← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

منها حديث ابن مسعود في جواز التوضئ بالنبيذ (١)، وحديث أبي هريرة في الأكل ناسيًا لا يفسد صومه (٢)، وحديث عمر في عين الدابة بربع الدية (٣)، ولأن السنة وردت في رمي عينه كما وردت في نزع يد المعضوض من فم العاض، ثم ثبت أنه لا يلزم المعضوض يده أن يسأل العاض بالقول، ويزجره بالكلام؛ ليزيل فمه عن يده وجاز له نزعها وإن سقطت أسنانه؛ كذلك يجب أن يجوز له رمي عينه من غير أن يزجره بقوله وسده الثقبة ليساويهما في الأذن، وقد دل على الأصل حديث يعلى بن أمية وقد تقدم لفظه (٤). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] (٥). والجواب: أنا نحمله على غير مسألتنا بدليل خاص السنة (٦).

стр. 177

واحتج: بأنه يمكنه أن يمنعه من الاطلاع في بيته بأن يزجره بالقول أو يسد الموضع أو ينحيه، فإذا لم يفعل ذلك وفقأ عينه لزمه حكم الجناية كما لو قلعت عينه ابتداء أو نظر إلى حرمته في الطريق أو كشف عورته في الحمام فنظر إليها أو قعد في المسجد وعورته مكشوفة والباب مغلق عليه (١). والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة ثم لا يجوز اعتبار قلع العين ابتداء بقلعها إذا كان مطلعا كما لم يجز اعتبار من قلع سن غيره بنزع يده من فيه بمن قلعها من غير عض، وأما إذا كشف عورته في الحمام أو في المسجد فهو المضيع لحقه والمسقط لحرمته فإن له أن يجلس في منزله مكشوف العورة، فإذا نظر إليها كان الناظر جانيا ومسقطا لحرمة عينه فلم يجب ضمانها (٢). وأما إذا نظر إلى حرمته في الطريق: فإن كان من فوق الثياب فما هتك الحرمة بذلك النظر وإن كان النظر إلى وجهها وجسدها. فالجواب عنه: ما تقدم، وهو أنها هي المسقطة لحرمة نفسها، وإذا كان ذلك في المنزل فالناظر هو الهاتك لحرمته ولهذا قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإذن من أجل الأبصار" رواه الشالنجي بإسناده عن سهل بن سعد (٣) (٤).

стр. 178

واحتج: بأنه لو كان له رمي عينه لكان إذا مات منه أن لا يجب عليه ضمانه (١). والجواب: أنه إن رماه بشيء خفيف أو طعنه بعود أو بحديد لا يقتل في الغالب فأدى إلى موته لم يجب ضمان نفسه وكان هدرا؛ لأنه مات من رمي مأذون (٢). واحتج: بأنه لو هجم عليه في داره لم يجز له رمي عينه فإذا لم يدخل إلى داره وإنما نظر من ثقبه أولى أن لا يكون له رمى عينه (٣). والجواب: أنه لو قيل: إن له رمي عينيه قياسا على الموضع الذي وردت فيه السنة لم يمتنع، وإن قلنا ليس له ذلك وإنما يأمره بالانصراف من داره فإن انصرف وإلا قاتله بأيسر ما يقدر على صرفه به، فإن لم ينصرف إلا بما يأتي عليه فعله ولم يجب عليه ضمانه، وكان الفرق بين الموضعين من وجهين: أحدهما: أن موضع الخلاف موضع النص فلا يجب عليه الاجتهاد فيما يضر به، وليس كذلك دخول الدار فإنه لا نص فيه فلزمه الاجتهاد فيما يضر به كما قلنا في المعضوض: يجوز نزع يده من فيه من غير قول، وإن سقطت منه أسنانه؛ لأنه موضع البصر، وفي دخول الدار بخلاف ذلك. والثاني: أنه إذا دخل داره انتقل الدفع إلى جميع البدن وسقط اعتبار الطرق، وليس كذلك المطلع من ثقبه أو روزنه (٤)؛ لأن الجناية لم تتعلق بجميع البدن فكان الحكم للطرف (٥).

стр. 179

واحتج: بأنه لو هجم عليه في منزله فطلب نفسه دفعه بالأسهل، ولم يكن له أن يبتديه بالقتل كذلك ههنا (١). والجواب: أن ذلك الدفع مجتهد فيه، وهذا منصوص عليه بدليل قول النبي ﷺ : "لو علمت لطعنت عينك" (٢)، فأخبر أنه كان يبتديه بذلك (٣). ١٢ - مسألة: ما أفسدت البهائم بالنهار، فليس على صاحبها ضمان إذا لم تكن يده عليها، وما أفسدت بالليل فضمانه عليه. نص عليه في رواية أبي الحارث (٤)، وموسى بن سعيد الدنداني (٥)، والميموني (٦)، وأبي طالب (٧)، وهو قول مالك (٨)، والشافعي (٩)، وقال أبو حنيفة: لا ضمان على أربابها إلا أن يكون معها قائدًا أو راكبًا أو سائقًا أو مرسلًا (١٠).

