Полный текст (544 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
٢ - الفضل والزيادة.
٣ - الترك والتجاوز.
- فبمعنى: المغفرة والصفح:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أي: من صَفَح وغَفَر وتجاوزَ.
* ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] أي: يعفو ويصفح عن كثير من الذنوب.
- وبمعنى: الفضل والزيادة:
* ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
(العَفوَ) العفو هنا: هو الفضل والزيادة. أي: أنفقوا العفو من أموالكم، وهو مما عفا وزاد عن قدر الحاجة، وليس العفو؛ أي: التجاوز والمغفرة.
- وبمعنى: الترك والتجاوز:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥].
(ويعفو) من عفا؛ أي: ترك وتجاوز، كما في حديث: «اعفوا اللحى» صحيح البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩).
ومعنى (أعفوا اللحى) أي: اتركوها لتنمو وتطول.
(ويعفو عن كثير) أي: يُعرض ﷺ ويسكت عن كثير مما أخفيتم من كتابكم، ويترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة، وإذا لم يكن فيه مصلحة ولا فائدة سوى فضيحتكم وبيان زيف مقالتكم وأفعالكم؛ فلا يتعرض له ﷺ .
* أما ما جاء يحتمل معنيين: فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
(العَفوَ):
١ - عاملهم باللين والتجاوز والرفق.
٢ - خذ الزيادة والفائض مما تجود به أنفسهم.
стр. 212
عقيم
قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥].
(عَقِيمٍ): اختلف المفسرون فيه على قولين:
١ - أنه يوم القيامة: وهو عقيم من الخير؛ فلا خير فيه ولا رحمة للكفار. وعقيم لا ليل بعده لسكون أو راحة لهم. وعقيم لأنه آخر يوم، لا يوم بعده إلا الجنة والنار.
وقد رجحه جمع من المفسرين؛ وذلك لوجود قرينة قرآنية تدل على ترجيحه: فقد أتْبَعَ الله ذكر اليوم العَقِيم بِقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥٦] فدل على أنه يوم القيامة.
٢ - أنه يوم بدر: ورجحه كثيرون -ومنهم ابن جرير- وحجتهم: أنه لا وجه لأن يقال: (لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة) وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة، فذلك تكرار لا معنى له.
والحقيقة أنه لا تكرار؛ فالآية تبين أن الكفار ما يزالون في شك من الدين والرسالة، حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تحين ساعتهم، أو يأتيهم فوق ذلك عذاب لا قِبل لهم به؛ وهو ما ينتظرهم من أهوال يوم القيامة.
أما قوله تعالى: (تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ) فلها هنا معنيان كذلك لا يتعارضان:
١ - الساعة: ساعة موت كل أحد.
٢ - الساعة: يوم القيامة.
وعلى أي حال، فيوم بدر كان عقيمًا على الكفار، ويوم القيامة كذلك؛ فلا إشكال.
* ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١].
(الريح العقيم) ريح عقيم: لأنه لا خير فيها؛ فهي لا تَحمِل المَطَر ولا تُلَقِّح الشَّجَر، وإنما هي ريح مُهلكة؛ كما قال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢].
فهي (ما تَذَر مِنْ شَيْء) أي: من نَفْس أوْ مال أتَتْ عَلَيْهِ إلّا دمرته وأهلكته.
* وأما قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩].
(عجوز عَقِيمٌ) أي: عجوز عقيم لا تلد. فمعنى العُقم في اللغة: هو المنع؛ فيقال: (امرأة عقيم) أي: لا تلد. و (ريح عقيم): لا نفع فيها. و (يوم عقيم): لا خير فيه. و (حرب عقيم): لا جدوى وراءها، وهكذا.
стр. 213
عنت
قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما﴾ [طه: ١١١].
(عنت): م ن الفعل «عنا، يعنو»؛ أي: ذلَّ وخضع.
(وعنت الوجوه) أي: ذلّتِ الوجوه جميعها، وخضعتْ ذلك اليوم للحيّ القيّوم، وخسر وخاب من جاء بالظلم، والمراد به هنا: الشرك.
وفسرها البعض بالنَّصَب والتَّعب؛ أي: نصبتِ الوجوه، ولكن الأول أظهر؛ ومن هنا ترتبط هذه المفردة بالمفردة التالية:
عنتّم
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
(عزيز عليه ما عنتم) تقول العرب: (يَعِزّ علي كذا) أي: يصعب علي.
(عنتم): من العنت، وهو المشقة والشدة.
والمعنى: يصعب عليه ويعز عليه أن يسبب لكم المشقة والحرج؛ فهو مبعوث لرحمتكم والحرص على مصلحتكم.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا
مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
(ودّوا ما عنِتّم) أي: تمنوا لو يصيبكم العَنَتُ والحرج والمتاعب والآلام.
* ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
(لَعَنِتُّمْ) أي: لوقعتم في الجهد والعَنَت والمصاعب.
* ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ
стр. 214
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].
(خشي العَنَتَ) أي: خاف المشقة وعدم القدرة على مغالبة الشهوة.
فائدة:
الفرق بين المفردة السابقة وهذه المفردة:
مفردة (عنتم) وقوله: (لمن خشي العنت منكم) من العناء؛ وهو: التعب والمشقة.
أما (عنتِ الوجوه): فمن الفعل «عنا، يعنو» من الخضوع والذل.
فنقول: فُتحتِ البلاد عُنوة؛ أي: خضعت قهرًا.
ومنها: العاني، وهو الأسير؛ لأنه خاضع ذليل تحت سلطان الغير.
عوج
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسا﴾ [طه: ١٠٨].
(يومئذ) أي: يوم القيامة.
(الدَّاعِي) الداعي: هو المَلك يناديهم للاجتماع والحضور لموقف الحساب يوم القيامة، ويكون ذلك بعد البعث من القبور.
(لَا عِوَجَ لَهُ) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - لَا عِوَجَ لدعوة الداعي: فهي دعوة حق وصدق لا ميل فيها ولا زيف، وهو داعٍ لا يحيد عمّا أُمر به، ولا يُفرط في دعوته.
٢ - لَا عِوَجَ لاستجابة دعوته: فجميع الخلق يحضرون للموقف ملبِّين دعوته، لا يحيدون ولا يميلون يمينًا ولا شمالًا.
فسبحان ذي الملك والجبروت: حينما دعاهم في الدنيا لعبادته عن طريق أنبيائه، ترك لهم الإرادة والاختيار، فانحرف واعوجَّ عنها كثيرون، لكنَّ دعوتهم للحساب يوم القيامة لم يترك لهم فيها حُرية اختيار؛ فسيلبّون الدعوة مُذعنين مسلوبيّ الإرادة، ولن يتخلَّف منهم أحدٌ!!
стр. 215
حرف الغين
الغابرين
قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١].
(الغابرين) أي: الباقين في العذاب؛ تقول العرب: (غبر في العذاب) أي: بقي فيه. وسمي الغبار غبارًا؛ لأنه مما بقي من التراب على الأشياء.
وردت هذه الكلمة سبع مرات في القرآن، وكلها تدل على هذا المعنى؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أي: كتب عليها أن تبقى فيمن هلك، ولا تنجو مع نبي الله لسوء فعلها.
فائدة:
هذه الكلمة في اللغة من الأضداد؛ فتأتي بمعنى: الذين مضوا، والذين بقوا:
فإن قلنا: (إلا عجوزًا في الغابرين) أي: الباقين.
وإن قلنا: (في الغابرين من الأمم) أي: الماضين من الأمم. و (في الزمن الغابر) أي: في الزمن الماضي.
غاسق
قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ [الفلق: ٣].
(غاسق): هو القمر، أي: غار في السماء ودخل مستقره، وانتشر الظلام.
وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «استعيذي باللهِ من هذا -يعني: القمرَ- فإنه الغاسقُ إذا وقب» السلسلة الصحيحة (٣٧٢).
ويطلق كذلك على الليل (غاسق): للآية السابقة؛ فكل شيء اسودّ فقد غسق.
(إذا وقب) أي: إذا دخل في الشيء؛ تقول العرب: (وقبت الشمس) إذا غارت ودخلت في مستقرها.
غَدَقا
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقا﴾ [الجن: ١٦].
(غَدَقًا) الماء الغَدَق: هو الكثير. يقال: (أغدق عليه من المال) أي: أعطاه الكثير.
