← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وروى أحمد في المسند نا محمد بن جعفر نا شعبة وحدثني حجاج (١) قال: حدثني شعبة قال: سمعت قتادة (٢) يحدث عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ يأتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر (٣). وروى أبو بكر الخلال في كتاب العلل (٤) بإسناده أن عمر بن الخطاب صلى على جنازة فأخذ بيد ابن له فقال: يا أيها الناس إني وجدت من هذا ريح الشراب وإني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته، قال السائب: فلقد رأيت عمر جلد ابنه بعد ذلك الحد ثمانين (٥).

стр. 142

وروى الدارقطني (١) بإسناده عن ابن وبرة الكلبي (٢) قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ﵁ قال: فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف (٣) وعلي وطلحة والزبير (٤)، وهم متكئون معه في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون قال: فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال قال: فجلد خالد ثمانين (٥)، وهذا يدل على أنه إجماع منهم (٦).

стр. 143

فإن قيل: كيف يكون إجماعا وأبو بكر جلد أربعين؟ (١). قيل: يحمل فعله على جلد أربعين بجريدتين أو بنعلين، وأيضا فإن الأربعين عدد جلد يقدر في حد العبيد، فوجب أن لا يكون حدا للخمر كالخمسين. أو نقول: الأربعين جعلت جلدا في العبد؛ لنقصانه، فلا يكون بنفسها حدا في الخمر؛ كالخمسين، ولا يلزم عليه القطع؛ لأنه ليس بجلد، ولأنه لم يجعل حدا للعبد لنقصانه؛ إذ الجزء يساويه فيه (٢). فإن قيل: حد الحر لا يجوز أن يكون حدا لحر في السبب الواحد، فأما في سببين مختلفين فلا يمنع (٣). قيل: وقد يمتنع بدليل الخمسين لما كانت حدا للعبد في الزنا لم يكن حدا للحر لا في الزنا ولا في غيره، ولأنه حد يقام على حر، فوجب أن لا يكون مقدرا بالأربعين؛ كحد القذف وغيره (٤). فإن قيل: لا يجوز اعتبار بعض الحدود ببعض في المقدار؛ لاختلافها في المقدار (٥). قيل: إنما لا يجوز اعتبار المنصوص منها بعضه ببعض؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط النص في أحدهما، ومقدار حد الخمر مجتهد فيه فلا يمتنع اعتباره بالمنصوص عليه، ولأنه يؤدي إلى إسقاط النص، ولأن الشرب سبب واحد فلا يتعلق به حد وتعزير (٦)؛ كالزنا، وعندهم يجلد الإمام ثمانين نصفها تعزيرًا (٧).

стр. 144

فإن قيل: الحد يجب بالشرب، والتعزير بالسكر أو بالهجر (١). قيل: التعليل للشارب إذا لم يسكر ولم يهجر. واحتج المخالف: بما روى ابن بطة بإسناده عن عبد الرحمن بن أزهر (٢) قال: رأيت رسول الله ﷺ غزاة الفتح (٣) وأنا غلام شاب يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد، فأتي بشارب فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بنعله، ومنهم من ضربه بسوطه، ومنهم من ضربه بعصا، وحثا عليه رسول الله ﷺ التراب، فلما كان أبو بكر ﵁ أتي بشارب فسألهم عن ضرب رسول الله ﷺ فحزروه (٤) أربعين، فضرب أبو بكر أربعين فلما كان عمر ﵁ كتب إليه خالد بن الوليد فذكر كلمة معناها هذا [أن الناس] (٥) قد أسرعوا في الشراب وحاقروا العقوبة، فقال: هم عندك فسلهم، وعندنا المهاجرون الأولون، فسألهم، فأمروه أن يضرب ثمانين (٦). قال الزهري (٧): وأخبرني حميد بن عبد الرحمن (٨) أن عمر ﵁ كان إذا أتي بشارب

стр. 145

مدمن ضربه ثمانين، وإذا أتى بشارب يرجو توبته ضربه كحد أبي بكر (١). وهذا يدل على أن الحد فيه أربعون، وأن الزيادة من جهة الصحابة على سبيل التعزير (٢). والجواب عن قوله: "حزروه أربعين بجريدتين أو بنعلين أو بسوط له مرة" (٣). وأما قولهم: إن الزيادة حصلت من الصحابة على سبيل التعزير لا يصح لوجوه: أحدها: أن التعزير لا يبلغ به أربعين. والثاني: عن علي ما يمنع من هذا؛ لأنه شبهه بحد القذف، والزيادة على الأربعين في حد القذف ليس على وجه التعزير. الثالث: أن الحدود لا يضم إليها تعزيرا إلا أن ينضم إلى سببها غيره. الرابع: أن عمر أمر خالدًا أن يجلد ثمانين، ولم يخيره في بعضها ولو كان تعزيرًا أخبره (٤). فإن قيل: فقد روى الدارقطني بإسناده عن عمير بن سعيد (٥) قال: قال علي بن أبي طالب: "لا أجد أحدًا يصيب حدا فأقيمه عليه، فيموت، فأرى [أني] (٦) أديه إلا صاحب

стр. 146

الخمر، فإن رسول الله ﷺ لم يسن فيه شيئا" (١). وروى بعضهم فيه زيادة "فإنه شيء عملناه بآرائنا" (٢)، والذي رأوه بعد النبي ﷺ هو الزيادة على الأربعين، فدل على أنهم لم يروا الزيادة واجبة (٣). قيل: لو كان كذلك لكان يقول: ما عملنا نصفه بآرائنا، فلما قال: عملناه يعني جميع الحدود علم فساد ما أوردوه، ويكون معنى قوله: "عملناه بآرائنا أنهم اجتهدوا في نقله عن الجريد والنعال إلى السوط، وعن ضرب الثمانين في أربعين دفعة إلى تفريقها، ولم يجتهدوا في الزيادة من جهة العدد (٤). واحتج: بما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن المختار (٥) نا عبد الله بن فيروز (٦) حدثني حضين بن المنذر (٧) قال: أتي بالوليد بن عقبة (٨) فشهد عليه حمران (٩)

стр. 147

ورجل آخر شهد أحدهما أنه رآه شرب الخمر، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي أقم عليه الحد، فقال علي للحسن (١): أقم عليه الحد، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها (٢)، قال لعبد الله بن جعفر (٣) أقم عليه الحد، فأخذ السوط وجلده، وعلي يعد، فلما بلغ أربعين جلدة قال: أمسك. جلد النبي ﷺ أربعين، قال عبد العزيز وأحسبه قال: وأبو بكر، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة" (٤) (٥). والجواب: أنه محمول على أنه جلد أربعين بسوط له طرفان.