стр. 180

دليلنا على أنه يضمن ما جنته ليلا وإن لم تكن يده عليها: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلى قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وفي هذا دلالة على أن جناية البهيمة مضمونة بالليل؛ لأن سليمان ﵇ حكم بأن تسلم الغنم إلى أصحاب الحرث لينتفعوا به إلى أن يعود الحرث إلى حاله، وقيل: إنه كان كرما فصوب الله تعالى حكمه، والنفش لا يكون إلا بالليل (١). وأيضًا ما روى أحمد في المسند نا محمد بن مصعب (٢) نا الأوزاعي (٣) عن الزهري عن حرام بن محيصة (٤) عن البراء بن عازب (٥) أنه كان له ناقة ضارية، فدخلت حائطا

стр. 181

فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن ما أصابت الماشية بالليل فهو على أهلها (١). وروى الدارقطني في سننه نا أبو بكر النيسابوري (٢) نا [محمد بن] (٣) علي بن محرز (٤) نا معاوية بن هشام (٥) نا سفيان عن عبد الله بن عيسى (٦) عن الزهري عن

стр. 182

حرام بن محيصة عن البراء أن ناقة لآل البراء أفسدت شيئا فقضى رسول الله ﷺ : "أن حفظ الثمار على أهلها بالنهار، وضمن أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل" (١). وروى الدارقطني نا أبو بكر قال نا يونس نا ابن وهب (٢) أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس ويونس بن يزيد (٣) عن الزهري عن حرام بن [سعيد] (٤) بن محيصة: "أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أصحابها" (٥)، وهذا نص (٦). فإن قيل: حرام بن سعد لا صحبة له، فالخبر مرسل (٧).

стр. 183

قيل: المرسل عندنا حجة، وعند أبي حنيفة (١)، وعلى أنا قد رويناه متصلًا إلى البراء رواه أحمد والدارقطني أيضًا فوجب الأخذ به (٢). فإن قيل: هذا محمول على أنه اتبع فيه شريعة سليمان في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ثم نسخ ذلك بقوله: "العجماء (٣) جبار" (٤). قيل: شرع من [قبلنا] (٥) شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وليس في قوله: "العجماء جبار" ما يقتضي النسخ، وإنما يقتضي إسقاط الضمان، ونحن نحمل ذلك على النهار. وأيضا فإنه مفرط في جناية بهيمته، فوجب أن يكون لمنزلة جنايته في حكم الضمان أصله إذا كان معها، ولا يلزم عليه إذا أفسدت بالنهار، ولأنه غير مفرط؛ لأنه مأذون في إرسالها نهارًا، وإنما التفريط من أصحاب الزرع والأموال. ولا يلزم عليه أيضًا إذا انفلتت البهيمة ليلا؛ لأنه غير منسوب إلى التفريط، وكذلك إذا ردها إلى بيتها وأغلق الباب، فدخل لص وفتح الباب وتركه مفتوحا، فخرجت البهيمة وأفسدت، وكذلك إذا سقط الحائط فخرجت البهيمة وأفسدت، وكذلك إذا كانت الجمال في البادية وكانت عادتهم عقلها - وهو شد ركبها - ففعل ذلك، وتمرغت، وحلت العقال أو قطعته، وأفسدت أنه لا ضمان عليه، ولأنه غير مفرط، وعلى أن ابن منصور (٦)

стр. 184

نقل عن أحمد في البهائم إذا أرسلها نهارا عمدا: فعليه الغرم، وإذا انفلتت فليس عليه شيء، وإن انفلتت بالليل فعلى صاحبها الغرم (١)، ولا يلزم عليه إذا أفسدت زرع صاحبها؛ لأنا قلنا توجب أن يكون بمنزلة جنايته في حكم الضمان، ومن حكم جنايته على زرعه أن لا ضمان، وكذلك إذا كانت بهيمة لحربي فأفسدت زرع مسلم أو كافر أو كانت بهيمة لمسلم فأفسدت زرع حربي أنه لا ضمان؛ لأن صاحبها لو أتلف لم يجب الضمان (٢). واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "العجماء جبار"، ولم يفصل بين الليل والنهار (٣). والجواب: أنه محمول على النهار بما ذكرنا، وخبرنا خاص (٤). واحتج: بأنه لم يكن من صاحبها فعل ولا سبب، فوجب أن لا يضمنه كما لو أتلفت بالنهار (٥). والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة ثم المعنى في الأصل: أن صاحبها غير مفرط فيها؛ لأنه لا يجب عليه حفظها (٦). واحتج: بأن كل جناية غير مضمونة بالنهار وجب أن لا تكون مضمونة بالليل، أصله جناية المنفلتة جناية الإنسان على ملكه، والسنانير (٧)، والكلاب إذا أفسدت فهتكت

стр. 185

الستور، وأكلت الطيور، وكشفت القدر، وعكسه سائر الجنايات (١). والجواب: أنا قد بينا الفرق بين الليل والنهار، وبين المنفلتة وغيرها من التفريط وعدمه، وأما السنانير والكلاب فإن كانت معروفة بالإفساد وجب الضمان في الزمانين؛ لأنه ليس له تخليتها، وإن كانت غير معروفة بالإفساد لم يجب الضمان في الزمانين؛ لأن له تخليتها في الزمانين ولا يجب حفظها، وقد جرت العادة تخلية السنانير والكلاب في الزمانين، وأقر النبي ﷺ الناس على ذلك؛ لأنه لم ينقل عنه أنه فرق بين الليل والنهار فيها كما نقل في المواشي، فوجب الفرق بينهما (٢). فإن قيل: فالعادة في الماشية أن يكون معها راعيها بالنهار فكان يجب الضمان على صاحبها (٣). قيل: لا تعتبر العادة في ذلك، وإنما تعتبر السنة، والإذن فيه من جهة صاحب الشريعة، وقد جعل حفظ المواشي على أهلها بالليل دون النهار، وجعل حفظ الزرع على أهلها بالنهار دون الليل، وليس هذا في السنانير والكلاب فإن العادة تخليتها في الزمانين، ولم ينقل عن النبي ﷺ الفرق بل أقر على ذلك، وإقراره بمنزلة نطقه. وعلى هذا إذا كانت له طيور طيارة فلقطوا حبا لإنسان لم يجب عليه ضمان؛ لأن تخليتها جائز بالنهار، وقد قال أحمد في رواية حنبل في الكلب إذا كان موثقا فعقر: لم يضمن فإن أرسل فعقر ضمن (٤)، فأثبت الضمان عليه بالإرسال إذا كان عقورًا (٥).

