Полный текст (544 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
* وفي الآية التالية مفردتان: الأولى بمعنى الشراء، والثانية بمعنى البيع:
قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢].
(عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي: علموا أن من اشترى السحر وَالْكُفْرَ واختاره بالتفريط في الدِّين ثمنًا لذلك، فليس له في الآخرة من نصيب في الجنة.
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا) أي: بئس البيع بيعهم؛ لأن عملية اشتراء الكفر والسحر نتج عنها التخلي عما يحفظ النفس؛ فكأنهم باعوها في المقابل.
شَطْأه
قال تعالى: ﴿ … كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا﴾ [الفتح: ٢٩].
(شَطْأَهُ) أخرج شطأه؛ أي: أخرج فراخه، ف (الزرع المشطئ) هو الذي خرج منه فراخه وصغاره.
والمراد في الآية: تشبيه الصحابة رضوان الله عليهم بالزرع؛ فهم ابتدأوا في الدخول إلى الإسلام ونفع الأمة، ثم بدأوا يتزايدون ويخرج شطؤهم -وهي ذريتهم- فآزروهم ولحقوا بهم في قوة الإيمان، وعاونوهم على الحق وإقامة الدِّين.
شططا
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطا﴾ [الجن: ٤].
(شَطَطًا) الشطط: هو مجاوزة الحد في كل شيء. والمقصود هنا: كذبًا وجورًا وافتراءً على الله.
* ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَّدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤].
(شَطَطًا) أي: لئن دعونا إِلَهًا غير إله السماوات والأرض، فإننا إذن بذلك نقول كذبًا وجورًا،
وبعدًا عن الصواب، وميلًا عن الحق.
стр. 177
شعائر
قال تعالى: ﴿١ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا﴾ [المائدة: ٢].
(شَعَائرَ اللَّهِ) هي أعلام دينه عامة وفرائضه؛ كالصلاة، والزكاة، ومناسك العبادة كلها.
وهي هنا: مناسك الحج والعمرة خاصة، وما فيه من الهدي والطواف والسعي وأوامر الدين.
(لَا تُحِلُّوا) أي: لا تستحلوها، ولا يتعرض لها أحد بسوء.
فالآية الشريفة تَنْهى عن التعرّض لخمسة أشياء، وعن اعتقاد حلّها، وما ينبغي للمسلم أن يلتزمه ويتوقّف عن حدوده:
(شَعَائرَ اللَّهِ): وهي هنا جميع محرّمات الإحرام للمحرِم، ومحرمات الحَرَم.
(ولا الشهر الحرام): وهي الأشهر الحُرُم عامة، وشهر الحج خاصة؛ فلا تنتهكوه بقتال، ولا بغيره من أنواع الظلم للغير وللنفس بالسيئات والمعاصي.
(ولا الهدي): وهو ما يُهدى لبيت الله ﵎ في حج أو عمرة؛ فلا يتعرض له أحد بسرقة، أو يصدّه عن الوصول.
(ولا القلائد): هي نوع من الهدي معلَّم بقلادة توضع في عنق الإبل والبقر؛ ليُعلم أنها هدي؛ أي: هدية للحرم فلا يتعرّض لها أحد؛ تعظيمًا لبيت الله. للمزيد: انظر مفردة (القلائد) في حرف القاف.
(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا)؛ أي: ولا قاصدين البيت الحرام (يبتغون فضلًا) سواء بالتجارة والمكاسب المباحة (ورضوانًا) بالعبادة؛ كحجٍّ أو عمرة، أو غيره.
وقد ذكرت (شَعَائرَ اللَّه) في أربع مواضع في القرآن الكريم؛ منها الآية السابقة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
(من شعائر الله) أي: من مناسك دينه، وقد نزلت الآية ردَّا على من سأل من الصحابة رضوان الله عليهم عنها، وظنها ليست من مناسك الحج.
* وقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦].
(من شعائر الله) أي: من علامات دينه، وفي نحرها والصدقة منها ثواب وقُربة إلى الله.
* ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
(شعائر الله) أي: تعظيم شعائر الله بعامة، ومنها مناسك الحج؛ برهان على تقوى القلب وصحة إيمانه.
стр. 178
فائدة حول المعنى:
الشِّعار: هو العلامة التي توضع لشركة أو مؤسسة أو غيره لتُعرف بها. ومنه أن نقول: (أرسلت إشعارًا لفلان بشأن كذا) أي: إعلامًا له.
وقيل: ما سمي الشاعر شاعرًا إلا لتفطنه لما لم يتفطنه غيره. وقولنا: (ليت شِعْري) أي: ما يدريك، و (لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ فلان؟) أي: ليتني أعلم، أو من يعلمني بما فعل فلان؟
الشعرى
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩].
(الشِّعْرَى) نجم مضيء يتميز بكبر حجمه وشدة سطوعه، كان يُعبد في الجاهلية، يظهر في أول الصباح بينما تختفي سائر النجوم.
وتُطلق العرب اسم (الشِّعرى) على نجمين، والمقصود هو: النجم الأكثر سطوعًا وحجمًا.
لذلك بيّن الله تعالى أنه هو رب (الشِّعرى) وخالقه ومالكه؛ فكيف تعبدونه وتتركون ربه؟!
الشّقّة
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢].
(الشُّقَّةُ) الشقة: هي السفر البعيد المسافة. سمي شُقَّة؛ لأنه يشق على الإنسان.
والمعنى: يبين الله ﵎ حال المنافقين حينما عرض عليهم النبي ﷺ المشاركة في غزوة تبوك ضد الروم، فتعذّروا بالأعذار الواهية؛ فأخبر الله ﵎ نبيه ﷺ حقيقة حالهم وما كانوا عليه من الكذب والخديعة:
(لو كان عَرَضًا قريبًا) أي: لو كان الخروج معك لنيل منافع الدنيا أو غنيمة حاضرة.
(وسَفَرًا قاصِدًا) وسفرًا قريبَ المسافةِ لا مشقة فيه.
(لاتبعوك) لذهبوا معك.
(ولكن بَعُدَتْ عليهم الشقة) ولكنك طلبت منهم السفر إلى مكان بعيد -وهو تبوك- فاستبعدوا المسافة؛ فسألوك التخلف عن الذهاب، وحلفوا الأيمان الكاذبة.
(يهلكون أنفسهم) أي: بالأَيْمان الكاذبة.
стр. 179
وفي الآية فائدة:
وهي أن هؤلاء المنافقين أرادوا الراحة لأنفسهم؛ فعصوا الرسول وكذبوا عليه، وهم في الحقيقة أهلكوا أنفسهم بالتخلف والكذب، وعرّضوها لمقت الله وعقابه.
شهد
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
(شَهِدَ اللَّهُ) معنى شهادة الله: وهو أجلّ شاهد على أجلّ شهادة وأعظمها وأصدقها.
وتتضمّن: أنه أَعْلمَ وبيّنَ وحكمَ وقضى؛ فهي:
- شهادة إعلام لجميع خلقه.
- شهادة إثبات صدقِها وبطلانِ ما سواها.
- شهادة إخبارٍ بمقتضاها.
- شهادة بيان لآياته الدالة عليها.
- شهادةٌ تكلم بها، ونطقَ بها كتابه.
- شهادة إقرار وحجة على خلقه.
- شهادة حُكم وقضاء وإلزام؛ يترتب عليها فوز كلّ شاهد عابد، وبوار كلّ مُعرض جاحد -والله أعلم بمراده- ربنا شهدنا وآمنا؛ فاكتبنا مع الشاهدين.
شهيد
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
(شَهِيد) أي: حاضر القلب.
والمعنى: في الآيات السابقة -بل وكتاب الله كله- نفع عظيم، وعبرة وعظة لنوعين من الناس:
١ - لمن كان له قلب حي، ذكي، زكي: فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله تذكر بها، وانتفع فارتفع.
٢ - وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله، واستمعها استماعًا يسترشد به: فإن الله يرشده بها.
(وهو شَهِيدٌ) أي: وقلبه حاضر واع غير غافل، وحاضر الفهم والتدبر؛ فهذا له أيضًا ذكرى وموعظة، وشفاء وهدى.
стр. 180
شوى
قال تعالى: ﴿نَزَّاعَة لِلشَّوَى (١٦)﴾ [المعارج: ١٦].
(للشوى): اختلف فيه المفسرون وأهل اللغة:
- فقيل: هي أطراف الإنسان.
- وقيل: (الشواة): جلدة الرأس، وجمعها شوى.
فالمراد: أن جهنم من شدة الحرارة تُسقط فروة الرأس، وتقتلع الأطراف والأعضاء من أماكنها، والتعبير بالنزع وبصيغة المبالغة: يصور شدة الجذب والاقتلاع، نسأل الله السلامة!!
شوبا
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧].
(لَشَوْبًا) الشوب هو: الخليط والمزيج، ومنه: الشوائب، وهي: الأقذار تختلط بالعسل أو غيره، وسُمّي الشَّيْب شيبًا: لأنه يخالط سواد ولون الشعر.
