← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30053

الكاشف لدقائق المفردات القرآنية

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (544 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ويؤيد هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣]. وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. ٢ - أن الجوارح هي المسؤولة عن أفعال صاحبها وشاهدة عليه بما فعل. كما في قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]. انظر: تفسير الآية في أضواء البيان. فائدة: في الآية الشريفة تنبيه وتحذير: أن اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ كل شيء، وجوارحك شاهدة عليك؛ وكما في الحديث الشريف: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه» رواه الترمذي في السنن (٢٤١٧) وقال الألباني: صحيح. فينبغي للمرء ألا يدخل قلبه عِلمًا ولا ينشره بين الناس حتى ينظر صحته من فساده، وألا يسمع ويبصر ويتكلم ويفعل إلا ما يرضي ربه جلّ وعلا. (الإسراء: ٧٤ - ٧٥) قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]. (ضِعْفَ الْحَيَاةِ) أي: ضعف عذاب الحياة. (ضِعْفَ الْمَمَاتِ): ضعف عذاب الآخرة. أي: لو ركنْتَ إليهم وحاشاه - والخطاب للنبي ﷺ ووافقتهم على ما تهواه أنفسهم، لأصبناك بعذاب مضاعف في الدنيا وفي الآخرة، ضعف ما يعذب به غيرك؛ لأن عِظم الذنب بحسب العلم وشرف المنزلة. وليس المعنى أن يضاعف الموت نفسه؛ كما قال لزوجات النبي ﷺ : ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].

стр. 422

(الإسراء: ١١١) قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرَا﴾ [الإسراء: ١١١]. (وَلِيٌّ منَ الذُّلِّ) الوليّ: الحليف والناصر. والمعنى: ليس لله تعالى وليّ يتولاه لذله وحاجته إلى ولي ينصره -تعالى الله- أو حليف يتعزّز به، بل لله العزة جميعًا، خلاف الملوك والرؤساء وغيرهم؛ فكلهم بحاجة إلى من يعينه وينصره ويدبر أمور رعيته والدفاع عنه ضد الأعداء. وكانت العرب يحالف بعضها بعضًا يلتمسون بذلك العزة والمنعة، كما هو حال الرؤساء والحكام اليوم. فكل ما في الوجود، الله خالقه وربه ومليكه وهو الغني عنه، وكل ما سواه فقير إليه. سورة الكهف (الكهف: ٢٢) قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدا﴾ [الكهف: ٢٢]. (إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا) ما هو المراء الظاهر؟ الظاهر لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - الظاهر؛ أي: غير المتعمق. ٢ - الظاهر؛ أي: الواضح الذي أظْهَرْناه لَكَ. والمعنى -بعد جمع المعنيين-: إذا أرادَ بَعْضُ الخائضين منهم المُماراةَ في عِدَّةِ أهْلِ الكَهْفِ، فَلا تُمارِهِمْ إلا جدالًا غير متعمق، مقتصرًا على ما جاءك من الوحي والعلم الواضح فيه، وأَرْجِع العلمَ إلى الله (قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) إذْ هو اشْتِغالٌ بِما لَيْسَ فِيهِ جَدْوى. (وَلَا تَستَفتِ فِيهِمْ مِّنهُم أَحَدًا) أي: لا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ نَبَئِهِمْ؛ فإنه لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ إلّا تخمينًا ورَجْمًا بِالغَيْبِ.

стр. 423

(الكهف: ٤٣ - ٤٤) قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبا﴾ [الكهف: ٤٣ - ٤٤]. (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) أي: هناك في ذلك المقام تتضح الولاية. والولاية لها قراءتان صحيحتان، ولها معنيان كلاهما صحيح، والجمع بينهما هو الأكمل: ١ - الوَلاية: من الولي، وهو النصير؛ فهي النصرة والتأييد. ٢ - الوِلاية: من الوالي، وهو السلطان؛ فهي الملك والسلطة. فالمعنى العام: لما ذكرت الآيات قصة صاحب الجنتين وكيف أنه أشرك بربه وتكبر، فدعا عليه المؤمن فأحرق الله جنتي ذلك المشرك، فأصبحتا أرضًا طينية جرداء لا زرع فيها، زلقة لا تثبت عليها قدم؛ فوقف عليها صاحبها متحسرًا على إشراكه بربه، وما لقيه من غضبه عليه، وانتقامه منه. (هنالك الولاية) أي: فهناك في ذلك المقام عند الابتلاءات والمصائب وعندما تشتد الكروب، وكذلك عند القيامة تتضح معاني الولاية والنصرة، وهناك يظهر أن الله هو المالك المتصرف وحده، وأن الولاية الحقّة لمن تولاه الله، ولن يتولى الله وينصر إلا من تولّاه وآمن به واتبع أمره ونهيه. سورة مريم (مريم: ١٨) قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّا﴾ [مريم: ١٨]. (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) هذه الجملة أشكلت على البعض، كيف تتعوذ من الشخص التقي؟ فالاستعاذة تكون من الشخص الفاجر أولى! والمعنى: ١ - إن كنت تتقي الله فَسَتَنْتَهِي بِتَعَوُّذِي مِنكَ؛ لأن التقيّ إذا خُوّف بالله ينتهي. ٢ - وعلى احتمال الشك في تقواه: ففي التعوذ تذكير منها للشخص الذي حسبته مجترئًا عليها بأن يتقي الله ويترك التعرض لها. فائدة: - في التعوذ دلالة على اعتصامها بالله عندما فاجأها الخوف برؤية الشخص، وعلى عفافها وورعها.

стр. 424

- وقد اعتصمت بالله بصفته الرحمن؛ لكونها في حالة ضعف وخوف لدفع ما يخيفها، وليحوطها برحمته من أن يتعرض لها أحد بسوء. (مريم: ٢٨) قال تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم: ٢٨]. (يا أخت هارون): أَشْكَل على المفسرين نعتُها ب (أخت هارون)؛ حيث إن بينها وبين نبي الله هارون قرونًا كثيرة! وعليه فإن تفسير الآية يحتمل عدة أوجه: ١ - أن لها أخًا اسمه هارون، فنسبوها إليه. ٢ - كانوا يسمّون أهلَ الصلاح ب (هارون)، وليس هو هارون أخا موسى، أي: يا شبيهته في العِفّة. ٣ - أنها من ذريّة هارون أخي مُوسى؛ فنسبت إليه. (مريم: ٣٠) قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٣٠]. (آتَانِيَ الْكِتَابَ): كيف أوتي الكتاب وهو في المهد حديث الولادة؟ قال المفسرون: قضى أزلًا في اللوح المحفوظ أن يؤتيني الكتاب. فعبّر عنه بالحدوث؛ لأنه واقع مستقبلًا، وهذا أسلوب قرآني في إنزال المستقبل منزلة الماضي؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. (مريم: ٣٧ - ٣٨) قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٧ - ٣٨]. (أَسمِع بِهِمْ وَأَبصِر) جملة تُقال للتعجُّب؛ أي: ما أبصرهم اليوم وما أسمعهم للحق الذي كانوا ينكرونه قبل ذلك، فهو تَعْجِيبٌ مِنْ حِدَّةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَئِذٍ.

стр. 425

(يَوْمَ يَأْتُونَنا) لِلْحِسابِ والجَزاءِ؛ أي: يَوْمَ القِيامَةِ حيث تكون أسماعهم وأبصارهم في غاية الحدة، وهو أمر جَدِيرٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ بَعْدَ أنْ كانُوا في الدُّنْيا صُمًّا وعُمْيًا، نسأل الله العافية! والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهذا المعنى رجّحه أكثر المفسرين. * ومثلها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدا﴾ [الكهف: ٢٦]. (أَبصِر بِهِ وَأَسمِع) والمقصود بالسامع والمبصر هنا: هو الله تعالى؛ أي: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى ولا أسْمَعُ. ففيها الإيمان بأن الله تعالى ذو بصر نافذ لا يغيب عنه شيء، وذو سمع ثاقب لا يخفى عليه شيء، حيث كان أصحاب الكهف في مكان خفيّ لا يسمعهم ولا يبصرهم إلا الله. فائدة: لماذا قدّم السمع في الآية الأولى وقدّم البصر في الثانية؟ قيل في الآية الأولى: كان السياق عن اختلاف أهل الكتاب في عيسى ﵇ مذاهب شتى، وانصرافهم عن سماع كلمة الحق؛ فقدمت (أسمع) لأنها أولى بسماع الحق في هذا الموضع. وفي الآية الثانية: كان السياق عن أصحاب الكهف واختفائهم، فكان الأولى تقديم البصر والرؤية، وأن الله وحده يراهم. سورة طه (طه: ٩٦) قال تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦]. (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) أبصر السامري جبريلَ ﵇ على فرس، رآه وقت خروجهم من البحر حينما غرِق فرعون وجنوده؛ ففكر في أمر ظن أنه لم يسبقه إليه أحد لحدة ذكائه. (فَقَبَضتُ قَبضَة من أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذتُهَا) فقبض السّامري قبضة -أي: حفنة من أثر حافر فرس جبريل ﵇ لما رأى الأرض تخضر على وقع أقدامه.