стр. 186

١٣ - مسألة: إذا نفحت (١) الدابة برجلها وصاحبها يسير عليها، فلا ضمان عليه في رواية إسحاق بن هانئ: في الدابة تضرب برجلها وعليها صاحبها؟ ليس عليه شيء، فأما إذا وطئت بيدها يلزمه ما كسرت (٢). وقال أيضًا في رواية أبي طالب: يضمن الراكب والقائد والسائق ما أوطت بيدها وهو راكب أو واقف أو سائر؛ لأنه يقدر أن يحبس أو يعدل، ولا يضمن ما أصابت برجلها أو نفحت سار أو وقف؛ لأنه لا يقدر أن يحبس الرجل (٣)، ولأن النبي ﷺ جعل على أهل الزرع أن يحفظوا بالنهار، وعلى أهل الماشية ما أصابت بالليل (٤)؛ لأنهم يقدرون يحبسونها بالليل، فعليهم ما أفسدت، ولم يجعل عليهم ما أفسدت بالنهار، وبهذا قال أبو حنيفة (٥)، وقال مالك: لا ضمان عليه سواء نفحت بيدها أو برجلها إذا لم يكن من جهة راكبها أو قائدها أو سائقها سبب (٦)، وقال الشافعي: يضمن ما جنت بيدها ورجلها (٧). فالدلالة على أن ضمان الرجل لا يلزمه خلافا للشافعي: ما روى الدارقطني بإسناده عن شعبة عن محمد بن زياد (٨) عن أبي هريرة قال:

стр. 187

قال رسول الله ﷺ : "الدابة جرحها جبار، والرجل جبار والبئر والمعدن جبار" (١). والجبار الهدر (٢). فإن قيل: فقد قال الدارقطني لم يروه عن شعبة غير آدم قوله: "الرجل جبار" (٣). قيل: هذا لا يدل على ضعفه؛ لأنه يجوز أن ينفرد بعض الرواة بزيادة خفيت على غيره (٤). فإن قيل: قوله: "الرجل جبار" المراد به: ذي الرجل، وحذف المضاف كما قال ﷺ : "لا سبق إلا في خف أو حافر" (٥) والمراد: به ذي الخف؛ كذلك ههنا (٦). قيل: لا يصح لوجهين: أحدهما: أن حقيقة الرجل هو عضو مخصوص فيجب أن يحمل عليه. والثاني: أنه قد قال الدابة جرحها جبار، فذكر الجملة وخص من جملتها الرجل، وإذا حمل على الجملة كان فيه تكرارا للفظه (٧).

стр. 188

فإن قيل: يحمل هذا على الرجل إذا لم تكن يد صاحبها عليها (١). قيل: هذا لا يصح؛ لأن اليد بهذه المثابة، وأنه لا ضمان عليه إذا لم يكن يد صاحبها عليها، فلما خص الرجل دل على أن المراد به نفس الرجل، وقد رواه أبو حفص من طريق آخر عن ابن مالك عن عبد الله قال: نا أبي قال حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس الأزدي (٢) عن [هزيل (٣)] بن شرحبيل قال: قال رسول الله ﷺ : "الرجل جبار، والمعدن جبار وفي الركاز الخمس" (٤). وأيضًا فإن راكبها لا يمكنه التحفظ من نفحها بالرجل، فوجب أن يكون هدرا قياسا على جرح العجماء المنفلتة، والبئر إذا أنهار على الأجير، وكذلك المعدن، ولا يلزم عليه جناية اليد والفم؛ لأنه يمكن الراكب والسائق التحفظ منها بأن يعدل عن ذلك لمشاهدته (٥). فإن قيل: إذا كان سائقها يمكنه التحفظ من نفحها بالرجل، ولا ضمان عليه نص

стр. 189

عليه في رواية أبي طالب (١)، ونقله الخرقي (٢). قيل: لا يمكنه التحفظ من نفحها، ولهذا تجد السائق لها تصيبه برجلها (٣). واحتج المخالف: بأنها جناية من بهيمة يد صاحبها عليها فوجب أن يكون كجنايته في باب الضمان. دليله: لو أتلفت شيئا بيدها (٤). والجواب: أن جناية يدها يمكنه التحفظ منها، وليس كذلك الرجل فإنه لا يمكنه التحفظ منها، وفيما ذكرنا من الخبر والمعنى دلالة على مالك، وهو قوله ﵇: "الرجل جبار". دليله: أن اليد ليست جبار، ولأنه يمكنه التحفظ من نفحها باليد والفم، فيجب أن يكون مضمونًا أشبه إذا كان من جهته سبب، وإذا أرسلها ليلا فجنت فإنه يضمن لهذه العلة (٥). واحتج المخالف بقوله ﵇: "العجماء جبار" (٦). والجواب: أنه محمول على الرجل وعلى المنفلتة (٧). واحتج: بأنه لم يوجد من جهة صاحبها سبب أشبه الرجل والذنب (٨). والجواب: أنه وجد منه تفريط فيما كان يمكنه التحرز منه فهو كما لو أرسلها ليلا (٩).

