← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

هذا عبدك؛ فإما الثمن وإما أن تدعه فإن اشتراه يرجع إلى يد المرتهن، وظاهر هذا أنه اشتراه رجل من بعض الغانمين وقد حكم بصحة ما صنع المشتري (١) خلافًا لمحمد بن الحسن (٢) في قوله: أن ينقض تصرف المشتري (٣). دليلنا: أن الشراء يوجب الملك، كما أن القسمة توجب الملك وكما لو قسم الإمام الغنيمة فوقع العبد الماسور في سهم رجل من الغانمين لم يكن للمولى الأول أن ينقض القسمة ويأخذه بغير شيء، كذلك المشتري منهم إذا باعه لغيره يجب أن لا يفسخ بيعه ويأخذه من يد المشتري بغير شيء، ولأن المشتري ملكه من جهة الحربي وقام فيه مقامه فلما لم يكن للمولى الأول أن يفسخ تصرف الحربي فيه بحال تصرف المشتري من الحربي ولا بشبة هذا الشفيع أن له أن يفسخ تصرف المشتري؛ لأن له أن يفسخ تصرف بايعه بحال وهو أن يجد الدار في يد البائع فيأخذها من يده فيفسخ البيع بثمنه، وفي مسألتنا ليس له أن يفسخ تصرف الحربي، فيجب أن لا يفسخ تصرف المشتري منه أو تصرف من ملكه من جهته (٤). واحتج المخالف: بأن حق المولى سابق لحق المشتري، ولم يكن منه تسليط على التصرف فله أن يفسخ تصرفه كالشفيع له أن يفسخ تصرف المشتري لهذا المعنى (٥). والجواب: عنه ما تقدم (٦).

стр. 282

فصل فإن أبق عبد لمسلم إلى دار الحرب فأخذه المشركون ملكوه بثبوت أيديهم عليه وهل يكون أحق به بعد القسمة بالثمن؟ على الروايتين والمنصوص: أنه أحق به نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم (١) (٢) في العبد يابق والفرس يشرد فيصير في بلاد الروم فيوجدان كل هذا يصير إلى المولى ما لم يقسم، فإذا قسم فهو أحق به بالثمن وبهذا قال مالك (٣) وأبو يوسف ومحمد، قال أبو حنيفة في العبد الآبق لا يملكوه (٤) وهو أحق به قبل القسمة وبعدها في الدابة إذا ندت إلى دار الحرب ملكوها. دليلنا: أنهم لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه فإذا أخذوه من دار الحرب ملكوه كالدابة إذا ندت (٥). فإن قيل: الآبق إذا فارق دار الإسلام زال عنه يد المولى وثبتت يده على رقبته، فإذا أخذوه من يد من لا يتعلق بها التمليك لم يملكوه كما لو باع العبد رقبته بغير إذن مولاه وفي دار الإسلام هو مأخوذ من يد المولى ويده يتعلق بها حكم التمليك، فأما الدابة فلا يد لها على نفسه فحكم يد المولى باقية حتى يتجدد (٦). قيل له: لا نسلم إن يد المولى قد زالت عنه. بدليل: أنه لو وهبه من ابنه الصغير صحت هبته وقبضه له عند أبي حنيفة (٧) وهذا يدل على بقاء يده، وكذلك لو باعه ممن يمكنه أخذه من دار الحرب بيعه ولم يكن في يد سيده لم يصح بيعه (٨).

стр. 283

٢٨ - ١٤ مسألة: إذا أسلم حربي في دار الحرب وخرج إلينا أو لم يخرج وله عقار وأموال فظهر المسلمون على الدار، أحرز عقاره وماله بالإسلام ولا يصير شيء من ذلك فيئًا (١) وهو قول الشافعي (٢). قال أبو حنيفة: إذا كان له في دار الحرب عقار وأموال فالعقار فيء، وما سواه من سائر الأموال فما كان منها في يده فهو له، وكذلك ما أودعه مسلمًا أو ذميا، وما أودعه حربيا أو لم يكن في يد أحد فهو فيء (٣). واختلفت الرواية عن مالكٍ فروي عنه مثل مذهبنا (٤) وروي عنه أنه يكون فيئًا (٥). دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (٦) والذي في يدي الحربي مال مسلم