стр. 148

والذي يبين صحة هذا شيئان: أحدهما: ما روى بعضهم عن عمرو بن دينار (١) عن محمد بن علي (٢) عن أبيه (٣) أن عليًا جلد الوليد أربعين سوطًا له طرفان (٤). والثاني: أنه قال: "جلد النبي ﷺ وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل ذلك سنة" (٥)، فأثبت أن الجميع سنة، فوجب حمله على ما ذكرنا، وهو أن رسول الله ﷺ جلد أربعين بسوط له طرفان، وكذلك أبو بكر، وجلد عمر ثمانين بسوط له طرف واحد (٦). والذي يبين صحة هذا: ما روى أبو بكر في كتاب الشافي (٧) بإسناده عن عطاء بن أبي مروان (٨) عن أبي أبيه (٩) قال: أتى علي

стр. 149

بالنجاشي (١) قد شرب في رمضان فضربه ثمانين ثم أمر به إلى الحبس ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين قال: إنما ضربتك هذه العشرين؛ لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله تعالى (٢). واحتج: بأنه فعل يوجب الحد، فوجب أن يختص بعدد لا يشاركه فيه غيره قياسا على الزنا وعلى القذف (٣). والجواب: أن تقلبه فتقول: وجب أن لا يكون مقدرًا بأربعين. دليله: ما ذكرت، ولأنه ينتقض بالردة، وقطع الطريق، وزنا المحصن كل واحد منهما سبب في الحد، وموجب جميعها القتل، فتشترك فيه، وإن اختلفت صفته، ولأن الحدود تختلف مقاديرها ثم ليس في شيء منها حد يستوي الحر والعبد في عدده، والأربعين حد للعبد فلا يكون حدًا للحر (٤). ٣ - مسألة: السكر الذي يمنع صحة العبادات، ودخول المسجد، ويوجب الفسق على شارب النبيذ، ونحوه هو: الذي يخلط في كلامه (٥)، نص عليه في رواية حنبل فقال: "السكران الذي إذا وضع ثيابه في ثياب فلم يعرفها أو وضع نعله بين نعال فلم يعرفها، وإذا هذى فأكثر كلامه وكان معروفا بغير ذلك" (٦) أو كان رجلًا له عقل فخالف

стр. 150

ذلك إلى غيره (١)، وهو قول أبي يوسف (٢) ومحمد (٣) (٤). وقال أبو حنيفة: "هو الذي لا يعقل صاحبه الأرض من السماء، ولا المرأة من الرجل" (٥). دليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فجعل معرفة الكلام والعلم به غاية للسكر، فدل على أن اختلاط الكلام يوجب كونه سكرانا، وروي أن النبي ﷺ "أتي بسكران، فأمر بأن يحد قال: ما شربت إلا الخليط" (٦)، فلو كان الأمر على ما قاله لما حده. وحديث عمر حين جلد الأعرابي، فقال: "أتجلدني يا أمير المؤمنين، وإنما شربت من إداوتك" (٧)، ولأن هذا يسمى سكرانًا في العادة، ووجوب الحد يتعلق به، فوجب أن يحد (٨).

стр. 151

واحتج المخالف بأن حد السكر الموجب للحد لما كان مختلفًا فيه لم يوجب الحد إلا بتيقن وهو السكر المتفق عليه مهما شككنا فيه أنه مما يوجب الحد أو لا يوجبه أسقطنا الحد فيه من قبل أنا لا نوجب الحد بالشك (١). والجواب: أن هذا الضرب من الشك لا الشك لا يوجب إسقاط الحد بدليل أن من وطئ امرأة يظنها زوجته فبان أنها أجنبية، فإن عند أبي حنيفة يجب الحد، وإن كان مشكوكا فيه؛ لحصول الاختلاف في إيجابه بهذا الوطئ (٢)، وكذلك قتل الجماعة بالواحد (٣)، وقتل الحر بالعبد (٤)، والمسلم بالكافر مختلف في ذلك ويوجب الحد (٥) (٦). واحتج: بأن الفعل إذا كان مختلفا فيه هل يتعلق به وجوب الحد أم لا يجب به الحد؛ كالقتل المختلف فيه هل هو عمد أو خطأ؟ وكالوطئ المختلف فيه هل هو زنا أم لا يجب القصاص والحد؟ (٧). والجواب عنه: ما تقدم (٨). وفي المسألة حكاية ذكرها أبو حفص (٩) في تعاليقه عن أبي عبد الله بن بطة قال: نا أبو صالح محمد بن ثابت (١٠) قال: كنا في مجلس إسماعيل بن إسحاق

стр. 152

القاضي (١) وعنده فقهاء، فتذاكروا مسألة السكر وحد السكر ما هو؟ فتكلموا فيها، وفي القوم أبو العباس المبرد (٢) فقال له إسماعيل إيش تقول في هذه المسألة؟، فقال: أصلح الله القاضي أهل كل صناعة أعلم بصناعتهم، وليس الفقه من عملي، ولكن أكثر ما في هذا عندي بيت لأبي نواس (٣). اسقني حتى تراني حسنا عندي القبيح (٤) فقال له إسماعيل: ما تركت للفقهاء عليك مزيدًا. ٤ - مسألة: إذا أقر بشرب الخمر والرائحة لا توجد حد (٥)، وقال أبو حنيفة: لا يحد (٦). دليلنا: أن الإقرار لفظ ثبت به إقامة حد الشرب، فلا يعتبر معه بقاء الرائحة (٧).

