← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عبد العزيز (١) قال: نا أحمد قال: نا يزيد (٢) قال: أنا حماد بن زيد (٣) قال: نا فرقدالسبخي (٤) قال: نا جابر بن زيد (٥) أنه سمع مسروقا يحدث عن عبد الله عن النبي ﷺ : "إني كنت

стр. 107

نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم أن تحبسوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث فاحبسوا، ونهيتكم عن الظروف فانتبذوا فيها، واجتبنوا كل مسكر" (١). وجواب آخر: وهو أنه لو كان الخبر صحيحا فلا حجة فيه؛ لأن قوله "اشربوا في الظروف كلها" يقتضى إباحة الشرب في الظروف التي كان قد نهى عنها ولم يرد به إباحة المسكر (٢). وقوله: "ولا تسكروا "يعني: ولا تشربوا مسكرا، [وكأن] (٣) علة النهي عن الشرب في هذه الظروف أنه إذا انتبذ فيها أسرع الفساد إليها والاشتداد، فربما يظن أن الشراب لم يشتد ويكون قد اشتد، وفي هذا المعنى نهيه عن شراب الخليطين، وهو الشراب الذي يتخذ من البسر والتمر؛ لأنه يسرع الفساد والاشتداد إلى ذلك أكثر من غيره (٤). والذي يبين صحة هذا، وأن الإباحة رجعت إلى الظروف ما روى أحمد بإسناده عن علي: "أن النبي ﷺ نهى عن الدباء (٥) والمزفت (٦) " (٧). وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ نهى عن الشراب في الدباء، والحنتم (٨)،

стр. 108

والمقير (١)، والجر (٢) " (٣). وروى أحمد في الأشربة: أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ ، فقال: "لا تنتبذوا في الدباء، والحنتم، والنقير (٤)، والمزفت، وانتبذوا في السقاء والأدم (٥)، فإنها توكأ وتعلق" (٦) فعلم أن الإباحة انصرفت إلى ذلك (٧). فإن قيل: فعندكم أن الأوعية منهي عنها أيضا، فلا معنى لحمل الإباحة على ذلك، وقد قال أحمد في رواية محمد بن موسى (٨) قال: سألت أحمد قلت: أباح النبي ﷺ الأوعية بعدما نهى عنها فقال: يروى فيه أحاديث إلا أن الحديث في نهيه عن الأوعية أكثر، فقلت: تكره الأوعية؟ قال: نعم (٩).

стр. 109

قيل: المشهور عنه إباحتها بعد أن كانت [منهيا] (١) عنها، قال في رواية حنبل قد أذن النبي ﷺ أن ينتبذ في الظروف بعد ما كان نهى، ولا بأس أن ينتبذ الرجل في الأوعية كلها إذا لم يكن مسكرا، والسقاء أحب إلي؛ لأنه لا اختلاف فيه ولم يجئ فيه نهي (٢). واحتج: بما روي عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذا إلى اليمن فقلنا: يا رسول الله إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير: أحدهما، يقال له المزر، والآخر: البتع، فما نشرب؟، فقال: "اشربوا ولا تسكروا" (٣). فنص على إباحة ما دون السكر وكانت بعثتهما إلى اليمن في آخر أيامه لأنه توفي ﷺ ومعاذ باليمن، فدل على تأخر الإباحة عن الحظر (٤). والجواب: أن هذا الحديث غير معروف، والمعروف من ذلك ما رواه أحمد، وقد ذكرناه فيما تقدم، و أن النبي ﷺ قال له: "أيسكر؟ " قال: نعم، قال: "انههم، فمن لم ينته فاقتله" (٥)، وقد قال أحمد رواية أبي جعفر أحمد بن عبد السلام (٦): "ليس في الرخصة في المسكر حديث صحيح" (٧)، ولو صح حمل على أنه أراد به اشربوا ولا تشربوا مسكرا؛ لأن السكر من فعل الله فلا يتناوله التحريم، وإنما يتناوله أفعالنا في شرب المسكر (٨).

стр. 110

واحتج: بما روى أبو سعيد الخدري (١) عن النبي ﷺ قال: "إن الله حرم الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب" (٢)، فعلق تحريم الخمر بعينها قبل حدوث السكر فيها، وعلق تحريم ما عداها بما يحدث عند السكر عنه (٣)، وروي عن ابن عباس: "حرمت الخمرة بعينها، والسكر من كل شراب" (٤) (٥). والجواب: أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وإنما هو موقوف على ابن عباس، وليس بمتصل أيضا عنده؛ لأنه يرويه ابن شبرمة (٦) عن عبد الله بن شداد (٧) عن ابن عباس، وقد قال أحمد في رواية عبد الله: "ابن شبرمة لم يسمع من عبد الله بن شداد شيئا (٨)، وإذا ثبت

стр. 111

أنه موقوف على ابن عباس، فقد روينا عنه فيما تقدم خلافه فيتعارضان (١). وعلى أنه لو صح الاحتجاج به، فمعنى قوله: "حرمت الخمرة بعينها" يعني: باسمها،" والسكر من كل شراب" يعني: وحرم من سائر الأشربة ما كان مسكرا (٢). وجواب آخر، وهو: أن قوله "حرمت الخمرة بعينها" يقتضى تحريم عين الخمرة، ونحن نحرمه، فأما غيره فلا يحرم مستفاد من ناحية الدليل، وهم لا يقولون بدليل الخطاب، و"السكر من كل شراب" يقتضي تحريم السكر، وإباحته مستفاد من ناحية الدليل، وهم لا يقولون به (٣). وجواب آخر، وهو: أن قوله: "والسكر من كل شراب المراد به: المسكر من كل شراب (٤). يدل عليه شيئان: أحدهما: أنه روي ذلك مفسرا في بعض الأخبار، رواه أحمد في الأشربة رواية عبد الله قال: نا محمد بن جعفر (٥) نا شعبة عن مسعر (٦) عن أبي عون (٧) عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: "إنما حرمت الخمر بعينها، والمسكر من كل شراب" (٨)، وقال أحمد

