Полный текст (544 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
٢ - الإرادة الشرعية، بمعنى: المحبة، وتتعلق بأمور الدِّين، فهي التي يحبها الله وأرادها لعباده؛ فمعنى (يريد) أي: يحب.
وقد تتحقَّق وتقع وقد لا تقع؛ لأن الله تعالى ترك فيها الخيار في الفعل للعبد.
انظر: تفسير العثيمين للآية.
(المائدة: ٤)
قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].
(وَمَا عَلَّمتُم منَ الجَوَارِحِ) أي: أحل لكم من الصيد ما صادته لكم الجوارح بتعليمكم لهن، والجوارح: هي كل ذوات الصيد من السباع ومن الطير؛ كالكلاب والصقور، سميت جارحة؛ لأنها تجرح الصيد بمخلبها.
(مُكَلِّبِينَ) المكلِّب: هو معلِّم الكلاب وسائر الجوارح كيفية الصيد، وخُص الاسم بالكلاب؛ لأن تعليم الكلاب هو الغالب.
(فَكُلُوا مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم) أي: يباح لكم بهذه الشروط أكله ومنها:
- إطلاق الجارحة المعلَّمة من كلب أو صقر أو غيره على الصيد مع التسمية.
- وأن يجرح الصيد، ولا يعضّه أو يصدمه.
- أن يكون الأكل مما صادته لكم هذه الجوارح من غير أن تأكل هذه الجوارح منه، فإن أكلت منه فلا يحل على الراجح.
(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - اذكروا اسم الله عليه عند إطلاق الصيد.
٢ - اذكروا اسم الله عليه عند أكله.
فببركة اسم الله يحل الصيد ويحل أكله.
(المائدة: ٢٣)
قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
(من الذين يخافون أنعم الله عليهما) أي: أنعم الله عليهما بنعمة الخوف منه، ونعمة التوفيق والثبات ورباطة الجأش، ومراقبة الله في أوامره ونواهيه؛ فخافا ربهما أكثر من خوفهما الجبارين.
стр. 387
فالنتيجة: أن بني إسرائيل لما عصوا ربهم ابتلاهم بالخوف من الجبارين وخذلهم وأذلهم، وهذان الرجلان اتّقيا ربهما، فأنعم الله عليهما بنعمة التوفيق والصلاح والخوف منه وحده فسددهما.
(المائدة: ٤٤)
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
(النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا): أسْلَمُوا لله قلوبَهم ووجوههم، فانقادوا لله ظاهرًا وباطنًا؛ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] كما أن فيها تأكيدًا بالإسلام لهم لمن يدّعون أن هؤلاء الأنبياء كانوا هودًا أو نصارى.
(لِلَّذِينَ هَادُوا): يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود، وسمَّاهم (الذين هادوا) أي: الذين رجعوا وتابوا من
عبادة العجل.
(وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحبَار) الرباني: هو الذي أتم العبودية لله وربَّى الناس عليها، والأحبار: الراسخون في العلم، فكأنما نقول: المصلحون أو الدعاة والعلماء.
(بِمَا استُحفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) أي: يحكمون بما استُؤمنوا من كتاب الله ، وبما جُعِلُوا حُفَّاظًا وأمناء عليه.
(وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) أي: هؤلاء الدعاة والعلماء جعلهم الله أمناء على الدِّين، فيشهدون بأن هذه شريعة الله وينشرونها بين عباد الله؛ فكانوا شهداء على الخلق بتبليغ الشريعة إليهم.
(المائدة: ٦١)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١].
(وَقَدْ دخلُوا بالكُفرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) هؤلاء هم منافقو اليهود الذين يبطنون اليهودية ويظهرون الإسلام؛ فإذا جاءوا للرسول ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، قالوا: آمنا.
فكشف الله حقيقتهم في القرآن: أنهم في الحقيقة كفّار؛ فعند دخولهم على النبي دخلوا بكفرهم وخرجوا من عنده بكفرهم لم تُؤثِّر فيهم مواعظه، ومهما قالوا: (آمنا) فهم كفّار في جميع الأحوال لم يدخل الإيمان في قلوبهم.
стр. 388
قيل: هؤلاء هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَت طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
(المائدة: ٦٧)
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
(يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) قد يتساءل البعض عن العصمة لرسول الله ﷺ وقد سُحر، وكُسرت رباعيته، وشُجَّ رأسه، وأوذي في قريش والطائف؟!
فالعصمة هنا نوعان:
١ - العصمة والسلامة من القتل والأسر ليتم التبليغ.
٢ - عصمة القلب والعقل والإيمان والوحي أن يناله أحد بسوء.
أما الخوف والتعرُّض للأذى فلا ينافي العصمة. انظر: تفسيرابن القيم للآية.
وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأَخْرَجَ رسول الله ﷺ رأسه مِنَ القُبَّةِ فقال لهم: «انصرفوا؛ فقد عصمني الله» سنن الترمذي (٣٠٤٦)، وقال الألباني: (حسن).
(المائدة: ٩٤)
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤].
(لِيَعلَمَ اللَّهُ) قد يتوهم من ظاهر اللفظ أن الله لا يعلم ما سيكون من عباده إلا بعد وقوع الأمر، وهذا الأمر لا يصح؛ فالله تعالى هو العليم، وعلمه أزليّ سابق، والعلم الذي ينسب لله تعالى في القرآن:
١ - علم ذاتي أزلي سابق قبل الخلق.
٢ - علم فعلي بعد الخلق، متعلق بوجود الشيء وظهوره بعد خلقه؛ لإقامة الحجة وللثواب والعقاب.
فالله تعالى لا يحاسب العبد بعلمه السابق فيه، وإلا لكان حسابه على سيئات ربما مات قبل أن يفعلها، ولكن الله تعالى يحاسب العبد على علمه به بعد حصول الأمر، وهو الذي يترتب عليه الجزاء، وعليه يقيم على العبد الحجة.
فقوله: (ليعلم الله) أي: ليكون عملكم موجودًا في علم الله، فيحاسبكم على خيره وشره.
стр. 389
* ومثلها: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
(إِلَّا لِنَعلَمَ) قد يُتوهم أن الله يستفيد علمًا لم يكن يعلمه -تعالى الله؛ فعلمه سابق ولاحق- ولكن ليظهر الأمر للناس، ويقيم الحجة عليهم، ويترتب عليه الثواب والعقاب.
* ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
(وَلَمَّا يَعلَمِ اللَّهُ) أي: علم ظهور بعد حصول الشيء؛ ليترتب عليه الثواب والعقاب.
وكذلك الأمر بالنسبة ل (الرؤية، والسمع، والإرادة، والعلم، والصفات الذاتية لله تعالى): فلله سمع وبصر ذاتي أزلي، وله سمع وبصر فعلي متعلق بوجود الشيء وظهوره للثواب والعقاب.
ففي قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
(فَسَيَرَى الله) قد يتوهم أنه تعالى لا يراها إلا إذا وُجدت، سبحانه البصير العليم!
والصواب: أنها رؤية فعلية يترتب عليها الثواب والعقاب، فالله تعالى بصير أزلًا وأبدًا.
انظر: التوضيح الرشيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٤٧٢)، والجموع البهية للمنياوي (١/ ١٧٥)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ خالد المصلح (٨/ ٢)، وشرح الفتوى الحموية لخالد المصلح (٣/ ١٨).
(المائدة: ٩٦)
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
عرفنا (صيد البحر)، فما هو (طعامه)؟
(طعامه) هو: ما قذف به البحر على ساحله من ميتة البحر.
وقيل: طعامه ما يوجد في داخله من شجر وزرع مما يُطعم؛ فكل ذلك حلال.
(المائدة: ١٠٥)
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥].
(لَا يَضُرُّكُمْ من ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُم) يفهمها البعض فهما خاطئًا بترك التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 390
والمعنى: لا يَضُرُّكم ضَلالُ مَنْ ضَلَّ مِنَ النّاسِ إذا اهْتَدَيْتُمْ لِلْحَقِّ أنْتُمْ في أنْفُسِكم، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بل هو مِنْ أعْظَمِ الفُرُوضِ الدِّينِيَّةِ؛ وهو من عوامل الهداية، فمن تركه ففي هدايته نقص. انظر: تفسير الشوكاني للآية.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
يستشهد البعض بها كذلك لإسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصحيح أنها لا تنافي الأمر بالمعروف ولا الجهاد ولا التناصح؛ فالمعنى:
١ - أنا بريءٌ من دينكم، وأنتم بريئون من ديني.
٢ - لَكم جَزاؤُكم ولِي جَزائِي؛ لأن الدِّين كذلك هو الجزاء.
فالآية تبين البراءة من الشرك وأهله، وليس ترك الدعوة والأمر بالمعروف.
وما يؤيدُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] أي: استمر على دعوتك مهما كذبوك، وما عليك إلا أن تتبرأ من شركهم، فليس عليك من حسابهم من شيء؛ فلكل عمله.
سورة الأنعام
(الأنعام: ٩)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩].
(وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ما يَلْبِسُونَ) المعنى هنا: من التباس الأمر، وليس اللباس والثياب؛ أي: لو جعلنا الرسول الذي نرسله إليهم ملكًا كما طلبوا لجعلناه في صورة رجل من بني آدم؛ لأنهم لن يطيقوا رؤية الملك بصورته الحقيقية، ولالتبس عليهم أمره كذلك، فلن يتعرفوا عليه أمَلَك هو أم إنسي! ولن يوقنوا به أنه ملك، ولن يُصدِّقوا بأقواله مثله مثل النبي البشري، ولقالوا: ليس هذا ملكًا! وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك وصحة برهانك.
فهم لبسوا على أنفسهم وشكوا في نبوتك، وكذلك سيفعلون في الملَك لو جاءهم في صورة رجل.