стр. 153

دليله: إذا أخذه الشهود والرائحة موجودة ثم انقطعت قبل أن يرفع إلى الإمام ثم رفع إليه بعد ذلك أنه تقبل شهادته (١). فإن قيل: إذا أخذه الشهود والرائحة موجودة، فقد صحت المطالبة؛ لأنهم يشهدون على معاينة الشرب، فلهذا لم يعتبر بقاء الرائحة في حال الإقامة، وليس كذلك الإقرار؛ لأن الرائحة إذا لم تكن موجودة بطل إقراره؛ لأنها علم على الشرب (٢). قيل: قولك: "إذا لم تكن الرائحة موجودة بطل إقراره" نفس الخلاف عندنا أنه صحيح، وقولك: "لأنها علم على الشرب" فهذا يوجب أن يحكم بمجردها من غير إقرار ولا بينة تشهد بالشرب؛ كما قال مالك، ولما لم يحكم بمجردها دل على أنه لا اعتبار بها (٣). واحتج المخالف بأن الشرب له علم يستدل به على وجوده بعد مضي الفعل، فإذا لم يكن موجودًا لم يكن لإقراره حكم؛ لأنه يصير كأنه يدل ظهره لإقامة الحد عليه، ولو قال: قطعت يد فلان ويده صحيحة لم يكن لإقراره حكم كذلك هذا، وليس كذلك سائر الحدود؛ لأنه ليس هناك علم يستدل به على وجود الفعل منه بعد تقصيه، فقبل إقراره به (٤). والجواب: أنه لو كانت الرائحة علم يستدل بها على وجود الفعل أوجب أن يحكم بمجردها من غير إقرار بالشرب ولا قيام بينة على الشرب؛ كما قال مالك، ولما لم يحكم بها دل على أنه لا اعتبار بقيامها ولا يشبه هذا ما ذكروه من قطع اليد؛ لأننا نتحقق كذبه في إقراره، ولا نتحقق ذلك في الشرب (٥).

стр. 154

٥ - مسألة: لا يجب حد الشرب بوجود الرائحة. نص عليه في رواية حنبل، وقد سئل هل في الريح حد؟ فقال: أرى الأدب على من وجد منه الريح، فإذا تبين رأيت عليه الحد، ألا ترى أن عمر قال: "إني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته" (١)، فلم يجعل في الريح (٢). قال أبو بكر في كتابه نقل أبو طالب عليه الحد من الريح. قال أبو بكر: معنى إذا تيقن أنه مسكر، فأما إن كانت الرائحة يمكن أن تكون من المسكر، ويمكن أن تكون من غيره فلا حد عليه (٣)، وبهذا قال أبو حنيفة (٤) والشافعي (٥). قال مالك: إن شهد اثنان أن هذا رائحة خمر حد، وصفة الشاهدين على الرائحة أن يكونا ممن شربها في كفر أو في إسلام ثم تاب (٦). دليلنا: قوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات" (٧)، وهذا شبهة؛ لأنه يحتمل أن يكون أكره على الشرب، ويحتمل أن يكون يعتقدها غير مسكر، فيتبين مسكرا، ويحتمل أن

стр. 155

يعتقد أنه ما اشتد فبان أنه اشتد ولأنه قد شم منه رائحة كرائحة الشراب وإن لم يكن شرب، فإنه يقال: رائحة النبق (١) إذا أدرك رائحة الخمر، وكذلك رائحة التفاح الشامي، فإذا احتمل كل هذا لم يجز عليه الحد بالشبهة (٢). واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "من وجدتم منه رائحة خمر فاجلدوه" (٣). والجواب: أن هذا غير محفوظ ثم هو محمول عليه إذا أقر بها أو شهد عليه بها. واحتج: بما روي عن عمر ﵁ أنه وجد من ابنه عبيد الله (٤) ريح شراب فقال: إني سائل عنه فسأل، وكان يسكر فحده (٥) (٦). والجواب: أن ابنه اعترف أنه شرب الطلا (٧)، وكان ذلك يسكر، فجلده باعترافه رواه

стр. 156

أبو حفص بإسناده أن عمر خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شرب الطلا، وأنا سائل عما يشرب، فإن كان يسكر جلدته الحد (١). واحتج بما روي أن عبد الله بن مسعود ورد إلى حمص (٢)، فسألوه أن يقرأ لهم شيئا من القرآن فقرأ سورة يوسف، فقال له رجل: ما هكذا أنزل القرآن، فقال: هكذا قرأت على النبي ﷺ فما زال الرجل يراجعه حتى شم من الرجل رائحة الخمر، فقال أتشرب النجس وتكذب بالقرآن والله لا برحت حتى أحدك، وحده (٣). والجواب: أنه يحتمل أن يكون شهد عنده أنه شرب مسكرا أو علم ذلك من جهته بدليل ما ذكرنا (٤). ٦ - مسألة: حد شرب الخمر يستوفي بالسوط (٥) على ظاهر كلام الخرقي: "ويضرب الرجل في سائر الحدود قائما بسوط" (٦)، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل (٧)، معنى حديث النبي ﷺ "أمر في الخمر بالقتل" (٨)، كان قبل أن تفترض الفرائض

стр. 157

وتحد الحدود؛ لأن النبي ﷺ ضرب بالجريد والنعال ثم صار الخمر بعد ذلك شيئا معلوما، وظاهر هذا يقتضي أن الضرب بالنعال والجريد كان في صدر الإسلام (١)، خلافا للشافعي في قوله: يقام عليه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب (٢). دليلنا: ما تقدم من قول النبي ﷺ من شرب الخمر فاجلدوه" (٣)، وإنما يكون الجلد بالسوط (٤). وروى أحمد بإسناده عن أبي سعيد قال: "جلد على عهد رسول الله ﷺ بنعلين أربعين، فلما كان في زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا" (٥)، وهذا يقتضي أن ذلك منسوخ (٦). وروي أن عثمان قال لعلي أقم الحد على الوليد بن عقبة، فقال لعبد الله بن جعفر "أقم عليه الحد فضربه بسوط، وعلي يعد حتى بلغ أربعين. قال: حسبك" (٧)، ولأنه حد ذو عدد فكان بالسوط كالزنا والقذف. (٨).

