Полный текст (544 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
(فِي عَقِبِهِ) أي: في ذريته جيلًا بعد جيل إلى يوم القيامة، ليس بالضرورة أن تعتنقها جميع الذرية، ولكنها باقية فيهم لمن أراد الله له الهداية.
(لَعَلَّهُم يرجِعُونَ) أي: لعل أهل مكة يرجعون إلى الدِّين الحق الذي دعا إليه جدُّهم إبراهيم.
وفيها ردٌّ عليهم؛ لأنهم يحتجُّون بدين آبائهم (قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) وإبراهيم أبوهم الأول.
(الزخرف: ٢٨ - ٣٠)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨ - ٣٠].
(بَلْ مَتَّعتُ) هذه الآية ما علاقتها بما قبلها، وهي قوله تعالى: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَة فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ)؟
فهَؤُلَاءِ هم كفار مكة رغم كفرهم وبُعدهم عن دين أبيهم إبراهيم الذي جعل الله الدِّين بدعوته باقيًا في ذريته -ومنهم كفار مكة- إلا أنهم انحرفوا وعبدوا الأوثان.
(بَلْ مَتَّعتُ) ومع ذلك متّعهم الله بالحياة وبسائر الشهوات، ولم يعاجلهم بالعقوبة.
(حَتَّى جَاءَهُمُ الحَقُّ وَرَسُولٌ مبِينٌ) حتى جاءهم الحق يذكرهم من جديد لعلهم يعودون للحق، وهو القرآن ودين الإسلام على يد رسوله محمد ﵊، فلما جاءهم بهذا الحق الواضح البيِّن اتهموه
بأنه ساحر.
(الزخرف: ٦١)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١].
(لَعِلمٌ للسَّاعَةِ) أي: وإن نزول عيسى ﵇ لدليلٌ على قُرب الساعة وشرط من أشراطها، وهو نزوله ﵇ في آخر الزمان، وهو من العلامات الكبرى؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا: فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» صحيح البخاري (٢٤٧٦).
سورة الجاثية
(الجاثية: ٢٣)
قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
стр. 457
(وأضله الله على علم) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - أي: أن الله يعلم في سابق علمه أن هذا الشخص لا يهتدي، ولو جاءته كل آية لا تنير قلبه؛ فيكون المعنى: أضله بناء على علمه السابق فيه.
٢ - أي: أضله الله بعد بلوغ العلم إليه وإقامة الحجة عليه، ولكنه أعرض فختم على منافذ قلبه وسمعه وبصره فكان من أهل الضلالة؛ فضلَّ طريق الهدى، وجهل طريق الثواب والمغفرة، وزاغ عن طريق الجنة، نسأل الله العافية!
* ومثلها في المعنى الأول: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] أي: اختيارنا لهم كان على علم سابق منا باستحقاقهم للاصطفاء.
* ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] أي: بيّنّا فيه جميع ما ينفعهم من الأحكام والعبر على علم منا بأحوال العباد وما يُصْلحهم.
(الجاثية: ٢٨)
قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨].
(كل أمة تُدعى إلى كتابها) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - كل أمة تُدعى في عَرَصات يوم القيامة إلى شريعة نبيهم الذي جاءهم من عند الله: هل أجابوه وأطاعوه، أم ضيعوها؟ وعلى ذلك تكون كرامتهم أو مذلتهم.
٢ - كل أمة تُدعى إلى كتاب أعمالها وما كتب فيه من خير وشر، فيجازون بأعمالهم.
سورة الأحقاف
(الأحقاف: ٩)
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩].
(ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) لها ثلاثة أوجه:
١ - أن النبي ﵊ قالها بمنزلة الاعتراض، لمّا أكثر عليه كفار قريش السؤال عن أمور غيبيّة استهزاء، فقال أحدهم: ناقتي ضلّتْ أين ناقتي؟ وسأل أحدهم: من أبي؟ ونحو ذلك، وكان يقولها للمشركين والمنافقين واليهود.
стр. 458
٢ - أن معناها -كما قال السعدي-: «لستُ إلا بشرًا ليس بيدي من الأمر شيء، والله تعالى هو المتصرّف بي وبكم، الحاكم علي وعليكم».
٣ - وقيل معناها: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم -يا كفار قريش- في الحياة الدنيا؛ أأخرج أم أقتَل؟ أتأمنون أم يستأصلكم الله بعذاب؟ ولا أدري بماذا سيأمرني الله وينهاني بعد ذلك، وجميع المعاني لا تتعارض.
أما من قال: إنها منسوخة، واحتج بحديث البخاري في موت ابن مظعون ﵁ وغيره؛ فقد قال جمع من العلماء -منهم: ابن الجوزي وابن عاشور-: إن ما خفي عن الرسول ﷺ ثم أُعْلِم به، فليس داخلًا في الناسخ والمنسوخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يلحقه النسخ.
(بِدْعًا مِنَ الرُّسُل):
أي: لست بأول رسول يُرسل إلى الناس، فقد أرسل قبلي كثير.
وهي من البدعة، والبدعة لغة: ما ابتُدِع ووُجِد على غير مثال سابق، ولم يُعرف من قبل؛ سواء كانت بدعة في الدِّين أو في غيره؛ يُقال: (ابتدَع الشيء) أي: اخترعه.
* ومن المعنى قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] (بديع) أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق.
(الأحقاف: ٢١)
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١].
(مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) كلمة (بين يديه) تحتمل عدة معان بحسب السياق:
- ما يسبقه زمانًا، أو من كان في عصره.
- ما يقترب منه مكانًا، أو من حوله.
وفي الآية السابقة: (أخا عاد) هو: هود ﵇ كان من الرسل الكرام، ولم يكن مخالفًا لمن سبقه منهم؛ أي: (بين يديه) ولا لمن يأتي من بعده؛ أي: (من خلفه)؛ فرسالتهم واحدة من قَبْلِ هود ومن بعد هود.
* ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١].
(وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ) وهو قول كفار مكة: لن نؤمن بهذا القرآن (ولا بالذي بين يديه) أي:
ولا بالكتب المتقدمة التي جاء بها الأنبياء من قبل، ويحتمل المعنى كذلك: ولا مما سيَأتي ممَّا سيخبر به القرآن.
* ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٥٠].
стр. 459
(لما بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ) أي: للكتاب الذي جاء قبلي وهو التوراة، وهو قول عيسى ﵇.
* ومثلها -وقد تكرر في القرآن الكريم-: (مصدقًا لما بين يديه)، (ولكن تصديق الذي بين يديه) وجاء في سورة الأنعام (٩٢): (مصدق الذي بين يديه) أي: من جاء قبله.
* أما قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦].
(لما بَينَ يَدَيهَا): للأمم التي في زمانها.
(وَمَا خَلفَهَا): والأمم التي تأتي من بعدها.
* ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
(من بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلفِه) أي: من أمامه ومن خلفه، والمعنى: تحوطه من جميع جهاته.
* ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢].
(يَعمَلُ بَينَ يَدَيهِ) أي: حاضرين أمامه.
* ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
(يَسلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي: يجعل الله تعالى من أمامه ومن خلفه ملائكة يحفظونه ويحوطونه من جميع جهاته؛ لحفظ الوحي من الشياطين.
(الأحقاف: ٢٦)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
(وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مكَّنَّاكُمْ فِيهِ): مكّن الله لقوم عاد وآتاهم من القوة والرزق والأموال والأسماع والأبصار؛ لكي يبصروا حجج الله، والقلوب لكي يعقلوا بها مراد الله، وجميع أسباب التمكين في الأرض.
(فيما إن مكناكم فيه): فيما لم نمكنكم فيه يا كفار قريش؛ فقد كانوا أكثر وأقوى تمكينًا منكم وأعطاهم ما لم يعطكم، ولكن ما نفعهم ذلك وما دفع عنهم من عذاب الله، لمّا جحدوا نعمته وعطلوا جميع التمكينات التي كان من المفترض أن توصلهم إلى خالقهم؛ فاعتبروا بهم، ولا تكونوا مثلهم.
стр. 460
سورة الحجرات
(الحجرات: ١١)
* قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١].
* ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم﴾ [النساء: ٢٩].
* ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
عبَّر في الآيات بضمير جمع المخاطب إشارة إلى أمرين:
١ - عمق أواصر الأُخوّة، وكأن المسلمين جميعًا شخص واحد؛ فلمز الشخص لأخيه أو أكل ماله أو قتله كأنه يفعل ذلك في نفسه.
٢ - أن من فعل ذلك بأخيه فسيُفعَلُ به مثله ولو بعد حين.
سورة الذاريات
(الذاريات: ٨ - ٩)
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨ - ٩].
(يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) الإفك: هو الباطل والكذب، (يُؤفَكْ) أي: يُصْرَف عن الحق.
