← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30053

الكاشف لدقائق المفردات القرآنية

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (544 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فالقرآن الكريم يضيف للفظ معنى زائدًا عن معاجم اللغة؛ ليصبح المعنى أكثر قوة وأدق وصفًا. * ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]. (تَغنَ): كأن لم تُسكن وتعمّر، وتكون غِناءً لساكنيها بما كان فيها من نعم وأرزاق. * ومن ذات المعنى اسم الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. (الغَنِيُّ) ويشتمل على المعنيين: ١ - الغني: الذي بيده الخير كله، وخزائن السماوات والأرض بيديه. ٢ - الغني: الذي استغنى بذاته عن كل شيء؛ فلا يحتاج إلى أحد من خلقه. - أما معنى الاستغناء وحده: فيدل عليه: * قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]. (يُغنِيهِ) أي: يكفيه عن الاشتغال بغيره. * ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. (تُغنِي): لن تكفيهم في التحذير والإنذار؛ لأنهم لا يؤمنون بها. * ومنها: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أي: ما نفعه ماله وثروته في النجاة من النار، والآيات في ذلك كثيرة. يُغيّرُنّ قال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينا﴾ [النساء: ١١٩]. (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - أن يغيِّروا فطرة الله التي خلق الناس عليها، من التوحيد إلى الشرك. ٢ - أن يغيروا خلق الله وما صورهم عليه، بالوَشْم والنَّمْص وما أشبه ذلك. يُفتنون قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦]. (يُفْتَنُونَ) الفتنة لها عدة معان في كلام العرب:

стр. 352

١ - فمن معانيها: الاختبار والتمحيص؛ فيقال: (فَتَنْتُ الذهب والفضة) أي: أذبتهما بالنار واختبرتهما؛ ليخرج الرديء من الجيد. ٢ - ومن معانيها: حب الشيء والإعجاب به. ٣ - وتأتي بمعنى: الشرك والضلال. ٤ - وبمعنى: العذاب والعقاب. فالفتنة هنا: هي الامتحان والتمحيص؛ ليظهر المؤمن من الكافر، والصالح من الفاسد. والمعنى في الآية الكريمة السابقة: يمتحنون بالأمراض والجوع وغيره؛ لعلهم يتوبون إلى الله. - والآيات التي وردت في هذا المعنى كثيرة وهي: * ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. (يُفْتَنُونَ) أي: لا يمتحنون بأنواع البلاء بالبأساء والضراء؛ حتى يتبين صدقهم وثباتهم. * ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. (فِتْنَةٌ) أي: امتحان واختبار لكم. * ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لنختبرهم ونمتحنهم بها. * ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدا﴾ [الجن: ١٦ - ١٧]. (لنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لنختبرهم ليظهر الشاكر من الكافر. * ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. (فِتْنَتُهُمْ) أي: لم يكن جوابهم على اختبارنا وسؤالنا لهم يوم القيامة: (أين شركاؤكم؟) إلا أن يتبرأوا منهم حين يرون الحقائق، ويحلفون: واللهِ ربنا ما كنا مشركين! * ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].

стр. 353

(فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ) أي: جعلنا بعضهم لبعض امتحانًا وابتلاءً؛ فمنهم غنيّ ومنهم فقير، ومنهم شريف ومنهم وضيع. * ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. (فِتْنَتُكَ) أي: ابتلاؤك يا رب، وامتحانك لعبادك. * ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. (فتنة) أي: امتحان وابتلاء؛ فالعبد ممتحن بأمواله وأولاده. * ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]. (فَتَنَّاهُ) أي: أيقن داود أنما دبرنا له القضية لنختبره بها. * ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤]. (فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) أي: اختبرناه. * ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] أي: اختبرناهم وابتليناهم بإرسال موسى إليهم. * ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧] أي: اختبارًا لهم؛ ليتبين المطيع من العاصي. * ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أي: اختبارًا لهم؛ ليتبين المصدق من المكذب. * ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] أي: اختبرناهم فلم يصبروا، وإنما عبدوا العجل. * ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]. (وَلَا تَفْتِنِّي) أي: لا توقعني في البلاء والامتحان، فأقع في المعصية. وهو أحد المنافقين يستأذن في التخلّف عن غزو الروم مع رسول الله ﷺ بحجة أنه يخاف على نفسه رؤية نساء بني الأصفر الجميلات. (ألا في الفتنة سقطوا) أي: وقعوا في ابتلاء أكبر منه، ومعصية أعظم؛ وهي التخلف عن الغزو. * ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠] أي: إنما ابتليتم بالعجل.

стр. 354

* ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] أي: تمحيصًا واختبارًا؛ ليرى المحسن من المسيئ. * ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] أي: لعل إمهالكم وعدم تعجيل العذاب الذي سألتموه يكون فيه امتحان لكم واستدراج. * ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣] أي: اختبارًا ليُظهِر به ما في قلوبهم. * ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] أي: تُختبَرُون بالسراء والضراء؛ لينظر هل تتوبون أم لا! * ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أي: اختبرنا مَنْ قبلهم بالمصائب والمحن؛ لنعلم الصادق من الكاذب. - والفتنة فيما يأتي من الآيات تحمل معاني: الكفر، والضلال، والفساد، والصد عن سبيل الله: * ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. (الفتنة) الشرك والكفر؛ والمقصود من الآية: اقتلوا المشركين المعتدين في أي مكان، وأخرجوهم كما أخرجوكم وهجّروكم؛ لأن تركهم بفسادهم فيه نشر للكفر، والكفر أشد من القتل. * ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. (والفتنة) أي: الكفر والصد عن سبيل الله تعالى أكبر من القتل في الشهر الحرام دفاعًا عن دين الله وأهله. * ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. (فَتَنتُمْ) أي: أضللتم أنفسكم في الدنيا بالشك بما جاء من عند الله والكفر به. * ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]. (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: حتى لا يظهر وينتصر الشرك والكفر بالله، وهو أعظم فتنة.

стр. 355

* ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨]. (الفتنة) أي: أراد المنافقون الصد عن دين الله وفرقة المسلمين. * ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرا﴾ [الأحزاب: ١٤]. (الْفِتْنَةَ) أي: الكفر والشرك. والمعنى: لو دخلت جيوش الأعداء من نواحي المدينة و (سُئِلُوا الفِتْنَةَ) أي: طُلِبَ من المنافقين فيها الكفرُ والرجوعُ عن الإيمان، لعادوا وأشركوا، ولم يتأخروا عن ذلك إلا يسيرًا. * ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. (ابتغاء الفِتْنَة) أي: للتلبيس على الناس، وصدهم عن الدّين وإضلالهم. * ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]. (الفِتْنَةِ) أي: كلّما رُدّوا إلى الشرك؛ وهؤلاء هم فريق من أهل النفاق يُظهرُون لكم الإسلام ليأمنوكم، كلما غرّهم أو دعاهم أحدٌ للكفر والشرك رجعوا إلى شركهم. * ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. (لا يفتننكم) أي: احذروا ألا يغريكم، ويزين لكم الفسوق والكفر والضلال. * ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧]. (يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ) أي: يريدون الصدّ عن سبيل الله وإيقاع الفساد بينكم، والخروج عن طاعة الله ﵎ وطاعة رسوله. * ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فتنة) أي: تكن فتنة بغلبة الكفار والصد عن دين الله، ونشر الكفر والشرك، واختلاط الحق بالباطل. * ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٣]. (وإن كادوا لَيَفْتِنُونَكَ) أي: يضلونك ويصرفونك عن الحق بما يوافق أهواءهم.

стр. 356

* ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]. (فاتنين) أي: مضلين. والمعنى: أيها المشركون، أنتم لا تقدرون على أن تضلوا أحدًا إلا من قضى الله عليه أنه من أهل الجحيم؛ فينفذ فيه قضاؤه. * ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]. (فتنته) أي: ضلاله، أو كفره. فائدة: قد يقول قائل: كيف نقول: إن الضلال بيد الله وحده، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» صحيح البخاري (١٣٨٥)، مسلم (٢٦٥٨) مما يعني أن أبواه يساهمان في ضلاله؟! فالجواب: المضلات كثيرة لا تقتصر على ديانة الأبوين؛ فإبليس مضل، وأباليس الإنس المضلة كثيرة، والمراد: أن الله هو الذي يقضي بالهدى والضلالة، لكن عوامل الضلال كثيرة، ولا تكون فاعلة إلا بإذن الله. - والفتنة فيما يأتي من الآيات تعني: البلاء والعذاب: * ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٣ - ١٤]. (يُفْتَنُونَ) أي: يعذبون. (فِتْنَتَكُمْ) أي: ذوقوا العذاب الذي كذبتم به وأردتم تعجيله. * ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. (فُتِنُوا) أي: من بعد ما عذبهم المشركون؛ ليمنعوهم من الدخول في الإسلام. * ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]. (فَتَنُوا) أي: عذبوهم وأحرقوهم بسبب إيمانهم؛ ليصدوهم عن دينهم. * ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]. (يَفْتِنَهُمْ) أي: يعذبهم ويقتلهم ويصدهم عن دينهم. * ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. (يَفْتِنَكُمُ) أي: ينالوكم بمكروه.