إذن، ليس المعنى: ولألبسنا الملك ما يَلبس الرجل من الثياب كما قد يُفهم، ولو كان ذلك حاصلًا أصلًا، ولكنه ليس مقصود الآية.
فالمعنى باختصار: لوقع لكم نفْسُ الاشتباه والالتباس الذي وقعتم فيه باستنكاركم كون الرسول بشرًا.
стр. 391
(الأنعام: ١٩)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩].
(قُلْ أَيُّ شَيءٍ أَكبَرُ شَهَادَة): أمَرَ الله تعالى رسوله الكريم أن يسأل قومه: أي شيء أكبر وأعظم شهادة وأصحها وأصدقها؟
هل هي شهادتكم أن مع الله آلهة أخرى؟ أم شهادة الله نفسه وإقراره لي بأنه لا إله إلا هو؟
شهادة جاء بها نبيه الصادق الأمين الذي لا يشوب شهادته زور ولا كذب، ولا يُبَلِّغ عن ربه إلا الحق.
فائدة:
ذكر أهل العلم ما مفاده أن شهادة الله المؤيدة لرسوله ﷺ شهادتان:
الأولى: شهادةٌ بصدق نبوته، وأيده الله فيها بثلاث شهادات:
١ - أخبر بنبوته ورسالته في القرآن الذي جاء به.
٢ - أيّده بالمعجزات، ومنها القرآن الكريم.
٣ - أيّده بشهادة كتبه السابقة.
الثانية: شهادة بصدق ما جاء به من التوحيد، وأيده كذلك بثلاث شهادات:
١ - شهادة كتبه السابقة ودعوة الأنبياء أنه لا إله إلا هو.
٢ - شهادات مرئية في الكون على دلائل وحدانيّته.
٣ - شهادة أودعها في الفِطَر السليمة تشهد بتوحيده جل وعلا.
(الأنعام: ٢٥ - ٢٦)
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٥ - ٢٦].
(يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ): ينهون الناس عن الاستماع خشية اتباعه، ويبتعدون هم كذلك عن الاستماع والاتباع.
والمعنى: تبين الآية تصرّف المشركين وردّة فعلهم بعد أن ظهرت لهم الأدلة القاطعة على وحدانية الله وصدق رسالة النبي ﷺ ، فإذا استمع بعضهم للقرآن فهو للمخاصمة والجدال؛ فلا ينتفعون بما سمعوا؛ لأن ظُلمة الكفر تغطي على العقول والأسماع والأبصار.
стр. 392
فلما عجزوا عن وصفه قالوا: أساطير الأوّلين؛ أي: مأخوذ من صُحف الأوّلين وأوهامهم.
ولم يكتفوا بالتكذيب والاتهام، بل وقفوا ضده ينهون الناس عن الاستماع له واتباعه ويبتعدون عنه؛ فجمعوا بين الضلال والإضلال.
وهم بهذا الفعل المَشِين لا يعلمون أنهم يجرّون أنفسهم إلى الهلاك من حيث لا يشعرون، فابتعادهم عنه في الدنيا يبعدهم عنه كذلك في الآخرة.
ولا يزال أهل الشرك في كل عصر وزمان على الصّد عن الدِّين وإبعاد الناس عنه ﷺ ، ولا يعلمون أنهم بتصرفهم ذاك سيبتعدون عنه يوم القيامة بعد أن تكون رغبتهم شديدة في القرب منه ونيل شفاعته.
(الأنعام: ٣٤)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
(وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نبَإِي المُرسَلِينَ) لها معنيان كلاهما يحتمله النص المبارك:
١ - جاءك من أخبارهم وقَصَصهم.
٢ - جاءك من النبأ الذي يأتيهم، وهو الوحي والرسالة.
انظر: تفسير ابن عثيمين للآية.
(الأنعام: ١٣٧)
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧].
(قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ):
من هم الشركاء؟ هل هم الأولاد، أم من؟!
(الشركاء) هم: شياطينهم ورؤساؤهم؛ يزينون لهم قتل أبنائهم ووأدهم خشية الافتقار.
(ليردوهم): ليهلكوهم، والمعنى: كذلك زين الشيطان لهم قتل أولادهم ليهلكوهم ويتخلصوا منهم ظلما، كما زين لهم من قبل قسمة أموالهم بين الله وبين شركائهم؛ كل ذلك ليلبسوا عليهم دينهم الذي أمرهم به ربهم؛ فيُدخِلوا عليهم الشك والباطل من الأفعال.
стр. 393
فأمر الله نبيه أن يتركهم استدراجًا وإمهالًا لظلمهم وافترائهم، ولو شاء الله لمنعهم فلم يستطيعوا فعل شيء فكل شيء تحت أمره ومشيئته، فلا يحزن عليهم؛ فلن يضروه شيئًا.
سورة الأعراف
(الأعراف: ٤٦)
قال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦].
(لم يدخلوها وهم يطمعون) أي: أن هؤلاء الذين هم أصحاب الأعراف الذين استوت سيئاتهم مع حسناتهم، فلم تنزل بهم سيئاتهم إلى جهنم، ولم ترتفع بهم حسناتهم إلى الجنة؛ ظَلُّوا على حجاب -وهو سور بين الجنة والنار يقال له: الأعراف- يرون مِنْ عليه حالَ أهل الجنة وحال أهل النار؛ فإذا نظروا لأهل الجنة سلَّموا عليهم، وإذا نظروا لأهل النار سألوا الله ألا يجعلهم معهم، ثم يدخلهم الله الجنة بعد أن يطمعوا في كرامته .
فمعنى الآية: لم يدخلوا الجنة مع الداخلين ولكنهم يطمعون في دخولها، وما جعل الله الطمع في قلوبهم إلا لخير أراده بهم، فيحقق الله لهم ذلك، كما رجّح كثير من المفسرين؛ فمن طمع في رحمة الله وهو غير مشرك به لم يُخَيّبْه.
(الأعراف: ١٠١)
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١].
(فَمَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبلُ) ما المراد ب (بما كذبوا من قبل)؟
اختلف المفسرون على عدة أوجه:
١ - فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ يَوْمَ أخَذَ على بني آدم المِيثاقَ أنَّهم سيُكَذِّبُونَ بِالله ورسله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦].
٢ - ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لو رددناهم إلى الدنيا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ مع الرسل السابقين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٢٨].
стр. 394
٣ - فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ، فهم كفار معاندون من قَبْلِ مَجِيئِهِمْ، مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بعدهم أيضًا؛ وبسبب ذلك طبع الله على قلوبهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
وكلها صحيحة المعنى: فهؤلاء كفار في علم الله السابق، وما كانوا ليؤمنوا بأي وسيلة.
* ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس: ٧٤].
(فَمَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قبل): ينطبق على الآية وجها التفسير السابقان الأولان، إلا التفسير الثالث، لأن الضمير في (من بعده) يعود إلى نوح ﵇.
والمعنى: فما كانوا ليؤمنوا بما كذب به قومُ نوح من قبل؛ فقد كان الكفر متأصلًا فيهم مثلهم.
وهذه الآية تحذر من عدم الإصغاء لنداء الحق وقبوله؛ لأنه سبب في الطبع على القلب والحرمان من الهداية، نسأل الله العافية! لمزيد فائدة انظر: تفسير أضواء البيان للآية
(الأعراف: ١٦٩)
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
(عَرَضَ هَذا الْأَدْنَى): خَلَفَ اليهودَ أجيالٌ من ذرياتهم ورثوا التوراة عن أسلافهم لا يعملون بها، بل انغمسوا في أمور الدنيا وفضَّلوا عرض الدنيا الدّنِيّة على الآخرة؛ فأحلوا ما حرم الله عليهم، ثم يُمَنُّون أنفسهم بالمغفرة.
(وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مثْلُهُ يَأْخُذُوه) أي: إذا جاءهم وأَشرَفَ لهم شيءٌ من الدّنيا أخذوه حلالًا كان أَوْ حرامًا، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه؛ فلا يتورعون عن الحرام.
فالآية الكريمة تبين مدى حِرْصِهِم على الدنيا، وإصرارهم على الذنوب. انظر: تفسير البغوي للآية.
(الأعراف: ١٧٦)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
(إِنْ تَحمِل عَلَيهِ) أي: إن تطرده وتزجره فهو يلهث، أو تتركه يلهث، وليس من وضع الأحمال عليه؛ تقول العرب: (حمل عليه في الحرب) أي: كرّ وهاجم، و (حمل على فلان) أي: شدّ عليه وزجره.
стр. 395
والمثل ضربه الله للمكذب بآياته بعد أن أتته آيات اللّه فلم ينقَد لها، بل كذب بها وأعرض عنها؛ فسواء وعظته أو تركته فلن يهتدي، فهو في كلا الحالين معرض، كمثل الكلب إن زجرته أو تركته فهو في كلا
الحالين يلهث.
سورة الأنفال
(الأنفال: ٧)
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
(إحدى الطَّائفَتَينِ) من هم الطائفتان؟ وأيهما ذات الشوكة؟
في هذه الآية يذكّر الله ﵎ أهلَ الإيمان حينما قَدِمَتْ عِيرُ المشركين بقيادة أبي سفيان للتجارة من الشام، فخرج المسلمون بأمر رسول الله لأخذها؛ لأن قريشًا صادرت أموال بعضهم عند الهجرة من مكة، فبلغ الخبر قريشًا فخرجت لحماية قافلتها، فلما علم النبي ﷺ بخروجها شاور الصحابة فأيده
بعضهم على الاستمرار، فقال النبي ﷺ : سيروا على بركة الله، وبشرهم بأن الله وعده إحدى الطائفتين؛ فالطائفتان هما:
١ - قافلة التجارة القادمة من الشام.
٢ - العِيرُ التي خرجت من قريش لحمايتها.
