتُوبٌ: كَالرَّقْمِ فِي الثَّوْبِ، لَا يُنْسَى وَلَا يُمْحَى، مكتوب فيه أعمالهم الخبيثة وأسماؤهم.
سريّا
قال تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا﴾ [مريم: ٢٤].
(سَرِيًّا) السّريّ: هو النهر الصغير، أو الجدول الذي يسري فيه الماء.
والمعنى: ناداها جبريل من تحتها، وقيل: المولود عيسى ﵇ هو الذي ناداها؛ يطمئنها: ألا تحزني، قد جعل الله لك جدولًا من الماء فاشربي، وقد أجرى الله الماء فيه لمريم بعد أن كان جافًّا.
سُعُر
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤].
(وَسُعُر) السُّعُر: لها معنيان:
١ - من السُّعار؛ تقول العرب: (كلب مسعور وناقة مسعورة) أي: مجنونة. فالسُعُر هو الجنون؛ فكأنهم يقولون: كيف نتبع بشرًا مثلنا؟! لو فعلنا ذلك لكنا في ضلال وجنون. كأنهم يقولون: مجنون غير عاقل من يفعل ذلك!
٢ - من السعير؛ وكأنهم حين وعدهم النبي باتباع الهدى وأن لهم الجنة، قالوا على سبيل التهكم: بل لو نحن اتبعناك لكنا في جهل وعذاب السعير، وهذا من أشد المُحَادة لله ورسوله والعياذ بالله!
سَفَرة
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
من هم السفرة البررة؟
(سَفَرَةٍ) السفرة: لها ثلاثة معان يحتملها النص المبارك ولا تتعارض:
стр. 168
١ - من السفير، وهو: الواسطة بين الناس، وهو الماشي بالإصلاح بين الناس؛ فهؤلاء الملائكة هم سفراء الله إلى أنبيائه، يحملون كُتبه ووحيه إليهم.
٢ - من السِّفْر، وهو: الكتاب، فهم: الكتبة الذين بيدهم نسخة مما كُتب من القرآن والكتب المنزلة من اللوح المحفوظ، والله تعالى أعلم.
٣ - من السِّفار، وهو: الكشف والبيان؛ فهذه الملائكة تُسفر بالوحي وكلام الله وتكشفه وتبلّغه لرسله.
والمعنى: أن هذه الآيات القرآنية نزلت إليكم تذكرة وموعظة، فمن شاء تذكّر واتعظ.
ثمّ بين شرف هذه الآيات المنزلة؛ ليعرف الإنسان قدرها فلا يوليها ظهره.
فهذه الآيات مدوّنة في صحف معظّمة لها قدر وشرف عند الله وملائكته؛ فهي بأيدي ملائكة كرام شرفاء مطهرون من كل دنس، وهم وسطاء وسفراء الله لخلقه.
فائدة:
في الحديث الشريف: قول النبي ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» صحيح البخاري (٤٦٥٣).
- فمعنى أن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة: هو أنه يكون في منزلة هؤلاء الملائكة الأطهار يوم القيامة؛ لأن عمله شبيه بهم، فهو ماهر بالقرآن، ويحمل في صدره صفحاته، يتعبد الله تلاوة وتبليغًا، فيمشي بين الناس به.
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾ [عبس: ٣٨].
(مُسْفِرَةٌ): تشترك هذه المفردة في المعنى الثالث مع سابقتها، وهو الكشف والبيان؛ فهي وجوه مشرقة مضيئة؛ بسبب ما عملت من طاعات.
يقال: (أسفر الصبح): إذا أضاء وانكشف نهاره.
و (امرأة سافرة) أي: كاشفة الوجه.
و (حياءٌ سافر) أي: حياء منزوع الخجل غير محتشم.
سُلالة
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢].
(سُلَالَة) السلالة: هي كلّ ما سُلّ من شيء واستُخرج منه؛ فالسلالة هنا: خلاصةٌ منسولة من طين الأرض؛ فحين خلق الله آدم خلقه من خلاصة استُلت من جميع طين الأرض، ومن جميع ألوانها وأنواعها.
стр. 169
لذلك جاء بنو آدم منهم الطيّب والخبيث، والسهل والقاسي، والأبيض والأسود.
* ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٨].