(مختلف) أي: أقوالهم في رسول الله ﷺ مختلفة ومتناقضة؛ فهم في قول متفرق متناقض، متغير لا ثبات له، يدلُ على بطلانه وعلى الحيرة والشك؛ فمرة يقولون: شاعر، ومرة: كاهن، ومرة: ساحر … أقوال فاسدة لا تجتمع على دليل، ولا تقوم على أصل.
والمعنى: أن هذا القول المختلف يُصْرَف به عن القرآن والإيمان، ويَضِل به من صُرف بسبب
ارتيابه وشكه.
سورة الطور
(الطور: ٤)
قال تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤].
له معنيان كلاهما صحيح:
стр. 461
١ - هو بيت فوق السماء السابعة، معمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه لربهم، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة كما في الصحيح.
٢ - بيت الله الحرام، معمور بالطائفين والمصلين والذاكرين كل وقت، وبالوفود إليه بالحج والعمرة.
سورة القمر
(القمر: ١٥)
قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥].
(ترَكنَاهَا آيَة) هاء الضمير في تركناها يعود على أمرين لا يتعارضان:
١ - أبقينا قصة نوح وإغراق قومه عبرة لمن يعتبر.
٢ - أبقينا السفينة بذاتها عبرة لمن يعتبر.
سورة الرحمن
(الرحمن: ٣١)
قال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١].
(سنفرغ لكم): عبارة يستعملها العرب تحمل التهديد والوعيد، وهي تهديد ووعيد من الله تعالى للإنس والجن، لمن خالف منهم وعصى، وجاء التهديد لهما: لأنهما المكلفان بالشرائع، وهي آية تدلُّ على الرقابة المحكمة؛ بحيث لا يُفلت أحد من قبضته .
وليس المعنى أن الله تعالى مشغول وسيتفرَّغ لهم؛ فالله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ويُدَبِّر كل شيء في آنٍ واحدٍ بمشيئته.
- والفراغ في اللغة له معانٍ:
١ - فرغ من الشغل: وهو ما يمتنع على الله تعالى؛ فهو لا يشغله شيء عن شيء.
٢ - فرغ بمعنى قصَد؛ تقول العرب: (فرغت إلى الشيء) إذا عمِدت إليه وقصدته، وخصصت له يومًا أو وقتًا معيَّنا.
٣ - فرغ بمعنى أتمَّ؛ تقول العرب: (فرغت من الشيء) أي: أتممته.
стр. 462
والمراد بالفراغ في حق الله تعالى في الآية الكريمة المعنى الثاني والثالث؛ أي: سنقصد إلى حسابكم كما وعدناكم بعد الترك وطول الإمهال.
وسنتمُّ أمركم وننهيه في يوم خاص وهو يوم القيامة.
أما المعنى الأول فيمثله قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أي: خاليًا مما يشغله إلا التفكير في أمر موسى ﵇.
(الثقلان): هما الإنس والجن، وسمّيا بهذا الاسم؛ لأن لهما ثِقلًا على الأرض بما ميزهما وفضَّلهما على سائر الحيوان بالعقل والتكليف، والعرب تسمي أي شيء نفيس: ثِقَلًا.
* ومثلها في الحديث الشريف: «إني تاركٌ فيكم الثَّقلَينِ: كتابَ اللهِ وعِترتي» السلسلة الصحيحة (٣٥٦) وسمّيا ثقلين؛ لأن العمل والأخذ بهما ثقيل.
(الرحمن: ٤٦)
قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦].
(مَقَامَ رَبِّهِ) ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].
(خَافَ مَقَامِي) ومثلها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
(مَقَامَ رَبِّهِ) جميعها لها معنيان لا يتعارضان:
١ - من خاف قيامه بين يدي ربه يوم لقائه.
٢ - خاف قيام الله عليه بالاطلاع والمراقبة في كل صغيرة وكبيرة.
سورة الواقعة
(الواقعة: ٢٥ - ٢٦)
قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَاما﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦].
(سَلَامًا سَلَامًا) لها معنيان صحيحان:
١ - أي: إلا إشاعة السلام فيما بينهم فيُحَيِّي بعضهم بعضًا بالسلام.
٢ - أي: إلا كلامًا طيبًا فيه السلام وإدخال السرور والفرح بين أهل الجنة.
стр. 463
وتكرار قوله: (سَلَامًا سَلَامًا) أي: سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ؛ فهو يشير إلى التكرار والكثرة.
- فتكرار السلام؛ لأن الملائكة تسلم عليهم، وربهم يقرئهم السلام، وهم يتبادلون السلام فيما بينهم، وفي الجنة يسمعون كل ما يُطرب أسماعهم من جميل الكلام الطيب، الذي لا لغو فيه ولا تأثيم؛ فالسلام يحيط بالمكان والزمان.
(الواقعة: ٨٢)
قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
(رِزْقَكم) أي: المطر الذي أنزله عليكم.
(أنَّكم تُكَذِّبُونَ): أنكم تقولون: مطرنا بِنَوء كذا ونوء كذا، كذبًا وزورا؛ فتجعلون عطاء الله إياكم تكذيبًا له، وتنسبون العطاء إلى النَّوْءِ لا إلى الله.
و (الأنواء) تطلق على النجوم، وعلى السحب المُثْقَلة بالمطر.
سورة الحديد
(الحديد: ٢٨ - ٢٩)
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩].
(أَلَّا يَقدِرُونَ عَلَى شَيء من فَضلِ اللَّهِ) الخطاب في بداية الآية ب (يا أيها الذين آمنوا) خطاب للمؤمنين، ويحتمل أن يكون الأمر عامًّا يدخل فيه المؤمنون وأهل الكتاب، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى، فمن آمن بموسى وعيسى، ثم آمن بالنبي محمد ﷺ ، ودخل في جميع الدِّين ظاهره وباطنه، وأصوله وفروعه؛ أعطاهم الله (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، ومضاعفة الثواب.
(وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) أي: يعطيكم علمًا وهدى ونورًا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم.
(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فلا يُستكثر هذا الثواب على ذي الفضل العظيم، الذي عم فضلُه أهل السماوات والأرض.
(لئَلَّا يَعلَمَ أَهلُ الكِتَابِ) أي: لأجل أن يعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا وهم يحسدونكم على هذا الفضل.
стр. 464
(أَلَّا يَقدِرُونَ عَلَى شَيء من فَضلِ اللَّهِ) بأنهم لا يقدرون أن يحجروا على الله فضله بحسب أهوائهم وعقولهم الفاسدة، فيقولون: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، ويتمنون على الله الأماني الفاسدة؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: ١٠٩].
فأخبر الله تعالى أن المؤمنين برسوله محمد ﷺ المتقين لله، لهم كفلان من رحمته، ونور، ومغفرة رغمًا على أنوف أهل الكتاب.
سورة الممتحنة
(الممتحنة: ١٠)
قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْئَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠].
(وَلَا تُمسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ) بيَّنَ الله تعالى أن المسلمة لا تحل للكافر، وكذلك الكافرة لا تحل للمسلم أن يمسك بعصمتها ما دامت على كفرها.
ومعنى الإمساك بالعصمة: أن تكون زوجته قبل الإسلام، فإذا أسلم لا يحل له أن يبقيها في عصمته ما دامت على الكفر؛ لذلك طلق الصحابة زوجاتهم الباقيات على الكفر.
وابتداء التزويج بالكافرات من باب أولى، فهو لا يجوز إلا من أهل الكتاب، وبشروط يُرجع فيها لأهل العلم.
(وَاسألوا مَا أَنفَقتُم وَليَسألوا مَا أَنفَقُوا) أي: اطلبوا من المرتدة ما أنفقتم عليها من مهر، وليسألوا كذلك الكفار ما أنفقوا من مهور نسائهم اللائي أسلمن وهاجرن إليكم.
فائدة:
ذكر الشنقيطي ﵀ في تفسير الآية: وَمَفْهُومُ العِصْمَةِ لا يَمْنَعُ الإمْساكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَيَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ الِاسْتِمْتاعُ بِالمُشْرِكَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ.
حُرْمَةُ المُسْلِمَةِ عَلى الكافِرِ مُطْلَقًا مُشْرِكًا كانَ أوْ كِتابِيًّا عَلى التَّأْبِيدِ، وقد يسأل سائل: لِماذا حَلَّتِ الكافِرَةُ مِنْ أهْلِ الكِتابِ لِلْمُسْلِمِ، ولَمْ تَحِلَّ المُسْلِمَةُ لِلْكافِرِ مِنْ أهْلِ الكِتابِ؟
والجواب لسببين:
- لِقَوامَةِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ وعَلى أوْلادِها.