стр. 357

* ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. (فِتْنَةَ النَّاسِ) أي: جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله. * ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْأخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]. (أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ) أي: بلاء ومصيبة ومكروه. * ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١]. (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) حسبوا ألا يأخذهم الله بعذابٍ وعقوبةٍ جزاءَ أفعالهم. - ومن الآيات ما جاء يحتمل معنيين لا يتعارضان: * ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]. * ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: ٥]. (لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - أي: لا تسلطهم علينا، فيفتنونا عن ديننا ويعذبونا. ٢ - أي: لا تجعلنا سبب فتنة لهم، فيروننا مغلوبين مقهورين؛ فيقولوا: لو كانوا على حق لما غلبوا؛ فيفتتنوا بسببنا. ومنها ما دل على معنى: العذاب، وكذلك: الامتحان. * ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] تحتمل معنيين: ١ - إلا عذابًا لهم في الآخرة جزاء تكذيبهم. ٢ - إلا امتحانًا لهم في الدنيا واختبارًا؛ ليتضح مَنْ يؤمن ومَنْ يكفر. * ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٣] فيها قولان: ١ - أن الشجرة جُعلت فتنةً وابتلاءً للكفار؛ ليتضح المؤمن مِنْ المكذب، فقد كانوا يتندّرون بها غير مصدقين وجود شجرة في النار. ٢ - أنها جُعلت عذابًا لهم يوم القيامة؛ فيعذَّبون بالأكل منها. * ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. (أن تصيبهم فتنة) لها معنيان لا يتعارضان:

стр. 358

١ - أي: يحصل لهم معصية كبيرة وكفر؛ بسبب مخالفتهم للنبي ﷺ . ٢ - أن يصيبهم عذابٌ شديد يوم القيامة بسبب ذلك. * ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٥ - ٦]. (الْمَفْتُونُ) تحتمل معان منها: ١ - بأيكم المفتون؛ أي: مَنْ منكم المجنون. فالمعنى: سترى يا محمد وسيرون إذا نزل بهم العذاب من هو المفتون بالجنون على الحقيقة؛ أنت، أم هم؟ لأنهم اتهموه بالجنون ومسّ الجن، فبرأه الله بقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]. ٢ - بأيكم المفتون؛ أي: مَنْ منكم الذي ضل وفُتن في دينه. والمعنى: سترى يا محمد وسيرون إذا نزل بهم العذاب من هو المفتون بالضلال على الحقيقة؛ أنت، أم هم؟ ويؤيد المعنى ما جاء بعدها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧]. * أما قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٠]. (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا): المقصود به موسى ﵇، ولها ثلاثة معان: ١ - خلّصناك تخليصًا مرة بعد مرة مما وقعت فيه من شتى المحن. ٢ - أخلصناك إخلاصًا حتى وصلتَ إلى ما وصلتَ إليه من الاصطفاء للرسالة. ٣ - ابتليناك ابتلاءً واختبرناك اختبارًا شديدًا بصنوف المِحَن. يلونكم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]. (يَلُونَكُمْ) أي: الأقرب إليكم مكانًا؛ فالوَلْيُ: هو القُرب؛ يقال: (تباعدوا بعد وَلْي) أي: بعد قُربٍ. وفي الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى للمؤمنين في القتال: وهو أن يبدأوا بالأقرب فالأقرب من أعدائهم الكفار المحاربين لهم، إلا إذا استدعت المصلحة غير ذلك.

стр. 359

فبعد أن أرشدهم ﵎ في أول السورة إلى قتال جميع أعدائهم المحاربين لهم في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أرشدهم بأن يبدأوا بالأقرب فالأقرب؛ حتى يأمنوا هجومهم ومكرهم. يُمَحّصَ قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]. (وَلِيُمَحِّصَ) لها معنيان هنا: ١ - لينقِّي ويطهِّر ويخلِّص بهذا البلاء عباده المؤمنين من الذنوب والسيئات. ٢ - ليختبر ويُظهر بيان صدق من يصبر على الضراء ممن يجزع ولا يصبر. * ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. (وَلِيُمَحِّصَ) التمحيص هنا بالمعنى الثاني، وهو: الاختبار وبيان صدق القلوب. ينزفون قال تعالى في وصف خمر الجنة: ﴿فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]. (غَوْل): الغَول من الغِيلة والغائلة: وهو الأخذ خفية، وما يغتال العقل ويُذهبه. والمعنى: ليس في تناولها ذهاب للعقول؛ فهي لا تغتال عقولهم ولا تُذهبها ولا تصدعها، ولا أذى فيها على شاربها من أي وجه. (يُنْزَفُونَ) النزف بمعنى: ذهاب الشيء وخروجه. ولها في الآية الكريمة معنيان لا يتعارضان: الأول: ذهاب العقول؛ تقول العرب: (أنزف الرجل) إذا ذهب عقله. أي: لا يقومون عنها نازفين سُكارى كخمر الدنيا؛ فالعرب تقول للسكران: منزوف العقل، وتقول: ينزف الدم من الجرح، وينزف الدمع من العين، وينزف الماء من البئر، وكذلك مع السكْر: ينزف العقل من الرأس مجازًا. الثاني: ذهاب الخمر نفسها وانقطاعها؛ تقول العرب: (قد أنزف الرجل) إذا فنيت خمرُه. فالمعنى: لا تنقطع عنهم ولا تنفد، فهي متوفرة عندهم على الدوام. خلاصة المعنى: أنهم في مجالس الخمر يستأنسون، وتدور عليهم الكؤوس لا تنقطع ولا تنفد؛ فكلما أرادوا فهي حاضرة يتمتعون بلذتها وطيب مذاقها، ولا يَسكرون ولا يُصدعون ولا تذهب عقولهم كخمر الدنيا.

стр. 360

* ومثلها قوله تعالى: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]. (يُنْزِفُونَ) بكسر الزاي؛ أي: لا تذهب بها عقولهم، ولا هي تذهب وتنفد وتنقطع عنهم. ينعق قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاء﴾ [البقرة: ١٧١]. (ينعق) أي: ينادي ويصيح رافعًا صوته، والناعق: هو الراعي الذي يصيح زاجرًا لأغنامه. والتشبيه هنا له تفسيران يحتملهما النص: ١ - حالة إقبالهم على عبادة الأصنام: فشبه الكفار في عبادة الأصنام بالراعي الذي يصيح على غنمه وهي لا تفقه نداءه؛ فهم كذلك يدْعون صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا. ٢ - حالة إعراضهم عن الحق: فشبه الذين كفروا بالبهائم، وداعيهم: هم الأنبياء للأمم عمومًا، والنبي ﷺ لهذه الأمة يزجرهم ويعظهم إلى طريق الهدى، ويحذّرهم من النار وهم صم بكم عمي؛ فالناعق في هذا المثال: تشبيه هيئة بهيئة، وليس لفظًا بلفظ. وفي التشبيهين تنديد بالكفار: بعدم الامتثال للحق، وصَم آذانهم عما فيه النفع لهم، ولتقليدهم لآبائهم ورؤسائهم تقليدًا أعمى فيعطلون حواسهم ومداركهم. ينغضون قال تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبا﴾ [الإسراء: ٥١]. (فَسَيُنْغِضُونَ) تقول العرب: (أنغض رأسه) أي: حرَّكه استهزاءً. والمعنى: أن هؤلاء الكفار المكذبين بالبعث سيسألونك سؤال استبعاد وتكذيب وسخرية عن يوم البعث، ويُحرِّكون رؤوسهم استهزاءً غير مصدقين. يؤاخذكم قال تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. (لا يؤَاخِذُكُم) عدم المؤاخذة هنا يحتمل معنيين: ١ - المؤاخذة بمعنى العقوبة؛ أي: لا يعاقبكم الله على هذه الأيْمان.

стр. 361

٢ - المؤاخذة بمعنى الإلزام بالكفارة؛ أي: لا يُلزِمكم بكفارة عليها. وكلا المعنيين صحيح؛ فاللَّغو في اليمين لا يؤاخذ الله به لا إثمًا ولا كفَّارة. (بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) اللغو: هو الكلام الساقط من اللسان الذي لا يُعتدُّ به. واللغو في الأَيْمَان: هو الحلف بغير قصد، وهو الذي لا يؤاخذ عليها المسلم ولا كفارة عليه، وهو نوعان: ١ - ما سبقت الألسنة به على عجلة بغير تثبّت، مع أن الأوْلَى التّثبّت، ولكن قد يسبق اللسانُ باليمين من غير قصد، أو يستخدمها في وصل الكلام بعضه ببعض بغير نية الحلف. ٢ - أن يحلف وفي اعتقاده أنه صادق؛ فإن كان خلاف ذلك واتضح أنه حلف مخطئًا، فلا حرج ما دام لم يقصد الكذب. فائدة: يُلحق بذلك من يحلف على الشيء ثم ينسى أنه حلف، فلا إثم ولا كفارة عليه حينئذ، ويبقى على يمينه. (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أي: بما عَزَمْتُمْ وَقَصَدْتُمْ إِلى الْيَمِين؛ فكسب القلب هو: العَقْد والعزم وَالنِّيَّة، وهو مناط الحكم بالكفارة. يوزعون قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. (يوزعون) أصل الوزع: الكف والمنع؛ تقول العرب: (وزعت الرجل) أي: منعته وكففته. والمعنى: يساقون ويمنعون من التفرق. وهذه الكلمة في القرآن الكريم لم تأت إلا مع وصف الحشود الكبيرة مع كلمة (حشر). ف (يوزعون) أي: تحشر هذه الحشود لسليمان ﵇ من الإنس، وحشود من الجن، وحشود من الطير مصفوفة لا يستطيعون التفرق عن المكان إلا بإذنه، فهناك من يزُعّهم ويَصُفّهم أفواجًا كالعسكر؛ فلا يقدرون على التمرد والعصيان. * ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣]. تسوقهم الملائكة سوقًا عنيفًا يوم القيامة، وتحشرهم أفواجًا وتمنعهم من التفرق؛ للجزاء والعقاب. * ومثلها: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]. فائدة: منها كذلك كلمة (الوازع): وهو الذي يكفك عن مساوئ الأعمال؛ كوازع الضمير، ووازع الدِّين.

