← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فصل والدلالة على أنه إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم مع العلم بإسلامه ضمنه في العمد والخطأ خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا ضمان في العمد والخطأ (١) أنه إسلام صار الدم به محقونًا؛ فوجب أن يصير به مضمونًا. أصله: الإسلام في دار الإسلام، ولا يلزم عليه إذا قتله وهو لا يعلم بإسلامه؛ لأن التعليل بكونه مضمونًا في الجملة؛ فلا يلزم عليه أعيان المسائل، ألا ترى أنه مضمون في دار الإسلام، وإن كان إذا قتله حربي لم يضمن ولم يدل ذلك على أن دمه غير مضمون؛ ولذلك إذا قتل السيد عبده لم يضمن دمه ولم يدل على أنه غير مضمون في الجملة، وأيضًا كل موضع يزول ضمان الدم بالردة فيه وجب أن يثبت ضمانه بالإسلام فيه أصله: دار الإسلام (٢). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] (٣)؛ فأوجب فيها الرقبة فقط؛ فانتفى وجوب الدية (٤). والجواب: أن هذا محمول عليه إذا قتله وهو لا يعلم حاله وإسلامه. بدليل ما ذكرنا، ويكون هذا أولى؛ لأنا نضمر في الآية إضمارًا واحدًا، وهو الجهل بإسلامه، وهم يضمرون إضمارين: أحدهما: أن يكون ابتداء إلمامه في دار الحرب. والثاني: أن لا يكون خرج إلينا (٥).

стр. 247

واحتج: بقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فنفى موالاته من جميع الوجوه، وفي إيجاب الدية على قاتله إثبات الموالاة من وجه (١). والجواب: أن المراد بالولاية ههنا الميراث هكذا ذكر الزجاج (٢) في معانيه وغيره من أهل التفسير، وقالوا: كانوا المسلمين يتوارثون بالهجرة، وإذا مات مسلم بمكة وله أخ مسلم بالمدينة هاجر إلينا لم يرثه، وإذا مات المهاجر لم يرث الذي لم يهاجر ثم نسخه الله بما أنزله في سورة النساء من الفرائض (٣). واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا بريء من كل مسلمٍ مقيمٍ بين أظهر المشركين" (٤)، وإذا استوجب البرأة منه لم يكن لدمه قيمة كالحربي (٥). والجواب: أن هذا لا يوجب إهدار دمه، يدل عليه ما روى أبو داود في سننه عن النبي ﷺ أنه قال الرويفع بن ثابت (٦): "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي؛ فأخبر الناس أن من استنجى برجيع (٧) … دابة أو عظم فإن محمدًا منه

стр. 248

بريء" (١). ولم يوجب ذلك إهدار دمه. وقال ﷺ : "من غشَّنا فليس منا" (٢). وهذا في معنى البراءة؛ فلا يوجب ذلك إهدار دمه (٣). واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه بعث سرية إلى بني خثعم فاعتصم قوم منهم بالسجود فقتلتهم السرية؛ فقضى رسول الله ﷺ لهم بنصف الدية (٤)؛ لأنه جوز أن يكونوا قتلوا في حيز دار الشرك؛ فلم يكن لدمهم قيمة، وجوز أن يكونوا قتلوا في حيز الإسلام؛ فكان لدمهم قيمة؛ فأوجب لذلك نصف الدية (٥). والجواب: أنه يجوز أن يكون قد أوجب نصف الدية؛ لأنه جوز أن يكون سجودهم على وجه الإسلام، وجوز أن يكون على وجه الخضوع للمسلمين والخوف منهم؛ فتطوع بنصف الدية لهذا المعنى (٦). واحتج: بأنه لم يحرز دمه بدار الإسلام؛ فوجب أن لا يكون له قيمة. دليله: الحربي (٧). والجواب: أنا قد بينا أن الاعتبار بالإسلام دون الدار في حقن الدم يجب أن يكون في الضمان كذلك، والمعنى في الحربي أن دمه غير محقون، وليس كذلك ههنا؛ لأن دمه

стр. 249

محقون بإسلامه وكان مضمونًا به (١). واحتج: بأنه إذا قتله مع الجهل بحاله لم يضمنه، كذلك إذا قتله مع العلم كالمرتد (٢). والجواب: أنَّا قد بينا الفرق بين الجهل بحاله وبين العلم به. وقلنا: إذا كان عالمًا فهو ممنوع من دمه وقصده وإذا كان جاهلًا فهو ممنوع / والمرتد مباح وهذا محقون الدم بإسلامه (٣). فصل والدلالة على أنه لا اعتبار بالتعيين، وإنما الاعتبار بالعلم بإسلامه خلافًا لمن اعتبر ذلك من أصحاب الشافعي (٤) - أن التفريط إنما يحصل بالعلم بإسلامه دون التعيين؛ وذلك أنه إذا لم يكن عالمًا بحاله فهو مأمور بتعيينه بالرمي وقصده بالقتل كما هو مأمور برمي سائر أهل دار الحرب، وإنما يحصل التفريط بالعلم بإسلامه؛ لأنه إن قصده مع علمه به كان متعديًا، وإن قصد غيره فعدل إليه كان مفرطًا؛ لأنه لو سدد يده وصوب رميته لم يعدل إلى المسلم الذي أمر بتوقيه؛ فكان بذلك مفرطًا؛ فلهذا ضمن (٥). فصل فإن أسر المشركون رجلًا من المسلمين فقتله رجل من جيش المسلمين وجب ضمانه في العمد بالقصاص وفي الخطأ بالدية والكفارة (٦)، وحكي عن أبي حنيفة لا ضمان، ويكون دمه هدرًا (٧).

стр. 250

دليلنا: أنه قهر محظور فلا يسقط ضمان دمه. أصله: إذا أسر بعض الأعراب لرجل من المسلمين على ما جرت عادة خفاجة (١) به في هذا الوقت وإن ثبتت قلت فهو لا يزيل حقن دمه؛ فلا يزيل ضمانه. دليله: ما ذكرنا (٢). واحتج المخالف: بأنه ملك دمه بالقهر كما يملك ماله بالقهر فلا ضمان على متلف (٣)، وهذا لا يصح؛ لأنه لم يملك دمه بهذا القهر، ولو كان قد ملكه لكان مباح الدم، ولا خلاف أنه محقون الدم (٤). ٢٦ - ١٢ مسألة: إذا تترس (٥) المشركون بالمسلمين جاز لنا أن نرميهم ونقصد المشركين، فإن أصاب مسلمًا في هذه الحال ففيه روايتان: إحداهما: فيه كفارة بلا دية (٦). والثانية: فيه الدية والكفارة ذكره أبو بكر في كتاب الخلاف (٧)، وقد أومأ إليه أحمد في رواية بكر بن محمد (٨) عن أبيه (٩) عنه في القوم يحاصرون فيتقون بأولاد المسلمين فنصبوهم أمامهم فأحب إلي أن لا يعرض لهم إلا أن يخافوا أن يخرجوا إليهم، ويكون تركهم ضررًا للمسلمين فيرمونهم، ويبقون المسلمين؛ فيكون خطًا أن أصابوهم (١٠)، وقال في