والمعنى: لو أن الإنس والجن استقاموا على شريعة الله، لوسّع اللهُ عليهم في الرزق وفتح عليهم البركات، ولسقاهم الماء الكثير الذي ينمو به الزرع وتحيا به الأرض؛ ليختبرهم أيشكرون أم يكفرون.
وذكر الماء بخاصة من بين سائر النعم؛ لأنه سبب الحياة والخصب والرخاء.
стр. 216
الغرور
قال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [الحديد: ١٤].
(الْغَرُورُ): بفتح الغين: لفظ مبالغة -كالصَّبور والشكور- لكثرة ما يتسبب في الاغترار؛ وهو كل ما يغر
ابنَ آدم ويخدعه، والغالب أنه الشيطان؛ لعِظم دوره في هذا الشأن.
فغروره متنوع ومستمر:
- يزين الباطل والدنيا.
- يغري بارتكاب المعاصي.
- يُنسِي عقاب الله، ويُطمع في رحمته بلا عمل.
- يطيل الأمل ويُنسِي الموت.
وقد تكررت في القرآن وهي بنفس المعنى.
- أما قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
(الْغُرُورِ): هو متاع وزينة خدّاعة مضمحلة زائلة.
فائدة:
الغُرور -بضم الغين- هو المادة التي يستخدمها الشيطان للخداع؛ وهي تزيين الدنيا وتحسين الباطل.
والغَرور -بفتح الغين- هو الفاعل.
غُلبا
قال تعالى: ﴿وَزَيْتُونا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبا﴾ [عبس: ٢٩ - ٣٠].
(غُلْبًا) مفردها: أغلب، وغَلباء؛ ككلمة (غُلف) مفردها: أغلف، وغلفاء.
وكلمة (غلب) أصلها وصفٌ للرقبة العظيمة، وتستعمل كذلك لوصف الحديقة العظيمة الشجر؛ فهو وصف للشجر بكونه عظيم الجذوع ملتف الفروع والأغصان؛ وهذا مما يزيده جمالًا وبهاءً وزينة في
عيون الناظرين.
стр. 217
غمرة
قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣].
(غَمْرَةٍ): الغمرة من الانغمار والتغطية والانغماس في الشيء؛ فهؤلاء قلوبهم غمرها الهوى والاستكبارُ، وغمرها الضلال والجهل، غمرتها الظلمة وحب الدنيا؛ فلم يعد للقرآن ونوره مكان فيها.
(وَلَهُمْ أَعْمَالٌ من دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُون) هذه الآية تفسير لسؤال: لماذا لا يعجل الله أخذ الظالمين؟! لأنهم لم يستوفوا مدتهم، ولم يستكملوا أعمالهم المكتوبة والمقدّرة عليهم؛ فلهم أعمال سيعملونها، ومدة يستكملونها سيمهلهم الله إليها حتى نهاية آجالهم.
* ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١١].
(غَمْرَةٍ) أي: في ضلالة وغفلة غالبة عليهم، غامرة لعقولهم وقلوبهم.
* ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤].
(غَمْرَتِهِمْ) أي: في ملهياتهم والأحوال التي هم فيها مغمورون، والباطل الذي هم فيه منهمكون.
* ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
(فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) أي: حين يغمرهم الموت ويغشاهم بسكراته.
والمعنى: ولو ترى يا محمد حال هؤلاء الكفار عند الاحتضار، حينما يغالبون لجج الموت وسكراته، والملائكة ماذا تفعل بهم: فهي باسطة أيديها إليهم بالإهانة والضرب على وجوههم وأدبارهم؛ لتنتزع أرواحهم المتشبثة بأجسادهم خوفًا من الخروج، نسأل الله العافية!!
فائدة:
ومن ذلك تقول العرب للرجل الشجاع المقدام: (مُغامر)؛ لأنه يغشى الموت، ويغشى الأهوال ويُغَالبها في شجاعة وإقدام.
الْغَوْا
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
(وَالغَوا فِيهِ) اللَّغْوُ: هنا من اللغط؛ وهو الكلامُ المختلط الذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ.
والمقصود: الْغَطُوا فِيهِ، وأكثروا التشويش على القرآن والشغَب ورفع الصوت؛ كي لا يُسمع ولا يُفهم.
стр. 218
* ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] و [المائدة: ٨٩].
(باللَّغوِ) أي: اليمين التي لا يقصدها الإنسان.
وأما اللغو في باقي الآيات فهو بمعنى: الباطل؛ قال تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَة﴾ [الغاشية: ١١].
(لَاغِيَة) أي: لا تسمع فيها كلمة لغو وباطل، بل كلامهم كلام حسن نافع.
* ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: مروا بالباطل من الكلام أيًّا كان نوعه أعرضوا عنه ولم يخوضوا فيه.
* وكذلك باقي الآيات في اللغو فهي بمعنى: الباطل.
غواش
قال تعالى: ﴿لَهُم مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١].
(غَوَاش) أصلها: غواشي، ومفردها: غاشية.
وهي الأغطية تغطيهم من فوقهم من النار؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُم مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
(فالمهاد): يكون من تحتهم، (والغواش): كاللحف من فوقهم، عياذًا بالله!
* ومثلها في أصل المعنى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
(الغاشية) لأنها تجلل الخلق وتغشاهم أجمعين بأهوالها.
* ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩].
(تغشاها) أي: علاها، كناية عن الجماع.
* ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤].
(يغشاها) أي: يغطي الأرض بظلامه كأنه عباءة سوداء.
* ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارا﴾ [نوح: ٧].
(استغشوا): تغطوا بها؛ كي لا يسمعوا كلام الله ولا يروا نبيَّه.
* ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
(غشاوة): غطاء؛ فلا يرى نور الهدى.
стр. 219
* ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦].
(يَغْشى) أي: يغطيها من عظيم خلق الله ومن البهاء والحُسن ما يغطيها وما يبهر العقول، وما لا يعلم حقيقته إلا الله.
* ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤].
(فَغَشَّاهَا) أَلْبَسَهَا اللَّه وغطاها (مَا غَشَّى) من الْحِجَارَةِ الْمَنْضُودَةِ الْمُسَوَّمَة والعذاب الأليم -وهم قوم لوط- وجعل عالِيَها سافلَها.
غيّا
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
(غَيًّا): الخسران والهلاك؛ أي: سوف يلقون جزاء ذلك، وهو الخسران والهلاك. وقيل: اسم وادٍ في جهنم.
* ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
(غَوَى): اقتران كلمة (غوى) مع كلمة (ضل) يفيد المغايرة في المعنى؛ فالضلال هو البُعد عن الحق، والغواية هي نتيجته وهي الخسران.
فالمعنى: ما ضل عن طريق الحق ولا خاب سعيه. وإن كان اللفظ يترادف إذا أُفرِد مع الضلال والباطل والشر.
* ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُنَ﴾ [الشعراء: ٩٤].
الذين كُبْكِبُوا في جهنم صنفان لا صراط لهم، بل يقذفون فيها جماعات، يتقدم كل جماعة إلهُهَا المعبود من دون الله.
(هم): الضمير يعود للآلهة المعبودة من دون الله؛ من الجمادات ومن الذين عُبدوا بإرادتهم كفرعون؛ فلا يدخل فيهم الملائكة، وعيسى، وعُزَير ﵈.
(الغاوون): العابدون لهم من الإنس والجن. ومعنى (الغاوون): الخاسرون باتباع طريق الضلال.
* ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
نسب إبليسُ الغواية بسوء أدبه إلى ربه، والحقيقة أنه هو الذي غوى برسوبه في الامتحان.
(أغويتني) أي: تسببت في خسارتي وهلاكي؛ فالله تعالى لم يُضله وهو يريد الهداية، بل أضله لأنه اتبع طريق الضلال باستكباره وعناده.
стр. 220
* ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩].
(وَلَأُغوِيَنَّهُم) فإبليس لم يُغو البشرية على الحقيقة، بل وسوس لهم وأغراهم بالشهوات؛ فضلوا بمحض إرادتهم، ووقعوا في الغواية والخسران بسبب طاعتهم له.
وهذا رد لشبهة من يقولون بأن إبليس مظلوم وأن الله أغواه. وعلى تصديق ذلك جدلًا: فقد ارتكب إبليس جُرمًا أفظع؛ وهو غواية البشرية جمعاء إلا القليل منهم.