стр. 158

واحتج المخالف: بما روى عبد الرحمن بن أزهر قال: أتي النبي ﷺ بشارب فقال: "اضربوه"، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب (١) (٢). والجواب: أن هذا محمول على أنه كان في صدر الإسلام بدليل ما روينا عن عمر (٣). واحتج: بأنه لما خالف الحدود في نقصان العدد خالفها في صفة ما يقام به الحد (٤). والجواب: أنه لا يخالف على الرواية المشهورة، وإن خالف فإن نقصان العدد يوجب المخالفة في السوط بدليل حد القذف مع حد الزنا (٥). ٧ - مسألة: إذا زاد الإمام على الحد سوطا فمات. قال أبو بكر: وجب عليه كمال الدية (٦)، وفيه قول آخر: نصف الدية (٧)، والأول أشبه بالمذهب، فإنه قد نص في الإجارة: إذا استأجر أرطالا معلومة فزاد عليها ضمن جميع القيمة، ولم يقسط الضمان (٨)، خلافا للشافعي في قوله: يقسط (٩). دليلنا: أن الألم الذي حصل باستيفاء الحد يجري مجرى الألم الحاصل بالمرض؛ لأن الجميع من جهة الله تعالى؛ لأنه أمر بإقامة الحد كما قضى بالمرض ثم ثبت أن الإمام

стр. 159

لو ضرب مريضا سوطا واحدا فمات كان عليه كمال الدية وإن كان المرض سببا فيه، ولأن الإتلاف حصل عن فعل مستحق أو غير مستحق فكمل الضمان في جنبه غير المستحق (١). دليله: لو استأجر دابة لمسيرة أربعين فرسخا (٢)، فجاوز بها فرسخا وماتت ضمن كمال القيمة (٣)، كذلك ههنا، ولا يلزم عليه إذا جرح نفسه وجرحه غيره أو جرحه في حال ردة جرحًا وبعد إسلامه آخر ومات أن الضمان يتقسط؛ لقولنا مستحق وغير مستحق وليس واحد من الجرحين مستحق (٤)، وكذلك إذا جرح صيده وجرحه آخر ومات تقسط الضمان؛ لأن جرحه لصيد نفسه لا يوصف بالاستحقاق، وإذا كان كذلك لم يسلم في الأصل أنه تلف بفعل مستحق وغير مستحق ليس كذلك، ولا يلزم عليه ولي القصاص إذا جرح القاتل جرحا في محل القصاص وجرحه آخر ومات منهما أن جميع الضمان على الأجنبي على قياس مسألتنا؛ لأن أحد الجرحين مستحق والآخر غير مستحق (٥). فإن قيل: إذا جاوز الموضع ضمن ثبوت يده لا بالسراية ألا ترى أن من غصب بهيمة فتلفت في يده من غير أن يستثمرها ضمنها، وإذا كان كذلك لم يسلم الأصل أنه تلف بفعل مستحق وغير مستحق، وليس كذلك ههنا؛ لأن الضمان لأجل السراية والسراية حصلت عن مضمون وغير مضمون (٦). قيل: تبطل علة الأصل عن قطع يد عبد ثم غصبه غاصب وقطع يده الأخرى ومات العبد بسرايتهما، فإن الضمان عليهما، وإن كان الغاصب قد ثبتت يده عليه، وعلة الفرع تبطل بمن رمى صيدًا فأثبته ولم يوجبه، ورمى أخرى غير موجبة ومات من الجرحين فإن

стр. 160

الضمان يجب جميعه على الثاني للأول وإن كنا نعلم أنه مات بالسراية من فعل مضمون وهو الثاني وغير مضمون وهو الأول، وهذا أصل مسلم مذكور في كتاب الصيد، وجعلوا العلة فيه أن ضمان الصيد التحريم، والتحريم حاصل من الثاني دون الأول ويجعل هذا طريقه، فنقول: إتلاف النفس إذا حصل من فعل مأذون وغير مأذون تعلق الضمان بغير المأذون دون المأذون (١). دليله: ما ذكرناه من الصيد ولا يلزم عليه ما تقدم من المسائل وهو إذا جرح نفسه وجرحه غيره أو جرح صيده الذي في يده أو جرحه غيره أن الضمان يتقسط؛ لأن الجرحين غير مأذون فيهما، وما ذكروه من أن ضمان الصيد يتعلق بالتحريم، والتحريم حصل بالثاني دون الأول لا يصح؛ لأن الضمان يتعلق بالإتلاف، وبالإتلاف يحصل التحريم، والإتلاف حصل من فعلهما جميعًا (٢). ٨ - مسألة: لا يجوز شرب الخمر في حال الضرورة. نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم (٣)، وقد سئل: عطش يشرب الخمر؟ فقال: لا. الخمر تعطش، لا يشربها، ورخص في الميتة، ولم يرخص في شرب الخمر (٤)، وقال في رواية أبي طالب (٥) في الخمر:

стр. 161

لا يتداوى به، قليله وكثيره حرام (١)، وقال أيضًا في رواية المروذي في فتى اعتل فوصفوا له دواء يشربه بنبيذ، فأتاه أبوه بقدح نبيذ مسكر، وفيه الدواء الذي وصف له، وقال له: أمك طالق ثلاثا إن لم تشربه، فقال أحمد لا يشربه حرام شربه (٢)، ونحو هذا نقل إسحاق بن إبراهيم (٣). وقال أبو حنيفة: يجوز شربها خوف العطش ولا يجوز التداوي بها (٤)، وقال الشافعي: لا يجوز شربها خوف العطش ويجوز التداوي بها (٥)، ومن أصحابه من منع الجميع (٦). دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله: حرمت الخمرة لعينها" (٧)، وأيضا ما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد (٨) أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر، وقال: إنما

стр. 162

أصنعها للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء ولكن داء" ذكره أبو بكر الخلال في كتاب الطب (١). وروى أحمد في الأشربة بإسناده عن ابن مخارق (٢) أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة و [قد] (٣) نبذت نبيذًا [في جر] (٤) قال: فسمع النبيذ يهدر، فقال لها: "ما هذا؟ " قالت: فلانة اشتكت بطنها فنعت لها [هذا] (٥)، فدفعه برجله فكسره ثم قال: "إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء" (٦)، ولأنه شارب للخمر مع علمه بالتحريم من غير إكراه ولا غلبة ظن في إزالة ضرره، فوجب أن يحرم عليه ذلك (٧). دليله: إذا لم يضطر إلى شربها ولا يلزم عليه إذا وقعت لقمة في حلقه فلم يجد ما يدفعها أنه يجوز أن يذودها بالخمر؛ لأنه يغلب على ظنه زوال ضرورته في تلك الحال كأكل الميتة، وههنا لا نغلب؛ لأن الخمر تعطش ولا تروي، وكذلك لا يتحقق زوال المرض بها مع قوله ﷺ : "ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها" (٨) ولأنه لو اضطر إلى الزنا لم يبح له فعله (٩). واحتج المخالف: بأن تناولها في حال الإكراه فله أن يتناولها في حال الضرورة، دليله الميتة (١٠).