стр. 251

رواية أبي طالب (١) وأبي الحارث (٢): إذا أصاب مسلمًا في دار الحرب كان عليه الرقبة لا دية. فالحكم في هذه المسألة كالحكم في تلك سواء، وقد حكينا هناك في الكفارة رواية واحدة (٣)، وفي الدية على روايتين (٤)، ونصرنا إسقاط الدية (٥). وقال أبو حنيفة: لا دية ولا كفارة (٦). وقال الشافعي: فيه الدية والكفارة (٧). وقال في موضع آخر: عليه الكفارة دون الدية (٨). واختلف أصحابه في ذلك على ثلاث طرق: فقال المزني: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين؛ فالموضع الذي قال عليه الدية أراد به إذا علمه مسلمًا فرماه، والموضع الذي قال: لا دية عليه أراد به إذا لم يعلم أنه مسلم فرماه (٩). وقال المروزي (١٠): المسألة على اختلاف حالين على وجه آخر؛ فالموضع الذي قال عليه الدية أراد به إذا قصد واحدًا بعينه وقتله، ثم بان أنه كان مسلمًا، والموضع الذي قال: لا دية عليه أراد به إذا رمى جملة المشركين ولم يقصد واحدًا بعينه فبان أنه كان مسلمًا (١١).

стр. 252

وقال ابن أبي هريرة (١): المسألة على قولين: أحدهما: عليه الدية. والثاني: لا دية (٢)، والكلام في الدية قد سبق في التي قبلها، وأما الكفارة فيدل على وجوبها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، ولم يفرق، ولأنه آدمي محصون بحرمته؛ فوجبت الكفارة على قاتله إذا كان من أهل الضمان. أصله: إذا لم يتترس به، وإنما كان واقفًا فرمى إلى دار الحرب فأصابه، ولا يلزم عليه إذا قتل صبيان الحرب ونساءهم؛ لأن حقن دمائهم لا لحرمتهم، وإنما هو لحرمة الغانمين؛ لأنهم حصلوا أموالهم وخولهم (٣)، ولا يلزم عليه إذا قتله حربي؛ لقولنا من أهل الضمان، ولا يلزم عليه إذا رمى حصون المشركين وفيها أسارى المسلمين فأصابهم؛ لأنه يجب عليه الكفارة كمسألتنا سواء، وإن شئت قلت: محقون الدم بالإيمان، وقاتله من أهل الضمان؛ فوجب أن تلزمه الكفارة. دليله: ما ذكرنا، وفي احتراز من صبيانهم ونسائهم؛ لأن حقن دمهم ليس بإمرار، وفيه احتراز من الحربي إذا قتل مسلمًا؛ لأنه ليس من أهل الضمان (٤). فإن قيل: لا تأثير لقولك محقون الدم بالإيمان؛ لأن من قتل كافرًا محقون الدم بالأمان وجبت عليه الكفارة (٥).

стр. 253

قيل له: كل واحد منهما علة لوجوب الكفارة؛ فالحقن بالإيمان علة، والحقن بالأمان علة؛ فلا يمتنع تعلق حكم واحد بعلتين إذا دل الدليل على صحة كل واحد منهما مؤثر، ويدل على إيجاب الدية بأنه مسلم لم يحدث منه ما يزيل حقن دمه؛ فكان مضمونًا كسائر المسلمين؛ ولأن قتله/ حصل خطًا بقصد مشرك؛ فأشبه لو أصابه ولم يتترسوا به (١). واحتج المخالف بأن لنا أن نرميهم مع غلبة الظن بإصابة المسلمين؛ فصار كالقتل المأذون فيه، ولا يشبه هذا إذا رمى غرضًا فأصاب مسلمًا؛ لأن رمى الغرض على هذا الوجه لا يجوز؛ ألا ترى أنه إذا غلب في ظنه أنه يصيب مسلمًا أو شك فيه لم يجز أن يرميه، وههنا يجوز له ذلك (٢). والجواب: أنا نجيز له رمي المشركين مع تجنب المسلمين، ولأنه وإن غلب على ظنه أنه يصيب المسلمين فإنه يحتمل أن يصيب المشرك، وإصابة المسلم غير متحققة، وإنما هي ظن؛ فأمر بأن يجتهد في طلب ما يمكن إصابته، وعفي عن الخطأ فيه، وإذا كان كذلك لم يكن بمنزلة من أبيح رميه بعينه (٣). واحتج: بأن كل من كان دمه هدرًا إذا أصابه برمي حصونهم بالمنجنيق كان هدرًا إذا أصابه برميهم متى تترسوا به. دليله: أطفالهم ونساؤهم (٤). والجواب: أنا لا نسلم الوصف؛ لأنه إذا أصابهم برمي حصونهم مع علمه أن هناك مسلمون ضمنهم بالكفارة كمسألتنا سواء، وأما صبيانهم ونساؤهم فالمعنى فيهم أن حقن دمائهم لا لحرمتهم وإنما هي للمسلمين، وليس كذلك ههنا؛ لأن حقن دمه لحرمته أشبه

стр. 254

إذا لم يتترسوا به (١). واحتج: بأنه لو وجبت الكفارة بقتلهم لم يختلف أن يعلمهم مسلمين أو لا يعلمهم، كما لو كانوا في دار الإسلام، فلما لم يجب إذا لم يعلم كذلك إذا علم كأطفالهم ونسائهم (٢). والجواب: أنا هكذا نقول، وأنه لا يختلف بين أن يعلمهم أو لا يعلمهم، وبينا الفرق بين أطفالهم ونسائهم وبين مسألتنا؛ فلا وجه لإعادته (٣). واحتج بأنا لو قلنا: تضمن بالكفارة. أدى ذلك إلى الكف عن قتالهم، وبنا حاجة إلى ذلك (٤). والجواب: أن هذا لا يمنع الضمان كما لو أصاب مسلمًا لم يتترس به وهو واقف في صف المشركين قد أسلم فإنه يضمنه وإذا أدى إلى الكف عن قتالهم (٥). واحتج بأنه لما لم يضمنه بالدية لم يضمنه بالكفارة، مع كونه بمنزلة يستحق للكفارة (٦). والجواب: أن الكفارة تجب بفعله وإن كان مأمورًا به، ألا ترى أن الحالف يؤمر بالحنث، وتجب الكفارة، ولا يجوز أن نأمره بقتل، ونوجب عليه دية، فلما كان مأمورًا ههنا بقتلهم امتنع إيجاب الدية (٧).

стр. 255

٢٧ - ١٣ مسألة: إذا غلب المشركون على أموال المسلمين ملكوها، نص عليه في رواية الجماعة: الأثرم (١) (٢)، وأبي طالب (٣)، وابن القاسم (٤) (٥)، وسدي (٦)، وبكر بن محمد (٧)، وصالح (٨) (٩)، وهو قول أبي حنيفة (١٠)، ومالك (١١)، وقال الشافعي: لا يملكونها، وهي على ملك أصحابها، فإن أسلم من هي في يديه كان صاحبها أحق بها، وإن أخذها المسلمون منهم فصاحبها أحق بها قبل الغنيمة وبعد القسمة بغير خمس الخمس (١٢). دليلنا: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، فسمى المهاجرين الذين أخرجهم المشركون من ديارهم فقراء، فلو كانت أملاكهم باقية لما كانوا فقراء حقيقة (١٣). فإن قيل: إنما سماهم فقراء لأنهم بعدوا عن ديارهم وانقطعوا عن أموالهم فجعلوا محتاجين (١٤).