стр. 190

١٤ - مسألة: الختان واجب في الرجال والنساء (١). نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا تؤكل ذبيحة الأقلف (٢) (٣)، ولا صلاة له ولا حج له حتى يتطهر، فإنه من تمام الإسلام، فإن كان كبيرا فأحب إلي أن يتطهر؛ لأن إبراهيم ﵇ اختتن وهو ابن ثمانين سنة، قيل له: فإن كان يخاف عليه، فقال: كما يخاف يرجو السلامة لابد لها من الطهارة وهذه نجاسة (٤). وكذلك نقل حرب عنه في الرجل يسلم وهو شيخ كبير يختتن إلا أن يخاف على نفسه (٥)، ولذلك نقل أبو طالب وقد لين القول في المرأة في رواية محمد بن يحيى الكحال (٦)، وقد سأله عن المرأة تختتن؟ فقال: نظرت فإذا خبر النبي ﷺ : حتى يلتقي الختانان (٧)، ولا يكون واحدا إنما هو اثنان. قلت لأبي عبد الله: لابد من ذلك؟ قال:

стр. 191

ليس كذا، لابد منه، وقال الرجل أشد؛ لأن الرجل إذا لم يختتن، فتلك الجلدة مدلاة لا ينقي ماءه والنساء أهون (١). وقال أيضًا في رواية إسحاق في المرأة تدخل على زوجها ولم تختتن أيجب عليها الختان؟ فقال: الختان سنة حسنة (٢)، وهو قول الشافعي (٣)، وقال أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥): هو غير واجب. دليلنا: قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وكان الختان واجبًا في ملة إبراهيم، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب (٦). فإن قيل: لا نعلم أن الختان كان واجبا في ملة إبراهيم (٧). قيل: روي أن الله تعالى أمره أن يختن نفسه فختن بالقدوم (٨). روي بتشديد الدال

стр. 192

وتخفيفه (١). قال أبو داود سئل أحمد عن تفسير حديث أبي هريرة: أن إبراهيم اختتن بالقدوم. قال: موضع (٢). وأيضًا ما روى أبو داود بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال لرجل أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن" (٣)، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب (٤). والقياس أنه قطع جزء صحيح من البدن لا يعود بعد قطعه، فكان واجبًا. دليله: قطع اليد والرجل في السرقة، ولا يلزم عليه قطع الظفر وحلق العانة؛ لأنه يعود بعد قطعه، ولا يلزم عليه قطع اليد للأكلة؛ لأن الجز ليس بصحيح، وإن شئت قلت: قطع جزء صحيح من البدن يحس ويألم، وفيه احتراز من قطع اليد بالأكلة؛ لأنه ليس بعضو صحيح، وفيه احتراز من الشعر والظفر؛ لأنه لا يحس. وإن شئت قلت: قطع طرف بحق الله فوجب أن يكون واجبا قياسا على ما ذكرنا، وفيه احتراز من الشعر والظفر؛ لأنه ليس بطرف، وفيه احتراز من قطع اليد للأكلة؛ لأنه لحق آدمي، وأيضا فإن ستره العورة واجب وإبداءها محرم، فلما جاز ترك هذا الواجب لأجل الختان ثبت أنه واجب؛ لأنه لا يجوز ترك الواجب لأمر غير واجب (٥).

стр. 193

واحتج المخالف بما روى قتادة عن أبي المليح (١) عن أبيه (٢) عن النبي ﷺ قال: "الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء" (٣) (٤). والجواب: أن السنة عبارة عما رسم ليحتذى، وقد يكون ذلك واجبا، ويكون مستحبا يدل عليه قول النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (٥)، وقال علي: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد" (٦)، وقال لعبد الله بن جعفر لما جلد وليد بن عقبة أربعين أمسك جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة (٧).

стр. 194

وقيل: إن السنة هي الشريعة، وقد يكون في الشريعة الواجب وغير الواجب، وعلى أنه يحمل ذلك على ما قبل البلوغ فإنه غير واجب؛ لأنه لا يتوجه عليه الخطاب (١). واحتج: بما روي عن النبي ﷺ قال: "عشر من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق والسواك، وإحفاء الشارب، وإعفاء اللحية، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، والختان" (٢)، وفيه دليلان: أحدهما: أن قوله: "من الفطرة ظاهره من السنة، والثاني: أنه قرنه بما ليس بواجب؛ لأن التسعة كلها مستحبة (٣). والجواب عن قوله: "أن الفطرة هي السنة" فقد ثبت أن السنة عبارة عما رسم، ومنه الواجب وغيره، وقد قيل: ليس كذلك؛ لأن الفطرة: الدين، ومعناه: من الدين؛ كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٢٣]. قيل: دينهم الذي فطرهم عليه، وأما القرائن فنقول به ما لم يقم دليل يمنع؛ لأن الله تعالى قد جمع بين شيئين في الذكر وحكمهما مختلف؛ كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والأكل ليس بواجب، والإيتاء واجب، وقال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] الآية. والكتابة غير واجبة، والإيتاء واجب (٤). وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وعبادة الله ونفي الشرك واجب والإحسان إلى الوالدين مستحب ومثل ذلك كثير فسقط

стр. 195

الاحتجاج بالقرائن (١). واحتج: بأنه قطع جزء يقصد به النظافة، فوجب أن يكون مستحبا، أصله قلم الظفر وحلق العانة (٢). والجواب: أنا لا نسلم أنه يقصد به النظافة، وإنما هو لتأدية الفرض الواجب، وهذا ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال: لابد من الطهارة، وهذه نجاسة. والذي يدل على صحة هذا وأنه لا يقصد به النظافة فإن التنظيف يحصل بعد القطع بالماء دون القطع، وهذا لا شبهة فيه، وعلى أنه لا يمتنع أن يتضمن التنظيف، ويكون واجبًا كالغسل والوضوء يجب وإن كان يتضمن التنظيف. والمعنى في تقليم الأظفار وقطع الشعر أنه مفعول لمصلحة الآدمي؛ لأنه يقصد منه التنظيف وإزالة الأذى بدلالة أنه لا تعلق له بحق الله بوجه فلم يكن واجبا، وهذا قطع في حق الله تعالى أشبه القطع في السرقة (٣). واحتج: بأن قطع الجلد إنما يراد لئلا يجتمع تحته بول، وذلك القذر من البول لا يجب إزالته عندنا (٤). والجواب: أنه يجب عندنا إزالته، وعلى أن قطع الجلد لم يجب لذلك، وإنما وجب لتأدية الفرض الواجب؛ كقطع السارق لا غير، وقد بينا ذلك. واحتج: بأنه لو كان واجبًا لم يجز أن يتولاه بنفسه كالقطع في السرقة (٥).

