Полный текст (544 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
* ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤].
(يسبقونا) أي: يفوتونا ويعجزونا فلا نقدر عليهم.
* ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩].
(سَبَقُوا) أي: سبقوا الله وأفلتوا من عذابه فلا يقدر عليهم؛ وهم لا يعجزونه فهو لهم بالمرصاد.
* ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩].
(سَابِقِينَ) أي: ما كانوا ليفلتوا من عذابنا.
مستقر
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨].
(فَمُستَقَرٌّ) تشتمل على معنيين:
١ - مستقر مؤقت؛ وهو الدنيا على ظهر الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦].
٢ - مستقر دائم، ومنتَهَى يستقرون فيه، وغاية يُساقون إليها؛ وهي دار القرار في الجنة أو النار.
(وَمُستَودَعٌ) تشمل جميع المستودعات التي استودع الله فيها ابن آدم:
- مستودع في صلب الرجل.
- مستودع في رحم المرأة.
- مستودع في باطن الأرض بعد الموت حتى يُبعث.
* ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: ٦].
(مُستَقَرَّهَا) مستقرها المؤقت في دار الدنيا، والمستقر الأخير بعد الموت.
(وَمُستَودَعَهَا) كما في الآية السابقة.
مسجد
قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
(مَسْجِدٍ) أي: صلاة.
стр. 282
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) تشتمل على معنيين:
١ - التوجه إلى القبلة في الصلاة.
٢ - الإخلاص بالتوجه إلى الله وحده فيها.
والمعنى: توجهوا إليه في صلاتكم، وأقبِلوا على عبادته مخلصين؛ سواء في مسجد كانت، أو في أي مكان.
مَسْحًا
قال تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٢ - ٣٣].
(فَطَفِقَ مَسْحًا) فطفق؛ أي: جعل يفعل. ومسحًا: المسح فيه قولان:
١ - الضرب بالسيف؛ يقال: (مسح القوم مسحًا) أي: قتلهم قتلًا.
والمعنى: أن سليمان ﵇ عندما أَلْهَتْه الخيلُ عن ذكر ربه، تخلّص منها بالسيف قتلًا على سوقها وأعناقها؛ ندمًا منه على التهائه عن ربه.
ولا يقاس ملك سليمان وما أبيح له بعصرنا اليوم، فنستنكر ونستبشع قتله الخيل؛ فربما كان ذلك جائزًا في شريعته، كما هدد الهدهد بالذبح، وهو ما يرجحه السياق كذلك: فسياق الآيات يدور حول التحسر والندم والتوبة من فوات وقت الذّكر؛ لذلك تخَلَّصَ مما كان سببًا فيه.
وقال بهذا: ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والشيخ السعدي، وابن عثيمين، وغيرهم.
٢ - والقول الآخر: هو المسح باليد.
والمعنى: فلما عُرِضَتْ على سليمان بعضُ خيول جيشه المتميزة، وألهاه النظر إليها؛ تركها وقام إلى ذكر ربه، ثم عاد وأمر بِرَدِّ الخيل وجعل يمسح سوقها وأعناقها إعجابًا وإكرامًا لها؛ لأنها خيل الجهاد، وليس فرحًا بالدنيا.
وقال مثله: الطبري في تفسيره، والشيخ أبو بكر الجزائري، وغيرهم.
وفي الآية فائدة عظيمة وهي: سرعة الرجوع إلى الله، وترك كل ما يلهي عن طاعته.
المُسحّرين
قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ وردت مرَّتان: في [الشعراء: ١٥٣]، و [الشعراء: ١٨٥].
(المُسَحَّرِينَ) لها معنيان لا يتعارضان:
стр. 283
١ - المسحور أكثر من مرة؛ ف (المسحَّر): هو الذي سُحر مرة بعد مرة، حتى تمكّن منه السحر وغاب عقله وفقد رشده؛ فلا يقبل منه قول، ولا يُسمع منه نصح.
٢ - أي: من الذين لهم سَحْر وهو الجوف؛ أي: من الناس مثلنا بحاجة إلى الطعام والشراب، لست من الملائكة؛ ولذلك جاء في الآية بعدها: (ما أنت إلا بشرٌ مثلنا).
ومِن هذا المعنى ما جاء في حديث عائشة ﵂ حينما قالت: (مات رسول الله ﷺ بين سَحْري ونَحْري).
سحري؛ أي: جوفي (كل ما يشمل الرئة والبطن). ونحري: وهو أعلى عظام الصدر؛ والمقصود: مات
على صدري.
فائدة من تفسير «التحرير والتنوير»:
جاء بعد الآيتين في سورة الشعراء قول المشركين لنبي الله صالح: (ما أنت إلا بشرٌ مثلنا فأتِ بآية)؛ لتفيد إبطالهم لنبوَّته لكونه بشرًا مثلهم.
وفي الآية الثانية بزيادة واو عند قولهم لنبي الله شعيب: (وما أنت إلا بشرٌ مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين)؛ لتفيد إبطالهم لرسالته ودعوته؛ فكل ما جاء به كذب لبشريته ولاتهامه بالسِّحر.
فالآيات تبيّن عِظم الجُرم الذي يُقدم عليه المشركون كلما جاءهم نبي:
- اتهامه في عقله لإبطال حجته.
- إبطال نبوته لكونه بشرًا ومحاولة تعجيزه بطلب الآيات.
- إبطال رسالته وتكذيبه بِناءً على ما سبق.
مسكوب
قال تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١].
(مَسكُوب) مسكوب تشير إلى وصفين للماء:
١ - أنه دائم الانسكاب والانصباب. ويشمل ذلك كلَّ ماء مصبوب؛ كالشلالات التي نراها في الدنيا، والأنهار الجارية.
٢ - أنه يجري مسكوبًا على وجه الأرض من غير أخدود ولا وادٍ، على غير ما هو معروف في مياه الدنيا؛ فسبحان الله!!
стр. 284
مصانع
قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩].
(مصانع) كل بناء مشيّد محكم صُنْعُه؛ فيدخل فيه: القصور، والحصون، والأبراج، ومآخذ الماء من البرَك والأحواض، وغير ذلك مما كانوا يتباهون به، ومما بُني على وجه العبث والتفاخر؛ ففيه إشارة إلى ذم السرف والخيلاء، والالتهاء بالدنيا.
(لعلكم تَخْلُدون) أي: كأنكم تحسبون أنكم خالدون في هذه الأرض.
وفيها إشارة إلى ذم طول الأمل ونسيان الموت، والغفلة عما خُلقوا من أجله.
مِصرًا
قال تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١].
(مِصْرًا) لا تعني تحديدًا أرض مصر، بل تعني: أيّ مصر من الأمصار هبطتم فيها، وجدتم ما سألتم.
فالخطاب هنا لبني إسرائيل؛ فقد كانوا في التِّيه، وأنزل الله عليهم المَنّ والسَّلوى، فلما ملّوا وسئموا منها طلبوا من موسى ﵇ طعام أهل الدنيا؛ كالبقول والخضرة والبصل وغيره، فقال لهم: (اهبطوا) أي: ادخلوا أيّ بلد من البلدان لتجدوا فيها ما طلبتم.
* ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدا﴾ [يوسف: ٢١].
(مِصْرَ) مصر هنا: هي بلاد مصر المعروفة.
* ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩].
(مِصْرَ) أي: بلاد مصر.
* ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧].
(بِمِصْرَ) أي: ببلاد مصر.
* ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١].
(مِصْرَ) أي: بلاد مصر.
стр. 285
مُعَاجزين
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١].
(معاجزين) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - أي: ظانين أنهم يُعجزون الله ويفوتونه فلا يقدر عليهم.
٢ - أي: يُعَجِّزون الناس ويُثبِّطونهم عن اتباع النبي ﵊.
والمعنى: الآية تبين السعي الآثم لهؤلاء الكفرة، وهو ليس سعيًا للاهتداء والإفادة، بل سعي لمنع الناس وتعجيزهم عن الوصول إليها، وهؤلاء لن يعجزوا الله، بل مصيرهم نار جهنم، عياذًا بالله!
* ومثلها في المعنى الأول: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤].
(بِمُعْجِزِينَ) وقد تكررت كثيرًا في القرآن الكريم؛ أي: لن تفوتوا على الله وتعجزوه عن القدرة عليكم وعقابكم إن عصيتم.
معاذيره
قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥].
(مَعَاذِيرَهُ) لها معنيان:
الأول -وهو الراجح-: من العُذر، جمع معذرة.
فالمعنى: لو جاء بكل ما لديه من حجج وأعذار يوم القيامة، فهو (أي: بدنه) بصيرة عليه، وشاهد على أفعاله؛ فأعضاؤه ناطقة بكل أعماله.
ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧].
الثاني: جمع معاذِر بلغة أهل اليمن: وهي الستور والحجُب.
فيكون المعنى: لو احتال جاهدًا لستر جرائمه وحَجْبِها، لشهدتْ عليه أعضاؤه وجوارحه؛ فهي بصيرة وشاهدة عليه.
فائدة:
(ولو أَلقَى معاذيره): عبّر بالإلقاء هنا: ليبيّن أن الإنسان لو جاء بكل ما لديه من حجة، أو استنفد كل ما بإمكانه من حيلة وحُجُب لستر جرائمه ليدفع عن نفسه العذاب، لما نفعه؛ لأن أعماله مسجّلة وجوارحه بها ناطقة ..
стр. 286
المعارج
قال تعالى: ﴿مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٣ - ٤].
(الْمَعَارِجِ) العروج: هو الصعود. فالمعارج: جمع (مَعْرَج) وهو: المصعد، أو الطريق الذي تصعد فيه الملائكة.
ففي الآية الكريمة وصف نفسه تعالى بذي المعارج؛ أي: ذي العلو والرفعة الذي له المعارج وتكثر العارجات إليه من الملائكة والصالحات؛ فهو وصف لله على الراجح وليس اسمًا.