стр. 284

وكذلك الأرض مال مسلم فوجب أن يكون معصومًا من المسلمين (١). وأيضًا قول النبي ﷺ من أسلم على شيء فهو له، وقوله: "لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسٍ منه" (٢). وروي أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة (٣) فأسلم أبناء شعبة فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار (٤). فإن قيل: هذا قول الراوي ويجوز أن يكون قاله ظنا (٥). قيل: الراوي يجب تصديقه فيما يقوله وحمله على الصواب دون الخطأ/، فإذا قال: أحرز الإسلام أموالهما وأولادهما الصغار يجب أن يحمل ذلك على الصحة ولا يكون ذلك

стр. 285

إلا بالتوقيف من النبي ﷺ والسماع من قوله: "ولأنه مال مسلمٍ فلا يغنم بالظهور على الدار". أصله؛ ما كان في يده من المال الذي ينقل ويحول وإن شئت. قلت: مال مسلم قبل الأسر فلم يجز استغنامه. دليله: ماله الذي في يده مشاهده ولا يلزم عليه إذا ظهر المشركون على أموال المسلمين وأخذوها أنهم يملكوها؛ لأن ذلك لا يسمى غنيمة، ولأنه يستوي فيه الأصل المقيس عليه وهو ما كان في يديه والفرع وهو ما كان وديعة له، ولأن حكم الغلة فلم يجز استغنامه، وهناك لا يجوز لهم استغنامه فإن غنموه معنا ملكوه كما يملك جارية ابنه بالاستيلاد المحرم، فأما ههنا فعندهم يجوز استغنامه ولا يلزم عليه من جهة المعنى؛ لأن القهر هناك حصل من الكفار للمسلمين فملكوا عليهم كما يملك المسلمون عليهم بالقهر، فأما ملك المسلمين على المسلمين بالقهر فلا يجوز كما لا يجوز قهر بعضهم لبعضٍ بالغصب وقطع الطريق، وكل من لم يجز أن يغنم ماله الذي في يده لم يجز أن يغنم ما ليس في يده كالذمي (١). واحتج المخالف: بأنها بقعة من دار الحرب، بدليل: أنه لا يتعلق به شيء من أحكام دار الإسلام فوجب أن يغنم بالظهور عليها. دليله: سائر بقاع دار الحرب (٢). والجواب: أنه لا يجوز اعتبار هذه البقعة بغيرها من البقاع وإن كانت من دار الحرب كما لم يجز اعتباره، وما في يده في دار الحرب وكان المعنى فيه: إن ما في يده ملك لمسلم فيميز عن سائرهم كذلك هذه البقعة ملك لمسلم فيجب أن يتميز عن سائرهم. ويبين صحة هذا: أن الحربي المستأمن إذا اشترى دارًا في دار الإسلام ورجع إلى دار الحرب وانقضى أمانه كانت الدار مغنومة؛ لأن مالكها لا حرمة له وكان الاعتبار بالمالك دون سائر بقاع دار الإسلام، كذلك هذه من دار الحرب لا يجوز أن تكون مغنومة لحرمة

стр. 286

مالكها ولا اعتبار بالدار (١). فإن قيل: العقار لا يثبت عليه اليد ولهذا يضمنه الغاصب فإذا ثبت يد المسلم عليه لم يجز أخذه منه (٢). قيل: العقار تثبت عليه اليد كما تثبت على ما ينقل ويحول ولهذا نقول: إن الذمي في يده العقار إذا ادعى عليه كان القول قوله مع يمينه وعلى المدعي البينة، ولهذا نقول: إن البائع إذا خلى بينه وبين المشتري تثبت يد المشتري عليه وزالت يد البائع عنه وانتقل الضمان إلى المشتري فيه، والراهن إذا سلمه إلى المرتهن لزم الرهن وحصل في يد المرتهن وفي قبضه وإذا كان كذلك لم يكن بينهما فرق (٣). ٢٩ - ١٥ - مسألة: إذا أسلم الحربي المستأمن وله مال في دار الحرب وعقار وامرأة حامل وأولاد صغار وظهر المسلمون على الدار لم يكن شيئًا من ذلك فيئًا (٤) وهو قول الشافعي (٥)، قال أبو حنيفة: يكون جميعه فيئًا (٦) واختلفت الرواية عن مالك (٧) فأما الأموال فقد تكلمنا عليها في المسألة التي قبلها وأما الأولاد. فدليلنا: أنه أسلم وله تابع له في الكفر فوجب أن يحكم بإسلامه. أصله: إذا كان الولد معه في الدار أما في دار الحرب أو في دار الإسلام وإذا ثبت إسلامه لم يجز سبيه كسائر المسلمين (٨).