فالوعد من الله إما أن يغنموا قافلة العِير والتجارة، أو قافلة النّفير التي خرجت لحمايتها.
(وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) (ذَاتِ الشَّوكَةِ) ذات القوة والسلاح، فأحب المسلمون قافلة التجارة لحاجتهم، ولأنها غير ذات شوكة وليست مُعدة للحرب.
ولكن اللّه تعالى أحب لهم وأراد أمرًا أعلى مما أحبوا: أراد أن يظفروا بالنّفير الذي خرج فيه كُبراء المشركين وصناديدهم؛ ليحق الحق ويقطع دابر المشركين، فوجّههم نحو النّفير وهي العير المسلحة التي جاءت لنجدة قافلة الشام، ولم يكونوا على استعداد كافٍ لمواجهتها؛ فكانت غزوة بدر التي أنزل الله فيها الملائكة تقاتل مع المسلمين حتى ظفروا وانتصروا، وقتلوا كبار قريش ومنهم عدو الله أبو جهل.
стр. 396
(الأنفال: ٢٤)
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
(دَعَاكُم لِمَا يُحيِيكُم) تشتمل على معنيين كلاهما صحيح:
١ - أي: دعاكم للإيمان والطاعة؛ ففيه دوام حياتكم في الدنيا والآخرة.
٢ - دعاكم لما فيه إحياء أمركم في الدنيا بالجهاد في سبيله؛ لأن السياق يدور حوله.
(يَحُولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ) اختلف فيها العلماء، وأقرب ما يكون المعنى من وجهين بناءً على معنى
(دعاكم لما يحييكم):
١ - على القول الأول؛ أي: يحول بينكم وبين الاستقامة والطاعة.
والمعنى: أطيعوا وأجيبوا الله ورسوله إذا جاءكم أمر أو نهي؛ فهو يدعوكم لما فيه دوام حياتكم في الدنيا والآخرة، فإنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن يحول الله بينكم وبين قلوبكم، فلا يمكِّنكم بعد ذلك من الاستجابة؛ عقوبةً لكم على تركها، ففي الآية هنا تحذير من ترك الاستجابة.
٢ - على القول الثاني: اعلموا أن الله يحول بين قلب المؤمن وبين ما يخافه ويدفعه لعدم الاستجابة للجهاد إذا عزم صادقًا.
والمعنى: أجيبوا الله ورسوله فيما يدعوكم إليه -ومنه الخروج للجهاد- واعلموا أن الله بقدرته يحول بين قلب المؤمن وما يُضعفه عند الاستجابة والطاعة، فيجعل قلب الخائف قويًّا، وقلب الذليل عزيزًا؛ ففي الآية هنا حض وترغيب.
(الأنفال: ٤٢)
قال تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢].
(بِالعُدوَةِ الدُّنيَا وَهُمْ بِالعُدوَةِ القُصوَى):
(العدوة): طرف الوادي المرتفع وجانباه.
стр. 397
(الدّنيا): من الدنوّ؛ أي: القريبة من المدينة.
(العدوة القصوى): طرف الوادي البعيد مما يلي مكة المكرمة.
والمعنى: يخبر الله تعالى عن يوم بدر حينما هُزم المشركون يوم التقى الجيشان، ثم أخبر المؤمنين عن حالهم يومئذ: أرأيتم معشر المؤمنين إذ كنتم بطرف الوادي القريب من المدينة، وهم بطرفه البعيد عنها، وأصحاب العِير المقبلة من الشام الذين تريدونهم أسفل منكم على ساحل البحر.
ولو تواعدتم أنتم والمشركون القادمون من مكة للقتال لاختلفتم في الميعاد، ولكن الله جمعكم بهم على غير ميعاد حتى التقى على ماء بدر من يسقي لهم، فاقتتلتم وانتصر المسلمون.
(لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) أي: مُقدّرًا في الأزل لا بد من وقوعه، وهو النصر للإسلام وأهله والغنيمة، والهلاك لأبي جهل وأصحابه.
(ليَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة) ليترتب على قضاء الله هذا هلاكُ مَنْ هلك مِنْ الكفار عن حجة وإنفاذ لوعد الله لرسوله، ولا يبقى لمن بقي حيًّا من الكفار حجة لعدم الإيمان، ويزداد المؤمن
إيمانًا وبصيرة.
(الأنفال: ٥٨)
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
(فانبذ إليهم على سواء) انبذ: من النبذ، وهو الرمي والإلقاء.
والمعنى: فإن خفت من قوم نقض العهد، فارم إليهم بعهدهم وألقه عليهم، وآذنهم وأعلمهم بالحرب.
(على سواء): ليستوي علمك وعلمهم بذلك؛ فهو العدل حتى لا تغدر بهم.
(الأنفال: ٦٨)
قال تعالى: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨].
(كِتَابٌ منَ اللَّهِ) أي: لولا حكم الله الذي قدّره وكتبه في اللوح المحفوظ لا يتغير ولا يتبدل.
وهذا الحكم اخْتَلَفَ فيه المُفَسِّرُونَ، ورجح أكثرهم القول الأول، وصوَّب ابن القيم جميع الأقوال؛ فكلها محتملة لا تتعارض:
١ - الحكم الذي سبق في عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أنَّهُ سَيُحِلُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ.
стр. 398
٢ - أنَّهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأهْلِ بَدْرٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ؛ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم».
٣ - هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ؛ كَما قالَ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
٤ - أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبٍ فَعَلَهُ جاهِلًا.
٥ - أنَّه لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَقْدِيمِ النَّهْيِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ.
* ومثلها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٧٥].
(فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي: فيما قدّره وشرعه لكم.
والآية تتحدث عن الموالاة الإيمانية وأنها مقدمة على موالاة النسَب، وكانت في أول الإسلام حينما آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة من بعضهم البعض، فنزلت الآية لتجعل الميراث مقتصرًا على قرابة ذوي الأرحام، وهو حكم الله وشرعه الذي كتبه وحكم به على هذه الأمة.
* تكررت الجملة كذلك في قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورا﴾ [الأحزاب: ٦].
(أَولَى بِبَعض فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي: فيما كتبه وفرضه عليكم وشرعه لكم؛ فأولو الأرحام أولى بالميراث فيما بينهم من الحلفاء والنصراء، فغير القرابة ليس لهم حق في الميراث إلا لمن أراد أن يوصي بشيء من الثلث أو يتبرع به.
* ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦].
(لَبِثتُم فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي: لقد مكثتم فيما قدّر الله لكم في الدنيا عمرًا طويلًا كتبه لكم أضعتموه في اللعب، وها أنتم الآن في يوم البعث الذي كذبتم به.
ويسبق هذه الآية ما يبين أن الكفار كانوا في نومة البرزخ، ثم لمّا قاموا حسبوا أنهم لم يمكثوا في دنياهم القصيرة غير ساعة واحدة؛ فكان رد أهل العلم عليهم.
стр. 399
* ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].
(فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي: في حكمه الذي قدَّره منذ الأزل في اللوح المحفوظ.
نلاحظ أن الكتابة يتضمن بعضها: حكمَ الله القدري، وحكمَ الله الشرعي.
سورة التوبة
(التوبة: ٣٠)
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
(قَولُهُم بِأَفوَ اهِهِم) معنى القول بالفم؛ أي: قول ليس له أصل، لا يتجاوز الفم؛ فلا حجة فِيهِ ولا بُرْهانَ، فيدل على تفاهتهم؛ فكلامهم لا يمرّ على عقولهم فيُقيّم ويُحكّم ويُنظر فيه.
(يُضَاهِؤنَ قَولَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبلُ) أي: يشابهون قول المشركين من قبلهم، الذين قالوا: الملائكة بنات اللّه، والجن بنات الله، واللات والعزى بنات الله … تشابهت قلوبهم؛ فتشابهت أقوالهم في البطلان.
(التوبة: ٦٠)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
(وفِي الرِّقَابِ) أي: وفي فَكِّ الرِّقاب.
أي: يشتري العبد فيعتقه، أو يكاتِبَ عبدًا يريد الحرية وفكاك نفسه فيعينه، أو يخلص أسيرًا من الأسر بفدي، وفيها خلاف بين الفقهاء.
(والغارمين): هم قسمان:
١ - من توسط لإصلاح ذات البَيْن، أو بين طائفتين من الناس بمال يبذله لأحدهم أو لهم كلهم؛ فجُعل له نصيبٌ من الزكاة ليكون أنشط له وأقوى لعزمه، فيعطى ولو كان غنيًّا.
٢ - من غرم وليس لديه ما يسد، فإنه يعطى ما يُوَفِّي به دينَه.
стр. 400
(التوبة: ٦١)
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١].
(وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) تتجلَّى في الآية أخلاق النبي الكريم ﵊ وحُسن معاملته للمنافقين، وقد ذكرنا سابقًا معنى (هو أذن) في حرف الألف (أذن).
(ويؤمن للمؤمنين) أي: يصدقهم.
معنى الآية: أن النبي ﷺ يصدق بالله وبما أنزل عليه، ويصدق المؤمنين في شؤونهم كشهاداتهم وحقوقهم، ويصدق أقوالهم فلا يكذبهم.
- فالفرق بين لفظ (آمن) المتعدي بالباء والمتعدي باللام:
(يؤمن ب) بمعنى: التصديق القلبي والثقة والاعتقاد؛ فصدق بالشيء؛ أي: تمكّن من قلبه، فهو إيمان برب ودين وعقيدة …
(ويؤمن ل) بمعنى الموافقة والقبول، فهو يصدق ويقبل ما يقول المؤمنون؛ فيقبل أقوالهم وشهاداتهم …
وقيل: إن التعدية ب (الباء) تكون للأمور الغيبية، أما المشاهدة: فتكون ب (اللام).
* ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ [يوسف: ١٧].
