Полный текст (544 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قيّضنا
قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥].
(قيضنا) أي: هيّأنَا وأتَحْنَا وسَلّطنا.
والمعنى: ذكر اللهُ في الآية الجاحدين للحق أنهم كلما أوغلوا في الجحود والمعاصي قيض الله لهم الشياطين وسلَّطَها عليهم، وتركهم فريسة لها، وأتاحها لهم تغريهم بالخطايا، وتزخرف لهم المعصية من حيث لا يشعرون، فتحثهم على المزيد؛ جزاء غفلتهم عن الله والدار الآخرة.
* ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
(نُقَيِّضْ) أي: نتيح له التسلط عليه، ونتركه فريسة له.
قيعة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩].
(بِقِيعَةٍ): جمع قاع؛ أي: في قاع من الأرض، وأرضٍ مستوية؛ لأن الأرض المستوية يظهر فيها السراب في ضوء الشمس.
وهو مَثلٌ ضربه الله تعالى في بيان بطلان أعمال الكفار؛ فقلوبهم كالأراضي الجدباء غير الصالحة للزرع، فلا يثمر فيها الخير ولا يزكو فيها العمل.
وأعمالهم كذلك يوم القيامة؛ حينما يكونون في أشد الحاجة إليها كحاجة الظمآن للماء، يجدونها لا شيء؛ كالسراب في تلك القيعان.
وقال ابن القيم ﵀ في التفسير المنسوب إليه: «إذا حُشِرَ النّاسُ واشْتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ بَدَتْ لَهم أعمالهم -يعني: الكفار- كالسَّرابِ، فَيَحْسَبُونَهُ ماءً، وإذا أتَوْهُ وجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ، فَأخَذَتْهم زَبانِيَةُ العَذابِ فعتلوهم إلى نارِ الجَحِيمِ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، انظر: بدائع التفسير (٢/ ٢٤٤) بتصرف يسير.
* ومثلها في أصل المعنى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتا﴾ [طه: ١٠٦ - ١٠٧].
(قَاعًا) أي: أرضًا منبسطة مستوية.
(أَمْتًا) الأمت: الارتفاع؛ أي: لا ترى انخفاضًا فيها ولا ارتفاعًا.
وهو يوم القيامة؛ حيث تسوَّى الأرض ليس فيها منخفض ولا مرتفع، ولا مَعْلَمٌ لأحد.
стр. 247
فائدة:
ورد في الحديث الشريف: «رأيتُ إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد، أقرئ أمّتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قِيعان وغراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» صحيح الجامع (٣٤٦٠).
(قِيعَانٌ): جمع قاع؛ وهي: الأرض المستوية الخالية من الشجر.
وأرض الجنة قيعان طيبة مباركة يُثمر فيها العمل ويزكو ويكثر، فيزرع فيها المؤمن بأعماله ويبني أمثال البساتين والحدائق والمُدن؛ فقصورها وأشجارها وغراسها وجميع نعيمها يحصل بالعمل -بفضل الله وكرمه وزيادته- فغراسها هذه الأذكار الواردة والتسبيح؛ وذلك مما يجعل المسلم يحرص ويُكثر.
قِيلِهِ
قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨ - ٨٩].
(وَقِيلِهِ) فيها تأويلات كثيرة، وأكثر المفسرين على قولين محتملين:
١ - أن الواو للاستئناف؛ أي: وقال النبي قوله. أي: قال محمد ﷺ قوله شاكيًا إلى ربه من عَدَمَ إيمانِ قَوْمِهِ قائلًا: (إِنَّ هَؤلَاءِ قَومٌ لا يُؤمِنُونَ) كما جاءَ في قوْلِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا﴾ [الفرقان: ٣٠] ففيها التجاء إلى اللَّهِ، وتفويض أمره إليه؛ ليقضي فيهم بحُكمه.
٢ - أن الواو للعطف على (وعنده علم الساعة) أي: وعنده علم ما قاله محمد وشكواه لربه كذلك.
فائدة:
في مدّ الهاء في (وَقِيلِهِ) مع اقتران النداء بالياء حيث لم يقل: (ربّ) مباشرة، كأنها مصحوبة بزفرة طويلة تُشعر بمدى الهمّ والحزن الذي يحمله النبي ﷺ من إعراض الكفار وصدودهم.
ثم يوجّه الله تعالى نبيّه لما ينبغي فعله معهم بقوله: (فاصفَح عَنهُم وَقُلْ سلام فَسَوفَ يَعلَمُونَ).
(الصفح) هنا معناه: عدم مقابلة إيذائهم بمثله، إلى أن يأتيه الأمر بقتالهم. و (السلام) سلام مُتَارَكَةٍ وهجر، لا سلام تحية؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما﴾ [الفرقان: ٦٣].
ثم طمأن الله نبيه الكريم بأن الحق سيظهر ويعلو.
(فسوف يعلمون) يعلمون أنه على حق، وأنهم على باطل، ويعلمون عاقبة كفرهم وتكذيبهم.
стр. 248
القَيّمة
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
(الْقَيِّمَة) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - أنها وصفٌ للدين؛ فهو دين الاستقامة لأنه:
- قام بالقسط والحق.
- قام على الصراط المستقيم.
- قام بمصالح العباد.
- قام عليه أمر الدنيا والآخرة.
٢ - أنها وصفٌ للقائمين به؛ فهم القائمون بالعدل والحق، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة: ٨].
فالمعنى يجمع بين:
- دين الأمة القيِّمة بالعدل والاستقامة.
- ودين الملة القيِّمة المعتدلة.
стр. 249
حرف الكاف
كاشفة
قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧ - ٥٨].
(كَاشِفَةٌ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - مانعة؛ أي: لا أحد يمنعها أو يوقفها، أو يكشف ضررها إذا غشيت الأرض بأهوالها إذا شاء الله وقوعها.
وذلك مثل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] فالكشف هنا بمعنى: الإزالة ومنع الضرر.
٢ - أي: علامة تبيّنها؛ فهي مستترة إذا جاءت وقعت فجأة، فليس لها علامة تكشفها؛ كما قال تعالى:
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] فالكشف هنا بمعنى: البيان والظهور.
كبد
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤].
لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - الكبَد: الشدة واعتدال القامة؛ تقول العرب: (تكبَّد اللبن) إذا غلُظ. و (تكبدت الشمسُ السماءَ) إذا توسطتها.
فالمعنى: خلقه في قوة وشدة واعتدال قامة؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وهذا المعنى يوافق سياق الآيات التي تليها: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥]؛ حتى لا يأخذه الغرور بقوته وشدته.
٢ - الكبَد؛ أي: في مشقة ومكابدة لأمور الدنيا وسبل العيش ومجاهدة النفس لطلب الآخرة؛ فها هو النبي ﵊ يتكبد مشاق الدعوة، ويلاقي من قريش وغيرها ما يلاقي؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
وكذلك يوافق سياق الآيات: فبداية القَسَم بمكة وحلول نبي الله ﵊ فيها، والقَسَم بكل والد ومولود؛ وهو نوع من المكابدة للخروج إلى الدنيا.
ثم قال: (لَقَدْ خَلَقنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) وكأن فيها مواساة للمكابدة التي يلاقيها النبي ﷺ بسبب صدود الناس، ومنهم ذلك المعتَدّ بقوته، ويحسب أن لن يقدر عليه أحد. ثم يستطرد في المكابدة لاقتحام العقبة؛ فإما إلى جنة وإما إلى نار.
стр. 250
ولا تعارض مِنْ جمع المعنيين؛ فقد خلق الله الإنسان في شدة وقوة وحُسن قامة، وخلقه في شدة يكابدها على مدى حياته في الأرض، أيّد ذلك ابن عثيمين والسعدي وغيرهم.
الكبر
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٥ - ٣٦].
(الْكُبَرِ) الكبر: جمع كُبرى؛ أي: إحدى العظائم الكبرى.
والمعنى راجع إلى قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٦ - ٢٧] فالنار التي يكذبون بها إحدى العظائم، وداهية تفوق الدواهي في العظم؛ وهو إنذار من الله تعالى لتتخذوا الأسباب الواقية من عذابها. ا.
فائدة:
- كُبَر: جمع كُبرى.
- صُغَر: جمع صُغرى.
- طُوَل: جمع طولى.
الكتاب (١)
وردت مفردة (الكتاب) بمعانٍ شتى بحسب السياق:
- فجاءت بمعنى: الكتب المنزلة؛ ومرة تكون بمعنى: التوراة، أو الكتب السابقة، أو القرآن، أو بمعنى: اللوح المحفوظ، أو ديوان الأعمال بيد الحفظة، أو حكم الله وقضائه، أو الكتابة أو المكاتبة:
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيّا﴾ [مريم: ١٦].
(الْكِتَابِ) أي: اذكر لقومك في هذا القرآن الكريم قصة مريم.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: ٤١].
* ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيّا﴾ [مريم: ٥١].
* ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيّا﴾ [مريم: ٥٤].
* ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيّا﴾ [مريم: ٥٦].
- ويأتي الكتاب بمعنى (التوراة) في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرا﴾ [الإسراء: ٤].
стр. 251
* وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
(الْكِتَابِ) أي: في اللوح المحفوظ.
* ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورا﴾ [الأحزاب: ٦].
(كِتَابِ اللَّهِ) أي: في حُكمِه وشَرعِه.
(الْكِتَابِ) أي: في اللوح المحفوظ.
* ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ [ق: ٤].
(كِتَابٌ حَفِيظُ): هو اللوح المحفوظ؛ فهو كتاب محفوظ من التغيير والتبديل، وهو كتاب حفيظ لكل شيء مما قدر الله وقضى إلى قيام الساعة.
* ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ [الروم: ٥٦].
(في كتاب الله): في حكم الله وقضائه الذي قدره في اللوح المحفوظ.
* ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤].
(كتاب معلوم): أجل محدد مقدر لا يتقدم ولا يتأخر.
* ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِايءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر: ٦٩].
(ووُضع الكتاب): كتاب الأعمال للعباد بما فيه من حسنات وسيئات.
* ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾ [المؤمنون: ٦٢].
(كتاب ينطق بالحق): كتاب الأعمال بيد الحفظة شاهد عليهم، وقيل: اللوح المحفوظ.
ومثلها:
* ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية: ٢٩].
(كتابنا): كتاب الأعمال؛ وهو ديوان الحفظة الذي سجلت فيه جميع أفعال العباد من خير وشر؛ شاهد عليهم.
стр. 252
* ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ [النمل: ١].
(كتاب مبين): وصف للقرآن الكريم؛ لأنه مقروء بالألسن ومكتوب في اللوح المحفوظ، ولما سيؤول إليه من الكتابة في المصاحف أيضًا.
* ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
(الكتاب): القرآن الكريم. وانظر لشرح الآية: باب الجمل (سورة الشورى، آية: ٥٢).
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
(الكتاب): القرآن الكريم.
(والحكمة) تشمل: السنة التفصيلية والتشريع، والصواب بوضع الأمور في نصابها.
* ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧].
(نَصيبهم من الكتاب): مما قُدّر لهم في الدنيا. وانظر مفردة: (نَصيبهم) في حرف النون.
* ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾ [الرعد: ٣٨].
(لكل أجل كتاب): لكل وقت قدره المحدد له، وقضاؤه المكتوب فيه؛ لا يتقدم ولا يتأخر.
* ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
(كتاب مكنون): القرآن الكريم؛ مستور محفوظ في اللوح المحفوظ، وقيل: في صحف مع الكرام البررة؛ كما جاء في سورة عبس. وانظر: مفردة (مكنون).
* ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا﴾ [النور: ٣٣].
(الكتاب): مكاتبة العبد والأَمة على قدر من المال لطلب الحرية:
* ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ [آل عمران: ٤٨] هذه الآية اقترن فيها الكتاب بالتوراة والإنجيل فانظر المعنى في (الكتاب ٣) ص ٢٥٦ - ٢٥٧.
стр. 253
الكتاب (٢)
* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧].
* ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣].
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦].
(الكِتَابَ) يتساءل البعض: لماذا عبّر الله تعالى عن الرسالات التي أُنْزلت على الأنبياء بالكتب، وكثيرًا ما عبّر عن القرآن الكريم بالكتاب مع أنه نزل وحيًا على قلب نبيه ﷺ ، ولم ينزل كتابًا مكتوبا؟
الجواب:
الكتاب مصدر من (كتَب) وأصل معنى الكتْب: هو الضمّ والجمع؛ فكل نظم للحروف بعضها لبعض ولو لم يكن مكتوبًا على ورق يسمى كتابًا.
ويقال للشيء إذا اجتمعت أجزاؤه لهدف معين: (كتابًا)، ومنه يقال للجُند: (كتيبة)؛ لاجتماعها على هدف معين.
ويقال لمكان تَجمّع الصِّبْية للتعليم: (الكتاتيب)، ومنه يقال لتجمّع الشركات والمساهمين: (اكتتاب). وجمع الكلام وتقييده في سجل يسمى: (كتابة).
فسميت جميع الرسالات المنزلة -ومنها القرآن- كتبًا -والله أعلم بمراده -:
١ - لأنه كلام ورسالة منظومة مجموعة، وإن لم تنزل مكتوبة بين يدي الناس.
٢ - لأنه مكتوب حقيقة عند الله في اللوح المحفوظ.
٣ - لأنه جمع فيه الأخبار والأحكام والشرائع؛ كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
٤ - ولما سيؤول إليه من الكتابة في المصاحف بين أيدي الناس.
الكتاب (٣)
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠].
(الكِتَابَ):
ما هو الكتاب المراد في الآية، خاصة أنه ذَكر بعدها التوراةَ والإنجيلَ؟
стр. 254
الكتاب المذكور يحتمل معنيين:
١ - الخط والكتابة، وعليه كثير من المفسرين.
٢ - أحكام الكتاب وتشريعاته.
٣ - جنس الكتاب، والمقصود به الرسالة؛ سواء كانت القرآن أو التوراة أو الإنجيل بحسب السياق
والحكمة: إصابة الحق والصواب في القول والعمل.
وذَكرَ بعدَ الكتابِ التوراةَ والإنجيلَ: للتمييز والتخصيص وللتعظيم والتشريف؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فقد ذكر بعد الصلاة الصلاةَ الوسطى -وهي منها- تعظيمًا وبيانًا لمكانتها.
وهي صلاة العصر، وقيل: الفجر.
كِسفًا
قال تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ [الشعراء: ١٨٧].
(كسَفًا) جمع كِسفة، وهي: القطعة؛ أي: أَنْزل علينا من السماء قطعًا من العذاب لتستأصلنا؛
تهكمًا واستهزاءً.
وقد تكررت بفتح السين وسكونها وكلها بنفس المعنى؛ كما في قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور: ٤٤].
(كسْفًا) أي: قِطعًا.
والمعنى: يبين الله تعالى حال الكفار المعاندين أشد العناد؛ فلو أسقط الله عليهم من السماء قطعًا من العذاب لقالوا: هذا سحاب متراكم، ولمَا آمنوا كعادتهم.
الكلالة
قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦].
(الْكَلَالَة):
* ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢].
(كَلَالَة) أصل الكلالة فيه قولان:
стр. 255
١ - مشتقة من الإكليل الذي يحيط بالرأس؛ والمقصود هنا: الورثة الذين يحيطون به من الولد؛ سواء من أبناء، أو بنات.
والوالد سواء الأم أو الأب؛ لذا تقول العرب: (تكَلّله النسب) أي: أحاط به. فإن لم يوجد منهم أحد فهو: كلالة؛ أي: فقد إكليله.
٢ - أنها مشتقة من الكلل، وهو التعب والضعف؛ فالكلالة: هو من فقد الورثة الذين يتقوى بهم الشخص؛ ولذلك تقول العرب للشخص الأبتر الذي ليس له عقب: (رجلٌ كَلٌّ).
والكلالة: وصف لحالة الميت الذي ليس له ولد ولا والد، وقد يطلق وصف الكلالة على الورثة للميت الذي لا ولد له ولا والد؛ فيقال: (ورَثَتهُ كلالة) أي: ورَثَتهُ ليس فيهم ولد له ولا والد. ولكنها في القرآن الكريم وردت وصفًا للميت.
كلمات
قال تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدا﴾ [الكهف: ١٠٩].
كلمات الله تعالى لا نهاية لها، واللّه تعالى في جميع الأوقات يحكم، ويتكلم، ويقول، ويفعل ما يريد.
وكلماته لعباده نوعان:
١ - كلمات كونية قدرية: وهي أحكامه وقدره وقضاؤه في خلقه، والكون كله داخل تحت هذه الكلمات، وهي الكلمات التامات التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجر، ولا أحد يستطيع تغييرها أو تبديلها.
ومن كلماته القدرية كلمة:
- الوعد بالنصر لرسله وأوليائه.
- وكلمة العذاب والشقاء على المكذبين.
- وكلمة الإمهال للعاصين.
٢ - كلمات دينية شرعية: وهي كتابه الكريم، وما أوحى به إلى أنبيائه وخاتمهم نبينا محمد ﵊.
وفي الآيات التالية فسّر العلماء الكلمات أنها اشتملت على النوعين: الكلمات القدرية، والشرعية؛ لأنها جاءت عامة.
* ﴿قُل لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدا﴾ [الكهف: ١٠٩] كلماته الكونية والشرعية.
стр. 256
* ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
* ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤].
(بِكَلِمَاته) بكلماته الشرعية المنزلة لإظهار الحق، والكونية التي لا تتغير ولا تتبدل.
* ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وهي كلمات الابتلاء التي امتحنه بها وهي كونية؛ كذبح ابنه. وشرعية؛ ككل عبادة أمره بها.
* ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
(وَصَدَّقَت بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا) أي: كلماته الكونية ومنها خلق عيسى ﵇، وكلماته الشرعية وكتبه المنزلة، والتصديق بها يقتضي العلم والعمل.
* ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
(يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) أي: يظهر الاسلام بكلماته الشرعية التي فيها أمرٌ لكم بالقتال ومحاربة العدو، وبكلماته الكونية التي تقتضي تحقيق الوعد بالنصر للمؤمنين.
* ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢] كلماته القدرية الكونية وآياته وبراهينه؛ فالآية جاءت في سياق سحرة فرعون. وكلماته الشرعية التي أنزلها على أنبيائه.
- أما في الآيات التالية ف (الكلمات) لها تفسيران كذلك: القرآن تحديدًا من الكلمات الشرعية، أو الكلمات الكونية القدرية.
* ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
جاءت في سياق الحديث عن القرآن فلها تفسيران:
١ - أنه القُرْآنَ فهو الصّادِقُ في أخْبارِهِ، العادِلُ في أحْكامِه
٢ - أنها كلماته الكونية القدرية: المشتملة على أحكامه وقضائه، ولا رادّ لها ولا خُلْف لما أراد.
* ﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 257
(وَكَلِمَاته) أي: كلماته الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم، وكلماته القدرية الكونية.
- وجاءت مفردة (الكلمات) بمعنى: الكلمات الشرعية:
* ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
(كَلِمَات) كلمات شرعية؛ وهي كلمات التوبة ليتوب بها إلى الله، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
* ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدا﴾ [الكهف: ٢٧].
(لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه) كلمات شرعية؛ وهي القرآن وما فيه من أحكام ووعد ووعيد، لا محرّف ولا مغير فيه.
- وجاءت مفردة (الكلمات) بمعنى: الكلمات القدرية الكونية التي تتعلق بالقضاء والقدر:
* ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤].
(لَا تَبدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) أي: كلماته القدرية؛ بالوعد بالجنة، والبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لأهل الإيمان؛ لا خُلفَ لوعده ولا تبديل ولا تغيير لكلماته.
* ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
(وَتَمَّت كلمة رَبِّكَ الحُسنَى) كلمات قدرية: وهي الوعد بالنصر لبني إسرائيل على فرعون؛ كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥].
- ومفردة (الكلمات) في الآيات التالية هي: كلمات الوعد بالنصر لرسله:
* ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١].
(كَلِمَتُنَا): الوعد بالنصر والتأييد؛ وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢]، وكما قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١].
* ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
(وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) كلمات الله: كلماته القدرية التي يكون بها النصر لأنبيائه.
стр. 258
- وتأتي مفردة (الكلمات) بمعنى: كلمته التي تقتضي إمهال العاصين وتأخير الجزاء إلى يوم القيامة، وعبّر عنها ب (كلمة سبقت)، (وكلمة الفصل):
* قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
(كَلِمَةٌ سَبَقَت) تكررت في القرآن خمس مرات، وكلها تفيد ذات المعنى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠].
* ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمّى﴾ [طه: ١٢٩].
* ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥].
* ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤].
* ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
* ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١].
- وجاءت مفردة (الكلمات) وهي: كلماته التي تقتضي وجوب الشقاء الأخروي لأهل الكفر:
* ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣].
(حَقَّت كَلِمَة) أي: وجبت عليهم كلمة: (أنهم لا يؤمنون) فهي تقتضي الختم والطبع لتمردهم؛ فلن يدخل الإيمان إلى قلوبهم.
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] أي: وجبت لهم كلمة الكفر والشقاء الأخروي، والعياذ بالله!
* ومثلها: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦]، كلمة: (أنهم أصحاب النار) أي: وجبت لهم، والعياذ بالله!
- وجاءت مفردة (الكلمة) وهي: (كن) التي خُلق بها عيسى ﵇؛ فعيسى ليس هو الكلمة؛ لأن كلام الله من صفاته، ولكنه خُلق بها.
قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩].
стр. 259
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَة منَ اللَّهِ) هو عيسى، سمي كلمة الله: لأنه خلق بها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
* ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
(وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ) قَوْلُهُ: «كُنْ» فَكَانَ بَشَرًا مِنْ غَيْرِ أَب.
انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٢٢).
كنتم
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ما معنى (كنتم)؟ وهل زالت الخيرية عنكم؟
الجواب: أن ل (كان) في القرآن الكريم معان مختلفة:
١ - معنًى يفيد الماضي المنقطع؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٤٨]، أي: كانوا فيما مضى من الزمن.
٢ - بمعنى الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرا﴾ [الإنسان: ٧] أي: سيكون … فهي تدل على أمر سيحدث في المستقبل.
٣ - بمعنى صار؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
٤ - وتأتي للدلالة على الوصف مجردة من الزمن؛ وهي كل ما يتصل بصفات الله تعالى؛ كقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرا﴾ [الفرقان: ٥٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، أي: أن الله متصف بكذا، وتحتمل كذلك معنى لم يزل على الدوام.
٥ - تدل على الحال، أو بمعنى: أنتم، أو ما زلتم؛ كقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (كنتم) هنا تعني: لا زلتم خير أمة.
وكذلك تأتي بمعنى: أنكم في علم الله خير أمة.
وقيل: أي: منذ آمنتم بالله؛ فالخيرية ملازمة لكم طالما أنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
* وكذلك: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] أي: إنه ما يزال هكذا؛ فقد خلقه الله ﵎ على هذه الصفة.
стр. 260
* ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينا﴾ [الإسراء: ٥٣] أي: ما يزال عدوَّ الإنسان منذ أمر بالسجود لآدم ﵇.
الكُنّس
قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦].
(الخنَّس): من الخنس؛ وهو التأخر في الظهور.
(الجوار): من الجري؛ وهي جمع: جارٍ.
(الكنَّس): جمع كانِس؛ وهي الوحوش أو الظباء التي تختفي في كِنَاسها.
والكِناس والمَكْنِسُ: هو بيت الوحش أو الظبي بين الأشجار.
وللمفسرين في الآية معنيان محتملان:
١ - أنها الكواكب والنجوم تتأخر في ظهورها، وتجري ثم تختفي في ضوء الشمس نهارًا، وتَكنِس في
أبراجها وأفلاكها.
٢ - أنها الظباء وبقر الوحش والوحوش بعامة، تجري ثم تختفي وتأوي إلى كِناسها وهو مأواها؛ تقول العرب: (دخل الظبي كِنَاسه) أي: أوى إلى مأواه الذي يختفي فيه بين الأشجار.
فائدة:
أما من فسّر (الجوار الكُنّس) من أصحاب الإعجاز العلمي بأنها: الثقوب السوداء التي توجد في السماء، أو المذنبات وهي تكنس السماء من جميع الغبار وبقايا النجوم المندثرة، فهي بعيدة عن المعنى وقد ناقشها أستاذ التفسير الأستاذ الدكتور/ مساعد الطيار في كتابه: (الإعجاز العلمي إلى أين؟) وهو مدرج في المكتبة الشاملة لمن أراد الرجوع إليه والاستزادة.
стр. 261
حرف اللام
لازب
قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَّازِبِ﴾ [الصافات: ١١].
(لازِبٍ) أي: لاصق؛ فالتراب إذا خلط بالماء لزب، وأصبح لَزِجًا متلاصقًا شديد التماسك والثبوت مع بعضه البعض.
وهذه مرحلة من مراحل خلق الإنسان:
* فالمرحلة الأولى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠].
فبداية الخلق من تراب؛ قال النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض؛ فجاء بنو آدم على قدر الأرض: فجاء منهم الأبيض، والأحمر، والأسود، وبين ذلك. والخبيث والطيب، والسهل والحَزَن، وبين ذلك» صحيح الجامع (١٧٥٩).
* المرحلة الثانية -الآية التي سبق ذكرها-: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَّازِبِ﴾ [الصافات: ١١] والطين: هو التراب المخلوط بالماء؛ فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَّاءٍ﴾ [النور: ٤٥].
* المرحلة الثالثة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦].
(الحمأ المَسْنُون) الحمأ: الطين إذا تغير لونه للسواد. والمسنون: إذا تغيرت رائحته؛ كالماء الآسِن يَأْسَن من طول المكث -وهو الراجح - فإذا طال مُكْث الطين تغير لونه ورائحته.
* المرحلة الرابعة: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤].
(صَلْصَالٍ) إذا أصبح صلبًا ويبس وجفَّ يكون صلصالًا، قيل: وسمي (صَلصَالًا)؛ لأنه إذا نُقر عليه يُسمع له صوتُ صَلِيل كالفخار.
ثم خلق ذريته من سلالة من ماء مهين، ثم كانت بداية خلقه في رحم الأم من نطفة.
لِبَدًا
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا﴾ [الجن: ١٩].
(لِبَدًا) من اللبدة: وهي الكومة الملتصقة بعضها ببعض؛ أي: كادوا يتراكبون من كثرة التجمع عليه والتزاحم.