стр. 256

قيل: من يبعد عن داره وينقطع عن ماله لا يكون فقيرًا حقيقة، وإن كان محتاجًا في الحال، ألا ترى أن النبي ﷺ : قال: لا تحل الصدقة لغني إلا بخمس (١)، وذكر الغازي وابن السبيل فسمى الغائب عن ماله غنيًا وإن كان محتاجًا في الحال، ولأنه لو كان لهذه العلة لسماهم ابن سبيل كما سمى من هذه حاله في آية الصدقات وعطفه على الفقراء والعطف غير المعطوف عليه (٢). فإن قيل: الكلام محمول على مجاري العادات في مثل هذا، والناس يقولون في العادة: افتقر فلان إذا غرقت أمواله في البحر وأخذها اللصوص أو قطاع الطريق وإن كانت هذه المعاني لا تزيل الملك (٣). قيل: هذه العادة لا يعرفها العرب؛ فلا يقابل به الكتاب والسنة، وإن أطلقها أحد فعلى ضرب من المجاز (٤). فإن قيل: المهاجرون تركوا أموالهم وديارهم بطيبه من أنفسهم الله وهاجروا مع النبي ﷺ فلما صارت الله حصلت كالأموال الضائعة مثل الصيود ونحوها؛ فكان كل من

стр. 257

بادر إليها ملكها وكلامنا فيمن يمكنه المشركون على ماله وأخذوه منه قهرًا وليس كلامنا فيمن زال ماله بطيبة نفسه (١). قبل قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. يقتضي أن يكونوا أخرجوا منها قهرًا (٢). فإن قيل: قلنا في الآية مثل مالكم؛ لأنه أضاف الديار والأموال إليهم؛ فاقتضى الظاهر بقاء ملكهم عليها (٣). قيل: أضافها إليهم وقت إخراجهم منها، وفي ذلك الوقت كانت أملاكهم، وإنما زال ملكهم عنها بعدما أخرجوا؛ ولهذا سماهم بعد إخراجهم منها فقراء (٤). فإن قيل: / رباع (٥) مكة لا تملك عندكم (٦). قيل: تملك عندنا في إحدى الروايتين (٧) والآخر (٨) كانت في تلك الحال مملوكة، وإنما ورد الشرع بعد ذلك بمنع الملك، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ قال: "من أسلم على شيءٍ فهو له" (٩).

стр. 258

فظاهره يقتضي أنهم إذا أخذوا أموال المسلمين وأسلموا عليها أن تكون أملاكًا. لهم. ومخالفنا يقول: لا يكون لهم، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه لما دخل مكة يوم الفتح قيل له: ألا تنزل دارك يا رسول الله؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من ربع؟! ". (١). وكان عقيل (٢) غلب على داره وباعها قهرًا؛ فدل على أنه كان قد ملكها؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: "هل ترك لنا عقيل من ربعٍ؟! " (٣). فإن قيل: إنما قال ذلك؛ لأنه كان قد خربها فلم يمكنه نزوله وسكناها (٤). قيل: له لو كان كذلك لم يعرض عليه النزول فيها، ودل على أنها لم تخرب إذ كانت تصلح للنزول (٥). فإن قيل: لم يكن للنبي ﷺ دار وإنما كان يسكن دار عمه أبي طالب (٦) فمات عمه

стр. 259

كافرًا فورثه عقيل؛ لأنه كان على دينه ولم ينتقل ميراثه إلى علي لإسلامه، فقيل له يوم الفتح: ألا تنزل دارك؟ يعني: دار أبي طالب؛ فأضافها إليه؛ لأنه كان يسكنها؛ فأخبر أنها انتقلت إلى عقيل بن أبي طالب (١). قيل: لو كان عقيل باع مال نفسه لم يلمه على ذلك؛ فظاهر قوله: "وهل ترك لنا عقيل من ربعٍ؟! ". ذم له، وعلى أنهم أضافوا الدار إلى النبي ﷺ ، وظاهر الإضافة الملك، فأما السكنى فلا يقتضي الإضافة عند مخالفنا؛ لأنه قال: إذا حلف لا يدخل دار فلانٍ فدخل دار استأجرها لم يحنث (٢)، وعلى قولنا فلو كانت إضافة سكنى لم يجز أن تطلق مع زوال السكنى (٣). فإن قيل: فقد أضافها إليه بعد زوال الملك (٤). قيل: لأن المصنف لم يعلم أن الكافر يملك بالغلبة فأضافه على اعتقاده في بقاء الملك فبين النبي ﷺ خلاف ما اعتقده (٥). فإن قيل: دور مكة ليست مملوكةً عندكم، ولا يجوز بيعها، فكيف تحتجون بهذا الخبر؟! (٦). قيل: قد أجبنا عن هذا، وقلنا: بلى تملك اليوم في إحدى الروايتين، وفي الأخرى لا تملك، لكنها كانت مملوكةً في الجاهلية، وإنها خرجت عن أن تكون أملاكًا حتى صارت دار الإسلام.

стр. 260

ويدل عليه ما روى أبو إسحاق الفزاري (١) في كتاب السير (٢) بإسناده عن تميم ابن طرفة (٣) قال: وجد رجل مع رجلٍ ناقةً له فارتفعا إلى النبي ﷺ ، فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت خذها بما اشتراها، وإن شئت فدع" (٤). وهذا نص؛ لأنهم لو لم يملكوها لردها عليه بغير ثمنٍ، وهذا لا يمكن تأويله على وجوب قيمة في بيت المال ليلًا يفسخ البيع والقسمة؛ لأنه قال: "إن شئت خذها بما اشتراها". فخيره بين الأخذ ورد الثمن، والقيمة قد تزيد على الثمن وتنقص منه فلا يصح حمله على القيمة في بيت المال؛ لأجل ذكره للثمن الذي اشتراها به. ويدل عليه: أن كل طائفتين جاز أن تملك إحداهما على الأخرى بالقهر، جاز أن تملك الأخرى عليها به كالروم والترك وعكسه الطائفتان من المؤمنين أعني أهل البغي وأهل العدل فإن نازعوا الأصل.