стр. 112

[في] (١) الأشربة رواية البغوي (٢): "شريك ربما حدث المسكر، وربما حدث السكر" (٣). والثاني: أن السكر لا يتناوله التحريم؛ لأن التحريم إنما يتناول ما كان من فعل الله تعالى، وإنما أراد بذلك ما يتعلق بفعل الإنسان، ويصح الامتناع عنه وهو المسكر، فصار تقدير الخبر: حرمت الخمر بعينها، والمسكر من كل شراب. وإذا ثبت أن المراد بالخبر هذا سقط دليلهم منه، وصار حجة عليهم، ويحرم جميع المسكرات (٤). فإن قيل: فإذا كان المراد بالسكر المسكر من كل شراب، وأن هذا يتناول الخمر وغيرها، فما الفائدة في إفراد الخمر؟ (٥) قيل: فيه فائدتان: إحداهما: أنه أراد أن الخمر حرمت بعينها بالكتاب، والسكر من كل شراب بالسنة. والثاني: أنه ذكر الخمر، وذلك يتناول سائر المسكرات ثم أعاد ذكر المسكر؛ ليبين تأكيد حاله، وأن تحريم جنس الشراب هو لأجله، وغير ممتنع أن يتناول اللفظ أشياء ثم يعاد ذكر بعضها بيانا لتأكيده كقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وغير ذلك (٦). فإن قيل: فيحمل قوله: "والمسكر من كل شراب" على القدر الذي يتعقبه السكر، وهو القدح العاشر فحسب (٧).

стр. 113

قيل: المسكر الذي هو القدح العاشر فحسب بل هو ما تقدمه، ألا ترى أن ذلك القدح لو انفرد لم يحصل به السكر وكان الجميع مسكرا؟ (١). واحتج: بما روي عن ابن عباس أنه قال: "كان ينبذ لرسول الله ﷺ الزبيب، ويشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم، ويهراق" (٢)، فلو كان حراما لما كان يسقى الخدم؛ لأن ما لا يحل شربه لا يحل سقيه (٣). والجواب: أنه كان إذا تغير ومضت حلاوته سقي الخدم، وإذا صار مسكرا يهراق أو إذا خاف أن يصير مسكرا يهراق، وإذا احتمل هذا وجب حمله عليه (٤). واحتج: بما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "انظروا هذه الأسقية إذا اغتلمت عليكم فاقطعوا متونها بالماء" (٥)، وهذا يدل على إباحة النبيذ الشديد (٦). والجواب أن معنى قوله: "إذا اغتلمت": حمضت أو إذا تغيرت، ولم تصر بعد مسكرا وهو في أول تغيره (٧).

стр. 114

يدل عليه: أن النبي ﷺ وقال لوفد عبد القيس: "إن اشتد عليكم فاكسروه بالماء، فإن أعياكم فاهريقوه" (١)، ومعناه: فإن صار مسكرًا، ولم يدفع الماء حدوث الإسكار فأهريقوه (٢). ويدل عليه: ما روى ابن سيرين (٣) عن ابن عمر قال لرجل: "أنهاك عن المسكر قليله وكثيره، وأشهد عليك" (٤)، فدل على أن المراد بروايته ما نقل عنه (٥). واحتج: بما روى جويبر (٦) عن الضحاك (٧) قال: قال عبد الله: "قد شهدت تحريم النبيذ كما شهدت تحليله، فحفظت ونسيتم" (٨)، وهذا يدل على إباحة النبيذ (٩).

стр. 115

والجواب: أن المراد أنه شهد تحليل نبيذ الجر بعد أن شهد تحريمها؛ لأنه كان نهي عن الانتباذ في الظروف ثم نسخ ذلك، فاختلفت الصحابة في نسخه فمنهم من قال: لم ينسخ، وإليه ذهب عمر بن الخطاب ﵁، وكان يقول: "لأن تختلف الأسنة في جو في أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر" (١). رواه أحمد في الأشربة عن روح (٢) عن سعيد (٣) عن غالب التمار (٤). عن عبد الله بن أبي تميم (٥) أن عمر [قاله] (٦)، وكان أبو هريرة ينهى عن نبيذ الجر، ويقول: "نهى رسول الله ﷺ عن الأوعية إلا وعاء يؤكأ على رأسه" (٧)، وقالت عائشة: "اشربي في سقاء ثلاث على فمه" أي: يشد (٨). وخالفهم ابن مسعود في ذلك فقال: قد نسخ تحريم الظروف، ويجوز أن ينتبذ في كل ظرف ويشرب إذا لم يكن مسكرا، وهو ظاهر قول النبي ﷺ : "إن الظروف لا تحرم شيئا،