(سلالة من ماء مهين) السلالة هنا تعني: ماء استُل من صلب الرجل وترائب المرأة، ثم (جعل نسله) أي: ذريته من ذلك الماء؛ فمعنى السلالة في الآيتين واحد، ولكن:
- السلالة الأولى: خَلْق آدم مما استل من طين الأرض المتنوع الصفات.
- والسلالة الثانية: خَلْق الناس مما اسْتُل من ماء الرجل والمرأة الذي يحمل كذلك أنواعًا من الصفات الوراثية، فسبحان الخالق.
سلسبيلًا
قال تعالى: ﴿عَيْنا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ [الإنسان: ١٨].
(سَلْسَبِيلًا) صفة للعين أنها في غاية السلاسة واللين، ولها معنيان:
١ - أي: سلِسة الجريان، يصرّفونها ويفجرونها حيث شاءوا.
٢ - أي: سلِسة الشرب طيبة الطعم، يجدون لها لذة في الحلق.
سُلطانًا
قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥].
(سُلْطَانًا) السلطان هنا: هو البرهان والحجَّة.
والمعنى: الآية فيها استفهام استنكاري على الكفار؛ لثباتهم على شركهم واستكبارهم وشدة تمسكهم به، فينكر الله تعالى عليهم ذلك، ويسألهم توبيخًا: هل أنزلنا عليكم حجة من كتاب أو غيره فهو ينطق بهذا الضلال الذي أنتم فيه، ويقول لكم: اثبتوا على شرككم ويُقرُّكم عليه؟!
فكلمة (سلطان) في القرآن الكريم لها معنيان بحسب السياق وهما:
١ - الحجة والبرهان.
٢ - القدرة والسُّلطة.
فالآية السابقة، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٦ - ١٥٧].
(سُلْطَان مبِين) أم لكم حجة على قولكم وافترائكم على الله بأن الملائكة بناته؟! تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
стр. 170
* ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٢٠ - ٢١].
(بِسُلْطَانٍ) بحجة وبرهان على سبب تأخيره.
وكذلك جميع كلمة (سلطان) الواردة في القرآن الكريم -وهي كثيرة- تعني (الحجَّة والبرهان) ما عدا الآيات التالية؛ فتعني: (القُدرة والسلطة والتمكُّن).
* ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] أي: ليس لك عليهم قُدرة ولا تسلّط.
* ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورا﴾ [الإسراء: ٣٣] أي: قدرة وسُلطة لولي المقتول على القاتل.
* ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١] أي: من قدرة وقهر وسُلطة.
* ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] أي: من قدرة وسُلطة.
* ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أي: إلا بقدرة وسُلطة وأنَّى لكم ذلك.
* أما قوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] فيجوز فيها المعنيان:
- هلكت عني حجّتي؛ أي: ليس لديّ حجة أحتج بها.
- وهلك عني سلطاني، وذهبت قدرتي وتسلّطي.
سَمكها
قال تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٨].
(سَمْكَهَا) أي: رفع سقفها وبناءها في الهواء.
فالله تعالى رفع السماء بغير عَمَد، وجعل مقدار ارتفاعها من الأرض وذهابها إلى العلو مديدًا رفيعا إلى مسافات فلكية مذهلة.
فائدة:
تقول العرب: (سَمكت الشيء) أي: رفعته. فالسَّمك هو الرفع؛ قال تعالى: (أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها) فبناء السماء يشمل أمرين:
١ - رفعُها وتسويتها: فالله تعالى رفع سقفها بغير عَمَد تُرى.
стр. 171
٢ - والتسوية: تعديلها وإتقان صنعها، وكثافتها البالغة السُّمك، وتزيين السماء الدنيا منها بالنجوم والكواكب، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا هو سبحانه.
سَموم
قال تعالى: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٢ - ٤٣].
(سموم) السموم: هو الفَيْح والريح شديدة الحرارة.
(حميم) الماء الشديد الحرارة لا يبرد أبدًا، عياذًا بالله.
(يَحْمُوم) تقول العرب: (أسود يحموم) أي: شديد السواد. و (ظل من يحموم) أي: من الدخان الأسود. وقيل: بخار أسود من فيح جهنم، نسأل الله السلامة!
* ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].
(نارِ السَّمُومِ) أي: من لهبٍ شديد الحرارة.
السُّوأَى
قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَائُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الروم: ١٠].