(بِمُؤْمِنٍ لنَا) أي: بمصدق لأقوالنا؛ أي: لن تتقبل أقوالنا أنها صادقة.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة فيها التعدية باللام؛ منها:
* ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] أي: أنقبل ونوافق على ما تدعونا إليه؟
* ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣].
(فما آمن لموسى) أي: ما صدقه فيما يقول وقَبِلَ الدخول في دينه.
* ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤].
(لَنْ نؤْمِنَ لَكُمْ): لن نصدقكم؛ أي: لن نقبل منكم خبرًا صادقًا.
- ومن ذلك لفظ (آمين) أي: اللهم استجب وتقَبّل، ولا تعني: اللهم صدّق.
стр. 401
- والمؤمن كذلك من أسماء الله الحسنى، ومعناه: المُصَدِّق والموافق قولَهُ فِعلُه، والمصدق -أي: المؤيد- رسله بالبراهين والحجج، والمصدق عباده المؤمنين بما وعدهم من ثواب.
(التوبة ٦٩)
قال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ [التوبة: ٦٩].
(فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ): الخلاق: هو النصيب وما قدِّر للإنسان.
والمعنى: هذه الآية تابعة للحديث عن المنافقين الذين نزلت فيهم الآية الشريفة: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] فكانوا يهزءون بالقرَّاء من صحابة رسول الله ﷺ ؛ فقال أحدهم: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء: لا أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء.
فنزل عليهم الوعيد بالعذاب واللعنة يوم القيامة، والتحذير أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة المكذبة.
ثم جاءت هذه الآية وفيها يقول تعالى: قل لهم -يا محمد- أنتم فعلتم كما فعل الذين من قبلكم، وكانوا أكثر منكم أموالًا وقوة، فاستمتعوا بما قدّره الله لهم من شهوات عِوضًا عن الدار الآخرة، واستمتعتم أنتم كذلك بما قدّره الله لكم من نصيب الدنيا، وسلكتم سبيلهم، وخضتم في الباطل كما خاضوا؛ فكان جزاؤكم مثلهم؛ وهو الحبوط والخسران. انظر: الصحيح المسند من أسباب النزول (ص ١٠٨).
ومثلها:
* ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْأخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
* ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢].
(من خلاق) أي: من نصيب.
стр. 402
(التوبة: ٧٤)
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤].
(وَهَمُّوا بِمَا لَم يَنَالُوا) مَنْ الذين همّوا؟ وهمّوا بماذا؟
هم المنافقون، هموا بقتل النبي ﷺ في مؤامرة دنيئة وهم عائدون من غزوة تبوك، فأمر النبي ﷺ بمن يصدهم عن فعلهم؛ فلم ينالوا مبتغاهم ولم يظفروا به.
(كلمة الكفر) أي: كلمة يكفر بها من قالها، وهي الاستهزاء بالدِّين وبالرسول ﷺ .
(وما نقموا إلا أن أغناهم) أي: ما أنكروا وكرهوا الإسلام إلا أن أغناهم الله بعد فقر، وأخذوا من الغنائم وما فتح الله على نبيّه من البركات والخير .. أَفَعَلَى الإحسان والمعروف يهمُّون بقتل رسول الله؟! فهذا قمّة الجحود!!
فائدة:
القائل لكلمة الكفر واحد أو اثنان، ولكن الله تعالى خاطبهم كالجماعة: باعتبار أن قول واحد وسماع البقية بالموافقة والتأييد في حكم المشاركة في التَّبِعة والإثم.
(التوبة: ١٠١)
قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
(سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَينِ) المُرادُ بِالمَرَّتَيْن: أكثر المفسرين على أن:
١ - المرة الأولى: هو عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وسائر المصائب.
٢ - والمرة الثانية: وهو عذاب البرزخ عند الاحتضار، وفي القبر قبل يوم القيامة .. نسأل الله السلامة!
(التوبة: ١١٠)
قال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٠].
(إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) المَعْنى: أنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ لَمّا بَنَوْهُ لِغَرَضٍ فاسِدٍ أورثهم شكًّا وريبة؛ فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِبَقاءِ النِّفاقِ في قلوبهم، فلن يهديهم الله لتوبة إِلا أَنْ تتقطع قلوبهم ويهلكوا بالموت، فعندئذٍ سيعلمون
стр. 403
حقيقة نفاقهم وكفرهم، وتمتلئ قلوبهم حسرة على ما فعلوا؛ كما قال تعالى في المنافقين: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧].
فمن جاءه الحق فأعرض واستهزأ وكذّب به، أورثه الله نفاقًا لا يشعر به حتى يموت عليه والعياذ بالله؛ وبهذا أغلق باب التوبة في وجوههم وهلكوا مع الهالكين، نسأل الله السلامة!
فائدة:
قصة مسجد الضّرار: أنه كان بالمدينة قبل مَقدَم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: (أبو عامر الراهبُ)، وكان قد تَنَصَّر في الجاهلية وقرأ علْم أهل الكتاب وكانت له مكانة عندهم، فلما جاء الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي ﷺ ، فقامت طائفة من المنافقين وبنوا هذا المسجد له. انظر الآية في: أسباب النزول للواحدي تحقيق: عصام الحميدان.
(التوبة: ١١٨)
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].
(وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا) من هم الثلاثة؟
هم كعب بن مالك ومُرَارة بن الربيع وهلال بن أمية رضوان الله عليهم.
(خُلِّفُوا) أي: أرجئوا في البَتّ في توبتهم، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] فقد تخلفت توبتهم خمسين يومًا ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ فكان من صدق توبتهم: أن صبروا على ألم النفس، والهجر ومقاطعة المسلمين التي أمر بها رسول الله ﷺ حتى يحكم الله فيهم؛ لأنهم تخلّفوا عن غزوة تبوك مع رسول الله بلا عذر.
سورة يونس
(يونس: ٢١)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١].
(إذَا لَهُمْ مكْرٌ فِي آيَاتِنَا) المكر: هو الحيلة والخداع، وإبطان الخبث، والمكر في الآيات: هو الحيلة لنسبتها إلى غير مسببها، والتكذيب والاستهزاء بها.
стр. 404
والمعنى: إذا أذقنا هؤلاء الكفار رحمة ورخاءً بعد شدة وبلاء -كالصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف- أعرضوا عن المُنعم ولم يشكروه، بل يقابلون ذلك بالمكر وهو نسبة النِّعم إلى غير الله، وسعيهم بالباطل والتكذيب والاستهزاء.
(قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) المكر صفة مقيدة لله، وهي في حقّه صفة كمال؛ لأن عدله جل وعلا يتطلب جزاء الماكر بمكره.
فالله تعالى يمكُر بالماكرين جزاءً وِفاقًا، فمَن مكر يمكر الله به، ويردّ مكره عليه من حيث لا يشعر، ويعاقبه من جنس عمله، وتسجِّل الملائكة مكرهم وخبيث أعمالهم، ويجزيهم عليه الجزاء الرادع.
* ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) المكر به: هو الحيلة لإلحاق الأذى من قتل ونحوه.
والمعنى: يذكّر الله تعالى نبيه الكريم حينما تشاور المشركون في دار النّدوة ليثبتوه -أي: يقيّدوه أو يقتلوه- فنجّاه الله منهم.
* ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ [الرعد: ٤٢].
(فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) أي: لا مكر كَمكرِه ﷻ ؛ لأن مكره لا يدفعه دافع ويأتيهم من حيث لا يحتسبون، ومكرهم لا يضرّ أحدًا إلا بإذنه.
* ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣].
(بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: ما كنتم تدبِّرونه في الدنيا من المكر في الليل والنهار؛ لنشر الضلال والصد عن سبيل الله.
وهو وصف لحال الكفار يوم القيامة حينما يعاينون العذاب، ويتهم الضعفاء أكابرهم بالمكر والدعوة للضلال وتحسين الكفر لهم حتى انخدعوا به.
إذن، المكر في الآيات: الاحتيال لصرفها عن مسبِّبها.
والمكر بالناس: الاحتيال لإلحاق الأذى بهم.
ومكر الله بهم: مجازاتهم من جنس أعمالهم.
стр. 405
سورة هود
(هود: ١٧)
قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ﴾ [هود: ١٧].
(وَيَتلُوهُ شَاهِدٌ منهُ) يتلوه؛ أي: يتبعه ويأتي بعده شاهد بصدقه.
(منه) أي: من ربه.
والمعنى: (أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ من ربِّهِ) سؤال استنكاري يبين نفي معقولية التسوية بين المؤمن والكافر؛ أي: أفمن كان على وضوح وبيِّنة بما أوحي إليه من القرآن، وما حواه من الأدلة والبراهين على توحيد الله ونبوة رسوله، وعلى صدق يوم المعاد.
و (ويَتْلُوهُ شاهِدٌ منْهُ) أي: مع ما أوتي من هذه الدلائل والبينات، فإن له دليلًا آخر يتبعه ويؤيده؛ وهو لسان الصدق الذي ينطق به النبي ﷺ ، وما أودع الله فيه من فطرة سليمة وعقل صحيح، وقيل: الشاهد هو القرآن الكريم.
ودليل ثالث من قَبْله (فهناك إذن دليل من قبله ودليل من بعده يؤيدانه) ففي قوله (ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) أي: التوراة ﴿إِمَاما وَرَحْمَةً﴾ شاهد له؛ حيث تضمنت التوراة صفات الرسول ﷺ في غير موضع منها.
أفمن هو على هذه البينات والدلائل والبراهين من صحة دينه، كمن لا دليل له ولا برهان، وختم الله على قلبه فعمي عن الحق.
والسؤال هنا خبره محذوف، يحتمل تقديره: (كمن عمي عن الحق)، أو كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ [محمد: ١٤].
(أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي: ثم هو واحد في جماعة كلهم ثبتت لديهم تلك البيّنات والحجج والبراهين، فهم (يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي: بالقرآن الحق، والنبي ﷺ الحق، والدِّين الحق.
(وَمَنْ يَكفُر بِهِ مِنَ الأَحزَابِ فالنَّارُ مَوعِدُهُ) والأحزاب هنا -كما ذكرنا في مفردة سابقة- هم: كل من تحزّبوا ضد الإسلام.
(هود: ١٠٨)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].
ما المقصود بقوله في الآية الكريمة: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَ اتُ وَالأَرضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)؟
стр. 406
ظاهر الآية يشير إلى تقييد مدة سعادة أهل الجنة بدوام السموات والأرض، وقد اختلف فيها العلماء على معان منها:
١ - أنها عبارة تُقال للتأبيد عند العرب؛ كقولهم: ما لاح كوكب في السماء، وما دام الليل والنهار.
٢ - أن المقصود مدة دوامهما لا منتهى لها؛ لأنه مع أن سماوات الدنيا وأرضها سوف تبدل وتطوى، ولكن لا يزال هناك سماء تُظِلّ وأرض تُقِلّ إلى الأبد؛ فالمقصود هذا المسمى وليس سماوات وأرض
الدنيا فقط.
أما الاستثناء في قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) أي: سوى ما شاء الله من الزيادة، وقد شاء سبحانه لهم الخلود في الجنة؛ فكأن معناها: خالدين فيها أبدًا؛ لكي يعلموا مِنَّة الله عليهم بالخلود في النعيم، وأنه بمشيئة الله وليس بِحتمٍ عليه، وأكد الخلود بقوله تعالى: (عَطَاءً غَيرَ مَجذُوذ) أي: دائم غير مقطوع.
* وكذلك قوله تعالى في أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].
(إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ):
١ - استثناء أهل الكبائر من الخلود؛ أي: إلا أن يخرج عصاة الموحدين بمشيئة الله.
٢ - استثناء مدة القبور والبعث؛ أي: إلا ما شاء الله من بقائهم في قبورهم ثم بعثهم، وبعدها
يدخلون النار.
* وكذلك: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
(خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ):
١ - إلا ما شاء عدم خلودهم فيها، وهم عصاة الموحدين.
٢ - استثناء مدة القبور والبعث؛ أي: إلا ما شاء الله من مدة بقائهم في قبورهم ثم بعثهم، وبعدها يدخلون النار.
стр. 407
سورة يوسف
(يوسف: ٩)
قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩].
(اطْرَحُوهُ أَرضًا) أي: ألقوه في أرض بعيدة مجهولة؛ وذلك حتى يستريحوا منه، فقد يتوه في تلك الأرض ولا يعرف العودة إلى أبيه، وقد يهلك هناك أو تفترسه الحيوانات، وليس المعنى: ألقوه على الأرض.
(يوسف: ٢٤)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
(هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) فَهَمُّهَا: عَزْمُهَا على المعصية، وأما قوله: (وَهَمَّ بِهَا) فقد اختلف فيها المفسرون على أقوال كثيرة، ورجح كثير من المفسرين قولين:
١ - هَمّ بموافقتها كخاطر قلبي أمام إلحاحها وإغرائها، فصَرَفَه عَنْهُ وازِع العلم والإيمان والتَّقْوى وهو برهان ربه، فتركه لله وقدّم مراد الله على كل شيء، و (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ) والهَمّ بالسيئة ثم تركها لله يكتبها الله حسنة كما في الحديث؛ وهذا دلالة على كمال النبي يوسف ﵇.
٢ - أنه لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، ولكنه لم يهم.
ونظير هذا من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] فلم تبدِ به.
والقول الأول رجحه الشوكاني والسعدي وغيرهما، وهو الذي يوافق إنسانية النبي ﵇ والطبع الجبليّ أمام شدة الفتنة.
وذكر ابن القيم في تفسيره الفرق بين همِّهِ وهمِّهَا: أن همها كان همّ إصرار وعزم، وهمّهُ كان همَّ خاطر راوده أمام فتنتها وإصرارها.
أما من قال: إنه همَّ بضربها وعقابها فبعيد.
(يوسف: ٤٥)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ [يوسف: ٤٥].
(وادَّكَرَ) أي: تذكر.
стр. 408
(بَعْدَ أُمَّةٍ) أي: بعد زمن طويل.
والمراد به: السجين الذي كان مع يوسف ﵇؛ نسي ما قال له يوسف: (اذكرني عند ربك) ثم تذكر بعد فترة طويلة من الزمان.
ومثلها في أصل المعنى قوله تعالى:
* ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
(مُّدَّكِرٍ) أي: متذكر تذكر اعتبار واتعاظ.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ١٥].
* ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾ [القمر: ٥١].
* ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
من التذكر؛ أي: هل من متذكر يتعظ ويعتبر؟
(يوسف: ٥٢)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢].
(لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) تحتمل معنيين:
- الأول: أنه من قول امرأة العزيز -وهو الأظهر والأنسب للسياق- وفاعل (يعلم) أحد اثنين:
١ - ليعلم زوجي العزيز أنني حين اعترفت بمراودة يوسف، فإني بذلك لم أخنه سرًّا؛ فقد كانت مجرد مراودة وَهَمًّا لا أكثر.
٢ - ليعلم يوسف حين أقررتُ أني أنا الذي راودته، وأنه هو الصادق؛ فإني بذلك لم أخنه في حال
غيبته عني.
وإن كانت هي القائلة: فالآية التي تليها تابعة لها (وما أُبَرِّئُ نَفْسِي) فيكون اتهامًا منها لنفسها على الحقيقة، من باب الصدق والاعتراف بالخطأ.
- الثاني: أنه من قول يوسف ﵇ حينما عاد إليه رسول الملك فلم يجبه، وطلب منه أن يسأل النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن عن شأنهن، (ليعلم) العزيز (أني لم أخنه) في أهله (بالغيب).
وإن كان القائل يوسف ﵇: فالآية التي تليها من قوله: (وما أُبَرِّئُ نَفْسِي) فيكون من باب التواضع وعدم التزكية.
стр. 409
والقولان معتبران، وعلى هذا القول أكثرُ المفسرين؛ منهم: الطبري، والبغوي، وابن جزي، والجزائري، وغيرهم كثير. وعلى الأول: ابن تيمية، وابن كثير، والقرطبي، والسعدي، وغيرهم. وعلى أي حال: فكلُّ معنًى يفيد المؤمن ويلقنه درسًا تربويًّا عظيمًا.
(يوسف: ٦٥)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥].
(مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) أي: أي شيء نريد بعد هذا الإكرام من ملك مصر؟! فقد استوفى لنا الكيل وأعاد لنا بضاعتنا لكي نعود فنكتال بها مرة أخرى ولكن مع أخينا بنيامين؛ حتى يزداد الكيل.
وإنما قالوا في الآية السابقة: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ [يوسف: ٦٣] أي: مُنع منا الكيل في المرات القادمة إلا مع أخينا بنيامين؛ كما قال: ﴿فَإِن لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] وأخو يوسف هو بنيامين.
ومعنى (نَكْتَلْ) أي: لنكتال معه بالزيادة، وليس كما اشتبه على بعض العامة أن أخاه اسمه نكتل.
(نَمِيرُ) من الميرة: وهي الطعام، ومعنى (ونمير أهلنا) أي: نزوّد أهلنا بالطعام.
(ذلك كيل يسير) العبارة لها معان متعددة، نذكر منها قولين عليهما كثير من المفسرين:
١ - أي أنه كيل سهل الحصول عليه؛ لأن عزيز مصر (يوسف ﵇ قد وعدهم به.
٢ - أن الكيل الذي جئنا به يسيرٌ لا يكفي لمعاشنا في مدة الجدب، ومع زيادة الكيل بحضور أخينا سيزداد؛ وهي محاولة لإقناع أبيهم باصطحاب أخيهم بنيامين معهم.
(يوسف: ٧٥)
قال تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥].
(جزاؤه … فهو جزاؤه) لها احتمالان:
الأول: أن إخوة يوسف قالوا: من سرق في شريعتنا فعقابه الاسترقاق، يتملكه صاحب الشيء المسروق؛ فهذا جزاؤه عندنا.
الثاني: جزاء السارق أن يؤخذ بما سرق ويجازى عليه.
стр. 410
فالخلاصة:
١ - أن من سرق فجزاؤه هو الجزاء المطبق في شريعتنا.
٢ - أن من سرق فجزاؤه الذي يحكم به القاضي هو جزاؤه الذي يستحقه.
سورة الرعد
(الرعد: ١٤)
قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) أي: لله على عباده دعوة واجبة وهي حق له، والدعوة المقصود بها.
- دعاء العبادة.
- ودعاء المسألة.
فهو الذي ينبغي أن يوجّه له الدعاء، وهو حق خالص له سبحانه غير متلبس بباطل ولا شرك.
ويدخل في ذلك كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وجميع أنواع العبادات والدعاء، فسبحان من جمعها في هذه الجملة المختصرة!
فالآية تجمع بين المعاني التالية:
١ - له حق العبادة الخالصة على خلقه، وهو المستحق لذلك دون غيره.
٢ - الدعاء الحق لا ينبغي إلا له؛ فكل دعاء لغيره فهو باطل.
٣ - له الإجابة؛ فهو الذي إذا دُعي أجاب من شاء، وله مطلق القدرة على تحقيق مطلب من دعاه؛ فمن دونه لا يملكون شيئًا.
(الرعد: ٣١)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَايْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعا﴾ [الرعد: ٣١].
أشكل على العلماء تقدير جواب (لو) فجوابها في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ؛ فيكون الجواب في الآية تقديره على احتمالين:
стр. 411
الاحتمال الأول: يبيِّن الله تعالى فضل القرآن الكريم على سائر الكتب السماوية المنزلة:
(ولو أن قرآنًا) من الكتب المنزلة (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) فتحركت به من أماكنها (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) وتشققت من خشية الله فصارت أنهارًا وعيونًا (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) لكان هذا القرآن من عظمته وإعجازه.