стр. 116

فاشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرا" (١) (٢)، وقد حكينا اختلاف الرواية عن أحمد في تحريم الظروف (٣). واحتج: بما روي أن النبي ﷺ الآخى بين أبي بكرة (٤) وأبي بردة (٥)، فأتاه أبو بردة يوما، فقال: أين أخي؟ فقلنا: ذهب لحاجته، فدخل المنزل، فدعا بطعام، فأكل منه، ثم دعا بشراب، فأتي بنبيذ في جر أخضر، فدعا بإناء ففرغه فيه، فلما جاء أبو بكرة قلنا له: قد عاب الجر الأخضر فرده فيه، ثم قال: رحم الله أخي شهد وشهدت رسول الله ﷺ ، ولم يشهد" (٦)، وإنما أراد به: أنهما شهدا التحريم ثم شهد هو الإباحة ولم يشهد (٧). والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه شهد الإباحة بالانتباذ في الظروف، ولم يشهد ما هو (٨). واحتج: بما روي أن أعرابيا شرب من إداوة عمر، فسكر، فجلس حتى صحا ثم جلده عمر، فقال له الأعرابي: أتجلدني، وإنما شربت من إداوتك؟ فقال له: إنما جلدتك على السكر، ولم أجلدك على الشرب (٩). والجواب: أنا نحمل قوله: "جلدتك على السكر "معناه: على علمك أن هذا شراب يسكر، ويكون حدث فيه الإسكار بتأخره عن وقته وزمانه، ولم يعلم به عمر. يدل على ذلك: ما روي عن عمر ﵁ من الطرق الصحيحة بتحريم ذلك، وهو قوله

стр. 117

على المنبر: "الخمر ما خامر العقل" (١)، ومنع أهل الشام من شرب المسكر (٢). وقال عمر: "الأنبذة من خمس: من التمر والزبيب، والحنطة، والشعير، والعسل" (٣) ذكره أحمد في الأشربة بإسناده (٤). وروى أحمد في الأشربة (٥): نا أبو سعيد مولى بني هاشم (٦) قال: نا سليمان بن بلال (٧) عن ربيعة ربيعة (٨) عن السائب بن يزيد (٩) أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى على جنازة

стр. 118

فأخذ بيد ابن له، فقال: "أيها الناس إني وجدت من هذا ريح الشراب، وإني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته". قال السائب فلقد رأيت عمر جلد ابنه بعد الحد ثمانين (١). واحتج: بما روي عن عمر أنه دعا بشرابه فكسره بالماء ثم شرب، وروي عن عتبة بن فرقد (٢) قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إنا نأكل اللحم الغليظ ونشرب من هذا النبيذ فيقطعه في بطوننا (٣). والجواب: أن أبا الحارث قال: سأل أبا عبد الله عن حديث عمر أنه كان يكسره بالماء ويشربه، فقال: إن عمر لم يشرب مسكرا، ومن زعم أنه شرب فقد أعظم القول عليه (٤). وقال في رواية مهنا (٥): لم يكن مسكرا، ولكن كان حلوا، فلما شرب رآه تغير، فازداد حلاوة، فكسره بالماء. وعلى أنه يحتمل أن يكون كسر حموضته بالماء ثم شرب، وكذلك قوله: "نشرب من هذا النبيذ، فيقطعه في بطوننا" (٦). يعني: من هذا النبيذ الحامض. يدل على هذا: ما روى قيس بن أبي حازم (٧) عن عتبة بن فرقد: أنه قدم على عمر،

стр. 119

فذكر الحديث إلى أن قال: "ثم دعا بعشر من نبيذ قد كاد يصير خلا" قال: اشرب، فأخذته، فشربت، فما كدت أن أسيغه ثم أخذ، فشرب ثم قال: يا عتبة. اسمع إننا ننحر كل يوم جزورا، فأما ودكها وأطايبها فلمن حضرنا من آفاق المسلمين، وأما عنقها فلآل عمر نأكل هذا اللحم الغليظ، ونشرب هذا النبيذ الشديد يقطعه في بطوننا" (١)، وهذا يدل على أنه كان حامضا، والذي يؤكد هذا ما رويناه عنه من الأخبار الصحاح في تحريمه (٢). واحتج: بما روي عن عمر: أنه كتب إلى عمال أني أتيت بشراب من الشام يطبخ حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، يبقى حلاله، ويذهب حرامه، فمره من قبلك أن يتسعوا به في أشربتهم، وروي أنه ناول منه عبادة بعد ما شربه فقال عبادة: ما أرى النار تحل شيئا، فقال له عمر: يا أحمق. أليس يكون خمرًا ثم يكون خلا فنأكل؟ (٣). والجواب: أنه يحتمل أن يكون على صفة لا يحصل فيه شدة مطربة، والذي يبين صحة هذا: ما رواه أبو حفص (٤) في تحريم النبيذ بإسناده عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب صلى على جنازة، فأخذ بيد ابن له، فقال: "يا أيها الناس. إني وجدت من هذا ريح الشراب، إني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته" قال السائب: "فلقد رأيت عمر جلد ابنه بعد الحد ثمانين" (٥). واحتج: بما روي عن علقمة (٦) قال: شربنا عند عبد الله بن مسعود نبيذا صلبا آخره يسكر (٧). فالجواب: أنا قد روينا عن ابن مسعود خلاف هذا، وهو قوله: "لا تسقوا أولادكم السكر، فإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم" (٨)، وعلى أنه يحتمل أن يكون حدث فيه

стр. 120

الشدة والسكر بتأخره عن وقته، ولم يعلم به ابن مسعود (١). واحتج: بما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢) قال: "أشهد على البدريين من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يشربون النبيذ في الجرار الخضر" (٣) (٤). والجواب: أن هذا يدل على جواز الانتباذ في الجر، وقد بينا أن هذا جائز بعد أن كان محرما، وليس المراد به النبيذ المسكر بدليل ما ذكرنا (٥). واحتج: بما روي عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي ذر (٦)، وأنس (٧)، وأبي عبيدة (٨)،

стр. 121

ومعاذ (١)، وأبي الدرداء (٢)، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى (٣)، وزيد بن أرقم (٤)، وعمران بن حصين (٥)، وأبي بكرة، وجرير بن عبد الله (٦) شرب النبيذ وإباحته (٧). والجواب: أنا قد روينا عن عمر ﵁ ألفاظًا بالحظر.