стр. 362

ومنها كذلك ما روي عن عثمان بن عفان ﵁: (لَمَا يَزَعُ السُّلْطَانُ النَّاسَ أَشَدُّ مِمَّا يَزَعُهُمُ الْقُرْآنُ) تاريخ المدينة لابن شبة (١٧٠٤)، والمعنى: أن مِنْ الناس مَنْ لا يردعه ويمنعه إلا قوة السّلطان وخوف عقوبته، أكثر مما يمنعهم القرآن؛ وذلك لضعف إيمانهم وخوفهم من السلطان. ييأس قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَايْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]. (يَيْأَسِ) تعني: أفلم يعلم ويتبيّن؟ فلفظ (ييأس) على أكثر أقوال المفسرين ليست في لغة قريش بمعنى: (اليأس والقنوط من حصول الشيء) بل هي في لغة هوازن والنخع وغيرهما بمعنى: (العلم). والمعنى: أفلم يعلم ويتبيّن للذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا؟ ومنهم هؤلاء الكفار الذين يتعنَّتون بطلب المعجزات، ولكنه لم يشأ لهم الهداية بسبب صدودهم! ومن المحتمل كذلك أن تكون على ظاهرها بمعنى اليأس؛ فيكون المعنى: أفلم ييأس المؤمنون من إيمان هؤلاء الكفار المتعنّتين، حتى ولو حقق لهم ما طلبوه من معجزات؟! فلو أراد الله لهدى الناس جميعًا بآيات تعجزهم أو بغير معجزات؛ ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء! فمن أذعن وأطاع فله الهداية، ومن عاند واستكبر فله الضلال. ومعنى الآية بإجمال يزيد الأمر وضوحًا: فقد بدأت الآية ب (لو) الشرطية: - (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى). وحُذِف جواب الشرط، وهي عادة القرآن الكريم في تعظيم الأمر؛ لبثّ مشاعر الخشية والرهبة في القلوب، ولتوجيه الأنظار إلى عظمة هذا الكتاب الكريم، وإلى فداحة كفر هؤلاء! وجوابه: لو كان قرآنًا بهذه الخصائص العظيمة لكان هذا القرآن، ولكفرتم به رغم ذلك! - (لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا). وهو إضراب لبيان أن هذا الأمر متوقف على مشيئة الله تعالى؛ فليس الأمر في ذلك للمعجزات أو للقرآن في هداية أحد، بل لله الحكم والمشيئة وحده في عباده.

стр. 363

- (أَفَلَمْ يَايْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا). وهذا استفهام إنكاري؛ أي: أفلم تعلموا حقيقة الأمر أن الله بيده الهداية والضلال؟! - (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ). ثم يبين سبحانه أنه سيمهل هؤلاء الكفار في الحياة الدنيا، لكنه لن يتركهم بل سيرسل عليهم من العذاب والمصائب الواحدة تلو الأخرى؛ بسبب تعنُّتهم واستعجالهم العذاب. - (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ). حتى يأتيهم الوعد الحق والعذاب الأعظم يوم القيامة؛ فالله لا يخلف وعده! وانظر لمزيد التوضيح: (سورة الرعد، آية: ٣١) في باب الجمل.

стр. 364

باب الجمل وشبه الجمل في القرآن الكريم

стр. 365

سورة البقرة (البقرة: ٢٥) قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. (قَالُوا هذا الذي رُزِقنَا مِنْ قَبلُ) أي: يطوف عليهم الولدان بالفاكهة، فيأكلونها ثم يأتونهم بمثلها فيقولون: هذا الذي جئتمونا به آنفًا، فيقول الولدان: كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف. (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِها) تحتمل معنيين: ١ - أن المشابهة بين الثمار في الجنة بعضها لبعض؛ فهي متشابهة الشكل والشجر، مختلفة الطعم والثمر. ٢ - أن المشابهة في الأسماء بين ثمر الدنيا وثمر الجنة؛ كالرمان والتين وغيره، والطعم والشكل يختلف. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. (مُشتَبِها وَغَيرَ مُتَشَابِهٍ) لها معنيان: ١ - متشابه الشجر غير متشابه الثمر. ٢ - بعضه متشابه مع غيره من الثمار، وبعضه متفرِّد لا يشبه غيره. (البقرة: ١٠٢) قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. اختلف المفسرون في تفسير الآية، وفيما يلي ذكرُ ما رجّحه جمهورهم: * (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ): (تتلو): لها معنيان لا يتعارضان:

стр. 366

١ - من التلاوة؛ أي: ما تقرأ من السحر والأكاذيب. ٢ - من الاتباع؛ أي: ما تتبعه الشياطين وتعمل به من افتراءات. والمعنى: اتبع اليهود طقوس الشياطين، وما تتلوه من أعمال السحر. * (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) لها معنيان: ١ - على عهد سليمان. ٢ - داخل مُلكه؛ لأنه قيل: إن الشياطين كانت تدفن الكتب التي فيها السحر تحت كرسيه، فلما مات استخرجوها من تحت كرسيه ليتهموه بالسحر. * (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) براءة من الله تعالى لنبيه ﵊ أنه ما كفر، ولكن الشياطين هي التي كفرت بسبب تعاطيهم السحر. * (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) ويعلمونهم (أي: الشياطين) كذلك ما أنزل على الملكين ببابل في العراق، وهم: هاروت وماروت. قيل: أنزلهم الله ابتلاءً وفتنة ومعهم السحر. * (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ). فمن طلب أن يتعلم منهما قالا له: إنما نحن فتنة؛ فالسحر كفر. * (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ). فإذا أبى إلا أن يتعلم السحر منهما علموه السحر -ومنه سحر التفريق- فيكفر المتعلم ويصبح ساحرًا. * (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ). فالسحر حق وأضراره عظيمة، بل هو مضرة محضة ولا خير فيه، ولكن ضرره لا يحصل إلا بإرادة الله ومشيئته! * (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ). فكان تعليم الشياطين السحر للإغواء، وتعليم الملكين السحر للناس امتحانًا وتحذيرًا من مفاسده وأنه كفر. * (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ). ولقد علم هؤلاء اليهود الذين اتبعوا الشياطين وتعلموا منهم السحر، ومن هاروت وماروت أن من تعامل بالسحر واشتراه -أي: اختاره على غيره - فلا خلاق؛ أي: لا نصيب له عند الله يوم القيامة؛ فهو موجب لخلود النار، ومع ذلك تعلموه عنادًا وكفرًا، لا جهلًا واغترارًا!

стр. 367

* (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). فبئس ما اختاروا لأنفسهم وباعوا نعيمها بعقاب الآخرة، وباعوا الإيمان بالسحر والشرك. وهكذا ترك اليهود عِلْم الأنبياء وانكبوا على تعلم السحر، ومن أنواعه سحر التفريق؛ وهو ما يفرقون به بين المحبين، وبين المرء وزوجه. فائدة: ذكر بعض المفسرين أن (ما) في قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) نافية لنزول السحر على الملكين. وهذا القول لا يستقيم مع قوله في تتمة الآية: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) وقوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ). وقال بعضهم: إن هاروت وماروت رجلان. وكلها أقوال مرجوحة لا تستقيم مع السياق، والله تعالى أعلم! (البقرة: ١١٥) قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) نزلت الآية لتبين قبلة صلاة النافلة في السفر، فقد كان النبي ﷺ يصلي في أسفاره تطوعًا على راحلته أينما توجهت به. وكذلك إذا اشتبهت القبلة فإنه يتحرى ويصلي حيث كان وجهه سفرًا وحضرًا. وفي معناها قولان لا يتعارضان: - الأول: المراد بها وجه الله على الحقيقة، فأينما توجهت فالله تعالى قِبَلَ وجهك، وهذا لا ينافي علوه على العرش جل وعلا؛ فنحن نجد الشمس قِبَلَ وجوهنا وهي في السماء، هذا بالنسبة للمخلوق فكيف بالخالق؟! وقد قال النبي ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» صحيح البخاري (٤٠٦). - الثاني: الجهة التي يقبل الله صلاتكم إليها، وهذا فيمن اشتبهت عليه القبلة بعد التحري في الحضر، أو كان على دابته في نافلة السفر فقِبْلَتُه حيث توجّه. ولكن المعنى الأصح هو الأول، وهو المراد به وجه الله تعالى على الحقيقة. انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين ﵀ (١/ ٤٥).