الاحتمال الثاني: لكفروا بالرحمن ولما اهتدوا، ولزادهم ذلك الإعجاز كفرًا وتكذيبًا.
(بل لله الأمر جميعًا) أي: لكنه يأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته وإرادته وحكمه.
(أفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) أي: فليعلم الذين آمنوا أن الله قادر على هداية الناس جميعهم، ولكنه يهدي ويضل بمشيئته عدلًا وفضلًا وحكمة.
(الرعد: ٣٩)
قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩].
الآية لها معنيان وعليهما كثير من المفسرين:
١ - يمحو من الشرائع والأحكام ما يشاء، فينسخ حكمًا بآخر؛ كما نسخ اتجاه القبلة، ونسخ عِدّة المتوفّى عنها زوجها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام.
وهذا المعنى متعلّق بالآية التي قبلها: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] فالله تعالى هو الذي يأتي بالآية والحكم الذي يناسب كل وقت، ويمحو ما يشاء ويشرّع ما يشاء، وما قضاه الله من حكم فإنه يأتي في وقته الذي حدَّده له، وليس لأحد أن يعجّل أو يؤخّر منه شيئًا.
٢ - يمحو الله تعالى ما يشاء ويثبت من المقادير بعامة، والآجال والأرزاق التي بأيدي الملائكة وليس في أم الكتاب، وهي ما يسمى بالقضاء المنزّل أو المعلّق.
والمحو والإثبات بناء على الأسباب والأعمال، وما تقتضيه حكمته وعدله وفضله : فيرزق خلقًا ويمحو من الزيادة في الرزق آخرين، ويشفي مريضًا ويمحو من الشفاء آخرين، ويفك أسيرًا ويمحو من الفكاك آخرين، يمحو سيئات التائب ويثبت بدلًا منها الحسنات، يمحو نور القمر ويثبت ضوء الشمس.
وهكذا فهو سبحانه كل يوم في شأن: يفرِّج كربًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا …
وقوله تعالى: (وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ) أي: اللوح المحفوظ عنده ، وفيه القضاء المُبرَم فلا يمحو منه ولا يبدل ولا يغيّر. انظر: قطف الجنى الداني شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني لعبد المحسن العباد (١٠١).
стр. 412
سورة إبراهيم
(إبراهيم: ٢٢)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
(ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) العرب تسمي الْمُسْتَغِيثَ: (الصَّارِخ)، والمُصْرِخَ: هو (الْمُغِيثُ)، ويُقالُ: (صَرَخَ فُلانٌ) إذا اسْتَغاثَ وقالَ: واغَوْثاهُ! و (أصْرَخْتُهُ) أي: أغَثْتُهُ.
والمعنى: ما أنا بمغيثكم اليوم ولا أستطيع إنقاذكم، ولا أنتم بمغيثين لي؛ فقد انتهى الأمر، وذلك يوم القيامة.
وحكمة ورود كلام إبليس: أن يتصوّر الناس ذلك المقام الّذي يقول الشّيطان فيه ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلّصهم منه وينجيهم قبل الفوات.
* ﴿وَإِن نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ [يس: ٤٣].
(صَرِيخ) أي: لا مغيث لهم.
(إبراهيم: ٣٧)
قال تعالى: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
(أفئدة من الناس) الفؤاد: محل المشاعر والعواطف.
وانظر حرص إبراهيم ﵇ في انتقاء من يجاور ذريته عند البيت؛ فلم يقل: (فاجعل الناس)، ولا (أفئدة الناس) بل قال: (أفئدة من الناس) وكأنه يقول: أصحاب القلوب التي تتّسم بالطيبة والمحبة والألفة والتعاون وحسن الجوار، وكل ما يحمل لفظ (أفئدة) من معاني المجتمع السّوِي المتراحم.
(تهوي): تهبط وتسارع منجذبة ومشتاقة إليهم وإلى البيت الحرام؛ لتقيم معهم الصلاة وشعائر العبادة.
(إبراهيم: ٤٢ - ٤٣)
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣].
هذه الآية تصف الظالمين يوم القيامة وصفًا دقيقًا:
(مهطعين) أي: مسرعين.
стр. 413
(مقنعي رؤوسهم) تقول العرب: (أقنع رأسه) أي: نصبه مرفوعًا لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا.
والمعنى: رافعي رؤوسهم ملتصقة بأعناقهم من الخلف من شدة الرفع، لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا من الهلع؛ لما يرون من أهوال.
(لا يرتد إليهم طرفهم): محدقة أبصارهم نحو مشاهد الهول يوم القيامة لا ترتد ولا تطرف.
(وأفئدتهم هواء): وأفئدتهم من شدة الخوف والجبن والهلع فارغة لا تعي شيئًا من الذهول.
سورة الحجر
(الحجر: ٦٥)
قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥].
(بِقِطْع منَ الَّيلِ) أي: ببقية الليل الآخر، وهو أظلمه.
* ومثلها: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧].
(قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا): يصف الله تعالى حال هؤلاء يوم القيامة بصورة حسية، حينما يأتون ووجوههم كالحة عليها ظلمة المعاصي، فكأنها من فرط سوادها أُلْبِسَتْ قطعًا من أظلم الليل.
ومنها الحديث الشريف: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» مسلم (١٨٦).
أي: بادروا بالأعمال الصالحة قبل تعذّرها عليكم، والاشتغال عنها بما سيحدث من الفتن المتراكبة كتراكم ظلام الليل غير المُقمر، الذي لا يُرى فيه بادرة من نور الحق؛ فيعظم خطر الانقلاب فيه من الإيمان للكفر، نسأل الله السلامة!
(الحجر: ٦٥)
قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥].
(وَاتَّبِع أَدبَارَهُم): هو أَمر من الله للوط ﵇ في شأن الثُّلة من المؤمنين الذين خرجوا معه من القرية الظالمة؛ أي: سِر خلفهم وهم أمامك حتى لا يتخلّف منهم أحد فيناله العذاب.
стр. 414
(الحجر: ٨٧)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
(سَبْعًا من الْمَثَانِي) تفسرها السُّنُّةُ بصريح العبارة؛ ففي الحديث عن سعيد بن المعلّى ﵁ أن الرسول ﷺ قال له: «لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ» ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ، قَالَ: «(الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» صحيح البخاري (٤٤٧٤).
فالسبع المثاني: هي سورة الفاتحة سبع آيات، وقيل في سبب تسميتها والله أعلم بمراده:
١ - أنها تثنّى وتكرر في كل ركعة.
٢ - أن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة.
٣ - أنها بيّنت حال أهل النعيم، ثم ثنَّت بأهل الجحيم من المغضوب عليهم والضالين.
* أما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
(مَثَانِيَ) أي: أن آيات القرآن الكريم كلها تتميّز بهذا الوصف، وله معنيان:
١ - من التكرار؛ أي: كُرّرتْ فيه المواعظ والقصص والأخبار ومسببات الثواب والعقاب.
٢ - من التثنية؛ حيث ثُنّيت فيه الأشياءُ وضدها؛ كالجنة والنار، والخوف والرجاء، والثواب والعقاب، والمؤمن والكافر …
سورة النحل
(النحل: ٢)
قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢].
(مِنْ أَمرِهِ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - من الأوامر؛ أي: مما نأمر به.
٢ - من الأمور والشؤون التي هي من اختصاصنا وتدبيرنا.
* وكذلك قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤].
стр. 415
(من كُلِّ أَمر) لها معنيان:
١ - من كل أمر من الأمور والشؤون.
٢ - من كل أمر من أوامر الله تعالى لهم.
* وكذلك: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥].
(مِنْ أَمرِ رَبِّي):
١ - من أمره وقدره.
٢ - من شأنه واختصاصه.
* وكذلك: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].
(مِنْ أَمرِهِ):
١ - من أوامره وقضائه.
٢ - من شأنه واختصاصه، لا يطلعه إلا من شاء من عباده.
(النحل: ٩)
قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩].
(قَصْدُ السَّبِيلِ) يقال: (طريق قاصد) أي: مستقيم ومختصر لا اعوجاج فيه.
والآية الكريمة لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - أن السبيل القاصد -وهو المستقيم- سبيل الله فاسلكوه.
٢ - أن على الله بيان الطريق القاصد -وهو طريق الهداية- وهي شرائعه الموصلة إليه؛ كما قال تعالى: (إن علينا للهدى).
(ومنها جائر): ومن السبل ما هو جائر ومائل عن الحق إلى البدع والأهواء، منحرف لا يوصل إلى الحق، بل إلى دار الشقاء فاحذروه.
(النحل: ٢٠ - ٢١)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١].
(وَمَا يَشعُرُونَ أَيَّانَ يُبعَثُونَ) تحتمل معنيين بناء على ضمير (يشعرون):
стр. 416
١ - أنه عائد على الأوثان؛ فيكون المعنى: هذه الأوثان جمادات ميتة لا حياة فيها وما تدري متى تَبعث عبدتها؛ لأن الآلهة يقتضي أن لها قدرةً على الجزاء والثواب والبعث في يوم تجازي فيه العابدين لها، فهؤلاء لا حياة فيهم ولا شعور بيوم بعث وجزاء؛ فكيف نصّبتموهم للعبادة؟!
وهو غاية التهكّم بخفة عقولهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورا﴾ [الفرقان: ٣].