стр. 196

وقد قال أحمد في رواية المروذي (١) وعبد الكريم (٢) في الرجل يختن نفسه فقال: إن قوي على ذلك وحسنه (٣). والجواب: أن الزكاة واجبة عليه، ويتولى إخراجها بنفسه، فأما القطع فإنه جعل ردعا وزجرا وإنما يحصل ذلك باستيفاء الآية، فردع الغير به، ولا يحصل ذلك إلا بغيره، فأما الختان فهو تأدية فرض لحق الله أشبه الزكاة والصلاة على أنه لا يمتنع أن يتولى القطع بنفسه وإن منعناه، ولأنه ربما تضطرب يده مما يلحقه من الألم فربما جنى على نفسه، وهذا القدر يؤمن في الختان؛ لأنه يسير (٤). والله أعلم.

стр. 197

كتاب السِّيَر (١) ١٥ - ١ مسألة: إذا دخل دار الحرب قوم ليست لهم منعة (٢) بغير إذن الإمام فما أصابوه ففيه الخمس، في أصح الروايات، نص عليه في رواية يعقوب بن بختان (٣) في رجلٍ غزا وحده فغنم: يؤخذ منه الخمس، وما بقي فهو له (٤)، وبهذا قال مالك (٥) والشافعي (٦). وفيه رواية أخرى: هو لهم غير مخموس. نص عليه في رواية مهنا (٧) (٨) في رجلٍ في أرض الروم غنم غنيمةً وحده ليس عليه فيها الخمس (٩)، وهو قول أبي حنيفة (١٠).

стр. 198

وفيه رواية ثالثة: لا حق لهم في تلك الغنيمة، وجميعها فيء، نص عليه في رواية محمد بن يحيى الكحال (١): من غزا بغير إذن الإمام لم يكن له في الغنيمة (٢) حق. وجه الرواية (٣): الأولة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فأوجب الخمس في جميع ما غنموه ولم يفرِّق (٤). فإن قيل: إطلاق الغنيمة لا ينصرف إلى ما يؤخذ على وجه التلصص (٥) (٦). قيل: الغنيمة اسم للمال الذي يأخذه المسلمون من المشركين بالقهر والغلبة، وهذا موجود في مسألتنا، وأيضًا كل طائفةٍ تخمس غنيمتها إذا دخلت دار الحرب بإذن الإمام فإنها تخمس إذا دخلت بغير إذنه (٧). دليلنا: إذا كانت لهم منعة، ولأنه لو كان في جماعة لهم منعة لأخذ الخمس كذلك إذا كان وحده (٨). دليله: إذا دخل بإذن الإمام، ولأنه مال مشترك مأخوذ على وجه القهر والغلبة، وإذا لم يختص به بعضهم وجب تخميسه. أصله: إذا كانت لهم منعة، وفيه إحراز (٩) من الجزية (١٠)؛ لأنها غير مأخوذة على وجه

стр. 199

القهر، وفيه إحراز من السلب؛ لأنه يختص به القاتل، وكذلك ما غنمه المشركون من أموال المسلمين، ثم ظهر عليهم المسلمون، وأدركه صاحبه أنه أحق به غير مخموس؛ لأنه يختص بصاحبه، ولأن الخمس المتعلق بالمال لا يختلف حكمه بإذن الأئمة وعدمه، كخمس الركاز (١) (٢). واحتج المخالف: بما روى أبو بكر بإسناده عن المغيرة بن شعبة (٣) أنه صحب قومًا من المشركين، فوجد منهم غفلة، فقتلهم، وأخذ أموالهم، وجاء بها إلى النبي ﷺ ، فأبى أن يقبلها (٤) (٥). والجواب: (٦) .......................... واحتج: بأن ما أخذ من دار الحرب بغير ظهرٍ للإمام أو جماعة لهم منعة فلا خمس فيه دليله المباحات (٧).

стр. 200

والجواب: أنا لا نسلم أنه أخذ بغير ظهر الإمام؛ لأن الإمام تجب عليه نصرتهم وإن دخلوا بغير إذنه (١)، ولا نسلم أيضًا أنه لا منعة لهم؛ لأن المنعة هي القوة والغلبة لمن أخذوه منه وغلبوه منه، وهذا منهم، ولا نسلم الأصل وهو المباحات؛ لأنها تخمس عندنا؛ لأنه لا ينفرد به آخذه من بين سائر الجيش، وهي مسألة يأتي الكلام عليها (٢). واحتج: بأن ما أخذ من دار الحرب على طريق التلصص فلم يقصد به إعزاز الدين وغلبة المشركين -فهو كما يؤخذ نهبة أو شرى؛ ولأن ما يؤخذ من أموال المشركين إذا لم يقصد منه قتالهم عليه ومدافعتهم عنه لم يخمس. دليله: الجزية، والخراج (٣). والجواب: أن المعنى في الهبة (٤) والجزية والخراج (٥) أنه ليس مأخوذًا على وجه القهر والغلبة، وهذا مأخوذ على وجه القهر والغلبة؛ ولأن ذلك لا يعتبر في أخذه طائفة لهم منعة ولا إذن الإمام يجب أيضًا أن لا يعتبر ذلك في مسألتنا (٦).