стр. 426

وقيل: إن هذه الحفنة التي أخذها السّامري من أثر الفرس أحدثت في العجل المصنوع من الذهب شيئًا من الحياة، فسُمع له خوار بإذن الله؛ فكان ذلك فتنة لبني إسرائيل فعبدوا العجل، وهذا التفسير عليه أكثر أهل العلم. أما من قال: قبضت قبضة من شريعة موسى وسنته وقذفتها ورائي، فقول مرجوح. (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) زيّنت لي نفسي الأمارة بالسوء أن أفعل هذا الأمر. سورة الأنبياء (الأنبياء: ١٠٤) قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ): السجل: هو الصحيفة. والمعنى: يوم القيامة يطوي الله تعالى السماء بما فيها من نجوم وأجرام كما تُطوى الصحيفة وتغلق على ما فيها من حروف وأرقام، وذلك بعد تناثر الكواكب واشتعال البحار وجميع ما ذكر من أهوال القيامة .. تُغلَق صفحةُ الكون الذي سخره الله للحياة الدنيا بعد أن انتهى دوره. وهو تشبيه ليوم القيامة حينما تُكشط السماء وتُزال، فالله تعالى يطويها بيمينه، ثم ينزل الله تعالى في ظُلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، وتنزل الملائكة إلى أرض المحشر، ويبدأ الحساب. (الأنبياء: ١٠٨ - ١٠٩) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨ - ١٠٩]. (آذنتكم على سواء) آذنتكم؛ أي: أعلمتكم وأخبرتكم. (على سواء) أي: جميعكم على حد سواء، فلا نخص بالإعلام قومًا دون غيرهم؛ حتى تقام الحجة بوضوح، فلا يقولوا: ما جاءنا من نذير ولا بشير. ويحتمل المعنى كذلك: نحن وأنتم سواء في العلم بعقوبة من تولّى.

стр. 427

والمعنى العام: فإن أعرض المشركون يا محمد عن الإيمان بالله والانقياد لعبوديته، فحذِّرهم من العقوبة -وهي إعلان الحرب عليهم- وقل لهم: قد أعلمتكم على بيان ووضوح لتعلموا وتقام عليكم الحجة، فقد كانت العقوبة بالاستئصال ونحوه في الأمم السابقة، أما الآن: فهي الحرب، أما موعدها: فهو عند الله فهو الذي بيده الأمر، وقد حصلت لهم العقوبة في غزوة بدر وغيرها. سورة الحج (الحج: ٩) قال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩]. (ثاني عِطفه) أي: مستكبرًا عن الحق إذا دعي إليه، والعِطف -بكسر العين- هو جانب الشيء. وذلك لأن من يُعرض عن شيء تجده يلوي عنقه وجانبه؛ قاصدًا الانصراف عنه وعدم الاستماع إليه. وهي قريبة في المعنى من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] أي: أعرض عن خالقه، وتنكَّر للنعمة، وتكبر وتبطّر عن الحق. * وقريب منها قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٣٩] أي: أعرض عن سماع الحق وأدار له ظهره. ويزيد لفظ (بركنه) معنى آخر؛ أي: تولى بعزته وسلطانه وما يتقوّى به؛ فكلها يجمعها الإعراض، ولكن لكل منها صورة: - فالأولى والأخيرة: إعراض عناد واستكبار. - والثانية: إعراض كبر وبطر وفخر. (الحج: ١٥) قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥]. (فَليَمدُد بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ) هناك وجهان للتفسير عند العلماء لهذه الآية: ١ - يبين الله تعالى لمن يُعادي نبيه ﷺ أن من كان منهم يظن أن الله لا ينصر رسوله وأن دينه سيضمحل؛ فإن النصر من الله ينزل من السماء، فيا من في غيظ شديد لنصر الله لنبيه، امدد بحبل أو حيلة توصلك إليها لتقطع عنه النصر وتشفي غيظك.

стр. 428

٢ - يا من في غيظ من نصر الله لرسوله، امدد حبلًا إلى سقف بيتك أو إلى السماء وتدلَّ منه، واقطعه لتَسقط جثة هامدة عسى ذلك أن يذهب غيظك. - ففي الآية تهكم واضح، ولا منافاة في جمع المعنيين: فليمدد بحبل إلى السماء ثم ليقطع عنه الوحي والنصر ما استطاع، ولن يجدي ذلك إلا بقطع أنفاسه والموت كمدًا وغيظًا. فائدة (١): في الآية الكريمة وعد وبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وللمؤمنين، وفيها تيئيس للكافرين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون، ولو سعوا لإطفائه ما أمكنهم فلن يضروا إلا أنفسهم. أما قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندا﴾ [مريم: ٧٥]. (فَليَمدُد لَهُ الرَّحمَنُ مَدًّا) المد هنا: من الإمهال والإملاء؛ والمعنى: من كان متماديًا في ضلالته زاده الله ضلالة وتركه ليزداد تخبطًا فيها، وقد يمد له في عمره وماله ويستدرجه؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. فائدة (٢): اختلف المفسرون في عود الضمير في الآية الأولى في قوله: (أَنْ لن يَنْصُرَهُ)، ورجح كثير منهم أنه عائد على النبي ﷺ مع أنه لم يسبق له ذكر؛ لأن الكلام في الآية السابقة دال عليه، إذ المراد بالإيمان في الآية السابقة (إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُوا … ) أي: بصدق النبي ﷺ وما جاء به. (الحج: ٥٢) قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]. (إذا تمنَّى) الأمنية لها ثلاثة معانٍ في اللغة: - أي: قرأ وتلا. - أي: كذَب واختلق. - أي: تمنى؛ من الأمنية المعروفة، وهي محبة حصول الشيء. (أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمنِيَّتِهِ) لها معنيان محتملان: ١ - أي: إذا قرأ وتلا النبيُّ لقومه ما أوحى اللهُ إليه، ألقى الشيطانُ الوساوس في آذان الناس الذين يسمعونه، بكلام آخر زائد على كلام النبي ليغويهم.

стр. 429

٢ - أن النبي إذا تمنى إيمان أمته وطاعتهم، صدّهم إبليس عن ذلك. والقول الأول أقوى. * ومثلها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]. (إِلَّا أَمَانِيَّ) الأماني هنا كالآية السابقة لها معنيان: ١ - إلا مجرد تلاوة وقراءة من غير عمل. ٢ - إلا أمنيات باطلة كاذبة لا تحق لهم. فائدة: تقول العرب: - تمنّى الشيء: إذا أحب حصوله. - تمنَّى الكتاب: إذا قرأه. - تمنّى الحديث: إذا اخترعه واختلقه. سورة المؤمنون (المؤمنون: ٢٠) قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْأكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ) أي: تنبت مصحوبة بالدهن، وهو الزيت. (وَصِبْغٍ للْآكِلِينَ) الصبغ هنا معناه الإدام؛ أي: جعله إدامًا يأكلونه بالخبز، وسمّي صبغًا؛ لأنهم يصبغون به الخبز، وتُغمس اللقمة فيه عند الأكل. فهي شجرة الزيتون على الراجح، وثمرتها تحتوي على الدهن، وهو الزيت يُستعمل كدهان للبشرة وغيره، وهو كذلك إدام يأْتَدِمُون به ويأكلونه بالخبز ونحوه. (المؤمنون: ٧١) قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١]. (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ) الذّكْر يُطلق على التَّذكير، ويُطلق على السُّمْعة والصِّيت والشرف؛ كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] من الشرف وارتفاع القدر.

стр. 430

(بذكرهم): لها معان كلها صحيحة: ١ - أي: بما فيه عزهم وشرفهم؛ فكل ما في القرآن فيه رفعة وعز وشرف لهم، يجعلهم سادة الناس لو آمنوا به. ٢ - أي: بما فيه تذكير لهم؛ فقد نزل بالدعوة للإيمان بخالقهم، ونزل بشريعة سمحة فيها حياة طيبة لهم، ونزل بمكارم الأخلاق ليعيشوا في وئام مع بعضهم، ونزل يبشرهم بحسن المآل لمن آمن به. ٣ - أي: أتيناهم بالذكر الذي يطلبون؛ ففيه إجابة لما سألوا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٧ - ١٦٩] فجاءهم الذكر الذي يطلبون وهو القرآن. (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِم معْرِضُونَ): ولكنهم أعرضوا فخسروا هذا الشرف وهذه المكانة وهذه الموعظة القيمة. * ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. (لَذِكرٌ لكَ وَلِقَومِكَ) لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - لشرف لك ولقومك لنزوله بلغتكم وعلى واحد منكم. ٢ - فيه تذكير لكم؛ ولذلك قال بعدها: (وَسَوفَ تُسألُونَ) أي: عن تطبيق شرائعه وتبليغه للعالمين. * ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠]. (فِيهِ ذِكرُكُم): ١ - فيه شرف لكم يتحدَّث عنكم، ونزل على واحد منكم وبلغتكم. ٢ - فيه تذكير لكم بالإيمان بربكم وبالبعث والحساب. سورة النور (النور: ٢٦) قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. الآية الكريمة لها معنيان كلاهما صحيح:

стр. 431

١ - أن الكلمات الخبيثات والأعمال السيئات أولى بها الناس الخبيثون، والطيبون أولى بالكلمات الطيبة والأعمال الصالحة. ٢ - النساء الخبيثات للرجال الخبيثين والعكس بالعكس، والنساء الطيبات العفيفات للرجال الطيبين والعكس بالعكس. والمعنى: أنه لا يليق بهم إلا هذا؛ فلا يليق بالطيب إلا الكلمات الطيبة والنساء الطيبات … فالطيور على أشكالها تقع؛ فهي قاعدة كلية عامة. والآية على كلا المعنيين دلت على المقصود منها، وهو نزاهة أم المؤمنين عائشة ﵂ مما رماها به ابن سَلُول وأتباعُه من الفاحشة. أما من ظن أن الآية الكريمة تتناقض مع كون زوجة نوح وزوجة لوط كانتا كافرتين، وامرأة فرعون كانت مؤمنة! فهذا لا يناقض الآية كما ذكر أهل العلم؛ لأن زواج الكافر بالمؤمن قبل الإسلام كان مباحًا في شرائعهم، ونَهى الله عنه في شريعتنا. بالإضافة إلى أن لكل قاعدة أسبابًا تتحقق بها وموانع تمنعها، ولا تنتقض القاعدة بفرد أو فردين. (النور: ٣٣) قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. (وَلَا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدنَ تَحَصُّنا) المراد بالفتيات هنا ليس الشابات الصغيرات، بل المراد بها: الإماء. وسبب تعليق المنع من الإكراه على البغاء على إرادة التحصن لا يفيد إباحة البغاء إذا لم تُوجد إرادةُ التَّحَصُّن، ولكن لأن الحادثة التي هي سبب النزول كان فيها إكراهٌ للأمَة، أو لأنها خرجت مخرج الغالب؛ فكثير من الإماء كُنّ مكرهات لغرض التكسُّب بهن. - وهذا الأسلوب تكرر في كتاب الله: ففي قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فشَرَطَ الخوفَ من وقوع الشقاق على الغالب، وإلا فإنّ الخُلع يجوز بغيره؛ فالشرط هنا لا مفهوم له، ولكن لبيان الغالب.