(السُّوأَى) مؤنث سيِّئ: (سوأى) ومع إضافة (أل) التعريف يصبح معناها: العقاب الأسوأ (السُّوأَى).
مثل: مؤنث حسن: (حُسنى) ومع إضافة (أل) التعريف يصبح معناها: الثواب الأحسن (الحسنى).
والمعنى: أن عاقبة الذين أساءوا أسوأ العقاب، من جنس ما عملوا؛ بسبب تكذيبهم بآيات الله ﵎ والاستهزاء بها.
ومنها: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧]، (سيئت) أي: ظهرت سِمَاتُ السوء على وجوههم؛ من قبح وسواد. انظر: مفردة (زلفًا) في حرف الزاي.
سوط
قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾ [الفجر: ١٣].
(سوْطَ عَذَابٍ) لها معنيان:
١ - من السوط المعروف، وجمعه: سياط؛ فالعرب تعبر عن الضرب والعذاب الشديد بالسياط.
والمعنى: صب عليهم سياط العذاب المتتابعة.
стр. 172
٢ - السوط من فعل سَاطَ؛ أي: خَلَط؛ فالسوْط هو الخلْط.
والمعنى: صب عليهم خليطًا من العذاب الشديد المتنوع. وهذا المعنى هو الأنسب للتعبير بالانْصِباب.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨].
فائدة:
سُمّي السوط الذي يُضرب به سوطًا؛ لأنه يُضفر من جلود مختلطة، ولأنه عند الضرب به بشدة يخلط اللحم والدم؛ فالمعنى الأول يعود في أصله إلى المعنى الثاني.
سيئة
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨].
(سَيِّئُهُ) هاء الضمير في (سيئه) تعود على الصفات السابقة المذكورة في الآية.
أي: كل ما عددنا عليك من الصفات السابقة من قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه … ) فالسيئ منها مبغوض عند الله، مكروه كراهة تحريم.
فقد تضمنت الآيات صفاتٍ منها السيئ والحسن: فمنها إفراد الله بالعبادة، وبر الوالدين، وإيتاء الزكاة.
ثم هناك أيضًا: التبذير، والبخل، وقتل الأبناء، والزنا، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وتطفيف الميزان والقول بغير علم كشهادة الزور، والكذب على الله ورسوله، والكبر، والاختيال.
стр. 173
حرف الشين
شاطئ
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].
(شاطئ) الشاطئ هنا: هو طرف الوادي، وليس شاطئ البحر.
والعرب تسمي (جانبي الوادي): شاطئ. و (جانبي النهر): شاطئ. وكذلك (ساحل البحر): شاطئ.
شُرّعا
قال تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
(شُرَّعًا) جمع شارع، وسمي الشارع شارعًا؛ لظهوره وقربه؛ تقول العرب: (دارٌ شارِعة) أي: ظاهرة قريبة من الطريق.
والمعنى: إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ظاهرة على وجه الماء قريبة ينظرون إليها، فإذا انقضى السبت اختفت حتى السبت الذي يليه؛ ابتلاء ليختبرهم الله بالسمع والطاعة.
وللفائدة عن أصل يوم السبت:
أن اليهود وغيرهم أُمِروا بتعظيم يوم الجمعة، فتركوه واختاروا يوم السبت بزعمهم أن يوم السبت هو اليوم الذي استراح فيه الرب بعد خلقه السماوات والأرض -تعالى الله عما يقولون- وأنه كذلك يوم خروجهم من مصر إلى أرض كنعان.
قال النبي ﷺ : «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا» رواه مسلم (٨٥٦).
وبناء على اختيارهم يوم السبت شدّد الله عليهم في تعظيمه، وحرّم عليهم الصيد فيه. انظر: كشف المشكل (١/ ٣٩٦)، شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٤).
شرك
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].
(شِرْك) أي: نصيب وحصة.
стр. 174
والمعنى: أم لهم نصيب أو شراكة مع الله في خلق السماوات والأرض؟! فيكون لكم بذلك حجة في
عبادتكم لهم!
* ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠].
(شِرْك) نصيب وحصة مع الله، تعالى سبحانه.
شروه
قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠].
(وَشَرَوْهُ) فعل (شرى) من الأضداد؛ فهو بمعنى باع، وبمعنى اشترى.