стр. 201

١٦ - ٢ مسألة: ما أخذ من مباحات دار الحرب كالحجارة التي لها قيمة، والخشب الذي له قيمة، والعسل الذي حصل من الدباب الذي ليس بمملوكٍ، والصيود فهو غنيمة يجب قسمه بين جميع الجيش بعد الخمس، ولا ينفرد به في أخذه ص عليه في رواية عبد الله، وأبي الحارث (١) في الرجل يلقط من بلاد الروم الزنجبيل والدارصيني (٢) وصمغ الصنوبر مما ليس بغنيمة المسلمين، فإن لم يكن له قيمة فلا بأس بأخذه، وإن كان له قيمة جاء به إلى المقسم (٣). وفي رواية عبد الله: إذا كان في غزاةٍ فمر بنهرٍ أو موضع فاصطاد فيه سمكًا، فباعه، فإن كان شيئًا يسيرًا كالقيراط (٤) والدائق (٥) فلا بأس، وإن كان كثيرًا مثل الدرهم يرده في المقسم (٦)، وبهذا قال أبو حنيفة (٧). وقال الشافعي: هذا لمن أخذه، ولا يجب تخميسه، ولا يشاركه الجيش فيه، وله بيعه وتملك ثمنه (٨). دليلنا: أنه مأخوذ من دار الحرب على وجه القهر، مرغوب فيه في العادة، وكان غنيمة (٩).

стр. 202

دليله: المملوك، وفيه احتراز من الحشيش والشيء التافه (١). واحتج المخالف: بأنه مباح في دار الإسلام، فوجب أن لا يكون غنيمة في دار الحرب. أصله: الحشيش (٢)، وربما قالوا: غير مملوك للحربي أشبه الحشيش (٣). والجواب: أن المعنى في الحشيش أنه غير مملوك ولا مرغوب فيه في العادة، وهذا مأخوذ من دار الحرب على وجه القهر؛ أشبه المملوك (٤). ١٧ - ٣ مسألة: إذا أخذ المسلمون دواب أهل الحرب ومواشيهم ولم يمكنهم إخراجها إلى دار الإسلام، وخافوا أخذها منهم لم يجز لهم عقرها إلا لمأكلةٍ، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور (٥) (٦)؛ قال: أكره قتل البهائم، فأما الخنازير وإفساد الخمر وكسر الصليب فلا بأس، وهو ظاهر كلام الخرقي (٧) (٨) أيضًا؛ لأنه قال: وإذا حوربوا لم تعقر شاة ولا دابة إلا لأكلٍ لابد لهم منه، وهو قول الشافعي (٩). وقال أبو حنيفة (١٠) ومالك (١١): لهم ذبح الحيوان (١٢) وتحريق المتاع، وكسر السلاح.

стр. 203

دليلنا. روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكلةٍ (١) وهذا ذبح لغير مأكلة، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتلها" قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها وترمي به" (٢). وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال ليزيد بن أبي سفيان (٣) لما بعثه إلى الشام:

стр. 204

لا تعقر شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ (١). فإن قيل: تحمل هذه الأخبار إذا لم يكن في ذبحها غرض صحيح (٢). قيل: هذا يحتاج إلى دليل على أن النبي ﷺ قد فسر حقها، وهو أن يذبحها ليأكلها، وهذا معدوم، وأيضًا فإنه حيوان؛ فلا يجوز قتله لمغايظة المشركين (٣). دليله: النساء والصبيان ولا يلزم عليه قتل الأسير فإنه قتل لكفره لا لغيظهم، ولا يلزم عليه قتل الدابة إذا كان الكافر راكبها؛ لأن قتلها لقتل صاحبها لا لغيظهم؛ لأنها آلة له؛ فيتوصل بقتلها إلى قتله، ولأن قتلها في ملك على وجه الدفع عنه؛ لأن الفارس حول بدابته على من يقاتله وقتل البهيمة على وجه الدفع جائز (٤)، فعلم أن قتلها لا لغيظهم. وإن شئت قلت: كل حيوانٍ لم يجز قتله إذا لم تخف أن يأخذه المشركون لم يجز، وإن خاف (٥). دليله: ما ذكرنا من النساء والصبيان.

стр. 205

يبين صحة هذا: أن غيظهم بقتل النساء أعظم وقوتهم بهن أعظم من قوتهم بالبهائم، فلما لم يجز ذلك فأولى أن لا يجوز ههنا (١). فإن قيل: إنما لم يجز قتل النساء والصبيان لأنه لا يجوز الانتفاع بهم من جهة الأكل، وليس كذلك ههنا؛ فإنه يجوز الانتفاع به من جهة الأكل (٢). قيل: البغال والحمر لا يجوز أكلها بعد ذبحها ومع هذا فإنه يعقر عندهم، فلا معنى لهذا، ولأنه لا فرق عندهم بين أن يذبحها أو يعقرها لا على وجه الذكاة في الجملة، فلا معنى لهذا، ولأنه وإن ذبحها فإنه لا يقصد بذلك الأكل، وقد نهى النبي ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكلة (٣) (٤). واحتج المخالف: بأنه لما جاز الانتفاع بها من جهة الأكل عند الحاجة إليها جاز إتلافها عليهم إذا لم يمكن إخراجها إلى دار الإسلام. دليله: الزرع والثمار (٥). قالوا: وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروذي (٦) (٧) في أمير العسكر إذا باع ما باع ثم أمر بما بقي فأحرق فقال: إذا بقي شيء لا يقدر على حمله فلا بأس بأن يحرق، ولا يترك لهم شيء يعينهم. ونقل أيضًا عنه: لا يعجبني قطع الشجر إلا أن يفعلوا ذلك فيفعل بهم. فقد أجاز تحريق ذلك على وجه المقابلة (٨). والجواب: أن المعنى في الزرع والثمار أنه لا حرمة لها في نفسها، وإنما الحرمة

