← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30053

الكاشف لدقائق المفردات القرآنية

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (544 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهذا من رحمة الله تعالى بعباده؛ فهو خالقهم، وهو المتكفل بهم ورازقهم في الدنيا وإن عصوه، ويمهلهم ويملي لهم. ولكن ليس بمُغن عنهم ذلك من طول العذاب بعد الموت، ممن توفّي منهم على الشرك. نضّاختان قال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]. (نَضَّاخَتَانِ) النضخ: هو الانتثار وشدة فوران الماء من ينبوعه؛ تقول العرب: (نضخ دم القتيل) أي: انتثر بعيدًا. فالعين النضاخة؛ أي: الفوَّارة والجيَّاشة بالماء، فينتشر حولها ويتفجَّر من ينبوعه. والآية تشير إلى أمرين: ١ - لم تحدد بماذا تنضخ العينان، وماذا ترشُّ وتنثر على أهل الجنة؛ مما يدل على التنوُّع: فهي تنضخ بالماء، وأطيب العطر، وبما لا يخطر على البال. ٢ - وصيغة المبالغة (نضّاختان) توحي بالقوة وشدة الفوران، كما توحي بالاستمرار وعدم الانقطاع؛ وذلك من تمام النعيم الذي وُعِد به أهل تلك المنزلة من منازل الجنة. نظر مفردة (نظر) لها معانٍ في القرآن الكريم واللغة: ١ - النظر بالعين. ٢ - النظر والتأمل العقلي. ٣ - الانتظار أو الإمهال. - فجاءت بمعنى: (النظر بالعين) في المواضع التالية: * ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ [التوبة: ١٢٧]. نظر بعضهم إلى بعض يريدون الهرب، وينتظرون بذلك الفرصة للخروج من المكان! * ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. يريد: النظر بالعين.

стр. 317

* ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]. أي: الموت -على أرجح الأقوال- رأيتموه أمام أعينكم فرأيتم من استشهد أمامكم في غزوة أحد. - وكذلك جميع كلمة (تنظُرون) في القرآن، بضم الظاء. - وجميع مفردة (ناظرين) ومنها: * ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] أي: الرائين. إلا ما جاء في [سورة الأحزاب: ٥٣] ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ فهي من الانتظار. - وجاءت بمعنى: (النظر التأملي بالعقل) كقوله تعالى: * ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢١ - ٢٢]. نظر في أمر القرآن مرة بعد مرة، وكيف يردّ عليه، وماذا يقول فيه!! على أكثر الأقوال، وقيل: نظر في وجوه القوم. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. * ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧]. سننظر في أمرك؛ حتى نتيقن من صدق قولك. * ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس: ٢٤]. * ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ [الطارق: ٥]. نظر تأمل واعتبار. * ومثلها: جميع ما جاء مقترنا ب (كيف)؛ كقوله: «انظر كيف … ». - أما ما جاء بمعنى: (الانتظار): * ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. (انظُرُونَا) أي: انتظرونا. * ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل: ٣٥]. (فَنَاظِرَة): منتظرة. * ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ [الأنعام: ٨]: لا يُمْهَلون. * ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]: ينتظرون.

стр. 318

* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. (ناظرين): غير منتظرين أوان نضجه. * ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ [الأعراف: ١٩٥] لا تُمهلون. - وقد تكرر اللفظ، وكله بنفس المعنى. نغرينك قال تعالى: ﴿لَّئِن لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠]. (لَنُغرِيَنَّكَ) تحتمل معنيين: ١ - من الإغراء: وهو التحريض والتحريش. أي: لنحرضنّك ونسلطك عليهم. ٢ - من الغراء: وهو ملازمة الشيء واللصوق به؛ تقول العرب: (غَرِيتُ بِالرَّجُلِ غَرًى) إذا لَصِقْتَ بِهِ. والمعنى: سنسلطك عليهم ونزيل الموانع بينك وبين ما يحول دون الإمساك بهم؛ حتى تظفر بكل شيء من أموالهم وأنفسهم؛ فلا يقدروا على الفكاك. * ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]. (فَأَغرَينَا): من الإغراء، وهو التحريض بعضهم على بعض بكثرة الجدل والخصام والأهواء المختلفة، ومن (الغِراء) أي: جعلنا العداوة بينهم متأصلة فيهم وملازمة لهم لا تفارقهم؛ جزاء نسيانهم ما ذُكّروا به. نفشت قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. (نفَشَتْ) أصل النفش: الانتشار والتفرق، ونفش الغنم أو غيرها: هو انتشارها للرعي ليلًا بلا راع يحكمها. والمعنى: أن غنم قوم دخلت مزرعة قوم آخرين ليلًا بلا راع، فعاثت فيها وأفسدت ثمارها ومحاصيلها؛ فاشتكى صاحبها إلى داود وسليمان ﵉.

стр. 319

* ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. (المنفوش): هو الصوف المنتشر المتفرق. نقيرًا قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]. (نَقِيرًا): النقرة في ظهر النواة تنبت منها النخلة، والمقصود: لو كان شيء من الملك بيدهم ما أعطوا أحدًا أقل القليل من الخير. * ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرا﴾ [النساء: ١٢٤]. (نَقِيرًا) أي: لا يُظلمون ولا مقدار النقرة التي تكون على ظهر النواة؛ فالله حافظ لأعمالهم لا يبخسهم شيئًا، بل ينميها ويضاعفها بكرمه وفضله. * وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [الإسراء: ٧١]. (فَتِيلًا) الفتيل: هو الخيط الذي يكون في شق نواة التمرة؛ أي: لا ينقصهم من أعمالهم شيئًا. وقريب منه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، القطمير: لفافة النواة، والمعنى: لا يمكلون شيئًا. نكير قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨]. (نَكِيرِ) أي: كيف كان إنكاري عليهم الكفر والتكذيب بإيقاع العذاب والعقوبة عليهم؟! * ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦]. (نَكِيرِ) أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم؟! وكان إنكار الله لهم بالعقوبة الأليمة المطابقة لحكمته وبأسه؛ فكان إنكارًا شديدًا لم يُبقِ منهم أحدًا، وقد تكررت في الآيات وكلها بهذا المعنى. * وأما في قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَّكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧].

стр. 320

(وَمَا لَكُمْ من نكِير) لها معنيان كلاهما صحيح. ١ - أي: ولا يمكنكم أن تُنكروا، فلا حجة لكم ولا برهان. ٢ - أي: لا أحد يُنكر ما نزل بكم ويدفعه عنكم. ننسخ قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]. (نَنْسَخْ) النسخ في هذه الآية له معنيان: ١ - معنى الإزالة؛ كقولهم: (نسَخَتِ الشمس الظل) فيكون معنى الآية كقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]. - والنسخ في القرآن له ثلاثة أوجه: أ- نسخ الحكم مع بقاء اللفظ: كوصية الوالدين والأقربين؛ قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. ب- نسخ لفظ مع بقاء الحكم: مثل آية الرجم. ج- نسخ لفظ وحكم معًا: مثل آية التحريم بعشر رضعات. ومثل معنى الإزالة قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢] أيْ: يُزِيله. ٢ - معنى تبديل الشيء بغيره؛ أي: نسْخ الحكم؛ فيكون حلالًا بعد تحريم، أو حرامًا بعد حِلٍّ، ونسخ عبادة إلى خير منها. والمعنى: ما بدلنا من آية نأت بخير منها؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]. أما النسخ بمعنى النقل من موضع لآخر مع بقاء الأصل -وهو معنى ثالث- فقد استبعده بعض المفسرين لهذه الآية، ومعناه: ما ننقل وننسخ من اللوح المحفوظ وننزله؛ لأن القرآن كله منسوخ من اللوح المحفوظ، وهذا المعنى يفسره قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] أي: نكتب أقوالكم وأفعالكم في صحائف الأعمال، فننقل من أعمالكم وأقوالكم نُسخة في الصحائف، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّا﴾ [مريم: ٧٩].