وبين الله في الآية أن هذه المعارج لملائكته؛ فهم يصعدون إليه حول العرش في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
وقد عُرج برسول الله ﷺ في ليلة المعراج إلى الله ﵎ حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وحتى سمع صَرِيف الأقلام.
وإليه يصعد الكَلِم الطيب والعمل الصالح … فالأرواح المؤمنة والأعمال تصعد إليه؛ فالآية بعمومها تدل على علو الله تعالى على خلقه وجلاله وعظمته.
* ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤].
(يَعْرُجُونَ) أي: يصعدون.
* ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
(يَعْرُجُ فِيهَا) أي: يصعد إليها ويدخلها.
وقد تكرر العروج في القرآن وهو بنفس المعنى. انظر الفرق بين (يعرج فيها) و (يعرج إليها) في باب الحروف، معنى حرف (في).
المعترَّ
قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
(المُعْتَرَّ): أصل الكلمة من الاعترار: وهو الاعتراض؛ فالمعتر: هو الفقير الذي يعتري الناس، ويتعرض
لهم بالسؤال.
أما (الْقَانِعَ): فمن القناعة، وهو الفقير المتعفف الذي يقنع بما يُعْطَى وإن قل.
стр. 287
المعذِّرون
قال تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠].
(المُعَذِّرُونَ) تحتمل معنيين:
١ - مِنْ اعتذر: فهم المعتذرون الذين لهم عذر، وقُبل اعتذارهم لأنهم محقُّون فيه.
٢ - من عَذَّر؛ أي: الذين اعتذروا بما ليس بعذر، فجاءوا بأعذار باطلة.
ولا منافاة بين القولين؛ فقد جاء أصحاب الأعذار الصحيحة وأصحاب الأعذار الكاذبة ليؤذَن لهم في القعود، فقُبل من هؤلاء، ولم يُقبل من الآخرين.
أما الفريق الثالث: فهم الذين كذبوا الله ورسوله، وهم الذين ليس لهم أعذار بالكلية، بَلْ قعدوا عن الغزو لغير عذر؛ وهم مُنافِقُو الأعْراب.
معكوفًا
قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
(مَعكُوفًا) أصل العكف: هو الحبس. و (عكف على الشيء) أي: لازمه وحبَس نفسه عليه. و (عكف الشيء): حبسه ومنعه. (معكوفًا) أي: محبوسًا وممنوعًا.
والمعنى العام: ذكر الله تعالى في الآية الأمور الداعية لقتال المشركين؛ وهي أنهم صدّوا المسلمين أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة.
وهم أيضًا الذين صدُّوا (الهدي) وحبسوه (أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) أي: محل ذبحه، وهو مكة؛ فمنعوه من الوصول إليها ظلمًا وعدوانًا.
* ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
(وَالعَاكِفِينَ) أي: الحابسين أنفسهم فيه للعبادة.
* ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧].
(عَاكِفا) أي: ظللتَ مقيمًا على عبادته وملازمًا له.
стр. 288
* ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
(يَعكُفُونَ) أي: يلازمونها للعبادة. وقد تكرر اللفظ في آيات أخرى جميعها لها ذات المعنى.
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
(العاكف) الساكن في مكة.
(الباد) أي: البعيد الذي أقام عنده إقامة طارئة؛ سواء من الحضر أو البادية، فليس المقصود من أهل البادية تحديدًا.
والمعنى: ينكر اللهُ تعالى على كفار قريش منعهم المؤمنين من إقامة شعائر دينهم، ومن دخول المسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء في الحق، لا فرق فيه بين المقيم الساكن والنّائي عنه البعيد الدار، وبين أهل مكة ومن يأتيه من أي مكان.
مَعين
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠].
(مَعِين) لها معنيان:
١ - من العين الباصرة؛ أي: ماءً تراه العيون.
٢ - من العين الجارية؛ أي: ماءً ينبع ويجري على وجه الأرض.
- تقول العرب: (عانت الصخرة) إذا خرج منها الماء.
- و (هذا معين الماء) أي: مكان خروجه.
* ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ [المؤمنون: ٥٠].
(وَمَعِين): ماء جارٍ تراه العيون.
(ذَاتِ قَرَارٍ) أي: صالحة للسّكنى والاستقرار.
مغرمون
قال تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥ - ٦٧].
(لَمُغرَمُونَ) أصل الغُرم: ما يلزم أداؤه.
стр. 289
والمعنى: لزمنا الغُرْم والخسارة، وذهبت أموالنا بغير عوض.
* ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] أي: لازمًا كملازمة الغريم لغريمه، والمقصود: عذاب الخلود لغير الموحدين.
* ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠].
(مَغرَم): لزوم دفع مال مستحق. أي: هل يظنون أنك تريد أجرًا على تبليغ الرسالة؟ فهم في جهد ومشقة من التزام غرامة المال الذي تطلبه منهم!
* ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٨].
(مَغرَمًا) أي: يعتبره حِملًا وغُرمًا ثقيلًا لا يرجو ثوابه.
* ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
(وَالغَارِمِينَ) أي: أهْل الدَّيْن الذين لزمهم أداؤه.
مفازًا
قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢)﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٢].
(مَفَازًا) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - أي: مَنجًى ومَخلَصًا مما وقع فيه من قبلهم من الهلاك في الآيات السابقة.
ولذلك سميت الصحراء: (مفازة)؛ تيمّنًا بعبورها والخلاص والنجاة منها.
٢ - فوزًا وظفرًا بالجنان والحدائق، بعكس أولئك الذين خابوا وخسروا.
* ومثل المعنى الأول قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
(بِمَفَازَةٍ) أي: بمنجاة من عذاب الله.
* ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١].
(بِمَفَازَتِهِمْ) أي: بما عملوه من طاعات، فكانت لهم خلاصًا ومنجاة من العذاب؛ فكأنهم عبروا مفازة الابتلاء والامتحان الشاقة على هذه الأرض، فبذلوا ما أمدهم الله به من أسباب النجاة؛ فنجوا.
стр. 290
وتتضمن المعنى الثاني كذلك؛ لأن النجاة من الهلاك في حد ذاته فوز وفلاح؛ أي: بما بذلوه من عدة الفوز ففازوا.
مُفْرَطون
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢].
(مفْرَطُونَ) لها معنيان:
١ - من الترك والنسيان.
٢ - ومن التقديم والتعجيل.
وبجمع المعنيين: مُقدّمون ومُعَجّلون إليها، ومتروكون فيها منسيّون غير ملتَفَتٍ إليهم، والعياذ بالله!
فالمعنى الأول: من التفريط؛ تقول العرب: (أفرَط الشيء) أي: نسيه وتركه، فهو مُفرط؛ أي: متروك، واسم الفاعل: مُفرِّط، فالمعنى: منسيون متروكون كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١].
* ومن هذا المعنى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١].
(يُفَرِّطُون) أي: لا يضيعون شيئًا مما أمروا به، ولا يقصرون في واجباتهم؛ فلا يزيدون ولا ينقصون.
* ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا﴾ [الكهف: ٢٨].
(فُرُطًا) من الإسراف والتضييع.
* ومن المعنى الثاني: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥].
(يَفْرُطَ) أي: يعجَل علينا بالعقوبة.
* ومثلها ما جاء في الحديث الشريف: قول النبي ﷺ : «أنا فَرَطُكم على الحوض» صحيح الجامع (١٤٦٩) أي: أنا سابقكم إليه، وأتقدمكم وأقودكم إليه.
إذن: (فَرَطَ) أي: تقدم وسبق، (فرّط) بتشديد الراء، وأفرط؛ أي: ضيّع وترك.
стр. 291
مقاليد
قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣].
(مقاليد) لها معنيان:
١ - جمع مِقلاد: وهو الخزانة.
٢ - جمع مِقليد، وقيل: إقليد: وهو المفتاح.
والمعنى: أن الله تعالى ملك خزائنهما، وأحاط بهما ومَلك زمام أمرهما، ومفاتيحهما بيده تعالى؛ فله فيهما مطلق القدرة والتصرف والتدبير .
فائدة لغوية:
من ذلك قول العرب: (استلم فلان مقاليد الحكم) أي: تولّاه وأخذ بزمامه.
المقتسمين
قال تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٨٩ - ٩٣].
(الْمُقْتَسِمِينَ) مِنْ قسّم؛ أي: جعلوا الشيء أقسامًا. والمراد: الذين قسّموا واقتسموا القرآن.
(عِضِينَ) أي: عَضَّهوه وجعلوه أعضاء متفرقة؛ تقول العرب: (عَضَيت الشيء) أي: فرَّقته.
وقد اختلف المفسرون في الآية على أقوال متعددة، ذكرت منها قولين هما الأقرب للنص، والله أعلم:
القول الأول: المقتسمون هم اليهود والنصارى الذين تقاسموا القرآن وقسّموه؛ فما وافق كتبهم آمنوا به، وما لم يوافقه نبذوه.
القول الثاني: أن المقتسمين هم كفار قريش، اقتسموا الأقوال الباطلة على القرآن؛ فقالوا: شعر، وقالوا: سحر، وقالوا: أساطير … ووقفوا يصدون عنه بهذه الأقوال في كل مكان.
فالآية تحتمل توجيه الإنذار بقوله: (وقل إني أنا النذير المبين) إلى فريقين:
١ - إلى الكفار ألا يكونوا كالمقتسمين من أهل الكتاب.
٢ - إلى المؤمنين بعامة ألا يكونوا كالمقتسمين من الكفار ومن أهل الكتاب، الذين جزّءوا القرآن بأفعالهم، فكلهم مقتسمون.
فلا تَعَارُض بين الأقوال؛ فكلها يحتملها النص المبارك.