стр. 163

والجواب: أن الرواية مختلفة في تناولها في حال الإكراه، فروي عنه أنه لا يجوز له تناولها، وهو ظاهر ما نقله صالح (١)، واختاره أبو بكر في السير (٢)، ونقل عنه المروذي وجعفر بن محمد جواز ذلك (٣)، فعلى هذا الإكراه لا يضاف الفعل إليه، ولهذا لا يفطر الصائم بالإكراه على الأكل (٤)، وفي حال الاضطرار يضاف الفعل إليه، ولهذا المريض إذا أكل أفطر (٥)، وعلى أن الميتة يحصل بها المقصود وهو الشبع، ولا يحصل ذلك بالخمر؛ لأنها تعطش (٦). واحتج: بأن تحريم الخمر حق الله تعالى وتحريم طعام الغير حق لآدمي، وحق الآدمي آكد من حق الله تعالى، ثم اتفقوا أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير، فتناول ما هو محرم لحق الله تعالى أولى (٧). والجواب: أن طعام الغير يحصل به المقصود، ولأن طعام الغير يحصل به المقصود. ولأن طعام الغير يحصل عنه العوض، وحق الله لا يحصل عنه (٨). واحتج من منع الشرب وأجاز التداوي: بأن الشرب لا يحصل به المقصود وهو الري، والتداوي أكثر ما فيه أنه شيء نجس، وهذا جائز (٩). والجواب: أنا لا نسلم التداوي بنجس؛ لأنهم قد منعوا أكل الدرياق (١٠)؛ لأنه نجس (١١).

стр. 164

٩ - مسألة: إذا صالت البهيمة على إنسان فلم يتمكن من دفعها إلا بقتلها فقتلها، فلا ضمان عليه. نص عليه أحمد في رواية أبي طالب: إذا عدا عليه دابة تريد قتله فقتلها فلا شيء عليه (١)، وذكره الخرقي فقال: إذا حمل عليه جمل صائل، فلم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه، فضربه، فقتله، فلا ضمان عليه (٢)، وهو قول مالك (٣) والشافعي (٤)، قال أبو حنيفة عليه الضمان (٥). دليلنا: له تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وهذا محسن بدفعه ما أتى على نفسه، فوجب أن لا يكون عليه سبيل، وقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" (٦)، وهذه القيمة ماله ولا يجوز أخذها إلا بطيب نفسه بظاهر الخبر (٧). وربما احتج بعضهم: بقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وفيه ضعف؛ لأن فعل البهيمة لا يسمى ظلما، وأيضا فإنه إتلاف بدفع جائر، فلم يتعلق به الضمان. أصل ذلك إذا صال عليه عبد بالغ عاقل، فقتله، ولا يلزم عليه إذا غصب بهيمة فصالت عليه فقتلها على وجه الدفع أنه يضمن؛ لأن هذا الضمان لم يتعلق بالإتلاف، وإنما تعلق بالغصب السابق؛ ألا ترى أنه لو تعذر عليه رده بما لا صنع له فيه وجب عليه ضمانه، ولو صال على غير الغاصب فقتله لم يتعلق ضمانه على القاتل وإنما يجب

стр. 165

ضمانه على الغاصب ولا يرجع به على القاتل الدافع، وقد قيل: قتله بدفع مباح، والعبارة التي ذكرناها أصح من وجهين: أحدهما: أن تخصيص القتل لا معنى له؛ لأنه لا فرق بين أن يقتل وبين أن يقطع طرفا وبين أن يجرح جراحة تنقص بها القيمة، فلا يؤثر تخصيص القتل. والثاني: أن قوله بدفع مباح لا يصح؛ لأن هذا الدفع إما أن يكون واجبا أو مستحبا على ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال في رواية عبد الله في قتال اللصوص: إن كان يغلب عليه أنه إذا أعطى بيده خلوا سبيله، فإن لم يقابلهم رجوت أن يكون [ذلك] (١) له، وإن كان يغلب عليه أنهم يقتلوه فليدفع عن نفسه ما استطاع (٢)، وكذلك نقل الخرقي (٣). وظاهر هذا: أنه أوجب عليه القتال إذا غلب على ظنه أنهم يقتلوه. والوجه فيه: أنه قادر على إحياء نفسه، فلزمه ذلك كما لو كان معه طعام وبه حاجة إلى أكله، فإنه يلزمه، ولا يجوز له تركه، ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على الاستحباب دون الإيجاب؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]، ولم ينكر عليه كف يده، ولأن عثمان [﵁] (٤) لم يقاتل، ومنع غيره، وصبر على القتل (٥). وقد ذكر لأحمد حديث عثمان في رواية محمد بن داود (٦) فقال: تلك فضيلة

стр. 166

لعثمان، والواجب والمستحب غير المباح؛ لأن المباح: ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه (١)، والواجب: في فعله ثواب وفي تركه عقاب (٢)، والمستحب: ما في فعله ثواب وليس في تركه عقاب (٣)، والجائز: ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه، والجائز: ما وافق الشرع، فيكون ذلك عاما في الواجب والمستحب والمباح، وهذا معنى قولنا: صلاة جائزة، وصوم جائز، وعقد جائز أنه موافق للشرع (٤). فإن قيل: المعنى في الأصل أن السيد لا يملك إباحته، فلم يعتبر وجود الإباحة من جهته، وإنما يعتبر إباحة من إليه حظر دمه وهو الله سبحانه، فإذا شهر على رجل سلاحا، فقد ارتفع الحظر من جهته ووجدت الإباحة، والإباحة إليه دون مالكه، فلم يجب على قاتله شيء، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن صاحبه يملك إباحته، ولم توجد الإباحة من جهته، فوجب أن لا يسقط الضمان عن متلفه كالطعام (٥). قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في مسألتنا كما لم يوجب الفرق بينهما في إباحة إتلافه، ولما ثبت تساويهما في جواز الإتلاف يجب أن يتساويا في إسقاط الضمان، وعلى السيد إن لم يملك إباحته فإن إباحته مؤثرة في إسقاط الضمان، بدليل أنه إذا أذن لغيره في قتله من غير صول لم يضمن قيمته، ولو قتله من غير إذن ضمن قيمته (٦). فإن قيل: العبد يملك إباحة دمه بدلالة أنه لو ارتد عن الإسلام قتل، وكذلك لو قتل رجلًا عمدا أو أقر بقتل، فلما كان مالكًا لإباحة دمه من هذه الوجوه كذلك في حمله على غيره بالسلاح، وهذا معدوم في البهيمة (٧). قيل: الإنسان لا يملك إباحة دمه ألا ترى أنه إذا قال لغيره: أبحت لك دمي، لم يجز