стр. 122

وروينا أيضًا عن ابن عباس أنه قال: "كل مسكر حرام" (١)، وحرمت الخمر بعينها" (٢)، "والمسكر من كل شراب (٣)، وقال: "نبيد الجر حرام" (٤). وروينا أيضًا عن ابن مسعود أنه قال: "لا تسقوا أولادكم السكر، فإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٥). فأما ابن عمر، فروى أحمد في الأشربة بإسناده عن ابن سيرين (٦) عن ابن عمر قال: "المسكر قليله وكثيره حرام " أو قال: "خمر"، وروى أيضًا بإسناده عن طاووس (٧) عن أبيه (٨) قال: كان ابن عمر ينهى عن نبيذ الجر والدباء. (٩) وروى أيضًا بإسناده عن زيد بن جبير (١٠) قال: سأل رجل ابن عمر عن الأشربة

стр. 123

فقال: "اجتنب كل شراب ينش" (١). وروى أيضًا بإسناده عن أم إياس بنت عمرو بن سبرة (٢) أنها أتت عائشة ﵂ فدنت منها، فقالت: "كأن لك حاجة؟ "، فقالت: إن أهلي يسمنوني، فينبذن لي في جر غدوة، فأشربه عشية، وينبذونه عشية، فأشربه غدوة، فقالت: "حلوه وحامضه حرام" (٣). وروى أيضًا بإسناده عن مكحول (٤) عن أبي سعيد الخدري، وبلال (٥)، وعائشة كرهوا نبيذ الجر (٦). وروى بإسناده عن مختار بن فلفل (٧) قال: قال أنس: "الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة والشعيرة، والذرة، وما خمرت فهو الخمر" (٨). وروى بإسناده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى (٩) عن

стр. 124

أبيه (١) قال: سألت أبي بن كعب (٢) قلت: إنا نأخذ التمر نفعل به. قال: "اشرب الماء، اشرب السويق، اشرب العسل اشرب اللبن". قلت: إنا نأخذ التمر، فنفعل به قال: الخمر تريد (٣). وبإسناده عن أبي سعيد قال: "نهيتكم عن النبيذ، ولا أحل مسكرا" (٤)، وهذا الذي حكينا عن الصحابة يمنع ما ادعوه من الإباحة. واحتج: بأن حاجة الناس بالمدينة إلى معرفة تحريم هذه الأنبذة كانت أمس من حاجتهم إلى معرفة تحريم الخمر حين ورد تحريمها؛ إذ بلواهم بشربها كانت أعم من بلواهم بشرب الخمر التي هي ماء العنب -أعني: المشتد-؛ إذ عامة أشربتهم كانت من التمر، والخمر لم تكن في بلدهم، وإنما كانت تجلب إليهم، ولذلك سموها "سبية" (٥). قال الأعشى: وسبيئة مما تعتق بابل … كدم الذبيح سلبتها جريالها (٦).

стр. 125

وروي عن أنس أنه قال: "حرمت الخمر، وما بالمدينة شراب يشرب إلا من التمر والبسر (١)، وعن ابن عمر: "حرمت الخمر، وما بالمدينة يومئذ منها شيء" (٢). وإذا صح ذلك ثم ثبت تحريم الخمر عند الكافة حتى لم يشك أحد فيه، وورد النقل به متواترًا (٣). فلو قلنا: كانت هذه الأنبذة محرمة كتحريمها؛ لوجب أن يعرفه الكافة، ويرد النقل به متواترا؛ إذ كانت بلواهم بها أشد، وحاجتهم إلى معرفة تحريمها أمس، فلما لم يرد النقل به متواترا علم أنها مبقاة على أصل الإباحة (٤). والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون البيان عاما، والنقل إلينا خاصا من طريق الآحاد (٥) كما أن رجم ماعز (٦)، و، وحجة الوداع يعلم أنه كان عاما، والنقل به خاصا، وعلى أن النقل الوارد فيه تواتر من طريق المعنى؛ لأنه يزيد على ما يقوله في الأخبار المروية في إثبات

стр. 126

الإجماع (١)، وإثبات خبر الواحد، والقياس (٢) إن شاء الله. وعلى أنه يجوز إن ثبت عندنا ما كان بيانه عاما بأخبار الآحاد وقد قيل في الجواب عن هذا أيضًا: بأنهم حرموا نقيع الزبيب، والتمر، والمطبوخ الذي لم يرد إلى الثلث من طريق الآحاد والحاجة إلى معرفة حكم النقيع كهي إلي معرفة المطبوخ مننه، ولهذا قد قال بعض المتأخرين بإباحة ذلك (٣). وقد ذكر أبو الحسن بن المنادي (٤) في جزء صنفه ترجمة بتنزيل المسكر منزلة الخمر، قال: حدثني أبو علي السراج (٥) قال: حدثني أحمد بن خالد الخلال (٦) قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل نا محمد بن