стр. 432

* وكذلك: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] والقَصْرُ لا يختص بحال الخوف -كما في ظاهر معنى الآية- ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب. (وَمَنْ يُكرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعدِ إِكرَ اهِهِنَّ غَفُورٌ رحِيمٌ) تعود على الإماءِ المُكْرَهاتِ، فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُنَّ. فقد كان للمنافق عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول إماء مسلمات في المدينة، وكان يكرههن على البغاء. - فسبب نزول الآية أن جارية لعبد الله بن أُبَيّ بن سلول يقال لها: (مُسيكة)، وأخرى يقال لها: (أميمة)، فكان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأنزل الله الآية. انظر الآية في: الصحيح المسند من أسباب النزول. (النور: ٣٥) قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الله تعالى اسمه النور، فهو نور بذاته ونور بصفاته ونور بأفعاله، فكتابه نور وهو من صفاته لأنه كلامه، والله هو المنوِّر للسماوات والأرض بالأنوار الحسية التي نراها، فهو خالقها وهو الذي يضيء بها الكون كله، وكذلك الأنوار المعنوية وهي أنوار الهداية فهي منه ؛ فهو واهب الأنوار وخالقها وهادٍ إليها. فالمعنى يشمل: - الله مضيء السماوات والأرض بالأنوار الحسية والمعنوية المخلوقة. - الله الهادي بنور هدايته مَنْ في السماوات والأرض. (مَثَل نُورِه كَمِشْكَاة) أي: مَثَل نوره في صدر المؤمن ككُوَّة في جدار، وكأن هذه الكُوَّة هي صدر المؤمن. (فِيهَا مِصبَاحٌ): وهو شعلة الهداية ونور الإيمان. (فِي زُجَاجَةٍ) أي: هذه الشعلة -المصباح- يحوطه زجاج وهو قلب المؤمن، فهذا القلب كالزجاجة مُنير بشعلة الهداية بداخله.

стр. 433

(الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوكَبٌ دُرِّيٌّ): فأصبح قلب المؤمن -بعد انعكاس نور الإيمان على جوانبه كلها-كأنه كوكب دُرّي في إشراقه وصفائه. (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مبَارَكَة): تغذِّي وقوده وتمدّه بمزيد النور شجرةُ الإيمان المتجذّرة في قلب المؤمن. (زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ): شجرة الزيتون لا تتوارى الشمس عن جهاتها فهي تمدها بالضوء، وهو وصف لشجرة الإيمان في القلب وكأنها مصدر الوقود يمدّ ذلك المصباح بمزيد التوهج، فهو مضيء بغير نار فكيف إذا مسّته النار، وهي هنا شعلة الهداية التي تزيد الإيمان اشتعالًا وضياءً؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. (نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ): شعلة الهداية وانعكاسها على المصباح واستمداده من الزيت المتوهج؛ فهي أنوار متراكبة، كذلك يهدي الله لهذا النور من يشاء فيكون قلبه بهذه الصفة الكاملة، فليست هذه الصفة لكل مؤمن؛ فالمؤمنون درجات في أنوار الهداية. (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) ومنها هذا المثل؛ ليبيّن إشراقة قلب المؤمن وتألّقه بنور هدايته؛ ليكون في ذلك عظة وعبرة وتحفيز للتمثُّل بهذا القلب المتلألئ بأنوار الهداية والإيمان والقرآن … (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ومنها علمه بالقلوب وظلمتها ودرجات أنوارها . (النور: ٣٦) قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ﴾ [النور: ٣٦]. (أذن الله أن ترفع) لها معنيان: ١ تُعظَّم وتحترم؛ لإقامة ذكره بها وهو الصلاة. ٢ ترفع؛ أي: تُبنى لذكره كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]. (النور: ٥٤) قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. (عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم ما حُمِّلْتُمْ) الحمل هنا يدل على ما حمّل الله البشرَ من الأمانة والتكليف. ففي الآية الكريمة يأمر الله المنافقين وغيرهم بطاعة النبي ﷺ ، فإن أعرضوا فلن يتضرر الرسول بشيء، فعلى الرسول ما حمَّله الله من أمانة وما كلفه به -وهو البلاغ للرسالة- وقد أداه على أكمل وجه.

стр. 434

(وعليكم ما حملتم) من الأمانة، وما كلفكم به وهو الطاعة والانقياد، وقد بان حالكم وعصيانكم؛ فكلٌّ يلقى جزاء أدائه. (النور: ٦٣) قال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. (دُعَاءَ الرَّسُولِ) الدعاء هنا: هو النداء، وتحتمل معنيين لا يتعارضان: ١ - دعاؤكم ونداؤكم للرسول. ٢ - دعاء الرسول إياكم. فبالمعنى الأول: إذا ناديتم الرسول فلا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا، فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان، لكن النبي ﵊ له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله. وبالمعنى الثاني: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم وإن شئتم تركتم؛ لأن إجابته فرض علينا ليست كدعاء غيره، وهذا في كل زمان ومكان؛ فإذا بلغك عن الرسول أمر فأجب. وعلى هذا فيكون في الآية أيضًا نهيٌ عن معصية الرسول ﷺ وأمرٌ بطاعته. سورة الفرقان (الفرقان: ١٥ - ١٦) قال تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولا﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]. (وعدًا مسؤلًا) ما هو الوعد المسئول؟ الوعد: هو الجنة المَدْلُولُ عَلَيْهِا بِقَوْلِهِ: وُعِدَ المُتَّقُونَ. وكيف يكون هذا الوعد مسئولًا؟ والجواب: هو وعدٌ مسئول من ثلاثة أوجه كلها صحيحة: ١ - يَسأله ويطلبه المؤمنون في الدنيا والآخرة؛ كَما في قَوْله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. ٢ - أن الملائكة تسأله لهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨].

стр. 435

٣ - مسئولًا؛ أي: واجبًا أوجبه الله على نفسه، تفضلًا منه وكرمًا وإنْ لَمْ يُسْألْ. (الفرقان: ١٩) قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرا﴾ [الفرقان: ١٩]. (صرفًا ولا نصرًا) أصل الصّرْف من التقلّب والحيلة (صرفًا) أي: صرف العذاب عنكم بفدية، أو وبأي حيلة كالهروب أو غيره يوم القيامة. (ولا نصرًا) أي: ولا نصر أنفسكم من عذاب الله؛ فالعذاب واقع بكم لا محالة. والمعنى الإجمالي: تتحدث الآيات السابقة عن المشركين ويوم يحشرهم الله مع معبوداتهم، فيسأل المعبودات عما إذا كانوا هم الذين أضلوا عباده، أم هم الذين ضلوا وزاغوا من قِبَل أنفسهم؟ فتجيبه تلك المعبودات بالتسبيح له، والتنصُّل من فرض عبادتهم على أحد، ولكن الذي أضلهم هو استغراقهم في شهوات الدنيا! ثم يوجّه الخطابَ للكفار قائلًا لهم: ها هي المعبودات التي عبدتموها تبرَّأت منكم وكذبتكم، فلا تستطيعون الدفاع بصرف العذاب عنكم ولا بالانتصار لأنفسكم في مواجهة ما يحيق بكم! فائدة (١): جاء في الحديث الشريف: «اللَّهمَّ من ظلم أهلَ المدينةِ وأخافهم فأخِفْه، وعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين، لا يُقبَلُ منه صرفٌ ولا عَدلٌ» السلسلة الصحيحة (٣٥١). (صرفٌ): لا يقبل صرف العقوبة عنه بتوبة أو بأي حيلة. (ولا عَدلٌ): ما يعادله من فدية؛ كما قال تعالى في كفارة الصيد للمحرم: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقيل: (الصرف) النافلة، و (العدل) الفريضة. * وفي قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]. (تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ) العدل من الشيء: المُعادل له؛ أي: وإن تريد الفداء بشيء يعادلها فكل فدية لا تؤخذ ولا تقبل منها. * ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨].