стр. 368

(البقرة: ١١٨) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]. من هم الذين لا يعلمون؟ هي عامة، ولكنها في سياق كل آية ناسبت أقوامًا مختلفين: ففي الآية السابقة (الَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ) هم الجهلة من أهل الكتاب في عهد النبي ﷺ ، اقترحوا عليه أشياء تعنتًا وعنادًا، وقد جاء ﵊ بأعظم منها. * وفي قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]. (الَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ) تشمل: ١ - مشركي قريش. ٢ - الأمم السابقة الذين لا كتاب لهم. * ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩]. (الَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ): عموم الجاهلين بأحكام الله وسنته في عباده. * ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩]. (الَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ): الذين كفروا المصرّون على الباطل والخرافات التي يعتقدونها، وعدم اتباع الحق. * ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]. (الَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ): كفار المشركين؛ فهم يدْعون النبي للرجوع إلى دين الآباء. (البقرة: ١٩٦) قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. (حَتَّى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّهُ) محل الهدي: وهو مكة، فيتصدق به على مساكين الحرم، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يتمكن من إتمامها لمرض أو عدو أو غيره، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي: إما شاة، أو سُبُع بقرة، أو سُبع بعير ليحلق ويحل من إحرامه كما فعل النبي ﵊ عام الحديبية.

стр. 369

فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج، من أول شهر ذي الحجة إلى يوم التاسع منه، وسبعة أيام إذا رجع إلى بلاده. - فمحل الهدي مكانًا: ذبحه بمكة إلّا المُحْصَر الذي لم يستطع الوصول إلى مكة، فإنه يذبحه حيث أُحْصر فهو محله. - ومحله زمانًا: هو أيام النحر للحاج المتمتع والمُقْرن، فلا يتحلل إلا يوم النحر، أما المُحْصَر فلا زمن له فأي وقت شاء ذبح. ومعنى الآية: يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يتمّوا الحج والعمرة خالصة لوجهه تعالى، ويأتوا بها على الوجه المطلوب بشروطها وأركانها، ويخبرهم أنهم إذا أُحْصِروا فلم يتمكنوا من إتمامهما فالواجب عليهم أن يذبحوا أو ينحروا ما تيسر لهم من الفدية، فإذا ذبحوا أو نحروا حلّوا من إحرامهم، ولا يجوز لهم حلق شعر رؤوسهم أو تقصيره إلا بعد النحر. * ومثلها: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. (وَالهَديَ مَعكُوفًا أَنْ يَبلُغَ مَحِلَّهُ) أي: منعوا الهدي المحبوس لأجل النحر أن يبلغ محل نحره -وهو مكة- ظلمًا وعدوانًا. * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]. (هَديًا بَالِغَ الكَعبَةِ) وهو بيان محل الهدي أيضًا وهو الكعبة؛ أي: الحرم. * ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] أي: محل نحرها -وهي الهدي- مكة والحرم. (البقرة: ٢٠٨) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. (السِّلْمِ): وفي قراءة (السَّلْم) والمراد به: الإسلام، (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة) أي: ادخلوا في الإسلام جميعه بكافة شرائعه، وجميع شُعَبه، واستسلموا لله ظاهرًا وباطنًا واثبُتوا على ذلك.

стр. 370

(البقرة: ٢٢٣) قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. (وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ) الجملة تفيد العموم لتقديم كل عمل صالح، مع ما فيها من معنًى مخصوص يتعلق بالزواج والمعاشرة، وذلك من بلاغة القرآن الكريم وثراء معانيه. ويُمكن أن نجمع المعاني المحتملة: - قدِّمُوا لأنفسكم كلَّ ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، واجعلوا الأولوية لما فيه نفع أنفسكم يوم القيامة قبل أجسادكم. - قدِّمُوا التسمية والذكر؛ لتحصيل البركة وطرد الشيطان. - قدِّمُوا طلب الثواب قبل نية قضاء الشهوة فهو الباقي لكم، أما قضاء الرغبات فزائل وفانٍ. - قدِّمُوا نوايا الاحتساب؛ لتحصيل الأجر والذرية الصالحة. - قدِّمُوا اختيار المرأة الصالحة العفيفة على غيرها، التي تُعينكم على آخرتكم وتنجب الذرية الصالحة. - قدِّمُوا ما أباح الله لكم، ودعوا ما حرّم عليكم. وفي تفسير (محاسن التأويل) وتفسير العثيمين ملحظ جميل كذلك: إذ لمَّا أذن اللهُ بقضاء الشهوة قال: (قدّموا لأنفسكم واتقوا الله) فقيدها ضمن قيد الطاعة، وليس قيد الشهوة؛ وفي ذلك تذكير وتحذير بعد ذكر أمر النساء؛ حتى لا يكون الانشغال بالشهوات عن طاعة الله أو بالاجتراء على المعاصي. * ومثلها في عموم المعنى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠]. * ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرا﴾ [المزمل: ٢٠] أي: ما تقدّموا من خير دائمًا من جميع الأعمال الصالحة واحتسابها، فهو لنفع أنفسكم يوم القيامة. فائدة: عبّر عن فعل الخير بالجمع في قوله تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم)؛ وذلك لبيان ترابط الأمة فكلها جسد واحد، ولأن فعل الخير للجماعة هو خير عائد لفاعله.

стр. 371

(البقرة: ٢٥٥) قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - لا يحيطون بشيء من علم ذاته سبحانه؛ أي: لا يعلمون عن أسمائه وصفاته وأفعاله إلا ما علمهم. ٢ - لا يحيطون بشيء من علمه في السماوات والأرض إلا بما شاء أن يعلمهم إياه فيعلمونه. (البقرة: ٢٥٦) قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. (لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ) هذه الآية جاءت بعد آية الكرسي؛ للدلالة على عظمة الدِّين ونفي الإرغام على اعتناقه. وتدل الآية على معنيين كلاهما صحيح: ١ - أن تكون بمعنى النهي؛ أي: لا تُكرهوا أحدًا على الدِّين؛ فإنه واضح بالأدلة القطعية والبراهين الجلية. ونظير هذا المعنى: * ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. * ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. * ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. ٢ - أن تكون بمعنى النفي؛ أي: لن يدخل أحد في الإسلام مُكرهًا بل عن اختيار؛ فالمُكره إيمانه ليس صحيحًا. والآية -باختصار سبب النزول- نزلت في أبناء الأنصار قبل الإسلام وكانوا على الوثنية، فكانت الأم إذا كان لا يعيش لها ولد وولدت، تتيمّن بأهل الكتاب فتدفعه لبني النضير من اليهود فتهوّده؛ ظنًّا منها أن ذلك يجعله يعيش، فإذا كبر صار على اليهودية أو النصرانية. فلما جاء الإسلام وأسلم كثير من الأنصار، وأمر الله النبي بإجلاء اليهود عن المدينة استأذن الآباء الأنصار النبي ﷺ في إرغام أبنائهم من اليهود والنصارى على الإسلام ليبقوا معهم؛ فنزلت الآية. انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول (٤٠).

стр. 372

فالآية خاصة بغير المسلم أنه لا يُكره على الدخول في الإسلام، ولكنها لا تتعلق بالمسلم المرتد، فهذا يتعلق بالحدود التي وضعتها الشريعة؛ حماية لجناب الدِّين وهيبته. (البقرة: ٢٦٧) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. (تُغمِضُوا فِيهِ) الإغماض: غض الطرف، وتستخدمه العرب مجازًا عند التساهل في قبول الشيء رغم عيوبه. والمعنى: يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق في سبيله، وإخراج زكاة أموالهم من طيبات ما يسَّر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض من حبوب وثمار؛ فكما منَّ عليكم بتسهيل تحصيله فأنفقوا منه: - شكرًا لله. - وأداءً لبعض حقوق إخوانكم عليكم. - وتطهيرًا لأموالكم بالصدقة والزكاة. فاقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبُّونه لأنفسكم، ولا تقصدوا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تقبلونه لأنفسكم إلا أن تغضُّوا الطرف عن عيوبه. (البقرة: ٢٨٥) قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. المقصود ب (لا نفرّق) أي: لا نفرق بين الرسل في الإيمان؛ فنؤمن بهم جميعًا ونصدقهم جميعًا. وليس المراد عدم التفريق بالتفضيل بينهم؛ فالآية لا تتحدث عن موضوع المفاضلة. فائدة: التفضيل بين الأنبياء ثابت بالكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال النبي ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» صحيح ابن ماجه (٣٤٩٦). والله يخلق ما يشاء ويختار، فمقام التفضيل من اختصاصه سبحانه؛ ولذلك قال ﵊: «لا تفضلوا بين أنبياء الله» صحيح الجامع (٧٣٧٧)، وقال: «لا تخيروني على موسى» صحيح البخاري (٢٤١١)، وغيرها من أحاديث النهي عن المفاضلة.