٢ - أن الضمير عائد على الكفار؛ فيكون المعنى: هؤلاء المشركون عبّاد الأوثان بمثابة الأموات، فهم غير أحياء ولا يعلمون متى يوم البعث والنشور، وهم في ذلك كسائر الخلق؛ فلا يعلم يوم البعث إلا الله، ولكن خصّهم بعدم العلم هنا؛ لمناسبة الحديث عنهم؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] أي: وما يدرون متى يوم البعث ومثلهم جميع الخلق؛ لأنها تأتي بغتة، وبدون أن يشعروا بها.
ويحتمل المعنى الذي ذكرته بعض التفاسير: بالنسبة للكفار أنهم لا يشعرون بيوم بعث ولا حساب، فلو كانوا يؤمنون بأن وراءهم يوم بعث وحساب ما عبدوا تلك الأوثان؛ لأن المؤمن لديه يقين وشعور دائم بأن وراءه بعثًا وحسابًا، فهو على أهبة الاستعداد وإن لم يعلم وقته بالتحديد.
فائدة:
ما فائدة قوله تعالى في وصف الأصنام: (غير أحياء) بعد قوله: (أموات)؟
والجواب: هو تأكيد أنها مخلوقات ميتة بلا حياة حتى بعد البعث؛ للتفريق بين الأموات من الناس الذين يبعثون أحياء بعد الموت، وبين هذه الآلهة المزعومة، فإن هذه الآلهة التي عبدوها ميتة بلا حياة للأبد، سيجعلها الله تتكلم وتشهد عليهم يوم القيامة كما تشهد سائر الحجارة والجمادات.
أما إن كان المقصود بها الكفار في المعنى الثاني: فالتأكيد على أنهم غير أحياء لنفي حياة القلوب التي هي آلة العلم والفهم والشعور، وذكر ابن عاشور ﵀ في تفسير الآية فائدة أخرى وهي: التأكيد على الموت بذكر دليله، ولبيان عراقة وصف الموت فيهم بأنه ميئوس منهم؛ إذ ليس فيهم شائبة حياة مما يستلزم نفي الشعور ونفي العلم والقابلية لاستيعابه أصلًا.
(النحل: ٢٦)
قال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦].
(فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقفُ) خرَّ: من الهدم المفاجئ وسقوط الشيء بسرعة.
стр. 417
والمعنى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبلِهِم) أي: الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة مكروا مثلهم بل وأكثر منهم؛ فبنوا القصور الشاهقة على قواعد وأسس عظيمة؛ ظنًّا منهم أنها ستدفع عنهم العذاب، ومنهم من ظن أنه قادر على الصعود للسماء، قيل: إنه النمرود، وقيل: بُخْتنَصَّر الذي بنى صرحًا عاليًا ليبلغ السماء.
(فَأَتَى اللَّهُ بُنيانَهُم منَ القَوَاعِدِ): فاقتلع الله بنيانهم من أساسه وأصوله وضَعْضَعَهَا.
(فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقفُ مِنْ فَوقِهِم): فخرّ وسقط سقف البناء فجأة بجملته عليهم دفعة واحدة.
وقوله: (من فوقهم) تزيد المعنى فتُبيّن أن العذاب جاءهم من فوقهم، فسقط عليهم وهلكوا جميعًا تحته؛ لأنه لو لم يقل: (من فوقهم) لم يُعلم أنهم كانوا تحته، ولكان المعنى: تهدَّم البناء الذي يملكونه فقط؛ كما يقال: أفسد عليهم عملهم، أو أتلف عليهم أموالهم.
(وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشعُرُونَ): فكان عذاب الله لهم مُباغتًا من حيث لا يتوقعون ولم يحسبوا له حسابًا، وهكذا فكما عذّب مَنْ قَبلهم من حيث لا يشعرون، فهو سبحانه قادر على أن يأتي هؤلاء الماكرين من كفار مكة -القائلين على القرآن أساطير الأولين- بعذاب مباغت من حيث لا يشعرون.
والسقف في الآية سقف بنائهم؛ كما قال تعالى: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣].
* وفي قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] المقصود به: السماء رفعها بلا عمد؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظا﴾ [الأنبياء: ٣٢].
فائدة:
تقول العرب: (خرّ الماء خَرًّا، وله خَرير، وخرّ الحجر خُرورًا) فالسوائل لها صوت خَرير في انحدارها، والجوامد لها صوت خُرور في سقوطها؛ فكلمة خرّ تفيد سرعة السقوط أو سرعة النزول؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدا﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠].
(النحل: ٦٠)
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
(وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعلَى) أمثال السوء التي نسبها إلى الله تعالى أعداؤه المشركون: هم الإناث اللاتي يأنفون بأنفسهم عنها ويكرهونها، فكيف ينسبونها لله تعالى؟ فبئس الحكم حكمهم!
قال تعالى: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) أي: المثل الناقص والعيب التام.
стр. 418
(وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى): وهو كل صفة كمال وجلال، وكل كمال في الوجود فإن الله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه: وهو التعظيم والإجلال، والمحبة، والإنابة، والتوحيد الخالص.
* ومثلها: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
(وَلَهُ المَثَلُ الأَعلَى) أي: له الصفة العليا في السماوات والأرض، كل صفة كاملة فلله أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها.
فائدة:
كثيرًا ما نسمع جملة: (ولله المثل الأعلى) فمتى تقال هذه العبارة؟
تقال عند ضرب مثل لمخلوق بمثل لله تعالى؛ كأن تقول: للملوك هيبة ورهبة فكيف بالله تعالى ملك الملوك (ولله المثل الأعلى)؛ حتى لا يُعتقد أن ذلك تمثيل شخص بشخص، بل هو تشبيه واشتراك نسبي في مسمى صفة لا في الصفة ذاتها.
أو نقول: لله يد وللمخلوق يد (ولله المثل الأعلى) فيد الله تعالى ليست كيد المخلوق ولا أي صفة
من صفاته.
(النحل: ٧٤)
قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤].
(فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) أي: لا تمثلوا له الأمثال، ولا تجعلوا له الأشباه والنظراء من خلقه؛ فهو تعالى ليس كمثله شيء، ولم يكن له كُفُوًا أحد.
والآية ردٌّ على المشركين الذين يجعلون لله الأنداد والأشباه ويسمونها آلهة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا!
وقد ضرب الكفار كذلك بسبب جهلهم الأمثالَ للنبي ﵊؛ ففي قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] شبهوا الرسول الكريم بقياسات متناقضة، وشبهوه بالمجنون والساحر والشاعر … وهكذا الجاهل حينما يتكلم بغير علم يأتي بالطامات والعجائب!
فائدة:
تشمل الآية الأولى التمثيل في أسماء الله وصفاته، فكل صفات الله لا تماثل صفات المخلوقين بأي شكل من الأشكال.
стр. 419
وقد فرق ابن عثيمين ﵀ بين لفظي: التشبيه، والتمثيل:
فالتشبيه: لفظ لم يرد شرعًا، فالمنهي عنه هو التمثيل؛ كأن أقول: لله بصر مثل بصري.
أو لله علم مثل كذا.
أما التشبيه: فهو الاشتراك في أصل المعنى، والاشتراك في المعنى جائز؛ كأن أقول: لله بصر وللمخلوق بصر، أو لله علم وللمخلوق علم؛ فالتشابه هنا أن كليهما له بصر وكليهما له علم.
فهناك تشابه في أصل المعنى لكن لا يستويان؛ فلله بصر ولله علم بما يليق بجلاله بلا تمثيل ولا تكييف، فهو ليس كمثله شيء.
ومن التشبيه كذلك قول النبي ﷺ : «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تَضَامُّونَ في رؤيته» صحيح مسلم (٢١١).
فالتشبيه هنا تشبيه الرؤية بالرؤية، وليس تشبيه القمر بالخالق .
انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ١١٢).
(النحل: ٨٦)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦].
(فَأَلقَوا إِلَيهِمُ القَولَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) ينبغي شرح الآية ليتضح المعنى:
بيَّن الله حال المشركين يوم القيامة أنهم إذا رأوا آلهتهم التي كانوا يعبدونها يوم القيامة، وعلموا بطلانها ولم يمكنهم الإنكار، أرادوا إلصاق التهمة بتلك الآلهة فيقولون: ربنا هؤلاء الذين كنا نعبد من دونك … وكأنهم هم الذين أمروهم بذلك! فيُنطق الله آلهتَهم لتُلقي عليهم القول الصريح والصادم لهم بأنهم كانوا كاذبين.
وهنا قد يرد سؤال: كيف كذبتهم الآلهة وهم عبدوها بالفعل؟!
والجواب: كذبتهم الآلهة بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ آلِهَةً ولا تستحق ذلك، ولم تأمرهم بعبادتها؛ وهنا تظهر فضيحة الكفار وتعظم حسرتهم.
(النحل: ٩٠)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
(الفحشاء والمنكر والبغي) اجتمعت في جملة واحدة، فلا بد من اختلافها في المعنى، وقد اختلف المفسرون في المراد بكل منها، وخلاصته:
стр. 420
(الفَحشَاءِ): من الفحش، وهو كل ما عظُم واستفحش من قبائح الذنوب من قول وفعل، وأَوَّلها الزنى.
(وَالمُنكَرِ): كل ما أنكره الشرع والعقل السليم، وهو من الكفر إلى المعاصي.
(وَالبَغيِ): كل تجاوز واعتداء وتعدٍّ للحدود، وهو الظلم بأنواعه؛ سواء في حق النفس، أو في حق الله، أو في حقوق الغير.
قال السعدي ﵀ في تفسير الآية: «فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات؛ فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به، وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي فهي مما نهى الله عنه». تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي.
سورة الإسراء
(الإسراء: ٧)
قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُئُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧].
(وَعدُ الئَاخِرة) أي: وعد الإفساد الثاني لبني إسرائيل، وليس المقصود به وعد يوم القيامة.
* أما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفا﴾ [الإسراء: ١٠٤].