стр. 287

فإن قيل: المعنى في الأصل أن الدار لم يختلف بهما وليس كذلك في مسألتنا فإن الدار قد اختلفت بهما واختلاف الدار يقطع العصمة ويبطل الحقوق يدل عليه أنه إذا سبي أحد الزوجين ونقل إلى دار الإسلام وقعت الفرقة بينهما لاختلاف الدارين فكذلك إذا سبي صبي صغير وأبواه في دار الحرب فإن الصبي يصير مسلمًا، فلو كان أبواه في السبي أو أحدهما كان محكومًا بكفره فدل هذا على أن الدار إذا اختلفت بينهما انقطع حكم البيع لأبويه وإذا لم تختلف الدار بينهما يكون تابعًا لأبويه أو لأحدهما، وكذلك إذا مات ذمي وله أخ في دار الإسلام ذمي وأخ في دار الحرب كان ميراثه للأخ الذمي ولم يرثه الأخ الذي في دار الحرب (١). قيل: سبي أحد الزوجين يوقع الفرقة بينهما عندنا؛ لأنا لا نعلم بقاء الزوج في الغالب دون اختلاف الدارين يدل على أن الزوجة إذا سبيت والزوج في دار الحرب لم يحصل في السبي فإن الفرقة تقع بينهما في دار الحرب (٢). قيل: أن ينقلوها إلى دار الإسلام وكذلك الصبي إذا سبي وليس معه إبقاؤه ولا أحدهما كان محكومًا بإسلامه تبعًا للسابي وليس ذلك لاختلاف الدارين ولكن لأن الغالب أن الجيش / إذا سبوا سبيًا لا سبيل له إلى معرفة أبويه وهلاكهما فجعل بمنزلة ما لم يكن كما جعل اللقيط في دار الإسلام مسلمًا وحكم فيه بحكم الدار لما أشكل أمر والديه وهل هما كافران أو مسلمان حكم بإسلامه تبعًا للدار (٣). يبين صحة هذا: أنا نقول يصير مسلمًا في الحال قبل نقله إلى دار الإسلام ولا يلزمنا على هذا إذا علمنا وجود أبويه في دار الحرب أنه يجب ألا يحكم بإسلامه؛ لأن ذلك نادر والغالب أنه لا سبيل للجيش إلى معرفة ذلك وقد يكون الحكم للغالب وسقط حكم النادر وليس يلزمنا في الجواب عن هذا الدليل أكثر من بيان مذهبنا، وإن عندنا أن ذلك ليس لاختلاف الدارين وإنما هو للمعنى الذي ذكرنا، ويوضح هذا أنه لو مات هذا الطفل بعد السبي وهم في دار الحرب وجب غسله والصلاة عليه واستعمال ستر المسلمين فيه