стр. 321

حرف الهاء هضيم قال تعالى في وصف النخل وثمره: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨]. (طَلْعُهَا هَضِيمٌ) الطلع: الثمر، وهضيم يعني: منضم متلاصق بعضه إلى بعض، وقيل: الهضيم يدل على لينه ورطوبته ويسر هضمه، ولا يتعارض المعنيان. * وقال تعالى في وصف النخل كذلك: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]. (بَاسِقَاتٍ) الباسق: هو الطويل. (نَضِيدٌ): هو المتراكب بعضه فوق بعض كما نرى في ثمر النخل. * وقال: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [الرحمن: ١١]. (الْأَكْمَامِ): الليف الذي هو كالوعاء يحتوي التمر، سميت أكمامًا؛ لأنه يتكمَّم داخلها، وكل ثمر عند بدايته يكون متكمّمًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٨]. * ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩]. (قِنْوَانٌ): هي عذوق النخل المتدلية التي يتهدّل منها التمر فتدنو من الأرض. * ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤]، وهو وصف لسوق النخل وجذوعها. انظر: حرف الصاد (صنوان). همزة قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. (هُمَزَة) اختلف المفسرون في الفرق بين (الهمز) و (اللمز)، ونقول باختصار: * الهمزة: جمع همَّاز، وأصل الهمز: الدفع والضرب؛ فهو يكون بالفعل، بعكس اللمز: يكون بالقول، كما يكون بالإشارة. تقول العرب: (همز الدابة) أي: ضربها أو غمزها ودفعها بشيء، و (همز الشيطان) هو نَغْزُه للإنسان؛ سواء بالمس أو الأذى، أو أزِّه ودفعه لهم إلى المعاصي، والعياذ بالله! والهماز من الناس: يكون بالفعل؛ سواء باليد أو العصا أو غيره، ويطلق كذلك على من يطعن في الناس ويغتابهم من ورائهم.

стр. 322

* ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] فال (همَّاز): الذي يطعن في الناس من ورائهم ويغتابهم. (لُمَزَةٍ) أصل اللمز: بالقول أو الإشارة بالعين، أو الإيماء بالرأس أو غيره، وقيل: الذي يعيب الناس وينتقصهم أمامهم؛ تقول العرب: (لَمَزَهُ بلسانه) أي: سخر منه، فاللمزة: جمع لمّاز، وهو الذي ينتقد الناس ويسخر منهم وينتقصهم. * ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. (يلمزك) أي: يعيبك وينتقدك ويتهمك في عدلك. * ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]. (يَلْمِزُونَ) أي: يعيبونهم ويحتقرون صدقاتهم؛ لقلة ذات اليد وتصدقهم بالقليل، فيقولون: إن الله غني عن صدقة هذا. وحتمًا لم يكن اللمز هنا مواجهةً؛ فإن اللمز يكون بالقول مواجهة وبغير مواجهة. * ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. (تَلْمِزُوا) أي: لا يعَيِّر بعضكم بعضًا، وينتقص بعضكم بعضًا.

стр. 323

حرف الواو واصبًا قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢]. (وَاصِبًا) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - من وصب، يقال: (وَصَبَتْ عليهم الحُمّى) أي: دامت، فالواصب: هو الدائم. ٢ - من الوَصَب: وهو الشدة، يقال: (الوَصَب والنَّصَب) أي: الشدة والتعب. فالمعنى: له الدِّين حقًّا ثابتًا دائمًا، وله الدِّين تكليفًا واجبًا على العباد. * وقال في شأن الجن عند محاولة استراق السمع: ﴿دُحُورا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٩ - ١٠]. (وَاصِبٌ) أي: عذاب دائم لا ينقطع، وعذاب شديد لا يَضْعُف. وبيلًا قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ [المزمل: ١٦]. (وَبِيلًا) أي: عذابًا شديدًا ثقيلًا لا رحمة فيه. * ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. (وَابِلٌ) أي: المطر الثقيل. * ومنها قوله تعالى -وقد تكررت في القرآن الكريم-: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩]. (وَبَالَ) أي: ثِقل الأمر وسوء العاقبة؛ فالوبال في الأصل: هو الثقَل والشدة والمكروه. وراءهم قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبا﴾ [الكهف: ٧٩]. كلمة (وراء) من الأضداد؛ فتأتي بمعنى: خلف، وتأتي بمعنى: أمام، وتأتي بمعنى: بَعد، وتأتي بمعنى: الإحاطة. وفي هذه الآية بمعنى أمام: (وكان وراءهم ملك) أي: أمامهم أو بعد وصولهم، وليس خلفهم.

стр. 324

* ﴿وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. (ومن ورائهم برزخ) أي: أمامهم أو بعد موتهم، وليس خلفهم. * ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا﴾ [الإنسان: ٢٧]. (ويذرون وراءهم): أمامهم أو بعد موتهم، وكذلك المقصود: لم تبالوا به، وأعرضتم عنه وتركتموه وراءكم. * ﴿مِّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠]. (من ورائهم) أي: أمامهم أو بعد نشورهم، وليس خلفهم. - أما بمعنى: خلف، أو بعد؛ مثل الآيات التالية: * ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: يلحقه من بعده أو خلفه. * ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]. (وراء ظهوركم) أي: خلفكم. * وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]. (وراءكم ظِهْرِيًّا) أي: خلف ظهوركم، والمراد: لم تبالوا به. - وتأتي بمعنى: الإحاطة؛ * ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُّحِيطُ﴾ [البروج: ٢٠]. (مِنْ وَرَائِهِم مُحِيطٌ) أي: بعلمه وقدرته من أمامهم، وبين أيديهم ومن خلفهم. - وبمعنى سِوى، أو عدا؛ * ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. (ما وراء ذلكم) أي: ما سواه أو ما عداه. * ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]. (ويكفرون بما وراءه) أي: بما سواه. وهكذا باقي الآيات بأحد هذه المعاني الثلاثة يبينها السياق. وِردًا قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدا﴾ [مريم: ٨٦]. (وِرْدًا) أي: عطاشًا، وأصل معنى الوِرْد: هو الإتيان إلى الماء، ولا يردُ أحدٌ الماء إلا بعد عطش غالبًا؛ كقوله

стр. 325

تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أي: أتاها يريد الشرب. وهي هنا في سياق جهنم تحقيرًا ومهانة لهم؛ فهؤلاء يساقون عِطَاشًا أعطش ما كانوا عليه قط ليردوا ويشربوا؛ لا من الماء ولكن من حميم وغساق جهنم، فيَرِدُون النار بدلًا من الماء، نسأل الله السلامة! * ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]. (فأوردهم): فهذا فرعون وأمثاله يتقدم قومه يوم القيامة، فيكون قائدهم إلى ورود نار جهنم، فبدلًا من أن يجد الظل والماء يجد الحميم والغساق؛ فبئس (الورد المورود): بئس مكان الورود لمن ورده. * ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩]. (مَا وَرَدُوهَا) أي: ما دخلوها واحترقوا فيها هم وآلهتهم. وقد ذُكِرت آيات أخرى بمعنى الدخول: * ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. (وَ ارِدُونَ) أي: داخلون. * ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا﴾ [مريم: ٧١]. (وَارِدُهَا) أي: داخلها ولو بالمرور على الصراط. فائدة: وردت هذه اللفظة في حديث الحوض، حيث قال ﷺ : «لتَزْدَحِمَنّ هذه الأمّةُ على الحوض ازدحام إبلٍ وَرَدَتْ لِخَمْسٍ» حسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٠٦٨). فجميع الناس يقومون يوم القيامة عطاشًا كإبلٍ حُبست عن الماء خمسة أيام، فإذا قاموا من قبورهم عطشى فزعين كالفراش المبثوث، تُنَادِي الأنبياءُ أتباعهم للشرب والارتواء، فيشرب الصالحون من أحواض أنبيائهم شربة لا يظمأون بعدها أبدًا؛ فإن لكل نبي حوضًا يدعو إليه من اتبعه، وأوسع الأحواض وأكثرها ورودًا حوض نبينا محمد ﷺ كما قال: «إن لكلِّ نبيٍّ حوضًا، وإِنَّهم يتباهَوْنَ أيُّهم أكثرُ وارِدَةً، وإِنَّي أرجو أنْ أكونَ أكثرَهم واردَةً» صحيح الجامع (٢١٥٦). وردة قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧].