стр. 127

عبيد (١) عن صالح بن حيان (٢) عن ابن بريدة قال: شربت الطلا مع أنس بن مالك على النصف، فقال لي: "لا ترى هذا في كتاب إلا حرقته أو حككته، فما أعلم في تحليل النبيذ حديثًا صحيحًا" (٣)، وقال لي أبو حديث الشيوخ (٤) قال ابن المنادي: "إنما كره أبو عبد الله هذا الحديث؛ لأن المعروف عن أنس هو شرب الطلا على الثلث، فأما النصف فإنه ممن رواه عنه غلط عنه" (٥). وقول أبي عبد الله: "ما أعلم في تحليل النبيذ حديثا صحيحا" (٦) لم يرد النبيذ الحلال، وإنما أراد المسكر من ذلك دون غيره، وقد تجيء هذه اللفظة عن الماضين، ومرادهم: المسكر خاصة، وذكر أبو جعفر العكبري (٧) في جزء خرجه في تحريم النبيذ فقال: نا ابن سعد (٨) قال: نا ابن يسار (٩) قال نا صالح بن أحمد بن حنبل (١٠) قال: سألت أبي عمن قال في

стр. 128

النبيذ: شربه قوم على التأويل، وتركه قوم على التحريم، فقال: "لا يعجبني هذا القول، التحريم أثبت عندي وأقوى، لا يثبت عندي في تحليل المسكر شيء" (١). قال وأخبرني ابن شهاب (٢) قال: نا أبي (٣) قال: نا الفضل بن زياد (٤) قال: كتبت إلى أحمد أسأله، فذكر مثل مسألة صالح، وأخبرني عبد العزيز (٥) نا الخلال (٦)، نا الفريابي (٧) قال: سمعت أحمد بن خالد الخلال قال: ذكرت لأحمد بن حنبل حديث صالح بن حيان عن أبي بريدة (٨)، قال: شربت الطلا مع أنس بن مالك على النصف، فقال: "لا ترى هذا في كتاب إلا حرقته أو حككته، أبق حديث الشيوخ، لا أعلم في تحليل النبيذ حديثًا صحيحًا" (٩).

стр. 129

حدثنا عبد العزيز حدثنا الخلال نا محمد بن جعفر (١) قال: سمعت أحمد بن عبد السلام قال: قلت لأبي عبد الله، وقد كتبت عنه كتاب الأشربة، فلم [يذكر] (٢) فيه شيئا من الرخصة، وكتب عنه كتاب المسح على الخفين، فكان فيه اختلاف عن عائشة وسعيد بن جبير (٣) لم يروا المسح فقلت: يا أبا عبد الله كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلت في المسح؟ قال: في الرخصة في المسكر حديث صحيح (٤). وقد حكى بعض المخالفين عن أحمد أنه إذا ثلثاه وبقي ثلثه ثم عادت الشدة أنه لا يحرم، ولعله ذهب إلى ما رواه يوسف بن موسى (٥) عن أحمد أنه سئل عن العصير يغلى حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فيتغير حتى يسكر، فقال: لا (٦). وتأويل قوله: "لا" ما ذكره أبو بكر الخلال في كتابه لما حكى هذه الرواية فقال: "لا" يعني: لا يسكر إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه على ما رواه حبيش بن سندي (٧)، وقد سئل عن المطبوخ إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلث يشرب. قيل له: فإنه يسكر؟ قال: لا (٨).

стр. 130

والذي يدل على صحة تأويل أبي بكر: ما رواه بكر بن محمد (١) عن أبيه (٢) عن أحمد قال: يروى عن أبي حنيفة: إذا نقع فاشتد صار مسكرًا، وإذا طبخ واشتد ليس به بأس (٣). قال أبو عبد الله: وفي مذهبنا فكله خمر (٤). واحتج: بأن كل ما لا يحظره العقل، فأصله عندنا على الإباحة حتى يرد السمع بحظره، ولا سمع في حظر هذه الأشربة، فهي باقية على أصل الإباحة (٥). والجواب: أنا لا نسلم لك هذا الأصل؛ لأن عندنا أن ما لا يحظره العقل فأصله على الحظر حتى يدل الدليل على إباحته، وعلى أن الدليل قد دل على حظر هذه الأشربة بما تقدم من الأدلة الصحاح (٦). واحتج: بأن هذا نسخ لما ثبت إباحته من النبيذ، والنسخ بأخبار الآحاد لا يجوز (٧). والجواب: أنا إن قلنا إنه تواتر من طريق المعنى صح النسخ، وإن قلناك لا يبلغ حد التواتر، فإنه يبطل بتحريم نكاح المتعة، وتحريم الكلام الذي كان يتعلق به إصلاح الصلاة، فإن فيهما خلافا، وقد أثبت المخالف تحريمها (٨)، ونقلهما عن الأصل بأخبار التواتر، وكل جواب له عن ذلك فهو جوابنا في تحريم النبيذ (٩).