فالصواب: أن إبليس رسب في الامتحان فغوى وخسر، والبشرية رسبت في الالتزام بأمر ربها بأن يتخذوا الشيطان عدوًّا ولا يتبعوه؛ فخسرت وغوت إلا من رحم الله وعصم.
* ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] أي: نحن موصوفون بالغواية لضلالنا، ولما دعوناكم استجبتم لنا فأصبحتم مثلنا، وسرتم في طريقنا طريق الغواية والخسران.
* ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] تدُلُّ الآية عَلى تَكْذِيبِ الكُفّارِ في دَعْواهم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شاعِرٌ؛ لِأنَّ الذِينَ يَتْبَعُهُمُ الغاوُونَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم؛ فالشعراء من صفاتهم المبالغة في الكلام وعدم المصداقية، فلا ينبغي اتباعهم ولا أخذ أقوالهم على الحقيقة، وعلى الأخص شُعَرَاءُ الكُفَّارِ الذِينَ كَانُوا يَهْجُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ويتبعهم الغاوون من الإنس والشياطين؛ ففي الآية تبرئة للرسول ﷺ من الشعر، وإدانة لشعراء الكفار.
لذلك استثنى في الآيات بعدها شعراء المؤمنين الذين يوافق شعرُهم الكتابَ والسنة؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
* ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
(الرُّشدُ مِنَ الغَيّ) أي: اتضح الإيمان من الكفر، والحق من الباطل، والهدى من الضلال.
الغيب
قال تعالى: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣].
(بالغيب) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - من خشي الرحمن مع أنه لم يره، وإنما رأى آياته الدالة عليه.
٢ - من خشي الرحمن في خلوة وغيبة عن الناس؛ لأن ذلك أقرب إلى الصدق والإخلاص في الطاعة بعيدًا عن رؤية الناس، ومثلها الآيات التالية.
стр. 221
* ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩].
* ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤].
стр. 222
حرف الفاء
فارض
قال تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨].
(لا فَارِضٌ) أي: لا هَرِمَة عجوز؛ تقول العرب: (فَرَضَتِ البقرة) أي: هَرِمَت، (ولا بكر) أي: لا صغيرة، (عَوَانٌ) العوان: النصف؛ لا هي كبيرة ولا صغيرة.
فالمعنى: أنها بقرة لا صغيرة ولا كبيرة، بل متوسطة السن.
فاقرة
قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤ - ٢٥].
(فَاقِرَةٌ) أصل الفاقرة: هي الداهية الشديدة التي تكسر فَقَار الظهر.
والمعنى الإجمالي للآيتين الكريمتين: يبين الله فيهما حال الكفار ومَن آثروا العاجلة على الآخرة يوم القيامة، حينما عاينوا العذاب ورأوا نتيجة معصيتهم وجحودهم لرب الأرباب؛ فجاءوا بوجوه أكْلَحَهَا الكفرُ وسوّدتها الخطايا، وجوه باسرة عابسة لِمَا رأت من العذاب.
فالظن هنا بمعنى: اليقين، والعلم اليقين بأنها أمام داهية عظيمة، ومُقْدِمَة على مصيبة المصائب التي لم تكن تحسب لها أي حساب.
انظر: مفردة (بسر) في حرف الباء.
الفتح
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [السجدة: ٢٨ - ٢٩].
(الفتح) الفتح في كتاب الله له عدة معان بحسب سياق الآيات.
- الفتح يراد به: يوم القيامة.
- أو: صلح الحديبية، أو فتح مكة، أو فتح المسلمين لبلاد الكفر.
- والفتح بمعنى: النصر والظَّفر.
- والفتح بمعنى: السعة والفرج.
- والفتح بمعنى: الفصل والقضاء والحكم.
стр. 223
* وفي الآيات التالية جاء بمعنى: الفصل والحكم والقضاء:
ففي الآية الكريمة السابقة: (متى هذا الفتح) الفتح: الفصل والحكم. يسأل كفارُ قريش على سبيل الاستهزاء والتكذيب: متى يكون يوم الفصل والحكم بيننا وبينكم الذي تدّعون أن الله يعذبنا فيه؟!
فجاءهم الرد في الآية التالية، ولكنها ليست إجابة لسؤالهم (متى هو)؟ بل جاءهم رد يبين لهم كيف هو وما حالهم فيه؛ ليستعدوا له ويحذروه؛ فيوم الفتح يعني: يوم الفصل والحكم؛ وهو يوم القيامة.
* وقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينا﴾ [الفتح: ١].
(فَتَحنَا) أي: حكمنا لك وقضينا. و (الفتح المبين) المراد به: صلح الحديبية.
* ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦].
(قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا) أي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، (يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) أي: يَحْكُمُ بَيْنَنَا ويقضي ويفصل بِالْعَدْل؛ فَيَجْزِي بالثواب لمستحقِّه وبالعقاب لمستحقه. (وهو الفتاح العليم) اسم الله متعلق بالمعنى. ينظر ص ٥١٩ - ٥٣٥.
* ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].
(تَستَفتِحُوا) تطلبوا الحكم والفصل بهلاك الظالم، والفصل بينكم وبين المؤمنين، والخطاب لكفار مكة.
(فَقَد جَاءَكُمُ الفَتحُ): فقد جاءكم الحكم والفصل بينكم؛ وهو هزيمتكم يوم بدر.
* ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢].
(فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأتِيَ بِالفَتحِ) لها معنيان لا يتعارضان: (الفتح) أي: النصر. وتحتمل: الفصل والحكم.
والخطاب في شأن المنافقين الذين يوالون الكفار؛ خوفًا من الحاجة إليهم يومًا من الأيام على حدِّ زعمهم، فقد تدور الأيام ويكون النصر لهم.
فقال تعالى ردًّا عليهم: (عسى الله أن يأتي بالفتح) وعسى من الله تعالى واجبة؛ لأن الترجي لا يكون إلا من المخلوق الذي لا يعلم الغيب.
стр. 224
والمعنى: أن الله تعالى سيأتي بالنصر والحكم بينهم، وسيُعلي كلمته ويملأ قلوبهم -أي: المنافقين- حسرة، وقد حصل ذلك في فتح مكة؛ فدخل الناس في دين الله أفواجًا. وكذلك في يوم حُكْمِ اللَّهِ بِقَتْلِ مُقاتِلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ … كما ذكر صاحب أضواء البيان ﵀.
* ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].
(وَالفَتحُ) المقصود بالفتح هنا: هو فتح مكة، وعموم لفظ (الفتح) هنا حيث جاءت مطلقة تشتمل على معاني: الفرج، والظفر، وانتشار الإسلام الذي كنتم تترقبونه كما وعدكم الله.
* ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
(يَستَفتِحُونَ): من طلب النصر، وهم اليهود كانوا يترقبون بعثة النبي محمد ﷺ استنصارًا واستبشارًا به؛ فإذا كان بينهم وبين الكفار حروب استنصروا بقرب قدومه، وقالوا: إن نبينا قد أظلَّ زمانه، ويرجون أن يكون منهم، فلما جاء من العرب كفروا به ظلمًا وحسدًا.
فترة
قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩].
(فَترَة) الفترة في اللغة لها ثلاثة معان:
١ - هي المدة من الزمن؛ كما نقول: في فترات متباعدة.
٢ - الفترة المرحلة؛ كما نقول: فترة الاختبار، وفترة الرخاء.
٣ - والفترة من الفتور والسكون والانقطاع، وهو المراد في الآية الكريمة؛ وتعني: انقطاع الوحي والبعثة.
وقد انقطعت الرسلُ بعد عيسى ﵇، وانقطع الوحي قرابة ستمائة سنة حتى أُرسل محمد ﷺ .
* ومثلها قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].
(يَفتُرُونَ) أي: لا ينقطعون عن التسبيح.
* ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُم وهُمْ فيه مُبْلِسُون﴾ [الزخرف: ٧٥]. أي لا يسكن ولا تُخفف وتيرته عنهم، ولا ينقطع حتى أصابهم الإبلاس واليأس من الفرج.
стр. 225
الفحشاء
قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
(بِالْفَحْشَاءِ) الفحشاء في هذه الآية: البخل والحرص، ومنع الزكاة والصدقة؛ والعرب تسمي البخيل: فاحشًا.