стр. 288

نص عليه في رواية أبي داود (١) في السبي يموتون في بلاد الروم وليس معهم آباؤهم يصلى عليهم وأما ميراث الحربي من أخيه الذمي فلا أعرف فيه رواية بالمنع وقد روى أحمد إلى ما يدل على الإرث فقال في رواية الأثرم (٢) في حربي دخل إلينا بأمان فجنى عليه يبعث بديته إلى ملكهم. وهذا يدل على بقاء العصمة وكذلك نقل حرب (٣) (٤) عنه في رجل من أهل الحرب قدم بأمان فمات وترك مالًا بعث بماله لورثته من أهل الحرب وهذه الألفاظ محتملة؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا الميت في دارنا حربي ولهذا ورث ورثته من أهل الحرب ولكن قد نقل يعقوب بن بختان عنه في رجل من أهل الذمة قتله رجل من المسلمين (٥). قال: يبعث بديته إلى أهل بلاده، وهذا اللفظ صريح في أهل الذمة وعلى أن اختلاف الدارين إذا أثر فإنما يؤثر في حق الآدمي الذي لا تعلق له لحق الله كالميراث فأما ما كان حقا لله أو تعلق بحق الله فلا يؤثر فيه الاختلاف. بدليل: أن النسب لا ينقطع بينهما لتعلق حق الله به والإسلام حق لله (٦). واحتج المخالف: بأن اختلاف الدارين يقطع العصمة وتبطل الحقوق. بدلالة وقوع الفرقة بين المسبية وبين زوجها في دار الحرب؛ لاختلاف الدارين وكذلك لو سبي صبي من المشركين انقطعت العصمة بينه وبين أبويه. بدليل: أنه لو مات لم يصل عليه ودفن في مقابر المسلمين وكذلك لو سبي حربي فأعتق ثم مات لم ترثه ورثته الذين في دار الحرب وإذا ثبت أن اختلاف الدارين يقطع العصمة ويبطل الحقوق.

стр. 289

قلنا: إذا أسلم الحربي في دار الإسلام فقد صار من أهل الدار واختلفت به وبأولاده الصغار الدار فيجب أن تنقطع العصمة بينه وبينهم، وإذا انقطعت بينهم لم يتبعه أولاده الصغار في الإسلام، وإذا لم يتبعوه كانوا باقين على حكم أهل الحرب فإذا ظهر على الدار كانوا فيئًا كسائر ماله الذي في دار الحرب يكون فيئًا؛ لأن اختلاف الدارين يبطل الحقوق ويمنع ثبوت يده على ما في دار الحرب، فإذا لم تكن يده ثابتة بقي على حكم أموال أهل الحرب (١). والجواب: عنه: ما تقدم فلا وجه لإعادته (٢). ٣٠ - ١٦ مسألة: إذا تزوج المسلم حربيةً في دار الحرب فحبلت منه ثم ظهر المسلمون على الدار فالولد حر لا يجوز سبيه ؛ لأنه مسلم بإسلام أبيه، وقد قال أحمد في رواية محمد ابن يحيى الكحال (٣) (٤) في نصراني أو يهودي مات وامرأته حامل فأسلمت بعد موته فما في بطنها مسلم، فقد نص علي إسلام الحمل بإسلامه وهذا يمنع سبيه وهل يجوز استرقاق الأم؟ قياس المذهب جواز ذلك؛ لأنه لا يؤدي إلى إسقاط حق المسلم؛ لأن النكاح لا ينفسخ بطريان الرق على أصلنا (٥)، وقال أبو حنيفة: يجوز سبي الأم وما في بطنها (٦). وقال الشافعي: لا يجوز سبي الولد وفي الأم وجهان (٧). فالدلالة على أنه لا يجوز سبي الولد؛ أنه محكوم كالحربية وإسلامه فلم يجز استرقاقه أصله البالغ (٨).