стр. 261

دللنا عليه: بما روى عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خرج مع قوم من المشركين إلى النبي ﷺ ليسلموا، ثم إنه استغفلهم في بعض الطريق، وقتلهم، وأخذ مالهم، فحمله إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فقد قبلناه منك، وأما المال فمال غدر لا حاجة لنا فيه" (١). ولم يأمره برده على ورثتهم، ولأنه حربي فملك ماله عليه بالغلبة في داره. أصله: إذا غلب عليه المسلم وإذا ثبت هذا الأصل صح القياس (٢). فإن قيل: لا يمتنع أن تملك عليهم بالقهر ولا يملكوا به علينا كما ملكنا عليهم بالشفعة (٣) ولم يملكوا بها علينا، وكذلك النكاح يملك عليهم ولا يملكوا علينا (٤). قيل: أما النكاح فلا يمتنع أن يملكوا به ويملكوا بالقهر كما يملك على الوثني والمجوسي ماله بالقهر وإن لم يملك عليهم عقد النكاح، وأما الشفعة فلا يمتنع أن يملكوا بها عليه ويملكوا بالقهر كما قالوا: هم لا يملكوا أهل الذمة إحياء مواتنا (٥)،

стр. 262

ويملكوا علينا بالبيع والاحتشاش (١) كذلك ههنا (٢). فإن قيل: إنما جاز/ أن تملك عليهم؛ لأنه سبب مباح وليس كذلك ملكهم علينا؛ لأنه سبب محظور ولا يملكوا به علينا (٣). قيل: الأسباب المحظورة يجوز أن يقع بها الملك كالمبتاع على سوم (٤) غيره، وعند أذان الجمعة عندهم، ووطي الأب جارية ابنه إذا علقت (٥)، وكذلك وطئ الشريك، وكذا إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فأخذ أموالهم غصبًا فإن ذلك محظور ويملك (٦). فإن قيل: لا نسلم ذلك ونقول: لا يملكه بالغصب دللنا عليه بقصة المغيرة بن شعبة فمنازعتهم رد للنص. فإن قيل: المحظور: الوطئ، وذلك لا يملك به وإنما يملك بالعلوق وهو من فعل الله تعالى فلا يوصف بالحظر. قيل: يملك بالعلوق من وطئه فالوطيء أحد السببين كالإيجاب ويتم بالعلوق كما يتم الإيجاب بالقبول (٧). فإن قيل: فعندكم لا يصح البيع عند النداء ولا بيع الحاضر للبادي (٨)؛ لكونه

стр. 263

محظورًا فقل مثله في القهر المحرم (١). قيل: القهر فعل فلا يؤثر التحريم فيه كالإكراه على الرضاع ولا يمنع من ثبوت حكمه، والبيع قول فأثر التحريم فيه كالإكراه على الطلاق وكلمة الكفر (٢). فإن قيل: لما جاز أن يملك المسلم بالغلبة رقابهم كذلك أموالهم وأهل الحرب لا يملكون رقابنا فلا يملكون أموالنا (٣). قيل: لا يمتنع أن يملكوا به أموالنا وإن لم يملكوا رقابنا كما جاز أن يملكوا بالبيع والهبة أموالنا وإن لم يملكوا رقابنا؛ ولأن رقابنا لا تملك ورقابهم تملك كأموالهم فصارت رقابهم وأموالهم كأموالنا وفارقت رقابهم رقابنا لما ذكرنا (٤). فإن قيل: البيع سبب يملك به بعضنا على بعض فجاز أن يملكوا به علينا وهذا معدوم في مسألتنا (٥). قيل: علة الأصل تبطل بالإرث سبب تملك به بعضنا على بعضٍ ولا يجوز أن يملكوا به علينا وعلة الفرع لا تصح؛ ولأن بعضنا لا يملك على بعض بالغلبة لم يجز أن يملك بعضهم على بعض بها، وكذلك لا يجوز أن يملك بعضنا على بعض بالغلبة ويملكون علينا (٦). وقد قيل: بأن هذا سبب للملك يعود إلى فعل آدمي فجاز أن يملك به على المسلم كالشراء ولا يلزم عليه كالإرث؛ لأنه يعود إلى فعل الله - تعالى - وهذا يلزم عليه على أصلنا الشفعة واستحقاق القصاص (٧).

стр. 264

وقيل: أيضًا بأن الرد يتعلق بالمال كالضمان، ثم ثبت أن الضمان لا يلزم الحربي فيما يتلفه من أموالنا كذلك الرد وهذا يلزم عليه الباغي يلزمه الرد وإن لم يلزمه الضمان (١). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] فامتن علينا بذلك، فلو كانوا يملكون علينا كما نملك عليهم لما كان للامتنان معني (٢). والجواب: أن هذا خطاب للصحابة، وموضع الامتنان منه أنه مكنهم من أرضهم وديارهم ولم يمكنهم من أرض المسلمين ولا ديارهم ولا دلالة في هذا على أنهم لو مكنهم منها لم يملكوها، ويجوز أن يقال: إنه من علينا بذلك؛ لأنه يحصل لنا من وجه مباح ولا يحصل لهم مثله من وجه مباح فهذا وجه الامتنان (٣). واحتج: بما روى حماد بن زيد (٤) عن أبي قلابة (٥) عن أبي المهلب (٦) عن عمران بن حصين؛ قال: أغار المشركون على سرح (٧) المدينة فأخذوا العضباء وامرأة من المسلمين

стр. 265

فلما كان ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضباء فأتت على ناقة ذلول فركبتها ثم توجهت المدينة ونذرت إن نجاها الله تعالى لتنحرنها فلما قدمت عرفت الناقة فأتوا بها إلى النبي ﷺ فأخبرته المرأة بنذرها فقال: "لا نذر في معصيةٍ ولا فيما لا يملك ابن آدم" (١)، وروي أن النبي ﷺ أخذ ناقته (٢) فلو كان المشركون ملكوها لملكتها المرأة عليهم ولو ملكتها لما أبطل النبي ﷺ نذرها ولأخذ الناقة بالقيمة (٣). والجواب: أن المرأة لم تأخذها بالقهر ولا العوض، وإنما أخذتها على وجه التلصيص، وعندنا أن الأخذ على هذا الوجه لا يملكها ويجب عليها ردها إلى مالكها بغير شيء، وبهذا أجاب أحمد في رواية أبي طالب (٤). فقال: إذا أخذ العدو من المسلمين فجاء به رجل واحد فهو لصاحبه؛ لأنه ليس له ملك مثل الناقة لما جاءت بها المرأة أخذها ولم يجعل لها ملكًا وهو فصل يأتي الكلام عليه (٥). واحتج: بما روي أن ابن عمر كان له فرس أخذه العدو وظهر المسلمون فرده عليه رسول الله ﷺ (٦). والجواب: أنه لا دلالة في هذا أي على موضع الخلاف؛ لأنا نقول أنه يرد عليه وإن كان قد ملكوه ما لم يقسم وليس في الخبر أنه قسم. واحتج: بأنه مال أخذه على وجه العدوان والظلم فلا يفيد الملك.

стр. 266

دليله: المسلم يغصب مال المسلم (١). والجواب: أنه يبطل بالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان وأخذ الهم وأحرزه في دار الإسلام فإنه يملكه وإن كان قد أخذه على وجه العدوان والظلم، وكذلك إذا استولد جارية ابنه وإذا اشترى عند سماع النداء وعلى سوم أخيه. فإن احترزوا وقالوا: أخذ المال من المسلم لم يكن له تأثير؛ لأن عندهم لا فرق بين مال المسلم وبين مال الذمي ثم المعنى في المسلمين لما يملك مال أحدهما على الآخر بالقهر لم يملك الآخر عليه بالقهر وهذا بخلافه (٢). واحتج بأن من لا يملك رقاب المسلمين لا يملك أموالهم بالقهر كالمسلمين (٣). والجواب: عن الرقاب وعن الأصل ما مضى (٤). واحتج: بأنه مال مسلم مأخوذ بالقهر فكان صاحبه أحق به. أصله: إذا وجده قبل القسمة وبعدها، وإذا وجده في يد رجل أحد منهم لا على وجه القهر كالسرقة أو أخذه منهم بغير عوض كالهبة (٥). والجواب: عنه: أن قبل القسمة أن المال على حكم ملك أهل الحرب ولهذا يجوز للإمام أن ينفل فجاز للمسلم أن يأخذه كما لو وجده في أيديهم وبعد القسمة استقر حق المسلم فيه، ولهذا لا يجوز النفل فلم يجز أن يأخذه بغير عوضٍ وأما بقية المسائل فلا يمتنع أن يملكه من أخذه منهم ثم يكون صاحبه أحق به، كما قلنا في الشفيع ينتزع المبيع من يد المشتري كالواهب من يد ابنه إلا أنه في موضع يأخذه بالقيمة؛ لأنه عاوض عليه فهو كالشفيع وفي موضع يأخذه بغير قيمة؛ لأنه ما عاوض عليه كالهبة (٦).