стр. 206

لأكلها، والحربي لا حرمة له؛ فلهذا جاز أكلها، وليس كذلك الإنفاق، ولأن له حرمة في نفسه يبين صحة هذا أن مالكها لو امتنع من الإنفاق أثم وأجبر على ذلك، ولو امتنع من الإنفاق على الزروع والثمار لم يجبر عليه ولم يأثم (١). فإن قيل: لا فرق بينهما؛ ألا ترى أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال (٢)، ومعلوم أنه لم ينه عن إضاعته لحرمة المالك (٣). قيل: يحتمل أن يكون نهي تنزيهٍ (٤)، ويحتمل أن يكون نهيًا عن إضاعة مالٍ في المعاصي، ويحتمل أن يكون نهيًا عن إضاعة مال غيره لحرمة صاحبه، ويكون الدلالة على هذه الاحتمالات ما ذكرنا. وإن قاسوا على قتل الدابة إذا كان راكبها: فالجواب عنه: ما تقدم، وهو أن قتلها لأحد وجهين، إما ليتوصل به إلى قتل صاحبها؛ لأنها آلته، والثاني لأن قتلها على وجه الدفع؛ لأن صاحبها يقصده بدابته (٥). ١٨ - ٤ مسألة: لا يقتل العميان، ولا المقعد، ولا أصحاب الصوامع الذين طبقوا الباب عليهم لا يخالطون الناس، ولا الشيخ الذي ليس له رأي ولا تدبير، نص عليه في رواية أبي الحارث، فقال: لا يقتل الراهب في صومعته إلا أن يعلم أنه يدل على عورات

стр. 207

المسلمين ويخبر عن أمرهم فيستحل دمه (١)، وكذلك نقل الميموني (٢) عنه: لا نقتل شيخًا لا يعدو علينا ولا يقاتل؛ فإن قاتل قتل، وكذلك كل من عدا بالسلاح من صغيرٍ وكبيرٍ أو امرأةٍ (٣)، وبهذا قال مالك (٤)، وأبو حنيفة (٥). وللشافعي في ذلك قولان: أحدهما مثل قولنا (٦)، والثاني: يقتلون (٧). دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عمر قال: مر رسول الله ﷺ يوم فتح مكة بامرأةٍ مقتولةٍ فقال: ما كانت هذه تقاتل! ثم نهى عن قتل النساء والصبيان (٨)، فنبه على العلة المانعة من قتلها، وهي أنها لا تقاتل، وهذه العلة موجودة في الشيخ الفاني وأصحاب الصوامع (٩).

стр. 208

فإن قيل: العلة تقتضي أن لا يقتل الجريح والعليل المردف (١)، ولا خلاف أنه يقتل. قيل: تعليل النبي ﷺ يجوز تخصيصه (٢). وروى أبو بكر (٣) في الجهاد من "الشافي" بإسناده عن إياس بن عبد الله (٤) أنه سمع عليا يقول: نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان والشيوخ الفناء (٥). وروى أبو إسحاق الفزاري (٦) في "السير" بإسناده عن الحسن (٧) قال: نهى رسول الله ﷺ

стр. 209

عن قتل النساء والصبيان، والشيخ الفاني الذي ليس عنده معونة (١)، وروى أبو عبد الله ابن بطة (٢) بإسناده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، قال: فيقول: "انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى سنة رسول الله. قاتلوا أعداء الله في سبيل الله. قتلاكم أحياء يرزقون في الجنة، وقتلاهم في سبيل الطاغوت في النار يعذبون. لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأحسنوا؛ إن الله يحب المحسنين" (٣)؛ فنهاهم عن قتل الشيخ الفاني (٤). فإن قيل: يحمل ذلك على أن النبي ﷺ علم أن المصلحة في تلك الغزاة التي أنفذ ذلك الجيش فيها كانت المصلحة في ترك القتل، وعندنا أنه إذا رأى ذلك لم يجز قتلهم؛ لأنه يرى في الأسارى ما يؤديه اجتهاده إليه (٥). قيل: في الخبر ما يسقط هذا، وهو قوله: كان رسول الله ﷺ إذا استنفرنا، وكان للدوام (٦)؛ فهو عام في كل غزاةٍ، ولأن الشيوخ وأصحاب الصوامع لا يقاتلون في العادة لا لعلة؛ فلا يحصل منه نكاية في المسلمين؛ فهم كالنساء والصبيان، ولا يلزم عليه إذا كان له رأي؛ لأن فيه نكاية، ولا يلزم عليه الجريح؛ لأن عجزه لعلة (٧).

стр. 210

فإن قيل: النساء والصبيان لم يكونوا من أهل القتال والشيخ كان من أهله؛ فهو كالجريح (١). قيل: الذمي والمستأمن كان من أهله ولا يقتل. واحتج المخالف: بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وهذا عام (٢). والجواب: أنا نخصه بنهيه عن قتل الشيوخ (٣). واحتج: بما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن سمرة (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا سرخهم" (٥) (٦). والجواب: أن هذا محمول على الشيوخ الذين لهم رأي وقد تبين بما ذكرنا، وأما قوله: "واستبقوا شرخهم" (٧) فقد ذكر أبو عبيد (٨) فيه وجهين، أحدهما: المراد به

стр. 211

الصبيان، والثاني: المراد به الشبان الذين يصلحون للخدمة (١). واحتج: بأن المسلمين قتلوا يوم حنينٍ (٢) دريد بن الصمة (٣) وقد أتت عليه مائة وعشرون سنة فلم ينكر النبي ﷺ عليهم (٤). والجواب: أنه كان يدبر الحرب، ومثل هذا يقتل (٥). واحتج: بأنه يؤخذ منه الجزية فجاز قتله كالشيخ الذي له رأي (٦). والجواب: أنا لا نسلم أخذ الجزية، وقد ذكر الخرقي في كتابه ذلك، والمعنى في الأصل أنه حصل منه (٧) نكاية في المسلمين، وهذا بخلافه (٨).