стр. 326

(وَردَة كالدِّهَانِ) يصِف الله تعالى حال السماء يوم القيامة أنها ستكون مُحْمَرة احمرار الوَرْد الأحمر، وقوله: (كالدِّهان) أكثر الأقوال أنه: الشيء المُذاب؛ كالزيت المذاب والأصباغ، والنحاس والرصاص المذاب. فيكون المعنى: تذوب السماء فتكون كالزيت وكالأصباغ الحمراء التي يُدهن بها، وكلون الورد في شدة الاحمرار؛ وهو وصف مخيف لو تخيله السامع بعد أن كانت زرقاء جميلة. * وقال تعالى في وصفها كذلك: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرا﴾ [الطور: ٩]. (تَمُورُ) المَور: هو الاضطراب والدوران. أي: أن السماء تضطرب وتتشقق وتتفتح، وتختلف ألوانها وحركتها، ويموج بعضها في بعض. وفي معنى المَور قال تعالى: ﴿ءَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]. (تَمُورُ) أي: تتحرك وتضطرب بكم حتى تُهلككم. وجاء في وصف السماء يوم القيامة كذلك: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]. (كالمُهلِ) أي: كالزيت المغلي، وقيل: كالنحاس المُذاب، وهو ما يتوافق مع قوله تعالى: (وردة كالدِّهان). وورد في المُهل كذلك: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] وهو طعام أهل النار، الزقوم يكون له في البطون أثر الزيت المغلي الذي يقطّع الأمعاء، نسأل الله السلامة! وزر قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١٠ - ١١]. (وَزَرَ) الوزر أصلها من الثِّقَلِ؛ فالمعنى (لا وزر): لا ثقل تستند إليه وتختبئ وراءه، أو ملجأ تحتمي به. * ومنها ما جاء بمعنى: المؤازرة؛ ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩]. (وزيرًا) فهارون وَزَرٌ لموسى ﵉، فهو ثقل له يدعمه ويسانده. * ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] أي: أثقالها وآلاتها. والثقل يطلق أيضًا على الذنب؛ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨]. (لا تزر) أي: لا تحمل، (وازرة) أي: كل نفس مثقلة بذنبها، (وزر أخرى) أي: ذنب غيرها. * ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام: ٣١]. (أوزارهم) أي: ساء ما يحملون من أثقال الذنوب.

стр. 327

* ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشرح: ٢]. (وزرك) أي: حملك الذي أثقل ظهرك، والمقصود به: الذنب. * ومنها قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا﴾ [الفتح: ٢٩]. (فَآزَرَهُ) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - من الموازرة: وهو الاستواء، والمعنى: لحقوهم في قوة الإيمان. للمزيد انظر: مفردة (شطأه) في حرف الشين. ٢ - من المؤازرة، أي: شدَّ من أزره وقوَّاه وأعانه. وسق قال تعالى: ﴿وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]. (وما وسق) أي: وما جَمَع؛ تقول العرب: (وسَقت الشيءَ) أي: جمعته وحملته. وفي الآية الكريمة يقسم الله تعالى بالليل وما وسق؛ أي: وما جمع وما ضمّ في أجوائه المظلمة من خبايا، مما يخرج فيه من هوام ووحوش وغير ذلك، وما ستر ظلامُه من خير وشر. الوسيلة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. (الوَسِيلَة) من توسَّل؛ أي: طلب القُرب. والمعنى: اطلبوا القرب إلى الله باتّباع ما أمركم به من جهاد وسائر العبادات. * ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾ [الإسراء: ٥٧]. (الوَسِيلَة) أي: القرب من الله.

стр. 328

يخبر الله تعالى عن غريب فعل المشركين: فإن الذين اتخذوهم آلهة وعبدوهم من دون الله من ملائكة أو أنبياء وصالحين وغيرهم، في شغل شاغل عنهم بالافتقار إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه، ويتنافسون أيّهم في ذلك أقرب من ربه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. فائدة: ليست الوسيلة كما يظن بعض الجهلة أنها: التوسل إلى الله بجاه النبي أو جاه الولي، بل الوسيلة هي ما يتوصَّل به إلى الله من الأعمال الصالحة التي تُقرِّبنا إليه. أما ما ندعو به بعد فراغ المؤذن: (اللهم آت محمدًا الوسيلة والفضيلة) فالوسيلة: أعلى درجة في الجنة، اشتُقّ معناها من القرب؛ لأنها أقرب الدرجات إلى العرش، قَالَ رسول الله ﷺ : «سَلُوا الله لِيَ الوَسِيلَةَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الوَسِيلَةُ؟ قَالَ: (أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ؛ لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُو) صححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٦١٢). وصَّلْنا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١]. (وَصَّلنَا) من التَّوْصِيلُ: وهو مُبالَغَةٌ في الوَصْلِ، وهو ضَمُّ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى بَعْضٍ، يُقالُ: (وصَلَ الحَبْلَ) إذا ضَمَّ بَعْضَه إلى بَعْضٍ فَصارَ حَبْلًا. (القَوْلُ) المُرادٌ بِهِ: القُرْآنُ. والمعنى: بالغنا في وصله متتابعًا لهم، وموصولًا بالحِكَم والمواعظ والبراهين الدالة على الرشد، ومبينة لطريق الهدى. فائدة: قال: (وصلنا لهم) ولم يقل: (وصلنا إليهم) فالتعدية باللام تشير إلى معنى زائد على مجرد التوصيل والبلاغ: وهو البيان والتفصيل مما يقيم الحجة عليهم. وصية قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. (مِنْ بَعدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ): - الوصية: هي: طلب التبرّع بقدر من المال بعد الموت، ولا تجب إلا لمن عليه حقوق للغير ولا شاهد عليها أو بيّنة.

стр. 329

- الدَّيْن: هو كلّ ما في الذمّة من أموال، قال ابن عثيمين ﵀ في تفسيره: «فالأجرة دَيْن، والقرض دَيْن، وثمن المبيع دَيْن، والصَّداق على الزوج دَيْن، وعِوَض الخلع على الزوجة دَيْن، وأَرْشُ الجراحات دَيْن، كل ما ثبت في الذمة فهو دَيْن؛ فيقدم الدَّيْن على الميراث، فلو قُدِّر أن الدَّيْن يستغرق جميع المال، فلا شيء للورثة». فهذه الآية الكريمة وغيرها بيَّنت أن الميراث حقٌّ مؤخَّر بعد تنفيذ الوصية والدَّيْن. لكن الدَّيْن مقدّم على الوصية، فلماذا أخّره الله تعالى في الآيات؟ والجواب أن من حكمة ذلك: ١ - بيان أهمية الأخذ بالوصية، وحتى لا يُستهان بها. ٢ - لأن الدَّيْن له مُطالِب، فأخّره على الوصية وقدمها؛ لأنها لا مُطالِب لها. فائدة: الوصية لها شرطان: ١ - ألا تكون لوارث؛ فالوارث له حصته من الورث، لا يجوز أن يوصى له بأكثر من ذلك. ٢ - ألا تزيد على مقدار الثلث. وكذلك للمُوصِي شروطٌ يُرجع فيها إلى أهل العلم. * ومثل هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]. (مِنْ بَعدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَين) هَذَا فِي مِيرَاثِ الْأَزْوَاجِ من الزوجات: فيكون بعد تقديم الدَّيْن والوصية. (من بَعدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَين) هَذَا فِي مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ من الأزواج: فيكون بعد تقديم الدَّيْن والوصية. (مِنْ بَعدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ) وهذا في فرض الأخ الميت الموروث كَلَالة: ولا يَتِمّ إلا بعد تقديم الوصية والدَّيْن.

стр. 330

و (الكلالة) أي: بلا والد ولا ولد، فإخوته وأخواته لهم نصيب من ميراثه وتركته، ولكن لا يكون لهم هذا الحق إلا من بعد قضاء دَيْن الميت، وبعد إنفاذ وصاياه الجائزة، التي يوصي بها في حياته لتنفّذ بعد مماته. الوصيد قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبا﴾ [الكهف: ١٨]. (بِالْوَصِيد) اختُلف في تفسيره، والظاهر أنه: فتحة باب الكهف؛ لأن (الوَصِيدَ) من أَوْصَدَ الباب؛ أي: أغلقه. والإيصاد: هو الإغلاق. والبديل للباب هنا هو فتحة الكهف. * ومن أصل المعنى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ﴾ [البلد: ٢٠]، ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]. (مُؤْصَدَةٌ) أي: مغلقة مطبقة، والعياذ بالله. وقرًا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورا﴾ [الإسراء: ٤٦]. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرا﴾: الوقر هو الثِقَل، وقد تكررت في القرآن الكريم، والوقر في الأذن: هو ما يُثقلها ويسدّها عن السماع. * ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرا﴾ [الذاريات: ٢]. الحاملات: هي السحب مثقلة ومحمّلة بالماء؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢)﴾ [الرعد: ١٢]. وليجة قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]. (وليجة) أصلها من: الولوج والدخول، والوليجة هنا: هو الرجل يدخل في قوم للخيانة والتجسس وهو ليس منهم. والمعنى: (أم حسبتم) والخطاب للمؤمنين بعدما أمرهم بالجهاد (أن تُتْركوا) دون ابتلاء وامتحان يُظهِر

стр. 331

حقيقة الصادق من الكاذب؛ فيَتبيّن من يجاهد في سبيله حقًّا ممن يداهن، ويتخذ بطانة ودُخلاء من المشركين يوادُّونهم ويفشون إليهم أسرار المسلمين؛ لأن ذلك من النفاق والخيانة. * ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. (يلج) يدخل. انظر تفسير الآية في حرف الجيم (الجمل). * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١]. (يُولِجُ) يُدخل كل منهما في الآخر، مما ينتج عنه تعاقبهما في سلاسة وانتظام؛ وينتج عن ذلك فصول السنة، وقصر أيام الشتاء وطول لياليه، وطول أيام الصيف وقصر لياليه.