стр. 292
مقتصد
قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
(مُقْتَصِدٌ) أي: على الاقتصاد في الشكر لله.
والآية في حق الكفار؛ فتبين أنه بعد نجاتهم من البحر كان ينبغي عليهم أن يؤمنوا بالله شكرًا على نجاتهم، لكنهم انقسموا إلى قسمين:
١ - قسم اقتصد فخفّ كفره وجحوده؛ فوازع الإيمان بعد نجاته من البحر يهزُّه، قد بقي على شيء من إخلاصه بعد نجاته، ولكنه لا زال مقصرًا؛ فالآيات الباهرة توجب رجوعه وإيمانه.
٢ - وقسم عادوا إلى كفرهم وتكذيبهم وكأن شيئًا لم يكن.
* ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦].
(مُقْتَصِدَةٌ) أي: من أهل التوراة والإنجيل جماعة مقتصدة معتدلة في دينها، غير مبالغة في انحرافها؛ فلما جاء النبي ﷺ آمنوا به.
* ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
(مُقْتَصِدٌ) هذه الآية تدل على فريق من المسلمين -وهو فريق المقتصد- وهو من اقتصر على أداء الفروض والواجبات واجتنب المنهيات.
فالآية الأولى تحدثت عن المقتصد الكافر، والثانية تحدثت عن المقتصد من أهل الكتاب، والثالثة تحدثت عن المقتصد المسلم.
مقرنين
قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣].
(مقرنين)؛ تقول العرب: (أقرَن الرجل للبعير) أي: أطاقه وتحكم فيه. و (أَقْرَنْتُ مَا حَمَّلتَني) أي: أطقته.
والمعنى: ما كنا مستطيعين مطيقين؛ فلا نستطيع تسخيره وتذليله لنا من أنفسنا إلا بمعونة من الله تعالى وقدرته وتدبيره، فرزقتنا يا رب القوة والقدرة على التحكم فيها، وضبط القيادة والحركة في البر والبحر.
стр. 293
وهناك فائدة تربط أول الآية بآخرها: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون).
والمعنى: حتى تذكروا بركوبكم ورحيلكم على هذه المراكب والدواب رحيلكم النهائي عن هذه الدار؛ فتعلموا أنكم منقلبون وصائرون إلى ربكم ليوم المعاد، وتذكروا بسَيْركم الدنيوي سَيْركم إلى الدار الآخرة، ولتشكروا ربكم أنْ ردّكم من أسفاركم سالمين غانمين.
مقمحون
قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٧ - ٩].
(مُقْمَحُون) الإقماح: هو رفع الرأس بشدة. وهذه الآية تبين صورة مرعبة لمن يُعرِض عن سماع الحق؛ فهي لا تتحدث عن يوم القيامة وأغلال جهنم، بل تتحدث عن حال هؤلاء الكفار بعد أن عُرِضَ عليهم الحق فرفضوه، فعوقبوا بهذه الأغلال المعنوية: فغُلّت أعناقهم بالقيود؛ لأنهم أعرضوا عن تدبّر الآيات والحجج، ورُفعت رؤوسهم بشدة لأنهم لم يذعنوا لقبول الحق، وجُعلت على أبصارهم غشاوة فعميت عن رؤية الحق.
فَحَقّ عليهم القول، وسبقت لهم الشقاوة، ونفذ فيهم القضاء؛ فسيبقون على كفرهم وشركهم، وسيُمنَع الإيمان من الوصول إلى قلوبهم.
فهم مقيدون بقيود وأغلال معنوية، وسيقيدون في الآخرة بالأغلال الحسية حين يساقون إلى جهنم وبئس المصير، نسأل الله السلامة!!
المقوين
قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣].
(للْمُقْوِينَ) هذه الكلمة من أضداد اللغة، وتحتمل معانٍ عِدة لا تتعارض:
١ - المقوين: جمع (مقوٍ) وهو المسافر؛ لأنه ينزل (القَوَاء) وهو الخلاء والأراضي الخالية الممتدة.
٢ - المقوين: جمع (مقوٍ) وهو المحتاج؛ يقال: (أقوى الرجل) أي: نفد زاده.
٣ - المقوين أيضًا تقال للمستمتعين والأغنياء؛ فيقال للغني: (مقوٍ) لقوته وقدرته المادية.
فبهذا يجمع المعنى المسافرين والمقيمين والفقراء والأغنياء؛ فالكل بحاجة إلى النّار، وهذا من بلاغة القرآن أن تجد المفردة الواحدة أحيانًا تجمع عدة معان.
وجمهور المفسرين على أن المعنى هو (المسافرون)، لكن لا يتعارض أن نجمع جميع المعاني فهو أوسع وأشمل، ولا غنى لأحد عن النار كما ذكر البغوي وابن كثير والقرطبي وغيرهم.
стр. 294
مكانتكم
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٣٩].
(مَكَانَتِكُم) المكانة من المكان: وهو الشيء الثابت.
وهي هنا تعني: اعملوا على طريقتكم وحالتكم التي ثبتُّم عليها ورضيتموها لأنفسكم: من عبادة من لا يستحق من العبادة شيئًا. وهذا القول لهم على سبيل التهديد، وليس إطلاق العمل لهم على ما أرادوا.
وقد تكرر هذا المعنى في عدة آيات شبيهة بها، وقريب منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧].
(مَكَانَتِهِم) أي: لو شاء الله لغيّر خلقتهم وأبقاهم على ما هُمْ عليه؛ قعودًا في مجالسهم ومنازلهم لا يستطيعون الحراك.
- فالمعنى في الآية الأولى معنوي، والمراد به: المكانة والحال.
- وفي الثانية حسي، والمراد به: المكان والمجلس.
وهناك مفردة قريبة منها؛ وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٨٤].
(شَاكِلَتِهِ) أي: مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة؛ فالشاكلة: هي الطَّرِيقَةُ والسِّيرَةُ التِي اعْتادَها صاحِبُها.
مكنون
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
(مكنُون) أي: مستور عن الأعين، ومحفوظ عن الوصول إليه.
ما هو الكتاب المكنون؟ ومن هم المطهرون؟
اختلف المفسرون بناء على هاء الضمير في (لا يمسه) فيجوز عَودها على القرآن الكريم، وعلى الكتاب المكنون؛ ولذلك يصبح للآية معنيان كلاهما صحيح بلا تعارض.
١ - هاء الضمير تعود على الكتاب المكنون:
ف (الكتاب المكنون): هو الصحف التي بأيدي الملائكة؛ لأن معنى مكنون: محفوظ ومستور عن الأعين.
أما من قال: إنه اللوح المحفوظ؛ فاللوح المحفوظ ليس بيد الملائكة، بل هو عند الله تعالى.
стр. 295
(المطهرون): هم الملائكة. فالمعنى هنا: لا يمس الصحف إلا الملائكة؛ كما قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].
٢ - أن هاء الضمير تعود على القرآن الكريم:
ف (المطهرون) إذن: هم المؤمنون؛ لأنهم مطهرون من الشرك.
أما من قال: (المطهرون) هم المتوضؤون. فبعيد لغة؛ لأنه لو كان المراد المطهرون هم المتوضؤون لقال: (المُطَّهِّرون) أي: المتطهرون. انظر: تفسير العثيمين للآية.
فائدة:
كذلك اختلف المفسرون في اللام في (لا يمسه): هل هي لام الخبر، أم لا الناهية؟ وعلى هذا يختلف المعنى المراد:
- لا يمسه (الناهية) أي: لا ينبغي أن يمسه إلا كل طاهر من الشرك.
- لا يمسه (الخبرية) أي: ليس هناك أحد يمسه إلا الملائكة المطهرون.
قد يرِد تساؤل عن حكم مس المصحف لغير المتوضئ: وقد اختلف أهل العلم في ذلك لوجود ما يعضد كلا القولين من أدلة، والأفضل والأحوط: هو الطهارة.
هذا بخلاف حال الجنابة الذي تُشترط فيه الطهارة قبل مس المصحف، ويرجع في ذلك لأهل الفقه وكتب الفقهاء.
مكين
قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠].
(مَكِين) من التمكُّن: وهو القوة والقدرة والسلطة، ومن المكانة: الشرف وعلو المرتبة.
وهو وصف لجبريل ﵇: بأن له مكانة عند الله راسخة، ومرتبة عالية، وسلطة وقولًا مطاعًا مسموعًا بين الملائكة؛ لذلك اختاره لتبليغ الوحي.
* ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
(مَكِينٌ) أي: بوأناك مكانة عندنا، ومرتبة وسلطة تُمَكِّنك من أن تكون مطاعًا نافذ القول.
* ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣]، وكذلك: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١].
(مَكِينٍ) أي: مكانٍ آمنٍ حصينٍ ثابتٍ مستقرٍ.
стр. 296
فائدة:
(مكين) كلمة تستخدم لتفيد الرسوخ والقوة والحصانة والثبات، وتستخدم للعاقل وغير العاقل؛ فيقال: (اعتقاد مكين) أي: راسخ. و (حائط مكين) أي: ثابت. و (حِرْز مكين) أي: حصين .. وهي للعاقل تَجمع بين المكانة والتمكُّن.
ومن مشتقاتها: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٦].
(مَكَّنَّاهُم) أي: جعلنا لهم مكانًا وسُلطة وتمكينًا.
* ومنها: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا﴾ [الكهف: ٨٤].
(مَكَّنَّا) أي: سخرنا له أسبابها؛ لتكون له القدرة والسلطة على ما فيها.
ملتحدًا
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدا﴾ [الكهف: ٢٧].
(مُلْتَحَدا) أصل الكلمة من: الميل والانحراف؛ أي: لن تجد من دون ربك ملجأ تلجأ إليه، أو أحدًا تميل وتتّجه إليه لنصرتك.