стр. 290

فإن قيل: لو كان حرا لمنع ورود / الرق على الأم ووقوع الملك فيها ألا ترى أن أمه لو كان في بطنها ولد حر فباعها مولاها لم يصح البيع وحدوث الرق أكبر من نقل الملك فإذا منع نقل الملك لحرمة الولد، فلأن يمنع حدوث الرق لأجلها أولى ولما جاز حدوث الرق فيها علم أن الولد الذي في بطنها لا يبقى حرا ويرق برقها (١). قيل: الدلالة على أنه حر أنه مولد من بين حرين، ولأن حرية الولد في النكاح معبرة بحرية الأم والأم حرة حين العلوق وإنما صارت رقيقةً بالاسترقاق بعد العلوق فدل على أنه حر. وقولهم: لو كان حرا لمنع ورود الرق على الأم لا يصح؛ لأن ركوة الحمل حرا لا يمنع من رق الأم ونقل الملك فيها، ألا ترى أن الأمة إذا غرت بالحرية ووطئها زوجها الحر على أنها حرة فإن الحمل حر وإن كانت هي أمة تنتقل بموت سيدها إلى ورثته، وإنما لم يجز بيعها؛ لأن الحمل الذي معها بحمل مستثنىً من جملة المبيع وهو مجهول، وجهالة الاستثناء توجب جهالة المبيع فلهذا لم يصح البيع، ولهذه العلة إذا باع الأمة واستثنى حملها، وكذلك إذا باع أمه وحملها لغيره كالموصى بولدها لا يصح؛ لأنه يحصل مستثنى فلا يصح لجهالته، وهذا المعنى معدوم في الاسترقاق؛ لأن الجهالة لا تنافيه. بدليل: أنه لو ظهر الإمام على الدار وفيها نساء وصبيان تثبت استرقاقهم وإن كانوا مجاهيل ولأنه لا يمتنع أن يكون حملها يمنع بيعها ولا يمنع استرقاقها كما أن رقاب المشركين يجوز ملكهم بالاسترقاق ولا يجوز ملكهم بالبيع والشراء (٢). فإن قيل: لو حكم بإسلام الحمل لوجب إذا انفصل ميتًا أن يصلي عليه كما لو مات بعد الانفصال (٣). قيل: الدلالة على أنه مسلم أن أحد أبويه مسلم فوجب أن يكون مسلمًا بإسلامه كما لو كان طاهرًا، ولأنه لو لم نحكم بإسلامه حملًا لم يوقف له الميراث إذا كان أبوه

стр. 291

مسلمًا؛ لأن الإسلام الطارئ بعد موت الموروث لا يوجب إرثًا عند مخالفنا فلما قال بأن الأب إذا أسلم وله زوجة حامل ثم مات الأب وقف ميراثه على أنه مسلم (١). فإن قيل: يكون مراعًا ألا ترى أنه إذا خرج ميتًا لم يرثه كذلك يكون حكمه في مسألتنا مراعًا، فإذا استرقت الأم قبل الانفصال لم يحكم له بالإسلام لأجل إسلام أبيه (٢). قيل: لا يجوز أن يكون مراعًا ألا ترى أنه لو كان أبواه مسلمين حكمنا بإسلامه ولم يجز أن يقال بأنه مراعًا، فإن ارتد الأبوان قبل الوضع لم يحكم بإسلامه (٣). فإن قيل: لو كان مسلمًا لوجب إذا انفصل ميتًا أن يصلى عليه كما لو مات بعد الانفصال (٤). قيل: قد أجاب عن هذا قوم بأنا قد اتفقنا على أن من شرط الصلاة عليه أن تضعه حيا فإذا وضعته ميتًا لم يوجد شرطه وليس من شرط الحكم بإسلامه أن يكون موجودًا حين إسلام الأب وأما على أصلنا فإنه يصلى عليه؛ لأنه يصلى على السقط إذا كان له أربعة أشهر فلا يلزمنا هذا (٥). فإن قيل: فلو قلنا أنه يتبع أباه في الإسلام لم يمتنع ثبوت الرق فيه وإن امتنع ثبوته في ابنه؛ لأن الرق لو ثبت في أبيه لثبت ابتداء، ولا يجوز ابتداء استرقاق على حر مسلم وليس كذلك الولد فإنه يصير رقيقا من طريق السراية (٦) من جهة الأم، وقد يجوز أن يثبت من طريق السراية ما لا يثبت ابتداء (٧) كما لو كان أبوه كافرًا واسترقت الأم ثبت الرق فيه من طريق السراية؛ لأنه لا يمكن استرقاقه في بطن الأم وكذلك لو أعتق نصيبه من العبد عتق