стр. 332

حرف الياء يُبتِّكن قال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينا﴾ [النساء: ١١٩]. (فَلَيُبَتِّكُنَّ) من الفعل بَتَكَ؛ أي: قطع. تقول العرب: (سيفٌ باتِك) أي: قاطع. وقيل: (البتك) هو قطع الشيء من أصله. والمعنى: قَطْعُ الأذنِ من أصلها، أو شَقُّها لتكون علامة على أنها للآلهة وتحريمها عليهم فلا ينتفعون بها بأي صورة. والتشديد في الأفعال مع (لام القسم) دلالة على شدة التوعّد بكثرة العمل، وكثرة المستجيبين له. يُبْلس قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]. (يبلس) الإبلاس: هو اليأس وانقطاع الرجاء والحجة، وشدة الحيرة؛ ومنه اشتق اسم (إبليس). * ﴿وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] أي: يائسين قانطين. * ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] أي: آيسون من تخفيف العذاب، قانطون من أي خير. * ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧] أي: آيسون من رحمة الله ﵎. * ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] أي: آيسون من النجاة، مستسلمون للعذاب. يبيتون قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]. (يُبَيِّتُونَ) أصل كلمة (يبيتون) من تبييت الأمر ليلًا، ولكن العرب تستعمل هذا التعبير للدلالة على السرية والخفاء؛ لأن الليل أكتم للسر، وأبعد عن اطلاع الناس عليه. تقول العرب: (بيَّتَ الرجل الأمر) أي: دبَّره ليلًا، أو في الخفاء، و (بيَّت فلانٌ لفلانٍ أمرًا) أي: دبَّر ضده أمرًا في الخفاء.

стр. 333

والمقصود هنا: تدبير الأمر خِفْية؛ فهم يدبرون ويضمرون في قلوبهم ومع بعضهم البعض، وليس بالضرورة أن يكون التدبير ليلًا؛ فالمقصود الخفاء والسّرّيّة، فكل تدبير في الخفاء يسمى تبييتًا، والآية تتحدث عن خيانة نفر من المنافقين وكذبهم على رسول الله ﷺ . * ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]. (بَيَّتَ) (وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ): أي: دبروا خِفية خلاف ما قالوا، وهم المنافقون أيضًا، لكن الله تعالى مطلع عليهم، وخيانتهم الخَفيّة ومكائدهم السرية مكتوبة محفوظة، وسيجازيهم عليها. * ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. (لَنُبَيِّتَنَّهُ) أي: لندبَّرنَّ أمر قتلهم ليلًا، أو في الخفاء. (تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ) أي: أقسم كل منهم لصاحبه، وتبادلوا الحلف على ذلك. يتبدل قال تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. (يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ) التبديل يستخدم في اللغة في أمرين: ١ - التبديل بمعنى التعويض؛ أي: يستبدل الشيء بالشيء. * كما قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]. والمعنى: ومَن يستبدل الإيمان ويجعل الكفر عِوضًا عنه. ٢ - بمعنى التغيير وتحويل الشيء نفسه إلى شيء آخر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، فتحولت وتغيرت الجنتان. والمعنى: أنه مَنْ يُبدّل الإيمانَ فقد غيّر ما في القلب وما فطره الله عليه إلى الكفر، وذلك بتكلف الأسئلة المتعنتة؛ مثل: فِعل بني إسرائيل مع موسى ﵇. فاللفظ (يتبدَّل) يشتمل على: معنى التعويض، ومعنى التغيير؛ فكلاهما صحيح.

стр. 334

* ومثل ذلك: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرا﴾ [النساء: ٢]. (تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ): ١ - أي: لا تستبدلوا الطيب من أموالهم وتعطوهم مكانه الرديء. ٢ - لا تخلطوا أموالكم مع أموالهم فتأكلوها جميعًا؛ فتغيّروا طيبتها حَرامًا. يتَسنّه قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. (لَمْ يَتَسَنَّهْ) اللفظ مأخوذ من (السَّنة) وهي العام؛ أي: لم يتغير ريحُه وطعمه بمرِّ السنين ومُضيّ الأعوام عليه. تقول العرب: (سَنهَتِ النخلة) أي: مضت عليها الأعوام. * ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. (مسْنُون) أي: متغير اللون والرائحة من طول المكث. * ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]. (غَيْرِ آسِنٍ) أي: غير متغير اللون والطعم والرائحة من طول المكث. يتنازعون قال تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]. (يتنازعون) التنازع هنا بمعنى: التداول والتجاذب، فهي مداولة الكؤوس من خمر الجنة وتعاطيها، فيتناولونها من الغلمان كأسًا بعد كأس؛ فليس معنى التنازع هنا: الخصام والتدافع على الكؤوس. * وقريب منها في المعنى قوله تعالى عن قوم أصحاب الكهف: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدا﴾ [الكهف: ٢١] أي: يتداولون الأمر بينهم، ويتجاذبون الرأي: ماذا يفعلون بجثث أصحاب الكهف؟! ويجوز أن يكون معنى (يتنازعون) هنا: يختلفون في شأنهم. * وقريب منها في المعنى قوله في سحرة فرعون: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] أي: تداولوا الأمر فيما بينهم وتشاوروا فيه.

стр. 335

* أما حينما قصد التفرق والاختلاف والتشتت، وكل يدّعي أنه على حق قال: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرا﴾ [المؤمنون: ٥٣]. يتنافس قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨]. (فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ) التنافس هنا يجمع بين معنيين: ١ - تنافس مع الغير، وأصله من: النَّفَس إذا تسارع بسبب المباراة والاستباق للظفر بالشيء. فيكون المعنى: فليتبارَ المتبارون للفوز به. ٢ - تنافس مع الذات إذا رغبت في الحصول على الشيء، وأصله من: النفيس، وهو الثمين؛ تقول العرب: (مال منفوس) أي: مرغوب فيه. فيكون المعنى: فليرغب الراغبون؛ فهو مجاهدة النفس للوصول إلى ما ترغب. * إذًا: الآية الكريمة فيها حث جماعي للمسابقة والتواصي للوصول، وفيها حث فردي لمجاهدة النفس في نيل النعيم الموصوف في الآيات. فائدة: مُجمل الآيات السابقة يصف نوعين من شراب أهل الجنة: ١ - شراب الأبرار: وهو رحيق؛ أي: خمر الجنة يجدون في ختامه وفي نهايته طعم المسك، ويُمزج لهم من عين التَّسْنِيم، قيل: سُميت بذلك لارتفاعها وتسنّمها، وتدفقها من عُلو (كما في الشلالات ربما) ولعلو مذاقها وبلوغه قمة اللذة؛ فهذا شراب الأبرار: خمرٌ مختومة بطعم المسك، ممزوجة بعين التَّسْنِيم. ٢ - شراب المقربين: وهو من عين التَّسْنِيم صِرفًا، وهي خصيصة تميَّزوا بها، وطعمٌ فريد وهو الشرب من هذه العالية حسًّا ومعنى لعلوّ درجاتهم، نسأل الله العظيم من فضله! يثبتوك قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. (ليثبتوك) أي: ليقيدوك ويحبسوك، من الإثبات: وهو الحبس والوِثَاق.