والمعنى: أن أهل النار إذا أكلوا الزّقوم، فإنهم يشربون على إثرها شرابًا ممزوجًا من الحميم، وهو: ماء بالغ الحرارة، نسأل الله السلامة!!
شياطينهم
قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
(شَيَاطِينِهِم) أي: رؤوس الكفر من الإنس. وليس الشياطين المعروفة.
وصفهم بالشياطين: لتشبّههم بهم في التّمَرّد والعُتُو.
فائدة:
(وإذا خلوا إلى) لم يقل: خلوا بهم؛ لأن (خلوا ب) لها معنيان أحدهما لا ينطبق مع الآية؛ فربما عُدّيت ب (إلى) دفعًا للتّوهّم:
- فالمعنى الأول: تقول العرب: (خلوت بفلان) أي: اختليت به للسخرية والنيل منه.
- والمعنى الثاني: من الخلوة المجردة؛ أي: انفردت به.
стр. 181
أما إذا عُدّيت بإلى (خلوا إلى) جمعت بين معنيين:
١ - تأخذ معنى (خلا) المجردة بمعنى: مضى، وهو معنى زماني؛ أي: مضوا وذهبوا، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] أي: مضت.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: مضوا، وقوله: ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أي: الماضية.
٢ - معنى مكاني؛ أي: إذا انفردوا بهم.
وبجمع المعنيين يعطي صورة مكتملة ومزيدًا من الخصوصية للمعنى؛ فهم قد مضوا إليهم (مما يرسم صورة الخيانة)، ثم انفردوا بهم (مما يرسم صورة التستّر والخوف الذي ملأ قلوبهم)، وقصدوهم لحاجة خاصة ولأمر محدد؛ ليعلنوا الولاء لهم، وأنهم إنما أقروا بالإيمان لأهله على سبيل الاستهزاء.
* ومثلها: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تحتمل المعنيين:
١ - من المضي والعودة؛ أي: إذا مضوا عنكم بحيث لا ترونهم.
٢ - أو من الخلوة؛ أي: إذا انفردوا بأنفسهم.
وهذا من بلاغة القرآن الكريم أن يتضمن المعنى أكثر من فعل؛ فهو فعل ترك المؤمنين، وفعل الانصراف إلى الشياطين والخلوة مع رؤسائهم في الضلالة؛ ليرسم النص صورة في مخيلة القارئ، تبين مدى قبح سلوكهم، وترددهم بين الكفر والإيمان.
شِيَعا
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥].
(شِيَعًا) أصل الشيعة: هي الجماعة والقوم، أو الأنصار والفرقة المتفقة على طريقة أو مذهب، كلها معانٍ صحيحة بحسب سياقها في الجملة.
(أو يلبسكم شيعًا) أي: يخلطكم فرقًا وطوائف مختلفة الأهواء؛ فيحصل اللبس والاختلاط: كل فرقة متشيعة لأهوائها.
(وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) بالنزاع والخلاف، والقتال والفتن بينكم.
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
(شيعًا) أي: فرقًا وطوائف وأحزابًا.
стр. 182
* ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] أي: فرقًا وأحزابًا.
* ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠].
(شيع الأوّلين) أي: فرق وأمم الأولين؛ فقد أرسل في كل قوم منهم رسولًا ليتابعوه على ما جاء به.
* ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّا﴾ [مريم: ٦٩] أي: من كل فرقة وكل قوم.
* ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أي: من قومه وجماعته.
* ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] أي: من أنصار ملته وصنفه الموافق في الملة والدين.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: ٤].
(شيعًا) أي: جعلهم فرقًا وطوائف يتصرف فيهم بشهواته وقهره، ويستعمل كل طائفة منهم في
مصالحه وأهوائه.
стр. 183
حرف الصاد
الصابئون
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩].
(والصّابئون):
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
(وَالصَّابِئِينَ):
أصل الصابئ: هو الذي خالف دين آبائه وأجداده؛ يعني: خرج عن دين قومه، فما المراد بهم هنا؟
هناك أقوال كثيرة لأهل العلم، وقد رجح ابن عثيمين ﵀ -في آية البقرة (٦٢) - أنهم فرقة مستقلة عن اليهود والنصارى، وهم قَوْمٌ باقون على فطرتهم، ولا دين لهم يتبعونه.
صابروا
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
(صابروا) صيغة مفاعلة من معانيها المشاركة؛ فهم صابرون والعدو صابر ومقاوم.
فالمصابرة هي:
- تقوية النفس وتمثّل المزيد من الصبر والاحتمال.
- والوقوف في وجه العدو.
- منافستهم في الصبر ومقابلة الصبر بمثله وأكثر.
وتخصيصها بعد الصبر -وهي منه- لأنها أشق وأشد؛ فالصبر عام على المكاره وعلى الطاعات، والمصابرة على أعداء الله.
فائدة:
الشيطان ألد أعداء الله وأقواهم مصابرة؛ فينبغي الاستعانة بالله والمصابرة عليه.
صافّات
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩].
(صَافّات) صافّات: جمع (صافَّة) وهي: التي تبسط جناحها للطيران في الهواء.
стр. 184
(ويقبضن) القبض: هو ضم الجناحين للتوازن أو النزول؛ فتظل هذه الطير سابحة في الجو، مترددة فيه بحسب إرادتها.
فائدة:
لم يقل: (قابضات) لأن الصف -وهو بسط الجناحين- هو الأصل، وذكر بصيغة اسم الفاعل لدوامه وكثرته. وأما قبض الجناحين: فإنما يفعله الطائر قليلًا للاستراحة والاستعانة.
* ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
(صَافّات) باسِطات أجْنِحَتهنَّ.
* أما قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّا﴾ [الصافات: ١] فهو قَسَمٌ منه تعالى بالملائكة الكرام.
وفي معنى الصفّ قولان لا يتعارضان:
١ - الملائكة تصُف أنفسها للعبادة.
٢ - تصف أجنحتها في الهواء تَنْتَظر ما تُؤْمَر به.
فهي صافّات إذا صفّت للعبادة، وهي صافّات إذا صفت أجنحتها في الهواء، وإن كان اللفظ يحتمل القَسمَ بجميع من له هذا الوصف؛ من طير، أو ملائكة، أو المقاتلين صفًّا في سبيل الله، ولكن الراجح: أن السياق يدور حول الملائكة.
* ومثلها: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥].
١ - الملائكة تصُف أنفسها للعبادة.
٢ - تصف أجنحتها في الهواء تَنْتَظر ما تُؤْمَر به.
* ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
* ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤].
* ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدا﴾ [الكهف: ٤٨]. (صَفًّا) أي: صُفُوفًا، وصفًّا صفًّا.
الصافنات
قال تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١].
(الصَّافِنات) الصافنات: جَمْع صافِنَة: وهِيَ الخيل القائِمَة عَلى ثَلاث قوائم، وإقامَة الرابعة عَلى طَرَف الحافِر. تقول العرب: (صَفَنَ الفرس) إذا رفع إحدى قوائمه على طرف الحافر.
стр. 185
(الجياد): جَمْع جَواد: وهُوَ الخيل السريعة.
فالآية الشريفة تَصِفُ صفوف الخيل التي عُرضت على سليمان ﵇، وهي من جياد الخيل. وقيل: إنها أُعدت للجهاد وكانت في منظر رائق وعرض جميل؛ رافعة أحد حوافرها كأنها تستعد للانطلاق.
الصدع
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١ - ١٢].
(الصَّدْعِ) الصدع من: الانشقاق والتفرق. فالأرض بعد نزول الرَّجع تتصدع وتتشقق، وتتفرق جزيئات تربتها وتتشقق بالنبات.
ويدخل في المعنى: جميع التصدّعات التي تحصل للأرض.
أما (الرَّجْعِ) فهو: المطر؛ لأنه يرجع ويعود ويتكرر رجوعه للأرض، ومن المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أي: على بعث الإنسان وإعادته بعد موته.
ولعل معنى الرجوع كذلك يتجلى في دورة المطر؛ سواء كان مبدؤه من البحار أو من السماء، ثم يتكوّن سُحبًا ويتساقط مطرًا مرة بعد مرة.
فائدة:
يقول خبراء علوم الأرض: لولا التصدعات ما كانت حياة في الأرض؛ فهي التي خرج منها النبات، ولها علاقة بتكوّن الغلاف الغازي والمائي والسلاسل الجبلية والجزر وغير ذلك.
وكلما زاد نزول الرّجْع ازداد التشقق والصدع .. فسبحان الله العظيم!
ومن مشتقات معنى (الصدع) قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].
(يَصَّدَّعُونَ) أي: يتفرقون أشتاتًا؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦]، وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤].
فيوم القيامة يفترق أهل الإيمان وأهل الكفر، فريق في الجنة وفريق في السعير، عياذًا بالله!
* ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].
(فاصدع) أي: بلّغ رسالة ربك، وشقَّ جماعاتهم بالتوحيد، وفرِّق بين الحق والباطل بما أمرك الله بتبليغه، ومنه اشتُقَّ (الصداع) الذي يصيب الإنسان؛ وكأنه مع الألم يصدع الرأس ويفلِقه؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩].