والمعنى: أنه لما قام النبي ﷺ يصلِّي، كاد الجنُّ لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضًا؛ حرصًا على سماع القرآن وما جاء به من الهُدى.
стр. 262
* ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦].
(لُبَدًا) من التلبُّد والاجتماع؛ أي: أتلفت مالًا كثيرًا، وأنفقته في الشهوات والملذات.
لجّوا
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١].
(لَجُّوا) اللجاج: هو المكابرة والعناد، والتمادي في الباطل ومجاوزة الحد فيه.
والمعنى: لو أمسك الذي يمدّكم بالرزق رزقه عنكم (وهو الله تعالى) فلم يطعمكم ويسقكم ويرزقكم؛ كيف يكون حالكم؟!
ثم يبيّن الله ﵎ أنهم لن يخضعوا للحق، بل سيزدادون عنادًا وكفرًا ونفورًا، وهذه حال أهل الكفر والاستكبار: التمادي فيه حتى لو حرموا من الرزق؛ فقد عشعش الكفر والعناد في عقولهم، فلا يردعه رادع.
* ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥].
(لَلَجُّوا) أي: لتمادوا واستمروا في طغيانهم حائرين مترددين.
* ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠].
(لُجِّيٍّ) أي: تمادت أمواجه، وارتفعت وتلاطمت.
* ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤]، (لجة) أي: حسبته ماءً له عمق؛ فكشفت عن ساقيها وحسرت ثيابها لخوضه، ولم تتفطن للزجاج الذي يغطيه.
اللذان
قال تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٦].
(واللذان يَأتِيَانِهَا) من هم المشار إليهما ب (اللذان)؟
فيها عدة أقوال، منها:
- القول الأول: في تفسير العثيمين ﵀: (اللَّذَانِ) يراد بهما اللائطان؛ الرجل يلوط بالرجل -والعياذ بالله- لأن الآية السابقة تحدثت عن النساء: ﴿وَالَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِّسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]،
стр. 263
وفي هذه الآية قال: (واللذان يَأتِيَانِهَا مِنْكُمْ) أي: منكم أيها الرجال، ولم يقل: (من نسائكم) فدل على أن الفاحشة ذكورية: فعل قوم لوط عياذًا بالله!
بقي سؤال: لماذا عبَّر في حق النساء بالجمع (اللَّاتِي) وفي حق الذكور بالمثنى (اللَّذَان)؟
والجواب: لأن فُشُو الزنا في النساء أكثر من فشو اللواط في الذكور.
- القول الثاني -وهو قول أكثر المفسرين-: (واللَّذَان) أنهما الرجل والمرأة إذا ارتكبا الفاحشة.
لظى
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج: ١٥].
(لَظَى) قيل: هو اسم لنار جهنم؛ وأصل كلمة لظى من (اللزوم)؛ تقول العرب: (ألَظَّ بكذا) أي: لزمه وألح فيه. و (رجل مِلْظَاظ) أي: ملحاح؛ ومن ذلك سميت النار (لظى): للزوم العذاب، ودوام الاشتعال.
* ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
(تَلَظَّى) أي: تشتعل وتتوهج؛ فهي دائمة الاشتعال لا تفتر، وملازمة للكَفَرة لا يخرجون منها، نسأل الله السلامة!
ومن ذلك ما جاء في الحديث الشريف: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» صحيح الجامع (١٢٥٠) أي: الزموا هذا الدعاء وألِحّوا به.
لُعن
قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨].
(عَلَى لِسَانِ داوود وَعِيسَى) أي: بلسانهما وشهادة منهما وإقرار.
ولكن لماذا؟
(بِمَا عَصَوا وكانوا يعتدون): لتكرار العصيان منهم والعناد، واعتدائهم على حق الله تعالى:
- ففي عهد داود ﵇ اعتدوا في يوم السبت الذي حرّم الله عليهم فيه الصيد؛ فلعنهم داود: فمسخهم الله قردة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].
- وفي عهد عيسى ﵇ كفروا بعد نزول المائدة عليهم؛ فلعنهم عيسى. وقيل: إن الله مسخهم خنازير بسبب ذلك، والله أعلم.
стр. 264
وقد ورد مسخهم خنازير في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠].
ولكن تعيين سبب المسخ غير معلوم؛ فقد يكون لكفرهم بعد نزول المائدة، أو لسبب آخر.
لمسنا
قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبا﴾ [الجن: ٨].
(لَمَسنَا) أي: أتيناها وطلبنا خبرها، كما جرت بذلك عادتنا قبل بعثة النبي ﷺ ، فوجدناها محروسة حراسة شديدة.
فاللمس هنا بمعنى: معالجة الأمر وفحصه، وليس اللمس على الحقيقة.
أما معنى اللمس على الحقيقة: فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧].
(فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِم) فقيد اللفظ بقوله: (بأيديهم)؛ لتأكيد المعنى أنه باليد، وليس مجرد استخبار واستعلام.
لوّاحة
قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩].
هذه الآية ذكرها الله في وصف جهنم أنها (لوَّاحة)، وهو لفظ مبالغة من (لوَّح)، وله معنيان، والأول أظهر:
١ - من اللفح والتلويح: لأنها تلفح مَنْ يدخلها بشدة لهبها وحرارتها؛ فتغيّر لونه وتحرقه.
٢ - أي: تَلُوح وتظهر لأنظارهم في أرض المحشر لعظمها من مسيرة خمسمائة عام، فهو كقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦].
(للبشر) يجوز فيها كذلك معنيان:
١ - البشَر: جمع بشرة، وهو الجلد؛ فهي مسوِّدة للجلد فتجعله أسود محترقًا.
٢ - والبشر: هم الناس بأنفسهم؛ فتجعلهم محترقين بلا موت، نسأل الله السلامة والعافية!
لِواذًا
قال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
(لِوَاذًا) يتسللون لِوَاذًا: (اللواذ) هو الاستتار.
стр. 265
والمعنى: ينصرفون من المجلس خِفْية مستترين خلف بعضهم، أو بشيء يحجبهم لئلا يراهم أحد عند انصرافهم، وهؤلاء هم المنافقون: إذا حضروا مجلس رسول الله ﷺ تسللوا بالخروج خِفْية؛ لئلا يراهم أحد.
فائدة:
قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا) أي: لا تنادوه كما تفعلون مع بعضكم بالاسم المجرد: يا محمد، بل وقروه وشرفوه بقولكم: يا رسول الله، أو: يا نبي الله.
стр. 266
حرف الميم
مأتيّا
قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّا﴾ [مريم: ٦١].
(مَأْتِيًّا) لم يقل: «آتيا» بل قال: «مَأْتِيًّا» وفيها مزيد توكيد وزيادة معنى من وجوه:
١ - أن الوعد مأتيٌّ، أي: محقَّق الإتيان وحاصل لا محالة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤].
٢ - أن الجنة -وهي وعده المراد في الآية- مأتيّة، أي: مذلّلة الإتيان، فسيُؤتى بها وتقترب يوم القيامة فيراها المتقون فيستبشرون بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١]، وقوله ﵎: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣]، أي: قُرِّبت وأُدنيت.
٣ - أنها مأتيٌّ إليها: فسوف تأتون إليها وتدخلونها يا أولياء الله.
٤ - أنها ميسّرة الإتيان لمن أراد أن يأتيها؛ وذلك بتيسير أسبابها وارتقاء درجاتها لأوليائه الصالحين.
مبصرة
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفا﴾ [الإسراء: ٥٩].
(مبصرة) من الوضوح والنور، وأصل المعنى من البصر؛ أي: ليراها الناس ويبصروها.
والمعنى: أعطينا قوم صالح الناقة آية واضحة بينة لا لبس فيها.
* ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] أي: بينة واضحة.
* ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَة﴾ [الإسراء: ١٢] أي: منيرة مضيئة للناس ليسعوا في مصالحهم.
متاع
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٩].
(متاع) المتاع هنا لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - متاع: من المتعة والمنفعة؛ أي: لكم حق دخولها للمتعة، والمنفعة بنزولها أو قضاء حاجة.
٢ - متاع: من الأمتعة؛ أي: لكم فيها أمتعة وهي غير مسكونة كبيوت مهجورة، أو يؤجرها التجار.
стр. 267
وقد كانوا إذا وقفوا أثناء تنقلاتهم ببيوت خربة غير مسكونة، يضعون بعض رحالهم ليعودوا إليها، فقد أباح الله تعالى رفع الاستئذان في دخول الأماكن العامة التي أعدت سبيلًا للناس؛ لأن الاستئذان إنما هو لخوف كشف العورات، والاستئذان في ممتلكات الغير لحفظ الحقوق والخصوصيات.
متحرّفًا
قال تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٦].
(متحرِّفًا) من الانحراف؛ وهو الميل من جهة لأخرى.
والمعنى: إلا أن يكون فراره من الأعداء خدعةً يريد به الانحراف والميل إلى جهة أخرى، وليس انحراف الهزيمة والتراجع.