стр. 336

ومكرهم: هو القصة المعروفة حينما أرادوا قتل رسول الله ﵊، وتآمروا عليه في دار النَّدْوة، فأطْلَع اللهُ نبيَّه على ذلك؛ فخرج إلى غار بجبل ثَوْر، وجعل عليًّا ﵁ في فراشه، وذلك في قصة الهجرة إلى المدينة. يجمحون قال تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]. (يَجْمَحُونَ) الجموح: هو السرعة التي لا يَرُدّها شيءٌ. والآية الكريمة تبيّن حال المنافقين وصفاتهم، وهي: الجُبن، والكذب؛ فهم يعيشون بينكم بهذه الصفات من شدة خوفهم من المؤمنين أن تظهر حالهم ويفتضح كفرهم فيُقتَلوا، ولو استطاعوا لفارقوكم وهربوا منكم إلى أي ملجأ أو مغارة. (أو مُدَّخَلًا) أي: مكانًا أو حتى شقًّا أو نفقًا في الأرض لو استطاعوا أن يدخلوه ويتخفوا فيه لفعلوا، وهم مسرعون مندفعون من شدة الخوف؛ فليس لديهم شجاعة أن يبينوا حالهم لكم. يُحْفِكم قال تعالى: ﴿وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦ - ٣٧]. (فَيُحْفِكُمْ) الإحفاء: هو الإلمام والاستقصاء. و (يحفكم) أي: يطلب منكم كلّ أموالكم؛ فتشعرون بالحرج وثِقَل المسألة. ومعنى الآية: أن الله ﵎ لا يلزمكم الخروج من أموالكم كلها، بل شرع لكم إنفاق بعضها؛ فإنه إن طلب منكم إنفاقها كلها لبخلتم ولخرجت أضغانكم في كراهية أوامر الله؛ لأنه يعلم طبيعة البشر في حب المال. * ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. (حَفِيٌّ) أي: عالم بها، ملمٌّ بكل أمورها.

стр. 337

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّا﴾ [مريم: ٤٧]. (حَفِيًّا): لها معنيان: ١ - حفيّ: من الحفاوة والإكرام به. ٢ - حفيّ: من العلم والإحاطة؛ أي: كان عالمًا بكل أمري. يحور قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١١ - ١٤]. (إنه ظن أن لن يحور) يحور من: الدورة والعودة والرجوع؛ تقول العرب: (لا تسخرن من شيء فيحور بك) أي: يرجع إليك. والمعنى: إن هذا المكذِّب حَسِبَ أنّه لن يعود إلى الله في الآخرة، وأنه لن يبعث ويجازى؛ فالتهى بدنياه عن آخرته، ولم يكن يبالي بالمآثم والمعاصي؛ فسوف يفاجأ بسوء العاقبة وينادي بالويل ندمًا وحسرة! فائدة: جاء في الحديث الشريف: (الاستعاذة من الحَوْرِ بعد الكَوْر) أي: من تغيّر الحال للأسوأ، والرجوع بعد الإقدام. تقول العرب: (كار الرجل) إذا أسرع. و (كار الرجلُ عمامته) أي: كوّرَها وشدها. فهي في مجملها تعني: الاستعاذة من الرجوع عن الطريق السّوِيّ بعد المسارعة فيه، وعن النقصان والتخاذل بعد اشتداد الهمة والزيادة. يخصفان قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ) أي: جعلا يخصفان، والخصف: هو الضم والجمع، وإلصاق الشيء بعضه ببعض. والمعنى: بعد أن أكلا من الشجرة بدتْ عوراتهما، فجعلا يلصقان أوراق الشجر عليهما بعضه ببعض. ومنها ما جاء في الحديث الشريف: «كان رسول الله ﷺ يخصف نعله» صححه الألباني في هداية الرواة (٥٧٥٩). أي: يخيط بعضه إلى بعض، أو يلصق عليه رقعة لإصلاحه.

стр. 338

يد قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. (عَنْ يَدٍ) لها عدة معان كلها صحيحة ولا تتعارض: وانظر مفردة (الأيد) في حرف الألف لاشتراكها معها في المعنى الأول: ١ - عن يد؛ أي: عن قوة وظهور لكم عليهم، حتى يدفعوها في طاعة واستسلام كاملة غير منقوصة. ٢ - عن يد؛ أي: عن فضل وإنعام عليهم؛ لأن الجزية فداء لأنفسهم فهي معروف في حقهم، فليشعر المسلمون بالتفضل عليهم في قبولها. ٣ - عن يد؛ أي: يسلمون الجزية نقدًا بأيديهم لاستشعار الذّل، فلا ينيبون في تسليمها أحدًا. يزجِى قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيما﴾ [الإسراء: ٦٦]. (يزجي) من (زجا الشيء) أي: دفعه لينساق. فالتزجية هي: دفع الشيء. (يزجي لكم الفلك) أي: هو الذي يُسَيّرُها ويجعلها تندفع وتجري في البحر. * ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابا﴾ [النور: ٤٣]. (يُزْجِي) أي: يسوق السحاب ويسيّره. * ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨]. (مزْجَاةٍ) البضاعة المزجاة: هي المدفوعة إلى السوق دفعًا، غير مرغوب فيها لكسادها. والمعنى: أن إخوة يوسف ﵇ قالوا له: جئنا ببضاعة كاسدة نسوقها معنا لا أحد يرغب فيها؛ فتقبلها منا وتصدق علينا بأكثر مما تستحق لظروفنا، ولِمَا رأوا من طيبته وإحسانه. يزفُّون قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٣ - ٩٤]. (يَزِفُّونَ) يزفون من (الزف): وهو الإسراع في المشي. يقال: (زَفّت النعامة) أي: أسرعت.

стр. 339

والمعنى: أن قوم إبراهيم أسرعوا إليه حينما علموا بما صنع ﵇ بأصنامهم. يُزلقونك قال تعالى: ﴿٥٠ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١]. (ليُزلِقُونك) من: (الزلق والانزلاق) أي: يسقطونك ويصرعونك بأعينهم من شدة النظر إليك بعداوة، مع ما تحمل تلك النظرات من إعجاب؛ فقد كان بعضهم منبهرًا بحُجج النبي ﵊ وبراهينه وفصاحة القرآن، رغم تكذيبهم حسدًا وغيظًا؛ فحفظ الله رسوله من شرهم. وهذه الآية تبين أثر العين في الإصابة والحسد، وأثر التحصين بالذكر والقرآن في صرف العين والحسد ودرء شرهما. يستحسرون قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]. (يَسْتَحْسِرُونَ) من: (حَسَرْتُ الدَّابَّةَ) إِذا سارت حَتَّى تعبت وتوقفت عن السير، و (حسر الْبَصَرُ) عِنْدَ وصوله أَقصى بُلُوغِ النَّظَرِ. فالاستحسار: هو الانقطاع والملل والإعياء؛ فهم لا يملُّون ولا يسأمون ولا يفتُرون، ولا ينقطعون عن عبادة الله ﵎. ومن مشتقات اللفظ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. (حَسِيرٌ) الحسير: هو الذي يتوقف إعياءً وتعبًا. فلو نظرتَ لترى عيبًا أو صدعًا لرجع إليك بصرُك كليلًا حسيرًا، وانقطع عن الوصول إلى ما تريد. * ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. (محْسُورًا) أي: فتقعد ملومًا على تبذيرك، ومحسورًا قد انقطع بك الحال وانقطع ما عندك؛ فتصبح نادمًا على تفريطك. فهي تحتمل المعنيين ولا تتعارض: ١ - معنى انقطاع الحال وعدم القدرة.

стр. 340

٢ - ومعنى الحسرة والغم على التفريط. يستحيون قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩]. (يَسْتَحْيُونَ): تكررت هذه اللفظة في كتاب الله، وهي من الحياة؛ أي: يُبقونهن أحياء؛ سواء للخدمة الشاقة، أو انتهاك الأعراض؛ لأن الله تعالى بَيّن أن إبقاءهن وقتل الذكور، كلا الأمرين بلاء عظيم. يستنكف قال تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعا﴾ [النساء: ١٧٢]. (يَسْتَنكِفَ)؛ تقول العرب: (نكِفَ الرجل) أي: أنِفَ وامتنع، يستنكف يعني: يأنف ويمتنع. والمعنى: لن يأنف ويمتنع عيسى الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدًا لله، ولا الملائكة المقربون الذين هم أفضل وأشرف منكم أيها المستنكفون؛ فهم عابدون خاضعون لله، (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا). فائدة: الفرق بين (يستنكف) و (يستكبر): قيل: الاستنكاف أشد من الاستكبار؛ فهو التكبر مع الأنفة والعزة والتطاول، فيرى -مثلًا- أنه من كبار القوم، فكيف يكون عبدًا!! فيأنف ويمتنع. وكاستكبار إبليس عن السجود لآدم؛ فهو استكبار أنفة حين رأى أنه خُلق من نار، فكيف يسجد لمن خُلق من طين؟! أما الاستكبار: فهو مجرد العلو والتكبر عن قبول الحق عنادًا وتمردًا، والمعنى: من يمتنع عن الإقرار بالعبودية لله ويستكبر عن الإذعان لطاعته، فسيجمعهم يوم القيامة للحساب العسير. * ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيما﴾ [النساء: ١٧٣]. (استَنكَفُوا) أي: أمّا الذين أصروا على الأنفة والكبر، فيعذبهم الله يوم القيامة جزاء عدم إذعانهم وقبولهم الحق.