стр. 465
- لضعف المرأة؛ فقد يأمرها زوجها الكافر بما لا يحل، ولا يحترم دينها.
انظر: تفسير الآية في أضواء البيان.
سورة الصف
(الصف: ٧)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصف: ٧].
(وَهُوَ يُدعى إِلَى الإِسلَامِ) أي: لا أحد أشَدَّ ظُلْمًا مِمَّنْ يُدْعى إلى الإسْلامِ الَّذِي يُوصِلُهُ إلى سَعادَةِ الدّارَيْن، فبدلًا من الاستجابة لدعوة الحق يكون جوابه الكذب والافتراء.
والآية الكريمة تلفت الانتباه مع التحذير لأشد الناس ظلمًا، وهو الذي يكذّب ويُعرض حينما يُدعى للحق والدِّين.
فائدة:
تكررتِ الآيات الواردة بصيغة (من أظلم) وهي أربعة عشر آية؛ أي: لا أحد أشد ظلمًا منهم، وبجمعها وتدبرها نخرج بتصنيف لأشد الناس ظلمًا؛ فمن هم؟
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
* ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
* ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
* ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧].
* ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [هود: ١٨].
стр. 466
* ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبا﴾ [الكهف: ١٥].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
* ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢].
(فَمَنْ أَظلَمُ) تُجمع كلها على معنيين كلاهما صحيح:
١ - أن جميع المذكورين في الآيات هم أشد الناس ظلمًا.
٢ - أن الظلم أقسام وفئات، وأشده من كل فئة هؤلاء:
- فالكذّابون أشدهم ظلمًا: مَنْ كذبوا على الله وجعلوا معه الأنداد والشركاء.
- والمعرضون عن الحق أشدهم ظلمًا: من يُذكَّر بالله فيعرض.
- والصَّادون عن عبادة الله أشدهم ظلمًا: من منعوهم عن العبادة في المساجد.
- الكاتمون للشهادات وأشدهم ظلمًا: من كتموا شهادة الله التي في كتبهم، وهم أهل الكتاب.
- المدّعون بالباطل وأشدهم ظلمًا: من ادّعى النبوة والوحي.
- المضللون وأشدهم ظلمًا: من يضل الناس بغير علم.
فلا أحد أشدّ ظلمًا من هؤلاء، نسأل الله السلامة.
سورة القلم
(القلم: ٤)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
(خُلُقٍ عَظِيمٍ): لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - الأخلاق ومكارم الصفات؛ كما قالت عنه عائشة ﵂ حينما سئلت: يا أمَّ المؤمنين، ما كان خُلُقُ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالت: «كان خُلُقُه القرآنُ». صححه الألباني لغيره في صحيح الأدب المفرد (٢٣٤).
стр. 467
٢ - الخلق بمعنى الدِّين: أي على دين عظيم وهو الإسلام؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] أي: دين الأوَّلِين.
(القلم: ٣٧ - ٣٨)
قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٧ - ٣٨].
(إن لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) أي: هل لكم من الله كتاب تقرءون فيه، وعلمتم بواسطته أن ما تشتهونه وتختارونه سوف نعطيكم إياه؟!
والمعنى الإجمالي:
هل لكم مستند ودليل على ما تقولون؟ هل نزل إليكم من الله كتاب تقرءون فيه وتدرسونه بين أيديكم يشهد أن لكم ما تشتهون؟
أن العاصي منكم كالمطيع؟
وأنكم من أهل الجنة؟
وأن لكم ما تختارون وتطلبون لأنفسكم؟ هل أعطيناكم عهودًا على ذلك؟!
وهو سؤالٌ على وجه التقريع والتوبيخ، ومفاده: أنْ ليس لكم ذلك حقيقة.
سورة الحاقة
(الحاقة: ١٧)
قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
(وَيَحمِلُ عَرشَ رَبِّكَ فَوقَهُم يَومَئذ ثَمَانِيَةٌ) ما هو العرش؟ ومن هم الثمانية؟
(عَرشَ رَبِّكَ) العرش امتدحه الله تعالى في القرآن الكريم فقال : ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، و ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، و ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] والمجيد على قراءة صحيحة بكسر الدال: يكون صفة للعرش، وبرفعها: يكون صفة لله تعالى، ولا تعارض؛ فالله تعالى مجيد بما ينبغي لجلاله، وعرشُه مجيد.
- فالعرش نؤمن به، ونصفه بما ثبت في الكتاب وما ورد في صحيح السنة، فالعرش أعظم مخلوقات الله تعالى، والعرش يعني: سرير الملك.
стр. 468
- ولكن أين العرش؟
في العلو؛ ففوق السماء السابعة الماء، والعرش فوق الماء؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧].
وللعرش قوائم وتحمله عظام الملائكة، وجاء أنه كالقبة فوق عوالم المخلوقات كلها، وهو سقف الجنة؛ قَالَ ﵊: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» صحيح البخاري (٧٤٢٣).
- وقد خص الله العرش بشرف الاستواء عليه، وهو سبحانه بائن منفصل عنه وغير محتاج إليه؛ كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
- (ثَمَانِيَةٌ) من هم الثمانية؟
حملة العرش، وهم ملائكة غاية في العظمة والقوة، وهناك خلاف في عددهم قبل يوم القيامة:
قال ابن عثيمين ﵀ في تفسيره للآية: «والمشهور: أن حملته الآن أربعة، وفي يوم القيامة يكونون ثمانية، ومن جملة حملة العرش إسرافيل ﵇ الموكل بالنفخ في الصور».
- أما عن عِظَم خلقهم؛ ففي الحديث الصحيح: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: أَنَّ مَا بَيْنَ شحمة أُذُنَيْهِ إِلَى عَاتِقَيْهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» رواه أبو داود، وصححه الألباني في الصحيحة (١٥١).
- وهؤلاء الملائكة الكرام يسبِّحون الله لا يفترون، ويستغفرون للمؤمنين؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
انظر: متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص ٥٤)، وتفسير ابن عثيمين للآيات الواردة، ومختصر العلو للعلي العظيم للذهبي تحقيق الألباني (ص ٩٧).
(الحاقة: ٣٨ - ٤٠)
قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠].
من هو الرسول الكريم؟
(إِنَّهُ لَقَولُ رَسُول كَرِيم) المُرادُ بِهِ: الرَّسُولُ محمد ﷺ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] فهو تبرئة له من اتهامه بأنه شاعر وساحر وغيره، وأثبت له العدالة والسلامة من ذلك كله.
стр. 469
* وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٥ - ٢١].
(إِنَّهُ لَقَولُ رَسُول كَرِيم) المراد به هنا: جبريل ﵇؛ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرشِ مَكِين) وهو وصف لجبريل ﵇.
ففي سورة الحاقة المراد بالرسول الكريم: الرسول البشري، وفي سورة التكوير المراد بالرسول الكريم: الرسول الملكي، وإضافة القول إليهما -وهو كلام الله- على سبيل التبليغ. انظر: أضواء البيان للآيتين.
سورة المعارج
(المعارج: ٤)
قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
- توجيه التعارض الظاهر فيما ورد من أن يومًا بألف سنة، ويومًا بخمسين ألف سنة:
اختلف في ذلك المفسرون كثيرًا، ونوجز أهم ما قالوا في التالي:
١ - تعرج الملائكة والأرواح إلى الله في مسافة مقدارها خمسون ألف سنة من سنوات الدنيا، ابتداءً من الأرض حتى وصولها إلى ما تنتهي إليه من الملأ الأعلى عند العرش.
٢ - وقال كثير من المفسرين أن هذا العروج في موقف يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة؛ ففي الصحيح: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ: إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». صحيح مسلم (٩٨٧).
لكن الله تعالى يخففه على المؤمن كما بين صلاة الظهر والعصر، كما جاء في السنَّة: «يومُ القيامَةِ على المؤمنينَ كقدْرِ ما بينَ الظُّهرِ والعصرِ» صحيح الجامع (٨١٩٣)، لكن يبقى إشكال أن يوم القيامة تنزل فيه الملائكة إلى أرض المحشر ولا تعرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] فقد يكون العروج قبله أو بعده، وقد جاء في مجمل السُّنة أن الخمسين ألف سنة ليست لشيء واحد فحسب؛ فعروج الملائكة للعرش في يوم مقداره خمسين ألف سنة من حساب البشر، ويوم القيامة على الكافر مقداره خمسين ألف سنة. انظر: توضيح المقاصد شرح الكافية الشافية نونية ابن القيم (١/ ٤٠٦).
стр. 470
- أما في الآيات التالية فجاءت المدة ألف سنة:
* ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] أي: أن اليوم عند الله تعالى بألف سنة عند البشر.
* ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] وأن ما مقداره ألف سنة هو عروج الملائكة من الأرض إلى السماء الدنيا.
أي: أنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ ويَصْعَدُ في يَوْمٍ واحد مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ (مِمّا تَعُدُّونَ) أي: مما تَحْسِبُونَ مِنْ أيّامِ الدُّنْيا، ولَوْ سَارَه غَيْرُ الْمَلَكِ لكان أَلْفَ سَنَةٍ، لكن الملائكة تصعد في طرفة عين.
وقد يرد سؤال: كيف نوفق بين العروج في هذه الآية ألف سنة، وفي الآية الأولى على التفسير الأول مقداره خمسين ألف سنة؟
والجواب -كما ذكر كثيرٌ من المفسرين-: أن العروج من الأرض إلى السماء الدنيا بألف سنة، والعروج من الأرض إلى العرش بخمسين ألف سنة؛ وذلك لما جاء في السنَّة أن «العرش مسيرة خمسين ألف سنة». انظر: موسوعة العقيدة للألباني (٧/ ٦٧٩).
(المعارج: ٣٢ - ٣٣)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٢ - ٣٣].
(بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) شهادات: لفظ مطلق يشمل جميع الشهادات المتنوّعة، وأول شهادة فيه هي شهادة التوحيد، ثم شهادات البيع والطلاق والنكاح والدَّيْن، وغير ذلك.
(قائمون) أي: مقيمون عليها لا ينكثونها ولا يكتمونها، ولا يزيدون فيها ولا ينقصون منها.
فالقيام بالشهادة من صفات المؤمن؛ لأن القيام بها هو إقامة ميزان العدل، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧].
وعدم القيام بها خيانة، كما ذمَّ الله من يكتم الشهادات والعهود، فقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
* ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْأثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
* ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠].
- ومن مواطن الشهادة الواردة في الكتاب والسنة:
الْأَوَّلُ: الْإِشْهَادُ في البيع: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 471
الثَّانِي: الطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
الثَّالِثُ: كِتَابَةُ الدَّيْنِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
الرَّابِعُ: الوصية عند الموت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
الْخَامِسُ: دفع مال اليتيم إليه إذا رَشَدَ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦].
السَّادس: -فِي السُّنَّةِ- عَقْدُ النِّكَاحِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وشاهدي عدل» صحيح الجامع (٧٥٥٧).
وفي زيادة (شاهدي عدل) اختلاف عند العلماء. انظر: تفسير الآية في أضواء البيان.
سورة نوح
(نوح: ١٠)
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا﴾ [نوح: ١٠].
الاستغفار في القرآن على أربعة أحوال:
١ - الاستغفار بمعنى: التوبة والرجوع عن الكفر، وهو طلب الأنبياء من أقوامهم؛ كما في الآية السابقة قوله تعالى -حكاية عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا﴾ [نوح: ١٠]: المخاطب هنا الكفار من قوم نوح؛ فمعنى الاستغفار: هو التوبة من الكفر، فالاستغفار هنا طلب الإيمان لمن لم يحقق التوحيد.
* ومثلها: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] وهو طلب النبي ﵊ من أهل مكة الرجوع إلى الإيمان بالله، ثم التوبة من الذنوب.
ودليل ذلك قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا﴾ [الأنفال: ٣٨] يعني بالتوبة: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهكذا الاستغفار لكل من لم يحقق التوحيد فهو التوبة من الكفر، وهو كثير في كتاب الله.
٢ - استغفار من المؤمن، وهو نوعان:
стр. 472
- استغفار بعد الذنب، وهو المعروف بطلب العفو والستر؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
- الاستغفار بعد الطاعة لتكميلها من التقصير فيها: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩].
٣ - استغفار الرسول ﷺ ، ويراد به:
- الاستغفار من التقصير وعدم التأني: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيما﴾ [النساء: ١٠٦] وهو عندما همّ النبي بالدفاع في قضية ظن فيها أن الحق مع الظالم، فنزلت آية تبين له الصواب: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيما﴾ [النساء: ١٠٥].
- طلب الأفضل والأكمل، فهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].
- ليُستنَّ به فيلزم المؤمنون الاستغفار في كل الأحوال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
سورة الجن
(الجن: ٦ - ٧)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدا﴾ [الجن: ٦ - ٧].
(وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لن يَبعَثَ اللَّهُ أَحَدًا) مَنْ الذين ظنوا؟ ومن المخاطب ب (ظننتم)؟
قوله: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ) يحتمل معنيين:
- المعنى الأول: أن يكون من قول الجن بعضهم لبعض: إن رجالًا من الإنس ظنوا كما ظننتم يا
معشر الجن.
- المعنى الثاني: أن يكون من قول الله تعالى -والخطاب للكفار-: إن رجالًا من الجن ظنوا كما ظننتم يا
معشر الكفار.
(أَنْ لن يَبعَثَ اللَّهُ أَحَدًا) لها معنيان كذلك لا يتعارضان:
стр. 473
١ - لن يبعث الله رسولًا إلى خلقه بعد هذه المدة: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ [غافر: ٣٤].
٢ - لن يبعث الله أحدًا بعد موته؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨].
سورة المزمل
(المزمل: ٢٠)
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ [المزمل: ٢٠].
الآية نزلت بعد أن كان قيام الليل فرضًا بقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢]، فنُسخ بقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فنزلت الآية بالتخفيف، وهو نسخ فرضية القيام بالليل بفرض الصلوات الخمس.
(فَاقرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - فصلّوا ما تيسر من القيام نافلة وليس واجبًا، وعبّر عن الصلاة بالقرآن: لأنه أعظم أركانها.
٢ - فاقرءوا ما تيسر لكم من القرآن تلاوةً خارج الصلاة وفي الصلاة.
(فتاب عليكم) التوبة هنا ليست من ذنب، ولكن تعني: رخَّص لكم، وخفف ورفع الحرج عنكم.
سورة القيامة
(القيامة: ١٨)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨].
(فَإِذَا قَرَأْنَاهُ): فإذا قرأه جبريل عليك.
(فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ): فاستمع إليه واتبع قراءته كما سمعته يقرؤه.
стр. 474
فائدة:
فهذه ثلاث خطوات يسرها الله لنبيه الكريم ﷺ ؛ لكي لا يعجّل في حفظه واستيعابه:
١ - (إن علينا جمعه وقرآنه): علينا جمعه في صدرك حفظًا، وسنجريه على لسانك تلاوة.
٢ - (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه): فاستمع إليه واتبع قراءته كما سمعت جبريل يقرؤه.
٣ - (ثم إن علينا بيانه): علينا بيان كل ما يُشكل عليك من معانيه وأحكامه وحلاله وحرامه، وعلينا تبيانه على لسانك للناس فلا تقلق؛ فوعده الله بحفظ لفظه وحفظ معانيه.
وهنا تتجلى فائدتان عظيمتان كما بينهما الشيخ السعدي ﵀ وهما:
١ - أدب الاستماع للعلم، وبعد الفراغ منه يسأل عما يشكل.
٢ - أن النبي ﷺ بيَّن للأمة ألفاظ القرآن وبيَّن لهم معانيه؛ لكي لا يظن ظان أن النبي لم يبيّن معاني القرآن؛ فكل ما أشكلَ على الصحابة بيّنه ووضحه.
(القيامة: ٢٩)
قال تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩].
(السَّاقُ بِالسَّاقِ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - الساق من أطراف الإنسان.
والمعنى: التفاف ساقي الميت في كفنه، وفيها تذكير بأن هاتين الساقين اللتين كنت تمشي بهما وتنقلانك من مكان إلى مكان، سيأتي عليهما يوم فلا تخدمانك، ولا تستطيع الفرار بهما من صعوبة حالك؛ فلا تحركانك من مكانك.
٢ - اجتماع شدة الدنيا وكربها بشدة الآخرة.
فهو التفاف البليّة بالبليّة، واجتماع الدنيا بالآخرة؛ فالناس في سياق تجهيز بدنه، والملائكة في سياق تجهيز روحه، وفي اجتماع المعنيين إثراءٌ للمعنى، وإجلاءٌ للأمر.
стр. 475
* ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢].
(يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) معنى الآية: يَكشف ربُّنا ﵎ عن ساقه الكريمة يوم القيامة على الحقيقة، بغير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف، وبما يليق بجلاله ؛ فيسجد له كل مؤمن به.
وهذا هو تفسير الآية الأول، والأظهر لوجود حديث صحيح يؤيد هذا التفسير، ولو لم يوجد هذا التفسير لها في السُّنّة لحَرُمَ علينا أن نضيف إلى الله ما لم يضفه إلى نفسه كما ذكر ابن عثيمين في تفسيره.