стр. 131

واحتج: بأنه لما وعد أهل الجنة بالخمر وجب أن يكون من جنسها مباحا في الدين كالعسل (١). والجواب: أن العسل لم يكن مباحا؛ لأن الله وعد به أهل الجنة، ألا ترى أن الدبس مباح وإن لم يعدهم، وعلى أن العسل كله مباح ويفارق الأشربة؛ لأن الخمر منها محرم (٢). واحتج: بأن ما وعد الله به أهل الجنة ورغبهم به في عبادته وجب أن يكون من جنسه مباحًا في الدنيا حتى يتم الترغيب ويصح التحريض، فلما وعد أهل الجنة بالخمر وجب أن يكون قد أحل من جنسها حتى يعلم ما في الخمر من اللذة فصح الترغيب بها (٣). والجواب: أن الخمر قد كانت حلالا، وقد شربوها، وعرف الناس ما فيها من السرور واللذة، وإذا علم ذلك بالخبر لم يحتج إلى الذوق (٤). واحتج: بأنه شارب لا يفسق شاربه، ولا يكفر مستحله، وكان مباحا أصله سائر الأشربة (٥). والجواب: أن هذا يلزم عليه نقيع التمر، والزبيب، والمطبوخ الذي لم يزد إلى الثلث، فإن بعض المهاجرين يبيحه، وقد حكى ابن المنذر (٦) عن الليث بن سعد (٧): لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب بنبيذ التمر ثم يشربان جميعا، وحكى نحوه عن سفيان (٨)، ويبطل بكثير من مسائل الاختلاف لا يكفر مستحلها ولا يفسق فاعلها ومع هذا فلا يدل على إباحتها عند المخالف فيها، وعلى أنهما إنما اختلفا في الكفر والفسق بحصول الإجماع على

стр. 132

تحريم أحدهما، والاختلاف في الآخر؛ كما قالوا: الربا يجري في الأرز كما يجري في البر ثم لا يكفر مستحل ذلك؛ للاختلاف ثم المعنى في الأصل: أنه شراب ليس فيه شدة مطربة، وهذا شراب فيه شدة مطربة (١). فصل والدلالة على أن الخمر معللة، وأن علة تحريمها الشدة المطربة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذا تصريح ببيان علة التحريم؛ لأنه بين ما يقع بشربها من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه المعاني تحدث بالسكر في الحقيقة لا بالشرب الذي لا سكر معه، فإن من شرب ولا يسكر تجزي صلواته (٢). فإن قيل: هذا تعليل لكثير الخمر الذي يحدث عنده السكر، فأما قليلها فلا توجد فيه هذه العلة، فعلم أنه محرم لا لعلة توجب القياس عليه، وكثيرها محرم للمعنى المذكور في الآية (٣). قيل: الله تعالى ذكر جنس الخمر، وحرمها بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ إِلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم عقب تحريمها بعلة هي! العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، فالظاهر أن هذا التعليل راجع إلى الجنس وإن كان موجودا في بعضه؛ كما أن السفر علل بالمشقة في إباحة القصر والفطر، وإن كانت هذه موجودة في كثيره، فألحق القليل بالكثير، فلو سافر فرسخا جاز أن يستبيح الرخص إذا كانت بنية السفر الطويل، وإن علمنا أن المشقة إنما توجد في طويله (٤). فإن قيل: ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة غير جائز إباحته في حال وحظره معلوم من طريق العقل، ومعلوم أن النبيذ والخمر قد كانا مباحين في أول الإسلام، ولم يكن

стр. 133

المباح منهما ما يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأنه لا يجوز على الله في حكمته إباحته، فعلم أن هذا الحكم معلق بالكثير الموجب للسكر، ولم يكن ما يوجب السكر منه مباحا في حال من الأحوال، فصح أن هذه العلة توجب وقوف الحكم في سائر الأشربة على المقدار الكبير من الذي يحدث عنه السكر (١). قيل: قولك: "إن ما يصد عن ذكر الله لا يجوز إباحته" غير صحيح؛ لأن السكر يصد عن ذكر الله، وقد كان مباحا حتى إن جماعة من الصحابة شربوا وصلى بهم بعضهم فخلط في قراءته فنزل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وقوله: "حظر معلوم من طريق العقل" غير صحيح؛ لأن العقل لا يحظر عندنا شيئا، وأيضًا قول عمر: "الخمر ما خامر العقل" (٢) يعني ما أثر فيه، وهذا صريح بالتعليل (٣). فإن قيل: هذا إنما يوجد عند الكثير (٤). قيل: قد أجبنا عن هذا، وأيضًا فإن الحكم إذا ورد في الشرع معلقًا بلفظ، فإنه متى أمكن تعليقه بمعنى يستنبط من اللفظ لم يجز تعليقه على اللفظ؛ لأن في ذلك إبطالًا للقياس، ولهذا أبطلنا قول من علق الربا بالأعيان المنصوص عليها دون معناها (٥) كذلك ههنا، وأيضًا قد بينا فيما تقدم أن العصير قبل حدوث الشدة فيه مباح، وإذا حدثت فيه حرم، فإذا زالت حل (٦)، فعلم أن علة تحريمه الشدة المطربة، ولهم على هذا اعتراضات قد تقدم ذكرها (٧). واحتج المخالف بقول النبي ﷺ وقول ابن عباس: "حرمت الخمر بعينها" (٨)، وهذا

стр. 134

يفيد تعليق التحريم بالعين دون معناها (١). والجواب: أنه لم يقل: "حرمت الخمر بعينها " حتى يفيد ذلك تعليق الحكم بالعين، وإنما قال: حرمت بعينها، وقد تكون العين محرمة لمعنى فيها، على أنا قد ذكرنا أن المراد بذلك: أن الخمر حرمت بعينها بالكتاب والسكر من كل شراب بالسنة (٢). واحتج: بأنه كانت باللذة المطربة لوجب أن لا يحرم القليل منها؛ لأن ذلك المعنى غير موجود فيها (٣). والجواب عنه ما تقدم، وهو: أنه غير ممتنع أن تكون الشدة المطربة التي في كثيرها علة لتحريم جنسها كما كانت العلة في إباحة الرخص في السفر الطويل المشقة، وهي علة لجنسه (٤) كذلك ههنا (٥). ١ - مسألة (٦): إذا مضى على العصير ثلاثة أيام حرم شربه سواء اشتد وأسكر أو لم يشتد ولم يسكر. نص عليه في رواية أبي داود (٧)، وذكره الخرقي (٨) في مختصره