стр. 341

يسحتكم قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾ [طه: ٦١]. (فيُسحِتكم): من الهلاك والاستئصال؛ أي: فيهلككم ويستأصلكم. ومنه مفردة (السحت) ففي الحديث: «المَسْأَلَةُ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يَأكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» أي: حرامًا مهلكًا يوم القيامة، ويعني بذلك: غير الصادق في حاجته. قال الألباني: صحيح في صحيح النسائي (٢٤١٨). يسخرون قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٢ - ١٤]. (يَسْتَسْخِرُونَ) من السخرية والاستهزاء. - لكن ما الفرق بين (يسخرون) و (يَسْتَسْخِرُونَ)؟ (يسخرون) أي: هم ذاتهم يسخرون. وأما (يستسخرون) فلها معنيان لا يتعارضان: ١ - مبالغة في السخرية. ٢ - يدعو بعضهم بعضًا إلى السخرية، أو يتبادلون السخرية. فائدة (١): السين والتاء: أساسًا تدخل على الكلمة فتفيد المبالغة؛ مثل: (يهزأ ويستهزئ)، (يحقِر ويستحقر)، (أجاب واستجاب)، (أنكر واستنكر)، (تكبر واستكبر)، (اعتصم واستعصم) ويجوز في بعضها الطلب، وهو المعنى الآخر. والمعنى: بل عجبت. والعجب هنا هو من أقوالهم وأفعالهم المُكذبة؛ لأنها تدعو النبي ﷺ للعجب، بل وكل إنسان عاقل. (ويسخرون) يسخرون مما يدعوهم إليه النبي ﷺ ، وإذا ذكِّروا بالعقل والفطرة لا يذكرون: إما جهلًا، أو عنادًا، واستكبارًا. وإذا رأوا آية فيها دلالة وحجة يبالغون في الاستهزاء، ويتداعون إلى السخرية مع بعضهم البعض. * ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٢ - ٦٣]. (سِخْرِيًّا) بكسر السين، من السخرية والاستهزاء.

стр. 342

والمعنى: يوم القيامة ينظر الكفار حولهم إذا دخلوا النار؛ وكأنهم يبحثون عن أهل الإيمان الذين طالما استهزءوا بهم في الدنيا، فيقول بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى رجالًا كنا نعدّهم في الدنيا من الأشرار؟! ثم يجيب بعضهم بعضًا: هل سخريتنا بهم خاطئة؛ فكنا نعدهم أشرارًا وهم ليسوا كذلك؟! أم أنهم معنا في النار لكن تجاوزوا أبصارنا فلم نرهم؟ * ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠]. (سِخْرِيًّا) اشتغلتم بالاستهزاء بالمؤمنين حتى نسيتم ذكر الله، ونِسيانُكم الذكرَ يقوّي الشيطانَ على إغوائكم، ويمدّكم بالمزيد من السخرية والضحك ونسيان الله والدار الآخرة. فائدة (٢): قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. (سُخريا) -بضم السين- من التسخير؛ أي: ليكون بعضهم مُسَخَّرًا لبعض في معاشهم؛ فبذلك تقوم الحياة وتستقيم. يسطون قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]. (يَسْطُونَ) أي: يبطشون. من (السطوة) وهي الأخذ بسرعة؛ تقول العرب: (رجل ذو سطوة) أي: ذو قوة وبطش. و (سطا اللص على المتاع) أي: انتهبه بقوة وسرعة. والمعنى: أن الذين كفروا إذا سمعوا الذين آمنوا يتلون كتاب الله ﵎، ترى وجوههم العابسة المُكْفَهِرّة؛ فتعرف منها شدة الكراهة والبغض للحق ولدين الله، ويكادون يَثِبُون على المؤمنين فيبطشون بهم. يصحبون قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣]. (يُصْحَبُونَ) أي: لا يجارون منا ولا يُمنعون. تقول العرب: (أَنَا لَكَ جَارٌ وَصَاحِبٌ مَنْ فُلَانٍ) أي: مُجِيرٌ مِنْهُ. والمعنى: سؤال استنكاري: ألَهُمْ آلِهَةٌ تَجْعَلُهم في مَنَعَةٍ وحماية منا فلا يَنالُهم عَذابُنا؟!

стр. 343

فتلك الآلهة عاجِزة عَنْ نَصْرِ نفسها، فَكَيْفَ تنصر غيرها؟ (ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ) ولا يجيرهم وينصرهم هم وآلهتهم مِنْ عَذابِنا أحدٌ. يصدفون قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦]. (يَصْدِفُونَ) من الصَّدَف: وهو الإعراض والميل عن الشيء. تقول العرب: (صَدَفَ عني بوجهه) أي: انصرف بوجهه عني. والمعنى: أعرض عن آيات ربه، وانصرف عنها بعدما أتته فلم يؤمن ولم يصدّق. * ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. (وَصَدَفَ عَنْهَا) أعرض عنها. ويشتمل اللفظ على معنيين: ١ - أنه يُعرض عنها بنفسه. ٢ - أنه يصد غيره عنها. يصدُّون قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]. (يَصِدُّونَ) لها قراءتان صحيحتان: ١ - بكسر الصاد: يصِدون من (الصديد) وهو: الضجيج والصياح؛ أي: يضحكون ويضجون تهكمًا وسخرية واستهزاءً. ٢ - بضم الصاد: يصُدون من (الصّد) والإعراض. - وسبب نزول الآية: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال أحدهم -وهو ابن الزِّبَعْرَى-: إنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ في النّارِ، وإنَّنا وأصْنامَنا جَمِيعًا في النّارِ، وهَذا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَدْ عَبَدَهُ النَّصارى مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإنْ كانَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ النَّصارى الَّذِينَ عَبَدُوهُ

стр. 344

في النّارِ، فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهُ! وظنوا أنهم بذلك قد أفحموه؛ فضجوا ضحكًا وزادهم ذلك إعراضًا. فأنزل الله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] فالذي يكون في النار هو: حجارتهم وأوثانهم غير العاقلة، والذي يكون راضيًا بعبادة الناس له مثل فرعون. فمعنى الآية الكريمة يتّسع ليشمل المعنيين؛ ليرسم صورة لكفار قريش في موقفهم هذا بين الضجيج والإعراض والتهكم. [انظر القصة في: الصحيح المسند من أسباب النزول لمقبل الوادعي (ص ١٣)]. يطمثهن قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]. (يَطْمِثهُنَّ): الطمث في اللغة له معنيان: ١ - الطمث: هو الدم والحيض. ٢ - والطمث: هو اللمس؛ تقول العرب: (هذا بعيرٌ ما طَمَثَهُ حَبْلٌ قط) أي: ما مسَّه. والمقصود على المعنيين: أنهن أبكار لم يمسسْهن الرجال من جنٍّ وإنس؛ فنساء الجنة من الحور العين أبكار، وكذلك نساء الدنيا في الجنة يُعَدْنَ أبكارًا، بل كلما أتاها زوجها تعود بكرًا كما كانت. وليس في الجنة طمثٌ ودماء ونجس، ولكن عبّر به عن البكارة. فائدة: ذكر ابن عثيمين ﵀ في تفسير الآية: أن فيها دلالة على أن الجن يدخلون الجنة مع الإنس؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] وهذا نص القرآن، وأجمع العلماء على أن كافر الجن يدخل النار، ومؤمن الجن يدخل الجنة. يظنّون قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]. يأتي الظن في القرآن الكريم على معانٍ بحسب سياق الجملة: ١ - بمعنى اليقين. ٢ - بمعنى الحُسْبَان، وترجيح أحد الأمرين. ٣ - بمعنى الشك والرّيب.