والفحشاء بعامّة: كل شيء جاوز حدّه، وعظم قبحُه من الأقوال والأفعال؛ تقول العرب: (فَحُشَ الأمر) أي: جاوز حدّه.
فالفحشاء يختلف معناها بحسب سياق الآية:
- فالسياق هنا عن الإنفاق؛ فكان معنى الفحشاء: هو البخل.
* ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
(بِالْفَحْشَاءِ) أي: بقبائح الأقوال والأفعال، والمراد به هنا: هو طوافهم بالكعبة عراة.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١].
(بِالْفَحْشَاءِ) أي: بالقبائح والمعاصي.
* ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
(وَالْفَحْشَاءَ) الفحشاء هنا: هي فاحشة الزنى، ثم إن المعنى عامّ في سائر القبائح.
فرضناها
قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١].
(وَفَرَضْنَاهَا) الفرض في القرآن له ستة معان:
١ - أوجب وألزم.
٢ - أحل وأباح.
٣ - قدَّر مقدارًا وقسمًا.
стр. 226
٤ - شرع وحكم.
٥ - أنزل.
٦ - بيَّن ووضَّح.
وفي هذه الآية الكريمة له معان لا تتعارض؛ (وَفَرَضْنَاهَا):
١ - البيان: بيناها.
٢ - الشرع والحكم؛ أي: شرع لكم فيها أحكامًا.
٣ - الفرض والإيجاب؛ أي: أوجب فيها الأحكام للعمل بها.
* ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي:
١ - من الإنزال: إن الذي أنزل عليك القرآن.
٢ - البيان: بين لك فيه الحلال والحرام.
٣ - الإيجاب والإلزام: أوجب عليك العمل به.
* ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
- معنى (الفرض) في هذه الآية: هو القسْم والمقدار (فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي: وقد قدَّرتم وقسمتم لهن مقدارًا من المهر.
* ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ [البقرة: ٢٣٦].
(أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي: تقدروا، أو تقسموا لهن مقدارًا من المهر.
* ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضا﴾ [النساء: ٧].
(مفْرُوضًا) قسْمًا ومقدارًا قدّره الله.
* ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضا﴾ [النساء: ١١٨].
(مفْرُوضًا) قسْمًا ومقدارًا منهم قدّره الله لمن أطاع الشيطان واتبعه.
و (الفرض) في الآيات التالية له معنيان: معنى القسْم والمقدار، ومعنى الإيجاب والإلزام:
* ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيما﴾ [النساء: ١١].
стр. 227
(فَرِيضَةً) أي: قسْمًا ومقدارًا قدّره الله وأوجبه.
* ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَة﴾ [النساء: ٢٤].
(فَرِيضَةً) أي: قسْمًا ومقدارًا أوجبه الله عليكم.
* ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
(فَرِيضَةً) أي: قسْمًا مقدرًا أوجبه الله عليكم.
- و (الفرض) في الآيات التالية معناه: أوجب وألزم:
* ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
(فَرَضَ) أي: أوجب وألزم نفسه.
* ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
(مَا فَرَضْنَا) ما أوجبنا وألزمنا.
* ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨].
فمعنى (فَرَضَ): أحل وأباح له.
* وفي الآية الكريمة: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
(فَرَضَ) لها ثلاثة معان لا تتعارض:
١ - أحل وأباح لكم.
٢ - شرع لكم.
٣ - بيَّن لكم.
الفرقان
قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤].
стр. 228
وقد ذكر في القرآن الكريم ست مرات، وأصل المعنى يدل على الفصل بين الحق والباطل؛ كما هو في هذه الآية الكريمة السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩].
لفظ (الفرقان) في القرآن الكريم يختلف المراد به بحسب السياق:
* ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣].
(الكِتَاب) هو التوراة، و (الفُرْقَانَ) هو العلم والحجج المؤيدة التي يفرّق بها بين الحق والباطل.
* ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
(الْفُرْقَانَ) هو التوراة، ويشمل ما فيه من علم، وكل ما آتاهم من الحجج والبراهين التي تفصل بين
الحق والباطل.
* ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
(يَوْمَ الْفُرْقَانِ): هو يوم بدر؛ حيث فرّق فيه بين الحق والباطل، والكفر والإيمان.
* ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
(الفُرْقَانَ) الفرقان هنا: هو القرآن الكريم؛ ليفصل به بين الحق والباطل، ويبن الحلال والحرام.
* ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(وَالفُرْقَانِ) وَصْفٌ للقرآن الكريم وما تضمنته آياته من الهدى، وما يفصل بين الحق والباطل،
والحلال والحرام.
* ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦].
(فَرَقْنَاهُ): وفي قراءة: (فرّقناه) بتشديد الراء؛ ليتسع المعنى فيكون:
- فرقناه؛ أي: وضّحناه وبيّناه.
- وفرقنا فيه بين الحق والباطل.
- وأنزلناه مُفرّقًا بحسب الوقائع والأحداث.
* ومنها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٩].
(فُرْقَانًا) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - نصرًا وفرجًا ومخرجًا.
٢ - فصلًا بين الحق والباطل.
стр. 229
الفسق
الفسق: هو الخروج عن الطاعة، وهو درجات متفاوتة، وله في القرآن الكريم ثلاثة معان:
١ - الكفر.
٢ - الشرك.
٣ - كبائر الذنوب.
ففي الآيات التي ورد بها لفظ الإيمان، أو معنى الهداية، أو التولي والإعراض؛ فإن الفسوق فيها بمعنى: الكفر؛ مثل قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُنَ﴾ [السجدة: ١٨].
* وكذلك: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].
* وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣].
ومع ورود لفظ (الهداية) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦].
ومع لفظ (التَّولّي) قوله تعالى: ﴿فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢].
وقد يكون الخطاب معنيًّا به اليهود أو المنافقين أو المشركين، فيكون كذلك بمعنى الكفر؛ كقوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]، الفاسقون هنا: هم اليهود.
* ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] والمراد كذلك: المنافقون.
- كذلك ورد (الفسق) بمعنى: الكفر في سياق الآيات التي جاء فيها الأنبياء مع أقوامهم الذين لم يتبعوهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤].
* وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
- أما إن كان الخطاب لأهل الإيمان، فيكون تحذيرًا لهم من المعاصي أو الشرك؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١].
стр. 230
وهذه الآية تحتمل معنيين:
١ - بئس الاسم أن تتنابزوا وتتسمَّوا بأسماء الفسوق التي تتعارض مع وصف الإيمان. قيل: كأن يعيّر أحدُهم الآخر: يا يهودي، أو يا نصراني .. وقد كان كذلك فيما سبق.
٢ - أنّ التنابز بالألقاب فاسق وعاصٍ فاعلُه، وبئس أن يكون كذلك بعد أن كان مؤمنًا صالحًا.
* ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] الفسوق: هو كبائر الذنوب.
* ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
* أما في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] الفسق: هنا هو الشرك، والخروج عن الدِّين.
فَصَلَ
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
(فصَل) فصل من الانفصال والمفارقة.
أي: خرج ومضى بهم من البلد متوجِّهًا للقتال.
* ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤].
(فَصَلَتِ) أي: خرجتْ ومضتْ قافلة الجمال من مصر، متوجهة إلى أرض كنعان التي بها يعقوب ﵇.
* ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
(فِصَالُهُ) أي: فطامه وانفصاله عن أمه.
ومن أولاد البقر والإبل (الفصيل) وهو: الذي انفصل عن أمه.
* ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
(فِصَالًا) أي: فطامًا للرضيع قبل الحولين.
فواق
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥].
стр. 231
(فَوَاق) من الإفاقة والانتظار، وأصلها من: (فُواق الناقة) وهو مقدار راحتها بين الحلبتين.
والمعنى: أن الصيحة إذا بدأت فليس هناك فرصة للرجوع إلى الدنيا، أو الإفاقة والراحة منها؛
لسرعتها وتتابعها.
стр. 232
حرف القاف
القالِين
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨].
(القَالِينَ) أي: المبغضين؛ فالقِلى: هو البغض.
وفي الآية الكريمة فائدة عظيمة ذكرها ابن عاشور ﵀ في تفسيره للآية:
حيث قال لوط ﵇: (إني لعملكم من القالِين) أي: من المبغضين له، وهو أبلغ مما لو قال لهم: (إني لعملكم قالٍ)؛ فالتعبير القرآني ينبِّه على أن هذا الفعل القبيح الشنيع موجبٌ لبغض الكثير من الناس، وهو منهم.
* ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣].
(ما ودَّعَك) أي: ما تَرَكَك يا مُحَمَّد رَبّك منذ اعتنى بك.
(وَمَا قَلَى) وما قَلاك؛ أي: ما أبغضك منذ أحبك.
وذلك لمَّا فتر الوحي وأبطأ جبريل ﵇، قالت امرأة من المشركين -قيل: هي أم جميل-: (يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك … ) انظر: صحيح البخاري (٤٩٥٠).
فأقسم ربنا جل وعلا بالضحى والليل ردًّا على افترائها.
انظر: المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، للدكتور/ محمد جبل (٤/ ١٨٢٤).
قاموا
قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٩ - ٢٠].
(قَامُوا) أي: توقّفوا عن المشي مُتَحَيِّرِين.
وهو مثل ضربه الله لموقف المنافقين من هذا الدِّين؛ فهو كالصيّب والمطر الغزير؛ لأن فيه حياة الأرواح.
(فيه ظلمات): وهي الشكوك التي تعتريهم منه.
(ورعد): ما يخلع قلوبهم من وعيده.
(وبرق): ما يلمع لمعانًا خاطفًا في قلوبهم من الإيمان.
كلما نالوا من عِزِّه وخيراته اطمأنوا إليه ومشوا فيه، وإذا أصابتهم نكبة توقفت حالهم وارتكسوا
إلى الكفر.
стр. 233
قانت
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
(قانت) أصل القنوت هو الطاعة؛ تقول العرب: (قنتت المرأة لزوجها) أي: أطاعته. ويشمل المعنى في الآية مُختَلف الطاعات.
ويأتي القنوت بمعنى: طاعة القهر والاستسلام، ويأتي بمعنى: طاعة العبادة فيشير إلى الصلاة، وبمعنى: الدعاء، وبمعنى: طول القيام.
فالمعنى في الآية الكريمة: يَعْرض الله تعالى مقابلة بين صنفين من الناس: صنف عامل بطاعته؛ فهو قائم بصنوف العبادات من صلاة ودعاء ومتحرٍّ لأفضل أوقات العبادة وهو الليل، ووصف حاله بالمخافة من الآخرة ورجاء رحمته.
وصنف ساهٍ لاهٍ؛ فهم لا يستوون: فالأول عالم به طالب للنجاة من الآخرة ساع في مرضاته، والثاني جاهل بالآخرة غافل عنها.
* ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
(وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ) أي: والطائعين والطائعات طاعة عبادة.
* ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارا﴾ [التحريم: ٥].
(قَانِتَات) أي: مطيعات.
* ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
(من القَانِتِينَ) من الطائعين.
* ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
(قَانِتِينَ) أي: طائعين.
* ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
(قَانِتَاتٌ) مطيعات لأزواجهن.
стр. 234
* ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠].
(قَانِتًا) دائم الطاعة لله.
* أما في معنى طاعة القهر والاستسلام فقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦].
(قَانِتُونَ) مطيعون طاعة ذل وقهر لا إرادة لهم فيها، كلهم عبيد مسخّرون تحت تدبيره، وتكررت في سورة البقرة.
قُبُلا
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
(قُبُلا) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - من المقابلة؛ أي: معاينة أمام أعينهم.
٢ - جمع قبيل؛ أي: أحضرنا كل شيء فوجًا فوجًا.
والمعنى: الآية تبين أنهم لو جاءتهم الآيات العظيمة؛ من تنزيل الملائكة إليهم، وتكليم الموتى وبعثهم بعد موتهم، وحشر كل شيء أفواجًا وقبائل إليهم حتى تكلمهم بصدق ما جاء به الرسول؛ ما حصل منهم الإيمان إذا لم يشأ الله إيمانهم؛ فالهداية بيد الله وحده.
وفي الآية رد على كذبهم في الآيات السابقة: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩].
فقد أخبر الله تعالى أن المشركين أقسموا بالله أشدَّ أيْمانهم وأقصاها، أنهم إذا جاءتهم آية -كتحويل جبل الصفا إلى ذهب- آمنوا عن آخرهم بنبوة محمد ﷺ ورسالته واتبعوه على دينه، وهم كاذبون.
* ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ [الكهف: ٥٥].
(قُبُلا):
١ - من المقابلة؛ أي: معاينة أمام أعينهم.
٢ - جمع قبيل؛ أي: جاءهم العذاب فجأة من كل نوع.
стр. 235
والمعنى: ما منع هؤلاء الناس من الإيمان بالله ورسله والحق الذي أنزل إليهم بعد أن قامت عليهم حجة الله ﵎، إلا ما منع مَنْ قبلهم من الظلم والعدوان؛ فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله ﵎ وعادته في الأولين: من أنهم إذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب الشديد والاستئصال، أو أن يروا العذاب قد أقبل عليهم مواجهةً من كل نوع.
* ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦].
(مِنْ قُبُل) أي: من جهة الأمام.
قبلة
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ [يونس: ٨٧].
(قِبْلَةٍ) أي: مسجدًا تصلون فيه.
والمعنى: اجعلوا بيوتكم مكانًا للعبادة، واستقبلوا فيها القبلة وأقيموا فيها الصلوات؛ فقد كان بنو إسرائيل يخافون فرعون، وحين ذلك امتنعوا عن الصلاة في كنائسهم وبِيَعهم؛ فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها.
قترة
قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١].
(قَتَرَةٌ) أصل القُتَار والقتر: هو الدخان والغبار.
والمعنى: غبار الكفر والكذب ودخان المعاصي.
* ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
(قَتَرٌ) أي: غبار الكآبة والحزن، ولا تسودّ وجوههم أبدًا.
قُتِل
قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ [الذاريات: ١٠].
* ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ [المدثر: ٢٠].
* ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس: ١٧].
(قتل): القتل في الآيات السابقة له معنيان:
стр. 236
١ - معنى الهلاك؛ أي: هلك الخرَّاصون، وهلك الإنسان الجاحد لربه باعتبار نهايته يوم القيامة؛ فهو صائر إلى الهلاك والبوار.
٢ - دعاء على صاحب الصفة، كما يقال: (قاتله الله - وأخزاه الله) يبيّن التعجّب من شدة كفره مع إحسان الله إليه.
قرح
قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
(قَرْحٌ) القرح: هو الجرح.
والمعنى: إنْ أصابتكم الجراحُ، فقد أصابت المقاتلين من أعدائكم جراحٌ مثلها.
* ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] أي: الذين استجابوا لله ورسوله فلم توهنهم الجراح، ولم توقف عزيمتهم من الوقوف مع رسول الله في قتاله.
قروء
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
(قُرُوء) جمع قُرء، واختلف العلماء في القُرْء: هل هو الحيض، أم الطهر؟
والصواب: أن القُرْء هو الحيض؛ لقول النبي ﷺ في المستحاضة: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» صححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (٣٥٣).
أي: حيضها، ف (ثلاثة قروء) أي: ثلاث حيضات، ومدتها في الغالب ثلاثة أشهر، قد تزيد أو تنقص بحسب كل امرأة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].
القسطاس
قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢].
(بالقِسطَاسِ): هو الميزان. والقسطاس المستقيم: هو أعدل الموازين؛ ومنه اشتُق: القِسط.
وقد خاض بعض أهل التفسير واللغة في الفرق بين: (القسط)، و (العدل) فالقسط له معنيان:
١ - الحصة والنصيب والمقدار.
٢ - العدل وإعطاء الحق.
стр. 237
فتارة يشتمل اللفظ على المعنيين، وتارة ينفرد بأحدهما؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي: بالقسمة الصحيحة العادلة، فاشتمل على كلا المعنيين؛ ولذلك فإن جميع آيات الوزن والميزان اقترنت بالقِسْط وليس العدل.
* وفي قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
ومما يجلّي المعنى: قوله ﵊: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ القِسْطَ وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ» صحيح مسلم (٢٩٥).
فاللفظ هنا يشمل المعنيين:
١ - القسط: هو ميزان العدل؛ فيرفعه ويخفضه بحسب أعمال العباد.
٢ - القسط: هو النصيب من الأرزاق؛ فيزيده وينقصه، ويضيق ويوسع على العباد بحكمته ﵎ وعدله وفضله.