стр. 436

* ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]. (عدل) أي: فدية تعدلها. (ولا تنفعها شفاعة) أي: وساطة شافع لينقذها من العذاب. فائدة (٢): نلاحظ تشابه الآيتين، إلا أن هناك تقديم الشفاعة في الأولى والعدل في الثانية، والتعبير بقبول الشفاعة ونفعها! - ففي الآية الأولى: النفس المقصودة هي النفس الثانية الشافعة، فلا تقبل شفاعتها ولا يؤخذ منها فدية لفداء غيرها فضلًا عن نفسها، وقُدمت الشفاعة؛ لأن الشافع غالبًا يقدم الشفاعة على العدل. - وفي الآية الثانية: النفس المقصودة هي النفس الأولى صاحبة الإثم، فلا يُقبل منها الفداء ولا تنفعها شفاعة غيرها، وقدم العدل؛ لأنه هو الأَوْلى لها، وتلجأ للشفاعة إذا رُد الفداء. انظر: الموسوعة القرآنية (٢/ ٢٩١). (الفرقان: ٤٨ - ٥٠) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٥٠]. (وَلَقَدْ صَرَّفنَاهُ بَينَهُم) هو على الراجح: الماء الَّذِي أنْزَلَهُ طَهُورًا، يُصرِّفه في كل عام من مكان إلى مكان، وفي الحديث: «ما من عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يُصرِّفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠]» الصحيحة (٢٤٦١). (ليذّكروا) قال صاحب أضواء البيان في تفسير الآية: (لِأجْلِ أنْ يَتَذَكَّرُوا؛ أي: يَتَذَكَّرَ الَّذِينَ أخْصَبَتْ أرْضُهم بكَثْرَةِ المَطَرِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَشْكُرُوا لَهُ، ويَتَذَكَّرَ الَّذِينَ أجْدَبَتْ أرْضُهم ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ، فَيُبادِرُوا بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا لِيَرْحَمَهم ويَسْقِيَهم).

стр. 437

سورة النمل (النمل: ٥٤) قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤]. (وَأَنْتُمْ تُبصِرُونَ) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - وأنتم تبصرون أنها معصية، وتعلمون أنكم على باطل. ٢ - أي: يبصر بعضهم بعضًا؛ مما يدل على المجاهرة، فالمعصية إذا جاهر بها صاحبها صارت أقبح وأعظم. * ومثلها في المعنى الأول قوله تعالى: ﴿لَاهِيَة قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]. (وَأَنْتُمْ تُبصِرُونَ) هذا قول كفار مكة في تناجيهم مع بعضهم البعض؛ استنكارًا لمن قارب أن يصدّق منهم: ما لكم كيف تتبعون محمدًا الساحر، فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم حقيقته أنه باطل. هذا وهم يعلمون أنه رسول الله حقًّا بما شاهدوا من الآيات الباهرة، ولكن حملهم على ذلك الشقاءُ المحتوم والظلمُ والعنادُ. سورة القصص (القصص: ٣٢) قال تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢]. (اسلُك يَدَكَ فِي جَيبِكَ) أي: أدْخِل كفَّك في فتحة الثوب العلوية جهة الصدر. (تَخرُج بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوء) تخرج بيضاء مضيئة بغير مرض ولا برص. (وَاضمُم إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهبِ) ثم اضمم جناحك -والجناح: هو اليَدُ مع العَضُد - أي: ضم جناحك الأيمن إلى جناحك الأيسر إن خفت من بقائها على هذه الحال، فإنها تعود كما كانت لحالها السابقة. * وفي قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢]. (يَدَكَ) أي: كفّك اليُمنى. (إِلَى جَنَاحِكَ): إلى جناحك الأيسر.

стр. 438

والآيات يكمل بعضها بعضًا؛ فالآية السابقة ترسم مع هذه الآية الكريمة صورة واضحة وهي: عند إدخال كفه اليمنى في جيب ثوبه، تلامس الإِبْط عند الجناح الأيسر، فإنها تخرج بيضاء مضيئة. ثم لإعادتها لطبيعتها يضم هذه اليد المضيئة مرة أخرى مع عَضُده؛ ولذلك جاءت في الآية الأولى باسم (الجَنَاح)؛ لأنها مجموع اليد والعَضُد إلى الكتف. (واضمم إليك جناحك من الرهب) ثم إذا هَالَكَ الأمرُ على ما يغلب عليها من النور، فأَلْصِقْ (جناحك) -وهو ذراعك ويدك بأكملها إلى صدرك- يسكن خوفك عمومًا؛ سواء من بياض اليد، أو من تحوّل العصا وغيره؛ فالآية لم تحدد، والله تعالى أعلم! (القصص: ٧٦) قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. (لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) هناك فرح مذموم يبغضه الله وهو موجبٌ لعقابه، وهو: فرح الزّهو والفخر، والفرح الذي يصحبه الكبر والبغي والبطر واحتقار الناس، والفرح بالباطل. أما سرور النفس بنعمة الله وبنصر الله وبرحمته وبالتوفيق للعمل الصالح، فهو الفرح الممدوح والمشروع؛ قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) تنوء: من ناء؛ أي: نهض بثقَل، و (ناء النجم) أي: سقط. والعصبة: من الثلاثة إلى العشرة، والمعنى: فتلك المفاتيح من كثرتها وثقل وزنها تَثْقُل بالجماعة من أصحاب القوة والقدرة. (القصص: ٧٨) قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. هذه الآية تنفي السؤال، وهناك آيات أخر تثبته، ومن خلال هذه المفردة سيتضح التوفيق بينها جميعًا: (وَلَا يُسألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجرِمُونَ) اختلف المفسرون في السؤال على أقوال؛ منها: ١ - لا يُسألون سؤال استعلام وإحصاء؛ فالله تعالى عالم بكل صغيرة وكبيرة، وجوارحهم ناطقة بما فعلوا، وهناك شهود عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠].

стр. 439

٢ - لا يُسألون سؤال استعتاب وطلب اعتذار، فلا محل له هنا؛ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧]. ٣ - أن اليوم الآخر فيه مواطن يكون فيها سؤال وكلام، ومواطن لا سؤال فيها ولا كلام. وكلها لا تتعارض: فهم يوم القيامة لا يُسألون سؤال استعلام عن أعمالهم؛ فالله يعلمها وجوارحهم ناطقة بها، وهناك مواطن من مواقف يوم القيامة قد لا يكون فيها توبيخ ولا عتاب؛ لشدة الفزع وهول المطلع، ومواطن يوبخون فيها، ويطلب منهم الحجة والبرهان فلا يجدون؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢]. وقد ورد في إثبات السؤال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. وفي سؤال المرسلين والمرسل إليهم: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. فإثبات السؤال على ثلاثة: ١ - إثبات سؤال التقريع والتوبيخ للجاحدين في مواطن خاصة. ٢ - إثبات سؤال طلب الحجة والبرهان بسبب ذنوب عظيمة، والحجة على الإقدام على فعلها. ٣ - سؤال المرسلين عن التبليغ وإجابة الأمم لهم. كما ورد في نفي السؤال كذلك قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]. فالنفي يجمع بين أمرين: - نفي سؤال الاستعلام في جميع المواقف. - نفي سؤال التوبيخ والتقريع في مواقف خاصة يشغلهم فيها العذاب. سورة العنكبوت (العنكبوت: ٤٥) قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. (وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ) تحتمل عدة معانٍ كلها صحيحة لا تتعارض ذكرها ابن القيم في تفسيره:

стр. 440

- ولذكر الله إياكم وما يفيض عليكم من آثار ذلك، أكبر من ذكركم إياه ومن عبادتكم له؛ فذكره لكم أعظم وأجلّ. - لا شيء أكبر من ذكر الله؛ فهو أعظم وأجلُّ طاعة، وذكر الله يتضمن الشهادتين، ومن معانيه: الصلاة، وما فيها من أذكار وقراءة للقرآن. - ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر. - ولذكر الله وما فيه من أمور عظيمة من الإيمان والعبودية، أكبر من مجرّد النهي عن الفحشاء والمنكر؛ فهذا أثرٌ من آثاره، وهو الإعانة على التقوى. سورة السجدة (السجدة: ٢١) قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. (العَذَابِ الأَدنَى) بيّن ابن القيم ﵀ ناقلًا عن ابن عباس ﵄ أن العذاب الأدنى يشمل العذاب المقدّم في الدنيا؛ لأن هذا العذاب يستدعي أن يتوبوا ويرجعوا عن الكفر، وهو المقصود في هذه الآية. ولكن مع تأمل قوله تعالى: (من العذاب الأدنى) حيث لم يقل: و (لنذيقنهم العذاب الأدنى) يبين أن العذاب الأدنى: هو كل عذاب قبل عذاب الآخرة؛ فيدخل فيه عذاب الدنيا، وإن لم يتوبوا تبقى لهم بقية من العذاب الأدنى في القبر. انظر: تفسيره للآية في التفسير المسمى ب (تفسير القيم). فائدة: العذاب الأدنى في الدنيا يرسله الله على عباده لأسباب: - للتكفير لعصاة المسلمين. - للإمهال لعلهم يرجعون ويتوبون. - للتذكير وعدم التمادي. - ثم بعد إقامة الحجة والإمهال يكون للانتقام، نسأل الله العافية. ويستمر العذاب عليهم بعد ذلك في البرزخ. (العَذَاب الأَكبَر) وهو عذاب الآخرة وعذاب النار.