стр. 186
(لَا يُصَدَّعُونَ) من الصداع، واستُعير الصداع من نفس المعنى؛ لأنه يفلق الرأس مجازًا.
أي: لا يصيبهم ما يصيب شارب خمر الدنيا من الصداع مهما شربوا، ولا تنزف وتُذهب عقولهم.
* ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
(مُتَصَدِّعًا) أي: متشققًا متفتتًا.
والمعنى: هو مثل ضربه الله تعالى للتفكُّر؛ ليحثُّ الناس على الانصياع لمواعظ القرآن الذي نزل عليهم، ولتتأثر به قلوبهم من الخوف والخشية لربهم؛ وهو: أنه لو أنزله على الجبال الصلبة الرواسي لتشققت وتفتت من خشيته.
فالتّصدّع للجماعة من الناس: تفرّقهم وتشتتهم، والتّصدّع في الشيء -كالجدار أو الجيل-: تشقّقه وتفتّته.
- فالتصدّع للجماعة من الناس: هو تفرقهم وتشتتهم.
- والتصدع في الشيء -كالجدار أو الجبل-: هو تشققه وتفتته.
صرّا
قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧].
(صِرٌّ) الصر: هو شدة البرد.
والمعنى: ريح شديدة البرودة مهلكة. وهو مَثَلٌ ضربه الله في تشبيه نفقة الكفار؛ كمثل هذه الريح التي تُتلف الزرع والمحاصيل؛ فهو مثلٌ على إبطال أعمالهم وعدم قبول نفقاتهم؛ فلا يجنون إلا التعب والعناء.
* وقريب منها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦].
(صَرْصَر) أي: ريح عاصفة شديدة البرودة، ذات صوت مفزع، نسأل الله السلامة!
صرة
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩].
(فِي صَرَّةٍ) الصرة: هي الصيحة؛ كقول: (أوه)، أو كما فسرها قوله تعالى في سورة هود: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] فصيحتها كقولها في دهشة: (يَا وَيْلَتَى).
(فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) لطمت وجهها من شدة دهشتها وفرحتها، وهو ما يجري عند النساء عادة.
стр. 187
صُرْهن
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
(فَصُرْهُنَّ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - الصُّرُّ: هو الضّم وشد الشيء إلى بعضه؛ ولذلك يقال للصُّرَّة: صُرّة. ومنه كذلك سميت صُرّة النقود أو الثياب: لأنها مضمومة ومشدودة إلى بعضها.
٢ - من الصِّر -بكسر الصاد-: وهو القطع؛ بِناء على قراءة أخرى متواترة: (فصِرْهن).
وبجمع المعنيين: ضم الطيور، ثم تقطيعها.
والمعنى: أن الله أمر إبراهيم ﵇ بأخذ أربعة من الطيور فيضمهن إليه؛ حتى يرى بنفسه وأمام ناظريه قدرة الله، فيجمعهم بيديه ويمزقهم ويخلط بعضهم ببعض، ثم يضع على كل جبل من الجبال القريبة منه جزءًا من هذا الخليط، ثم ينادي الطيور لتُقْبِل عليه، فتجتمع أعضاءُ كل طير وتعود لهم الحياة، ويطير كلٌّ منهم كما كان عائدًا إلى إبراهيم ﵇، فسبحان القادر المقتدر!
صَعدا
قال تعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدا﴾ [الجن: ١٧].
(صَعَدًا) تدل على ثلاثة معان لا تتعارض:
١ - من الصعود: ويدل على الشدة والمشقة؛ فلا يجد الراحة والعياذ بالله!
٢ - من التّصَعُّد والعلو: فالعذاب يغلبه ويعلوه فلا يطيق فِكَاكًا.
٣ - من التّصاعد وازدياد وتيرة العذاب: فلا يفتر عنه، نسأل الله السلامة!
ومعنى (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا): تدل على الانخراط والدخول في سلك العذاب الأليم المتصاعد، وسلوك طريقه، فلا قدرة له على الخروج منه.
* ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].
(صعودًا) بفتح الصاد: هو اسم مرادف للمشقة وشدة العذاب المتصاعد. وقيل: اسم لجبل من نار، وعقبة شاقة يصعدها في جهنم؛ وهو: الوليد بن المغيرة.
стр. 188
فالصُّعود -بضم الصاد-: مصدر للفعل (صَعَدَ). والصَّعود -بالفتح-: اسم مرادف للمشقة، أو اسم للمكان الشاق صُعوده.
* ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
(يَصَّعَّدُ) من تكلف الصعود بمشقة، وما يحصل من ضيق صدره وأنفاسه.
والمعنى: أن من فسدت فطرته بالشرك والضلال يضيّق الله تعالى عليه منافذ هدايته؛ فيجد في صدره ضيقًا ومشقة من الاستجابة لداعي التوحيد، وكأنما يتكلف الصعود في طبقات السماء؛ فتكون استجابتُه للإيمان ثقيلة وبعيدة، وكأنه يتكلف ما لا يطيق.
فائدة:
من ذلك قول العرب: (تنفَّس الصعداء) إذا تنهَّد بعد مشقة أو همٍّ أو تعب وتنفس؛ أي: ذهب عنه ذلك.
صغت
قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].
الخطاب في القصة المعروفة لزَوْجَتَي الرسول ﵊ عائشة وحفصة ﵄؛ لأنهما كانتا سببًا لتحريم النبي ما يحبه؛ فعاتبهما الله تعالى في الآيات وعرض عليهما التوبة.
(صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) صغت وتُصغي من (الصغو) وهو: الميل.
والفرق بين (صغى) و (أصغى) مثل الفرق بين: مالَ، وأمالَ: صغى بنفسه، وأصغى غيره؛ مثال: صغت قلوبكما. وأصغيت بسمعي.
والمعنى: زاغت قلوبكما ومالت عما ينبغي لهن تجاه رسول الله ﷺ .
* ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣].
(وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ) أي: تميل إليه قلوبهم ويحبونه فتزيغ.
والمراد: تصغى وتميل إلى زخرف القول المذكور في الآية التي تسبقها.
صفصفا
قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].
(قاعًا صَفْصَفًا) القاع: الأرض المستوية.
стр. 189
والصفصف: التي لا نبات فيها ولا بناء.
(أَمْتًا) الأمْت: هي المرتفعات الصغيرة كالتلال.
والمعنى: يصف الله تعالى أرض المحشر يوم القيامة بأنها مَلْساء مستوية، لا نبات فيها ولا بناء، ولا علم ولا راية لأحد، وليس فيها اعوجاجات وانعطافات، ولا انخفاض ولا ارتفاع.
صفوان
قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
(صفوان - وابل - صلدًا):
- الصفوان: هو الحجر، أو الصخر الأملس.
- الوابل: المطر الغزير.
- صلدًا: أملسَ ناعمًا لا تراب عليه.
وهذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر والمرائي بنفقته؛ فهي كالتراب المنثور على ذلك الصفوان، فنفقته وصدقاته كطبقة التراب السطحية على الصفوان، وهو حقيقة قلبه الصخري؛ فرياؤه كالوابل الذي جرف التراب كله من فوق الصفوان، فبقيت نفقاته لا ثواب فيها، وظهر قلبه كالصخر الذي لا يمسك ماء ولا يحمل خيرًا.
صنوان
قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
(صِنْوَانٍ) الصنوان: هو الاجتماع في أصل واحد. فصنوان؛ أي: نخلتان أو نخلات أصلها واحد.
والمعنى العام: يبين الله تعالى عظيم قدرته؛ ففي الأرض ترى قطعًا متجاورة تسقى بماء واحد، ولكنها متفاوتة في خصوبتها: فمنها التي تنبت الجنات والبساتين من الأعناب وأشكال الزرع والثمار، وترى النخل منها ما يجتمع نخلتان وثلاثٌ وخمسٌ وستٌّ في جذع وأصل واحد، ومنها نخل متفرق كل نخلة منفردة في أصلها.
وتلك الثمار المختلفة متفاوتة في الألوان والأشكال والمذاق؛ فهذه أمور دقيقة لفتَ الله إليها انتباهنا على دلائل قدرته؛ ولنعلم أنه الخالق جل وعلا، وأنه الفاعل لما يشاء سبحانه.
فائدة:
مثل هذا المعنى قوله ﵊: «عمُّ الرجل صِنو أبيه» صحيح مسلم (٩٨٣) أي: مِثْله؛ لأنهما خرجا من أصل واحد وأب واحد.
стр. 190
صواف
قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
(صَوَافَّ) أي: صفت أطرافها.
والمعنى: قائمات.
(والبُدْن) هي الإبل -الجمال- وقيل: البقر كذلك.
أي: انحروا البُدْن قائمة على أطرافها الأربع، ثم تُعقَل يدُها اليسرى فتسقط وتنحر.
(وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) وجبتْ أي: سقطت جوانبها، وخرّت بعد النحر على الأرض.
وفي الصحيحين: يَحكي زيادُ بن جبير أن عبد الله بن عمر ﵄ أتى على رجل قد أناخ بَدَنَته ينحرها، فقال: «ابعثها قيامًا مقيدة -أي: أوقفها مقيدة من قائمتها اليسرى- سنة محمد ﷺ ». صحيح البخاري (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠).