فائدة:
هناك فرق بين:
- (القِسْط): هو العدل، واسم الفاعل منه: (مُقسِط)؛ أي: عادل، فيقال: أَقسط يُقسِط مُقسِط.
قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
(المُقسِطِين): هم العادلون.
وذكر ابن عاشور في تفسير الآية حكمة اقتران القسط والعدل في قوله (بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) وأنه ليس التغاير في المعنى، وإنما هو من باب المطلق والمقيد فجاءت (بالعدل) أمرًا في سياق الإصلاح بين الطائفتين بخاصة، ثم أعقبها بالأمر العام تذييلاً للأمر الخاص وكأنه يُراد به: أن هكذا فليكن ديدنكم هو القسط في سائر المعاملات.
- و (القَسْط): الجور والظلم، واسم الفاعل منه: (قاسِط)؛ أي: ظالم، فيقال: قسَطَ يَقسِط قاسط.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبا﴾ [الجن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدا﴾ [الجن: ١٤].
стр. 238
(القَاسِطُون) من القَسْط: وهم الجائرون الظلمة.
قسورة
قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَة﴾ [المدثر: ٥٠ - ٥٢].
(قَسْوَرَة) لها معنيان في العربية، كلاهما يحتمله النص كما ذكر ابن تيمية ﵀:
١ - القَسوَرَة: هو الأسد.
فيكون المعنى: كأنهم حُمُر نافرة فرّت من أسد.
٢ - القَسوَرَة: الرماة؛ تقول العرب للرجال الغلاظ والصيادين: قسورة، وهي لفظة لا مفرد لها، وقيل: هي قسور، وتجمع على (قسورة، وقساور، وقساورة).
فيكون المعنى: كأنهم حمر نافرة فرت من الرماة. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٣/ ٣٤٠).
قُصِّيه
قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١].
(قُصِّيهِ) أصل القَصّ: اتباع الأثر؛ قُصيه؛ أي: اتبَعي أثره، وتَطَلَّبي خبره، وانظري ماذا يفعلون به.
(فبَصُرَت به عن جنب) أي: تقصّتْ أخباره عن بُعد وعن حذر ومجانَبة؛ حتى لا يُكشف أمرُها، فعلمت أن حاشية فرعون التقطوه.
* ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصا﴾ [الكهف: ٦٤].
(قَصَصًا) من القصّ، وهو تتبُّع الأثر.
والمعنى: رجع موسى ﵇ وفتاه في الطريق الذي سلكاه يتتبّعان المكان الذي نسيا فيه الحوت، حتى لقيا الخضر ﵇.
ومن ذلك جاءت تسمية: (القَصص) بهذا الاسم؛ لأنها تتبُّع لخبر بعد خبر.
وقد تكررت في القرآن الكريم؛ ومنها قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣].
وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] فالقصص في اللغة: هو تتبع الأخبار، وسردها خبرًا بعد خبر.
стр. 239
فالله تعالى يعلم أحوال الناس وأخبارهم، ويقصهم على نبيه ﷺ ، ويُسمى الخبر الطويل قصصًا؛ لأن بعضه يتبع بعضًا.
فائدة:
تقول العرب: (قصَّ أثره)، و (قصَّ خَبره) فالقصُّ يكون للأثر وللخبر.
قضبًا
قال تعالى: ﴿وَعِنَبا وَقَضْبا﴾ [عبس: ٢٨].
يمتن الله تعالى على عباده بأن رزقهم من أنواع الثمار، ومنها العنب والقضب.
(وقضبًا) القضب: هو كل ما يُقضب؛ أي: يُقطع ويؤكل غضًّا، وينمو مكانه غيرُه كبعض الخضروات؛ مثل الجرجير، والكراث، والبرسيم وغيره.
وقيل: كذلك البقول والفصافص، فسمي قضبًا لأنه يُقضب؛ أي: يقطع مرة بعد مرة.
قضى
قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
مفردة قضى في القرآن الكريم لها معان متعددة بحسب السياق؛ فتأتي بمعنى:
١ - قدَّر.
٢ - أمر وحكم وشرع.
٣ - أعلمَ وأخبرَ.
٤ - أراد.
٥ - الفراغ والانتهاء.
٦ - جعل وصيّر.
- تأتي مفردة (قضى) بمعنى: أراد، كما في الآية السابقة:
* ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
(قضى) أي: أراد شيئًا، أو أراد فِعل شيء.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧].
стр. 240
(إِذَا قَضَى): إذا أراد فعل شيء.
* ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥].
(إِذَا قَضَى): إذا أراد فعل شيء.
- وتأتي مفردة قضى بمعنى: الحكم والأمر والقضاء:
* ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
(إِذَا قَضَى): إذا شرع وحكم أمرًا.
* ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
فالقضاء هنا بمعنى: الأمر الشرعي؛ أي: شرعَ وحكم.
* ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] أي: حكم عليها بالموت، وهو الحكم الكوني.
* ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] أي: إذا حكم بوجوده، فلا راد لحكمه الكوني.
* ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] أي: يحكم به.
* ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٤] قضاءً وحكمًا كونيًّا؛ بسبب بغيهم ومعاصيهم.
* ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أي: فاحكم بما تريد.
- وتأتي مفردة (قضى) بمعنى: الفراغ والانتهاء:
* ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْما﴾ [طه: ١١٤] أي: لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل، واصبر حتى يفرغ منه.
* ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: فلما فرغ من حاجته لها وفارقها باختياره.
* ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أي: أنهى وأجهز عليه.
* ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] أي: لا يُجهَز عليهم وينتهي أمرهم بالموت؛ فهم باقون في العذاب.
* ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي: فَرَغَ مِنْ نَذْرِهِ، وَوَفَّى بِعَهْدِهِ، وانتهى أجله بصبره عَلَى الْجِهَادِ حَتَّى اسْتُشْهِد.
стр. 241
* ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمّى﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: لينقضي الأمر، وينتهي الأجل الذي قدّره لكم.
* ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارا﴾ [القصص: ٢٩] يعني: لما انتهت مدة العقد بينه وبين شعيب ﵉.
* ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] يعني: أي الأجلين فرغت وانتهيت منه.
* ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: فرغتم منها.
- مفردة (قضى) بمعنى: قدَّر:
* ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] أي: قدّر لمدة إقامتكم في هذه الدار أجلًا.
- وتأتي مفردة (قضى) بمعنى: أخبر وأعلم:
* ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] أي: أخبرناه بما سيحدث لهم.
* ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرا﴾ [الإسراء: ٤] أي: أعلمناهم.
- وتأتي مفردة (قضى) بمعنى: صيّر وجعل:
* ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].
(فَقَضَاهُنَّ) أي: صيّرهن وجعلهن سبعًا. ويحتمل كذلك: فرغ منهن حال كونها سبعًا.
القطر
قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢].
(عَينَ القِطْرِ) القطر: هو النحاس، وهو في الأصل معدن قاسٍ يحتاج إلى إخراج بالمعاول، ثم صهر بالنار.
فأَسَالَ الله لنبيه سليمان ﵇ النحاسَ، وأجراه له عينًا تسيل نحاسًا مذابًا كأنها ماء، سبحان الله!
стр. 242
* ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا﴾ [الكهف: ٩٦].
(قِطْرًا) أي: أفرغ عليه القطر -وهو النحاس المذاب- ليشتبك النحاس مع قطع الحديد؛ فيكون أكثر قوةً وتماسكًا.
* ﴿سَرَابِيلُهُم مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم: ٥٠].
(قَطِرَان) اختلف أهل العلم في ماهية القطران؛ فقيل:
- هو مادة مذابة شديدة الحرارة، قد تكون مشابهة للقطران الأسود المعروف اليوم، وحتمًا فإنّ التشابه يكون في الأسماء وتقريب المعاني؛ فما في الآخرة ليس هو ذاته الذي في الدنيا!
- وقيل: (قَطْرٍ آنٍ) أي: نحاس مذاب بالغ الحرارة.
- وقيل غير ذلك، والله أعلم بمراده.
القلائد
قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].
(القلائد): جمع قلادة؛ وهي ما يوضع في العنق من حليّ ونحوه. وهي في الآية قلادة توضع في عنق الدابة لتميّزها عن غيرها.
(الهَدْي): مشتق من الهديّة؛ وهي ما يُهدى للبيت الحرام من بهيمة الأنعام -سواء كان في موسم الحج، أو غيره- ليُذبح تقرّبًا إلى الله تعالى.