стр. 292

نصيب شريكه من جهة السراية عند مخالفنا ولا يجوز أن يثبت فيه العتق من جهته ابتداءً وكذلك لو وصي بما في بطن جاريته لرجل ومات الموصي فأعتق الورثة الجارية عتق ما في البطن من جهة السراية ولو أعتقوه ابتداء لم يعتقوه، كذلك حق الاستيلاد يثبت في ولد أم الولد من طريق السراية وإن لم يثبت ابتداءً، وكذلك ولد الهدي والأضحية (١). قيل: الرق لا يسري وإنما التغليب والسراية للعتق، يدل على ذلك أن العبد بين الشريكين إذا أعتق أحدهما نصيبه غلب العتق في نصيب شريكه ولم يغلب الرق في نصيب المعتق وما ذكروه منه إذا سبيت الأم والأب كافرًا إن الرق طرأ عليه بالسراية؛ لأنا نقول ذلك بل السبي يقع عليهما معًا والاسترقاق يتناولهما معًا ولا يكون الرق ساريًا من الأم إلى الولد، وقولهم لا يمكن استرقاقه في بطن الأم غير صحيح؛ لأن اليد تثبت عليه بثبوتها على الأم، وأما إذا أعتق نصيبه من العبد فإنما عتق نصيب شريكه لأن؛ العتق مبني على السراية والرق ليس بمبني على السراية، وكذلك إذا أعتق الورثة سرى إلى الولد؛ لأن العتق تغليب ولذلك الاستيلاد (٢) سرا إلى الولد؛ لأنه يتضمن العتق وأما ولد الهدي فإنما سرا إليه؛ لأنه حدث بعد وجود سبب الاستحقاق للأم وليس كذلك ههنا؛ لأنه المانع من الاسترقاق وهو الإسلام سبق السبب الموجب لاسترقاق الأم فلم يتبع (٣). واحتج المخالف: بأن الولد ما دام متصل بالأم فهو كعضو من أعضائها بدلالة: أنه يتبعها في البيع والعتق والتدبير والكتابة كما يتبعها سائر أعضائها فإذا طرأ عليها رق وجب أن يثبت حكمه فيه كما يثبت في سائر أعضائها (٤). والجواب:/ أنا نعارض بهذا بأنه لا يجري مجرى عضو من أعضائها في الوصية فإنه يجوز أن يوصى بالحمل دون الأم وبالأم دون الحمل ويصح الإقرار للحمل دون الأم وللأم دون الحمل ويصح الإقرار به؛ فيقول: هذا الحمل لزيدٍ والجارية لعمرو ويصح

стр. 293

إقراره بالعتق ويدل الحمل موروث وهو الغرة (١) وهذا كله يدل على أنه ليس بمنزلة العضو؛ لأن هذه الأحكام لا تثبت للأعضاء ويجب اعتبار غالب الأصول دون نادرها (٢). واحتج: بأن العتق الطارئ على الأم يسري إلى الولد فيجب أن يكون الرق الطارئ عليها مثله كالأعضاء وكما لو كان الأب كافرًا (٣). والجواب: أن العتق إنما سرى إلى الولد؛ لأن مبناه على التغليب والسراية وليس كذلك الرق فإنه لم يبن على التغليب والسراية، ألا ترى أنه إذا أعتق نصيب من العبد كمل العتق في جميعه ولم يجب أن يكمل الرق الذي في نصيب شريكه ويرد عتق المعتق ثم يقول: الرق لا تسري إلى الأعضاء؛ لأن أمير الجيش لو قال في رجل من الأسارى: أرققت هذا الأيد أنه يصير جميعه رقيقًا؛ لأن اللفظ يتناول جميع البدن واستثناء اليد عبث ولغو وعلى أنه يجوز أن يكون الولد حرا والأم رقيقة ولا يجوز أن يكون العضو حرا والباقي رقيقًا فدل على الفرق بين العضو والحمل، وأما إذا كان الأب كافرًا فإن الرق لم يحصل بالسراية وإنما وقع الرق عليه وعلى الأم وقد بينا ذلك (٤). واحتج: بأن ما يسري من الأم إلى الولد في حال كفر الأب فإنه يسري إليه في حال إسلام الأب كالعتق (٥). والجواب: أن الرق لا يسري من الأم إلى الحمل إذا كان الأبوان كافرين وإنما يقع السبي عليهما والاسترقاق يتناولهما معًا وعلى أنا قد بينا الرق والعتق (٦).