стр. 373

ولا خلاف أن أفضل الرسل -بتفضيل الله تعالى لهم- هو محمد ﷺ ، ثم إبراهيم، ثم موسى ثم باقي أولي العزم ﵈. ومن أعظم ما فَضَّل اللهُ به نبي هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه: ما خصه الله به من عموم البعثة وشمول الرسالة للناس كافة، واختصاصه بالشفاعة العُظمى والمقام المحمود يوم القيامة، وليس ذلك لأحد من إخوانه الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والنهي كذلك يشمل عدم التفضيل على وجه الانتقاص والتعصب، أو ما يبعث على الخصومة والحَمِيَّة. انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٩٨)، ووسطية أهل السنة بين الفرق (١/ ٢٢٨). سورة آل عمران (آل عمران: ٤٢) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. (اصطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصطَفَاكِ) الاصطفاء: هو اختيار الله للعبد بأن يجعله من صفوة خلقه الذين يتقبلهم ويجتبيهم إليه، وهم درجات متفاوتة كما سيأتي بعد عدة أسطر. والاصطفاء لمريم وقع مرتين: ١ - فالاصطفاء الأول لمريم: هو اصطفاء واختيار لها أن تكون أمًّا لنبيه من غير أب، وطهّرها من دنس الشرك والأخلاق الذميمة، وتقبّلها لسَدَانة بيته حيث لا يُقبل إلا الرجال. ٢ - والاصطفاء الثاني: اصطفاء خاص من بين نساء العالمين قاطبة، وتفضيل عليهن واختصاص برفعة المنزلة. وقيل: الاصطفاء الأول في قبولها لسدانة بيت المقدس، والثاني في اختيارها أُمًّا لنبيه عيسى ﵇؛ فالحقيقة أن مريم ﵍ قد اصطفاها الله في قبوله لها للسدانة، ثم كأم لنبيه الكريم، وكذلك اصطفاها على نساء الأمة؛ لحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاء إِلَّا: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» صحيح البخاري (٣٤١١)، فقوله تعالى: ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ﴾ قد لا تدل على تحديد العدد؛ فهو اصطفاء متنوع.

стр. 374

فائدة (١) في اختيار مريم ﵂: أمرها بالعبادة فامتثلت وصدقت؛ قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ثم وصفها بالطاعة والقنوت: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. فائدة (٢): الاصطفاء درجات ومراتب: - فهو اصطفاء عام لأمة نبينا محمد ﷺ بما فيهم الظالم لنفسه. - ثم اصطفاء للمقتصد منهم، ثم اصطفاء أعلى منه للسابق بالخيرات، ثم اصطفاء خاص ورفعة واجتباء لأفراد وثُلة خاصة؛ كالصديقين، ثم الأنبياء؛ وهم أرفع درجات الأصفياء، وعلى رأسهم محمد ﷺ . (آل عمران: ٧٣) قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]. (أَنْ يُؤتَى أَحَدٌ مثلَ مَا أُوتِيتُمْ) قال رؤساء اليهود لمن دونهم من عامة اليهود: (ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكم) أي: لا تصدقوا وتؤمنوا إيمانًا صحيحًا إلا لمن تبع ملّتكم اليهودية؛ لأنها هي الصحيحة في اعتقادهم. أما غير اليهود فأظْهِروا لهم أنكم تتبعونهم خداعًا لِيَفْتَتِنُوا؛ يريدون بذلك المسلمين: أن يظهروا لهم الإسلام. فردَّ الله تعالى عليهم: (قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي: مادة التوفيق والهداية من الله وحده وليست منكم. (أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يحاجوكم … ) أي: فَعَلْتُمْ ذَلِكَ بغيًا وحسدًا: ١ - لِئَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ الفضل والعلم؛ ليكون لكم التفوق فيه، فلا يساويكم فيه أحد. ٢ - لئلا يُحَاجُّوكُمْ بهذا العلم عِنْدَ اللَّهِ فيكون ما علمتموهم حُجَّةً عَلَيْكُمْ، فظن اليهود أنهم استأثروا بهذه الطريقة بالعلم والفضل، فلا يساويهم أحد فيه، ولم يعلموا أن الله أعطى غيرهم -وهم المسلمون- أفضل منهم، وأنهم بعدم الاتباع خسروا وانحطت منزلتهم.

стр. 375

(آل عمران: ٧٥) قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. (ليس علينا في الأميين سبيل) يبين الله تعالى في بداية الآية أن مِنْ أهل الكتاب طائفة أمناء، وطائفة خونة وهم من اليهود؛ فهؤلاء الخونة يقولون: ليس علينا جناح إن خنّا الأُمِّيين واستبحنا أموالهم، ويقصدون بالأميين: العرب؛ لأنهم كانوا أُمّيين ولم ينزل عليهم كتاب. فليس علينا سبيل تعني: لا حرج علينا. * ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]. (مِنْ سَبِيلٍ) أي: ليس عليهم حرج؛ لأنهم أحسنوا وبذلوا جهدهم فهم معذورون. * ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]. (مَا عَلَيْهِم من سَبِيل) أي: لا حرج عليهم في الانتصار لأنفسهم؛ لأنهم وقع عليهم ظلم وبغي. (آل عمران: ١٢١ - ١٢٢) قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢١ - ١٢٢]. (غدوت من أهلك) الغدوة: أول النهار. (من أهلك) الأهل: هم الزوجة والأبناء، والمقصود هنا: عائشة ﵂. والمعنى: واذكر يا محمد حينما خرجت صباحًا إلى ساحة المعركة، من عند زوجك عائشة ﵂ في يوم غزوة أُحُد، حينما علمت أن كفار قريش أرادوا الانتقام لأنفسهم من قتلى بدر. (تبوئ المؤمنين) أي: تهيئ وتوطئ لهم مكانًا ومعسكرًا، وتُنْزل كل واحد منهم منزله ومكانه في ساحة المعركة. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سميع تدل على سماعه لما قالوا ذلك اليوم من أقوال فيما بينهم، عليم بأحوالهم وظروفهم. ومن علمه بأحوالهم قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طائفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفشَلَا) أي: حين كادت طائفتان من جيش المسلمين أن تَجْبُنا وتَضْعُفا وهمّتا بالرجوع، وهما حيّان من الأنصار: بنو سلمة وبنو حارثة، ولكن الله عصمهم من التخاذل.

стр. 376

(وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) تولى أمرهما بولايته الخاصة لأوليائه، فعصمهما ونصرهما على أنفسهما بالصمود مع رسول الله في المعركة. (وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ) فيها الأمر بالتوكل، وهو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار، والثقة بالله؛ فبحسب إيمان العبد يكون توكله، وبحسب ذلك ينصرهم ويدفع عنهم البلايا والمحن. (آل عمران: ١٣٠) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَواا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) قد يرد تساؤل: هل النهي في أكل الربا في حال الكثرة أضعافًا مضاعفة فحسب؟!! والمقصود: أن قوله: (أضعافًا مضاعفة) هي وصف لحالهم؛ فقد كانوا كذلك يكاثرون به بالأضعاف المضاعفة، لكن ليست الكثرة شرطًا في الحل والتحريم. (آل عمران: ١٥٣) قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]. (يَدعُوكُم فِي أُخرَاكُم) أي: يدعوكم ويناديكم من وَرَائِكُمْ: إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ؛ فَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ! (فَأَثَابَكُم غَمَّا بِغَمّ) اختلف المفسرون في الباء في قوله: (غما بغم): ١ - تحتمل أن تكون الباء للمصاحبة؛ أي: غمًّا مصاحبًا لغم، أو غمًّا بعد غم. - فيكون الغم الأول: هو إشاعة مقتل النبي ﷺ ، وما فاتهم من الغنيمة والنصر. - والغم الثاني: هو ما نالهم من القتل والجراح وعلوّ العدو عليهم. ٢ - ويحتمل أن تكون الباء للسببية؛ أي: غمًّا بسبب غم؛ أي: جازاكم غمًّا بسبب الغم الذي أدخلتموه على نبيكم بمخالفتكم أوامره. (فأثابكم): تحتمل معنيين: ١ - من الثواب والمكافأة. ٢ - أو من الثوب والإعادة.