стр. 345

٤ - بمعنى الاتهام. ٥ - بمعنى التوهم. - ومنها ما يحتمل معنيين. وذكر الزركشي ضوابط لمعرفة الشك من اليقين، لكنها لا تستقيم مع جميع الآيات؛ فلذلك لم نذكرها. - وفي الآيات التالية يأتي (الظن) بمعنى: اليقين: * ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦]. (يَظُنُّونَ) أي: الذين لديهم يقين واعتقاد جازم بلقاء ربهم. * ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة: ٢٨]. (وَظَنَّ) أي: أيقن أنه ميّت لا محالة حين عاين الملائكة وساعة الاحتضار. * ﴿وَرَآ الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفا﴾ [الكهف: ٥٣]. (فَظَنُّوا) أي: تيقنوا وتأكدوا أنهم واقعون فيها لا محالة بعد أن رأوها. * ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. (ظَنَنْتُ) أي: علمت وأيقنت، وذلك يوم القيامة. * ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]. (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيهِ) أي: تيقنوا أنه لا مُخرِج لهم من الشدائد إلا الله فلجأوا إليه. * ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) أي: أيقنوا بالهلاك. * ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. (وَظَنُّوا مَا لَهُمْ من محِيص) أي: وأيقنوا يوم القيامة أنهم لا مفر لهم ولا مهرب. * ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]. (وَظَنَّ) أي: أيقن وعلم أنه اختبار من الله له.

стр. 346

* ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ [الجن: ١٢]. (ظَنَنَّا) أي: أيقنا وعلمنا أننا لا نعجز الله ولا نفوته إذا أراد بنا أمرًا. * ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. (ظَنَّ) أي: علم وأيقن بنجاته بناء على الرؤيا. - في الآيات التالية يأتي (الظن) بمعنى: الحُسْبَان، وترجيح أمر على آخر: * ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]. (وَظَنَّ أَهلُهَا) أي: حسبوا وغلب على ظنهم أنهم قادرون على الانتفاع بها وطول العيش فيها. * ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]. (ظَنَنْتُمْ) أي: حسبتم أن الله لا يراكم ولا يسمعكم. * ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. (ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنْتُمْ) أي: حسبتم أن الله لا يراكم؛ فذلك ظنكم الفاسدُ الذي ظننتم بربكم جعلكم تُمْعِنون في المعاصي والكفر. * ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] أي: حسب أن لن يبعثه الله من جديد؛ فتمادى في غيّه. * وكذلك جميع تكذيب الأمم لرسلهم تكررت في الآيات مثل: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦]. الظن هنا: الحُسْبَان؛ فهم بمجرد الظن كذبوه بلا حجة ولا برهان ولا يقين. * ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩]. الظن بمعنى: الحُسْبَان؛ أي: حسبوا أنهم لن يبعثوا بعد الموت. * ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢].

стр. 347

ما نما إلى حسبانكم أيها المؤمنون أن هؤلاء سيخرجون من حصونهم، وحسبوا هم أن حصونهم سوف توفر لهم الحماية. * ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. الظن هنا يعني: ترجَّح لكل واحد منهما أنه قادر على أن يقوم بحقوق الآخر التي فرضها الله. - الظن ورد في الآيات التالية بمعنى: التوهّم: وقد تكرر قوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) في عدة آيات منها: * ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا﴾ [النجم: ٢٨]. (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ): والمعنى: أنهم يتّبعون الأوهام والتخمينات الكاذبة. * ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. (فَظَنَّ) أي: توهّم خطأً في خِضَمّ البلاء ورفض قومه أن الله لن يضَيّق عليه بالامتحان بسبب تركه قومه بعد عنادهم وكفرهم؛ فربما يُعفيه ويرسل لهم غيره، أو شيء من هذا القبيل. - مفردة (ظنَّ) بمعنى: الشك، أو الوهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]. (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ظَنّ هنا تحتمل معنيين: ١ - معنى الوهم؛ أي: ليس لهم من الكتاب إلا القراءة، أما حقيقة العلم فليس لديهم إلا أكاذيب وأوهام تعلقوا بها. ٢ - معنى الشك؛ أي: ليس لهم من الكتاب إلا حظ القراءة، أما الإِيمان بما جاء فيه فليس لديهم إلا الشك والارتياب. * ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا): اختلف فيها المفسرون بين معنى الحُسْبَان، ومعنى اليقين: ومنها قولان لا يتعارضان:

стр. 348

١ - بمعنى اليقين -وعليه أكثر المفسرين-؛ أي: أيقنت الرُّسُلُ بأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ لتأخر النصر؛ فيئسوا من إيمانهم. وكذلك الأُمَم أيقنوا بأنَّ الرُّسُل أُخْلِفُوا ما وُعِدُوا بِهِ مِنْ النَّصْر؛ فجحدوا. ٢ - بمعنى الوهم؛ أي: أن الرسل من شدة البلاء تَوَهَّمُوا أنَّ الذي جاءَهم مِنَ الوَحْيِ كانَ حُسْبانًا مِنْ أنْفُسِهِمْ، وحسبوا أن أنفسهم كذَبَتْهم في تلقي الوحي؛ حيث مُحال عليهم أن يُكَذِّبوا الوحيَ نفسه، وها هو موسى ﵇ في أحلك الظروف: أمامه البحر، وخلفه فرعون وجنوده؛ قال بيقين: (كلا إن معي ربي سيهدين)، ومثل هذا القول ذكره ابن عطية في تفسيره، وكذلك السعدي. - الظنّ هنا بمعنى: الاتهام بالباطل؛ قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]. (ظَنَّ السَّوءِ): أي: اتهموا الله تعالى في حُكمه؛ فظنوا بالله ظن السوء: أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل ستكون لهم الدائرة على أهل الحق. * كذلك في قوله تعالى -في مفردة سابقة-: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] وفي قراءة صحيحة: (بظنين) أي: متَّهم. والمعنى: ليس بمتّهم فيما يخبركم به، فهو الصادق المصدوق ﵊؛ فلا يتهم في تبليغه، ولا يتهم في قُواه وصفاته. يعدلون كلمة (يعدلون) تكررت في القرآن الكريم بمعنيين مختلفين: المعنى الأول في الآيات التالية: * ﴿أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]. * ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. * وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. (يعدلون): لها تفسيران كلاهما صحيح: ١ - بمعنى العِدْل -بكسر العين- أي: المساوي مع الله؛ فهم يتخذون شركاء مساوين لله. ٢ - بمعنى العدول؛ أي: الانحراف عن توحيد الله.

стр. 349

أما المعنى الثاني فجاء في الآيات التالية: * ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]. * وقوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. والمعنى: من العَدْل -بالفتح- أي: يحكمون بالحق؛ فهم يهدون بالحق، وبه يحكمون ويعدلون بين الناس. - فالمعنى في الآيات الأولى من (العِدْل) أي: الُمساوي، والنظير، والمثيل. - والمعنى في الآيات الثانية من (العَدْل): وهو الحكم بالحق والصواب. يُعْرَفن قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيما﴾ [الأحزاب: ٥٩]. (يُعرَفنَ) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - أن يُعرَفنَ أنهن حرائر؛ فلا يتعرض لهن الفساقُ الذين يتعرضون للإماء. ٢ - أن يُعرَفنَ بالحشمة والوقار والعفة؛ فيعرف الرجال قدرهن، فلا يتعرض لهن الفساق. يعزب قال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]. (لَا يَعْزُبُ) أي: لا يبْعُد عنه، ولا يغيب عن علمه شيء مهما دق؛ تقول العرب: (رجُلٌ عَزَب) أي: بعيد عن النكاح. و (مرعى عزيب) أي: مرعى بعيد. * ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] أي: وما يبعد ولا يغيب عن علمه جل وعلا. يعصرون قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]. (يعصِرُونَ) أي: يستخرجون عصارة الثمار. (فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) أي: بعد سِنِي الجدب يأتي عام يغيثهم الله بكثرة المطر والخير؛ فتكثر الزروع والغلات حتى تزداد الأقوات والثمار، فيستخرجون منها الزيوت والعصارة، والعصائر المختلفة؛

стр. 350

كعصير العنب، وزيت الزيتون، وغير ذلك. * ومن معنى اللفظ قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجا﴾ [النبأ: ١٤]. (المعصرات): هي السحب تُعتَصَر بالرياح؛ فيسيل منها المطر. يغلّ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. (يَغُلَّ) الغلول: الخيانة في المغنم، وكتمان الغنيمة وأخذها في الخفاء، ومن أي مال يتولاه الإنسان. وفي الآية الكريمة ينفي الله عن نبيه هذه الخصلة القبيحة؛ لأن الله عصم أنبياءه عما لا يليق بمقامهم. وفيها رد على فداحة الاتهام الصادر من المنافقين بنسبة الغلول إليه ﷺ في غزوة بدر، وهو منه براء، وغلول النبي يشتمل على معنيين: غلول المال، وغلول العلم؛ فغلول العلم كتمه، وغلول المال إخفاؤه وأخذه، وكل هذا منتفٍ عن النبي ﵊ وحاشاه. (يأت بما غل يوم القيامة): تبين عقاب من يغلّ؛ وهو الفضيحة على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، فيأتي حاملًا جميع مسروقاته على رقبته يوم القيامة؛ كما ثبت في الصحيح نسأل الله السلامة والعافية!! يَغْنَوا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢]. (يَغنَوا) تكررت هذه المفردة في كتاب الله، وبعد البحث المتعمق في المفردة تَرجَّح أنها تشتمل على معنيين: ١ - الاستغناء: وهو الكفاية والبقاء. ٢ - والغِنى: الذي هو ضد الفقر. تطلق العرب صفة: (المَغانِي) على المَنازِل المَعْمُورَة بِالأهْل؛ لأنها مقترنة بتنعم العيش والكفاية، فيستغني بها ساكنها عن غيرها. ومن هنا جاء المعنى: (كأن لم يغنوا) أي: كأن ديارهم بعد إهلاكهم بالرجفة لم تكن غانية وناعمة نضرة ومعمورة بهم، وكأنهم لم يسكنوها قط؛ فقد محيت واستؤصلت وذهبت معالمها وكل شيء فيها، وأصبحت خرابًا ودمارًا.