فالالتحاد: هو الميل للشيء. ومن مشتقاته: (المُلحِد) أي: المائل عن الدِّين. و (اللحد): وهو الناحية أو الشق في القبر.
* ومثلها: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢].
(مُلْتَحَدًا) أي: ملجأ أميل وأهرب إليه، فيدفع عني إن أرادني الله بعذاب. وهو رسول الله ﷺ إن قصّر أو امتنع عن تبليغ رسالته، وحاشاه.
ومن مشتقاته قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠].
(يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا) والإلحاد في الآيات: الميل بها عن الحق والصواب؛ بتكذيبها والصد عنها، وتأويلها بالباطل، وإلصاق ما ليس منها.
* ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
(يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) والإلحاد في الأسماء: تعطيلها، أو تأويلها، أو تكييفها، أو الزيادة والنقصان، أو تسمية آلهتهم بها، ونحو ذلك.
стр. 297
* ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
(يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ) أي: يميلون إليه؛ وهو الميل إلى الاتهام بأن النبي ﷺ كان يتعلم التوراة.
وفي هذه الآية رد على الطاعنين من كفار قريش في رسالة النبي ﷺ بأنه كان يتلقى تعاليم التوراة بالجلوس مع أحد الروم، فرد الله تعالى شبهتهم وتكذيبهم: أن كيف يتلقى تعاليم التوراة من شخص رومي لسانه أعجمي غير لسان النبي ﷺ فكيف يفهمه وكيف ينقل عنه، والقرآن الذي بين أيديكم عربي بليغ فصيح معجز؟!
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
(بِإِلْحَادٍ) أي: مَنْ أراد هذا الحرم بميل عن الحق.
واللفظ مطلق يشمل: الميل بالشرك أو المعصية فيه، أو الصد عن سبيل الله، أو منع المسلمين أو إخراجهم. وكل من أراده بأذى أو فساد وظلم، فإن الله توعده بأن يذيقه العذاب الأليم، وقد أذاق الله قبلهم أصحابَ الفيل؛ للعظة والعبرة.
فائدة:
في قوله تعالى: (ومن يُرِد) وهو ذِكْرُ العقوبة على الإرادة والقصد قبل الفعل؛ تعظيمًا لبيت الله الحرام خاصة، فمجرد إرادة الظلم والإلحاد بأي شكل فيه فهذا موجب للعذاب.
ملوكا
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠].
(مُلُوكًا) لها معنيان يحتملهما النص المبارك:
١ - جعلكم أحرارًا تملكون أمركم بعد استعباد فرعون لكم.
٢ - جعل منكم الملوك على الحقيقة لهم خدم وحشم؛ فقد ملّكهم أملاك فرعون وقرية الجبابرة، وتعاقب فيهم الملوك.
стр. 298
مُلِيم
قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢].
(مُلِيم) أي: ملام بذنبه؛ فهو فعل ما يستوجب الملامة والمؤاخذة؛ لأنه (وهو يونس ﵇ ترك قومه وخرج إلى السفينة قبل أن يأذن له ربُّه.
* ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠].
(مُلِيم) وهو متلبس بالإساءة والكفر والعصيان، وهو فرعون.
* ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤].
(بِمَلُوم) أي: لن تلام على الإعراض عن قومك؛ لأنك قد أدّيت ما أُمرت به.
* ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢].
(اللَّوَّامَةِ): النفس التي تلوم صاحبها: لماذا؟ ويا ليتني؟
والنفس اللوامة أقسام؛ منها المؤمن والفاجر:
- فالمؤمنة: تلوم نفسها على التقصير.
- والفاجرة: تلوم ربها، وتلوم نفسها على فوات الرزق.
والكل يلوم يوم القيامة نفسه على التقصير في حق الله، وعلى التفريط في الاستعداد لهذا اليوم العظيم.
ممدود
قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
(مَمدُود) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - ظل ممتد امتداد المكان؛ فليس هناك ما يقطعه، وكما في الحديث الشريف: أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ؛ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]» صحيح البخاري (٣٢٥٢).
٢ - ظل ممتد امتداد الزمان بلا نهاية؛ فليس هناك شمس تُذْهِبُه.
مُنزلًا
قال تعالى: ﴿وَقُل رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ [المؤمنون: ٢٩].
(مُنزَلًا): بضم الميم، أي: نزولًا مباركًا.
وفي قراءة صحيحة بفتح الميم (مَنزِلًا)؛ أي: مكانًا مباركًا.
стр. 299
وبجمع المعنيين: فإن نوحًا ﵇ يسأل ربه نزولًا مباركًا ميسّرًا موفّقًا، كما أركبه مركبًا كان فيه نجاته ومن معه.
ويسأله المكان المبارك المهيأ للسكن المريح، الذي تتوفر فيه سبل الخير والمعيشة الحسنة.
منضود
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢].
(منضُود) النَّضد في اللغة يشير إلى معنى: التنظيم والتتابع ووضع الشيء بعضه على بعض، و (منضود) هنا؛ أي: متتابعة بعضها خلف بعض.
وال (سّجيل): حجارة من طين متحجّر بالغ الحرارة.
* ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩].
(منضُود) أي: متراكب بعضه فوق بعض.
وال (طّلح): انظر المفردة الخاصة بها.
* ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠].
(نَضِيد) أي: مُتَراكِب بَعْضه فَوْق بَعْض.
(بَاسِقَات) أي: طِوال؛ تقول العرب: (بَسَق الرجل) إذا طال، و (بسقت النخلة) إذا طالت.
منفكّين
قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١].
(منفكين) من الفَكّ: وهو المفارقة والانفصال.
ولها معان كلها صحيحة:
- لم يكونوا متروكين هملًا حتى يَبعث فيهم رسولًا.
- لم يكونوا تاركي كفرهم حتى تأتيهم الحجة؛ وهي بعثة النبي ﷺ .
- لم يكونوا مفارقين للدنيا حتى يبين الله لهم الحق.
* ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] فالفك: هو مفارقة الشيء.
ولها هنا ثلاثة معان لا تتعارض:
стр. 300
١ - فك رقبة؛ أي: مفارقتها للرق، وتعني: عتق الرقيق.
٢ - تعني أيضًا: فكاك الأسير من الأسر.
٣ - تعني كذلك: فكاك نفسك من تبعات وعذاب يوم القيامة.
فائدة:
استدل بهذه الآية بعض الدعاة على أن الإنفاق والصدقات أوّل العبادات، وأنه هو المطلوب والمقدّم على جميع العبادات ومنها الصلاة التي هي عمود الدين! ولا شك أنه استدلال خاطئ؛ فالحقيقة أن القرآن الكريم هنا يُبرز معصية الإسراف وإهلاك المال في الربا والميسر وكبار المعاصي، ويبيّن طريقة تكفيرها؛ وهو إنفاق مال ليكون التكفير من جنس المعصية.
فتكفير معصية المال: إنفاقٌ في سبيل الله ﵎؛ فبإتلافه المال في المعاصي، وضع أمام نفسه عقبة لن ينجيه منها ويفك رقبته من النار إلا فكُّ رقاب غيره من الأسر والعبودية والفقر وغيره، فالقرآن الكريم يسلّط الضوء في كل مرة على نوع من الأعمال الصالحة؛ وكتاب الله آياته تتكامل وترسم صورة شاملة
لأنواع الطاعات.
منقعر
قال تعالى: ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠].
(مُنقَعِرٍ) يقال: (انقلعت النخلة من قعرها) أي: من جذورها وأصولها.
وهو تشبيه للعذاب الذي أرسله الله لقوم عاد؛ فهي ريح اقتلعتهم من أصولهم مع شهرتهم بأنهم عمالقة وعظام الخلقة.
فالتصوير القرآني يشبه أجسادهم بجذوع النخل المنقلعة من أصولها، جذوعًا خاويةً ليس لها رؤوس؛ فكأن رؤوسهم طارت من قوة الريح، وبقيت أجسادهم ساقطة كأنها جذوع النخل المنقلعة الخاوية.
وكما قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] نسأل الله العفو والعافية!
مهطعين
قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦].
(مهطعين) الإهطاع: هو الإسراع، وقيل: مع مد البصر نحو ما يسرعون إليه.
стр. 301
والمعنى: فمالِ الذين كفروا قبلك مهطعين؟ أي شيء لهم نحوك وحواليك، مسرعين إلى أخذ ما يسمعون منك، ثم يتفرقون به ليستهزئوا بما سمعوا؟
* ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
(مهطعين): مسرعين إلى إجابة الداع ليوم الحساب، بلا إرادة منهم ولا قدرة على الامتناع.
* كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] أي: مسرعين إلى داع الحساب يوم القيامة.
(مقنعي): الإقناع من أضداد اللغة: فيأتي بمعنى رفع الرأس وطأطأته، ورجّح كثير من المفسرين في الآية معنى رفع الرأس لتناسبه مع السياق؛ أي: رافعي رؤوسهم في ذلة وخوف.
مَهِيلًا
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤].
(مَهِيلًا) المهيل: الرمل الناعم الرخو الذي ينهال من أعلاه مع رجفة الأرض؛ تقول العرب: (هال التراب) أي: حرّكه فانهال، فهو مهيلٌ، ويقال: المهيل هو الرمل الناعم الذي يسقط من بين الأصابع إذا أمسكته.
و (الكثيب): هو الكومة أو التل من ذلك الرمل أو التراب الناعم.
فائدة:
تصوّر الآيات الكريمة التالية حالة الجبال يوم القيامة؛ قال تعالى:
* ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].
(تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) أي: تتحرك من أصولها.
* ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدا﴾ [الكهف: ٤٧].
(نُسَيِّرُ الجِبَالَ) أي: تَسِيرُ الجبالُ فتتحرك من أماكنها؛ وكما قال تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرا﴾ [الطور: ١٠] وكذلك: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠] أي: تتحرك ثم تنهار، ويبقى مكانها ليس بشيء كالسراب.
* ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّا﴾ [الواقعة: ٥].
(وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا) تتفتت الجبال وتندك صخورها، و (البَسّ): هو التفتيت، كما يُبَسّ الدقيق، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَة﴾ [الحاقة: ١٤].
* ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثّا﴾ [الواقعة: ٦] أي: تتطاير فتصبح هباءً وغبارًا منبثًّا في الكون، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفا﴾ [طه: ١٠٥]، ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠]، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ
стр. 302
كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كالصوف الخفيف المتطاير المتفرق في الفضاء.
إذن، تكون صورة هذا المشهد المخيف: تتحرك تلك الجبال الثابتة الشاهقة العلو من أماكنها، ثم تدَك وتتفتت بكل صخورها وتذهب صلابتُها، ثم تتطاير في الهواء وتتلاشى كذرات الغبار.
الموالي
قال تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا﴾ [مريم: ٥ - ٦].
(خِفْتُ الموالي) الموالي: جمع مولى، وهم العصبة والقرابة التي ترثه، وخوفه: إنما هو من عدم صلاحهم.
والمعنى: أن زكريا ﵇ لم يجد في قومه -وهم بنو إسرائيل- من يَصْلُح أن يرث الإمامة في العلم والدِّين من بعده، فدعا الله أن يهبه من الولد من يَصْلُح أن يرثها منه ومن آل يعقوب من بعده، فطلبه الولد لم يكن لغرض دنيوي، بل لصلاح الدِّين والدار الآخرة لذريته وأمته.
موالي
قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣].
(موالي) أي: ورثة يرثونه، وكان الموالي في الجاهلية وبداية الإسلام نوعين:
١ - موالاة بالقرابة: وهم من الأصول والفروع؛ فلهم النصرة والمؤازرة، ولهم نصيبهم من الميراث.
٢ - موالاة بالحَلِف وعقد الأيمان: وقد كان في الجاهلية، وهو أن يتعاقد شخصان ويتعاهدا على النُّصْرة والتعاون والميراث، فيقول أحدهم للآخر: (دمي دمك، وترثني وأرثك)، وكان أيضًا في مؤاخاة المهاجرين والأنصار في ابتداء الإسلام، وكذلك عقود التَّبَنِّي.
وهؤلاء نُسخ نصيبهم من الميراث، ولهم النُّصرة والوفاء بالعهد والمعونة ونحوه.
فأبطل الإسلام حِلْف الجاهلية، وعقود التوارث على أساس المؤاخاة، وعقود التَّبَنِّي بآية: ﴿وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفا﴾ [الأحزاب: ٦] ولكن لا حرج من إسداء المعروف لهم، أو شيئًا من الوصية دون الثُّلُث عطيةً بغير ميراث.
стр. 303
فقوله تعالى: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) أي: من عاقدتم معهم قبل نزول الآية، أما بعد ذلك فلا توارث بالحِلْف، وقيل: هي محكمة وعامة في جميع العقود، تحتمل عقود الحِلْف وعقود التَّبَنِّي وعقود الزوجية، وكلٌّ يؤتى نصيبه بحسب ما تقتضيه الآية؛ سواء من النصرة فحسب، أو من الميراث.
مَوْبِقًا
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَّوْبِقا﴾ [الكهف: ٥٢].
(موْبِقًا)؛ تقول العرب: (أوبقْت فلانًا): إذا أَنْشَبْتُه في أمْرٍ يَهْلِكُ فِيه. و (الموْبق): هو مكان مُهلك؛ كالخندق أو المحبس، والحاجز الخطير المُهلك الذي يمنعه عن الوصول لغيره.
والمعنى: جَعل بين المشركين ومن يعبدونهم حاجزًا من النار المهلكة؛ جزاء لاتصالهم في الدنيا على المعاصي فرّق بينهم في النار.
* ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٣ - ٣٤].
(يُوبِقْهُنَّ) أي: يهلك تلك السفن بالغرق والفساد، ويحجزها عن سبل النجاة؛ بسبب ما كسب أصحابها من الذنوب والخطايا.
ومن مشتقاتها ما جاء في الحديث الشريف: «اجتنبوا السبع الموبقات» صحيح البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).
و (الموبقات) أي: المهلكات التي توقع صاحبها في العذاب، نسأل الله السلامة!
موزون
قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩].
(مَوْزُون) لها معان لا تتعارض:
١ - الوزن بمعنى التقدير؛ أي: كل شيء مقدَّر لحكمة ولغرض ومصلحة معينة.
٢ - بمعنى التناسب؛ يقال: (شِعر موزون) أي: متناسب، ويشمل التناسبَ من كل شيء بحسب قوانين وضعها الله في الكون، ونسب ثابتة لا تختلف؛ كمقادير المعادن في الجبال، ونسب المواد في النبات وغير ذلك.
٣ - بمعنى الوزن والنسبة والقسمة؛ أي: من كل شيء له وزنه وقسمته عند الله لكل أحد من خلقه، فلا يزيد ولا ينقص.
стр. 304
الميزان
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: ٧ - ٨].
(المِيزَانِ) ذكر السعدي معنى (الميزان) في تفسير الآية، فقال ما ملخصه: ليس المراد الميزان المعروف وحده، بل يدخل فيه كلُّ المقادير والمساحات والحقائق التي يفصل بها بين المخلوقات، ويقام بها العدل بينهم. انتهى.
إذن، وضع الله الميزان في الأرض للناس ليزنوا به كل أمورهم؛ حتى لا تميد بهم الحياة وتختل:
- ليزنوا ما في عقولهم من فكر بحسب شرعه.
- وما في قلوبهم من عقائد حسب معتقداته.
- وما تتفوه به ألسنتهم بحسب ضوابطه.
- وأخلاقهم ومبادئهم بحسب آدابه.
ليكونوا ميزان عدل وأمة وسط مع أنفسهم ومع غيرهم، وبين أقوالهم وأفعالهم بين العمل للدنيا والعمل للآخرة؛ فلن تستقر أحوالنا وتتزن أمورنا إلا به، ومن استعمل ميزانًا غير ميزانه ضل وخسر.
الميسر
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
(المَيسِرُ) من الفعل يَسَر؛ أي: قَسّمَ، فالتياسر: هو التقاسم.
وقد كانوا في الجاهلية يتياسرون -أي: يتقاسمون- على جَمل فيقسمون لحمه ويديرون القداح، فمنهم من يفوز بعدة أقسام منه، ومنهم من يغرم، ومنهم من لا يفوز بشيء.
وهو نوع من القِمَار، والقِمَار مأخوذ من المُغالبة؛ تقول العرب: (قَمَرْتُ الرجلَ) أي: غلبته، ويدخل فيها ما يسمى اليوم: اليانصيب.
وقيل: إن الميسر مأخوذة من اليُسر والسهولة؛ لأنها سهلة المكاسب، وقيل: لأن الفائز فيها يصبح من أهل اليسار والغنى.
(الأَنصَابُ): من رفع الشيء وانتصابه قائمًا، وهي الأوثان التي كانت تُنْصب للعبادة من دون الله.
(الأَزلَامُ): جمع زَلَم، وهي سهامٌ ثلاثة كالأعواد ليس لها رِيشٌ ولا نَصْل، قيل: إنهم يجعلونها عند سَادِن الكعبة، ويكتبون على أحدها: أمرني ربي، والثاني: نهاني ربي، والثالث: لا يكتبون عليه شيء؛ فإذا همّ أحدهم بأمر قال للسادن: أَخْرِج لي زَلَمًا، فيخرج له اختيارًا بالأمر أو النهي؛ فينفذه ويعمل به.
стр. 305
ومنهم من يجعل هذه الأزلام في وعاء كالقداح فيديرها للغرض نفسه، فهي استخارة جاهلية يُعتقد فيها تحديد الخير من الشر.
ما الفرق بين القُرْعة والأزْلام؟
القرعة أنواع منها المباح والمشروع؛ كالتي تكون لتمييز الحقوق بين الشركاء، أو فك التزاحم على الصف الأول مثلًا، وغير ذلك؛ فهي مشروعة.
أما القرعة التي يُؤخذ منها الفأل، أو يُطلب بها معرفة الغيب والمستقبل؛ فهي في حكم الاستقسام بالأزلام الذي حرّمه الله .
* ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
(تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) أي: الاستقسام بها وكل ما سبق ذكره في الآية الكريمة فسق وخروج عن طاعة الله، فهو كفر وشرك بالله؛ لأن فيه طلب الأحكام منها، والطاعة لما ينتج عنها حتى ولو لم تكن عند الأصنام، وقد شُرعت للمسلمين الاستخارة وهي خير من ذلك.
* وقال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ومنافع الخمر: اللذة والفرح، ومنافع الميسر: حصول المكسب للبعض.
ومن منافعها: أن بعض أصحاب الثروة في الجاهلية كان ينفق هذه المكاسب على الفقراء وذوي الحاجة، وإثمهما أكبر من هذه المنافع.
الميمنة
قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨].
* ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨].
(المَيمَنَةِ):
- من اليُمن والبركة والخير: فهم مصدر يُمن على أنفسهم.
- من اليمين: فهم يأخذون كتابهم بأيمانهم، وكانت أرواحهم على يمين آدم في حديث الإسراء الصحيح.
* ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩].
* ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ [البلد: ١٩].
(الْمَشْأَمَةِ):
- من الشؤم، والمعنى: ذوو شؤم على أنفسهم، وإشْعارًا بِأنَّ حالَهم حالُ شُؤْمٍ وسُوءٍ.
- مِنَ الشِّمال: لأنهم يأخذون كتابهم بشمائلهم يوم القيامة، وأن منزلة أرواحهم كانت على يسار آدم.
стр. 306
حرف النون
النازعات
قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطا﴾ [النازعات: ١ - ٢].