стр. 377

والشرح: (فأثابكم) بالمعنى الأول: من الثواب، وسميت ثوابًا: لأن الغم الأكبر يُنسِي الغمّ الأصغر؛ ولهذا قال: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا مَا أصَابكم) أي: ما فاتكم من الغنائم والنصر، وما أصابكم من جراح وخسائر في الأنفس والأموال؛ فتتمرنوا على تجرّع الغموم واحتمال الشدائد؛ فلا تحزنوا على فائت. (فأثابكم) بالمعنى الثاني: من الثَّوْب وهو العَوْد والتعقيب؛ أي: جازاكم على فِعلكم، وعقَّب عليكم بالجزاء .. والمعاني كلها لا تتعارض. (آل عمران: ١٦٥) قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. (قَدْ أَصَبتُم مثلَيهَا): فيها تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين حين أصابهم ما أصابهم يوم (أُحُد) وقتل منهم نحو سبعين، فقال الله تعالى: إنكم (قد أصبتم) من المشركين (مثليها) أي: ضِعف هذا العدد يوم بدر فقتلتم سبعين منهم وأسرتم سبعين. وقَوْلُهُ: (قُلتُم أَنَّى هذا) أي: تساءلتم: كيف أصابَنا هَذا الِانْهِزامُ والقَتْلُ ونَحْنُ نُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَعَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وقَدْ وُعِدَنا بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ؟! فجاءهم الجواب: (قُلْ هو مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ) أي: قل لهم يا محمد: إن هَذا الَّذِي أصابكم من عند أنْفُسِكم؛ بِسَبَبِ مُخالَفَة الرُّماةِ لِما أمَرَهم النبي بِهِ مِنْ لُزُومِ المَكانِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهم .. وهو القول الذي رجحه أكثر المفسرين. انظر: فتح القدير والجامع لأحكام القرآن. (آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠) قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]. قوله تعالى: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) أي: هؤلاء الشهداء في البرزخ يُبشِّر بعضُهم بعضًا بوصول رفاق لهم لم يلحقوا بهم بعد، وسينالهم ما نالوا من الشهادة، ويحظون بما حظوا به من الكرامة. فجمع الله للشهداء مسرتين:

стр. 378

مسرتهم بأنفسهم والنعيم الذي هم فيه. ومسرتهم بمعرفة خبر إخوانهم الأحياء واستبشارهم باللحاق بهم. وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعالي الجنان عند ربهم، وفيه تتلاقى أرواح الصالحين، وزيارة بعضهم بعضًا، وتبشير بعضهم بعضًا، نسأل الله من فضله! (آل عمران: ١٧٥) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. (يخوّف أولياءه) أي: يخوفكم بأوليائه؛ فهو يبث فيكم الرعب منهم ليعظم شأن الكفار في قلوبكم؛ ولذلك قال بعدها: (فلا تخافوهم وخافون) وليس المعنى: أنه يخوّف من يوالونه، بل يخوف أولياء الله بأوليائه؛ فللشيطان وساوس يلقيها في قلب العبد. أو يوحي إلى الكفار والمنافقين والمثبّطين بتخويفكم من الأعداء، ونشر الرعب وخلخلة الصفوف؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. (آل عمران: ١٨٠) قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) معنى (سيطوقون ما بخلوا به) الفعل سيطوقون مشتق من الطوق، وهو ما يُلبس حول الرقبة؛ أي: تُجعل أموالهم التي بخلوا بها أطواقًا يوم القيامة يعذبون بحملها حول رقابهم. وقد يدخل في ذلك منعُ كل حق واجب والبخل به، فسيكون شرًّا عليهم يوم القيامة. وفي الصحيح: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ» صحيح البخاري (١٤٠٣). وقال ﵊: «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» صحيح البخاري (٢٤٥٢). ومعنى (طوقه من سبع أرضين): يفسره الحديث التالي: «أيّما رجل ظلم شبرًا من الأرض، كلفه الله تعالى أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس» صحيح الجامع (٢٧٢٢).

стр. 379

(آل عمران: ١٩٥) قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. (بَعضُكُم من بَعض) رِجالُكم مِثْلُ نِسائِكم في الطّاعَةِ ونِساؤُكم مِثْلُ رِجالِكم فِيها، فكلكم من أصل واحد، ولا فرق في الثواب بينكما ذكورًا وإناثًا. * ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]. (بَعضُكُم من بَعض) بعضكم إِخْوَةٌ لبعض؛ فكلكم من نفسٍ واحدة فلا تَسْتَنْكِفُوا من نكاح. وأتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأن العرب لديهم أَنَفَةٌ أن يتزوج الحرُّ أَمةً، فخفف الله ذلك عنهم وقال: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) فأنت لست تنكح إلا إنسانة مثلك، بعضكم من بعض. سورة النساء (النساء: ١) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا﴾ [النساء: ١]. (الذي تساءلون به والأرحام) أي: يسأل بعضكم بعضًا به؛ لأن المُساءَلة -وهي المناشدة- لا تكون إلا بعظيم، فإن أرادوا قضاء حوائجهم قال بعضهم لبعض: (أسألك بالله، أو ناشدتك الله) فكيف لا تتقونه وأنتم تساءلون به؟! (والأرحام): تذكير لهم بحرمتها؛ لأنهم كانوا يقولون: (أسألك بالله والرَّحِم) ليس من باب القَسَم، بل من باب التَّسبّب بها؛ أي: التي هي سبب القرابة بينكم تعظيمًا لحقها. وخلاصة المعنى: اتقوا الله العظيم الذي تساءلون به، واتقوا حرمة الرَّحِم بينكم لا تقطعوها. فائدة: - هناك فرق بين السؤال بالله والحلف بالله؛ فليس كل سائل بالله يكون مُقْسِمًا به، فالمُقْسِم بالله إن حنث لزمته كفارة، أما لو سُئل أحد بالله، أو سأل غيره بالله فلا تلزمه كفارة. - وينبغي للمؤمن ألا يستخدم هذه الصيغة -وهي السؤال بالله- إلا عند الاضطرار والحاجة الملحة؛ لأنه ينبغي ألا يسأل بوجه الله إلا الجنة وما قَرّب إليها.

стр. 380

أما آية: (الذي تساءلون به) فهي من باب تقرير الحال وليس الاستحباب، والموضوع فيه تفصيل يرجى الرجوع إلى أهل العلم فيه. (النساء: ١٧) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيما﴾ [النساء: ١٧]. (من قريب) أي: قبل أن يحضرهم الموت؛ فكل من تاب قبل الموت فهو قريب ولو كان بين الذنب والتوبة وقت طويل، وكل ما كان في الدنيا فهو قريب؛ لأن مرحلة حياة الإنسان في الدنيا إلى قبل حضور الموت تعتبر قصيرة. والتائب لا يزال في قرب من فرصة قبول التوبة ما دام لم يغرغر، أما إذا حضر الموتُ فلا تُقبل التوبة؛ لأنها جاءت في وقت الخروج عن مرحلة الحياة الدنيا، وانتهاء فرصة الرجوع والتوبة. (النساء: ٢٣) قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ): المرأة إذا تزوجت ولها بنت من زوج سابق، فهذه البنت تسمى: رَبِيبَة، والغالب أنها تتربى في حَجْر زوج أمها فهو الذي يرعاها؛ لأن والدها قد طلق أمها أو مات، وهو الغالب في أكثر الحالات. لكن لو تزوج أمها وهي كبيرة لم تتربَّ في حجره، فهل يتغير الحكم؟ لا يتغير الحكم، والآية دلت على الغالب الحاصل بين الناس: فهي في عرف أهل الفقه خرجت مَخْرَج الغالب، وهناك آيات مماثلة تَطَرقْنَا إليها في مفردة (كره)، آية: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء). (النساء: ٤٦) قال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلا﴾ [النساء: ٤٦].

стр. 381

(وَاسمَع غَيرَ مُسمَع): هي سُبَّة من بعض اليهود الخبثاء لرسول الله ﵊، وهي تحتمل معانٍ كلها سيئة: ١ - أي: اسمع، لا سمعت أصمَّك الله. ٢ - أي: اسمع غير مسمع ما يسرّك، بل ما يسوؤك. ٣ - أي: اسمع غير مقبول سماع شيء منك. (وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلسِنَتِهِم) راعنا: أصلها من الرعاية أو من المراعاة وهو معنًى حسن، ولكن كشف الله تعالى عن خُبث نواياهم: فهم من ضمن مطلبهم بأن يراعيهم الرسول لا يريدون قصد الرعاية ولا المراعاة، بل يريدون ضمن هذا الطلب تحريف المعنى عن معناه، وسب رسول الله ووصفه بالرُّعُونَة؛ وهي الجبن والحُمق وما أشبه ذلك. فيقولون: راعنا؛ أي: أصابك الله بالرعونة؛ ولهذا نهى الله المؤمنين أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأن اليهود يقولونها يريدون بها سوءًا. (وَطَعنا فِي الدِّينِ) الطعن في الدِّين هو عصيان النبي ﷺ ، وعدم قبول ما جاء به. (سَمِعنَا وَأَطَعنَا وَاسمَع وَانظُرنَا) وهنا توجيه من الله تعالى: لو أن هؤلاء اليهود قالوا: (سمعنا وأطعنا)، بدلًا من عصينا، و (اسمع وانظرنا) بدلًا من سبابهم -غير مسمع- وانظرنا؛ أي: انظر إلينا ولظروفنا وانتظرنا ما نقول لك، وافهم عنَّا بدلًا من (راعنا) لكان خيرًا لهم، ولكنهم آثروا الدخول في لعنة الله لهم إلى يوم الدين، فلا يؤمن منهم إلا القليل. (النساء: ٤٧) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]. (نَطْمِسَ وُجُوهًا) في الآية تهديد ووعيد لأهل الكتاب الذين كذّبوا بالحق الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وهم يعلمون أنه الحق. والطمس هنا له معنيان؛ حسيّ ومعنوي: ١ - حسّي: فهو تهديد بطمس وجوههم، فيزيل معالمها ويمحوها على الحقيقة؛ فلا يبقى فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب؛ فيجعلها لوحًا صامتًا جزاءً لهم على طمسهم الحق.