- وهذه المفردة يجوز فيها المعنيان:
١ - أي: باع إخوة يوسف أخاهم للسيّارة من المسافرين بثمن بخس قليل.
٢ - أي: اشتراه السيارةُ بثمن بخس قليل.
(وكانوا فيه من الزاهدين) الضمير في (كانوا) يحتمل عوده على إخوة يوسف أو على السيارة.
فعلى القول الأول: إخوة يوسف كانوا زاهدين فيه؛ لأنهم لا يعلمون نبوَّته، ولم يكن لهم نية في بيعه.
وعلى القول الثاني: السيارة زهدوا فيه بعد أن علموا أنه عبد آبق.
قال السعدي ﵀ في تفسير الآية: «أن السيّارة لما وجدوه عزموا أن يُسِرُّوا أمره ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنه عبد أبق منهم فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم».
- وبمعنى (البيع) وحده قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما﴾ [النساء: ٧٤].
(يَشْرُونَ) أي: يبيعون الحياة الدنيا، والثمن كسب الآخرة.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
(يشري) أي: يبيع نفسه، والثمن كسب مرضاة الله.
стр. 175
- أما (اشترى) فالأرجح أن تبقى على معناها بمعنى الشراء، وهو التملّك بالعوض.
* ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
(وَاشْتَرَوْا بِهِ) أي: استعاضوا عن النفيس بالخسيس؛ اشتروا الرشوة والرئاسة والأموال الحقيرة في مقابل التمسك بالعهد.
* وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
(اشْتَرَى) على معناها هنا بمعنى الشراء، وليس البيع؛ أي: اشترى الله منهم أنفسهم ببذلها في سبيله، والثمن هو الجنة.
- وقد تكرر لفظ (اشتروا) وألفاظ تقاربه في القرآن الكريم، وكلها بمعنى (الشراء): وهو التملك بالعوض، شراء الخسيس في مقابل النفيس؛ ولذلك شُبهت بالتجارة الخاسرة؛ كقوله تعالى:
* ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] اشتروا الضلالة عوضًا عن الهدى.
* ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] اشتروا الدنيا وزينتها في مقابل ذهاب الآخرة.
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] اشتروا الكفر عوضًا عن الإيمان.
* وفي قوله جلَّ من قائل: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠].
فسرها أكثرهم بمعنى: (باعوا)، ورجّح ابن عثيمين ﵀ في تفسيرها أن تبقى على معناها وهو (الشراء)؛ فيكون المعنى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) أي: بئس المقابل الذي أخذوه لقاء إنقاذ أنفسهم؛ فاشتروا الكفر فخسروا بذلك أنفسهم ونجاتها يوم القيامة.
* ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩].
(اشتروا بآيات الله) أي: اشتروا الكفر واعتاضوا به عن آيات الله.
стр. 176
* وفي الآية التالية مفردتان: الأولى بمعنى الشراء، والثانية بمعنى البيع:
قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢].
(عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي: علموا أن من اشترى السحر وَالْكُفْرَ واختاره بالتفريط في الدِّين ثمنًا لذلك، فليس له في الآخرة من نصيب في الجنة.
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا) أي: بئس البيع بيعهم؛ لأن عملية اشتراء الكفر والسحر نتج عنها التخلي عما يحفظ النفس؛ فكأنهم باعوها في المقابل.
شَطْأه
قال تعالى: ﴿ … كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا﴾ [الفتح: ٢٩].
(شَطْأَهُ) أخرج شطأه؛ أي: أخرج فراخه، ف (الزرع المشطئ) هو الذي خرج منه فراخه وصغاره.
والمراد في الآية: تشبيه الصحابة رضوان الله عليهم بالزرع؛ فهم ابتدأوا في الدخول إلى الإسلام ونفع الأمة، ثم بدأوا يتزايدون ويخرج شطؤهم -وهي ذريتهم- فآزروهم ولحقوا بهم في قوة الإيمان، وعاونوهم على الحق وإقامة الدِّين.
شططا
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطا﴾ [الجن: ٤].
(شَطَطًا) الشطط: هو مجاوزة الحد في كل شيء. والمقصود هنا: كذبًا وجورًا وافتراءً على الله.
* ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَّدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤].