فقد جاء في صحيح البخاري قوله ﷺ : «يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا» (٤٩١٩) ففيه إثبات السّاق لله بما يليق بجلاله.
مع أن معنى الآية لا يتعارض مع كون السَّاق في اللغة تدل على شدة الأمر؛ لأنها جاءت نكرة وغير مضافة إلى الله تعالى كما وردت في الحديث.
ولعلَّ هذا من أسرار القرآن الكريم؛ ليتسع المعنى لكل ما يحتمله اللفظ: فيوم القيامة كذلك يُكْشَفُ فيه عن شدة وكرب، وتتكشف فيه أمور عظيمة.
والعرب تقول مجازًا: (كشفت الحرب عن ساقها)؛ تصويرًا للحرب بأنها بدأت تشتد وتُكشّر عن أنيابها.
* ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
(وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا) أي: كشفت عن أقدامها لتخوض ما ظنته ماء، وهو معنى الساق حقيقة لا مجازًا.
(القيامة: ٣٤ - ٣٥)
قال تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥].
(أَولَى لَكَ فَأَولَى) كلمة تهديد، ولها معنيان:
١ - أنها دُعاءٌ عليه؛ كقول: (وَيْلٌ لَك).
٢ - أي: الهلاك أجدر وأحق بك فانتظره.
* ومثلها: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠)﴾ [محمد: ٢٠].
(فَأَولَى لَهُمْ):
١ - أنها دعاء؛ أي: (ويل لهم).
стр. 476
٢ - أنها خبر لمبتدأ محذوف سبق ذكره، وهو الموت لَمّا قالَ: (نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ) بمعنى: فالمَوْتُ أجدر وأحق بهم.
سورة المرسلات
(المرسلات: ٣٢ - ٣٣)
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢ - ٣٣].
اختلف المفسرون في تفسير الآيتين على معنيين مشهورين:
- المعنى الأول:
كالقصر؛ أي: كالحصون والقصور، ونُسب مثل هذا القول لابن مسعود ﵁.
(جِمالة صُفْر):
جِمالة: جمع جَمَل، مثل: حجر وحِجارة.
صُفْر: تطلق كلمة صفر عند العرب على اللونين الأصفر والأسود.
وبما أن السنة قد بينت أن جهنم سوداء مظلمة؛ فعن أبي هريرة موقوفًا قال: «تَحسبون أنَّ نارَ جهنَّمَ مثلَ نارِكم هذهِ! هيَ أشدُّ سَوادًا من القارِ» وفي رواية: «القار: الزفت» صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٦٦) ولذلك رجح العلماء أنها ترمي بشرر أسود.
فالآيتان الشريفتان تضمَّنتا تشبيهًا لشرر جهنم من ثلاث جهات:
١ - الحجم كالقلاع والقصور.
٢ - والشكل كالجمال، وهو مما يزيد المنظر رعبًا حيث يشعر الرائي وكأنها حيوان عظيم يقترب منه.
٣ - واللون وهو السواد، وقيل: مائل للصُّفرة، والله تعالى أعلم.
- المعنى الثاني:
(كالقصر): أي كجذوع الشجر، أو قطع الخشب العظيمة.
(جِمالة): وردت في قراءة صحيحة: (جُمالة) بضم الجيم، مما يعطي معنى آخر: وهو الحبال الغليظة تكون في مجموعها وغِلَظِ حجمها وسماكتها كأوساط الرجال.
ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح عن عبد الرحمن بن عابس، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، (تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصَرِ)، قَالَ: «كُنَّا نَعْمِدُ إِلَى الخَشَبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ، فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ، (كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ): حِبَالُ السُّفُنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ» صحيح البخاري (٤٩٣٣).
стр. 477
سورة عبس
(عبس: ١٨ - ٢١)
قال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ [عبس: ١٨ - ٢١].
(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ):
لها معان بحسب عود الضمير، ولا تعارض فيها بل تزيد المعنى إثراءً:
١ ثم السبيل يسره الله للإنسان فهو مقّدّر له (من أول ولادته وسبيل خروجه من بطن أمه إلى أن شق طريقه في الحياة وجميع دنياه وآخرته).
٢ ثم السبيل يسّر الله الإنسانَ لسلوكه وهداه إليه؛ فكلٌ ميسر لما خلق له ولما جُبل عليه واختاره من خير وشر،
كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣ - ٤].
فالسُّبُل من خير وشر ميسّرة، والإنسان فيها مُسيّر في أمور ومُخيّر في أخرى.
فالسبيل مُيسّر: سواء المسيّر منه مما ليس فيه للإنسان يد، وكذلك السبيل المخيّر فهو أيضًا مُقدّر ومرسوم لكل إنسان بحسب علم الله السابق بذلك الإنسان واختياراته في جميع حياته وما سيحدث له من تداعيات وآثار لاختياراته من خير وشر.
والإنسان ميسّر لسلوك تلك السبل بما أعطاه الله موارد ومن عقل وإرادة وآلة الحركة والفعل والاختيار.
سورة الانشقاق
(الانشقاق: ٦)
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
(كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا): كدح الإنسان: هو عمله، سمي العمل كدحًا: لأنه مؤثر في صاحبه؛ تقول العرب: (تكدّح الجِلد) أي: تخَدّش، و (الكدوح): هي آثار الجروح.
والمعنى: يا أيها الإنسان، إنك عاملٌ أعمال خير أو شر، وستلقى بها الله يوم القيامة فيجازيك عليها.
فكدح الإنسان وعمله مؤثرٌ في صاحبه كتأثير الكدح على الجلد، مؤثر في سلوكه، مؤثِّر في أخلاقه، مؤثر في عقيدته وعبادته …
- فَكَدحٌ يخدش، وكدحٌ يجرح، وكدح يملأ الوجه سوادًا وظلمة.
- ومن الكدح ما يصقل صاحبه فيلقى ربه ليس عليه خطيئة.
فينبغي للمؤمن ألا يكدح كدح الدابة، بل يخطط ويختار ما يؤثر فيه إيجابًا، وما يضيء وجهه نورًا يوم القيامة.
стр. 478
(الانشقاق: ١٩)
قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩].
(طبقًا عن طبق) يخاطب الله الناسَ بعد أن أقسم بالشّفق، والليل وما جمع في طيات ظلامه من خير وشر، والقمر في اكتماله؛ بأنهم سيتنقلون في أطوار ومراحل متعددة، ومن حال إلى حال:
- من أحوال الزمان وما يصيب الإنسان فيه من تغيرات.
- ومن أحوال المكان وما يجري عليه من انتقال من مكان لآخر.
- ومن أحوال الأبدان وما يحصل فيها من أطوار النمو والهرم، والمرض والفتوة والشباب …
- ومن أحوال القلوب وما تتقلب فيه بين الحق والباطل، والنعمة والنقمة، ثم يرجعون إليه ويحاسبون. انظر: تفسير العثيمين.
سورة الفجر
(الفجر: ١ - ٣)
قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١ - ٣].
(وَلَيَالٍ عَشر): الراجح فيها أنها العشر الأُوَل من ذي الحجة.
(وَالشَّفعِ وَالوَترِ): قال فيها المفسرون كثيرًا من التأويلات؛ منها ما ورد في حديث ضعيف: أن الشفع يوم النحر؛ لأن الله أقسم قبلها بعشر ذي الحجة، والوتر يوم عرفة، والحديث لا يرقى للصحة.
فالراجح أن الله تعالى أقسم بالشفع والوتر ولم يخصص؛ فالمعنى يعمُّ كل شفع ووتر في الكون كله:
- فالشفع: كل زوج من الأشياء.
- والوتر: كل فرد.
فهو قسَمٌ بكل زوجٍ وفرد.
ويحتمل كذلك أن يكون (الشفع): هم الخلق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩].
(والوتر): هو الله تعالى؛ لما ورد في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ وِتْرٌ، يُحِبُّ الْوِتْرَ» صحيح مسلم (٢٦٧٧)، وانظر: تفسير العثيمين للآية.
стр. 479
(الفجر: ١٦)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦].
(فَقَدر عليه رزقه) قدر عليه يعني: ضيق عليه رزقه وقتّر عليه فيه؛ تقول العرب: (قدَرْت على فلان) أي: ضيّقْتُ عليه؛ فالقَدْر هنا من التضييق والتشديد، وليس من القُدرة والاستطاعة.
* ومثلها: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا﴾ [الطلاق: ٧].
(وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) أي: من ضُيِّق عليه في الرزق فكان قليل المال، فلينفق بقدر حاله.
* وكذلك قوله تعالى -وقد تكررت هذه الآية في القرآن الكريم-: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠]، (وَيَقْدِرُ) أي: ويضيِّق الرزق ويقتّره على من يشاء.