فالهدي ثلاثة أنواع باعتبار علامته وتمييزه:
١ - هدي مُقلّد؛ أي: معلّم بقلادة توضع في عنق الإبل والبقر، تصنع من لِحَاء الشجر أو غيره ليُعلم أنها هدي؛ أي: هدية للحرم فلا يتعرّض لها أحد تعظيمًا لبيت الله.
وتقليد الهدي كان متّبعًا في الجاهلية وأقره الإسلام؛ فحكمه سنة لمن احتاج إليه.
٢ - هدي مُشعَر: وهي طريقة أخرى في وضع علامة على الهدي من الأنعام، وهو إشعارها؛ أي: جرح سَنَام الإبل أو ظهر البقرة ليسيل الدم قليلًا حول الجرح؛ ليكون بذلك علامة على أنها مخصصة للهدي، فلا تُمس بسوء ولا يُتعرض لها.
стр. 243
٣ - هدي غير مقلد ولا مُشعر: وهو ما يسوقه المحرم معه ويذبحه في الحرم؛ فلا يقلده لأنه لا يخشى ضياعه فهو معه.
والهدي نوعان باعتبار الزمان:
١ - هدي التطوع: وهو في أي وقت، وهو سنة منسية عن النبي ﷺ ، يجوز أن يرسله لمكة أو يسوقه معه إذا اعتمر أو إذا حجّ؛ زيادة عن الواجب.
٢ - هدي واجب للحجاج، وهو أربعة:
- هدي التمتع أو القِرَان.
- هدي كفّارة: للفدية عن فعل محظور.
- هدي النذر: وهو ما ينذره الحاج تقربًا لله.
- هدي الإحصار: عند منع إتمام العمرة أو الحج لأي سبب؛ سواء من عدو، أو مرض أو غيره .. وهذا الهدي يُذبح خارج الحرم.
والمعنى الإجمالي للآية الأولى: جعل الله هذه الأربعة: (البيت الحرام وهو الكعبة)، (والشهر الحرام؛ ويُراد به: الأشهر الحرم بما فيها شهر الحج)، (والهَدْيَ، والقلائد) صلاحًا ومعاشًا للناس تقوم بها حياتهم ومصالحهم.
فجعل الكعبة -وهي البيت الحرام- مكان أمن يقصده الناس يتم به إسلامهم وتُحط فيه أوزارهم، وأمّنهم كذلك في الأشهر الحرم من الاعتداء، وشرع الهَدْي والقلائد للانتفاع بطعامها، وينال بها أصحابها عظيم الثواب .. وفي هذا الموضوع تفصيل عند أهل الفقه!
قمطريرًا
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرا﴾ [الإنسان: ١٠].
(قَمْطَرِيرًا) القمطرير: هو اليوم العصيب طويل البلاء والشدة. وأصل الكلمة من الالتفاف والتجمع والانقباض؛ تقول العرب: (اقْمَطَرَّت الناقة) إذا رفعت ذيلها وجمعت بدنها. و (اقْمَطَرَّ اليوم) إذا كان كريهًا شديد الصعوبة. فاليوم القمطرير: يوم القيامة تتقطب فيه جباه المقصرين، ويجتمع فيه الفزع والرعب، والأمم فيه تجثو على الركب من شدة الهول.
قوارير
قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤].
стр. 244
(قَوَارِيرَ) أي: زجاجًا.
قال سليمان ﵇ لبلقيس ملكة سبأ: ادخلي ساحة القصر، وكان مُمَرّدًا -أي: أن بلاطه من الزجاج الشفاف يجري تحته الماء- فلم تر بلقيس الزجاج لشفافيته ظانة أنها ستخوض ماءً؛ فشمرت ثيابها.
* ومنها: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥)﴾ [الإنسان: ١٥].
* ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ [الإنسان: ١٦].
(قَوَارِيرَا): القوارير: الزجاج الشفاف، لكن الآية الثانية وصفت تلك القوارير بأنها من فضة، ولكنها شفافة في صفاء الزجاج يُرى لون الشراب الذي بداخلها، وهذا مما ليس له مثيل في الدنيا.
(قدّروها) أي: مقدرة من قِبل الخدم الطائفين.
(تقديرًا) على قدر رِيّ الشاربين؛ للتنعّم بألذ الشراب من غير زيادة تُرمى وتُسكب، ولا نقص يُشتهى أن يضاف إليه فيُشرب.
قوامون
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
(قَوَّامُونَ) لهم القوامة.
- والقِوامة: المسؤولية والرعاية، والقيام بشؤون النساء والأسرة.
- والقِوامة ولاية؛ ففيها إلزام الزوجة وأفراد الأسرة بحقوق الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعليهم جميعا الطاعة.
والمعنى: يخبر الله عن أدوار ووظائف الأزواج والزوجات التي ينبغي أن تكون لتنجح الحياة الزوجية، وتسير على النهج الرباني السليم:
فالرجال لهم القِوامة والولاية على النساء؛ بناء على ما اختص الله به جنس الرجل وأهّله بصفات القوة والحكمة والقدرة على إدارة دفة الحياة.
فالقِوامة تكليف ووقوف على أحوال الأسرة بما فضَّل الله الرجل، وبما خصّه من صفات الرجولة؛ لأنه تكليف يستدعي الحزم والقوة والحكمة.
(حَافِظَاتٌ للغَيبِ) أي: تحفظ زوجها في غيبته.
стр. 245
(بِمَا حَفِظَ اللَّهُ): بسبب حفظ الله لهن وتوفيقه.
والمعنى: يخبر الله تعالى عن وظيفة الزوجة المؤمنة؛ فوصف الزوجات بأنهن قانتات -أي: طائعات - وحافظات لأزواجهن في غيبتهم، فتحفظه في نفسها وفي ماله وبيته والأبناء، وذلك (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ): فهو منَّة من الله على المؤمنات وليس من عند أنفسهن؛ فالنفس أمارة بالسوء، فالحفاظ على الطاعة والاستقامة من الله تعالى.
قوموا
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
(قُومُوا): تشمل المعاني التالية:
١ - قوموا وقوفًا على القدمين في كل الصلوات إلا لعذر؛ ومن هنا يستدل الفقهاء على ركنية القيام في الصلاة.
٢ - وقوموا؛ أي: امتثلوا لأمر الله وأطيعوه.
٣ - وقوموا لله؛ أي: لأجله وحده مخلصين له لا شريك له.
(قَانِتِينَ) القنوت يطلق لعدة معانٍ، وهو في الآية يعني: ساكنين خاشعين.
وقد نزل قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) توجيهًا للصحابة؛ فقد كانوا يتكلمون في الصلاة: فعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَم قال: «إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ» صحيح البخاري (١٢٠٠).
أما (الصلاة الوسطى) فقد وردت فيها أقوال كثيرة، والراجح: أنها صلاة العصر؛ لقول النبي ﷺ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ: «مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا؛ شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» صحيح البخاري (٢٩٣١).
فائدة:
قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ … ) حافظوا: تدل على العموم؛ فلم يحدد المحافظة على خشوعها، أم على أركانها، أم على ماذا؛ مما يدلُ على أن معنى الآية الكريمة: حافظوا على كل ما يقيمها صحيحة تامة؛ فحافظوا على أوقاتها، وعلى وضوئها، وعلى أركانها وواجباتها، وعلى القيام والخشوع فيها، وعلى أدائها جماعة للرجال.
ولمزيد الفائدة انظر: تفسير ابن عثيمين ﵀ للآية.
стр. 246
قيّضنا
قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥].
(قيضنا) أي: هيّأنَا وأتَحْنَا وسَلّطنا.
والمعنى: ذكر اللهُ في الآية الجاحدين للحق أنهم كلما أوغلوا في الجحود والمعاصي قيض الله لهم الشياطين وسلَّطَها عليهم، وتركهم فريسة لها، وأتاحها لهم تغريهم بالخطايا، وتزخرف لهم المعصية من حيث لا يشعرون، فتحثهم على المزيد؛ جزاء غفلتهم عن الله والدار الآخرة.
* ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
(نُقَيِّضْ) أي: نتيح له التسلط عليه، ونتركه فريسة له.
قيعة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩].