(النازعات): هي الملائكة المُوَكَّلَة بقَبْض أرواح الكفار، تنزعها (غَرْقًا) أي: نزعًا بشدة.
واللفظ (غرقًا) وأصله: إغراقًا، من الإغراق في النزع؛ أي: تنزعها بعمق من أقصى البدن مستوفية كل جزء منها؛ وذلك لشدة تشبث روح الكافر بالبدن؛ خوفًا من الخروج لِمَا ترى من علامات العذاب .. عياذًا بالله!
بل في آيات أخرى يتضح أن الملائكة تخرج أرواحهم بالضرب والتنكيل؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠].
(وَالنَّاشِطَاتِ نَشطا) الناشطات: هي الملائكة تسلّ أرواح المؤمنين، والعرب تسمي العقدة سهلة الفك والحل: أُنْشُوطة.
والمعنى: الملائكة المُوَكَّلة بقبض أرواح المؤمنين تنشطها نشطًا؛ أي: تَسُلُّها برفق ولين وسهولة، وروح المؤمن تبشّرها الملائكة بالنعيم عند قبضها؛ مما يجعلها تنساب مستبشرة عند خروجها.
- وفي الآيتين قَسَمٌ من الله تعالى؛ فقد ابتدأت السورة بالقَسَم بمخلوقات ذات صفات عظيمة، المراد منه: تعظيم جواب القَسَم، وهو يوم القيامة.
- وفي معنى النازعات والناشطات اختلف العلماء على أقوال كثيرة، وما ذكرناه هو ما رجحه كثير منهم، وهو الأنسب لسياق الآيات.
ناشئة
قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ [المزمل: ٦ - ٧].
(نَاشِئَةَ) أصل نشأ من: قام ونما ونهض؛ فالناشئة من القيام، وناشئة الليل؛ أي: قيام الليل؛ لأن النفس تقوم فيه من سكونها للعبادة.
* ومنها كلمة (النَّشْأَةَ) في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧].
* ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢].
* ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْأخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] فالنشأة: هي القيام والبعث؛ فقد كانوا في العدم، ثم نشأوا وقاموا أحياءً للنشأة الأولى، ثم ماتوا ونشأوا للنشأة الآخرة؛ ومنها سمي الأبناء: (ناشئة)؛ لأنهم شبّوا ونموا.
стр. 307
ومعنى الآية: أن القيام للصلاة والعبادة في الليل وقراءة القرآن فيها، هو أكثر تواطؤًا مع القلب، وأكثر في تحصيل التدبر والخشوع لقلة الشواغل.
ناصحون
قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢].
(نَاصِحُونَ) النصح هنا: من إخلاص العمل من شائبة الفساد، وليس من النُّصح والإرشاد.
والمعنى: مشفقون عليه بصدق وإخلاص، لا يقصّرون في إرضاعه وتربيته.
* ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١].
(لَنَاصِحُونَ) أي: صادقون في إحاطته بالرعاية والحفظ.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
(نَصُوحًا) أي: توبة خالصة صادقة.
* ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١].
(نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: أخلصوا الطاعة لهما في السر والعلن.
الناصية
قال تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥ - ١٦].
(لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) السّفع في اللغة: هو اللطم واللفح؛ تقول العرب: (سفعْتُ وجه فلان) أي: لطمته، و (سَفَعَتْهُ النار) أي: لفحته.
أما إذا لحقتها باء الجر، فتدل على الجذب والجر؛ فتقول: (سفعْتُ بناصيته) أي: قبضت عليها فاجتذبته منها.
و (الناصية): هي المقدمة؛ فناصية القوم: أشرافهم، وناصية الإبل: خيارها، وناصية الشيء: مقدمته، وناصية الرجل: مقدمة رأسه.
فالمعنى: لنأخذن بمقدمة رأسه ونجذبه منها إلى النار.
وذكر ناصية رأسه في الآية دلالة على منتهى الذلة والهوان؛ فناصية الرأس هي أشرف أعضاء الإنسان، وسفعه على الناصية فيه ذلة ومهانة، وبعد أن كان في ناصية قومه ولم يحفظ تلك المكانة ويشكر الله عليها؛
стр. 308
يسحب يوم القيامة ويجر من ناصية رأسه، بل في الدنيا كذلك: فقد قُذف في القَلِيب يوم بدر بذلة وهوان، وأهيل التراب عليه هو وأصحابه من قتلى كفار قريش.
(ناصية كاذبة خاطئة) وصفُ ناصيته بالكذب والخطأ مناسبٌ له، وهو أبو جهل؛ فالنّاصية في الرأس هي محل اتخاذ القرار، ومحل الفكر الذي ينبغي أن يقود للتصديق والإيمان؛ فمن هنا كان من امتلأ رأسه وناصيته بالتكذيب والضلال، فهي ناصية جديرة بالسّفع والأخذ والعقاب ابتداءً منها.
* ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
(بِالنَّوَاصِي) أي: بمقدمة رؤوسهم.
والمعنى: أن زبانية العذاب يوم القيامة تأخذ المجرم فتجمع بين مقدمة رأسه وقدمه وتلقيه في النار، نسأل الله السلامة!
نافلة
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢].
(نَافِلَة) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - المعنى العام للنافلة؛ أي: زيادة على ما سأل.
٢ - المعنى الأخص؛ أي: وهبنا إبراهيم حفيدًا له من ولده إسحاق.
فقد كان سؤاله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فوهب له إسحاق، وولدًا لإسحاق وهو يعقوب ﵈.
ولم يُذكر هنا إسماعيل: لأن البشرى متعلقة به وبامرأته سارَّة، ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
فائدة:
النافلة: هي الزيادة على الأصل في كل شيء؛ وعلى هذا تسمي العرب ولد الولد: نافلة؛ لأن الأصل هو الولد، وكذلك النافلة في العبادات كلها هي: الزيادة على الفرض؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودا﴾ [الإسراء: ٧٩].
(نَافِلَة لكَ) أي: زيادة لك في علوّ القدر ورفعة الدرجات.
(مقامًا محمودًا) وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وهو الشفاعة العظمى لجميع الخلائق يوم القيامة أن يرحمهم الله من طول وهول الموقف فيبدأ الحساب.
стр. 309
نَتَقْنَا
قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١].
(نَتَقْنَا الْجَبَلَ) النتق: هو الاقتلاع من الجذور؛ فقد اقتلع الملك جبل الطور من أصله، ورفعه فوقهم كالسحابة حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد مع الله؛ كما قال ذلك في موضع آخر: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣].
النجم
قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
(النجم): النجم في الآية تدل على معنيين، كلاهما صحيح:
١ - النجم: هو كل ما نَجَم من الأرض من نبات لا ساق له؛ فالنجم: ما لا سَاقَ له؛ ككل الحشائش والنباتات الصغيرة. والشجر: هو كل ما قام على ساقٍ.
٢ - نجوم السماء المعروفة؛ فيصبح المعنى العام: أشجار الأرض وكل ما نبت عليها، ونجوم السماء وكل ما انتشر وتلألأ فيها، جميعها تعرف ربها، وتسجد له وتنقاد له خاشعة طائعة.
نَجِيّا
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّا﴾ [يوسف: ٨٠].
(خلَصوا نَجِيًّا) أي: تخلصوا من الآخرين، وخلا بعضهم ببعض وتناجوا على انفراد؛ للتشاور في الأمر فيما بينهم.
(نَجِيًّا) من المناجاة: وهي الكلام المقصور على المُتَنَاجِين.
* ومثلها: قوله تعالى في موسى ﵇ عند جبل الطور: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّا﴾ [مريم: ٥٢].
(نَجيًّا) أي: كان تَبادُل الكلام مع نبي الله موسى بصوت وحروف من الله تعالى، ويسمعها موسى ﵇ ويجيب عليها.
فائدة:
قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّا﴾ [مريم: ٥٢] فما الفرق بين المناداة والمناجاة؟
стр. 310
المناداة: للبعيد، والمناجاة: للقريب، وكلاهما كلام؛ فالله تعالى نادى موسى بكلامه وصوته من بعيد، ثم ناجاه لما اقترب موسى من الشجرة. انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (ص ٤٢٢).
وقد جاء لفظ (النّجوى) في آيات كثيرة وهي تدل على نفس المعنى: وهو الحديث الخافت بين المتناجين.
نَحْبَه
قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
(نَحْبَهُ) هذه الآية نزلت في عدد من الصحابة، استشهد بعضُهم وبقي البعض على ما عاهدوا الله عليه.
وكلمة (النحب) في الآية الكريمة تحتمل عدة معان كلها صحيحة:
- فالنحب: هو النذر والعهد.
- وهو الوطر والحاجة.
- وهو الموت والأجل.
ويؤيد المعنى الأول ما جاء في الحديث: أن النبي ﷺ أشار إلى طلحة بن عبيد الله ﵁ وهو داخل إلى المسجد وقال: «هذا ممن قضى نحبه». انظر الحديث في صحيح الترمذي (٣٢٠٣).
وطلحة -كما هو ظاهر الحديث- لم يزل حيًّا؛ فدل على أن المراد أنه من الذين وفوا بعهودهم مع الله.
فيكون معنى الآية: منهم من جاء أجله موفيًا بعهده مع الله مؤدّيًا لما عليه من حق؛ فنال وطره ومطلوبه، ومنهم من لم يزل على العهد، لم يغير ولم يبدل.
نِحْلة
قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئا﴾ [النساء: ٤].
(نِحْلَة) -بكسر النون-: وهي العطية؛ أي: هدية وعطية، ولكنها مفروضة من الله تعالى.
(صَدُقَاتِهِنَّ) من الصداق: وهو مهر المرأة. وسمي صداقًا: لأنه عطية تُثبِتُ صِدقَ رغبة الزوج في زوجته.