стр. 267

واحتج بأن محرمًا لو اصطاد صيدًا لم يملكه؛ لأنه سبب محرم كذلك ههنا (١). والجواب: أن القهر بالإحرام أغلظ ألا تراه يوجب الضمان على متلفه، وهذا أخف ألا تراه لا يوجب الضمان عليهم، ولأن تلك العين محرمة في حق المحرم. بدليل: أن سائر أسباب الملك من هبة وبيع لا يصح وليس كذلك ههنا فإنها مباحة في حق الكفار (٢). بدليل: يصح ملكهم لها بالبيع والهبة وغير ذلك. وقد حصل على قولهم مال أخذ على وجه العدوان كلام آخر، وهو أنه لا يمتنع أن يكون جهة الأخذ محظورة ويحصل الملك بها من ذلك الاستيلاد لأمة ابنه والأمة المشتركة والبيع عند النداء وإذا قتلت أم الولد سيدها، وكذلك الدين المؤجل يحل بقتل صاحب الدين لمن عليه الدين (٣). فإن قيل: الاستيلاد حصل بالعلوق وذلك من فعل الله تعالى. قيل: إذا قتل مورثه حرم الميراث وإن كان الموت من فعل الله؛ لأنه استند إلى فعله وكذلك السفر (٤). فإن قيل: البيع عند النداء لا يختص تحريمه بالعقد ألا ترى أنه لو تشاغل عن الصلاة بغير البيع لم يجز. قبل صلاة النافلة في البقعة الغصب باطلة وإن لم يختص التحريم بالصلاة؛ لأنه لو أراد أن يجلس منع، وكذلك التفريق في البيع بين الأقارب يمنع صحة البيع وإن كان المنع من التفريق لا يختص البيع؛ لأنه لو فرق بالهبة لم يجز. واحتج: بأن ما حصنه الإسلام من النهب لا يملك بالنهب (٥). دليله: مال المسلم إذا انتهبه مسلم (٦).

стр. 268

والجواب: أنه لا يملك بالنهب وإنما يملك بالغلبة والحيازة، فنقول: بموجب ما ذكروه والمعنى في المسلمين ما ذكرنا. واحتج: بأن ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن يملك الكافر عبدًا مسلمًا؛ لأنه قد يقهر المسلم على عبده أو أمته المسلمة فملكها وهو ظاهر كلام أحمد أنه يملك المكاتب بالقهر، وهذا لا يجوز كما لا يجوز ملكه بالبيع وقد صرح به في رواية إسحاق بن هانئ (١) في عبد أبق إلى بلاد الروم فتنصر ثم ظهر عليه ليس لمولاه أخذه بعدما قسم إلا باليمين، وقال في رواية أبي طالبٍ (٢) في عبد مسلم دخل بلاد العدو وارتد عن الإسلام: فإذا قسمت الغنائم فليس له شيء (٣). والجواب: أنه لا يمتنع أن يملكوا بالقهر وإن لم يملكوا بالبيع. بدليل: أنه يملك المجهول بالقهر ويملك رقاب الأحرار وهم النساء والصبيان ويملك قهرًا بغير رضا المالك (٤). فصل هل يملكوا ذلك قبل أن يحرزوه إلى دار الحرب؟ قياس/ قول أحمد: أنهم يملكوا ذلك قبل الحيازة؛ لأنه قد ثبت من أصله أن أموال المشركين تملك بالقهر قبل إحرازها إلى دار الإسلام ويجوز قسمتها في دار الحرب (٥) وهو ظاهر كلامه ههنا؛ لأنه حكم بالملك ولم يفرق بين أن يحيزوا إلى دار الحرب أم لا، وهو مذهب مالك فيما حكاه ابن القصار عنه (٦)، وفيه رواية أخرى: إن أحرزوها في دار الحرب ملكوها وإن لم يحرزوها

стр. 269

لم يملكوها نص عليه في رواية أبي داود (١) في مراكب تجئ من مصر (فيقطع) (٢) عليها الروم فيأخذوها ثم يأخذها المسلمون منهم وقد صارت إلى قبرس (٣) ليس من بلادهم ورأى أن ما صار في أيديهم يرد إلى أصحابه ولا يكون غنيمة ولا يؤكل إذا كان طعامًا؛ أنهم لم يحرزوه إلى بلادهم، وقال أيضًا في رواية جعفر بن محمد (٤) في العدو يغير على أهل سمرقند (٥) ويبيعون الغارة من أهل الشام قبل أن يدخلوا إلى مأمنهم قال: لا أحب أن يشتري منهم وبه قال أبو حنيفة (٦). وجه الأدلة: أن القهر سبب للملك فيجب أن يحصل به الملك حيث وجد. دليله: الشراء والهبة والإرث؛ ولأنه لو كان إحرازها في دار الحرب شرطًا في الملك لوجب أن لا يملك بعضهم على بعض بالقهر؛ لأنه لم يوجد منهم إحرازها في دار الحرب إلى دار أخرى؛ لأن الكل دار حرب، ولأن المسألة مبنية على أن أموال المشركين تملك بالقهر قبل إحرازها إلى دار الإسلام، كذلك أموال المسلمين

стр. 270

وقد بينا هذا في مسألتين: أحدهما: إذا لحق المدد بعد تقضي الحرب هل يشاركون في الغنيمة. والثانية: إذا وطئ أحد الغانمين جارية من المغنم هل يحد (١). ووجه الرواية الثانية: أن النبي ﷺ رجع في ناقته العضباء بغير عوض ولم يكن له وجه إلا أن الكفار لم يحوزوها إلى دار الحرب فلم يثبت ملكهم (٢) والجواب: عنه: ما قد تقدم وهو أنه لم يرجع لهذه العلة، وإنما رجع؛ لأن المرأة لم تأخذها بالقهر وإنما أخذتها على طريق التلصص لا تملكها بذلك؛ فلهذا رجع النبي ﷺ فيها، ولأنه لو كان لما ذكروه، لكان النبي ﷺ يستفصل هل أحرزت إلى دار الإسلام أم لا؟ (٣). واحتج: بأن يد الإمام ثابتة على دار الإسلام فملككم غير مستقر؛ لجواز ظهور الإمام (٤). والجواب: أن القهر والاستيلاء قد وجد من جهتهم وظهور الإمام مظنون فيجب أن يحصل الملك ولا يطرح ما هو موجود متحقق بهزيمة (٥). واحتج: بأن المسألة مبنية على أن أموال المشركين لا تملك إلا بالحيازة إلى دار الإسلام أو القسمة (٦). والجواب: أنا قد أفسدنا هذا الأصل وتكلمنا عليه (٧).