صياصيهم
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقا﴾ [الأحزاب: ٢٦].
(صياصيهم) الصياصي: هي الحصون، وكل ما يُمتَنع به ويتحصن به.
ومفردها: (صيصة) وأصل اللفظ مأخوذ من قرون الحيوانات؛ تسمى: (صياصي) وشوكة الديك في رجله تسمى (صياصي)؛ لأنه يمتنع بها، ويدافع بها عن نفسه.
وذكر لفظ (الصياصي) في الحديث الشريف الذي يتحدث عن يوم المحشر، وكَبْكَبَة كل قوم ومعبوداتهم في نار جهنم: ثم ( … يبقى محمد وَأُمَّتُهُ، فَيَتَمَثَّلُ الرَّبُّ لَهُمْ فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: مَا لَكُمْ لا تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلامَةٌ فَإِذَا رَأَيْنَاهُ عَرَفْنَاهُ، فَيَقُولُ: مَا هِيَ؟ فَيَقُولُونَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَخِرُّونَ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ يريدون السجود فلا يستطيعون). إسناده حسن، انظر الحديث بتمامه في: مختصر العلو للذهبي، بتحقيق: الألباني (ص ١١٠).
والمعنى: تبقى ظهورهم صلبة عصية على السجود كقرون البقر؛ لأنهم ما سجدوا لربهم ﵎ في الدنيا.
стр. 191
حرف الضاء
ضحكت
قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
(فَضَحِكَت) الراجح: أنه الضحك المعروف، أما ما ورد في كثير من التفاسير: من أن ضحكت بمعنى: (حاضت)، فتفسير استبعده كثيرٌ من أهل العلم؛ فهي ضحكت تعجبًا وسرورًا بالبشارة بالولد.
* ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أي: صاحت تعجبًا وفرحًا بالبشرى، ولطمت وجهها من شدة الدهشة. وانظر المفردة في حرف الصاد (صرة).
ضريع
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦].
(ضَرِيعٍ) قيل: هي شجرة شوك تنبت في جهنم والعياذ بالله، سماها الله باسم شجرة تنبت عند العرب في الحجاز، ذات أشواك يابسة لا ترعاها حتى الإبل من قسوتها، فهي ليست بطعام للبهائم فضلًا عن الإنس؛ لأنها لا تؤكل.
وسميت ضريعًا: لأن آكلها يضرع من يبسها ومرارتها ونتن ريحها، وتقف في حلقه من صعوبة الأكل؛ فيزداد ألمًا وعذابًا.
* وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦].
(غِسْلِينٍ) قيل: مشتق من غُسالة أبدانهم؛ فهو عُصَارة أهل النار وما يخرج منهم من صديد.
فائدة:
قد يسأل سائل عن النفي في الآيات، فكيف نوفّق بين قوله: لا طعام لهم إلا من ضريع، وبين: لا طعام لهم إلا من غِسْلين؟ ثم يظهر في آيات أخرى أن مِنْ طعامهم الزقوم وغيره ..
والجواب من وجهين:
١ - أن النار دركات؛ فربما يكون الغسلين طعام في بعضها، والضريع في البعض الآخر.
٢ - ويحتمل أن يكون المراد: ليس لهم إلا هذه النوعية من الطعام؛ كالضريع والغسلين، والله أعلم.
ضِغثًا
قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
(ضِغْثًا) الضغث: هو مجموعة، أو قبضة أو حزمة تملأ الكف من حشائش أو عيدان زرع مختلطة.
стр. 192
* ومثلها في أصل المعنى على سبيل الاستعارة قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
(أَضْغَاثُ) أي: أحلام مختلطة ملتبسة المعاني لا تُعرَف حقيقتها، ولا يصلح تأويلها.
فائدة:
- ضِغْثُ الأحلام أو الكلام: هو خَلْطُه والتباسه.
- ضِغْثُ الشيء: جمع حزمة منه.
ضللنا
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠].
الضلال له ثلاثة معان:
١ - معنى حسي ومعنوي: من التّيه والغياب والاضمحلال، ومنه الآية الكريمة السابقة؛ أي: إذا غِبنا في داخل الأرض وهلكنا، وتمزقت أجسامنا واختلطت بترابها.
فالضلال هنا من: التغيب في داخل الأرض والاضمحلال بعد أن أصبحت أجسادهم رميمًا.
* وقد تكرر في غير آية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١].
(ضَلَّ): اضمحل دينهم المفترى الذي كانوا يستحسنونه.
* ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧].
(وضَلَّ) أي: غابَ عَنْهم واضْمَحَلَّ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنْ أنَّ شُرَكاءَهم تَشْفَعُ لَهم وتُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى.
* ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨].
(وضَلَّ): غاب وزال ادِّعاؤهم.
* ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُا لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤].
(وضَلَّ): غاب وزال ما اغتررتم به من هذا الزعم الباطل الذي لا حقيقة له.
٢ - معنى معنوي: يفيد الخطأ ومجانبة الصواب؛ كما قال تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: ٨].
(لفي ضلال) أي: لفي خطأ واضح.
стр. 193
* ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠].
(لفي ضلال) أي: لفي خطأ واضح.
* ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥].
(ضلالك) أي خطئك في الإفراط في محبة يوسف.
* ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢].
(يضل) أي: لا يخطئ؛ فالله تعالى لا يخطئ في تدبيره ولا ينسى في علمه جل وعلا.
٣ - معنى معنوي: يفيد الزيغ والانحراف والغواية، كما في جميع الآيات المقترنة بالإيمان والكفر وعبادة غير الله.
ومنها على سبيل المثال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
(الضلالة): هي الكفر والعقائد الفاسدة.
* ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
(ضلال) أي: في انحراف عن طريق الهدى؛ فقد كان العرب قبل البعثة جهّالًا وغُواة عن طريق الحق.
ضنين
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤].
(ضنين) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - بضنين: من الضَّن والإمساك، والبخل بالشيء النفيس؛ فمعنى ضنين: بخيل.
أي: ما هو (وهو: نبينا محمد ﷺ بكتوم لما أُوحِيَ إليه، وغير بخيل بما علمه الله.
ويستعمل الضن بالعلم أكثر، أما البخل فيستعمل للمال.
والمعنى: أن النبي ﷺ ليس ببخيل عليكم بما يأتيه من الوحي، ولا يكتمه عنكم؛ فهو حريص على تبليغه لكم لكي تؤمنوا وتهتدوا.
فكما نفى عنه آفة العقل والجنون فقال: (وما صاحبكم بمجنون)، نفى كذلك عنه نقص التلقي والشح بالعلم الذي تلقاه من الوحي؛ كما قال تعالى: (وما هو على الغيب بضنين).
стр. 194
وأثبت له كمال الخُلُق في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) ومنه الصدق والأمانة؛ فاجتمع له ﷺ الكمال في تبليغ الرسالة تامة من غير نقص ولا آفة.
٢ - بضنين: هناك قراءة صحيحة: (بظنين)؛ فيكون معنى (ظنين) أي: متّهم.
والمعنى: ليس بمتهم فيما يخبركم به؛ فهو الصادق المصدوق ﵊، فلا يتهم في تبليغه، ولا يتهم في قُواه وصفاته.
ضيزى
قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢].
(ضِيزَى) تقول العرب: (ضاز في الحكم) أي: جار فيه، و (قسمة ضَأزى) أي: جائرة وناقصة؛ فأصل الضَيْز: هو الاعوجاج، أو النقصان.
وضيزى وصف للقسمة على وزن: حُبْلَى، وعَطْشَى، وصُغْرى، وكُبْرَى.
والمعنى: أتجعلون لله البنات؟ فهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، ويختارون لأنفسهم البنين؛ تلك إذًا قسمة جائرة ظالمة.
وذلك كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩]، ولم يقل: (قسمة ضأزى) أي: جائرة، بل قال: (قسمة ضيزى) والفرق:
أن الأخيرة جاءت بصيغة (فعلى) لتدل على أقصى الوصف؛ فلو قلنا مثلًا: الأخت الكبرى؛ أي: أكبرهن لا أكبر منها. وكذلك الصغرى لا أصغر منها. والعظمى لا أعظم منها …
فالمعنى: ضيزى لا تدل على أنها قسمة جائرة فقط، بل تدل على أن ذلك أشد الجور؛ وهو أنهم ينسبون لخالقهم ورازقهم ما يكرهون لأنفسهم.
стр. 195
حرف الطاء
الطاغوت
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
(الطاغوت) الطاغوت اشتُقّ معناه من (طغى) وهو المبالغة في الطغيان، وتجاوز الحدّ. مِثْل المبالغة في التجبّر تسمى: جبروت، والمبالغة في العز والسلطان: ملكوت، والمبالغة في الرهبة: رهبوت.
ومعنى الطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حدَّه؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع من شيطان أو إنسان، أو حجارة وأوثان.
(من متبوعٍ) أي: باتباعه على ضلالة.
(من مطاعٍ) أي: بطاعته فيما لا يجوز طاعته فيه.