* أما في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
(فَظَنَّ أَنْ لن نقْدِرَ عَلَيْهِ) لها معنيان لا يتعارضان:
١ - من الضيق؛ أي: لن نضيِّق عليه ونعاقبه بما فعل.
٢ - من التقدير والقضاء؛ أي: لن نُقَدّر عليه عقابًا بسبب ما فعل.
سورة الغاشية
(الغاشية: ٨ - ٩)
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨ - ٩].
(لسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) لسعيها في طاعة الله، ورؤية الثواب وحسن العاقبة أصبحت راضية يوم القيامة؛ لأنه أوصلها إلى النعيم ومرضاة الله، فهي وجوه ناعمة بما وجدت من نعيم، وراضية بثواب سعيها بما وجدت من رضوان.
فائدة:
خص الوجوه بالذكر والمراد أصحابها؛ لأنها مكان السمع والبصر، ومكان الخضوع والانقياد، وعلامات السعادة والشقاء والفرح والسرور إنما تظهر على الوجوه.
في هاتين الآيتين العظيمتين يتلخص حال أهل السعادة التي يجدونها ظاهرًا وباطنًا:
стр. 480
- فالوجوه والأبدان ناعمة، وهي المتعة والرفاهية البادية على ظواهرهم.
- والرضا القلبي عن السعي والعمل بعد أن وجدوا ثوابه، وهو قمة السعادة والسرور الكامنة في دواخلهم .. نسأل الله من فضله!
سورة البلد
(البلد: ٦ - ١٦)
قال تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ٦ - ١٦].
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) ما هي العقبة؟ وكيف يكون اقتحامها؟
أصل العقبة: هي الطريق الوعر شديد الخطورة، أو مانع أو عائق يحول دون بلوغ الشيء.
ويمكن جمع أقوال المفسرين بأنها عقبة يوم القيامة، وما يعوقها من ذنوب وشهوات؛ فهي عقبة كبرى، وهناك عقبات تقف دون اقتحامها، وهي:
١ - عقبة يوم القيامة وأهوالها؛ كالنار والصراط.
٢ - عقبة الذنوب بعامة، ومنها: الشح والبخل التي تكونت من استرسال النفس مع الهوى والشيطان.
فما قبل الآية يتحدَّث عن ذلك الإنسان المسرف الذي أنفق الأموال وأسرف على نفسه، ونسي ما أنعم الله عليه: من عينين يبصر بهما، ولسان وشفتين ينطق بهما ويتغذى بهما، وبين له طريق الخير والشر.
- فهلّا اقتحم العقبة؟ هلّا وضع في حسبانه اقتحام واجتياز العقبة العظمى؟
فمن اتبع هواه وأسرف على نفسه ولم يؤدِّ حق ربه، فأنى له أن يستطيع اقتحام هذه العقبة؟! بل سيقع فيها، فاقتحامها بعد عفو الله يكون بالأربع المذكورة في السورة:
١ - بالإيمان وأداء حق الله في أمواله، وغيره من الأعمال الصالحة.
٢ - بفك الرقبة وعتقها من الاستعباد والرِّق ومن الأسر.
٣ - بالصدقة والإنفاق في سبيل الله.
٤ - بالتّواصي بالصبر والمرحمة.
انظر: (منفكين) في حرف الميم.
стр. 481
سورة التين
(التين: ٢)
قال تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢].
الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇.
(سِينِينَ) قيل: هو اسم المكان الذي فيه الجبل، وقيل: وصف للجبل أنه كثير الشجر.
ويُقالُ لَهُ أيضا: طُورُ سَيْناءَ؛ ﴿وَشَجَرَة تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْأكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
أما موقع جبل الطور: فلا يهمنا الاشتغال به، وفي الحقيقة توجد ثلاثة من الجبال جميعها تسمى جبل الطور:
١ - ذكر القرآن الكريم أن جبل طور سيناء يُنبت الزيتون: ﴿وَشَجَرَة تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْأكِلِينَ﴾ وهذا الوصف يتوافق مع جبل الزيتون الذي يقع في فلسطين قرب القدس الشريف؛ حيث إنّه لا يُعرف عن الجبل الموجود في شمال جزيرة العرب ولا في مصر وجود شجر الزيتون؛ لذلك فإنّه قد يكون الجبل المقدّس المقصود في القرآن هو الموجود في القدس الشريف.
٢ - جبل الطور بسيناء مصر.
٣ - جبل الطور بالعقبة قرب تبوك؛ حيث كانت مدينة مَدْيَن قوم شعيب ﵇.
والموضوع يحتاج إلى أدلة؛ وليس هناك قول فصل.
سورة البينة
(البينة: ٢ - ٣)
قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣].
(صُحُفًا مُطَهَّرَة، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَة):
كيف تكون صحفًا فيها كتب؟
وما المقصود بالكتب؟
الكتب: هي الشرائع والأحكام، أي: فيها أحكام وأوامر مستقيمة عادلة.
والمعنى الإجمالي:
стр. 482
أخبر الله تعالى أن المشركين لم يكونوا تاركي كفرهم وضلالهم حتى تأتيهم بينة وحجة واضحة، وتلك الحجة هي الرسول محمد ﷺ وما أُنزِل عليه من الصحف المطهرة وهي القرآن؛ مطهرة من الباطل: فيها أحكام وشرائع عادلة مستقيمة تبيّن الحق من الباطل.
стр. 483
باب معاني الحروف في القرآن الكريم
стр. 484
أثر دخول حرف الجر «الباء» على المعنى (١)
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠].
(جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ) الباء هنا لها معنيان كلاهما صحيح:
١ - باء المصاحبة؛ أي: جاءكم الرسول محمد ﷺ مبعوثًا من عند الله حقًّا لا ريب فيه.
٢ - باء التعدية؛ أي: أنه جاء بدين الإسلام إليكم وهو الدِّين الحق.
- وهذا من بلاغة القرآن الكريم واتساع معانيه بحرف واحد.
* ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩].
تحتمل معنيين كلاهما صحيح:
١ - أن إرسالك حق.
٢ - أن ما أُرسلتَ به حق.
* ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٢].
الباء كذلك هنا للمصاحبة وللتعدية:
١ - أي: أنزلنا إليك الكتاب حقًّا من عند الله بلا ريب.
٢ - وأن كل ما اشتمل عليه القرآن فهو حق.
* ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣].
(وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ):
١ - أن الكتاب نازل من عند الله حقًّا.
٢ - أن ما في الكتاب كله حق وصدق.
* ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].
(نَتلُوهَا عَلَيكَ بِالحَقِّ):
١ - جاءت من عند الحق سبحانه.
٢ - متضمِّنة للحق والصدق؛ فكل ما فيها حق.
стр. 485
* ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩].
(بِالحَقِّ):
١ - أنها جاءت بالموت حقًّا لا شك فيه.
٢ - أنها جاءت بما تُوُعِّدَ به وما وُعِدَ به مما يتبعه: فإن كان مؤمنًا بُشِّرَ بالجنة، وإن كان كافرًا بُشِّرَ بالنار، أعاذنا الله منها!
- وكذلك جميع آيات: (أرسلناك بالحق)، و (أنزلنا عليك الكتاب بالحق)، و (جاء بالحق) وما في حكمها، وهي مكررة في كتاب الله الكريم جميعها تشير إلى هذين المعنيين.
* كذلك قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
الباء في (به) على المصاحبة وعلى التعدية؛ فيكون المعنى:
١ - (نزل) القرآن بمصاحبة الروح الأمين جبريل ﵇؛ ففعل (نزل) يعود للقرآن الكريم، وكونه بصحبة الأمين مزيد تأكيد على حفظه وحمايته.
٢ - (نزل به) بمعنى: أنزله، وفي قراءة بتشديد الزاي؛ ففعل (نزل) يعود لجبريل وهو الفاعل؛ فالتقدير: نزّل جبريل القرآن؛ ويؤيّده قوله تعالى: (قل نزله روح الْقُدس من رَبك) [النحل: ١٠٢] وفي تقديم جبريل مزيد تشريف لهذا الملك الكريم مع كونه أمينا وحافظا عليه.
* * *
أثر حرف الجر «الباء» على المعنى (٢)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٥ - ٦].
(يَشرَبُ بِهَا) المعنى الذي يتبادر إلى الذهن أن المراد: يشربون منها، ولكن استعمال (الباء) للإلصاق هنا بدلًا من حرف (من): يُضَمِّن المعنى معنًى زائدًا؛ أي: يرتوون بها ويشربونها صِرفًا.
فبداية الآيات تتحدَّث عن فئة الأبرار يشربون من خمر ممزوجة بطعم الكافور، وهذا الكافور هو اسم لِعَيْن في الجنة يشربها عباد الله صِرفًا، وعباد الله هم المقربون الأعلى درجة من الأبرار.