(متحيِّزًا) الانحياز: هو كَمَنْ رأى نفسه منفردًا وحده فانْضم إلى جماعة من المسلمين؛ ليتقوّى بهم أو يعينهم، وليس بهدف التخلّي عن مكانه أو الفرار.
مَتْرَبة
قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦].
(ذَا مَتْرَبَةٍ) تقول العرب للرجل إذا افتقر: (تَرِبَ الرّجُل).
و (مسكينًا ذا مَتْرَبَةٍ) أي: مسكينًا شديد الحاجة والفقر.
وأصل وصف المسكين بالمتربة؛ لأنه ينطرح على التراب لشدة الحاجة، أو ليس له مأوى إلا التراب.
ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف: «فاظفر بذات الدِّين تَرِبَتْ يداك». صحيح البخاري (٥٠٩٠).
أصل معناه: امتلأت يدك ترابًا من الفقر والحاجة. وهو قول دارج لا يقصد به الدعاء على الشخص بالفقر، ولكن يقصد به الخسارة.
والمعنى: اظفر بذات الدين فتركها خسارة.
وذلك كقول: (ثَكِلَتْك أمُّك) فإنه لا يقصد منه الدعاء بالفقد، ولكنها أقوال دارجة قديمًا تشير إلى أهمية ما يدعو إليه.
فوائد:
- (تَرِبَ الرّجُل) أي: افتقر فليس له إلا التراب.
- (أترب الرجل) أي: اغتنى وكثر ماله حتى صار كعدد التراب.
- (وتَرِبَ الرّجل بعدما أَتْرَب) أي: افتقر بعد الغنى.
стр. 268
المتوسمين
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].
(للْمُتَوَسِّمِينَ) أي: للمعتبرين الناظرين؛ فالتوسم من: العقل والفطنة، والفراسة وحِدّة الفكر، والتأمل المؤدي إلى الاعتبار وأخذ العظة؛ فالتوسم: هو معرفة الشيء بِوَسْمِه؛ أي: بآثاره.
فالمسلم مطالب أن يتفكر وينظر في آثار الشيء وعواقب الأمور، فيأخذ منه المواعظ والدروس.
متوفيك
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥].
(متوفيك) لها عدة معان:
١ - من استيفاء الشيء؛ يعني: مستوفٍ مدة إقامتك بين قومك.
٢ - أي: مستلمك وقابضك حيًّا بروحك وجسمك.
٣ - أي: رافعك وافيًا سليمًا لم ينالوا منك.
٤ - أي: متوفيك وفاة النوم.
وكلها لا تتعارض، أما متوفيك الوفاة الحقيقية فليس هو المقصود.
(مطهرك) أي: مخرجك من بين رجس الكفار.
مثابة
قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا﴾ [البقرة: ١٢٥].
(مَثَابة) تقول العرب: (ثاب إلى رشده) أي: رجع إلى عقله.
ومعنى (مثابة) أي: مرجعًا يثوبون إليه، ومنه: (تثويب المؤذن) أي: ترديده وتكراره لجملة معينة.
ومعنى قوله: (مثابة للناس وأمنًا) أي: مرجعًا للناس يتردّدون إليه ويتحصلون على منافعهم، ومَعَاذًا يأمنون فيه وتسكن إليه أرواحهم، يأتونه كل عام ويرجعون إليه مرة بعد مرة، ويشتاقون للعودة في كل مرة.
وقيل: مثابة كذلك تدل على كثرة الثواب والأجر فيه.
فائدة:
في كلمة (مثابة) دلالة تكرار وكثرة؛ أي: هذا المكان جُعِلَ للإثابة؛ فيدل على:
- كثرة مَنْ يثوب إليه للعبادة.
- وكثرة مَنْ يأتيه مِنْ أقطار الدنيا.
стр. 269
- وكثرة المثابة إليه مرة بعد مرة.
- وكثرة الثواب فيه ومضاعفات الأجور.
- وكثرة الاجتماع فيه لمنافع شتَّى.
- وفي كلمة (أمنًا) مدلول واسع أيضًا، انظر: حرف الألف (أمنًا).
مثبورًا
قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
(مَثْبُورًا) الثبور: هو الهلاك.
والهلاك هنا: هو لعنة الله التي ستلحق فرعون؛ فيُحرَم الخير كله.
* ومثلها في أصل المعنى كلمة: (ثبور) في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورا﴾ [الانشقاق: ١١].
(ثُبُورًا) أي: يدعو على نفسه بالهلاك كعادتهم عند المصائب فيقولون: (واويْلاه)، (واثبوراه) من شدة الهم والغم والألم، نسأل الله السلامة!
* وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرا﴾ [الفرقان: ١٣ - ١٤].
(ثُبُورًا كَثِيرًا) أي: أن أهل النار إذا أُلْقُوا فيها يدعون بالثُّبور والعياذ بالله؛ كما قال تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورا﴾، فيقولون: واهلاكنا، واثُبورنا … وما أشبه ذلك.
فيقال لهم: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرا﴾، على سبيل التوبيخ؛ لأن العادة أن الرجل إذا دعا بالثُّبور في الدنيا قد يُرحَم، ولكنهم هناك لا يُرْحَمون.
فيقال لهم: إنّ دعواكم بالثُّبور لا تفيدكم ولا أحد سيرحمكم، فادعوا ثبورًا كثيرًا؛ فالعذاب سيستمر، فيجتمع عليهم العذاب النفسي والعذاب البدني، نسأل الله العافية!
المَثُلات
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦].
(الْمَثُلَات) أي: العقوبات، ومفردها: مَثُلَة؛ يقال: (أمثل السلطان فلانًا) أي: قتله عقوبة.
والمعنى: ويستعجلونك -أي: كفار قريش- بالسيئة قبل الحسنة؛ أي: يستعجلونك بطلب العذاب والعقوبة قبل العافية والرخاء.
стр. 270
فالسيئة هنا تعني العذاب؛ فهم يستهزؤون ويطلبون تعجيل العذاب (وقد خلت من قبلهم الْمَثُلَات) أي: وقد سبقت من قبلهم العقوبات للمكذبين مثلهم بما فيه العظة والعبرة.
المِحال
قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣].
(شَدِيدُ الْمِحَالِ) لها معان كلها صحيحة لا تتعارض:
١ - المحال: من الحول.
أي: وهو شديد الحول والقوة والقدرة؛ فلا حول لأحدٍ إلا بحوله تعالى وقوته.
٢ - من المَحْل: وهو الأخذ والشدة.
أي: شديد الأخذ والعقوبة للظالمين، لا يستعصي عليه شيء سبحانه، ولا يفوته هارب.
٣ - من المماحلة والمكايدة، والحيلة والتدبير.
أي: شديد المكر بمن يمكر، والكيد بمن يكيد.
المُحْتَظِر
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١].
(هشيم) الهشيم: يابس الشجر والحطب.
(المحتظر): صاحب الحظيرة التي يربي فيها الماشية.
والمعنى: بعد أن أهلك الله قوم ثمود بالصيحة أصبحوا كالهشيم المتفتت الذي يجمعه صاحب الحظيرة ويستخدمه في حظيرته أو علف ماشيته … نسأل الله السلامة!
المحراب
قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقا﴾ [آل عمران: ٣٧].
(المحراب) في اللغة يطلق على عدد من الأماكن:
- المحراب: مكان مخصص لإمام المسجد يتقدم فيه الناس للصلاة، وهو المعروف.
- والمحراب: حُجرة في المعبد أو المسجد مخصصة للخَلوة والعبادة، وهي المقصودة في آية مريم هذه، ومثلها قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا﴾ [مريم: ١١] أي: من مُصلّاه، أو مكان خلوته للعبادة.
стр. 271
- والمحراب: كل بناء مشرف ومرتفع.
- وكذلك: صدر البيت، وأكرم موضع فيه يسمى: المحراب.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
يحتمل المعنى في الآية جميع المساجد والأبنية المرتفعة؛ كالقصور والمساكن والأبراج.
محرّرًا
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥].
(مُحَرَّرًا) أي: خالصًا من أي قيد من أعمال الدنيا، متفرغًا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، لا يُسخَّر لشيء سوى ذلك، والمقصود بها: مريم الصديقة ﵂.
محصنين
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].
(مُحصِنِينَ) من الإحصان، والإحصان يحصل للرجل وللمرأة بالزواج.
(غَيْرَ مُسَافِحِينَ) من السِّفاح: وهو الزنا؛ أي: غير مرتكبين لفاحشة الزنا.
(وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) من الخِدن، وهو: الصّاحب والصّاحبة.
أي: غير منفردين بصاحبات في الخفاء يعاشرونهن بالزنا.
والمعنى الإجمالي: اليوم: هو يوم اكتمال الدِّين وإتمام الشريعة وبيان الحلال والحرام، وهو يوم نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ … ﴾ [المائدة: ٣].