стр. 441

سورة الأحزاب (الأحزاب: ٣٧) قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. من صاحب النِّعمتَيْن؟ وما هما؟ وما الأمر الخفيّ الذي أبداه الله؟ (وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ) الذي أنعم الله عليه هو زيد بن حارثة ﵁، أنعم الله عليه بالإسلام، (وَأَنعَمتَ عَلَيهِ) وأنعم عليه النبي ﷺ بالعتق وحُسن التربية والتَّبنّي الذي أبطل الله حكمه فيما بعد. وقد كان زيد يسمى: (زيدَ بن محمد) فنزلت الآية: (ادعوهم لآبائهم). (أَمسِك عَلَيكَ زَوجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) وقع في قلب زيد كراهة البقاء مع زينب بنت جحش ﵂ لسبب ما بعد أن زوجه النبي ﷺ إياها -وزينب ابنة عمة رسول الله ﷺ وهذه الكراهة وضعها الله في قلبه لحكمة؛ فالله تعالى أراد أن يزوجها للنبي ﷺ ليبين للناس بطلان حكم التَّبنِّي، ولكن النبي قال له: (أمسك عليك زوجك واتقِ الله) من إضرارها، واصبر على ما كان منها. (وَتُخفِي فِي نَفسِكَ مَا اللَّهُ مُبدِيهِ) وتخفي ما أوْحى اللَّهُ تَعالى بِهِ إلَيْك أنَّ زَيْنَبَ سَيُطَلِّقُها زَيْدٌ وتتَزَوَّجها من بَعْده. وقد رويت قصة باطلة في بعض التفاسير: أن الذي يخفيه هو وُقُوعُ زَيْنَبَ في قَلْبِه ومحبته لها، وهي تَحْتَ زَيْدٍ، والحقيقة أن الذي أخفاه: هو وحي الله له بتزويجه زينب. (وَتَخشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تخْشَاهُ) تخشى مَقالَةَ النّاسِ؛ استحياء وتحرُّجًا، أو تخشى عليهم الوقوع في الفتنة أنْ يَقُولُوا: إنه يريد أن ينكح زوجة ابنه وعتيقه، والله أحق بإنفاذ أمره وعدم المبالاة بالناس. وليس المقصود أنه ﵊ لا يخشى الله، فقَدْ ثبت عنه أنه قَالَ: «وَاللهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» صحيح مسلم (٧٩). (الأحزاب: ٣٨) قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. (قَدَرا مقدُورًا) أي: وكانَ أمر الله الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يُفْعَل.

стр. 442

ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بُدَّ أن يقع؛ فكل أمر قدّره الله في الكون فلا بُدَّ أن يقع قَضَاءً مَقْضِيًّا مَاضِيًا لا محالة. (مَقْدورًا) أي: مقضيًّا ومفعولًا ولا بُدَّ. انظر: تفسير العثيمين للآية. فما الفرق بين القدر والمقدور؟ الجواب: قال تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورا﴾ [الإسراء: ٥٨]، و [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. القدر نوعان: - قدر مسطور: وهو كل ما سطرته الأقلام من الأزل في اللوح المحفوظ، فهو كلمات الله وأمره. - وقدر مقدور: وهو كل ما يتم تنفيذه منه على الواقع إلى قيام الساعة، فهو كل المخلوقات حسية كانت أو معنوية، وهو ما يسمى بالقضاء؛ أي: الذي قضى الله بحصوله؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيّا﴾ [مريم: ٢١]. فالمقدور: هو المقضيّ. والمقضيّ والمقدور: هو أثر القضاء والقدر. - والقدر باعتبار نوعه قسمان: كوني وشرعي، وما يحصل منه من مقدورات كذلك قسمان: - مقدور كوني: وهو كل المخلوقات الحسيَّة والمعنوية. - ومقدور شرعي: وهو ما حصل من العباد وَفْق المأمورات الشرعية، فالصلاة التي صلاها العبد مقدور شرعي، وحَجّه الذي أدّاه وصدقته … وهكذا كل ما حصل وقوعه من أنواع العبادات. (الأحزاب: ٥٣) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. (غير ناظرين إناه) ناظرين؛ أي: منتظرين. (إناه): كما نقول: (آن الأوان) أي: غير منتظرين أن يحين أوانه، وهو وقت نضجه، أو أوان تقديمه لإدراكه وتناوله. والمقصود من الآية: إذا دخلتم بيوت النبي لحاجةٍ فلا تنتظروا طعامًا، فلا تتحينوا الفرص فتتطفلوا على مائدة النبي إلا لمن أذن له. ومن أذن له ودعي للطعام فليأكل على عجل ولا يستأنس بالمكوث وإطالة الجلوس، فتحرجوا رسول الله ﷺ بمكثكم عنده، إذن هناك شرطان لدخول بيت النبي:

стр. 443

١ - الإذن والسماح لكم بالدخول. ٢ - أن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة. سورة سبأ (سبأ: ١٣) قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) اعملوا شكرًا: تتضمن عدة معان لا تتعارض: ١ - أي: اشكروا لله شكرًا يليق بما خصّكم به من النِّعم. ٢ - اعملوا لأجل شكره ﷻ خالصًا له. ٣ - اعملوا بطاعة الله شكرًا على ما أنعم به عليكم؛ فالشكر ليس بالقول فقط، بل عَمَليٌّ بالصلاة والصيام وسائر العبادات والمعاملات. (سبأ: ١٦) قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦]. (سَيْلَ الْعَرِمِ) فيه أقوال منها: - العرم: من عرِمَ الأمر؛ أي: اشتدّ؛ فالعرم وصف للسيل، ومعناه: السيل الشديد الكثير المتدفق دمّر وأفسد مزارعهم. - وقيل: العرم هو اسم الوادي. (أُكُلٍ خَمْطٍ) الخمط: هو نوع من الشجر، قيل: شجر الأراك، وقيل: أيّ شجر فيه مرارة. (وَأَثْلٍ): نوع من الشجر يسمى الطَّرْفَاء، حَرْشَفِيّ الأوراق، وقيل: هو العِضاة التي تنبت في الجبال ويستفاد من عيدانها. والمقصود: أن قوم سبأ حينما كفروا نعمة الله دمّر مزارعهم بالسيل، وبدّلهم بالفواكه والخُضَر اللذيذة المتنوعة بعضَ الثمار والشجر القليل النفع، وثمارًا فيها مرارة وحموضة. (سبأ: ٢٠) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].

стр. 444

(صَدَّقَ عَلَيهِم إِبلِيسُ ظَنَّهُ) أي: تحقق فيهم ظنه. - ما هو ظن إبليس؟ ظن إبليس هو حين أقسم: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فهذا ظن منه لا يقين؛ لأنه لا يعلم الغيب، ولم يأته خبر من اللّه، فظن أنه سيغويهم أجمعين إلا من استثنى، فكل مَنْ تبعه يكون ممن صدّق عليه إبليس ظنّه وتحقق فيهم؛ لأنه دعاهم فأغواهم. (سبأ: ٤٩) قال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. (وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) تقول العرب: (فلان لا يبدي ولا يعيد) أي: ليس بيده شيء ولا يستطيع التصرف، وتقول: (فلان أبدأ وأعاد) أي: تصرف في الأمر تصرفًا واسعًا. والمعنى: قل لهم -يا محمد-: بعدما تبيَّن الحق وجاء الإسلام، اضمحل الباطل وذهب سلطانه؛ فكل المكذبين للنبي ﷺ على باطل، وليس بضائر الحقَّ شيءٌ من باطلهم، فالباطل ظهر أمره وافتضح زيفه فلم يعد قادرًا على شيء؛ فلا يبدئ أمرًا ولا يعيده. والباطل: وصف شامل للشيطان وآلهة الشرك وكل باطل، وفي الصحيح: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وَحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: «جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ، جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ» صحيح البخاري (٤٢٨٧). فائدة: إذا جاء الحق في مكان انقشع الباطل واندحر، أما إذا ضعف الحقُّ بضعف أهله وغفلتهم فإن الباطل ينتفش. سورة فاطر (فاطر: ١٠) قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]. (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) اختلف المفسرون في فاعل (يرفع) على أربعة أوجه كلها صحيحة لا تتعارض: ١ - أن الرافع في الآية هو الله تعالى؛ فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه الله إليه. ٢ - أن الرّافع هو العمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي يريد العزة والرفعة المذكورة في بداية الآية.

стр. 445

٣ - أن الرافع هو العمل الصالح يرفع الكلم الطيب؛ فيكون المعنى: فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رُدّ كلامه على عمله فلم يُرْفَع. ٤ - أن الرافع هو الكلم الطيب يرفع العمل الصالح؛ أي: لا يُرْفَع العمل إلا أن يكون صادرًا عن قلب مُوَحّد؛ فالتوحيد والشهادتان سبب قبول العمل. (فاطر: ١٨) قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨]. (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَة إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ) مثقلة؛ أي: نفس مثقلة بالذنب. إلى حملها؛ يعني: إلى من يحمله عنها. والمعنى العام: لا يحمل أحدٌ خطيئةَ أحد ما لم يكن له يدٌ فيها، فيكون هو من حرّض عليها، أو عاون وساعد بأي شكل من الأشكال، وهذا من كمال عدل الله ﵎. وإن تُنادِ نفسٌ مثقَلَة بالخطايا وتستغثْ بمَن يحمل عنها من ذنوبها شيئًا، لن تجد أحدًا، ولو كان الذي سألتْه ذا قرابة منها؛ من أب أو أخ ونحوهما. فالآية فيها تحذير .. ولكن لمن؟ للذين يُجدي معهم التحذير، وهم الذين يخافون ربهم بالغيب وأدَّوا الصلاة حق أدائها، وطهروا أنفسهم من الشرك والمعاصي. سورة يس (يس: ٢٩) قال تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]. ذُكرت الصيحة الواحدة في آيات مختلفة، فما المقصود بكلٍّ منها؟ المقصود هنا: العذاب الذي حلّ بقوم الرجل المؤمن من آل ياسين حينما قتلوه وكذّبوا المرسلين. * ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]. المقصود بالصيحة هنا: صيحة البعث، وهي نفخة الصور الثانية للقيام من القبور. * ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩].