стр. 382

وردها على الأدبار؛ أي: تحويلها إلى الخلف حقيقة؛ لأنهم آثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فالجزاء من جنس العمل. ٢ - ومعنوي: أن يزيدهم ضلالة وانتكاسًا، عياذًا باللهِ. * والطمس يأتي بمعنى (المحو)؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] أي: ذهب ضوءها وتناثرت وتساقطت. * وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أي: أعْمَيْناهم ومحونا نور الإبصار منها. * ويأتي بمعنى (الدمار والهلاك): ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أي: أهْلِكْها ودمرها. (النساء: ٨٥) قال تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتا﴾ [النساء: ٨٥]. (من يَشفَع شَفَاعَةً حَسَنَة) الشفاعة: هي التّوسّط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، وأصلها: أن الشافع يعين غيره فيصير معه شفعًا بعد أن كان فردًا. - في جلب منفعة مثل: شفاعة رسول الله ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها. - في دفع مضرة مثل: شفاعة رسول الله ﷺ في أهل الموقف أن يُقضى بينهم من طول الوقوف والكَرب. (شَفَاعَةً حَسَنَة) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - حسنة؛ أي: نافعة للمشفوع له أيًّا كانت في حدود المباح. ٢ - حسنة؛ أي: شرعية -يعني: مما أمر بها الشرع- كالشفاعة للمظلوم، والشفاعة للإصلاح بين الخصوم … (يَكُنْ لهُ نَصِيبٌ مِّنهَا) نصيب من ثوابها يوم القيامة: - بقدر ابتغائه وجه الله. - قدر إعانته ونفعه للمشفوع له. - وبقدر سعيه ومجهوده. - وبقدر ما يترتب على ذلك من منفعة حاصلة في المجتمع وعلى الناس. - بقدر انتشارها واتساع نطاق نفعها. (وَمَنْ يَشفَع شَفَاعَةً سَيِّئَةً) والشفاعة السيئة لها معنيان كلاهما صحيح:

стр. 383

١ - أي: يعين أو يشارك ذا سيئة على سيئته بما فيه مضرة عليه أو على غيره، حتى ولو لم تكن في أصلها محرّمة. ٢ - أن يشفع له في الوصول إلى شيء محرم؛ كأخذ الحقوق، والإيقاع بين الناس، وغيره. (يَكُنْ لهُ كِفلٌ مِّنهَا) يكن له نصيب من الإثم: - بقدر إعانته للمشفوع له. - وبقدر سعيه ومجهوده. - وبقدر ما يترتب على ذلك من مضرة حاصلة في المجتمع وعلى الناس. - بقدر انتشارها واتساع نطاق مضرتها. (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء مُّقِيتًا) (مُّقِيتًا): من القُدرة والحفظ والعلم بأحوال عباده وشئون خلقه؛ فيقدِّر لكل نفس حاجتها وما تستحق، ولكل نفس كسبها بما في ذلك من الثواب والعقاب والحسنات والسيئات. فائدة: ما الفرق بين الكِفْل والنصيب؟ النصيب: تشمل المِثل، وتحتمل الزيادة؛ فالمعنى: له نصيب وافر من الثواب. والكِفْل: هو المِثل المساوي في المقدار؛ فالمعنى: له مِثلٌ مساوٍ من العقاب. وكذلك في بيان القدر قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ففيها الدلالة على مضاعفة الأجر مرتين. وفي الآية حثٌّ على التعاون على البر والتقوى، وإعانة الغير بما ينفعهم من مال أو كلمة طيبة أو مجهود وسعي أو شهادة؛ قال النبي ﷺ : «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» صحيح البخاري (١٤٣٢)، وفيها أيضًا: التحذير من التعاون على الإثم والعدوان. (النساء: ١٢٧) قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيما﴾ [النساء: ١٢٧].

стр. 384

(وَتَرغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) هذه العبارة تحتمل معنيين لا إشكال في الجمع بينهما، وهذا من بلاغة القرآن الكريم واتساع معانيه: ١ - ترغبون في نكاحهن ربما لجمالهن وأموالهن فتبخسوهن حقوقهن؛ لأنهن تحت تصرفكم وولايتكم. ٢ - ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن؛ فتعضلوهن فلا تزوجوهن لأحد لأخذ أموالهن. والمعنى الإجمالي للآية: يسألك يا محمد أصحابُك أن تفتيهم في أمر النساء والواجب لهن وعليهن وأحكامهن في الميراث؛ فالله تعالى بنفسه يفتيكم فيهن ويبين لكم حكم ما سألتم عنه: (وَمَا يُتلَى عَلَيكُم فِي الكتاب) أي: يفتيكم بما يتلى عليكم في القرآن؛ ففيه بيان ما سألتم عنه في شأن يتامى النساء، فقد كانت اليتيمة تحت ولاية الرجل فيبخسها حقها ويظلمها: إما بأكل مالها، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، أو يأخذ من مهرها هذا إذا كان راغبا عنها. وإن كان راغبًا فيها لأنها ذات جمال ومال: فلا يُقسط في مهرها فيعطيها دون ما تستحق؛ وكل هذا ظلم لها. (وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي: ويفتيكم في الصبية الصغار الذين لا تورثونهم وتأكلون حقوقهم لأنهم ضعاف. (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) ويفتيكم في اليتامى من بنين وبنات الذين مات آباؤهم قبل بلوغهم، أن تعدلوا معهم وتعطوهم حقوقهم كاملة؛ فهذه عدة فتاوى قرآنية لرفع الظلم وتحقيق العدل. (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيما) ثم حَثَّ على الإحسان وفعل الخير بعامة؛ فالله تعالى عليم لا يخفى عليه ما تعملون ويجازيكم به. (النساء: ١٢٨) قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ [النساء: ١٢٨]. (وأُحْضرت الأنفس الشح) الآية الكريمة تصور الشُّح وكأنه كائن له حضور وتأثير في النفس، يغريها دومًا بحب الاستكثار، وحب الاستئثار، وحب الحرص والتّملك، وكما في الحديث: «ثلاث مهلكات -ومنها- شُحّ مطاع». انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٠٢).

стр. 385

فالشّح يأمر النفس بالبخل ويخوفها من الفقر، فالمطلوب عدم طاعته وتربية النفس للوقاية منه؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. ومعنى الآية: يبين الله تعالى للزوجين ما ينبغي عليهما فعله في حال سوء العلاقة بينهما، فإن رأت الزوجة في زوجها إعراضًا وانصرافًا عنها لسبب ما -من كبر السن، أو قلة الجمال، أو غيره، وربما يكون قد تزوج بأخرى- فلا حرج أن يتّفقا على صلح لبقاء الرابطة الزوجية بينهما، فتترك المرأة بعض حقوقها في الفراش وبعض النفقة. ولا يُصِرّ كلٌّ منهما على حقوقه كاملة؛ لأن النفس جُبِلتْ على الاستئثار وحب التَّملك، والشُّح غريزة حاضرة تراود النفس باستمرار على التقتير والإمساك، وخوف الفقر، فلا بد من مراعاة كل منهما الآخر، والتنازل عن شيء من حقوقه لبقاء العلاقة. سورة المائدة (المائدة: ١) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]. (يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ): أي: له الحكم وحده في التحليل والتحريم كيف يريد، سبحانه لا معقب لحكمه! والجملة تضمنت الحكم والإرادة وتشتمل على معنيين كلاهما صحيح: (يَحْكُمُ): تتضمن حكمين: ١ - الحكم الشرعي: فإن شاء حلَّل هذا وحرّم هذا، وإن شاء أوجب هذا ورخَّص في هذا. ٢ - الحكم الكوني: فإن شاء حكم على عباده بالغنى والأمن، وإن شاء حكم بضد ذلك. فالأحكام الكونية والشرعية كلها مختصَّة بالله وحده لا اعتراض على حكمه ولا رادَّ له؛ كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠] يعني: من اختصاصه وشأنه. (ما يُرِيد): تتضمن إرادتين: ١ - الإرادة الكونية، بمعنى: المشيئة، وتشمل ما يحبه الله وما لا يحبه. وهي نافذة مُتحققة؛ فلا يرد مشيئته راد متى شاء وقضى سبحانه.