فبين الله تعالى الطيبات التي أحلها لهم، ومنها: ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى دون باقي الكفار.
ومما أحلّ لهم كذلك: المحصَنات، وهنّ: الحرائر العفيفات من المسلمات. وأيضًا الحرائر العفيفات من اليهود والنصارى، وشرط هذا الزواج بالمسلمات الحرائر والكتابيات هو: إيتاؤهن مهورهن. طالبين بزواجكم بهن الإحصان والعفة لكم ولهن من كل أشكال الزنا: العلني منها، أو اتخاذ الخليلات بالسر.
стр. 272
فزواج الكتابيات قد يُغري البعض ويؤدي إلى الانحراف وتجاوز الحدود؛ لذلك قال تعالى معقبًا بعدها ومحذِّرًا: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله).
* ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤].
(محصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ) تبين هذه الآية الكريمة -مع ما قبلها- المحرَّمات من النساء، ومنهن النساء الحرائر العفيفات المحصنات؛ أي: المتزوجات.
إلا الإماء المملوكات بالسّبي والشراء، فيحل وطؤهن بعد الاستبراء ولو كنّ متزوجات.
(كتاب الله عليكم) أي: فرضٌ حكَم الله به عليكم، فاسمعوا وأطيعوا.
(وأحل لكم ما وراء ذلكم) أي: أحل لكم نكاح ما سواهن بطريق شرعي.
(أن تبتغوا بأموالكم) أي: بالعقد ودفع المهر.
(محصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِين) أي: طالبين بذلك الإحصان والعفة، لا الزنا والفجور.
* ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
(مُحصَنَاتٍ غَيرَ مُسَافِحَات وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخدَان) كالمعنى السابق، ولكنه شرط في حق الإماء المملوكات، بأن يتم الزواج بهن في حال كونهن محصنات غير طالبات للزنا والفجور علنًا، ولا مع الأخلاء سرًّا.
وقد بين مطلع الآية شرط نكاح الأمة: فالرقيقات من الإماء المسلمات لا يباح نكاحهن للأحرار المسلمين إلا بشرطين:
١ - عدم توفّر المال.
٢ - الخوف من العَنَت والوقوع في الحرام.
مَحِيص
قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَّحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥].
(محِيصٍ) وأصل الكلمة من: حاص، ومحاص.
والمعنى يدل على صعوبة التخلص والروغان، ومحاولة التّفلّت من الورطة؛ ولذلك تقول العرب: (وقعوا في حَيْصَ بَيْص) أي: في ورطة يصعب التخلص منها.
стр. 273
ومعنى الآية الكريمة: وليعلم الذين يجادلون في آيات الله ليبطلوها بباطلهم، أنهم وقعوا في عقاب سيحل بهم، ولن ينقذهم منه منقذ.
- ومثلها في المعنى الآيات التالية:
* ﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصا﴾ [النساء: ١٢١].
(محيصًا): ما لهم من مفر ومهرب.
* ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].
(محيص): لا سبيل إلى الخلاص منه.
* ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨].
(محيص) أي: لا مفر من العذاب.
* ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَّحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦].
(محيص) أي: لا مهرب ولا خلاص؛ أي: بحثوا وسلكوا كل طريق ليبقيهم بعيدًا عن الموت الذي لا مفر منه، فلم يجدوا.
مخضود
قال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨].
(السدر) هو: شجر النَّبْق.
(مخضود): لها معنيان لا يتعارضان:
١ - من (خَضَد الشوكَ) أي: ثناه لئلا يؤذي.
والمعنى: منزوع شوكه، أو لا شوك فيه، فالله تعالى يجعل مكان كل شوكة ثمرة.
٢ - من (خَضَد الغصن) أي: انثنى من شدة حمله، فهو موقر ثقيل بحمل الثمار.
وفي الحديث الشريف: أقبلَ أعرابيٌّ يومًا فقال: يا رسولَ اللهِ، ذكرَ اللهُ في الجنَّةِ شجرةً مؤذيَةً، وما كنتُ أرَى أنَّ في الجنَّةِ شجرةً تؤذي صاحبَها! قال رسولُ اللهِ، وما هيَ؟ قال: السِّدرُ؛ فإنَّ لهُ شَوكًا مؤذيًا! قال رسولُ الله ﷺ : «أليسَ اللهُ يقولُ: (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ) خَضَدَ اللهُ شَوكَهُ، فجعلَ مكانَ كلِّ شَوكةٍ ثمرةً؛ فإنَّها لتُنبتُ ثمرًا تفتَّقُ الثَّمرةُ منها عن اثنَينِ وسبعينَ لَونًا من طعامٍ، ما فيها لَونٌ يُشْبِهُ الآخرَ». صححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب (٣٧٤٢).
стр. 274
مخمصة
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
(مَخْمَصة):
تقول العرب: (خَمَصَ البطن) أي: خلا وفرغ وضمَر من الجوع، و (المخمصة): المجاعة؛ ومنه الحديث الشريف: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصًا وتروح بطانًا» صحيح الجامع (٥٢٥٤).
(خماصًا) أي: جائعة ضامرة فارغة البطن.
المدحضين
قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
(فَساهَمَ) أي: اقترع مع أهل السفينة.
(فكان من المُدحضين):
أصل معنى (الدحض) هو: الزلق وعدم الثبات والإزالة، ويستعمل معنويًّا للخسارة والزوال؛ تقول العرب: (دَحَضت قدمه) أي: انزلقت ولم تثبت، وأُزيحتْ عن مكانها.
ومنها ما جاء في الصحيح في وصف الصراط أو الجسر يوم القيامة بأنه: «دحضٌ مزلة» أي: مزلقة للأقدام لا تثبت عليه.
والمعنى في الآية الكريمة يشمل المعنى المادي والمعنوي معًا؛ فيونس ﵇ كان من المغلوبين في القرعة فلم تكن له حجة في الرفض، ومن المُزالين من السفينة.
* ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ [الشورى: ١٦].
(دَاحِضَةٌ) أي: باطلة زائلة لا تثبت.
стр. 275
* ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوا﴾ [الكهف: ٥٦].
(لِيُدْحِضُوا) أي: ليزيلوا الحق ويبطلوه.
مدهامّتان
قال تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢ - ٦٥].
(مُدهَامَّتَانِ) أي: شديدتا الخضرة.
ف (الدُّهْمَةُ): السوَاد. و (الخيل الأدهم): هو الأسود. و (الحديقة الدهماء): هي الخضراء تضرب إلى السواد من شدة الاخضرار والريِّ.
والمعنى: اشتدت خضرتهما وأصبحت داكنة من كثرة الري.
فائدة:
في الحديث الشريف حينما سئل ﵊ كيف يعرف أفراد أمته يوم القيامة؟ فقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» الموطأ (٢٨).
(دُهْمٍ بُهْمٍ) أي: سوداء داكنة السواد.
والمعنى: يعرف أمته ببياضهم ونورهم من أثر الوضوء بين سواد الناس.
مدهنون
قال تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١].
(مدهنون) من المداهنة: وهي النفاق والمصانعة.
والمعنى: أَبَعْدَ ظهور براهين صدق هذا الحديث أنتم تكذبون؟! فليس إصراركم على التكذيب بعد ذلك إلا مداهنة ومصانعة لقومكم؛ تخشون إن صدّقتم بهذا الحديث أن تزول رئاستكم ومصالحكم.
* ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أي: يود كفار قريش لو أنك تُدهن وتلين لهم وتصانعهم
في الدِّين، فتترك ما أنت عليه من الحق؛ فيلاينونك ويصانعونك ويراؤونك، فتعبد الله ﵎ وتعبد آلهتهم حتى يفعلوا مثلك.
стр. 276
مدينين
هذه المفردة تتعلق بالمفردة السابقة بمعنى: (الحساب والجزاء):
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦ - ٨٧].
(غَيْرَ مَدِينِينَ) أي: غير محاسبين وغير مَجْزِيِّينَ بأعمالكم.
فالله تعالى هو الديَّان؛ أي: المجازي والمحاسب. و (يوم الدين): هو يوم الجزاء والحساب.
والمعنى: فلو كنتم غير محاسَبين وتنكرون الحساب والرجوع إلى البعث، فهلّا أعدتم هذه النفوس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول في أجسادها إن كنتم صادقين.
﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣].
(لَمَدِينُونَ) لمحاسبون ومجزيُّون على أعمالنا بعد كوننا ترابًا وعظامًا.
فائدة:
ومنها قوله ﷺ : «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ» والحديث ضعفه الألباني في سنن الترمذي (٢٤٥٩).
(دان) أي: حاسب نفسه.
ومنه كذلك: (كما تدين تدان) أي: كما تعامِل غيرك تُجازى، وكما تفعل يفعل بك.
مُراغَمًا
قال تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَة﴾ [النساء: ١٠٠].