стр. 167

له أن يستبيحه، ولم يكن لقوله تأثير في إباحته وإزالة حظره، وأما الردة وقتل النفس فإنه لا يملك ذلك؛ لأنه لا يجوز له أن يرتد ويقتل، فإذا فعل صار دمه مباحًا، وأما إذا أقر بالجناية فإن الإقرار لا يبيح الدم وإنما الدم يصير مباحًا بجنايته المتقدمة، ولذلك قتل البهيمة يكون مباحًا بوجود السبب المبيح، وإن سببت قست بالعبارة المتقدمة على الصيد إذا صال على المحرم فقتله دفعا عن نفسه أنه لا جزاء عليه كذلك ههنا (١). فإن قيل: الجزاء حق الله تعالى وقد أذن في إتلافه، فلهذا لم يجب الجزاء، والحق ههنا لصاحب البهيمة؛ لأن القيمة له ولم يأذن في إتلافها، فلهذا وجب الضمان (٢). قيل: الجواب عنه ما تقدم وهو أن هذا لم يوجب الفرق بينهما في إباحة القتل كذلك في الضمان، ويبطل بالعبد إذا صال فإن قيمته حق لآدمي ويسقط ضمانها وإن لم يأذن (٣). واحتج المخالف: بأنه لا يتعلق بإتلافه وجوب الكفارة بحال فوجب أن لا يسقط الضمان عن متلفه لأجل الضرورة قياسا على طعام غيره إذا اضطر إليه فأكله أنه يضمن، وفيه احتراز من العبد؛ لأنه لا يجب بإتلافه كفارة، وربما قالوا: صاحبه يملك إباحته على وجه وهو أن يأذن في نحره فإذا لم توجد الإباحة منه وجب الضمان على متلفه قياسا على الطعام وفيه احتراز من العبد (٤). والجواب: أن سقوط الكفارة لا تأثير له في الضمان وإيجابها لا تأثير له في إثبات الضمان. يدل عليه: أن الصبي والمجنون لو صال على رجل فقتله دفعا وجب الضمان عند أبي حنيفة كالبهيمة سواء، وإن كانت الكفارة تتعلق بإتلافه (٥)، كما يجب الضمان عنده بقتل البهيمة، وإن لم يتعلق بإتلافها كفارة (٦)، وكذلك إذا كان الإتلاف لحاجته إلى أكله

стр. 168

وجب الضمان فيما يضمن بالكفارة وفيما لا يضمن (١)، وكذلك لو نسي فأكل في صوم رمضان أو جامع أو قاء لم يجب عليه القضاء عندهم (٢)، وإن كان الأكل والجماع يتعلق به الكفارة والقيء لا كفارة فيه، ثم نقول بموجبه وإن الضمان لا يسقط عن متلفه لأجل الضرورة، وإلا يسقط. وهذا الجواب على قولهم يملك إباحته على وجه، وهو أن ما يملك إباحته وهو البهيمة وما لا يملك إباحته على وجه، وهو أن ما يملك إباحته وهو البهيمة، وما لا يملك إباحته؛ كالمجنون والصبي سواء في الضمان، ثم المعنى في الطعام أنه يأكله في ملكه؛ لأنه إذا قبضه كان بمنزلة المستقرض، وقد أباح له صاحب الشريعة أن يستقرض للضرورة، فإذا أتلفه كان متلفا لملك نفسه ثم لا يجوز اعتبار الدافع بالمضطر؛ لأن من أكل عند غيره لضرورته إلى أكله، ضمنه، وإذا قتله دفعا عن نفسه لا يضمنه، وكذلك إذا قتل المحرم صيدًا لضرورته إلى أكله ضمنه، وإن قتله دفعا عن نفسه لم يضمنه، ولأن المضطر أتلف الطعام لمعنى في نفسه ألجأه إلى أكله وإتلافه، فلهذا ضمنه، وليس كذلك إذا صال عليه، فإن ذلك معنى من جهة الصائل، فإذا أتلفه لم يضمن. يبين صحة الفرق العبد والصيد إذا قتلهما دفعا لم يجب عليه الضمان، وإذا أكلهما للضرورة وجب الضمان (٣). واحتج بأنه: أتلف مال غيره بغير إذنه لإحياء نفسه فوجب أن يلزمه الضمان؛ كالمضطر إلى طعام غيره (٤). والجواب: أنه ينتقض به إذا صال عليه العبد فقتله، ثم لا تأثير له في الأصل ولا في الفرع، أما في الأصل فإن الضمان يجب عليه ولو كان الإتلاف لغير إحياء نفسه، وكذلك في الفرع فإنه لو قتله دفعا عن ماله لم يلزمه الضمان، والمعنى في الأصل ما تقدم (٥).