إذ ليس الصداق عوضًا عن منافع؛ فإن ما يتحقق بالزواج من المصالح وما ينعقد به من الأواصر، أغلى من أن يكون له عِوَضٌ مالي.
ويبين المعنى ويجلّيه: الحديث المتفق على صحته أن رجلًا جاء يُشهِدُ النبي ﷺ على مال أعطاه لولده فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَارْجِعْهُ» صحيح البخاري (٢٥٨٦).
стр. 311
نديّا
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيّا﴾ [مريم: ٧٣].
(نَدِيًّا) أي: مجلسًا ومجتمعًا، و (الندي): هو الجليس، ونحن نعرف (النادي والندوة)؛ فالندوة: هي الاجتماع لتداول الأمور، و (النادي): المكان الذي يجتمعون فيه، و (تنادى القوم) أي: اجتمعوا.
فمن كان مجلسه مُمْتِعًا يكثر رواده كان أحسن نديًّا، أما من يقوم الناس عنه فليس بنديّ مَجازًا.
والمعنى: أن الذين كفروا رأوا أنفسهم أحسن مجتمعًا، وأكثر جلساء، وأحسن هيئة ومالًا من المؤمنين؛ فاستنتجوا من هذه المقارنة الفاسدة أنهم أفضل منهم؛ فلم يتبعوا دينهم.
لذلك فإنّ المرء يجب ألا تغره كثرة الناس واجتماعهم على مجالس اللهو والبهجة والنعمة؛ فليست بمقياس للصواب، ولا هي دليلٌ على حسن العاقبة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
* ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧].
(نَادِيَهُ) المراد به: أبو جهل حينما رأى النبي ﷺ يصلي عند الكعبة فقال له: ألم أنهك عن هذا؟ فزبره النبي -أي: لم يبال به- فازداد غيظه وقال: والله إنك لتعلم ما بها من ناد أكثر مني.
وهو افتخار بأنه أعز أهل مكة وأكثرهم ناديًا، فرد الله ﵎ عليه ردًّا فيه تهكم به واستهزاء بليغ: فليدع جلساءه وأنصاره وجميع أهل ناديه، لعلهم ينفعونه، أو يدفعون عنه العذاب. انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول (ص ٢٣٦).
نرثه
قال تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدا﴾ [مريم: ٨٠].
(وَنَرِثُه) نزلت الآية في العاص بن وائل؛ فعن خباب قال كنت قينًا -أي: صانعًا وعاملًا بالحديد- في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل دين أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تُبْعث، قال: دعني حتى أموت وأبعث فسأوتى مالًا وولدًا فأقضيك. فنزلت: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨]. الصحيح المسند من أسباب النزول (١٣٤).
стр. 312
فمعنى (نرثه) أي: نعطي ما ادّعى لنفسه في قوله، فيؤول إلى غيره نكاية فيه، وقد صار أولاده مسلمين: عمرو بن العاص، وهشام بن العاص الشهيد يوم أجنادين ﵄، فأولاده ونصيبه الذي كان له في الجنة قد سلبه الله منه جزاءً وِفاقًا؛ لمنعه الحق وتألّيه على الله وكفره.
نُسك
قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
(نُسُك) أي: ذبح، ومفردها: نَسِيكَةٌ؛ أي: ذَبِيحَةٌ، وهي المذبوحة تقربًا وتعبّدًا، ومن ذلك سمّيت مناسك الحج؛ أي: عباداته من طواف وسعي ووقوف …
فمن كان من المحرمين بالحج والعمرة مريضًا، أو به أذًى من رأسه واضطر إلى حلق شعر رأسه، أو لبس ثوب أو تغطية رأس؛ فالواجب في ذلك فدية، وهي واحد من ثلاثة على التخيير:
- صيام ثلاثة أيام.
- أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين حَفْنتان من طعام.
- أو نسك؛ أي: ذبح شاة، أو سُبُع بَدَنة، أو سُبُع بقرة.
* ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧].
(مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) أي: عبادة يتعبدون بها فرضها الله على كل أمة، فعليهم العمل بموجبها.
(فلا يُنَازِعُنَّكَ في الأمر) أي: فلا ينبغي لأحد أن ينازع ويعترض على أوامر الشرع؛ كأن يقول: لماذا فرض الله كذا ولم يفرض كذا؟! كقول: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فشرْع الله ونسكُه عبادة نأخذها كما هي بالتسليم التام، بلا منازعة ولا مجادلة.
نسلكه
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢].
السلوك: هو النفاذ والإدخال.
ولفظ السلوك يعطي معنى أعمق من مجرد معنى الإدخال بحسب سياق الآيات.
(نسلكه) أي: نُدخله في قلوب المكذبين. وهذه سنة الله في عباده: فكل مولود جعل اللهُ في قلبه الفطرة -وهي التوحيد- فمن طمس هذه الفطرة بتكذيبه سلك الله في قلبه بدلًا منها الشرك والضلال؛ فجعل التكذيبَ بالقرآن والضلالَ ينفذ إلى قلبه بسوء فعله؛ فيمنعه من الإيمان والهداية، عياذًا بالله.
* ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] أي: ما أدخلكم فيها وأوصلكم إلى سعيرها؟! سؤال تقريع وتوبيخ.
стр. 313
* ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص: ٣٢] أي: أدخلها. و (الجيب) هي فتحة الملابس التي يدخل منها الرأس ويخرج.
* ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ [النحل: ٦٩] أي: سِيرِي في الطرق التي سخرها لك ربك، واسلكي الطرق التي ألهمك في عمل العسل منقادة مسخرة.
* ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا﴾ [طه: ٥٣] أي: وجعل لكم وسط الجبال والأودية نفاذًا تمشون من خلاله.
* ﴿لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجا﴾ [نوح: ٢٠] السّبل الفجاج: هي الطرق الواسعة؛ فالمعنى: مكّنكم من الأرض ومهّد لكم بين جبالها ووديانها الوعرة طرقًا واسعة تمشون فيها.
* ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أي: أَدْخِل فيها.
* ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] فسلكه؛ أي: أنفذه في داخل الأرض ينابيع تجري كما تجري العروق في الأجساد.
* ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدا﴾ [الجن: ١٧] أي: يدخله عذابًا شاقًّا متصاعدًا في الشدة. فاللفظ هنا يُعطي معني التكلّف في الإدخال ومشقة السلوك.
* ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] أي: أَدْخِلوه فيها ليقاسي عذاب هذا الإدخال.
قيل: تدخل من استه ثم تخرج من فمه؛ أي: يُنظم فيها كسيخ الشواء، والعياذ بالله!
* ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدا﴾ [الجن: ٢٧] أي: يجعل الوحي داخلًا في دائرة من الحفظ؛ فمن بين يديه ومن خلفه ملائكة يحوطونه بالحفظ من جميع الجهات من استراق الجن.
فائدة:
سمّي السِّلك سلكًا: لأنه ينفذ ويدخل في الأشياء كما يدخل الخيط في الإبرة.
النَّسِيءُ
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧].
(النَّسِيء): هو التأخير، مأخوذ من الفعل نَسَأَ؛ أي: أخَّر، والمقصود: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر؛ أي: تأخير حرمة شهر المحرم إلى صفر.
стр. 314
فالنَّسِيءُ: هو اسم يُطْلَقُ عَلى الشَّهْرِ الحَرامِ الذِي أُرْجِئَتْ حُرْمَتُهُ، وجُعِلَتْ لِشَهْرٍ آخَر؛ فقد كان العرب في الجاهلية يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ فِي أربعة أشهر كما هو في الإسلام، ولكن إذا احتاجوا للقتال في شهر منها أخَّروا حُرمته وجعلوها في الشهر الذي يليه؛ فيحلونه عامًا ويحرمونه عامًا بحسب ما يريدون.
وسبب تأخيرهم لحرمة الشهر وعدم إلغائها: هو كما قال تعالى: ﴿لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: ليوافقوا في تحريمهم ما حرم الله، وهو أربعة أشهر تامَّة ادَّعاء وكذبًا.
فائدة (١) عن سبب تحريم الأشهر:
قيل: إن ذلك كان منذ أن نادى إبراهيم ﵇ بالحج، فسارت عليه العرب منذ ذلك الوقت.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «كانت الأشهر المحرّمة أربعةً: ثلاثةٌ سردٌ، وواحدٌ فردٌ؛ لأجل أداء المناسك - الحجّ والعمرة - فحرّم قبل أشهر الحجّ شهرٌ وهو ذو القعدة؛ لأنّهم يقعدون فيه عن القتال، وحرّم شهر ذي الحجّة؛ لأنّهم يوقعون فيه الحجّ ويشتغلون بأداء المناسك.
وحرّم بعده شهرٌ آخر وهو المحرّم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجبٌ في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثمّ يعود إلى وطنه فيه آمنًا». انظر: تفسير ابن كثير للآية.
* ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦].
(نُنْسِهَا) فيها قراءتان صحيحتان:
(نُنْسِهَا) و (نَنْسَأْهَا) أمّا نُنْسِهَا: فهي من النسيان؛ وهو ذهول القلب عن المعلوم.
والمعنى: محوها من قلب رسول الله ﷺ .
وأما نَنْسَأْهَا: فهو من النَسَأ، وهو التأخير، والمقصود: تأخير إنزالها ثم يأتي بخير منها، أو تأخير الحكم بها، وكلاهما يشمله المعنى.
فائدة (٢):
من معاني التأخير ما هو معروف بربا النّسيئة: وهو تأخير قبض الثمن مع الزيادة فيه بسبب التأجيل؛ تقول العرب: (بعتُ الرجل بنسيئة) أي: بتأخير في قبض الثمن مع الزيادة فيه.
ومنها الحديث الشريف: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» صحيح البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧) وفي رواية: «في أجله» مسند الإمام أحمد (١٢٥٨٨) وكلاهما بنفس المعنى.