قال ابن القيم ﵀: «فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صِرفًا أن شراب الأبرار يمزج منها؛ لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله فأخلص شرابهم». حادي الأرواح (ص ١٨٤).
стр. 486
* ومثلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
(وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم) الباء للإلصاق؛ أي: ألصقوا المسح بالرؤوس.
(وأرجلكم) لها معنيان:
١ - أي: وأرجلكم فامسحوها إلى الكعبين إن كانت في الخفّ أو الجوارب.
٢ - أي: وأرجلكم فاغسلوها إلى الكعبين، ولم يذكر الغسل ولكن بينته السُّنَّة.
(فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم) الباء لِلْإلْصاقِ؛ أي: ألْصِقُوا المَسْح على الوجوه والأيدي بالصعيد الطاهر في التيمم.
* أما عن الباء في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرا﴾ [الفرقان: ٥٩].
(فَسال بِه خَبِيرًا) من بلاغة القرآن استعمال (الباء) مكان (عن): لتضمين مَعْنى العناية والاهتمام.
فالباء تضمنت زيادة في المعنى؛ أي: اسأل عن الرحمن مَنْ كان بأسمائه وصفاته وأفعاله خبيرًا، بخلاف ما لو استُبدلت ب (عن) فقد يتقلص المعنى، فيكون السؤال عن وجوده أو عن الإيمان به، أما الباء: فالسؤال بها فيه استقصاء لكل ما يُعرّف بالرحمن ﷻ .
وليس أحد بأخْبَر من الله تعالى من نفسه، وفي هذه الآية أخبر تعالى عن نفسه أنه الرحمن وأنه على العرش؛ ولذلك قال ابن عثيمين ﵀ في تفسير الآية: (هذه الآية تَشْهَد لمِا عليه أهلُ السنَّة والجَماعَة من أن أَسْماءَ اللَّهِ وصفاتِه تَوْقِيفيَّةٌ، لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يُثْبِتَ منها إِلَّا ما أَثْبَتَهُ اللَّه ورسوله؛ يَعْنِي أن وصفَ اللَّهِ تَعَالَى لا يَكُون إِلَّا بِحَسَبِ ما عَلِمْنَاهُ منه، فلا يُمْكِن أنْ نَصِفَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا لم يَصِفْ بِهِ نفسَه).
وللجملة المباركة معنى آخر يحتمله النص المبارك، ذكره جمع من المفسرين؛ أي: اسأل من بسؤاله خبيرًا. والمعنى: اسأله هو تجده خبيرًا بكل شيء وتقلبك في أحوالك وجميع أمورك؛ وكأنك تقول: إسأل فقد سألت الخبير.
стр. 487
* وفي قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١].
المتبادر إلى الذهن أن تكون سأل عن عذاب سيقع، ولكن السؤال هنا بمعنى: الدعاء، فالباء للتعدية؛ أي: دعا داعٍ بعذاب.
فائدة:
للباء معانٍ شتّى في اللغة:
١ - للمصاحبة: بمعنى (مع): ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦].
٢ - للظرفية: بمعنى (في): ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] أي: في وقت السَّحَر.
* ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] أي: في موقعة بدر.
* ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] أي: في مكة.
٣ - للاستعانة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] أي: اقرأ مستعينًا بربك.
* ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي: يطير مستعينًا بجناحيه.
٤ - للتبعيض: بمعنى (من): ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] أي: يَأْمُرُونَ بِأنْ تحضر لهم من كل أنواع الفاكِهَة فَيُجابُونَ.
٥ - للإلصاق: ذُكرت سابقًا.
٦ - للتعدية: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧].
٧ - للتعليل والسببية: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤] أي: بسبب ذنبهم.
٨ - للتوكيد: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
٩ - باء المجاوزة: بمعنى (عن): ذكرت سابقًا.
١٠ - باء العِوض: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥].
١١ - باء الاستعلاء: بمعنى (على): ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِما﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: منهم الأمين الذي إن تأمنه على قنطار -والمقصود: على مال كثير- يرده بلا نقص، ومنهم الخائن الذي إذا أمّنته على دينار -أي: مال قليل- لا يرده إلا ما دمت مُلحًّا عليه في الطلب لاسترجاع أموالك
١٢ - باء البدل: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. باعوه بعوض قليل زاهدين فيه
стр. 488
١٣ - باء القسم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩].
انظر: موسوعة معاني الحروف للدكتور علي سلمان (ص ٧٢ - ٧٥).
* * *
أثر حرف الجر «الباء» على المعنى (٣)
قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤].
(بعلم الله) تحتمل المعاني التالية بسبب دخول حرف الباء:
١ - الباء ظرفية؛ أي: أنزل من عِنْدِ الله، وليس من عند محمد ﵊.
٢ - الباء للتبعيض؛ أي: كلُّ ما فيه من علم الله وليس مفترًى على الله.
٣ - الباء للمصاحبة: أُنزل بإحاطة الله وعلمه وإذنه.
* * *
من معاني حرف «بلى»
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨].
(بلى) حرف جواب يأتي لأحد معنيين:
١ - لإبطال نفي سابق؛ كما قال تعالى في الآية السابقة: (مَا كُنَّا نَعمَلُ مِنْ سُوءِ بَلَى) أي: بلى كنتم
تعملون السوء.
* ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠] أي: بلى نسمع.
* ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] أي: بلى ستمسكم النار؛ لمجيئ قوله تعالى قبلها: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [البقرة: ٨٠]، وهكذا في باقي الآيات المشابهة.
* ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
٢ - جواب إبطال لنفي مقترن باستفهام: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].
* ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر: ٥٠].
* * *
стр. 489
معنى حرف الجر «في» (١)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨].
(مَنْ فِي النَّار) المقصود به -والله أعلم بمراده-: موسى ﵇.
والمعنى: بارك الله من في مكان النار؛ لأن نورها أحاط به فصار في محيطها، إذْ لو أنه فيها لاحترق.
ومن بركتها: أن الله تعالى جعلها موضعًا لتكليم موسى وندائه وإرساله.
(وَمَنْ حَوْلَهَا) أي: الملائكة، وقيل العكس: (مَنْ فِي النَّارِ): الملائكة، (وَمَنْ حَوْلَهَا): موسى وأهله وهناك احتمال آخر: (وَمَنْ حَوْلَهَا): البلاد التي حول هذه النار، وهي بلاد الشام المباركة.
فائدة:
* أما في قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢].
* ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
هل النبي ﵊ بُعِث لمكة وما حولها فحسب؟
(وَمَنْ حَولَهَا) أي: أهْل مَكَّة ومن حولها من العرب، ثم يسري هذا الإنذار إلى سائر الخلق، فلو قلنا:
(من حولها): هي الأرض كافّة لكان هناك إشكال، ولكن فنّده ابن عثيمين ﵀ في تفسير الآية بقوله: «وعلى هذا فنقول: المراد بالإنذار: الإنذار المباشر، والإنذار المباشر من النبي ﵊ ما كان إلا لأمّ القرى ومن حولها؛ ولهذا ما فُتحت الشام ولا العراق ولا مصر في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان الجزيرة فقط؛ وعليه فيكون المراد بقوله: (تُنْذِرُ) الإنذار الذي تم في حياته ﵊، فإنه لم يشمل إلا أمّ القرى ومن حولها» انتهى.
وهذا لا ينافي عالمية الرسالة ووجوب التبليغ للناس كافة؛ كما قال تعالى في غير آية:
* ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
* ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] بما فيهم الإنس والجن.
* ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
* * *
стр. 490
معنى حرف الجر «في» (٢)
حرف الجر (في) أتى في القرآن في ثلاثة مواقع قد تشكل على القارئ:
* قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفا﴾ [النساء: ٥].
(وَارزُقُوهُم فِيهَا) قد يرد تساؤل لماذا لم يقل: (منها)؟
والجواب من تفسير العثيمين باختصار: هناك فرق بين قوله: (وَارزُقُوهُم فِيهَا) وبين (وَارزُقُوهُم منها):
(ارزقوهم منها) أي: أنفقوا عليهم منها ما يحتاجون.
(ارزقوهم فيها) تعني: أن الولي لا بد أن يتّجر بمال هؤلاء السفهاء وينمِّيه حتى يكون الرزق فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المُعطى منها وحتى لا ينقص، ثم يعطيهم من الربح.
* ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].
(وَمَا يَعرُجُ فِيهَا) ولم يقل: (إليها)! وقد تكررت الآية مرتين في القرآن، وقد اختلف فيها النحويون:
فمنهم مَنْ قال: إن الحرف بمعنى يناسب الفعل؛ أي أنَّ (يعرج فيها) المقصود به: يعرج إليها؛ أي أن (في) بمعنى (إلى).