والطواغيت كثيرون ورؤوسهم خمسة:
١ - إبليس الرجيم.
٢ - ومَنْ غَيّر أحكام الله.
٣ - ومَنْ حكم بغير ما أنزل الله.
٤ - ومَنْ دعا إلى عبادة نفسه.
٥ - ومَنْ عُبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة.
وهو في القرآن بهذا باللفظ -سواء في المفرد والجمع، وفي التذكير والتأنيث- لا يتغيّر.
وشرّ الطواغيت: إبليس، ثم الحاكم بغير ما أنزل الله، والسحرة والكهنة، ودعاة الضلالة.
طائره
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].
(طَائِرَهُ) أي: حظه ونصيبه المكتوب له مما عمل من خير وشر.
وسُمِّي طائرًا: من الطِّيَرة؛ لأنهم كانوا يتفاءلون به ويتشاءمون. وقيل: من الطيران؛ لأن الإنسان يعلو به أو يسقط.
والمعنى: كل إنسان يجعل الله عمله المكتوب عليه أنه سيعمله ملازمًا له يوم القيامة من خير أو شر؛ فهو صائر إليه لا محالة.
ومعنى (في عنقه) أي: ملازم له، لا يفارقه ولا يتعداه لغيره. وقيل: يُربط في عنقه على الحقيقة لا ينفصل عنه بحال.
стр. 196
فيوم القيامة يُخرِج له كتابًا مفتوحًا قد سُجّلت فيه كلُّ هذه الأعمال من حسنات وسيئات.
* ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١].
(يطيّروا) أي: يتشاءموا.
(طَائِرُهُمْ) أي: شؤمهم العظيم؛ وهو عملهم وكفرهم محسوب عليهم عند الله، وهو الذي سوف يتشاءمون به حقًّا، وسيجدون آثاره السيئة.
وكل ما قدر الله عليهم وقضاه فهو بسبب ذنوبهم، وليس لموسى دخلٌ فيما يصيبهم.
* ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧].
(اطَّيَّرْنَا) أي: تشاءمنا بك وبمن معك.
(طَائِرُكُمْ) قال: طائركم؛ وهو حاصل أعمالكم وما تشاءمتم به عند الله، وسوف يجازيكم بها.
* ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩].
(طَائِرُكُم) أي: شؤمكم معكم، وأثره ملازم لكم بسبب كفركم وتكذيبكم؛ فالحقيقة أن الشرك والمعاصي شؤم على صاحبها.
طرائق
قال تعالى: ﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ [الجن: ١١].
(طَرَائِقَ) جمع طُرق؛ سواء كانت حسيّة، أو معنوية.
والمعنى: كنا مذاهب وفرقًا مختلفة قبل سماع القرآن.
* ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧].
(طَرَائِقَ) لها هنا معنيان:
١ - من الطرُق السماوية، والله أعلم بها. قيل: هي طرق الملائكة في العروج والنزول.
٢ - من التطارق: وهو التطابق فوق بعضها البعض؛ وهي السماوات السبع.
(قِددًا) أصلها من (القدّ) وهو القطع والفصل. ومنه الطعام المعروف: (القديد) وهو اللحم المُقَدَّد؛ لأنه يتفتت ويتفرق بعد تماسكه.
ومُفرد قددًا: قِدّة؛ وهي الفِرَق والأجزاء؛ تقول العرب: (ولّت الخيل قِددًا) أي: تفرقت في كل مكان.
والمعنى: كنا فرقًا وأهواء مختلفة متفرقة؛ فمنا الصالحون، والفاسقون، والكفار.
وهذا كان حالهم قبل استماع القرآن، فلما سمعوه آمن كثير منهم.
стр. 197
طلح
قال تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩].
(طلح) الطلح له معنيان:
١ - قيل: هو شجر الموز؛ لأن ثمرها متراكب بعضُه فوق بعض.
٢ - وقيل: هي شجر شوك، شوكها متقارب متراكب، يجعل الله مكان كل شوكة ثمرة.
وهذا ما يرجحه الحديث الشريف: عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله، أسمعك تذكر شجرة في الجنة لا أعلم في الدنيا أكثر شوكًا منها -يعني: الطلح- فقال رسول الله ﷺ : «فإن الله يجعل مكان كل شوكة -يعني: من شجرة الطلح في الجنة- مثل خِصْية التّيس الملبود -يعني: المخصي- فيها سبعون لونًا من الطعام لا يشبه لونه لون الآخر». الأحاديث الصحيحة (٢٧٣٤).
وشجرة الطلح معروفة باسمها وشوكها المتراكب في جزيرة العرب.
(منضود): انظر المفردة ومشتقاتها في حرف الميم (منضود).
طوْلا
قال تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
(طولًا) أصل معنى الطوْل: من سعة الغنى والفضل، والاستطالة به على الغير؛ تقول العرب: (لفلان على فلان طَوْلٌ) أي: له عليه فضل.
والمعنى هنا: من لم يملك الغنى والسعة في المال لمهر النكاح والقدرة على النفقة للزواج من الحرائر، فليتزوج من الإماء المسلمات.
* ومثلها في المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٨٦].
(أُولُو الطَّوْلِ) أصحاب الغنى والسعة وفضل المال من المنافقين.
* ومثلها في أصل المعنى قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣].
(ذِي الطَّوْلِ) وهو وصف لله تعالى؛ أي: واسع الغنى والقدرة والتّفضل والإحسان.
стр. 198
حرف الظاء
ظِلالهم
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥].
(وظلالهم) أي: يسجد لله حتى ظلال الأشياء، فإذ سجد المؤمن سجد معه ظله، حتى الذي لا يسجد لله ويكفر به، فإن ظله يسجد وإن لم نره؛ فظلال كل الكائنات منقادة ساجدة لله صباحًا ومساءً.
* ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].
أي: ألم ير هؤلاء المرتابون في ربهم كيف أن جميع المخلوقات وظلالها التي نراها تميل جهة اليمين واليسار، هي مسخرة منقادة لحكم ربها ساجدة لجلاله.
فالسجود له معنيان: شرعي ولغوي، والآية تشتمل عليهما معًا:
- فالسجود الشرعي للناس: هو وضع الجبهة على الأرض. وللكائنات: لا نعلم كيفيته.
- والسجود اللغوي: هو الانقياد والخضوع.
وبجَمْع المعنيين وحَمْل النّصوص على ظاهرها، فكل الكائنات تسجد بالكيفية التي لا يعلمها إلا الله، وكلها تخضع له.
ظهر
مفردة ظهر لها معان عدة منها:
١ - العلو المعنوي والعز والنصر.
٢ - العلو المادي والارتقاء فوق مُرتفع.
٣ - الظهور والكشف والبيان.
٤ - المعونة والتأييد.
- فبمعنى العلو والعزة والنصر:
قوله تعالى:
* ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ [التوبة: ٤٨].
(ظَهَرَ أَمْرُ اللَّه): علا وعزّ دينه.
* ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
стр. 199
(لِيُظْهِرَهُ): ليعليه ويعزه ويرفع شأنه.
* ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٤]
أي غالبين منتصرين.
* ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨]
أي: تمكنوا منكم وعلو عليكم وانتصروا.
- وبمعنى العلو المادي:
قال تعالى:
* ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧]
(يَظْهَرُوهُ): من الظهور، وهو العلو؛ أي: ما استطاعوا العلو عليه والصعود فوقه.
* ومثلها: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ [الزخرف: ٣٣].
(يَظْهَرُونَ): يرتفعون ويصعدون.
- و بمعنى الكشف والبيان:
* ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠] أي: إن يرونكم ويكشفوا أمركم.
* ومثلها ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] إلا ما بدا منها.
* ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦] فلا يبدي.
* ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]
أي: لم يطّلعوا عليها.
ومما جاء يشتمل على المعنيين اسم الله في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
(الظَّاهِرُ):
١ - من العلو والعزة؛ أي: العالي على خلقة علو الذات والصفات، وعلو الغلبة والقهر .
٢ - ومن الظهور والبيان: فهو الذي ظهر لخلقه، وبدى لهم بأسمائه وصفاته، وحججه وبراهينه.
- والمعنى الرابع المعونة والتأييد:
هو ما ذُكر في المفردة التالية (ظهير)
وقد اكتفينا بهذه المعاني والشواهد على تعددها، وربما نتناولها في نسخة قادمة بإذن الله.
стр. 200
ظهيرًا
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرا﴾ [الفرقان: ٥٥].
(ظَهِيرًا): أي: عونًا ومُواليًا.
والمعنى: كان الكافر معينًا للشيطان بكفره؛ لأنه ظَاهَرَ الباطلَ وأيّده ضد الحق، وأظهر العداوة لربه، والخروج عن عبادته وأمره.
* ﴿قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا﴾ [الإسراء: ٨٨].
(ظَهِيرًا) أي: معينًا.
* ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
* ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
* ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤].
(تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي: تعاونا عليه.
* وفي سورة الأحزاب: ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦].
(ظَاهَرُوهُم) أي: عاونوهم.
* وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨].
(تَظَاهَرَا) أي: تعاونا في سحرهما.