стр. 446

الصيحة هنا: صيحة الفزع، وهي نفخة الصور الأولى، وهي نفخة الإماتة. * ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]. وهم كفار مكة، والصيحة هنا كذلك: هي صيحة الفزع، وهي النفخ في الصور التي تأخذهم جميعًا فلا يرجعون للدنيا، ولا يفيقون بعدها إلا إلى الآخرة والحساب؛ كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]. * ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] الصيحة: الريح الشديدة استأصلهم بها، وهم قوم صالح عندما عَقَروا الناقة. سورة الصافات (الصافات: ١٠) قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. (خَطِفَ الْخَطْفَةَ) أي: اختطف، وهو أخذ الشيء بسرعة، و (الْخَطْفَة) المراد بها: المعلومة المسترقة بسبب التصنت والاستماع للملائكة. وقد كان الاستماع إلى السماء والملأ الأعلى ممكنًا قبل البعثة، أما بعد البعثة فقد شُدّدَت الحراسة على السماء فلا يستطيعون سماع شيء من الوحي؛ كما قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبا﴾ [الجن: ٨]. فقد كان قبل ذلك للجن مقاعد يستمعون عليها إلى السماء كما هو في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] فإذا سمع كلمة يلقيها على من تحته حتى تبلغ الكاهن أو الساحر، فيعرف بها بعض الغيب عن أحوال الناس فيكذب معها. ثم أكد القرآن الكريم عدم استماعهم بعد ذلك لحراسة القرآن الكريم والوحي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: ٨]، ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩]. ثم استثنى من الاستماع اختطاف الخطفة، وهو ما يتنصتون به على الملائكة إذا نزلت من السماء في السحاب فيخطفون الكلمة منهم؛ كما في الحديث: «إن الملائكةَ تنزلُ في العَنانِ -وهو السحابُ- فتذكرُ الأمرَ

стр. 447

قُضِيَ في السماءِ، فتسْتَرِقُ الشياطينُ السمعَ فتسمعُه، فتوحِيه إلى الكُهَّانِ، فيكذبون معها مائةَ كَذْبةٍ من عند أنفسِهم» صحيح البخاري (٣٢١٠). (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ): الشهاب هنا شعلة من نار، فالرجوم والشهب يُقذَف بها من استرق السمع فيحرقه أو يصيبه بنوع من الأذى، ومعنى (فأتبعه) أي: يتبعه حتى يصيبه ولا يخطئه. (الصافات: ٢٨) قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]. (تَأتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ) اليمين هنا تشير إلى عدة معان كلها محتملة لا تتعارض: ١ - أي: عَنْ الجِهَة الَّتِي كُنّا نَأْمَنكُمْ مِنها، ويُعبّر بالْيَمِينِ عَنِ الدِّينِ وَالْحَقِّ؛ فهي الجهة التي كنتم تدلسون بها علينا فاتبعناكم فأضللتمونا. * ومثلها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] الآية تدل على جميع الجهات وكل المحاولات، إلا أن لفظ (أَيمَانِهِم) يدل كذلك على الدّين والحق؛ أي: يلبِّس عليهم الدِّين ويغويهم ويدخل لهم من باب الحسنات، وبعكسها قوله: (وَعَنْ شَمَائلِهِم): من باب السيئات وأنواع المعاصي. ٢ - من ناحية الْأَيْمَانِ التي كنتم تحلفونها، فوثقنا بكم وصدقناكم. ٣ - من ناحية القوة والغلبة؛ لأن قوة كل شيء فِي مَيَامِنِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] لها معنيان: - بالقوة. - باليد اليمين. * وكذلك قوله: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥]. (بِاليَمِينِ) أي: بالقوة والقدرة. سورة ص (ص: ٣) قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣]. (ولَاتَ حِينَ مَنَاص):

стр. 448

- لات: للنفي بمعنى ليس، ويأتي بعدها ما يدل على الزمان؛ كالساعة والحين والأوان، كقول العرب: (ولات ساعة مَنْدَم) أي: ليست الساعة ساعة ندم، فلا فائدة منه الآن. - مناص: لها معنيان كلاهما صحيح: ١ - هو الملجأ والمهرب. ٢ - وهو التراجع والتأخر. والمعنى: وليس ذلك الحين حين نزول العذاب وقت فرار وطلب نجاة أو تراجع وطلب التوبة. (ص: ٧) قال تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]. (الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) أي: الدِّين الأخير. هذا قول كفار قريش ينكرون القرآن، فقالوا: ما سمعنا به في ملة النصارى السابقة وهي آخر دين! (اختلاق) أي: كذب وافتراء؛ كانت العرب تسمي: الخرافات (أحاديث الخلق) أي: أنها مختلقة ومفتعلة انظر: مفردة (أخلق) في حرف الألف. (ص: ٣٤) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤]. (وَأَلقَينَا عَلَى كُرسِيِّهِ جَسَدًا) اختلف العلماء وتعددت الروايات الإسرائيلية التي لا تثبت، وأقرب ما رجحه أهل العلم: أن الله تعالى ألقى على عرش سليمان ﵇ جسدًا -يعني: في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي- فسلط الله تعالى عليه شيطانًا جلس على الكرسي وجعل يدبر الدولة، فلما جاء سليمان إلى مكان جلوسه على عرشه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولّي تدبير شؤون الدولة؛ فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره بنزع ملكه؛ فأناب إلى ربه بالتوبة والاستغفار. (ص: ٥٥ - ٥٨) قال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٥ - ٥٨]. (وَآخَرُ مِنْ شَكلِهِ أَزوَ اج) أي: وعذاب آخر يتذوقونه من أشكال الحميم والغَسّاق أصناف مختلفة.

стр. 449

ولم يذكرها تخويفًا؛ أي: عذاب متنوع من كل شكل، نسأل الله العافية! و (الحميم): الماء البالغ الحرارة. و (الغساق) قيل: هو الصديد المنتن الذي يخرج من أجسادهم، والله أعلم. سورة الزمر (الزمر: ١٨) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]. (يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) ما هو القول؟ وما هو أحسنه؟ ومن هم أولو الألباب؟ فيها معنيان خاص وعام لا يتعارضان: فالخاص أن المراد بالقول: القرآن الكريم، وقد جاء هذا المعنى في آيات أُخَر كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]. (فيتبعون أحسنه) أي: يتبعون أحسن ما جاء فيه من أحكام؛ فالقرآن فيه حسن وأحسن، فيه ما يفعله السابق بالخيرات وما يفعله المقتصد … وفيه خيارات. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] فهذا تخيير بين أخذ الحق في العقوبة وبين الصبر، وهكذا .. فأولو الألباب هم الذين يأخذون بما فيه رفعتهم عند الله. أما المعنى العام: المراد بالقول هو: كل الأقوال التي قد تستحسن، والمراد بالأحسن: هو كتاب الله ودينه؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فأولو الألباب هنا هم الذين يتبعون الأحسن الذي فيه هدايتهم ونجاتهم. * ومثلها: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. (يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) أي: أحسن ما تشتمله من أوامر واجبة ومستحبة. (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) سأبقي ديارهم عبرة ترونها أنتم ومن بعدكم.

стр. 450

وقد اختلف المفسرون في تعيينها، والأظهر: عمومها؛ فيدخل فيها دار العمالقة الجبابرة من الأرض المقدسة بعد هلاكهم، وآل فرعون، وقوم لوط، وهود، وعاد. ويدخل في المعنى: سأوريكم النار يوم القيامة التي أعدت للفاسقين. (الزمر: ٢٣) قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقال عزّ من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. تشير الآية الأولى إلى أن القرآن الكريم كله متشابه، وتشير الثانية إلى تشابه بعض آياته دون بعض؛ فما تأويل ذلك؟! اعلم -أولًا- أن التشابه يطلق على أمرين: ١ - من التشبيه: وهو التماثل بين شيئين. ٢ - من الشُّبهة: وهو التباس الأمر وغموضه. وعلى هذا فالتشابه في القرآن الكريم نوعان: ١ - التماثل: وهو التشابه العام في آياته، وتدل على ذلك الآية الأولى. ومعناها: أن آيات القرآن الكريم يشبه بعضها بعضًا في صحة معانيه وجزالة نظمه، ويصدِّق بعضه بعضًا؛ فلا يختلف ولا يتناقض في أحكامه وشرائعه، وحلاله وحرامه، ووعده ووعيده .... ٢ - الاشتباه في المعنى: وهو ما يسميه بعض المفسرين ب (التشابه الخاص) وتدل على ذلك الآية الثانية. وللعلماء فيه أقوال متعددة نذكر بعضها باختصار: أن المتشابه هو: ما اشتبه على الناس تأويله، ودلالته مجملة غير صريحة، واحتمل أكثرَ من معنى بحيث يمكن تصريفه وتحريف معناه ابتلاءً من الله لعباده. وهو مما استأثر الله بعلمه على الحقيقة، ومِن ذلك الحروف المقطّعة في أوائل السور. (الزمر: ٢٩) قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. (وَرَجُلًا سَلَمًا لرَجُلٍ) سلمًا: من الاستسلام، فهو مستسلم وخالص لرجل واحد ليس معه شركاء.