стр. 351

فالقرآن الكريم يضيف للفظ معنى زائدًا عن معاجم اللغة؛ ليصبح المعنى أكثر قوة وأدق وصفًا. * ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]. (تَغنَ): كأن لم تُسكن وتعمّر، وتكون غِناءً لساكنيها بما كان فيها من نعم وأرزاق. * ومن ذات المعنى اسم الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. (الغَنِيُّ) ويشتمل على المعنيين: ١ - الغني: الذي بيده الخير كله، وخزائن السماوات والأرض بيديه. ٢ - الغني: الذي استغنى بذاته عن كل شيء؛ فلا يحتاج إلى أحد من خلقه. - أما معنى الاستغناء وحده: فيدل عليه: * قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]. (يُغنِيهِ) أي: يكفيه عن الاشتغال بغيره. * ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. (تُغنِي): لن تكفيهم في التحذير والإنذار؛ لأنهم لا يؤمنون بها. * ومنها: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أي: ما نفعه ماله وثروته في النجاة من النار، والآيات في ذلك كثيرة. يُغيّرُنّ قال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينا﴾ [النساء: ١١٩]. (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - أن يغيِّروا فطرة الله التي خلق الناس عليها، من التوحيد إلى الشرك. ٢ - أن يغيروا خلق الله وما صورهم عليه، بالوَشْم والنَّمْص وما أشبه ذلك. يُفتنون قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦]. (يُفْتَنُونَ) الفتنة لها عدة معان في كلام العرب:

стр. 352

١ - فمن معانيها: الاختبار والتمحيص؛ فيقال: (فَتَنْتُ الذهب والفضة) أي: أذبتهما بالنار واختبرتهما؛ ليخرج الرديء من الجيد. ٢ - ومن معانيها: حب الشيء والإعجاب به. ٣ - وتأتي بمعنى: الشرك والضلال. ٤ - وبمعنى: العذاب والعقاب. فالفتنة هنا: هي الامتحان والتمحيص؛ ليظهر المؤمن من الكافر، والصالح من الفاسد. والمعنى في الآية الكريمة السابقة: يمتحنون بالأمراض والجوع وغيره؛ لعلهم يتوبون إلى الله. - والآيات التي وردت في هذا المعنى كثيرة وهي: * ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. (يُفْتَنُونَ) أي: لا يمتحنون بأنواع البلاء بالبأساء والضراء؛ حتى يتبين صدقهم وثباتهم. * ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. (فِتْنَةٌ) أي: امتحان واختبار لكم. * ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لنختبرهم ونمتحنهم بها. * ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدا﴾ [الجن: ١٦ - ١٧]. (لنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لنختبرهم ليظهر الشاكر من الكافر. * ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. (فِتْنَتُهُمْ) أي: لم يكن جوابهم على اختبارنا وسؤالنا لهم يوم القيامة: (أين شركاؤكم؟) إلا أن يتبرأوا منهم حين يرون الحقائق، ويحلفون: واللهِ ربنا ما كنا مشركين! * ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].

стр. 353

(فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ) أي: جعلنا بعضهم لبعض امتحانًا وابتلاءً؛ فمنهم غنيّ ومنهم فقير، ومنهم شريف ومنهم وضيع. * ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. (فِتْنَتُكَ) أي: ابتلاؤك يا رب، وامتحانك لعبادك. * ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. (فتنة) أي: امتحان وابتلاء؛ فالعبد ممتحن بأمواله وأولاده. * ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]. (فَتَنَّاهُ) أي: أيقن داود أنما دبرنا له القضية لنختبره بها. * ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤]. (فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) أي: اختبرناه. * ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] أي: اختبرناهم وابتليناهم بإرسال موسى إليهم. * ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أي: اختبارًا لهم؛ ليتبين المطيع من العاصي. * ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أي: اختبارًا لهم؛ ليتبين المصدق من المكذب. * ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] أي: اختبرناهم فلم يصبروا، وإنما عبدوا العجل. * ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]. (وَلَا تَفْتِنِّي) أي: لا توقعني في البلاء والامتحان، فأقع في المعصية. وهو أحد المنافقين يستأذن في التخلّف عن غزو الروم مع رسول الله ﷺ بحجة أنه يخاف على نفسه رؤية نساء بني الأصفر الجميلات. (ألا في الفتنة سقطوا) أي: وقعوا في ابتلاء أكبر منه، ومعصية أعظم؛ وهي التخلف عن الغزو. * ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠] أي: إنما ابتليتم بالعجل.

стр. 354

* ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] أي: تمحيصًا واختبارًا؛ ليرى المحسن من المسيئ. * ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] أي: لعل إمهالكم وعدم تعجيل العذاب الذي سألتموه يكون فيه امتحان لكم واستدراج. * ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣] أي: اختبارًا ليُظهِر به ما في قلوبهم. * ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] أي: تُختبَرُون بالسراء والضراء؛ لينظر هل تتوبون أم لا! * ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أي: اختبرنا مَنْ قبلهم بالمصائب والمحن؛ لنعلم الصادق من الكاذب. - والفتنة فيما يأتي من الآيات تحمل معاني: الكفر، والضلال، والفساد، والصد عن سبيل الله: * ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. (الفتنة) الشرك والكفر؛ والمقصود من الآية: اقتلوا المشركين المعتدين في أي مكان، وأخرجوهم كما أخرجوكم وهجّروكم؛ لأن تركهم بفسادهم فيه نشر للكفر، والكفر أشد من القتل. * ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. (والفتنة) أي: الكفر والصد عن سبيل الله تعالى أكبر من القتل في الشهر الحرام دفاعًا عن دين الله وأهله. * ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. (فَتَنتُمْ) أي: أضللتم أنفسكم في الدنيا بالشك بما جاء من عند الله والكفر به. * ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]. (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: حتى لا يظهر وينتصر الشرك والكفر بالله، وهو أعظم فتنة.

стр. 355

* ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨]. (الفتنة) أي: أراد المنافقون الصد عن دين الله وفرقة المسلمين. * ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرا﴾ [الأحزاب: ١٤]. (الْفِتْنَةَ) أي: الكفر والشرك. والمعنى: لو دخلت جيوش الأعداء من نواحي المدينة و (سُئِلُوا الفِتْنَةَ) أي: طُلِبَ من المنافقين فيها الكفرُ والرجوعُ عن الإيمان، لعادوا وأشركوا، ولم يتأخروا عن ذلك إلا يسيرًا. * ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. (ابتغاء الفِتْنَة) أي: للتلبيس على الناس، وصدهم عن الدّين وإضلالهم. * ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]. (الفِتْنَةِ) أي: كلّما رُدّوا إلى الشرك؛ وهؤلاء هم فريق من أهل النفاق يُظهرُون لكم الإسلام ليأمنوكم، كلما غرّهم أو دعاهم أحدٌ للكفر والشرك رجعوا إلى شركهم. * ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. (لا يفتننكم) أي: احذروا ألا يغريكم، ويزين لكم الفسوق والكفر والضلال. * ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧]. (يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ) أي: يريدون الصدّ عن سبيل الله وإيقاع الفساد بينكم، والخروج عن طاعة الله ﵎ وطاعة رسوله. * ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فتنة) أي: تكن فتنة بغلبة الكفار والصد عن دين الله، ونشر الكفر والشرك، واختلاط الحق بالباطل. * ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٣]. (وإن كادوا لَيَفْتِنُونَكَ) أي: يضلونك ويصرفونك عن الحق بما يوافق أهواءهم.
следующие страницы →