فائدة:
بحسب تعديتها بنوع حرف الجر يختلف المعنى:
- (ظهيرًا على) معينًا ضده.
- (ظهيرًا ل) معينًا له.
فالكافر ظهير وعون للشيطان (على) ربه بالشرك والمعاصي، والمؤمن ظهير للحق ولطاعة ربه.
стр. 201
حرف العين
العاديات
قال تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ١ - ٥].
اختلف المفسرون على أقوال، والذي رجحه بعضهم: هو أن القَسَم في الآيات كلها بالخيل في أحوال مختلفة:
(وَالعَادِيَاتِ): الْخَيْلُ حِينَ تُغِيرُ فِي الحرب على أرجح الأقوال.
(ضَبحًا): صوت يخرج من صدور الخيل عند شدة العَدْو.
(فَالمُورِيَاتِ قَدحًا): هي الخيل؛ لقوَّةِ ركضها وشِدَّته إذا ضربت الأرض بأرجلها، احتكت الحجارة بعضها ببعض؛ فينقدح الشرر.
(فالمُغِيرَاتِ صُبحًا): الخيل تُغير على العدو صباحًا.
(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) أي: أَثَرْنَ بهذا العَدْوِ والركض النَّقْعَ -وهو الغُبار- من شِدَّة الكرّ والفر.
(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا): فتوسطتْ بهذا الكرّ والفرّ جموعَ الأعداء.
عاقبتم
قال تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَئَاتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١].
(فعاقبتم) لها معان متقاربة لا تتعارض:
١ - من الفعل (عَقّب) وهو هالرجوع عليهم بالغزوة بعد الغزوة.
والمعنى: فعقّبتم بغزوة أخرى.
٢ - من العُقبى: وهي النوبة والدور.
والمعنى: فكانت العُقبى لكم، والغلبة لكم عليهم فغنمتم.
ومن المعنى الأول: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠].
(وَلَم يُعَقِّب): من التعقيب، وهو الرجوع. والمعنى: ولم يرجع ولم يلتفت.
* ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١].
(لَا مُعَقِّبَ) أي: لا أحد يردّ حكمه وقضاءه ويؤخِّره، ولا أحد يَرجع بعد حكم الله بتعديل أو نحوه.
стр. 202
- ومثلها كثير من الآيات منها:
* ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨].
(فِي عَقِبِهِ) فيمن خلّفه من ذريته.
* ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبا﴾ [الكهف: ٤٤] أي: خير عاقبة، ومآل وخاتمة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨]، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤].
* ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥] أي: عاقبتها وجزاءها.
* ومن المعنى الثاني: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
(معقبات): الملائكة يتعاقبون على الناس ليلًا ونهارًا؛ أي: يتناوبون عليهم.
عِتيّا
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّا﴾ [مريم: ٨].
(عِتِيًّا) كل مُبالغ فيه -من الكبر أو الكفر أو الفساد- يقال له: عتَا عُتوًّا، ويعتو عِتيًّا.
والمعنى: بلغ من الكبَر نهايته.
* ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّا﴾ [مريم: ٦٩].
(عِتِيًّا) أي: أشد وأعظم افتراء. أو: أيهم بلغ من الكفر أشده.
* ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧].
(وَعَتَوْا) تمردوا وبالغوا في عصيانه.
* ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦].
(عَتَوْا) أي: فلما تمردوا وعصوا.
* ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرا﴾ [الفرقان: ٢١].
(وَعَتَوْا عُتُوًّا): تجاوزوا الحد في الاستكبار، وبلغوا أشده وأعظمه.
* ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾ [الذاريات: ٤٤].
(فَعَتَوْا) أي: تمردوا أشد التمرد، وعصوه أشد العصيان.
* ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١].
(فِي عُتُوٍّ): في شدة عناد ومكابرة.
стр. 203
العتيق
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
(العَتِيق) سُمي البيت الحرام بالعتيق؛ لعدة أسباب، والله أعلم بمراده:
١ - العتيق؛ أي: القديم؛ لأنه أقدم مواضع التعبد، وأول بيت وُضِع للناس.
٢ - أن الله أعتقه وحماه من الجبابرة؛ كأبرهة الحبشي.
٣ - أنه أعتقه من طوفان نوح؛ فقد كانت قواعده موجودة منذ ذلك الزمن.
٤ - أنَّ المُرادَ بِالعِتْقِ فِيهِ: الكَرَمُ. والكرم من النَّفاسة؛ كما نقول حجر كريم.
تقول العرب: (فرسٌ عتيق) أي: بلغ النهاية في الجودة والسباق. و (عِتاق الخيل) أي: كرائمها. و (العتيق من كل شيء): أفضله.
وكذلك البيت العتيق: لما فيه من الحجر الأسود الذي أُنزِل من الجنة، ورُوِيَ كذلك عن الرّكن اليماني أنه ياقوتة من الجنة؛ قال ﷺ : «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضًا من الثلج، فسودته خطايا بني آدم» الصحيحة (٢٦١٨).
وقال: «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة» صححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٥٩).
العرجون
قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩].
(كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ): قدَّر الله تعالى القمر من حيث سَيْره إلى منازل يتغيَّر كلَّ ليلةٍ عن الأُخرى، فكل ليلة له منزل (ثمانية وعشرين منزلًا)؛ ولهذا يبدو صغيرًا ثم يكبر، ثم يعود يصغر بحسب قُربه من الشمس، كلَّما قَرُب من الشمس ضَعُفَ نوره -لأن نوره مستمدٌّ منها- حتى يصبح (كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ).
والعرجون: هو عود العذق في طلع النخلة، ووصفه بالقديم: لأنه مع القِدم ييبس ويتقوَّس ويَصْفَرُّ، فشبَّه الله تعالى القمر في صفرته وتقوسه بهذا الْعُرْجُونِ القديم. انظر تفسير الآية في تفسير العثيمين.
العرش
قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].
(ذُو العَرشِ) أي: صاحب العرش المستوي عليه .
стр. 204
وهناك تفسيرات خاطئة في بعض كتب التفسير تنكر العرش والاستواء؛ كأن يفسر بقول: (من له الملك) أو: (ذو السلطان والقهر) وهو سبحانه كذلك بلا شك، ولكن ليس هو المعنى المراد هنا، وقد سبق الحديث عن العرش.
* ﴿قُل لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢].
(ذِي العَرشِ) أي: صاحب العرش.
والآية لها تفسيران محتملان عند أهل التفسير:
١ - لو كان مع الله آلهة أخرى -كما يزعم الكفار- لابتغت هذه الآلهة المزعومة سبيلًا إلى مغالبة صاحب العرش، وإزالة ملكه سبحانه !
٢ - لو كان مع الله آلهة أخرى، فكما تتقربون أنتم إليهم أيها الكفار لعرفوا هم -أي: الآلهة- فضل الله وسلطانه؛ لأنهم دونه، ولابتغوا السبيل إلى مرضاته والتقرب إليه؛ فكيف تعبدون من هو فقير إلى إله معه؟!
وقد رجح بعض المفسرين القول الأول؛ ومنهم صاحب أضواء البيان؛ لأن الآلهة إذا تعددت تتنازع ولا تتقارب؛ كما قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
* ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠].
(ذِي العَرشِ): عند صاحب العرش، وهو الله تعالى.
* ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥].
(ذُو العَرشِ) أي: صاحب العرش وهو الله .
(المجيد): فيها قراءتان تدل على اتساع المعنى:
١ - (الْمَجِيدِ) بكسر الدال؛ فتكون وصفًا للعرش.
٢ - (الْمَجِيدُ) بضمها؛ فتكون وصفًا للربِّ .
وكلاهما صحيح؛ فالعرش مجيدٌ، وكذلك الربُّ هو المجيد، ومجده يليق بجلاله.
عرّفها
قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦].
(عَرَّفَهَا) لها معان كلها لا تتعارض:
١ - من التعريف؛ أي: وصَفَهَا ونَعَتَها لهم؛ فعرفوها في الدنيا وعملوا لها.
стр. 205
٢ - من التعريف كذلك؛ أي: يوم القيامة يعرفون الطريق إليها، وإلى بيوتهم فيها؛ وكأنها مساكنهم التي اعتادوا عليها في الدنيا.
ففي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا» صحيح البخاري (٢٤٤٠).
من العَرْف: وهو الطِّيب؛ فالمعنى: طيَّبها لهم. والتَّطْيِيبُ مِنْ تَمامِ حُسْنِ الضِّيافَةِ.
عِزين
قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: ٣٦ - ٣٨].
(عِزِينَ) أصلها من العزوة والعِزَة: وهي الجماعة المتعاضدة من الناس.
أي: أنهم جماعات وفرق معرضون عنك.
وكلمة (مهطعين) سبق ذكرها؛ أي: مسرعين.
والمعنى: ما لهم يا محمد (أسلوب تعجّب) مسرعين، يستمعون إليك شأنهم كمن يريد أن يطلب الهدى، ثم يتفرقون يمينًا وشمالًا في حِلقٍ حِلقٍ معرضين عنك، كل جماعة تخوض في باطل، يقولون في استهزاء بالمؤمنين: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنّها قبلهم.