(وَعدُ الئَاخِرَةِ) المراد بها هنا: يوم القيامة، فإذا جاءت الساعة جمعهم جميعًا ليُجزى كلٌّ بعمله.
(الإسراء: ٣٦)
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
(مَسْئُولًا) فيها وجهان للتفسير لا يتعارضان:
١ - بمعنى: أن الإنسان هو المسؤول عن كل ما أدخل في سمعه وبصره من حلال أو حرام؛ فيُسأل عن أفعال جوارحه فيقال له: لمَ سمعتَ ما لا يحلّ لك سماعه؟ ولمَ نظرتَ إلى ما لا يحلّ لك النظر إليه؟ ولمَ فعلتَ ما لا يحل لك فعله؟
стр. 421
ويؤيد هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣]. وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
٢ - أن الجوارح هي المسؤولة عن أفعال صاحبها وشاهدة عليه بما فعل.
كما في قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠].
انظر: تفسير الآية في أضواء البيان.
فائدة:
في الآية الشريفة تنبيه وتحذير:
أن اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ كل شيء، وجوارحك شاهدة عليك؛ وكما في الحديث الشريف: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه» رواه الترمذي في السنن (٢٤١٧) وقال الألباني: صحيح.
فينبغي للمرء ألا يدخل قلبه عِلمًا ولا ينشره بين الناس حتى ينظر صحته من فساده، وألا يسمع ويبصر ويتكلم ويفعل إلا ما يرضي ربه جلّ وعلا.
(الإسراء: ٧٤ - ٧٥)
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥].
(ضِعْفَ الْحَيَاةِ) أي: ضعف عذاب الحياة.
(ضِعْفَ الْمَمَاتِ): ضعف عذاب الآخرة.
أي: لو ركنْتَ إليهم وحاشاه - والخطاب للنبي ﷺ ووافقتهم على ما تهواه أنفسهم، لأصبناك بعذاب مضاعف في الدنيا وفي الآخرة، ضعف ما يعذب به غيرك؛ لأن عِظم الذنب بحسب العلم وشرف المنزلة.
وليس المعنى أن يضاعف الموت نفسه؛ كما قال لزوجات النبي ﷺ : ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
стр. 422
(الإسراء: ١١١)
قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرَا﴾ [الإسراء: ١١١].
(وَلِيٌّ منَ الذُّلِّ) الوليّ: الحليف والناصر.
والمعنى: ليس لله تعالى وليّ يتولاه لذله وحاجته إلى ولي ينصره -تعالى الله- أو حليف يتعزّز به، بل لله العزة جميعًا، خلاف الملوك والرؤساء وغيرهم؛ فكلهم بحاجة إلى من يعينه وينصره ويدبر أمور رعيته والدفاع عنه ضد الأعداء.
وكانت العرب يحالف بعضها بعضًا يلتمسون بذلك العزة والمنعة، كما هو حال الرؤساء والحكام اليوم.
فكل ما في الوجود، الله خالقه وربه ومليكه وهو الغني عنه، وكل ما سواه فقير إليه.
سورة الكهف
(الكهف: ٢٢)
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدا﴾ [الكهف: ٢٢].
(إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا) ما هو المراء الظاهر؟
الظاهر لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - الظاهر؛ أي: غير المتعمق.
٢ - الظاهر؛ أي: الواضح الذي أظْهَرْناه لَكَ.
والمعنى -بعد جمع المعنيين-: إذا أرادَ بَعْضُ الخائضين منهم المُماراةَ في عِدَّةِ أهْلِ الكَهْفِ، فَلا تُمارِهِمْ إلا جدالًا غير متعمق، مقتصرًا على ما جاءك من الوحي والعلم الواضح فيه، وأَرْجِع العلمَ إلى الله (قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) إذْ هو اشْتِغالٌ بِما لَيْسَ فِيهِ جَدْوى.
(وَلَا تَستَفتِ فِيهِمْ مِّنهُم أَحَدًا) أي: لا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ نَبَئِهِمْ؛ فإنه لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ إلّا تخمينًا
ورَجْمًا بِالغَيْبِ.
стр. 423
(الكهف: ٤٣ - ٤٤)
قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبا﴾ [الكهف: ٤٣ - ٤٤].
(هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) أي: هناك في ذلك المقام تتضح الولاية.
والولاية لها قراءتان صحيحتان، ولها معنيان كلاهما صحيح، والجمع بينهما هو الأكمل:
١ - الوَلاية: من الولي، وهو النصير؛ فهي النصرة والتأييد.
٢ - الوِلاية: من الوالي، وهو السلطان؛ فهي الملك والسلطة.
فالمعنى العام: لما ذكرت الآيات قصة صاحب الجنتين وكيف أنه أشرك بربه وتكبر، فدعا عليه المؤمن فأحرق الله جنتي ذلك المشرك، فأصبحتا أرضًا طينية جرداء لا زرع فيها، زلقة لا تثبت عليها قدم؛ فوقف عليها صاحبها متحسرًا على إشراكه بربه، وما لقيه من غضبه عليه، وانتقامه منه. (هنالك الولاية) أي: فهناك في ذلك المقام عند الابتلاءات والمصائب وعندما تشتد الكروب، وكذلك عند القيامة تتضح معاني الولاية والنصرة، وهناك يظهر أن الله هو المالك المتصرف وحده، وأن الولاية الحقّة لمن تولاه الله، ولن يتولى الله وينصر إلا من تولّاه وآمن به واتبع أمره ونهيه.
سورة مريم
(مريم: ١٨)
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّا﴾ [مريم: ١٨].
(إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) هذه الجملة أشكلت على البعض، كيف تتعوذ من الشخص التقي؟ فالاستعاذة تكون من الشخص الفاجر أولى!
والمعنى:
١ - إن كنت تتقي الله فَسَتَنْتَهِي بِتَعَوُّذِي مِنكَ؛ لأن التقيّ إذا خُوّف بالله ينتهي.
٢ - وعلى احتمال الشك في تقواه: ففي التعوذ تذكير منها للشخص الذي حسبته مجترئًا عليها بأن يتقي الله ويترك التعرض لها.
فائدة:
- في التعوذ دلالة على اعتصامها بالله عندما فاجأها الخوف برؤية الشخص، وعلى عفافها وورعها.
стр. 424
- وقد اعتصمت بالله بصفته الرحمن؛ لكونها في حالة ضعف وخوف لدفع ما يخيفها، وليحوطها برحمته من أن يتعرض لها أحد بسوء.
(مريم: ٢٨)
قال تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم: ٢٨].
(يا أخت هارون):
أَشْكَل على المفسرين نعتُها ب (أخت هارون)؛ حيث إن بينها وبين نبي الله هارون قرونًا كثيرة!
وعليه فإن تفسير الآية يحتمل عدة أوجه:
١ - أن لها أخًا اسمه هارون، فنسبوها إليه.
٢ - كانوا يسمّون أهلَ الصلاح ب (هارون)، وليس هو هارون أخا موسى، أي: يا شبيهته في العِفّة.
٣ - أنها من ذريّة هارون أخي مُوسى؛ فنسبت إليه.
(مريم: ٣٠)
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٣٠].
(آتَانِيَ الْكِتَابَ):
كيف أوتي الكتاب وهو في المهد حديث الولادة؟
قال المفسرون: قضى أزلًا في اللوح المحفوظ أن يؤتيني الكتاب.
فعبّر عنه بالحدوث؛ لأنه واقع مستقبلًا، وهذا أسلوب قرآني في إنزال المستقبل منزلة الماضي؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
(مريم: ٣٧ - ٣٨)
قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٧ - ٣٨].
(أَسمِع بِهِمْ وَأَبصِر) جملة تُقال للتعجُّب؛ أي: ما أبصرهم اليوم وما أسمعهم للحق الذي كانوا ينكرونه قبل ذلك، فهو تَعْجِيبٌ مِنْ حِدَّةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَئِذٍ.
стр. 425
(يَوْمَ يَأْتُونَنا) لِلْحِسابِ والجَزاءِ؛ أي: يَوْمَ القِيامَةِ حيث تكون أسماعهم وأبصارهم في غاية الحدة، وهو أمر جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا صُمًّا وعُمْيًا، نسأل الله العافية!
والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهذا المعنى رجّحه أكثر المفسرين.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدا﴾ [الكهف: ٢٦].
(أَبصِر بِهِ وَأَسمِع) والمقصود بالسامع والمبصر هنا: هو الله تعالى؛ أي: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى
ولا أسْمَعُ.
ففيها الإيمان بأن الله تعالى ذو بصر نافذ لا يغيب عنه شيء، وذو سمع ثاقب لا يخفى عليه شيء، حيث كان أصحاب الكهف في مكان خفيّ لا يسمعهم ولا يبصرهم إلا الله.
فائدة:
لماذا قدّم السمع في الآية الأولى وقدّم البصر في الثانية؟
قيل في الآية الأولى: كان السياق عن اختلاف أهل الكتاب في عيسى ﵇ مذاهب شتى، وانصرافهم عن سماع كلمة الحق؛ فقدمت (أسمع) لأنها أولى بسماع الحق في هذا الموضع.
وفي الآية الثانية: كان السياق عن أصحاب الكهف واختفائهم، فكان الأولى تقديم البصر والرؤية، وأن الله وحده يراهم.
سورة طه
(طه: ٩٦)
قال تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦].
(بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) أبصر السامري جبريلَ ﵇ على فرس، رآه وقت خروجهم من البحر حينما غرِق فرعون وجنوده؛ ففكر في أمر ظن أنه لم يسبقه إليه أحد لحدة ذكائه.
(فَقَبَضتُ قَبضَة من أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذتُهَا) فقبض السّامري قبضة -أي: حفنة من أثر حافر فرس جبريل ﵇ لما رأى الأرض تخضر على وقع أقدامه.
следующие страницы →