стр. 169

واحتج: بأن قصد البهيمة وفعلها لا حكم له ألا تراه لو تحقق منها الجناية والقتل لم نستبح إتلافها وإسقاط ضمان حق مالكها، فبأن لا يستباح ذلك عند خوف الجناية منها أولى (١). والجواب: أن قصد البهيمة في هذا الموضع له حكم ألا ترى أنه يستباح به إتلافها، ولم يكن ذلك [مستباحا] (٢) قبل الصول، وما ذكروه منه إذا تحقق وجود الجناية منها فإنما لم يجز إتلافها هناك؛ لأن ذلك طريقة العقوبة والاقتصاص وليست البهيمة من أهل العقوبات، فأما ههنا فقتلها على وجه الدفع والاستيفاء محل وأثر في إسقاط الضمان؛ ألا ترى أنه بعد تحقق الجناية منها لا يجوز قتلها بشرط أن لا يضمن قيمتها لصاحبها، وههنا يجوز ذلك، فدل على الفصل بينهما (٣). ١٠ - مسألة: إذا عض رجل يد رجل حال الخصومة وغيرها فانتزع يده، فسقطت سن العاض فلا ضمان. نص عليه في رواية عبد الله وقد ذكر له حديث يعلى بن أمية (٤) عن أبيه (٥) قال: قاتل أجيري رجلًا فعض يده فانتزع يده من فيه، وذكر الحديث بطوله، فقال إليه أذهب (٦)، وهو قول

стр. 170

أبي حنيفة (١)، والشافعي (٢)، قال مالك عليه الضمان (٣). دليلنا: ما روى أحمد في مسائل عبد الله نا يحيى بن سعيد عن ابن جريج (٤) قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: قاتل أجيري رجلًا فعض يده فانتزع يده من فيه، فأندر ثنيته، فأتى النبي ﷺ فأهدره. قال: "أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضمها الفحل" (٥). وروى ابن بطة بإسناده عن صفوان بن عبد الله بن صفوان (٦) عن عميه يعلى بن أمية وسلمة بن أمية (٧) قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا من أهل

стр. 171

مكة، فقاتل رجلًا فعض الرجل ذراعه فجذبها من فيه، فسقطت ثنيتاه، فذهب إلى النبي ﷺ يلتمس العقل، فقال رسول الله ﷺ : ينطلق أحدكم إلى أخيه فيعضه عضيض الفحل ثم يأتي يلتمس العقل، فإنه لا حق لك" (١)، فأبطلها رسول الله ﷺ (٢). فإن قيل: يحتمل أن يكون سقوط سنه من شدة العض لا من نزع صاحب اليد (٣). قيل: قوله: "أيدع يده في فيك تقضمها كأنها في فحل" يدل على أن سقوطها كان بسبب نزع يده، ولو كان سقوطها من شدة العضة لم يعلل بذلك، ولأنه لو كان السقوط من شدة العض لم يختصما إلى النبي ﷺ في ذلك؛ لأن سقوطها كان من فعله فكيف يرافعه إلى النبي ﷺ في الضمان (٤). فإن قيل: كان لا يقدر على منعه من العض بوجه غير قلع سنه (٥). قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لو كان الحكم يختلف لكان النبي ﷺ يستفصل، ولأن النبي ﷺ جعل العلة في ذلك أن يده في فيه تقضمها، وهذا المعنى موجود فيه وإن كان قادرا على نزعها بوجه. وأيضا: فإن حرمة النفس آكد من حرمة السن ثم ثبت أنه لو قصده فلم يمكنه دفعه

стр. 172

إلا بقتله فقتله لم يلزمه ضمان النفس فبأن لا يجب ضمان السن أولى (١). فإن قيل: الأصل حجة عليكم؛ لأنه لا يجوز له قتله إذا كان يمكنه دفعه بأسهل من ذلك (٢). قيل: هناك يدفعه بالأسهل ما لم يقع ضرر فإذا وقع به جاز له قتله، ولههنا الضرر واقع بالمعضوض بالعض. وجواب آخر أجود من هذا مذكور في المسألة التي بعدها وهو: أن ذلك مجتهد فيه، وهذا منصوص عليه بقوله: "أيدع يده في فيك تقضمها" (٣). فإن قيل: هناك قد تحقق قصده لنفسه وماله فلهذا كان له دفعه بالقتل، وههنا هو غير متحقق قصده لإتلاف العضو المعضوض؛ لجواز أن يكون قصده، ويجوز أن يكون غير ذلك. (٤). قيل له: كيف لا يتحقق قصده للعضو وقد وجد العض الذي يقصد به العضو (٥). واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "في السن خمس من الإبل" (٦). والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا بما ذكرنا (٧).

стр. 173

واحتج بأن العاض لم يحصل منه جناية، وقد حصلت الجناية من المعضوض فيجب أن يضمن (١). والجواب: أنه إذا هجم عليه في منزله ورفع عليه السلاح ليقتله فلم توجد الجناية، ومع هذا إذا قتله دفعا لم يكن مضمونا عليه كذلك ههنا (٢). ١١ - مسألة: إذا اطلع في بيت رجل فنظر إلى حرمته أو عورته فله أن يرمي عينه، فإذا فعل فذهبت فلا ضمان (٣)، نص عليه في رواية على بن سعيد (٤) وقد سأله عن حديث النبي ﷺ : "من نظر في دار قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه" (٥)، هل يهدر فعل ذلك؟ قال: نعم. ينظر إلى حرمة الرجل!! وجعل يستعظم ذلك (٦)، وهو قول الشافعي (٧)، قال أبو حنيفة: عليه الضمان (٨).

стр. 174

دليلنا: ما روى الدارقطني بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاص" (١)، وروى أبو إسحاق الشالنجي (٢) بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو اطلع أحد في بيتك ولم تأذن له فخذفته بحصاة، ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" (٣). وروى أيضًا بإسناده عن هزيل بن شرحبيل (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "من اطلع في دار قوم فرمي بحصاة أو نواة ففقئت عينه بطلت منه" (٥). وروى أيضًا بإسناده عن سهل بن سعد أن رجلًا اطلع في جحر من باب النبي ﷺ ورسول الله ﷺ يحك رأسه بمدراة فقال رسول الله ﷺ : "لو علمت أنك تنظرني لطمست أو لطعنت بها عينك" (٦).

стр. 175

فإن قيل: يحمل هذا عليه إذا لم يمكن منعه من الاطلاع إلا بفقأ عينه (١). قيل: لا يصح. هذا من وجهين: أحدهما: أنه لا يجوز أن يقال: إن النبي ﷺ ما كان يتمكن من منعه وسد الثقبة التي في حجرته، وكذلك غير النبي ﷺ لا يتعذر عليه ذلك. والثاني: أن الألفاظ [وردت] (٢) عنه متكررة بألفاظ مختلفة، ولم يعتبر تعذر المنع فوجب حملها على الإطلاق (٣). فإن قيل: يحتمل أن يكون أراد بذلك إذا اطلع وهو مستبيح للنظر (٤). قيل: إذا استباح النظر حل قتله وإتلافه سواء اطلع أو لم يطلع (٥). فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد وهو مخالف للأصول فلا يحتج به (٦). قيل: خبر الواحد أصل بنفسه فهو كسائر الأصول، ولأن أبا حنيفة قدمه على الأصول في مواضع (٧).