ومنها ما جاء في الحديث الشريف: دخل رسولُ اللهِ ﷺ المسجدَ وهم حِلقٌ، فقال: «ما لي أراكم عِزينَ؟!» صحيح أبي داود (٤٨٢٣).
(عِزينَ) أي: حِلقًا حِلقًا متفرقين.
العسرة
قال تعالى: ﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧].
(سَاعَة العُسرَةِ) أي: فِي وَقْتِ الْعُسْرَةِ، وَلَيس المقصود سَاعَةً بِعَيْنِهَا؛ فقد كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ تُسَمَّى: غَزْوَةَ الْعُسْرَةِ، وَالْجَيْشُ يُسَمَّى: جَيْشَ الْعُسْرَةِ.
وَالْعُسْرَةُ: من العسر والشِّدَّة، وهي أيام الخروج إلى غزوة تبوك؛ لشدة الحر والجوع والعطش.
стр. 206
عسعس
قال تعالى: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].
(عسعس) هذه الكلمة من أضداد اللغة؛ تعني: أقبل، وتعني: أدبر.
ويحتمل المعنى الجمعَ بينهما؛ فيكون القَسَم بالليل حال إقباله وإدباره، ودرجات ظلمته.
وللفائدة في علاقة هذا القَسَم بجوابه، كما بيَّنَ صاحب أضواء البيان:
فقد كان القَسَم بحالات الكواكب المتغيرة؛ في ظهورها واختفائها، وتنفُّسِ الصبح ودرجات نوره، وعَسْعَسَة الليل ودرجات ظلامه.
جاء جواب القَسَم: (إنه لقول رسول كريم) أي: هذا القرآن تبليغ رسول كريم، ولكنه في قلوب الناس
في الإيمان به بين ثبوت وظهور، وشروق وغروب، ونور وظلمة؛ كحالات تلك الكواكب، وعتمة الليل
وشروق الصبح.
فقلوب تتفاوت بين العمى والظلمة، وقلوب تتفاوت بين الإشراق والنور. انظر: تفسير الآية في أضواء البيان.
عسى
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧].
عسى في القرآن الكريم لها عدة معان:
١ - الوجوب والتحقق.
٢ - الرجاء والتمني.
٣ - التوقع والاحتمال.
ففي الآيات التي يكون الخطاب فيها من الله تعالى تكون واجبة التحقق؛ لأن الرجاء لا يجوز في حقه ؛ فهو المتصرف المدبر للأمور، والرجاء إنما يكون من المخلوق؛ لأنه لا يملك من أمره شيئًا فيرجوه من غيره.
فكلمة عسى في الآيات التالية تفيد تحقق الوقوع، إما بشرط أو بدونه.
فالتي تفيد تحقق الوقوع بشرط هي قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧].
(فَعَسَى أَنْ يَكُونَ) تفيد تحقق الموعود به إذا تحقق الشرط، وهو الإيمان والعمل الصالح.
стр. 207
* ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨].
(عَسَى رَبُّكُمْ) عسى موجبة التحقق، فلو أنهم أخْلَصْوا الإنابَةَ، وأحْسَنْوا الأعْمالَ، وأقَاموا الكِتابَ بصدق؛ لفازوا به، ولكنهم أعرضوا عنه، وعاشوا على التمرد على الشرع والعصيان لله ورسله.
* ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥].
(عَسَى) التبديل مشروط بأن يطلِّق، ولم يفعل ﵊.
* ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٩].
(عَسَى اللَّهُ) عسى هنا تفيد تحقق الموعود به؛ فمن صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه واحتسابًا لثواب الله بأن يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا؛ فإنه يتحقق له هذا الوعد.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨].
(عَسَى) هي من الله واجبة لمن صدَقَ التوبة لله.
* ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤].
(عَسَى الله) تفيد وجوب التحقق؛ فإنك إذا قاتلت وحرَّضت المؤمنين وقاتلوا؛ فحينئذٍ يكون النصر.
* ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
(عَسَى رَبُّكُمْ) هذا رجاء وحض من موسى ﵇ لهم على الصبر والشكر، وهو وعد مبني على وحي من الله إذا شكروا النعمة، وقد تحقق لهم واستُخلفوا فِي مِصْرَ فِي زَمَانِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﵉، وَفَتَحُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ﵇.
* ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
(فَعَسَى) واجبة التحقق؛ فإنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ يهديهم الله تعالى.
- أما ما جاءت تفيد التحقق بناء على ما يعلمه الله من صلاح العبد وامتثاله، فهي قوله تعالى في الآيات التالية: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢].
стр. 208
(فَعَسَى الله) عسى من الله تفيد تحقق الوقوع؛ فهي بشرى لرسول الله والمؤمنين بقرب النصر والفتح.
* ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].
(عسى) وعسى من الله موجبة التحقق لما رأى منهم الامتثال والصدق، ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وعْدَهُ الكَرِيمَ حِينَ أتاحَ لَهُمُ الفَتْحَ فَأسْلَمَ قَوْمُهم؛ فَتَمَّ بَيْنَهم ما تمنَّوا مِنَ التَّحابِّ والتَّصافِي.
* ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودا﴾ [الإسراء: ٧٩].
(عَسَى) فيها وعد وبشرى لرسوله ﵊ بأن يقيمه المقام المحمود يوم القيامة.
* ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢].
(عَسَى أَنْ يَكُونَ) عسى من الله للوجوب، وقد حصل لهم القتل يوم بدر، وباقي العذاب يأتيهم
يوم القيامة.
* ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبا﴾ [الإسراء: ٥١].
(قُلْ عَسَى) وعسى من الله واجبة؛ فهو جزم بأنه حاصل، وقريب على اعتبار أن كل ما هو آت قريب.
* ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢].
(عَسَى اللَّهُ) هم عدد من الصحابة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فربطوا أنفسهم بالسّواري في المسجد حتى يتوب الله عليهم، وعسى من الله واجبة الوقوع؛ وتعني: التوبة عليهم. فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله ﷺ ، وعذرَهم، وتجاوز عنهم.
- عسى في الآيات التالية تفيد الترجي:
* ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا﴾ [الكهف: ٢٤].
(عَسَى) عسى هنا رجاء من المخلوق إلى خالقه بأن يهديه.
* ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
(عَسَى): رجاء من المخلوق إلى خالقه وطلب الهداية منه.
* ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّا﴾ [مريم: ٤٨].
(عسى) هنا من المخلوق للترجي.
أي: أرجو الله أن لا أكون بدعائه شقيًّا، بل يجيب دعائي ويعطيني مسألتي.
стр. 209
* ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣].
(عَسَى اللَّهُ): رجاء من النبي يعقوب ﵇ وحسن ظن بربه، وقد استجاب الله له.
* ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢].
(عَسَى رَبُّنَا): عسى هنا رجاء من المخلوق بإبدالهم خيرًا منها.
* ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠].
(فَعَسَى) من المخلوق تحتمل هنا معنيين:
١ - للترجي؛ فهو يتمنى أن يهلك الله جنة صاحبه، ويدعو عليه بسبب فخره وتكبره.
٢ - أو للتوقّع بأن الله تعالى سيعاقبه على سخريته، ويُزيل عنه ما عابه به.
وجاءت مفردة عسى في الآيات التالية بمعنى: التوقع والاحتمال:
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرا﴾ [النساء: ١٩].
(فَعَسَى أَنْ تَكرَهُوا شيئًا): تفيد التوقع والاحتمال؛ أي: فَعَسَى أن يؤول الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَرْزُقَه اللَّهُ مِنْهَا
أَوْلَادًا صالحين.
* ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
(عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا): للتوقع والاحتمال؛ فقد ينفعنا للخدمة والقيام بالمهمات.
* ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
(وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ) تفيد التوقع والاحتمال بقرب الأجل.
* ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
стр. 210
(وَعَسَى أَنْ تَكرَهُوا)، (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا) عسى هنا للتوقع، ويحتمل أن تكون للترجي: ليحمل المؤمنين على توقّع المنفعة مما يكرهون وترجي الخير من ورائه؛ ففي القتال في سبيله: توقّع النصر والغنيمة والأجر، وفي تركه وإيثار الراحة: المذلة والهزيمة وذهاب الأمر.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].
(عسى) للتوقع والاحتمال؛ أي: لعل المستهزَأ به يكون خيرًا من المستهزِئ عند الله.
* ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].
(عَسَى) للترجي، وبمعنى: لعل؛ أي: لعله ينفعنا، أو نرجو أن ينفعنا.
العصف
قال تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ [الرحمن: ١٢].
(العصف): هو ما على الزرع من قشور أو أوراق يابسة تفتت وتتساقط؛ تقول العرب: (عصفتُ الزرع) أي: جززتُ أطرافه.
* ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ [الفيل: ٥].
(كعصف مأكول) أي: كزرع أكلته البهائم وداسته بأقدامها حتى تفتت.
* ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفا﴾ [المرسلات: ٢].
(العاصفات): سميت الملائكة بالعاصفات: لسرعة طيرانها كالرياح وتنفيذها لأوامر الله.