стр. 271

فصل وإذا أخذها المسلمون منهم وجاء أصحابها قبل القسمة أخذوها بغير شيء، وإن جاءوا بعد القسمة لم يكن لهم أخذها بحالٍ في أحد الروايتين نقلها الأثرم (١) وأبو طالب (٢) وابن القاسم (٣) (٤) وسندي (٥) (٦) وبكر بن محمد (٧). فقال في رواية أبي طالب: إن أدركه صاحبه قبل القسم فهو أحق به، فإذا قسم فلا شيء له وهو أحق به بالثمن. قال: لا ليس له فيه حق، وكذلك نقل الأثرم عنه إذا وجد صاحبه قد قسم ليس له شيء، قيل له: ولا بالثمن قال: ولا بالثمن، وكذلك نقل ابن القاسم وسندي (٨) إن وجده صاحبه قبل القسم فهو له، وإن وجده بعد ما قسم وصار في البيع ولا أرى له شيئًا. وكذلك نقل بكر بن محمد (٩) وفيه رواية أخرى: أنه بعد القسم أحق به بالقيمة نقلها صالح (١٠) وابن إبراهيم (١١) (١٢) والحسن بن ثواب ومحمد بن جعفر (١٣) فنقل صالح عنه: إذا وجد جاريته أو فرسه فهو أحق به ما لم يقسم، فإن قسم أخذ بالثمن (١٤)، وكذلك نقل

стр. 272

ابن إبراهيم في العبد يابق والفرس يشرد فيصير في بلاد الروم فيؤخذ وهو للمولى ما لم يقسم، فإذا قسم فهو أحق به بالثمن (١)، وكذلك نقل الحسن بن ثواب (٢) ومحمد بن جعفر في رجل كان عنده عبد رهن على ألف درهم فسباه العدو ثم ظهر عليه المسلمون فاشتراه رجل بخمس مائة، قيل لصاحبه: هذا عبدك فإما الثمن وإما أن تدعه، فإن اشتراه يرجع إلى يد المرتهن وبهذا قال أبو حنيفة (٣) ومالك (٤). وجه الأولة: ما روى الدارقطني (٥) بإسناده عن إسحاق بن عبد الله (٦) عن ابن شهاب (٧) عن سالم بن عبد الله (٨) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده/ بعد ما قسم فليس له شيء" (٩). قيل: قد قال الدارقطني: إسحاق متروك الحديث.

стр. 273

قيل: يحتمل أن يكون متروك الحديث لتدليس (١) أو إرسال (٢) وذلك يوجب ضعفه. فإن قيل: يحمل قوله ليس له شيء بغير عوض (٣). قيل: هو عام بعوض وبغيره، وأيضًا ما روى بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب (٤) أن عمر ﵁ قال: "ما أصابه المشركون من أموال المسلمين فظهر عليهم فرأى متاعه بعينه فهو أحق به من غيره فإذا قسم ثم ظهروا عليه فلا شيء له فهو رجل منهم" (٥) ونحو ذلك

стр. 274

عن علي كرم الله وجهه (١)، وأيضًا فإنه قد يعين ملكه فيه بالقسمة فكان أحق به كما لو أسلم وهو في يده يعين حقه بالإسلام (٢). فإن قيل: أخذه منه يؤدي إلى تنفيرهم عن الإسلام ولهذا أقررناهم على نكاح بلا ولي ولا شهود؛ لئلا يؤدي إلى تنفيرهم وهذا معدوم ههنا (٣). قيل: ما هو معدوم؛ لأنه لا يمتنع الرجوع لعلة أخرى وهو أن من أثبت الرجوع أثبته بقوم وألا يمكنه الرجوع بالبدل الذي عاوض عليه؛ لأنه عاوض الغانمين عما ثبت حقه في الغنيمة وذلك العوض في أيديهم وإنما يرجع بقيمة ما حصل في يده بعوض؛ لأنه عاوض الغانمين عما يجب حقه في الغنيمة بذلك فلا يمكنه الرجوع بالبدل الذي عاوض عليه ولا بقيمته؛ لأن ذلك في يد جميع الغانمين، وإنما يرجع بقيمة ما حصل في يده فوجب أن يسقط حق الرجوع عن العين كالشقص (٤) المشهور لما لم يمكن الرجوع بعوضه ولا بقيمة عوضه وهو البضع (٥) سقط حق الشفيع من العين، وفارق هذا إذا كان الشقص مبيعًا؛ لأنه يمكنه الرجوع بعوضه أو بقيمته فلهذا ثبت له الفسخ (٦).

стр. 275

فإن قيل: الشفيع إنما سقط حقه من الرجوع لأحد وجهين؛ إما لأنها ملكت الشقص بعين مال فهو كما لو ملكته بهبةٍ أو ميراث أو لأنا؛ لو قلنا يرجع عليها لم يخل إما أن يرجع بقيمة البضع أو بقيمة الشقص، ولا يجوز أن يرجع بقيمة البضع؛ لأن البضع لا يتقوم إلا على زوج أو من يجري مجراه وهي الوطئ بشبهة أو متلف وهو الغاصب وليس الشفيع واحدًا منهم، ولا يجوز أن يرجع بقيمة الشقص؛ لأن مبنى الأصول على أن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن أو بقيمة الثمن إذا لم يكن للثمن مثلًا، فأما بقيمة الشقص فلا وليس كذلك ههنا؛ لأن هذه العين يصح تقويمها في حق كل أحد وحق الرجوع ثابت فيهما. بدليل: ما ذكرنا إذا وجدها في يد من ابتاعهم منهم (١). قيل: إذا أسلم وهو في يده يصح تقويمها في حق كل أحد ولا يقوم عليه، وأما من ابتاعها منهم فهناك يمكن الرجوع بالبدل أو لقيمته، وههنا يرجع بقيمة ما حصل له فهو كالشقص الممهور (٢) (٣). واحتج المخالف: بما روى أبو بكر (٤) بإسناده عن ابن عباس (٥) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وجدت بعيرًا لي في المغنم وقد كان العدو أصابوه قال: "اذهب فإن وجدته فخذه وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردت" (٦).