стр. 451

وهو مَثَلٌ ضربه الله تعالى للشرك والتوحيد: - الأول: مثال الشرك: وهو لمن أشرك معه غيره، فهو غير مخلصٍ في عبادته لله وحده فهو يعبد آلهة شتّى؛ فهم فيه مختلفون متشاكسون، وكل منهم له مطلب يريد تنفيذه. وهكذا هم المشركون: تارة يذهبون لهُبَل، وتارة لمَنَاة، وتارة للعزى يريدون إرضاء الآلهة في زعمهم؛ فتشتتوا وتمزقت عبادتهم، وما استقر لهم قرار، ولا اطمأنّت لهم قلوب. - الثاني: لمن له إله واحد لا يشرك معه غيره: فهو مستسلم له، خالص في عبادته له وحده؛ فلا شك أن حاله ستكون الطمأنينة والثبات والسكينة، وقضاء حوائجه ونيل مبتغاه وهو من يعبد الله وحده. * ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨]. (السَّلَمَ) استسلموا لأمر الله. والتعبير ب (ألقوا): يبين أن استسلامهم بالكلية بذُلٍّ وانقياد لأمر لا مفرّ منه، ولكنهم أنكروا ما كانوا يعملون من الشرك والسوء حيث لا يفيد الإنكار. * ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧]. (السَّلَمَ) أي: الاستسلام. والمعنى: استسلموا لحكم الله وانقادوا له بالكلية، وخيّبتهم آلهتهم التي كانوا ينتظرون منها الشفاعة، وضاع كلّ ما أمّلوه فيها. * ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠]. (وألقوا إليكم السلم) السلم: من الاستسلام؛ أي: انقادوا لكم طائعين خاضعين مستسلمين. * ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ [النساء: ٩١]. (وَيُلقُوا إِلَيكُمُ السَّلَمَ) أي: يعلنوا الاستسلام والمسالمة.

стр. 452

* وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. (وَتَدعُوا إِلَى السَّلمِ) ولا تدعوا إلى المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم. ففي الآية وعظ للمؤمنين: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ولا تدعوا للخوف مجالًا أن يستولي على قلوبكم، بل اصبروا واثبتوا، ولا تستسلموا. (الزمر: ٤٢) قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢]. (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) أي: الله يقبض الأنفس بالوفاة الكبرى حين تستكمل أجلها. (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) أي: والتي لم تمت بوفاة كبرى فإنه يتوفاها الوفاة الصغرى في منامها، فتصعد الأرواح وتلتقي أرواح الأحياء بالأموات، حتى إذا انتهت فترة النوم أمسك أرواح الأموات عن العودة إلى أجسادها، وأرسل الأخرى لتستكمل أجلها. فدلَّ ذلك على التقاء أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام، وقد يحدث بسبب ذلك الرؤى الصادقة عن التقاء حيٍّ بميت؛ كما حدث لصحابي يوم اليمامة حينما رأى الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شَمَّاس ﵁ في المنام بعد استشهاده في معركة اليمامة وسرقة درعه النفيسة، فأخبره بمكانها وطلب منه بيعها وسداد دينه منها وأوصاه بوصية في أمواله، فأنفذها أبو بكر الصديق ﵁ لوجود قرائن تثبت صحتها، وكانت الوصية الوحيدة التي تنفذ لميت بعد موته. والقصة معروفة، انظرها في: اتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة لأبي العباس شهاب الدين الشافعي (٣/ ٤١٣) وقال: ولَه شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رواه البخاري والطبراني والترمذي باختصار. سورة فصلت (فصلت: ٤٤) قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].

стр. 453

ما هو المكان القريب والمكان البعيد في الآيات؟ (يُنَادَونَ مِنْ مكَانِ بَعِيد) يخبر الله تعالى في الآية عن تعنُّت الكفار واعتراضهم على القرآن، وقد أنزله الله عربيًّا بلغتهم ليتدبروا آياته، ولو جعله بلغة أعجمية لقالوا: هلّا بينت آياته! ولقالوا: كيف يكون أعجميًّا ومحمد عربي؟! فهذا التعنت هو أسلوب الكفرة، فالمؤمنون الموفّقون انتفعوا به، ويكون لهم هداية لطريق الحق وشفاء من أسقامهم البدنية والقلبية، أما من كفر به ففي آذانهم صمم عن سماعه، وهو عليهم زيادة في الضلال والعمى؛ لأنهم اختاروا طريق الغيّ والزيغ، فهم بذلك بمنزلة من ينادَى عليهم من مكان بعيد؛ فهم لا يسمعون داعيًا ولا يجيبون مناديًا. فقوله: (يُنَادَونَ مِنْ مكَان بَعِيد) فيه تشبيهٌ لهؤلاء الذين لا يستجيبون للقرآن، كمن جاءه الصوت من مكان بعيد خافتًا ضعيفًا لا يتبيّن السامع منه شيئًا. * ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ [سبأ: ٥١ - ٥٣]. (فزعوا) الفزع: هو الخوف المفاجئ. (فلا فوت): لا نجاة ولا مهرب. (مِنْ مكَان قَرِيب): - المكان القريب: إذا قاموا فزعين يوم القيامة من القبور إلى العرض والحساب. - وقيل: حين فزعوا مما حلَّ بهم يوم بدر فلم يستطيعوا الفرار، فإذا هم من ظاهر الأرض إلى باطنها. * ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]. (مِنْ مكَان قَرِيب) أي: من مكان قريب من الخلق والأرض، وهو إسرافيل حين ينفخ في الصور. (التناوش من مكان بعيد) أي: أنَّى لهم الوصول للإيمان الذي كفروا به بعد رحيلهم للدار الآخرة؛ فقد أصبحوا في مكان بعيد. (ويقذفون بالغيب مِنْ مكَان بعيد): يرجمون بالتخرّص بالغيب في أقوالهم الباطلة بقولهم: هو شاعر، أو ساحر، أو كاهن. ويرجمون بالظن يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار.

стр. 454

وبقذفهم هذا الباطل محال أن يصيبوا الحقيقة وهم على هذا الحال من الصدود، كما يقذف الرامي من مكان بعيد عن المرمى. * ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرا﴾ [الفرقان: ١٢]. (من مكَانِ بَعِيد): وهو أقصى ما يمكن أن تُرى منه في أرض المحشر. يدل على حِدَّة بصرها؛ فجهنم لها عينان تبصران ولسان ينطق، نسأل الله السلامة! قال ﷺ : «يخرجُ عُنُقٌ مِنَ النارِ يومَ القيامةِ لها عينانِ تُبصرانِ، وأُذنانِ تسمَعانِ، ولسانٌ يَنطقُ، يقولُ: إنِّي وُكِّلتُ بثلاثةٍ: بكلِّ جبارٍ عَنيدٍ، وبكلِّ مَنْ دعَا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وبالمصورينَ» الصحيحة (٥١٢). سورة الشورى (الشورى: ٢٥ - ٢٦) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٥ - ٢٦]. (وَيَستَجِيبُ الذِينَ آمَنُوا) لها معنيان: ١ - الله يستجيب دعاءهم؛ أي: يجيب سؤْلهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. ٢ - هم يستجيبون لله ويلبُّون دعوته، وهذا المعنى مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] أي: يستجيبون استجابة طاعة وانقياد. (الشورى: ٥٢) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. (ما كُنْتَ تَدرِي مَا الكِتَابُ): الكتاب تحتمل معنيين كلاهما صحيح: ١ - القرآن. ٢ - الكتابة. والمعنى: ما كُنْتَ تَعْلَمُ ما هو هَذا الكِتابُ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ، ولا الكتابة حتى ينسبوا إليك كتابته افتراءً، وما كُنْتَ تَدْرِي ما الإيمانُ الَّذِي هو تَفاصِيلُ هَذا الدِّينِ الإسْلامِيِّ العظيم؛ فقد كان ﵊

стр. 455

أميًّا لا يقرأ ولا يَكْتب، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وهذا أعظم برهان على نبوته ورسالته. انظر: تفسير العثيمين للآية. سورة الزخرف (الزخرف: ٥) قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]. (أفنضرب عنكم) تقول العرب: (ضربتُ عن فلان) أي: أعرضتُ عنه. (الذكر) القرآن الكريم وما فيه من تذكير وموعظة باليوم الآخر. (صفحًا) أي: تَوَلّيًا وإعراضًا. والمعنى العام: أفنترككم وشأنكم -أيها المشركون- بسبب إسرافكم في التكذيب بالرسالة التي أنزلت إليكم وهي القرآن، فنترككم وتكذيبكم، ونترك إنزال الذكر ونعرض عن إرسال الرسل، ونصفح توليًّا عنكم، ولا نبين لكم سبب وجودكم وما فرض عليكم في هذه الحياة لمجرد تكذيبكم؟! فهذا يبين رحمة الله بعباده: فرغم الإنكار والجحود والاستكبار فإن الله تعالى يأبى إلا أن يبين للناس ويقيم الحجة عليهم، ويحذرهم وينذرهم مغبّة إعراضهم. (الزخرف: ٢٦ - ٢٨) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. (وَجَعَلَهَا كَلِمَةَ بَاقِيَة فِي عَقِبِهِ) الضمير في (وَجَعَلَهَا): ١ - يجوز أنه عائد إلى إبراهيم؛ لأنه بذل السبب في ذلك بإعلانه تلك الكلمة، وبوصيته لأبنائه ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢]؛ فجعلها بذلك باقية في قومه ومن عاصره من الأمم، وتوارثها الناس بإذن الله. ٢ - ويجوز أنه عائد إلى الله؛ أي: جعلها اللهُ باقية في ذرية إبراهيم، فلم يزل منهم من يوحّد الله إلى يوم القيامة. (كَلِمَةَ) وهي كلمة التوحيد -لا إله إلا الله- المتضمنة في قوله: (إنني براء … إلا الذي فطرني).