стр. 294

واحتج: بأن العتق إذا سرى فالرق أولى؛ لأن العتق الطارئ يجوز أن يثبت في بعض الشخص والرق الطارئ لا يثبت في بعضه، ألا ترى أنه لو أعتق عبدًا بينه وبين آخر ثبت العتق في نصيبه خاصة إذا كان معسرًا، ولو سبا الإمام قومًا من أهل الحرب لم يجز أن يسترق أنصافهم ويترك أنصافهم أحرارًا (١). والجواب: أن الرق يتبعض عندنا (٢)؛ لأن الحر إذا تزوج بجارية نصفها حر ونصفها رقيق أو تزوج عبد بها كان نصف الولد حرا ونصفه مملوكًا (٣). واحتج: بأن الولد لو بقي حرا لم يجز ثبوت الرق فيها ووقوع الملك عليها، ألا ترى أن أمة لو كان في بطنها ولد حر فباعها مولاها لم يصح البيع وحدوث الرق أكثر من بقاء الملك، فإذا امتنع نقل الملك فيها لحرية الولد فلأن يمتنع حدوث الرق لأجلها أولى ولما جاز حدوث الرق فيها علم أن الولد الذي في بطنها لا يبقى حرا ويرق برقها (٤). والجواب: عنه ما ذكرنا وهو أن كون الحمل حرا لا يمنع من نقل الملك في الجارية كالأمة إذا غرت من نفسها فوطئها الزوج على أنها حرة فإن الحمل حر وهي مملوكة لمولاها وإذا مات ورثها وارثه وإن كان في جوفها ولد حر ولم يمنع حرية الحمل من انتقال الملك في الجارية كذلك ههنا (٥). ٣١ - ١٧ مسألة: إذا دخلت حربية مستأمنة إلى دار الإسلام فتزوجت ذميا لم تصر ذميةً فإن أرادت الرجوع إلى دار الحرب بعد موت الزوج أو طلاقه لم تمنع وكذلك إذا أذن لها الزوج (٦) وهو قول الشافعي (٧)، قال أبو حنيفة: تصير ذمية وتمنع من الرجوع (٨).

стр. 295

دليلنا: أنه عقد لا يصير به الرجل ذميا فلا تصير به المرأة ذمية. دليله: عقد البيع والإجارة ولأنه عقد على المنافع أشبه الإجارة، ولأنه لزمها المقام في دار الإسلام لحق آدمي فإذا زال الحق كان لها الرجوع. أصله إذا آجرت نفسها مدة أو لزمها دين فحبست بالدين فإذا انقضت المدة أو قضت الدين كان لها الرجوع كذلك ههنا (١). فإن قيل: المعنى في الزوج أنه لا يصير ذميا؛ لأن عقد التزويج لا يُلزم الرجل المكون في دار المرأة فإذا لم يلزمه المكون في دار الإسلام لم يصر ذميا والمرأة يلزمها المكون في دار الزوج وهي دار الإسلام فصارت ذمية، والمعنى في الإجارة: أنها توجب المكون في دار الإسلام إلى مده وعلى أن الإمام يتقدم إليه فيقول له: إن اخترت المقام في دارنا سنة أخذنا منك الجزية فإذا أجر نفسه سنةً أو أكثر لزمه الجزية وصار ذميا (٢). قيل: لا نسلم أنه قد وجب عليها المقام في دار الإسلام على التأبيد وإنما وجب عليها المقام ما دام عليها حق فإذا أوفت ما عليها/ لم يجب عليها المقام وهي كالذمية والمستأجرة. يبين صحة هذا: أنه (لا يجوز) (٣) لها الخروج إلى دار الحرب مع بقاء النكاح إلا بإذن الزوج فإذا طلقها جاز لها أن تخرج، وكذلك المستأجرة لا يجوز لها الخروج في مدة الإجارة فإذا انقضت جاز لها الخروج، وذهب المخالف إلى هذا السؤال وإن عقد التزويج يلزمه المكون في دار الزوج، والزوج من أهل دار الإسلام فيلزمها المكون في داره وإذا استحق عليها المقام في دار الإسلام لا إلى هذه صارت ذمية كالزوج وكما لو عقدت عقد الذمة. والجواب: أنه يبطل بالمحبوسة بالدين فإنه وجب عليها المقام في دار الإسلام لا إلى مدة ومع هذا فلا تصير ذميةً (٤).