(شَطَطًا) أي: لئن دعونا إِلَهًا غير إله السماوات والأرض، فإننا إذن بذلك نقول كذبًا وجورًا،
وبعدًا عن الصواب، وميلًا عن الحق.
стр. 177
شعائر
قال تعالى: ﴿١ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا﴾ [المائدة: ٢].
(شَعَائرَ اللَّهِ) هي أعلام دينه عامة وفرائضه؛ كالصلاة، والزكاة، ومناسك العبادة كلها.
وهي هنا: مناسك الحج والعمرة خاصة، وما فيه من الهدي والطواف والسعي وأوامر الدين.
(لَا تُحِلُّوا) أي: لا تستحلوها، ولا يتعرض لها أحد بسوء.
فالآية الشريفة تَنْهى عن التعرّض لخمسة أشياء، وعن اعتقاد حلّها، وما ينبغي للمسلم أن يلتزمه ويتوقّف عن حدوده:
(شَعَائرَ اللَّهِ): وهي هنا جميع محرّمات الإحرام للمحرِم، ومحرمات الحَرَم.
(ولا الشهر الحرام): وهي الأشهر الحُرُم عامة، وشهر الحج خاصة؛ فلا تنتهكوه بقتال، ولا بغيره من أنواع الظلم للغير وللنفس بالسيئات والمعاصي.
(ولا الهدي): وهو ما يُهدى لبيت الله ﵎ في حج أو عمرة؛ فلا يتعرض له أحد بسرقة، أو يصدّه عن الوصول.
(ولا القلائد): هي نوع من الهدي معلَّم بقلادة توضع في عنق الإبل والبقر؛ ليُعلم أنها هدي؛ أي: هدية للحرم فلا يتعرّض لها أحد؛ تعظيمًا لبيت الله. للمزيد: انظر مفردة (القلائد) في حرف القاف.
(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا)؛ أي: ولا قاصدين البيت الحرام (يبتغون فضلًا) سواء بالتجارة والمكاسب المباحة (ورضوانًا) بالعبادة؛ كحجٍّ أو عمرة، أو غيره.
وقد ذكرت (شَعَائرَ اللَّه) في أربع مواضع في القرآن الكريم؛ منها الآية السابقة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
(من شعائر الله) أي: من مناسك دينه، وقد نزلت الآية ردَّا على من سأل من الصحابة رضوان الله عليهم عنها، وظنها ليست من مناسك الحج.
* وقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦].
(من شعائر الله) أي: من علامات دينه، وفي نحرها والصدقة منها ثواب وقُربة إلى الله.
* ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
(شعائر الله) أي: تعظيم شعائر الله بعامة، ومنها مناسك الحج؛ برهان على تقوى القلب وصحة إيمانه.
стр. 178
فائدة حول المعنى:
الشِّعار: هو العلامة التي توضع لشركة أو مؤسسة أو غيره لتُعرف بها. ومنه أن نقول: (أرسلت إشعارًا لفلان بشأن كذا) أي: إعلامًا له.
وقيل: ما سمي الشاعر شاعرًا إلا لتفطنه لما لم يتفطنه غيره. وقولنا: (ليت شِعْري) أي: ما يدريك، و (لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ فلان؟) أي: ليتني أعلم، أو من يعلمني بما فعل فلان؟
الشعرى
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩].
(الشِّعْرَى) نجم مضيء يتميز بكبر حجمه وشدة سطوعه، كان يُعبد في الجاهلية، يظهر في أول الصباح بينما تختفي سائر النجوم.
وتُطلق العرب اسم (الشِّعرى) على نجمين، والمقصود هو: النجم الأكثر سطوعًا وحجمًا.
لذلك بيّن الله تعالى أنه هو رب (الشِّعرى) وخالقه ومالكه؛ فكيف تعبدونه وتتركون ربه؟!
الشّقّة
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢].
(الشُّقَّةُ) الشقة: هي السفر البعيد المسافة. سمي شُقَّة؛ لأنه يشق على الإنسان.
والمعنى: يبين الله ﵎ حال المنافقين حينما عرض عليهم النبي ﷺ المشاركة في غزوة تبوك ضد الروم، فتعذّروا بالأعذار الواهية؛ فأخبر الله ﵎ نبيه ﷺ حقيقة حالهم وما كانوا عليه من الكذب والخديعة:
(لو كان عَرَضًا قريبًا) أي: لو كان الخروج معك لنيل منافع الدنيا أو غنيمة حاضرة.