(مُرَاغَمًا) أصل الكلمة من (الرُّغْم) وهو الذل، و (راغم قومه) أي: نبذهم وهجرهم، والمراد: متنفّسًا يتحول إليه، وفُسحة من الأرض يسكنها على رغم أنوف أعدائه الذين آذوه؛ فيهجرهم ويجد بديلًا خيرًا من البقاء معهم، ففي هجرته مُراغمة للأعداء وإغاظة لهم.
مِرَّة
قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم: ٥ - ٧].
(ذُو مِرَّةٍ) أي: ذو قوة وشدة؛ تقول العرب: (أمْرَرْتُ الحَبْل) أي: فَتَلْتُه بإحكام. وكما في الحديث الشريف: «لا تَحِلُّ الصَّدقة لغنيٍّ، ولا لِذي مِرَّةٍ سَويٍّ» صحيح الجامع (٧٢٥١) (ذي مِرَّةٍ) أي: لذي قوة قادر على الكسب.
(فَاسْتَوَى) الاستواء في اللغة له معنيان:
١ - الكمال؛ كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْما﴾ [القصص: ١٤].
стр. 277
٢ - العلو: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣].
ومنه قوله تعالى فيما وصف به نفسه: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: علا على العرش عُلُوًّا يليق بجلاله.
فمعنى قوله تعالى: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) وهو جبريل ﵇؛ أي: كمُل في حسن خِلْقَتِه وفي قوته وأدائِه، وعلا وارتفع في الأفق عندما ظهر للنبي ﵊ على صورته الحقيقية.
المرسلات
قال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفا﴾ [المرسلات: ١].
وهو قسَمٌ من الله تعالى على البعث والجزاء، واختلف المفسرون فيه على قولين:
١ - منهم من قال: هي الرياح.
(المرسلات) وهي الرياح الطيبة يرسلها الله تعالى لعباده.
(عُرفًا) لها معنيان:
الأول: مرسلة بالمتعارف عليه عند الناس، فتجلب لهم الخير والمعروف.
الثاني: من التّتابع؛ أي: الرياح المتتابعة؛ تقول العرب: (الناس عُرفٌ واحد) إذا كثروا وتتابعوا.
ثم قال بعدها: (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا) وهي الرياح العاصفة التي تجلب الضرر لشدتها.
ثم قال: (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) وهي الرياح تنشر السُّحُب والمطر في كل مكان.
ثم قال: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا) وهي الرِّيَاحُ تُفَرِّقُ السَّحَابَ وَتُبَدِّدُهُ.
فيكون الوصف في الأربعة الآيات السابقة لأنواع الرياح.
٢ - ومنهم من فسر الآيات الخمس كلها بالملائكة.
(والمرسلات) هي الملائكة التي يرسلها الله ﵎ بشؤونه القَدَرِية لتدبير العالم، وبشؤونه الشرعية ووحيه إلى رسله.
(عُرفًا):
- بالمعنى الأول؛ أي: أرسلت بالعُرْف والحكمة والمصلحة، لا بالنُّكر والعبث.
- وبالمعنى الآخر: الملائكة يتبع بعضها بعضًا بما ترسل من أمر الله.
стр. 278
(فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا) الملائكة يرسلها الله ، ووصفها بالمبادرة لأمره، وسرعة تنفيذ أوامره
كالريح العاصف.
(وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) الملائكة تنشر ما أمِرت بنشره.
(فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا) الملائكة تأتي بما يُفَرِّقُ بين الحق والباطل.
(فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) الملائكة تلقِي أشرف الأوامر إلى الرسل؛ وهو الذِّكْر الذي يرحم اللهُ به عبادَه، ويذكّرهم فيه بمنافعهم ومصالحهم، والله أعلم بمراده!
مِرفقًا
قال تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقا﴾ [الكهف: ١٦].
(مِرْفَقا) أصل الكلمة من (المِرفَق) ومن (الرِّفق):
ف (المِرفق): في اليد، وهو الذي يُتّكأ عليه، ويحصل به الرفق. و (المرافق): هي الأشياء التي يُنتفع بها؛ من بناء أو غذاء أو كساء، وكما نقول: (مَرافق الدار) أي: منافعها.
والمعنى: يجعل لكم من أَمركم الصعب الذي وقعتم فيه ما تنتفعون به، وما فيه الرفق بكم مخرجًا ونجاةً ورزقًا.
* ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].
(مُرتَفَقًا) والمُرْتَفَقُ: هو المجلس والمَكانُ الذي يَتكئ فيه الإنسان ويَنتفع به.
وقيل: من المرافقة كذلك والاجتماع؛ أي: ساءت مجتمعًا.
* ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقا﴾ [الكهف: ٣١].
(مُرْتَفَقا) كالسابقة؛ أي: حَسُنت مجلسًا ومنزلًا، وحَسُنت مجتمعًا.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
(المَرَافِقِ) جمع (مِرْفَق) وهو: مرفق اليد المعروف. ويقال: سُمِّي مرفق اليد مرفقًا: لأن الإنسان يحصل له به الرفق؛ فيتكئ عليه وينتفع به.
стр. 279
مرية
قال تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩].
(مِريَة) تكررت هذه المفردة خمس مرات في القرآن الكريم، والمرْيَة في اللغة -بكسر الميم وضمها- لها معنيان:
١ - الجدل والمِرَاء.
٢ - الشك والتردد.
وجاءت هذه المفردة بهذا اللفظ في القرآن كلها بمعنى: الشك والتردد.
والمعنى: فلا تكن في شك من حال هؤلاء المشركين وعبادتهم وأنهم على الباطل.
* ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣]، أي: يشكون ويرتابون.
* أما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرا﴾ [الكهف: ٢٢].
المراء هنا بمعنى: الجدل؛ أي: لا تجادل وتحاجّ عن أمرهم وعِدَّتِهم إلا مراءً فيه علم ويقين.
* والمراء في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥] يصح فيه المعنيان:
١ - الشك؛ أي: بأيّ نعم ربك وفضله تشك يا ابن آدم؟!
٢ - الجدل؛ أي: بأيّ نعَم ربك وفضله تجادل وتماري يا ابن آدم؟!
* ومثلها: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] تحتمل المعنيين وكلاهما صحيح:
١ - أي: أفتجادلونه على ما يراه بعينيه؟!
٢ - أي: أفتكذبونه وتشكّكون في شيء يراه بعينيه؟!
وعبّر عنه بالمضارع (يرى)؛ لبيان استحضاره للرؤية، مما لا يدع مجالًا لنسيان ما رآه ﷺ في رحلتَي الإسراء والمعراج.
* وكذلك: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٦].
(فَتَمَارَوا) يصح فيها المعنيان كذلك:
١ - شككوا بالنذر، وهو إنذاره لهم بالعذاب الشديد.
٢ - تجادلوا استهزاءً مكذبين بها.
стр. 280
مَريج
قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥].
(مريج) من مَرِجَ الناس؛ أي: اختلطوا؛ وأصل المَرْج: الخلط، وسمي المرعى مرجًا: لاختلاط النبات فيه؛ فالمروج هي الأرض ذات النباتات المختلطة.
ومعنى الآية: أنهم كذّبوا بالحق، فاختلط عليهم الأمر والتبس عليهم الدِّين؛ فاضطربوا وضلوا.
* ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥].
(مارج) أي: مختلط.
والمعنى: من لهيب مختلط بالدخان.
* ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣].
(مَرَج) أي: خلطهما في ذهاب الماء وإيابه وحركته واضطرابه، ورغم ذلك فبينهما حاجز يمنع الامتزاج.
* ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩].
(مرج) أي: خليط ماء البحرين يلتقي ذهابًا وإيابًا بعضه ببعض، في برزخ وحاجز فلا يمتزجان، ولا يكتسب كل واحد منهما صفة الآخر.
المساجد
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾ [الجن: ١٨].
(المساجد) تشتمل على معنيين:
١ - جمع مسجِد: وهي الأماكن المخصصة للعبادة.
٢ - جمع مسجَد: وهي الأعضاء السبعة المخصصة للسجود.
فالمعنى: المساجد المعدة للصلاة والعبادة يجب ألا يُعبد فيها إلا الله. وأعضاء السجود يجب ألا تسجد بها لغير الله؛ كما تفعل بعض الأمم بالسجود لأمرائها.
مسبوقين
قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج: ٤١].
(بمسبوقين) أي: لا يفوتنا ولا يعجزنا أن نأتي بآخرين بدلًا منهم.
* ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠].
(بمسبوقين) أي: لا يفوتنا منكم أحد، ولا يعجزنا أن نعيده بعد الموت ونبعثه.
стр. 281
* ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤].
(يسبقونا) أي: يفوتونا ويعجزونا فلا نقدر عليهم.
* ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩].
(سَبَقُوا) أي: سبقوا الله وأفلتوا من عذابه فلا يقدر عليهم؛ وهم لا يعجزونه فهو لهم بالمرصاد.
* ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩].
(سَابِقِينَ) أي: ما كانوا ليفلتوا من عذابنا.
مستقر
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨].