стр. 176

منها حديث ابن مسعود في جواز التوضئ بالنبيذ (١)، وحديث أبي هريرة في الأكل ناسيًا لا يفسد صومه (٢)، وحديث عمر في عين الدابة بربع الدية (٣)، ولأن السنة وردت في رمي عينه كما وردت في نزع يد المعضوض من فم العاض، ثم ثبت أنه لا يلزم المعضوض يده أن يسأل العاض بالقول، ويزجره بالكلام؛ ليزيل فمه عن يده وجاز له نزعها وإن سقطت أسنانه؛ كذلك يجب أن يجوز له رمي عينه من غير أن يزجره بقوله وسده الثقبة ليساويهما في الأذن، وقد دل على الأصل حديث يعلى بن أمية وقد تقدم لفظه (٤). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] (٥). والجواب: أنا نحمله على غير مسألتنا بدليل خاص السنة (٦).

стр. 177

واحتج: بأنه يمكنه أن يمنعه من الاطلاع في بيته بأن يزجره بالقول أو يسد الموضع أو ينحيه، فإذا لم يفعل ذلك وفقأ عينه لزمه حكم الجناية كما لو قلعت عينه ابتداء أو نظر إلى حرمته في الطريق أو كشف عورته في الحمام فنظر إليها أو قعد في المسجد وعورته مكشوفة والباب مغلق عليه (١). والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة ثم لا يجوز اعتبار قلع العين ابتداء بقلعها إذا كان مطلعا كما لم يجز اعتبار من قلع سن غيره بنزع يده من فيه بمن قلعها من غير عض، وأما إذا كشف عورته في الحمام أو في المسجد فهو المضيع لحقه والمسقط لحرمته فإن له أن يجلس في منزله مكشوف العورة، فإذا نظر إليها كان الناظر جانيا ومسقطا لحرمة عينه فلم يجب ضمانها (٢). وأما إذا نظر إلى حرمته في الطريق: فإن كان من فوق الثياب فما هتك الحرمة بذلك النظر وإن كان النظر إلى وجهها وجسدها. فالجواب عنه: ما تقدم، وهو أنها هي المسقطة لحرمة نفسها، وإذا كان ذلك في المنزل فالناظر هو الهاتك لحرمته ولهذا قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإذن من أجل الأبصار" رواه الشالنجي بإسناده عن سهل بن سعد (٣) (٤).

стр. 178

واحتج: بأنه لو كان له رمي عينه لكان إذا مات منه أن لا يجب عليه ضمانه (١). والجواب: أنه إن رماه بشيء خفيف أو طعنه بعود أو بحديد لا يقتل في الغالب فأدى إلى موته لم يجب ضمان نفسه وكان هدرا؛ لأنه مات من رمي مأذون (٢). واحتج: بأنه لو هجم عليه في داره لم يجز له رمي عينه فإذا لم يدخل إلى داره وإنما نظر من ثقبه أولى أن لا يكون له رمى عينه (٣). والجواب: أنه لو قيل: إن له رمي عينيه قياسا على الموضع الذي وردت فيه السنة لم يمتنع، وإن قلنا ليس له ذلك وإنما يأمره بالانصراف من داره فإن انصرف وإلا قاتله بأيسر ما يقدر على صرفه به، فإن لم ينصرف إلا بما يأتي عليه فعله ولم يجب عليه ضمانه، وكان الفرق بين الموضعين من وجهين: أحدهما: أن موضع الخلاف موضع النص فلا يجب عليه الاجتهاد فيما يضر به، وليس كذلك دخول الدار فإنه لا نص فيه فلزمه الاجتهاد فيما يضر به كما قلنا في المعضوض: يجوز نزع يده من فيه من غير قول، وإن سقطت منه أسنانه؛ لأنه موضع البصر، وفي دخول الدار بخلاف ذلك. والثاني: أنه إذا دخل داره انتقل الدفع إلى جميع البدن وسقط اعتبار الطرق، وليس كذلك المطلع من ثقبه أو روزنه (٤)؛ لأن الجناية لم تتعلق بجميع البدن فكان الحكم للطرف (٥).

стр. 179

واحتج: بأنه لو هجم عليه في منزله فطلب نفسه دفعه بالأسهل، ولم يكن له أن يبتديه بالقتل كذلك ههنا (١). والجواب: أن ذلك الدفع مجتهد فيه، وهذا منصوص عليه بدليل قول النبي ﷺ : "لو علمت لطعنت عينك" (٢)، فأخبر أنه كان يبتديه بذلك (٣). ١٢ - مسألة: ما أفسدت البهائم بالنهار، فليس على صاحبها ضمان إذا لم تكن يده عليها، وما أفسدت بالليل فضمانه عليه. نص عليه في رواية أبي الحارث (٤)، وموسى بن سعيد الدنداني (٥)، والميموني (٦)، وأبي طالب (٧)، وهو قول مالك (٨)، والشافعي (٩)، وقال أبو حنيفة: لا ضمان على أربابها إلا أن يكون معها قائدًا أو راكبًا أو سائقًا أو مرسلًا (١٠).

стр. 180

دليلنا على أنه يضمن ما جنته ليلا وإن لم تكن يده عليها: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلى قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وفي هذا دلالة على أن جناية البهيمة مضمونة بالليل؛ لأن سليمان ﵇ حكم بأن تسلم الغنم إلى أصحاب الحرث لينتفعوا به إلى أن يعود الحرث إلى حاله، وقيل: إنه كان كرما فصوب الله تعالى حكمه، والنفش لا يكون إلا بالليل (١). وأيضًا ما روى أحمد في المسند نا محمد بن مصعب (٢) نا الأوزاعي (٣) عن الزهري عن حرام بن محيصة (٤) عن البراء بن عازب (٥) أنه كان له ناقة ضارية، فدخلت حائطا
следующие страницы →