стр. 315
(يُنْسَأَ) أي: يؤخر له في أجله، ويسمى الأجل أثرًا؛ لأنه تابع للحياة، ويراد به كذلك: بقاء الذكر والثناء الجميل عليه من بعده.
نُصب
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣].
(نُصُب) لها قراءتان صحيحتان:
- نُصُب: بضم الصاد.
- نَصْب: بفتح النون وسكون الصاد.
ولها معنيان:
١ - أي: إِلَى غَايَةٍ أو راية.
والمعنى: كأنهم إلى عَلَم قد نُصب لهم، فهم يسرعون إليه إسراع من ضل عن الطريق فوجد علمًا يهتدي به، أو إسراع الجند إلى راية الأمير، وهو قول أكثر المفسرين.
وفي هذا المعنى بيان لحال الناس يوم النشور.
٢ - النّصُب: الأصنام وكل ما يُنصب ليعبد من دون الله؛ وكأن الكفار كما كانوا يهرعون مسرعين إلى آلهتهم في الدنيا، سيقومون مسرعين كذلك إلى المحشر.
وفي هذا المعنى إضافة لبيان الحال، تهكّمًا بالكفار وتعريضًا بسخافة عقولهم.
* ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
(وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) وما ذبح قربانًا لآلهتهم المنصوبة للعبادة.
* ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
(والأنْصابُ): هي الأصنام، وكل ما رُفع وانتصب ليعبد من دون الله.
نَصيبهم
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧].
(نصيبهم من الكتاب) أي: ينالهم نصيبهم الذي كُتب لهم في اللوح المحفوظ: من خير وشر، وسعادة وشقاء مما هو مقسوم لهم في الدنيا، ثم يوم القيامة يعاقبون بجهنم جزاء ظلمهم وبغيهم.
стр. 316
وهذا من رحمة الله تعالى بعباده؛ فهو خالقهم، وهو المتكفل بهم ورازقهم في الدنيا وإن عصوه، ويمهلهم ويملي لهم.
ولكن ليس بمُغن عنهم ذلك من طول العذاب بعد الموت، ممن توفّي منهم على الشرك.
نضّاختان
قال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦].
(نَضَّاخَتَانِ) النضخ: هو الانتثار وشدة فوران الماء من ينبوعه؛ تقول العرب: (نضخ دم القتيل) أي:
انتثر بعيدًا.
فالعين النضاخة؛ أي: الفوَّارة والجيَّاشة بالماء، فينتشر حولها ويتفجَّر من ينبوعه.
والآية تشير إلى أمرين:
١ - لم تحدد بماذا تنضخ العينان، وماذا ترشُّ وتنثر على أهل الجنة؛ مما يدل على التنوُّع: فهي تنضخ بالماء، وأطيب العطر، وبما لا يخطر على البال.
٢ - وصيغة المبالغة (نضّاختان) توحي بالقوة وشدة الفوران، كما توحي بالاستمرار وعدم الانقطاع؛ وذلك من تمام النعيم الذي وُعِد به أهل تلك المنزلة من منازل الجنة.
نظر
مفردة (نظر) لها معانٍ في القرآن الكريم واللغة:
١ - النظر بالعين.
٢ - النظر والتأمل العقلي.
٣ - الانتظار أو الإمهال.
- فجاءت بمعنى: (النظر بالعين) في المواضع التالية:
* ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ [التوبة: ١٢٧].
نظر بعضهم إلى بعض يريدون الهرب، وينتظرون بذلك الفرصة للخروج من المكان!
* ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
يريد: النظر بالعين.
стр. 317
* ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣].
أي: الموت -على أرجح الأقوال- رأيتموه أمام أعينكم فرأيتم من استشهد أمامكم في غزوة أحد.
- وكذلك جميع كلمة (تنظُرون) في القرآن، بضم الظاء.
- وجميع مفردة (ناظرين) ومنها:
* ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] أي: الرائين. إلا ما جاء في [سورة الأحزاب: ٥٣] ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ فهي من الانتظار.
- وجاءت بمعنى: (النظر التأملي بالعقل) كقوله تعالى:
* ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢١ - ٢٢].
نظر في أمر القرآن مرة بعد مرة، وكيف يردّ عليه، وماذا يقول فيه!! على أكثر الأقوال، وقيل: نظر في وجوه القوم.
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
* ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧].
سننظر في أمرك؛ حتى نتيقن من صدق قولك.
* ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس: ٢٤].
* ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ [الطارق: ٥].
نظر تأمل واعتبار.
* ومثلها: جميع ما جاء مقترنا ب (كيف)؛ كقوله: «انظر كيف … ».
- أما ما جاء بمعنى: (الانتظار):
* ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].
(انظُرُونَا) أي: انتظرونا.
* ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل: ٣٥].
(فَنَاظِرَة): منتظرة.
* ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ [الأنعام: ٨]: لا يُمْهَلون.
* ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]: ينتظرون.
стр. 318
* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
(ناظرين): غير منتظرين أوان نضجه.
* ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ [الأعراف: ١٩٥] لا تُمهلون.
- وقد تكرر اللفظ، وكله بنفس المعنى.
نغرينك
قال تعالى: ﴿لَّئِن لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠].
(لَنُغرِيَنَّكَ) تحتمل معنيين:
١ - من الإغراء: وهو التحريض والتحريش. أي: لنحرضنّك ونسلطك عليهم.
٢ - من الغراء: وهو ملازمة الشيء واللصوق به؛ تقول العرب: (غَرِيتُ بِالرَّجُلِ غَرًى) إذا لَصِقْتَ بِهِ.
والمعنى: سنسلطك عليهم ونزيل الموانع بينك وبين ما يحول دون الإمساك بهم؛ حتى تظفر بكل شيء من أموالهم وأنفسهم؛ فلا يقدروا على الفكاك.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤].
(فَأَغرَينَا): من الإغراء، وهو التحريض بعضهم على بعض بكثرة الجدل والخصام والأهواء المختلفة، ومن (الغِراء) أي: جعلنا العداوة بينهم متأصلة فيهم وملازمة لهم لا تفارقهم؛ جزاء نسيانهم ما ذُكّروا به.
نفشت
قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
(نفَشَتْ) أصل النفش: الانتشار والتفرق، ونفش الغنم أو غيرها: هو انتشارها للرعي ليلًا بلا راع يحكمها.
والمعنى: أن غنم قوم دخلت مزرعة قوم آخرين ليلًا بلا راع، فعاثت فيها وأفسدت ثمارها ومحاصيلها؛ فاشتكى صاحبها إلى داود وسليمان ﵉.
стр. 319
* ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
(المنفوش): هو الصوف المنتشر المتفرق.
نقيرًا
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣].
(نَقِيرًا): النقرة في ظهر النواة تنبت منها النخلة، والمقصود: لو كان شيء من الملك بيدهم ما أعطوا أحدًا أقل القليل من الخير.
* ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرا﴾ [النساء: ١٢٤].
(نَقِيرًا) أي: لا يُظلمون ولا مقدار النقرة التي تكون على ظهر النواة؛ فالله حافظ لأعمالهم لا يبخسهم شيئًا، بل ينميها ويضاعفها بكرمه وفضله.
* وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [الإسراء: ٧١].
(فَتِيلًا) الفتيل: هو الخيط الذي يكون في شق نواة التمرة؛ أي: لا ينقصهم من أعمالهم شيئًا.
وقريب منه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، القطمير: لفافة النواة، والمعنى: لا يمكلون شيئًا.
نكير
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨].
(نَكِيرِ) أي: كيف كان إنكاري عليهم الكفر والتكذيب بإيقاع العذاب والعقوبة عليهم؟!
* ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦].
(نَكِيرِ) أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم؟! وكان إنكار الله لهم بالعقوبة الأليمة المطابقة لحكمته وبأسه؛ فكان إنكارًا شديدًا لم يُبقِ منهم أحدًا، وقد تكررت في الآيات وكلها بهذا المعنى.
* وأما في قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَّكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧].
стр. 320
(وَمَا لَكُمْ من نكِير) لها معنيان كلاهما صحيح.
١ - أي: ولا يمكنكم أن تُنكروا، فلا حجة لكم ولا برهان.
٢ - أي: لا أحد يُنكر ما نزل بكم ويدفعه عنكم.
ننسخ
قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦].
(نَنْسَخْ) النسخ في هذه الآية له معنيان:
١ - معنى الإزالة؛ كقولهم: (نسَخَتِ الشمس الظل) فيكون معنى الآية كقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩].
- والنسخ في القرآن له ثلاثة أوجه:
أ- نسخ الحكم مع بقاء اللفظ: كوصية الوالدين والأقربين؛ قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
ب- نسخ لفظ مع بقاء الحكم: مثل آية الرجم.
ج- نسخ لفظ وحكم معًا: مثل آية التحريم بعشر رضعات.
ومثل معنى الإزالة قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] أيْ: يُزِيله.
٢ - معنى تبديل الشيء بغيره؛ أي: نسْخ الحكم؛ فيكون حلالًا بعد تحريم، أو حرامًا بعد حِلٍّ، ونسخ عبادة إلى خير منها.
والمعنى: ما بدلنا من آية نأت بخير منها؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١].
أما النسخ بمعنى النقل من موضع لآخر مع بقاء الأصل -وهو معنى ثالث- فقد استبعده بعض المفسرين لهذه الآية، ومعناه: ما ننقل وننسخ من اللوح المحفوظ وننزله؛ لأن القرآن كله منسوخ من اللوح المحفوظ، وهذا المعنى يفسره قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] أي: نكتب أقوالكم وأفعالكم في صحائف الأعمال، فننقل من أعمالكم وأقوالكم نُسخة في الصحائف، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّا﴾ [مريم: ٧٩].
следующие страницы →