ومنهم مَنْ يقول: بل الحرف باقٍ على معناه الأصلي، ويُضَمَّن الفعل معنًى يناسب ذلك الحرف، فيقول: (يَعْرُجُ فيها) أي: يعرج إليها ويدخلها؛ فالتعدية بهذا الحرف أضافت إليها معنًى زائدًا وهو العروج مع الدخول.
* ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
(يَعْرُجُ فِيهَا) أي: يصعد إليها ويدخلها، فتضمنت معنى الوصول والدخول.
* ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤].
(يَعْرُجُونَ) أي: يصعدون من خلاله فينظرون إلى ملكوت الله.
* * *
стр. 491
معاني حرف «كلا»
تكرر ثلاثًا وثلاثين مرة، وله معان عدة بحسب السياق:
١ - حرف ردع وزجر.
٢ - حرف تصديق بمعنى: حقًّا.
٣ - حرف نفي أو تمهيد لنفيٍ ورد بعدها.
٤ - حرف تنبيه واستفتاح في بداية الجملة، وللتشويق لما بعدها.
وفيما يلي تفسير حرف (كلا) في الآيات التالية على اختلاف يسير بين العلماء: حرف (كلا) هنا يفيد الردع والزجر والتهديد.
* ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدا﴾ [المدثر: ١٦] زجر وردع عن تحقيق أمنيته.
* ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١]، زجر، فلن يجد ملجأً ولا مفرًّا.
* ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] ردع وزجر بحالة الموت، فلن يجد من يعيده للحياة.
* ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ - ٥] ردع وزجر وتهديد.
* ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ردع من كفران النِّعم، وبيان أن الإنسان مهما فعل من خالص العبادة فإنه لم يؤد حق الله.
* ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكّا﴾ [الفجر: ٢١] زجر وردع عن أفعالهم، ثم التهديد بدك الأرض ومجيء يوم القيامة؛ عندها يندمون أشد الندم.
* ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] ردع وزجر لأبي جهل وتهديد له للانتهاء عن فعله.
* ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٣ - ٥] زجر وردع: ستعلمون مغبة أمركم.
* ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ [مريم: ٧٩] ردع وزجر.
* ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: ٤] ردع وزجر.
حرف (كلا) في الآيات التالية يفيد: التصديق بمعنى: حقًّا:
* ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] حقًّا سوف يحجبون ويُحرمون هذا الشرف.
* ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] حقًّا إنها موعظة.
* ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] حقًّا إن القرآن عظة.
* ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] حقًّا، وهي مقرونة بزجر وتهديد.
стр. 492
* ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] حقًّا وتصديقًّا.
* ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] حقًّا هذه حقيقة الإنسان إلا من رحم الله.
﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْأخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] حقًّا لا يخافونها، ولو كانوا يخافونها لارتدعوا.
* ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] حقًّا .. فإكرام اليتيم لا يكون بالمهانة.
* ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٩] حقًّا تكذبون به، وإلا لما اغتررتم بكرم ربكم.
* ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٥ - ٦] حقًّا لو تعلمون.
- حرف (كلا) في الآيات التالية جاء بمعنى: النفي:
* ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] ليس الأمر كما تطمعون وتشتهون؛ فقد خلقناكم من نطفة قذرة، وليس لكم على سواكم فضل إلا أن تؤمنوا.
* ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] ليس الأمر على ما ظنُّوا؛ بل سيكفرون بعبادتهم.
* ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] لا لن يقتلوك.
* ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ٢٧] لا إنه الله لا شريك له، وتحتمل الردع والزجر كذلك عن ادّعاء الشريك.
* ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا: إنّ هذا القرآن أساطير الأوّلين. بل هو كلام اللّه ووحيه وتنزيله على رسوله ﷺ ، ولكن غطى قلوبهم الشرك والمعاصي فحجبهم عن رؤية الحق.
* ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أبو جهل فلا تطعه.
* ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] كلا لن يدركونا.
* ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] كلا لا رجوع، وهيهات أن يعود إلى الدنيا!!
- حرف (كلا) في الآيات التالية جاء للتنبيه والاستفتاح:
* ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] أي: ألا إنكم تحبون العاجلة؛ تنبيهًا لحالكم لتداركها.
* ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] استفتاح لما سيأتي بعد القَسَم.
* * *
стр. 493
معنى حرف «اللام»
قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١].
(لَا أُقسِمُ) معنى النفي في (لا أقسم)، وقد تكررت في القرآن الكريم كثيرًا، واختلف فيها أهل التفسير على وجوه عدة نذكر منها ثلاثة معان رجحها بعض المفسرين لا تتعارض:
١ - أنها استفتاح بمثابة (ألا) أي: ألا سوف أقسم.
٢ - أنها اللام المؤكدة للقَسَم، وتعني: إن كنت مُقْسِمًا فلا أقسم بأجلِّ أو بأعظم منه.
ويؤيد أن اللام لتأكيد القَسَم قولُه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، ثم أردفها بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦].
٣ - أن (اللام) لام للنفي لِقَصْدِ المُبالَغَة وتعظيم الأمر، وكأنه يقول: لا داعي لأن أقْسِم؛ لأن الأمر جليٌّ وظاهر، فابتداء القَسَم بلا يفيد أمرين:
الأول: لتوكيد جواب القسم.
الثاني: لتحقيق حرمة المُقْسَم به، أو شرفه وعظمته.
* * *
стр. 494
معنى حرف «ما»
قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
(مَا أَكفَرَهُ) لها معنيان:
١ - ما تعجبية؛ أي: ما أشد كفره.
٢ - ما استفهامية للاستنكار، المراد به التقريع والتوبيخ؛ أي: ما الذي حمله على أن يكفر ويجحد نعمة ربه؟!
(قُتِلَ الإِنسَانُ) أي: هَلك الإنسان الكافر، وقيل: لُعن وطرد.
* وكذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ
فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥].
(فَمَا أَصبَرَهُم):
١ - ما تعجُّبية؛ أي: ما أشد صبرهم على النار بأعمالهم الموجبة لها.
٢ - ما استفهامية للتوبيخ والتقريع؛ أي: ما الذي أصبرهم عليها باجترائهم على الكفر والجحود والمعاصي؟!
والتعجب في الآيتين أوْلى وأظهر.
- والتعجب جائز على الله تعالى، بل هو من صفاته، ولكن التعجب في حقه تعالى: هو استعظام المتعَجّب منه لكونه خارجًا عن نظائره؛ كما قال جلَّ من قائل: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] وليس تعجب دهشة يسبقها جهل كتعجب الإنسان؛ فهذا ممتنع عليه سبحانه.
- ويأتي حرف (ما) بمعنى (مَنْ) في بعض المواضع في القرآن الكريم منها:
* قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [الليل: ٣] لها معنيان:
١ - (ما) مصدرية؛ فيكون المعنى: قَسَمًا بخلقه للذكر والأنثى؛ فيكون القسم بخلقه.
٢ - (ما) بمعنى (مَنْ) أي: قَسَمًا بمن خلق الذكر والأنثى؛ فيكون القسم بذاته جل وعلا.
* ومثلها قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥].
١ - (ما) مصدرية؛ أي: قَسَمًا بالسماء وبنائها.
٢ - (ما) بمعنى (مَنْ) أي: قَسَمًا بالسماء ومن بناها.
* ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦].
стр. 495
١ - (ما) مصدرية؛ أي: قَسَمًا بالأرض وبسطها ومدّها.
٢ - (ما) بمعنى (مَنْ) أي: قَسَمًا بالأرض ومن طحاها وبسطها.
* ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧].
١ - (ما) مصدرية؛ أي: قَسَمًا بالنفس وتسويتها.
٢ - (ما) بمعنى (مَنْ) أي: قَسَمًا بالنفس ومن سوَّاها.
- وجاءت بمعنى (مَنْ) فقط في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] أي: عبرة لمِن بقي منهم ولمن بَعدهمْ مِنَ الناسِ.
فائدة:
فإن لحرف (ما) معان عدة في القرآن، منها على سبيل المثال لا الحصر:
١ - (ما) المثبِتَة والتوكيدية؛ كقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] أي: لا أعبد الذي تعبدون.
٢ - و (ما) النافية: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].
* ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩].
* ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
٣ - و (ما) التعجُّبية: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
٤ - و (ما) الشرطية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] أي: إذا فتح الله باب رحمة للناس فلن يقدر على إغلاقه أحد.
٥ - و (ما) الاستفهامية: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧].
٦ - و (ما) للصلة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] أي: فاصدع بالذي أمرت به.
٧ - و (ما) المصدرية: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥] أي: ضاقت عليكم رغم اتساعها ورحابتها.
* * *
следующие страницы →