(بِقِيعَةٍ): جمع قاع؛ أي: في قاع من الأرض، وأرضٍ مستوية؛ لأن الأرض المستوية يظهر فيها السراب في ضوء الشمس.
وهو مَثلٌ ضربه الله تعالى في بيان بطلان أعمال الكفار؛ فقلوبهم كالأراضي الجدباء غير الصالحة للزرع، فلا يثمر فيها الخير ولا يزكو فيها العمل.
وأعمالهم كذلك يوم القيامة؛ حينما يكونون في أشد الحاجة إليها كحاجة الظمآن للماء، يجدونها لا شيء؛ كالسراب في تلك القيعان.
وقال ابن القيم ﵀ في التفسير المنسوب إليه: «إذا حُشِرَ النّاسُ واشْتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ بَدَتْ لَهم أعمالهم -يعني: الكفار- كالسَّرابِ، فَيَحْسَبُونَهُ ماءً، وإذا أتَوْهُ وجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ، فَأخَذَتْهم زَبانِيَةُ العَذابِ فعتلوهم إلى نارِ الجَحِيمِ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، انظر: بدائع التفسير (٢/ ٢٤٤) بتصرف يسير.
* ومثلها في أصل المعنى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتا﴾ [طه: ١٠٦ - ١٠٧].
(قَاعًا) أي: أرضًا منبسطة مستوية.
(أَمْتًا) الأمت: الارتفاع؛ أي: لا ترى انخفاضًا فيها ولا ارتفاعًا.
وهو يوم القيامة؛ حيث تسوَّى الأرض ليس فيها منخفض ولا مرتفع، ولا مَعْلَمٌ لأحد.
стр. 247
فائدة:
ورد في الحديث الشريف: «رأيتُ إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد، أقرئ أمّتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قِيعان وغراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» صحيح الجامع (٣٤٦٠).
(قِيعَانٌ): جمع قاع؛ وهي: الأرض المستوية الخالية من الشجر.
وأرض الجنة قيعان طيبة مباركة يُثمر فيها العمل ويزكو ويكثر، فيزرع فيها المؤمن بأعماله ويبني أمثال البساتين والحدائق والمُدن؛ فقصورها وأشجارها وغراسها وجميع نعيمها يحصل بالعمل -بفضل الله وكرمه وزيادته- فغراسها هذه الأذكار الواردة والتسبيح؛ وذلك مما يجعل المسلم يحرص ويُكثر.
قِيلِهِ
قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨ - ٨٩].
(وَقِيلِهِ) فيها تأويلات كثيرة، وأكثر المفسرين على قولين محتملين:
١ - أن الواو للاستئناف؛ أي: وقال النبي قوله. أي: قال محمد ﷺ قوله شاكيًا إلى ربه من عَدَمَ إيمانِ قَوْمِهِ قائلًا: (إِنَّ هَؤلَاءِ قَومٌ لا يُؤمِنُونَ) كما جاءَ في قوْلِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا﴾ [الفرقان: ٣٠] ففيها التجاء إلى اللَّهِ، وتفويض أمره إليه؛ ليقضي فيهم بحُكمه.
٢ - أن الواو للعطف على (وعنده علم الساعة) أي: وعنده علم ما قاله محمد وشكواه لربه كذلك.
فائدة:
في مدّ الهاء في (وَقِيلِهِ) مع اقتران النداء بالياء حيث لم يقل: (ربّ) مباشرة، كأنها مصحوبة بزفرة طويلة تُشعر بمدى الهمّ والحزن الذي يحمله النبي ﷺ من إعراض الكفار وصدودهم.
ثم يوجّه الله تعالى نبيّه لما ينبغي فعله معهم بقوله: (فاصفَح عَنهُم وَقُلْ سلام فَسَوفَ يَعلَمُونَ).
(الصفح) هنا معناه: عدم مقابلة إيذائهم بمثله، إلى أن يأتيه الأمر بقتالهم. و (السلام) سلام مُتَارَكَةٍ وهجر، لا سلام تحية؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما﴾ [الفرقان: ٦٣].
ثم طمأن الله نبيه الكريم بأن الحق سيظهر ويعلو.
(فسوف يعلمون) يعلمون أنه على حق، وأنهم على باطل، ويعلمون عاقبة كفرهم وتكذيبهم.
стр. 248
القَيّمة
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
(الْقَيِّمَة) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - أنها وصفٌ للدين؛ فهو دين الاستقامة لأنه:
- قام بالقسط والحق.
- قام على الصراط المستقيم.
- قام بمصالح العباد.
- قام عليه أمر الدنيا والآخرة.
٢ - أنها وصفٌ للقائمين به؛ فهم القائمون بالعدل والحق، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة: ٨].
فالمعنى يجمع بين:
- دين الأمة القيِّمة بالعدل والاستقامة.
- ودين الملة القيِّمة المعتدلة.
стр. 249
حرف الكاف
كاشفة
قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧ - ٥٨].
(كَاشِفَةٌ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - مانعة؛ أي: لا أحد يمنعها أو يوقفها، أو يكشف ضررها إذا غشيت الأرض بأهوالها إذا شاء الله وقوعها.
وذلك مثل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] فالكشف هنا بمعنى: الإزالة ومنع الضرر.
٢ - أي: علامة تبيّنها؛ فهي مستترة إذا جاءت وقعت فجأة، فليس لها علامة تكشفها؛ كما قال تعالى:
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] فالكشف هنا بمعنى: البيان والظهور.
كبد
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤].
لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - الكبَد: الشدة واعتدال القامة؛ تقول العرب: (تكبَّد اللبن) إذا غلُظ. و (تكبدت الشمسُ السماءَ) إذا توسطتها.
فالمعنى: خلقه في قوة وشدة واعتدال قامة؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وهذا المعنى يوافق سياق الآيات التي تليها: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥]؛ حتى لا يأخذه الغرور بقوته وشدته.
٢ - الكبَد؛ أي: في مشقة ومكابدة لأمور الدنيا وسبل العيش ومجاهدة النفس لطلب الآخرة؛ فها هو النبي ﵊ يتكبد مشاق الدعوة، ويلاقي من قريش وغيرها ما يلاقي؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
وكذلك يوافق سياق الآيات: فبداية القَسَم بمكة وحلول نبي الله ﵊ فيها، والقَسَم بكل والد ومولود؛ وهو نوع من المكابدة للخروج إلى الدنيا.
ثم قال: (لَقَدْ خَلَقنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) وكأن فيها مواساة للمكابدة التي يلاقيها النبي ﷺ بسبب صدود الناس، ومنهم ذلك المعتَدّ بقوته، ويحسب أن لن يقدر عليه أحد. ثم يستطرد في المكابدة لاقتحام العقبة؛ فإما إلى جنة وإما إلى نار.
стр. 250
ولا تعارض مِنْ جمع المعنيين؛ فقد خلق الله الإنسان في شدة وقوة وحُسن قامة، وخلقه في شدة يكابدها على مدى حياته في الأرض، أيّد ذلك ابن عثيمين والسعدي وغيرهم.
الكبر
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٥ - ٣٦].
(الْكُبَرِ) الكبر: جمع كُبرى؛ أي: إحدى العظائم الكبرى.
والمعنى راجع إلى قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٦ - ٢٧] فالنار التي يكذبون بها إحدى العظائم، وداهية تفوق الدواهي في العظم؛ وهو إنذار من الله تعالى لتتخذوا الأسباب الواقية من عذابها. ا.
فائدة:
- كُبَر: جمع كُبرى.
- صُغَر: جمع صُغرى.
- طُوَل: جمع طولى.
الكتاب (١)
وردت مفردة (الكتاب) بمعانٍ شتى بحسب السياق:
- فجاءت بمعنى: الكتب المنزلة؛ ومرة تكون بمعنى: التوراة، أو الكتب السابقة، أو القرآن، أو بمعنى: اللوح المحفوظ، أو ديوان الأعمال بيد الحفظة، أو حكم الله وقضائه، أو الكتابة أو المكاتبة:
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيّا﴾ [مريم: ١٦].
(الْكِتَابِ) أي: اذكر لقومك في هذا القرآن الكريم قصة مريم.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: ٤١].
* ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيّا﴾ [مريم: ٥١].
* ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيّا﴾ [مريم: ٥٤].
* ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيّا﴾ [مريم: ٥٦].
- ويأتي الكتاب بمعنى (التوراة) في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرا﴾ [الإسراء: ٤].
следующие страницы →