стр. 135

خلافا لأكثرهم في قولهم: لا يحرم إلا بحصول الشدة فيه (١). دليلنا: ما روى أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الشالنجي (٢) في كتاب البيان قال نا يسار بن عن ابن الرماح عن نصر بن حاجب قال: قال رسول الله ﷺ : اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل" (٣) فجعل الثلاث حدًّا في إباحة شربه ما لم يغل قبل ذلك (٤). وروى إسماعيل (٥) قال حدثنا موسى بن داود (٦) عن إسرائيل (٧) عن أبي عمر (٨)

стр. 136

عن ابن عباس قال: كان ينتبذ لرسول الله ﷺ فيشربه يومه ومن الغد، فإذا كان يوم الثالث وأمسى عنده شيء أهراقه، وأمر به فأهريق" (١)، وهذا أيضًا يدل على أنها حد؛ لأنه كان يمنع منه بعد الثلاث على الدوام (٢). وروى إسماعيل قال: حدثنا الحارث بن مسلم (٣) عن المبارك بن فضالة (٤) عن عبد الله بن مسلم بن يسار (٥) عن أبيه (٦) أنه وصف حديث نوح حين خاصمه الشيطان في شجر الكرم حتى صار إلى أن جعل له الثلثين ولنوح الثلث قال له: أحسنت وأنت محسبان هو له، لك عنبًا وزبيبًا وعصيرًا ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك فهو له" (٧)، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه (٨).

стр. 137

وروى إسماعيل قال: حدثنا يزيد بن هارون (١) عن شريك (٢) عن الأعمش (٣) عن عبد الله بن مرة (٤) عن ابن عمر أنه سئل عن العصير، فقال: "أشربة ما لم يأخذه شيطانه، قال: في كم يأخذه شيطانه؟ قال: في ثلاث" (٥)، وهذا التقدير من ابن عمر إما أن يكون عن توقيف أو عن عادة أن الشدة تحله في الثلاث، بدليل قول ابن عمر، فجعل ذلك حدًّا في التحريم وإن عدمت في حالة من الأحوال كما أن العادة حصول المشقة في السفر، فإن عدمت في قصيره أو في حق الملوك لم يمنع ذلك من إباحة الترخيص، كذلك ههنا (٦) (٧). ولأن النبي ﷺ ما نهى عن الانتباذ في الظروف وعن شراب الخليطين (٨)؛ لأن الشدة تسرع إليه فيظن أنه لم يشتد فنهاه عنه خوفا، وهذا المعنى موجود في الثلث (٩). فإن قيل: فقد نسخ تحريم الظروف، فلو كان ذلك علة في المنع لم ينسخ (١٠).

стр. 138

قيل: ولأنه شراب يتعلق به التحريم، فكان للزمان ما يثير في ذلك التحريم؛ كالرضاع ما يثير الزمان في الحولين وتأثيره ههنا في الثلاث (١). فإن قيل: الزمان هناك معتبر في الشارب وههنا يعتبر في المشروب مهما يفترقان (٢). قيل: لا فرق بينهما في التحقيق؛ لأنه إنما اعتبر الزمان في حق الشارب في الرضاع؛ لأن المقصود يحصل به، وهو إنبات اللحم وإنشاز العظم واعتبرناه في المشروب ههنا؛ لأن المقصود حصول الشدة، وهذا يوجد غالبا في الثلاث (٣). واحتج المخالف: بأن علة التحريم الشدة بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذا المعنى لم يوجد في الثلاث فيجب أن لا يتعلق به التحريم، وكذلك قول النبي ﷺ : "كل مسكر حرام" (٤) فعلق التحريم بالإسكار، وكذلك قول عمر ﵁: "الخمر ما خامر العقل" (٥) (٦). والجواب: أنا قد بينا أن العادة أن الشدة تحله في الثلاث، فإن عدمت في حال، فلا يمنع ذلك تعلق الحكم؛ كما أن العداوة والبغضاء تعدم في يسير الخمر والتحريم ثابت، وكذلك المشقة تعدم في يسير السفر، وتتعلق به الرخصة (٧). واحتج: بأن الشدة لم تحله فلم يحرم. دليله: ما دون الثلاث (٨). والجواب: أن ما دون الثلاث ليس العادة غالبا بحصول الشدة فيه، وهذا بخلافه (٩).

стр. 139

٢ - مسألة: حد شارب الخمر ثمانون لا يجوز النقصان منه في أصح الروايتين (١)، وهو اختيار الخرقي (٢) (٣)، وبه قال أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥). وفيه رواية أخرى: أربعون نقلهما جميعًا حنبل (٦) (٧)، وهو اختيار أبي بكر، وبه قال الشافعي (٨). ووجه الأولة: ما روى أبو عبد الله ابن بطة (٩) في سننه بإسناده عن علي بن أبي طالب "أن رسول الله ﷺ جلد رجلا من بني الحارث بن الخزرج من الأنصار في الخمر ثمانين" (١٠). وروى أيضًا ابن بطة بإسناده عن مسعر بن كدام (١١) عن

стр. 140

زيد العمي (١) عن أبي الصديق (٢) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أتي برجل - قال: مسعر: أظنه في شراب- فضربه بنعلين أربعين" (٣). وروى أحمد نا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي (٤) عن زيد العمي عن أبي نضرة (٥) عن أبي سعيد الخدري قال: "جلد على عهد رسول الله ﷺ في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا" (٦)، وإذا كان الضرب بنعلين وجريدتين فهي ثمانون جلدة (٧).