(وسَفَرًا قاصِدًا) وسفرًا قريبَ المسافةِ لا مشقة فيه.
(لاتبعوك) لذهبوا معك.
(ولكن بَعُدَتْ عليهم الشقة) ولكنك طلبت منهم السفر إلى مكان بعيد -وهو تبوك- فاستبعدوا المسافة؛ فسألوك التخلف عن الذهاب، وحلفوا الأيمان الكاذبة.
(يهلكون أنفسهم) أي: بالأَيْمان الكاذبة.
стр. 179
وفي الآية فائدة:
وهي أن هؤلاء المنافقين أرادوا الراحة لأنفسهم؛ فعصوا الرسول وكذبوا عليه، وهم في الحقيقة أهلكوا أنفسهم بالتخلف والكذب، وعرّضوها لمقت الله وعقابه.
شهد
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
(شَهِدَ اللَّهُ) معنى شهادة الله: وهو أجلّ شاهد على أجلّ شهادة وأعظمها وأصدقها.
وتتضمّن: أنه أَعْلمَ وبيّنَ وحكمَ وقضى؛ فهي:
- شهادة إعلام لجميع خلقه.
- شهادة إثبات صدقِها وبطلانِ ما سواها.
- شهادة إخبارٍ بمقتضاها.
- شهادة بيان لآياته الدالة عليها.
- شهادةٌ تكلم بها، ونطقَ بها كتابه.
- شهادة إقرار وحجة على خلقه.
- شهادة حُكم وقضاء وإلزام؛ يترتب عليها فوز كلّ شاهد عابد، وبوار كلّ مُعرض جاحد -والله أعلم بمراده- ربنا شهدنا وآمنا؛ فاكتبنا مع الشاهدين.
شهيد
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
(شَهِيد) أي: حاضر القلب.
والمعنى: في الآيات السابقة -بل وكتاب الله كله- نفع عظيم، وعبرة وعظة لنوعين من الناس:
١ - لمن كان له قلب حي، ذكي، زكي: فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله تذكر بها، وانتفع فارتفع.
٢ - وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله، واستمعها استماعًا يسترشد به: فإن الله يرشده بها.
(وهو شَهِيدٌ) أي: وقلبه حاضر واع غير غافل، وحاضر الفهم والتدبر؛ فهذا له أيضًا ذكرى وموعظة، وشفاء وهدى.
стр. 180
شوى
قال تعالى: ﴿نَزَّاعَة لِلشَّوَى (١٦)﴾ [المعارج: ١٦].
(للشوى): اختلف فيه المفسرون وأهل اللغة:
- فقيل: هي أطراف الإنسان.
- وقيل: (الشواة): جلدة الرأس، وجمعها شوى.
فالمراد: أن جهنم من شدة الحرارة تُسقط فروة الرأس، وتقتلع الأطراف والأعضاء من أماكنها، والتعبير بالنزع وبصيغة المبالغة: يصور شدة الجذب والاقتلاع، نسأل الله السلامة!!
شوبا
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧].
(لَشَوْبًا) الشوب هو: الخليط والمزيج، ومنه: الشوائب، وهي: الأقذار تختلط بالعسل أو غيره، وسُمّي الشَّيْب شيبًا: لأنه يخالط سواد ولون الشعر.
والمعنى: أن أهل النار إذا أكلوا الزّقوم، فإنهم يشربون على إثرها شرابًا ممزوجًا من الحميم، وهو: ماء بالغ الحرارة، نسأل الله السلامة!!
شياطينهم
قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
(شَيَاطِينِهِم) أي: رؤوس الكفر من الإنس. وليس الشياطين المعروفة.
وصفهم بالشياطين: لتشبّههم بهم في التّمَرّد والعُتُو.
فائدة:
(وإذا خلوا إلى) لم يقل: خلوا بهم؛ لأن (خلوا ب) لها معنيان أحدهما لا ينطبق مع الآية؛ فربما عُدّيت ب (إلى) دفعًا للتّوهّم:
- فالمعنى الأول: تقول العرب: (خلوت بفلان) أي: اختليت به للسخرية والنيل منه.
- والمعنى الثاني: من الخلوة المجردة؛ أي: انفردت به.
следующие страницы →