стр. 456

(فِي عَقِبِهِ) أي: في ذريته جيلًا بعد جيل إلى يوم القيامة، ليس بالضرورة أن تعتنقها جميع الذرية، ولكنها باقية فيهم لمن أراد الله له الهداية. (لَعَلَّهُم يرجِعُونَ) أي: لعل أهل مكة يرجعون إلى الدِّين الحق الذي دعا إليه جدُّهم إبراهيم. وفيها ردٌّ عليهم؛ لأنهم يحتجُّون بدين آبائهم (قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) وإبراهيم أبوهم الأول. (الزخرف: ٢٨ - ٣٠) قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨ - ٣٠]. (بَلْ مَتَّعتُ) هذه الآية ما علاقتها بما قبلها، وهي قوله تعالى: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَة فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ)؟ فهَؤُلَاءِ هم كفار مكة رغم كفرهم وبُعدهم عن دين أبيهم إبراهيم الذي جعل الله الدِّين بدعوته باقيًا في ذريته -ومنهم كفار مكة- إلا أنهم انحرفوا وعبدوا الأوثان. (بَلْ مَتَّعتُ) ومع ذلك متّعهم الله بالحياة وبسائر الشهوات، ولم يعاجلهم بالعقوبة. (حَتَّى جَاءَهُمُ الحَقُّ وَرَسُولٌ مبِينٌ) حتى جاءهم الحق يذكرهم من جديد لعلهم يعودون للحق، وهو القرآن ودين الإسلام على يد رسوله محمد ﵊، فلما جاءهم بهذا الحق الواضح البيِّن اتهموه بأنه ساحر. (الزخرف: ٦١) قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١]. (لَعِلمٌ للسَّاعَةِ) أي: وإن نزول عيسى ﵇ لدليلٌ على قُرب الساعة وشرط من أشراطها، وهو نزوله ﵇ في آخر الزمان، وهو من العلامات الكبرى؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا: فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» صحيح البخاري (٢٤٧٦). سورة الجاثية (الجاثية: ٢٣) قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].

стр. 457

(وأضله الله على علم) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - أي: أن الله يعلم في سابق علمه أن هذا الشخص لا يهتدي، ولو جاءته كل آية لا تنير قلبه؛ فيكون المعنى: أضله بناء على علمه السابق فيه. ٢ - أي: أضله الله بعد بلوغ العلم إليه وإقامة الحجة عليه، ولكنه أعرض فختم على منافذ قلبه وسمعه وبصره فكان من أهل الضلالة؛ فضلَّ طريق الهدى، وجهل طريق الثواب والمغفرة، وزاغ عن طريق الجنة، نسأل الله العافية! * ومثلها في المعنى الأول: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] أي: اختيارنا لهم كان على علم سابق منا باستحقاقهم للاصطفاء. * ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] أي: بيّنّا فيه جميع ما ينفعهم من الأحكام والعبر على علم منا بأحوال العباد وما يُصْلحهم. (الجاثية: ٢٨) قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. (كل أمة تُدعى إلى كتابها) لها معنيان لا يتعارضان: ١ - كل أمة تُدعى في عَرَصات يوم القيامة إلى شريعة نبيهم الذي جاءهم من عند الله: هل أجابوه وأطاعوه، أم ضيعوها؟ وعلى ذلك تكون كرامتهم أو مذلتهم. ٢ - كل أمة تُدعى إلى كتاب أعمالها وما كتب فيه من خير وشر، فيجازون بأعمالهم. سورة الأحقاف (الأحقاف: ٩) قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩]. (ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) لها ثلاثة أوجه: ١ - أن النبي ﵊ قالها بمنزلة الاعتراض، لمّا أكثر عليه كفار قريش السؤال عن أمور غيبيّة استهزاء، فقال أحدهم: ناقتي ضلّتْ أين ناقتي؟ وسأل أحدهم: من أبي؟ ونحو ذلك، وكان يقولها للمشركين والمنافقين واليهود.

стр. 458

٢ - أن معناها -كما قال السعدي-: «لستُ إلا بشرًا ليس بيدي من الأمر شيء، والله تعالى هو المتصرّف بي وبكم، الحاكم علي وعليكم». ٣ - وقيل معناها: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم -يا كفار قريش- في الحياة الدنيا؛ أأخرج أم أقتَل؟ أتأمنون أم يستأصلكم الله بعذاب؟ ولا أدري بماذا سيأمرني الله وينهاني بعد ذلك، وجميع المعاني لا تتعارض. أما من قال: إنها منسوخة، واحتج بحديث البخاري في موت ابن مظعون ﵁ وغيره؛ فقد قال جمع من العلماء -منهم: ابن الجوزي وابن عاشور-: إن ما خفي عن الرسول ﷺ ثم أُعْلِم به، فليس داخلًا في الناسخ والمنسوخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يلحقه النسخ. (بِدْعًا مِنَ الرُّسُل): أي: لست بأول رسول يُرسل إلى الناس، فقد أرسل قبلي كثير. وهي من البدعة، والبدعة لغة: ما ابتُدِع ووُجِد على غير مثال سابق، ولم يُعرف من قبل؛ سواء كانت بدعة في الدِّين أو في غيره؛ يُقال: (ابتدَع الشيء) أي: اخترعه. * ومن المعنى قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] (بديع) أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق. (الأحقاف: ٢١) ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]. (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) كلمة (بين يديه) تحتمل عدة معان بحسب السياق: - ما يسبقه زمانًا، أو من كان في عصره. - ما يقترب منه مكانًا، أو من حوله. وفي الآية السابقة: (أخا عاد) هو: هود ﵇ كان من الرسل الكرام، ولم يكن مخالفًا لمن سبقه منهم؛ أي: (بين يديه) ولا لمن يأتي من بعده؛ أي: (من خلفه)؛ فرسالتهم واحدة من قَبْلِ هود ومن بعد هود. * ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١]. (وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ) وهو قول كفار مكة: لن نؤمن بهذا القرآن (ولا بالذي بين يديه) أي: ولا بالكتب المتقدمة التي جاء بها الأنبياء من قبل، ويحتمل المعنى كذلك: ولا مما سيَأتي ممَّا سيخبر به القرآن. * ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٥٠].

стр. 459

(لما بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ) أي: للكتاب الذي جاء قبلي وهو التوراة، وهو قول عيسى ﵇. * ومثلها -وقد تكرر في القرآن الكريم-: (مصدقًا لما بين يديه)، (ولكن تصديق الذي بين يديه) وجاء في سورة الأنعام (٩٢): (مصدق الذي بين يديه) أي: من جاء قبله. * أما قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]. (لما بَينَ يَدَيهَا): للأمم التي في زمانها. (وَمَا خَلفَهَا): والأمم التي تأتي من بعدها. * ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. (من بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلفِه) أي: من أمامه ومن خلفه، والمعنى: تحوطه من جميع جهاته. * ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢]. (يَعمَلُ بَينَ يَدَيهِ) أي: حاضرين أمامه. * ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. (يَسلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي: يجعل الله تعالى من أمامه ومن خلفه ملائكة يحفظونه ويحوطونه من جميع جهاته؛ لحفظ الوحي من الشياطين. (الأحقاف: ٢٦) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مكَّنَّاكُمْ فِيهِ): مكّن الله لقوم عاد وآتاهم من القوة والرزق والأموال والأسماع والأبصار؛ لكي يبصروا حجج الله، والقلوب لكي يعقلوا بها مراد الله، وجميع أسباب التمكين في الأرض. (فيما إن مكناكم فيه): فيما لم نمكنكم فيه يا كفار قريش؛ فقد كانوا أكثر وأقوى تمكينًا منكم وأعطاهم ما لم يعطكم، ولكن ما نفعهم ذلك وما دفع عنهم من عذاب الله، لمّا جحدوا نعمته وعطلوا جميع التمكينات التي كان من المفترض أن توصلهم إلى خالقهم؛ فاعتبروا بهم، ولا تكونوا مثلهم.

стр. 460

سورة الحجرات (الحجرات: ١١) * قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. * ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم﴾ [النساء: ٢٩]. * ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. عبَّر في الآيات بضمير جمع المخاطب إشارة إلى أمرين: ١ - عمق أواصر الأُخوّة، وكأن المسلمين جميعًا شخص واحد؛ فلمز الشخص لأخيه أو أكل ماله أو قتله كأنه يفعل ذلك في نفسه. ٢ - أن من فعل ذلك بأخيه فسيُفعَلُ به مثله ولو بعد حين. سورة الذاريات (الذاريات: ٨ - ٩) قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩]. (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) الإفك: هو الباطل والكذب، (يُؤفَكْ) أي: يُصْرَف عن الحق. (مختلف) أي: أقوالهم في رسول الله ﷺ مختلفة ومتناقضة؛ فهم في قول متفرق متناقض، متغير لا ثبات له، يدلُ على بطلانه وعلى الحيرة والشك؛ فمرة يقولون: شاعر، ومرة: كاهن، ومرة: ساحر … أقوال فاسدة لا تجتمع على دليل، ولا تقوم على أصل. والمعنى: أن هذا القول المختلف يُصْرَف به عن القرآن والإيمان، ويَضِل به من صُرف بسبب ارتيابه وشكه. سورة الطور (الطور: ٤) قال تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤]. له معنيان كلاهما صحيح:
следующие страницы →