стр. 141

وروى أحمد في المسند نا محمد بن جعفر نا شعبة وحدثني حجاج (١) قال: حدثني شعبة قال: سمعت قتادة (٢) يحدث عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ يأتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر (٣). وروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل (٤) بإسناده أن عمر بن الخطاب صلى على جنازة فأخذ بيد ابن له فقال: يا أيها الناس إني وجدت من هذا ريح الشراب وإني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته، قال السائب: فلقد رأيت عمر جلد ابنه بعد ذلك الحد ثمانين (٥).

стр. 142

وروى الدارقطني (١) بإسناده عن ابن وبرة الكلبي (٢) قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ﵁ قال: فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف (٣) وعلي وطلحة والزبير (٤)، وهم متكئون معه في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون قال: فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال قال: فجلد خالد ثمانين (٥)، وهذا يدل على أنه إجماع منهم (٦).

стр. 143

فإن قيل: كيف يكون إجماعا وأبو بكر جلد أربعين؟ (١). قيل: يحمل فعله على جلد أربعين بجريدتين أو بنعلين، وأيضا فإن الأربعين عدد جلد يقدر في حد العبيد، فوجب أن لا يكون حدا للخمر كالخمسين. أو نقول: الأربعين جعلت جلدا في العبد؛ لنقصانه، فلا يكون بنفسها حدا في الخمر؛ كالخمسين، ولا يلزم عليه القطع؛ لأنه ليس بجلد، ولأنه لم يجعل حدا للعبد لنقصانه؛ إذ الجزء يساويه فيه (٢). فإن قيل: حد الحر لا يجوز أن يكون حدا لحر في السبب الواحد، فأما في سببين مختلفين فلا يمنع (٣). قيل: وقد يمتنع بدليل الخمسين لما كانت حدا للعبد في الزنا لم يكن حدا للحر لا في الزنا ولا في غيره، ولأنه حد يقام على حر، فوجب أن لا يكون مقدرا بالأربعين؛ كحد القذف وغيره (٤). فإن قيل: لا يجوز اعتبار بعض الحدود ببعض في المقدار؛ لاختلافها في المقدار (٥). قيل: إنما لا يجوز اعتبار المنصوص منها بعضه ببعض؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط النص في أحدهما، ومقدار حد الخمر مجتهد فيه فلا يمتنع اعتباره بالمنصوص عليه، ولأنه يؤدي إلى إسقاط النص، ولأن الشرب سبب واحد فلا يتعلق به حد وتعزير (٦)؛ كالزنا، وعندهم يجلد الإمام ثمانين نصفها تعزيرًا (٧).

стр. 144

فإن قيل: الحد يجب بالشرب، والتعزير بالسكر أو بالهجر (١). قيل: التعليل للشارب إذا لم يسكر ولم يهجر. واحتج المخالف: بما روى ابن بطة بإسناده عن عبد الرحمن بن أزهر (٢) قال: رأيت رسول الله ﷺ غزاة الفتح (٣) وأنا غلام شاب يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد، فأتي بشارب فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بنعله، ومنهم من ضربه بسوطه، ومنهم من ضربه بعصا، وحثا عليه رسول الله ﷺ التراب، فلما كان أبو بكر ﵁ أتي بشارب فسألهم عن ضرب رسول الله ﷺ فحزروه (٤) أربعين، فضرب أبو بكر أربعين فلما كان عمر ﵁ كتب إليه خالد بن الوليد فذكر كلمة معناها هذا [أن الناس] (٥) قد أسرعوا في الشراب وحاقروا العقوبة، فقال: هم عندك فسلهم، وعندنا المهاجرون الأولون، فسألهم، فأمروه أن يضرب ثمانين (٦). قال الزهري (٧): وأخبرني حميد بن عبد الرحمن (٨) أن عمر ﵁ كان إذا أتي بشارب

стр. 145

مدمن ضربه ثمانين، وإذا أتى بشارب يرجو توبته ضربه كحد أبي بكر (١). وهذا يدل على أن الحد فيه أربعون، وأن الزيادة من جهة الصحابة على سبيل التعزير (٢). والجواب عن قوله: "حزروه أربعين بجريدتين أو بنعلين أو بسوط له مرة" (٣). وأما قولهم: إن الزيادة حصلت من الصحابة على سبيل التعزير لا يصح لوجوه: أحدها: أن التعزير لا يبلغ به أربعين. والثاني: عن علي ما يمنع من هذا؛ لأنه شبهه بحد القذف، والزيادة على الأربعين في حد القذف ليس على وجه التعزير. الثالث: أن الحدود لا يضم إليها تعزيرا إلا أن ينضم إلى سببها غيره. الرابع: أن عمر أمر خالدًا أن يجلد ثمانين، ولم يخيره في بعضها ولو كان تعزيرًا أخبره (٤). فإن قيل: فقد روى الدارقطني بإسناده عن عمير بن سعيد (٥) قال: قال علي بن أبي طالب: "لا أجد أحدًا يصيب حدا فأقيمه عليه، فيموت، فأرى [أني] (٦) أديه إلا صاحب
следующие страницы →