(فَمُستَقَرٌّ) تشتمل على معنيين:
١ - مستقر مؤقت؛ وهو الدنيا على ظهر الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦].
٢ - مستقر دائم، ومنتَهَى يستقرون فيه، وغاية يُساقون إليها؛ وهي دار القرار في الجنة أو النار.
(وَمُستَودَعٌ) تشمل جميع المستودعات التي استودع الله فيها ابن آدم:
- مستودع في صلب الرجل.
- مستودع في رحم المرأة.
- مستودع في باطن الأرض بعد الموت حتى يُبعث.
* ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: ٦].
(مُستَقَرَّهَا) مستقرها المؤقت في دار الدنيا، والمستقر الأخير بعد الموت.
(وَمُستَودَعَهَا) كما في الآية السابقة.
مسجد
قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
(مَسْجِدٍ) أي: صلاة.
стр. 282
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) تشتمل على معنيين:
١ - التوجه إلى القبلة في الصلاة.
٢ - الإخلاص بالتوجه إلى الله وحده فيها.
والمعنى: توجهوا إليه في صلاتكم، وأقبِلوا على عبادته مخلصين؛ سواء في مسجد كانت، أو في أي مكان.
مَسْحًا
قال تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٢ - ٣٣].
(فَطَفِقَ مَسْحًا) فطفق؛ أي: جعل يفعل. ومسحًا: المسح فيه قولان:
١ - الضرب بالسيف؛ يقال: (مسح القوم مسحًا) أي: قتلهم قتلًا.
والمعنى: أن سليمان ﵇ عندما أَلْهَتْه الخيلُ عن ذكر ربه، تخلّص منها بالسيف قتلًا على سوقها وأعناقها؛ ندمًا منه على التهائه عن ربه.
ولا يقاس ملك سليمان وما أبيح له بعصرنا اليوم، فنستنكر ونستبشع قتله الخيل؛ فربما كان ذلك جائزًا في شريعته، كما هدد الهدهد بالذبح، وهو ما يرجحه السياق كذلك: فسياق الآيات يدور حول التحسر والندم والتوبة من فوات وقت الذّكر؛ لذلك تخَلَّصَ مما كان سببًا فيه.
وقال بهذا: ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والشيخ السعدي، وابن عثيمين، وغيرهم.
٢ - والقول الآخر: هو المسح باليد.
والمعنى: فلما عُرِضَتْ على سليمان بعضُ خيول جيشه المتميزة، وألهاه النظر إليها؛ تركها وقام إلى ذكر ربه، ثم عاد وأمر بِرَدِّ الخيل وجعل يمسح سوقها وأعناقها إعجابًا وإكرامًا لها؛ لأنها خيل الجهاد، وليس فرحًا بالدنيا.
وقال مثله: الطبري في تفسيره، والشيخ أبو بكر الجزائري، وغيرهم.
وفي الآية فائدة عظيمة وهي: سرعة الرجوع إلى الله، وترك كل ما يلهي عن طاعته.
المُسحّرين
قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ وردت مرَّتان: في [الشعراء: ١٥٣]، و [الشعراء: ١٨٥].
(المُسَحَّرِينَ) لها معنيان لا يتعارضان:
стр. 283
١ - المسحور أكثر من مرة؛ ف (المسحَّر): هو الذي سُحر مرة بعد مرة، حتى تمكّن منه السحر وغاب عقله وفقد رشده؛ فلا يقبل منه قول، ولا يُسمع منه نصح.
٢ - أي: من الذين لهم سَحْر وهو الجوف؛ أي: من الناس مثلنا بحاجة إلى الطعام والشراب، لست من الملائكة؛ ولذلك جاء في الآية بعدها: (ما أنت إلا بشرٌ مثلنا).
ومِن هذا المعنى ما جاء في حديث عائشة ﵂ حينما قالت: (مات رسول الله ﷺ بين سَحْري ونَحْري).
سحري؛ أي: جوفي (كل ما يشمل الرئة والبطن). ونحري: وهو أعلى عظام الصدر؛ والمقصود: مات
على صدري.
فائدة من تفسير «التحرير والتنوير»:
جاء بعد الآيتين في سورة الشعراء قول المشركين لنبي الله صالح: (ما أنت إلا بشرٌ مثلنا فأتِ بآية)؛ لتفيد إبطالهم لنبوَّته لكونه بشرًا مثلهم.
وفي الآية الثانية بزيادة واو عند قولهم لنبي الله شعيب: (وما أنت إلا بشرٌ مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين)؛ لتفيد إبطالهم لرسالته ودعوته؛ فكل ما جاء به كذب لبشريته ولاتهامه بالسِّحر.
فالآيات تبيّن عِظم الجُرم الذي يُقدم عليه المشركون كلما جاءهم نبي:
- اتهامه في عقله لإبطال حجته.
- إبطال نبوته لكونه بشرًا ومحاولة تعجيزه بطلب الآيات.
- إبطال رسالته وتكذيبه بِناءً على ما سبق.
مسكوب
قال تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١].
(مَسكُوب) مسكوب تشير إلى وصفين للماء:
١ - أنه دائم الانسكاب والانصباب. ويشمل ذلك كلَّ ماء مصبوب؛ كالشلالات التي نراها في الدنيا، والأنهار الجارية.
٢ - أنه يجري مسكوبًا على وجه الأرض من غير أخدود ولا وادٍ، على غير ما هو معروف في مياه الدنيا؛ فسبحان الله!!
стр. 284
مصانع
قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩].
(مصانع) كل بناء مشيّد محكم صُنْعُه؛ فيدخل فيه: القصور، والحصون، والأبراج، ومآخذ الماء من البرَك والأحواض، وغير ذلك مما كانوا يتباهون به، ومما بُني على وجه العبث والتفاخر؛ ففيه إشارة إلى ذم السرف والخيلاء، والالتهاء بالدنيا.
(لعلكم تَخْلُدون) أي: كأنكم تحسبون أنكم خالدون في هذه الأرض.
وفيها إشارة إلى ذم طول الأمل ونسيان الموت، والغفلة عما خُلقوا من أجله.
مِصرًا
قال تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١].
(مِصْرًا) لا تعني تحديدًا أرض مصر، بل تعني: أيّ مصر من الأمصار هبطتم فيها، وجدتم ما سألتم.
فالخطاب هنا لبني إسرائيل؛ فقد كانوا في التِّيه، وأنزل الله عليهم المَنّ والسَّلوى، فلما ملّوا وسئموا منها طلبوا من موسى ﵇ طعام أهل الدنيا؛ كالبقول والخضرة والبصل وغيره، فقال لهم: (اهبطوا) أي: ادخلوا أيّ بلد من البلدان لتجدوا فيها ما طلبتم.
* ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدا﴾ [يوسف: ٢١].
(مِصْرَ) مصر هنا: هي بلاد مصر المعروفة.
* ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩].
(مِصْرَ) أي: بلاد مصر.
* ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧].
(بِمِصْرَ) أي: ببلاد مصر.
* ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١].
(مِصْرَ) أي: بلاد مصر.
стр. 285
مُعَاجزين
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١].
(معاجزين) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - أي: ظانين أنهم يُعجزون الله ويفوتونه فلا يقدر عليهم.
٢ - أي: يُعَجِّزون الناس ويُثبِّطونهم عن اتباع النبي ﵊.
والمعنى: الآية تبين السعي الآثم لهؤلاء الكفرة، وهو ليس سعيًا للاهتداء والإفادة، بل سعي لمنع الناس وتعجيزهم عن الوصول إليها، وهؤلاء لن يعجزوا الله، بل مصيرهم نار جهنم، عياذًا بالله!
* ومثلها في المعنى الأول: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤].
(بِمُعْجِزِينَ) وقد تكررت كثيرًا في القرآن الكريم؛ أي: لن تفوتوا على الله وتعجزوه عن القدرة عليكم وعقابكم إن عصيتم.
معاذيره
قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥].
(مَعَاذِيرَهُ) لها معنيان:
الأول -وهو الراجح-: من العُذر، جمع معذرة.
فالمعنى: لو جاء بكل ما لديه من حجج وأعذار يوم القيامة، فهو (أي: بدنه) بصيرة عليه، وشاهد على أفعاله؛ فأعضاؤه ناطقة بكل أعماله.
ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧].
الثاني: جمع معاذِر بلغة أهل اليمن: وهي الستور والحجُب.
فيكون المعنى: لو احتال جاهدًا لستر جرائمه وحَجْبِها، لشهدتْ عليه أعضاؤه وجوارحه؛ فهي بصيرة وشاهدة عليه.
فائدة:
(ولو أَلقَى معاذيره): عبّر بالإلقاء هنا: ليبيّن أن الإنسان لو جاء بكل ما لديه من حجة، أو استنفد كل ما بإمكانه من حيلة وحُجُب لستر جرائمه ليدفع عن نفسه العذاب، لما نفعه؛ لأن أعماله مسجّلة وجوارحه بها ناطقة ..
следующие страницы →