стр. 386

٢ - الإرادة الشرعية، بمعنى: المحبة، وتتعلق بأمور الدِّين، فهي التي يحبها الله وأرادها لعباده؛ فمعنى (يريد) أي: يحب. وقد تتحقَّق وتقع وقد لا تقع؛ لأن الله تعالى ترك فيها الخيار في الفعل للعبد. انظر: تفسير العثيمين للآية. (المائدة: ٤) قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. (وَمَا عَلَّمتُم منَ الجَوَارِحِ) أي: أحل لكم من الصيد ما صادته لكم الجوارح بتعليمكم لهن، والجوارح: هي كل ذوات الصيد من السباع ومن الطير؛ كالكلاب والصقور، سميت جارحة؛ لأنها تجرح الصيد بمخلبها. (مُكَلِّبِينَ) المكلِّب: هو معلِّم الكلاب وسائر الجوارح كيفية الصيد، وخُص الاسم بالكلاب؛ لأن تعليم الكلاب هو الغالب. (فَكُلُوا مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم) أي: يباح لكم بهذه الشروط أكله ومنها: - إطلاق الجارحة المعلَّمة من كلب أو صقر أو غيره على الصيد مع التسمية. - وأن يجرح الصيد، ولا يعضّه أو يصدمه. - أن يكون الأكل مما صادته لكم هذه الجوارح من غير أن تأكل هذه الجوارح منه، فإن أكلت منه فلا يحل على الراجح. (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - اذكروا اسم الله عليه عند إطلاق الصيد. ٢ - اذكروا اسم الله عليه عند أكله. فببركة اسم الله يحل الصيد ويحل أكله. (المائدة: ٢٣) قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. (من الذين يخافون أنعم الله عليهما) أي: أنعم الله عليهما بنعمة الخوف منه، ونعمة التوفيق والثبات ورباطة الجأش، ومراقبة الله في أوامره ونواهيه؛ فخافا ربهما أكثر من خوفهما الجبارين.

стр. 387

فالنتيجة: أن بني إسرائيل لما عصوا ربهم ابتلاهم بالخوف من الجبارين وخذلهم وأذلهم، وهذان الرجلان اتّقيا ربهما، فأنعم الله عليهما بنعمة التوفيق والصلاح والخوف منه وحده فسددهما. (المائدة: ٤٤) قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. (النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا): أسْلَمُوا لله قلوبَهم ووجوههم، فانقادوا لله ظاهرًا وباطنًا؛ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] كما أن فيها تأكيدًا بالإسلام لهم لمن يدّعون أن هؤلاء الأنبياء كانوا هودًا أو نصارى. (لِلَّذِينَ هَادُوا): يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود، وسمَّاهم (الذين هادوا) أي: الذين رجعوا وتابوا من عبادة العجل. (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحبَار) الرباني: هو الذي أتم العبودية لله وربَّى الناس عليها، والأحبار: الراسخون في العلم، فكأنما نقول: المصلحون أو الدعاة والعلماء. (بِمَا استُحفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) أي: يحكمون بما استُؤمنوا من كتاب الله ، وبما جُعِلُوا حُفَّاظًا وأمناء عليه. (وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) أي: هؤلاء الدعاة والعلماء جعلهم الله أمناء على الدِّين، فيشهدون بأن هذه شريعة الله وينشرونها بين عباد الله؛ فكانوا شهداء على الخلق بتبليغ الشريعة إليهم. (المائدة: ٦١) قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١]. (وَقَدْ دخلُوا بالكُفرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) هؤلاء هم منافقو اليهود الذين يبطنون اليهودية ويظهرون الإسلام؛ فإذا جاءوا للرسول ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، قالوا: آمنا. فكشف الله حقيقتهم في القرآن: أنهم في الحقيقة كفّار؛ فعند دخولهم على النبي دخلوا بكفرهم وخرجوا من عنده بكفرهم لم تُؤثِّر فيهم مواعظه، ومهما قالوا: (آمنا) فهم كفّار في جميع الأحوال لم يدخل الإيمان في قلوبهم.

стр. 388

قيل: هؤلاء هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَت طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. (المائدة: ٦٧) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. (يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) قد يتساءل البعض عن العصمة لرسول الله ﷺ وقد سُحر، وكُسرت رباعيته، وشُجَّ رأسه، وأوذي في قريش والطائف؟! فالعصمة هنا نوعان: ١ - العصمة والسلامة من القتل والأسر ليتم التبليغ. ٢ - عصمة القلب والعقل والإيمان والوحي أن يناله أحد بسوء. أما الخوف والتعرُّض للأذى فلا ينافي العصمة. انظر: تفسيرابن القيم للآية. وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأَخْرَجَ رسول الله ﷺ رأسه مِنَ القُبَّةِ فقال لهم: «انصرفوا؛ فقد عصمني الله» سنن الترمذي (٣٠٤٦)، وقال الألباني: (حسن). (المائدة: ٩٤) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]. (لِيَعلَمَ اللَّهُ) قد يتوهم من ظاهر اللفظ أن الله لا يعلم ما سيكون من عباده إلا بعد وقوع الأمر، وهذا الأمر لا يصح؛ فالله تعالى هو العليم، وعلمه أزليّ سابق، والعلم الذي ينسب لله تعالى في القرآن: ١ - علم ذاتي أزلي سابق قبل الخلق. ٢ - علم فعلي بعد الخلق، متعلق بوجود الشيء وظهوره بعد خلقه؛ لإقامة الحجة وللثواب والعقاب. فالله تعالى لا يحاسب العبد بعلمه السابق فيه، وإلا لكان حسابه على سيئات ربما مات قبل أن يفعلها، ولكن الله تعالى يحاسب العبد على علمه به بعد حصول الأمر، وهو الذي يترتب عليه الجزاء، وعليه يقيم على العبد الحجة. فقوله: (ليعلم الله) أي: ليكون عملكم موجودًا في علم الله، فيحاسبكم على خيره وشره.

стр. 389

* ومثلها: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (إِلَّا لِنَعلَمَ) قد يُتوهم أن الله يستفيد علمًا لم يكن يعلمه -تعالى الله؛ فعلمه سابق ولاحق- ولكن ليظهر الأمر للناس، ويقيم الحجة عليهم، ويترتب عليه الثواب والعقاب. * ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. (وَلَمَّا يَعلَمِ اللَّهُ) أي: علم ظهور بعد حصول الشيء؛ ليترتب عليه الثواب والعقاب. وكذلك الأمر بالنسبة ل (الرؤية، والسمع، والإرادة، والعلم، والصفات الذاتية لله تعالى): فلله سمع وبصر ذاتي أزلي، وله سمع وبصر فعلي متعلق بوجود الشيء وظهوره للثواب والعقاب. ففي قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. (فَسَيَرَى الله) قد يتوهم أنه تعالى لا يراها إلا إذا وُجدت، سبحانه البصير العليم! والصواب: أنها رؤية فعلية يترتب عليها الثواب والعقاب، فالله تعالى بصير أزلًا وأبدًا. انظر: التوضيح الرشيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٤٧٢)، والجموع البهية للمنياوي (١/ ١٧٥)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ خالد المصلح (٨/ ٢)، وشرح الفتوى الحموية لخالد المصلح (٣/ ١٨). (المائدة: ٩٦) قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]. عرفنا (صيد البحر)، فما هو (طعامه)؟ (طعامه) هو: ما قذف به البحر على ساحله من ميتة البحر. وقيل: طعامه ما يوجد في داخله من شجر وزرع مما يُطعم؛ فكل ذلك حلال. (المائدة: ١٠٥) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]. (لَا يَضُرُّكُمْ من ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُم) يفهمها البعض فهما خاطئًا بترك التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 390

والمعنى: لا يَضُرُّكم ضَلالُ مَنْ ضَلَّ مِنَ النّاسِ إذا اهْتَدَيْتُمْ لِلْحَقِّ أنْتُمْ في أنْفُسِكم، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بل هو مِنْ أعْظَمِ الفُرُوضِ الدِّينِيَّةِ؛ وهو من عوامل الهداية، فمن تركه ففي هدايته نقص. انظر: تفسير الشوكاني للآية. * ومثلها قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]. يستشهد البعض بها كذلك لإسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصحيح أنها لا تنافي الأمر بالمعروف ولا الجهاد ولا التناصح؛ فالمعنى: ١ - أنا بريءٌ من دينكم، وأنتم بريئون من ديني. ٢ - لَكم جَزاؤُكم ولِي جَزائِي؛ لأن الدِّين كذلك هو الجزاء. فالآية تبين البراءة من الشرك وأهله، وليس ترك الدعوة والأمر بالمعروف. وما يؤيدُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] أي: استمر على دعوتك مهما كذبوك، وما عليك إلا أن تتبرأ من شركهم، فليس عليك من حسابهم من شيء؛ فلكل عمله. سورة الأنعام (الأنعام: ٩) قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ما يَلْبِسُونَ) المعنى هنا: من التباس الأمر، وليس اللباس والثياب؛ أي: لو جعلنا الرسول الذي نرسله إليهم ملكًا كما طلبوا لجعلناه في صورة رجل من بني آدم؛ لأنهم لن يطيقوا رؤية الملك بصورته الحقيقية، ولالتبس عليهم أمره كذلك، فلن يتعرفوا عليه أمَلَك هو أم إنسي! ولن يوقنوا به أنه ملك، ولن يُصدِّقوا بأقواله مثله مثل النبي البشري، ولقالوا: ليس هذا ملكًا! وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك وصحة برهانك. فهم لبسوا على أنفسهم وشكوا في نبوتك، وكذلك سيفعلون في الملَك لو جاءهم في صورة رجل. إذن، ليس المعنى: ولألبسنا الملك ما يَلبس الرجل من الثياب كما قد يُفهم، ولو كان ذلك حاصلًا أصلًا، ولكنه ليس مقصود الآية. فالمعنى باختصار: لوقع لكم نفْسُ الاشتباه والالتباس الذي وقعتم فيه باستنكاركم كون الرسول بشرًا.
следующие страницы →