стр. 212

واحتج: بأنه حر مكلف حربي فجاز قتله في الأسن كالبالغ العاقل المقاتل (١)، ولا يلزم عليه العبد المأسور؛ لأنه مملوك، ولا يلزم عليه الصبي والمجنون؛ لقولنا: مكلف، ولا يلزم عليه الذمي؛ لقولنا: حربي، ولا يلزم عليه النساء؛ لأن هذا لفظ مذكر فلا يدخل تحته المؤنث (٢). والجواب: أنه يلزم عليه النساء؛ لأن قوله: حر مكلف؛ معناه: شخص حر مكلف، واسم الشخص يدخل تحته المذكر والمؤنث، والمعنى في الأصل ما تقدم أنه يقاتل، ويحصل منه نكاية في المسلمين، وهذا بخلافه (٣). واحتج: بأن كفرًا يجيز قتل الشباب يجيز قتل الشيخ الفاني؛ دليله الردة (٤). والجواب: أن الردة تقتل بها المرأة، ولا تقتل بالكفر الأصلي، وكذلك العبد يقتل بالردة، ولا يقتل بالكفر الأصلي، وبقي الكافر الأصلي بالجزية والمرتد لا يقر؛ فدل على الفرق بينهما (٥). واحتج: بأن كل من حان قتله إذا كان له رأي جاز، وإن لم يكن له رأي كالمرتد (٦). والجواب عنه ما تقدم: وهو أنه إذا كان له رأي ففيه نكاية، والردة أغلظ من الوجه الذي ذكرنا (٧). واحتج: بأن الرجل من أهل القتال، وإنما ضعف عنه لعارض من الكبر؛ فهو بمنزلة المريض والجريح (٨). والجواب: أن المنع هناك لعلةٍ، والامتناع ههنا لا لعلة؛ فهو كالعجز بالأمومة والصغر (٩).

стр. 213

١٩ - ٥ مسألة: إذا قتل كافرًا لم تبلغه الدعوة لم يلزمه الدية، ذكره أبو بكر في كتاب "الخلاف" (١)، وهو قول أبي حنيفة (٢)، واختيار ابن القصار المالكي (٣) أيضًا، وقال الشافعي: يلزمه الدية، فإن كان نصرانيا أو يهوديا فديته ثلث دية المسلمين، وإن كان وثنيا أو مجوسيا فمات مائة درهم (٤). دليلنا: أنه كافر ليس له عهد؛ فوجب أن لا يكون لدمه قيمة (٥). دليله: الكافر الذي بلغته الدعوة، وإن شئت قلت أنه لا إيمان له ولا أمان؛ أشبه ما ذكرنا (٦). فإن قيل: له أمان؛ ألا ترى أنا لا نقتله (٧). قيل: يعني به: أنه ليس بيننا وبينه عقد أمان (٨). فإن قيل: المعنى في الأصل أنه مباح الدم، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه محقون الدم (٩).

стр. 214

قيل: نساء الكفار وصبيانهم محقونو الدم، ومع هذا فلا ضمان على قاتلهم، وكل من لا يضمن بعد عرض الإسلام عليه لا يضمن قبله، كالمرتد (١). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. والجواب: أن هذا يدل على حظر القتل ونحن نحظره (٢). واحتج: بقول النبي ﷺ : "في النفس مائة من الإبل" (٣)، ولم يفصل. والجواب: أنه مخصوص بما ذكره (٤). واحتج: بأنه ذكر بالغ محقون الدم؛ فضمن دمه كالمسلم (٥). والجواب: أنه لا معنى لقولك: ذكر بالغ في الأصل وهو المسلم؛ لأنه يضمن، وإن كان أنثى أو كان صغيرًا، وسيفصل بالمجنون منهم إذا كان بالغًا فإنه لا يضمن وبالمرتد قبل الاستبانة (٦) والمعنى في الأصل أنه قد أحرز دمه بالإيمان، وهذا لم يحرز دمه بالإيمان ولا الأمان (٧). واحتج بأنه كافرًا أصلى محقون الدم بحرمته؛ فكان لدمه قيمة كالمستأمن والذمي،

стр. 215

وفيه احتراز من المرتد؛ لأنه طارئ، ومن الصبي والنساء؛ لأن حقن دمه لحرمة المسلمين (١). والجواب: أن قوله لا تأثير له؛ لأن المسلم مضمون، ولا نسلم أنه محقون الدم لحرمته، وإنما منع من قتله لتجويز إسلامه عند الدعوة، وإذا حذفه انتقض بالنساء والصبيان، وعلى أنه كافر أصلي يؤثر في إيجاب قتله فلا يكون عليه في ضمانه والمعنى في الأصل أنه ضمان (٢). واحتج: بأن الرجل إذا كان متمسكًا بدين موسى أو عيسى فإنه متمسك بدين حق، فما لم يعلم نسخه لا يجوز له تركه؛ فحرمة ذلك الدين تمنع من قتله، وكل من منع من قتله لحرمته ضمن دينه كالمسلم (٣). والجواب: أن الكلام في هذه المسألة على من بدل دينه وكفر بعيسى، فأما من لم يبدل دينه فلم يعرض له، ثم هذا لا يدل على أنه كالمسلم في وجوب القصاص وثبوت التوارث بينه وبينه، وإنما لم يدل على ذلك؛ لأن المسلم أحرز دمه بالإسلام، وهذا لم يحرز دمه فهو كمن بلغته الدعوة (٤). واحتج: بأن من لم يبلغه الدعوة؛ فإن الإيمان لا يتوجه عليه فرضه، ومن ترك ما لا يجب عليه لم يمنع ذلك ضمان دمه، كما إذا ترك شيئًا من العبادات واستحل شرب الخمر من غير علم بتحريمها (٥). والجواب: أن صبيان الحربيين لا يتوجه عليهم الإيمان ولا ضمان، ولأن هذا المعنى لم يؤثر في إيجاب القصاص والتوارث، ولأنه إذا لم تبلغه الدعوة، ولم يكن مؤمنًا بعيسى؛ فهو عابد وثن؛ فهو كافر؛ فسقط ضمان دمه لكفره، لا لترك الإيمان، وإن كان مؤمنًا بعيسى فلا يدل على أنه كالمسلم كما لم يدل على القصاص والإرث (٦).
следующие страницы →