وقيل: هي الرياح الشديدة، وسميت بالعاصفات: لأنها تعصف بالزرع وغيره فتثيره وتنشره.
* ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].
(يوم عاصف): رياحه شديدة تعصف بالزروع والأتربة وكل ما مرّت عليه.
العفو
العفو في القرآن الكريم له ثلاثة معان:
١ - المغفرة والصفح.
стр. 211
٢ - الفضل والزيادة.
٣ - الترك والتجاوز.
- فبمعنى: المغفرة والصفح:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أي: من صَفَح وغَفَر وتجاوزَ.
* ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] أي: يعفو ويصفح عن كثير من الذنوب.
- وبمعنى: الفضل والزيادة:
* ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
(العَفوَ) العفو هنا: هو الفضل والزيادة. أي: أنفقوا العفو من أموالكم، وهو مما عفا وزاد عن قدر الحاجة، وليس العفو؛ أي: التجاوز والمغفرة.
- وبمعنى: الترك والتجاوز:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥].
(ويعفو) من عفا؛ أي: ترك وتجاوز، كما في حديث: «اعفوا اللحى» صحيح البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩).
ومعنى (أعفوا اللحى) أي: اتركوها لتنمو وتطول.
(ويعفو عن كثير) أي: يُعرض ﷺ ويسكت عن كثير مما أخفيتم من كتابكم، ويترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة، وإذا لم يكن فيه مصلحة ولا فائدة سوى فضيحتكم وبيان زيف مقالتكم وأفعالكم؛ فلا يتعرض له ﷺ .
* أما ما جاء يحتمل معنيين: فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
(العَفوَ):
١ - عاملهم باللين والتجاوز والرفق.
٢ - خذ الزيادة والفائض مما تجود به أنفسهم.
стр. 212
عقيم
قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥].
(عَقِيمٍ): اختلف المفسرون فيه على قولين:
١ - أنه يوم القيامة: وهو عقيم من الخير؛ فلا خير فيه ولا رحمة للكفار. وعقيم لا ليل بعده لسكون أو راحة لهم. وعقيم لأنه آخر يوم، لا يوم بعده إلا الجنة والنار.
وقد رجحه جمع من المفسرين؛ وذلك لوجود قرينة قرآنية تدل على ترجيحه: فقد أتْبَعَ الله ذكر اليوم العَقِيم بِقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥٦] فدل على أنه يوم القيامة.
٢ - أنه يوم بدر: ورجحه كثيرون -ومنهم ابن جرير- وحجتهم: أنه لا وجه لأن يقال: (لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة) وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة، فذلك تكرار لا معنى له.
والحقيقة أنه لا تكرار؛ فالآية تبين أن الكفار ما يزالون في شك من الدين والرسالة، حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تحين ساعتهم، أو يأتيهم فوق ذلك عذاب لا قِبل لهم به؛ وهو ما ينتظرهم من أهوال يوم القيامة.
أما قوله تعالى: (تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ) فلها هنا معنيان كذلك لا يتعارضان:
١ - الساعة: ساعة موت كل أحد.
٢ - الساعة: يوم القيامة.
وعلى أي حال، فيوم بدر كان عقيمًا على الكفار، ويوم القيامة كذلك؛ فلا إشكال.
* ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١].
(الريح العقيم) ريح عقيم: لأنه لا خير فيها؛ فهي لا تَحمِل المَطَر ولا تُلَقِّح الشَّجَر، وإنما هي ريح مُهلكة؛ كما قال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢].
فهي (ما تَذَر مِنْ شَيْء) أي: من نَفْس أوْ مال أتَتْ عَلَيْهِ إلّا دمرته وأهلكته.
* وأما قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩].
(عجوز عَقِيمٌ) أي: عجوز عقيم لا تلد. فمعنى العُقم في اللغة: هو المنع؛ فيقال: (امرأة عقيم) أي: لا تلد. و (ريح عقيم): لا نفع فيها. و (يوم عقيم): لا خير فيه. و (حرب عقيم): لا جدوى وراءها، وهكذا.
стр. 213
عنت
قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما﴾ [طه: ١١١].
(عنت): م ن الفعل «عنا، يعنو»؛ أي: ذلَّ وخضع.
(وعنت الوجوه) أي: ذلّتِ الوجوه جميعها، وخضعتْ ذلك اليوم للحيّ القيّوم، وخسر وخاب من جاء بالظلم، والمراد به هنا: الشرك.
وفسرها البعض بالنَّصَب والتَّعب؛ أي: نصبتِ الوجوه، ولكن الأول أظهر؛ ومن هنا ترتبط هذه المفردة بالمفردة التالية:
عنتّم
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
(عزيز عليه ما عنتم) تقول العرب: (يَعِزّ علي كذا) أي: يصعب علي.
(عنتم): من العنت، وهو المشقة والشدة.
والمعنى: يصعب عليه ويعز عليه أن يسبب لكم المشقة والحرج؛ فهو مبعوث لرحمتكم والحرص على مصلحتكم.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا
مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
(ودّوا ما عنِتّم) أي: تمنوا لو يصيبكم العَنَتُ والحرج والمتاعب والآلام.
* ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
(لَعَنِتُّمْ) أي: لوقعتم في الجهد والعَنَت والمصاعب.
* ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ
стр. 214
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].
(خشي العَنَتَ) أي: خاف المشقة وعدم القدرة على مغالبة الشهوة.
فائدة:
الفرق بين المفردة السابقة وهذه المفردة:
مفردة (عنتم) وقوله: (لمن خشي العنت منكم) من العناء؛ وهو: التعب والمشقة.
أما (عنتِ الوجوه): فمن الفعل «عنا، يعنو» من الخضوع والذل.
فنقول: فُتحتِ البلاد عُنوة؛ أي: خضعت قهرًا.
ومنها: العاني، وهو الأسير؛ لأنه خاضع ذليل تحت سلطان الغير.
عوج
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسا﴾ [طه: ١٠٨].
(يومئذ) أي: يوم القيامة.
(الدَّاعِي) الداعي: هو المَلك يناديهم للاجتماع والحضور لموقف الحساب يوم القيامة، ويكون ذلك بعد البعث من القبور.
(لَا عِوَجَ لَهُ) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - لَا عِوَجَ لدعوة الداعي: فهي دعوة حق وصدق لا ميل فيها ولا زيف، وهو داعٍ لا يحيد عمّا أُمر به، ولا يُفرط في دعوته.
٢ - لَا عِوَجَ لاستجابة دعوته: فجميع الخلق يحضرون للموقف ملبِّين دعوته، لا يحيدون ولا يميلون يمينًا ولا شمالًا.
فسبحان ذي الملك والجبروت: حينما دعاهم في الدنيا لعبادته عن طريق أنبيائه، ترك لهم الإرادة والاختيار، فانحرف واعوجَّ عنها كثيرون، لكنَّ دعوتهم للحساب يوم القيامة لم يترك لهم فيها حُرية اختيار؛ فسيلبّون الدعوة مُذعنين مسلوبيّ الإرادة، ولن يتخلَّف منهم أحدٌ!!
стр. 215
حرف الغين
الغابرين
قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١].
(الغابرين) أي: الباقين في العذاب؛ تقول العرب: (غبر في العذاب) أي: بقي فيه. وسمي الغبار غبارًا؛ لأنه مما بقي من التراب على الأشياء.
وردت هذه الكلمة سبع مرات في القرآن، وكلها تدل على هذا المعنى؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أي: كتب عليها أن تبقى فيمن هلك، ولا تنجو مع نبي الله لسوء فعلها.
فائدة:
هذه الكلمة في اللغة من الأضداد؛ فتأتي بمعنى: الذين مضوا، والذين بقوا:
فإن قلنا: (إلا عجوزًا في الغابرين) أي: الباقين.
وإن قلنا: (في الغابرين من الأمم) أي: الماضين من الأمم. و (في الزمن الغابر) أي: في الزمن الماضي.
غاسق
قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ [الفلق: ٣].
(غاسق): هو القمر، أي: غار في السماء ودخل مستقره، وانتشر الظلام.
وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «استعيذي باللهِ من هذا -يعني: القمرَ- فإنه الغاسقُ إذا وقب» السلسلة الصحيحة (٣٧٢).
ويطلق كذلك على الليل (غاسق): للآية السابقة؛ فكل شيء اسودّ فقد غسق.
(إذا وقب) أي: إذا دخل في الشيء؛ تقول العرب: (وقبت الشمس) إذا غارت ودخلت في مستقرها.
غَدَقا
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقا﴾ [الجن: ١٦].
(غَدَقًا) الماء الغَدَق: هو الكثير. يقال: (أغدق عليه من المال) أي: أعطاه الكثير.
والمعنى: لو أن الإنس والجن استقاموا على شريعة الله، لوسّع اللهُ عليهم في الرزق وفتح عليهم البركات، ولسقاهم الماء الكثير الذي ينمو به الزرع وتحيا به الأرض؛ ليختبرهم أيشكرون أم يكفرون.
وذكر الماء بخاصة من بين سائر النعم؛ لأنه سبب الحياة والخصب والرخاء.
следующие страницы →