стр. 276

والجواب: أنه يرويه الحسن بن عمارة (١) عن عبد الملك بن ميسرة (٢) عن طاووس (٣) عن ابن عباس. قال الدارقطني: الحسن بن عمارة ضعيف الحديث كثير الوهم والغلط، ومن هذه صفته لا يقبل خبره، وعلى أنه يحتمل أن يكون هو أحق به بالعوض عليه بسبب أنه كان مالكًا له كما يقال: فلان أحق بالصدقة من عمرو وإن لم يكن ذلك واجبًا (٤). واحتج: بأنه وجد متاعه في يد من لم يسلم عليه فكان أحق به. دليله: لو وجد في يد من أخذه منهم يعرفهم ولا عوض أو في يد من ابتاعه منهم أو وجد المكاتب وأم الولد (٥). والجواب: عنه: إذا أخذه بغير قهر أو بهبة أنه أخذه بغير عوض فضعفت حجته فرجع عليه كالواهب، وأما من ابتاعه فالمعنى فيه: أنه يرجع عليه بالبدل الذي عاوض عليه، وههنا لا يمكنه الرجوع بالبدل وإنما يرجع بقيمة ما حصل له، فسقط حق الرجوع كالشقص الممهور، وأما المكاتب فالحكم فيه كالحكم في غيره من الأموال على

стр. 277

الروايتين، وأما أم الولد فلا تملك بالقهر؛ فلهذا كانت له، ولا يجوز أن يقال لما جاز له الرجوع بغير بدل وهو قبل القسم فأولى أن يرجع ببدل؛ لأنا قد بينا أن المال قبل القسم باق على حكم ملك أهل الحرب. بدليل:/ أنه يجوز للإمام النفل منه وبعد القسم قد زال حكم ملكهم (١). فصل فإن أخذه المسلمون منهم بغير قهر ولا قيمة كالسرقة والهبة فصاحبه أحق به بغير شيء نص عليه في رواية أبي طالب (٢)، فقال: إذا أخذ العدو من المسلمين فجاء به رجل وأخذ فهو لصاحبه، مثل: الناقة لما جاءت بها المرأة إلى النبي ﷺ (٣). وقال أبو حنيفة: صاحبه أحق به بالقيمة (٤). دليلنا: ما تقدم من حديث عمران بن حصين أن المشركين أغاروا على سرح المدينة وأخذوا العضباء وامرأةً من المسلمين فركبتها المرأة وتوجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاها الله لتنحرنها فأخذها النبي ﷺ : وقال: "لا نذر في معصيةٍ ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٥) فلو كان العوض مستحق لدفع إليها فلما أخذها بغير عوض دل على إسقاطه (٦). فإن قيل: إنما أخذها بغير عوض؛ لأن الكفار لم يملكوها وإنما يملكون بالحيازة إلى دارهم وليس معنا أنهم بلغوا السرح إلى دارهم (٧). قيل: لو كان الحكم يختلف لسألها، ولأنها حصلت في يد مسلم بغير قهر ولا عوض فكان صاحبها أحق بها بغير قيمة كالمكاتب، وكما لو لم يحوزوها في دار الحرب وسرقها

стр. 278

مسلم وليس لهم أن يقولوا: أن المشركين لم يملكوها في تلك الحال؛ لأنا لا نسلم هذا، ولأنه حصل الشيء في يده بغير عوض كالواهب (١). واحتج المخالف: بما تقدم من قوله ﷺ : "وإن وجده بعد القسمة فهو أحق به بالثمن" (٢) وهذا المعنى موجود جود ههنا (٣). والجواب: أن هذا لا يتناول موضع الخلاف؛ لأنه يقتضي أن يكون حصل في يده بالقسمة، وليس ههنا قسمة فعلم أن المراد به إذا قسم وقد أجبنا عنه بما تقدم (٤). واحتج: بأنه قد تعين ملك الأحد فيه فكأن له القيمة كما لو حصل في يده بعوض وكما لو أسلم وهو في يده (٥). والجواب: عنه: ما تقدم وهو أن الشفيع يرجع ويدفع الثمن، فالواهب يرجع بغير قيمة، فكان الفرق بينهما أن في أحد الموضعين ملكه بعوض وفي الآخر بغير عوض (٦). فصل فإن قهر المشركون المكاتب ملكوه بالقهر، ويكون حكم المكاتب حكم سائر الأموال صاحبه أحق به قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة على الروايتين (٧): أحدهما: لا حق له فيه، ويكون مكاتبًا في يد من حصل في يده وإن حصل في يد مسلم بغير قهر وغير عوض فصاحبه أحق به بغير شيء، وإن كان بعوض وهو الشراء فصاحبه أحق به بالثمن إن اختار، وقد نص أحمد على هذا في رواية حنبل (٨) وذهب إلى قول علي ويأتي لفظه، وأما أم الولد فإنها لا تملك وترد إلى سيدها بكل حال قسمنا أو لم نقسم،

стр. 279

وقد قال أحمد في رواية بكر بن محمد (١) في أم الولد: إذا سباها العدو ثم أصابها المسلمون فقسمت فعلى السيد أن يفديها بالثمن الذي اشتراها به، وهذا يدل على أنها قد ملكت بالقهر؛ لأنه حصل لها أخذها بالقيمة وحكم بصحة القسمة، ويجب أن يحمل هذا على أن الإمام كان يرى نقل الملك في أم الولد؛ لأنه مختلف فيه ويحتمل أن يكون المشتري اشتراها على طريق الاستنقاذ لها كما يستنقذ الأسير المسلم وهو قول مالك (٢)، قال أبو حنيفة: لا يملك المكاتب وأم الولد بالقهر ويجب ردها على صاحبها قبل القسمة وبعدها بغير شيء (٣). دليلنا: ما روى أبو بكر (٤) بإسناده عن قتادة (٥) عن علي أنه سئل عن مكاتب أسره المسلمون فاشتراه رجل من المسلمين، قال: إن شاء مولاه افتداه بالذي اشتراه به وكان عنده على ما بقي من كتابته، وإن أبى كان عند هذا على ما بقي من كتابته وولاؤه له (٦) وفي لفظ آخر بإسناده عن حلاس أن رجلًا كاتب عبدًا له فسبته الديلم (٧) فذهب رجل فافتداه من العدو فخاصمه إلى علي فقال لمولاه: إن شئت أعطيت المكاتب متاعه الذي خلف بعده وأعطيت هذا الذي افتداه به وهو عبدك على مكاتبته وإلا فهو لمفتديه (٨). قال أحمد في رواية حنبل (٩): أذهب إلى قول علي وهذا نص في أن المكاتب يملك بالقهر ولا يعرف له مخالف، وأيضًا فإن عتق المكاتب صدر عن قول أو عتق معلق

стр. 280

بصفة في حال الحياة فلا يمنع من الملك بالقهر كالتدبير (١) ودخول الدار (٢). واحتج المخالف: بأنه لا يملك بالبيع فلا يملك بالقهر كأم الولد (٣). والجواب: أنه يملك بالبيع عندنا (٤) وأما أم الولد فلا يصح نقل الملك فيها، والمكاتب يصح نقل الملك فيه بدليل: أنه لو زوج عبده من أبنته ومات انفسخ نكاحها (٥). فصل فإن دخل رجل من/ المسلمين دار الحرب فاشترى منهم العبد المأسور أو وهبوه له وأخرجه إلى دار الإسلام فلمولاه الأول: أن يأخذه من المشترى بثمنه وفي الهبة بغير شيء، فإن باعه المشتري من آخر أو وهبه ثم جاء المولى الأول لم يكن له نقض ما صنع المشتري ولكنه يأخذ المبيع بثمنه الذي حصل عليه في الهبة بغير شيء وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الحسن بن ثواب (٦) ومحمد بن جعفر (٧) في رجل كان عنده عبد رهن على ألف درهم فسباه العدو ثم ظهر المسلمون عليهم فاشتراه رجل بخمسمائة قيل لصاحبه:

стр. 281

هذا عبدك؛ فإما الثمن وإما أن تدعه فإن اشتراه يرجع إلى يد المرتهن، وظاهر هذا أنه اشتراه رجل من بعض الغانمين وقد حكم بصحة ما صنع المشتري (١) خلافًا لمحمد بن الحسن (٢) في قوله: أن ينقض تصرف المشتري (٣). دليلنا: أن الشراء يوجب الملك، كما أن القسمة توجب الملك وكما لو قسم الإمام الغنيمة فوقع العبد الماسور في سهم رجل من الغانمين لم يكن للمولى الأول أن ينقض القسمة ويأخذه بغير شيء، كذلك المشتري منهم إذا باعه لغيره يجب أن لا يفسخ بيعه ويأخذه من يد المشتري بغير شيء، ولأن المشتري ملكه من جهة الحربي وقام فيه مقامه فلما لم يكن للمولى الأول أن يفسخ تصرف الحربي فيه بحال تصرف المشتري من الحربي ولا بشبة هذا الشفيع أن له أن يفسخ تصرف المشتري؛ لأن له أن يفسخ تصرف بايعه بحال وهو أن يجد الدار في يد البائع فيأخذها من يده فيفسخ البيع بثمنه، وفي مسألتنا ليس له أن يفسخ تصرف الحربي، فيجب أن لا يفسخ تصرف المشتري منه أو تصرف من ملكه من جهته (٤). واحتج المخالف: بأن حق المولى سابق لحق المشتري، ولم يكن منه تسليط على التصرف فله أن يفسخ تصرفه كالشفيع له أن يفسخ تصرف المشتري لهذا المعنى (٥). والجواب: عنه ما تقدم (٦).

стр. 282

فصل فإن أبق عبد لمسلم إلى دار الحرب فأخذه المشركون ملكوه بثبوت أيديهم عليه وهل يكون أحق به بعد القسمة بالثمن؟ على الروايتين والمنصوص: أنه أحق به نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم (١) (٢) في العبد يابق والفرس يشرد فيصير في بلاد الروم فيوجدان كل هذا يصير إلى المولى ما لم يقسم، فإذا قسم فهو أحق به بالثمن وبهذا قال مالك (٣) وأبو يوسف ومحمد، قال أبو حنيفة في العبد الآبق لا يملكوه (٤) وهو أحق به قبل القسمة وبعدها في الدابة إذا ندت إلى دار الحرب ملكوها. دليلنا: أنهم لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه فإذا أخذوه من دار الحرب ملكوه كالدابة إذا ندت (٥). فإن قيل: الآبق إذا فارق دار الإسلام زال عنه يد المولى وثبتت يده على رقبته، فإذا أخذوه من يد من لا يتعلق بها التمليك لم يملكوه كما لو باع العبد رقبته بغير إذن مولاه وفي دار الإسلام هو مأخوذ من يد المولى ويده يتعلق بها حكم التمليك، فأما الدابة فلا يد لها على نفسه فحكم يد المولى باقية حتى يتجدد (٦). قيل له: لا نسلم إن يد المولى قد زالت عنه. بدليل: أنه لو وهبه من ابنه الصغير صحت هبته وقبضه له عند أبي حنيفة (٧) وهذا يدل على بقاء يده، وكذلك لو باعه ممن يمكنه أخذه من دار الحرب بيعه ولم يكن في يد سيده لم يصح بيعه (٨).

стр. 283

٢٨ - ١٤ مسألة: إذا أسلم حربي في دار الحرب وخرج إلينا أو لم يخرج وله عقار وأموال فظهر المسلمون على الدار، أحرز عقاره وماله بالإسلام ولا يصير شيء من ذلك فيئًا (١) وهو قول الشافعي (٢). قال أبو حنيفة: إذا كان له في دار الحرب عقار وأموال فالعقار فيء، وما سواه من سائر الأموال فما كان منها في يده فهو له، وكذلك ما أودعه مسلمًا أو ذميا، وما أودعه حربيا أو لم يكن في يد أحد فهو فيء (٣). واختلفت الرواية عن مالكٍ فروي عنه مثل مذهبنا (٤) وروي عنه أنه يكون فيئًا (٥). دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (٦) والذي في يدي الحربي مال مسلم

стр. 284

وكذلك الأرض مال مسلم فوجب أن يكون معصومًا من المسلمين (١). وأيضًا قول النبي ﷺ من أسلم على شيء فهو له، وقوله: "لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسٍ منه" (٢). وروي أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة (٣) فأسلم أبناء شعبة فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار (٤). فإن قيل: هذا قول الراوي ويجوز أن يكون قاله ظنا (٥). قيل: الراوي يجب تصديقه فيما يقوله وحمله على الصواب دون الخطأ/، فإذا قال: أحرز الإسلام أموالهما وأولادهما الصغار يجب أن يحمل ذلك على الصحة ولا يكون ذلك

стр. 285

إلا بالتوقيف من النبي ﷺ والسماع من قوله: "ولأنه مال مسلمٍ فلا يغنم بالظهور على الدار". أصله؛ ما كان في يده من المال الذي ينقل ويحول وإن شئت. قلت: مال مسلم قبل الأسر فلم يجز استغنامه. دليله: ماله الذي في يده مشاهده ولا يلزم عليه إذا ظهر المشركون على أموال المسلمين وأخذوها أنهم يملكوها؛ لأن ذلك لا يسمى غنيمة، ولأنه يستوي فيه الأصل المقيس عليه وهو ما كان في يديه والفرع وهو ما كان وديعة له، ولأن حكم الغلة فلم يجز استغنامه، وهناك لا يجوز لهم استغنامه فإن غنموه معنا ملكوه كما يملك جارية ابنه بالاستيلاد المحرم، فأما ههنا فعندهم يجوز استغنامه ولا يلزم عليه من جهة المعنى؛ لأن القهر هناك حصل من الكفار للمسلمين فملكوا عليهم كما يملك المسلمون عليهم بالقهر، فأما ملك المسلمين على المسلمين بالقهر فلا يجوز كما لا يجوز قهر بعضهم لبعضٍ بالغصب وقطع الطريق، وكل من لم يجز أن يغنم ماله الذي في يده لم يجز أن يغنم ما ليس في يده كالذمي (١). واحتج المخالف: بأنها بقعة من دار الحرب، بدليل: أنه لا يتعلق به شيء من أحكام دار الإسلام فوجب أن يغنم بالظهور عليها. دليله: سائر بقاع دار الحرب (٢). والجواب: أنه لا يجوز اعتبار هذه البقعة بغيرها من البقاع وإن كانت من دار الحرب كما لم يجز اعتباره، وما في يده في دار الحرب وكان المعنى فيه: إن ما في يده ملك لمسلم فيميز عن سائرهم كذلك هذه البقعة ملك لمسلم فيجب أن يتميز عن سائرهم. ويبين صحة هذا: أن الحربي المستأمن إذا اشترى دارًا في دار الإسلام ورجع إلى دار الحرب وانقضى أمانه كانت الدار مغنومة؛ لأن مالكها لا حرمة له وكان الاعتبار بالمالك دون سائر بقاع دار الإسلام، كذلك هذه من دار الحرب لا يجوز أن تكون مغنومة لحرمة
следующие страницы →