стр. 296

فإن قيل: فما تقولون في أحكامها؟ (١). قيل: أحكامها أحكام المستأمنين من ضمان أموال الآدميين والحد في حرفهم فأما حد الزنا والشرب فلا يلزمها وفي حد القذف احتمال (٢). ٣٢ - ١٨ مسألة: إذا أودع الحربي المستأمن في دار الإسلام ثم لحق بدار الحرب فأسر أو قتل فإنها ترد إلى ورثته ذكره أبو بكر (٣) في كتاب الخلاف (٤) وقد حكي عن أحمد في رواية علي ابن سعيد (٥): إذا دخل التاجر بأمانٍ فقتل فعلى قاتله الدية موجه بها إلى ورثته وإن كان له مال وجه به (٦) وبه قال مالك (٧)، وقال: الحربي ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه حل دمه وماله، وظاهر هذا أن ماله، وحكم الذمي (٨) والمستأمن سواء (٩) وقال أبو حنيفة الوديعة فيء (١٠)، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا (١١)، والثاني: مثل قول أبي حنيفة (١٢). دليلنا: أنه لما رجع إلى دار الحرب بطل أمانه في نفسه فصار مباح الدم وبقي أمانه في ماله فلا يتعدى إباحة دمه إلى المال الذي له في دار الإسلام؛ لأن الأمان فيه باقيًا.

стр. 297

والدلالة على بقاءه: أنه يصح أن يعقد الأمان لنفسه دون ماله ولماله دون نفسه فلو أن حربيًا بعث بماله إلى دار الإسلام بأمان وأقام في دار الحرب انعقد الأمان لماله دون نفسه وإذا كان الأمان ثابتاً لماله انتقل إلى ورثته كما لو مات ولم يؤسر ولم يظهر على الدار. وإن شئت قلت: كل مال لا يجوز أخذه بغير إذن مالكه في حياته لم يجز بعد وفاته كمال المسلم والذمي، ولا يلزم عليه المرتد إذا انتقض أمانه في نفسه انتقض في ماله وصار فيئًا؛ لأنه يجوز أخذه في حياته وهو إذا لحق بدار الحرب وكان المعنى فيه أن كفر الردة أغلظ؛ لأن حبسه يمنع الإقرار والكفر الأصلي أخف؛ لأنه لا يمنع الإقرار فجاز أن لا يزيل الأمان في المال وإن شئت قلت: مات عن مالٍ له أمان فوجب أن ينتقل إلى ورثته كما لو مات في دار الإسلام أو مات في دار الحرب حتف أنفه قبل ظهور الجيش على الدار وليس لهم أن يقولوا: إن المقتول لا يسمى ميتًا؛ لأن المقتول ميت ولهذا لو قال لعبده إذا مت فأنت حر فقتل عتق العبد (١). واحتج المخالف: بأنه لما قتل أو أسر زال ملكه عن الوديعة بالقهر والغلبة فوجب أن لا ينتقل إلى ورثته كماله الذي في يده في دار الحرب (٢). والجواب: أنا لا نسلم أنه زال ملكه عن الوديعة بالقهر والغلبة؛ لأن ثبوت الأمان فيه يمنع من جريان القهر والغلبة وقد بينا أن أمانه باقٍ في ماله (٣). واحتج: بأن الوارث لا أمان له؛ لأنه حربي فيجب أن لا يرث هذا المال (٤). والجواب: أنه يرثه مع حق الأمان الثابت فيه ألا ترى أنه إذا تعلق بالمال حق الرد بالعيب ورثه وارثه مع حق الرد بالعيب وكذلك يرثه مع حق الرهن المتعلق بالمال (٥).

стр. 298

واحتج: بأن صاحب المال لو أسر واسترق لم ينتقل ماله إلى وارثه كذلك يجب أن لا ينتقل إليه بعد قتله (١). والجواب: أنه إنما لم ينقله إلى وارثه بالاسترقاق؛ لأنه حي باقٍ ولا يجوز أن يورث الحي من الحي وإنما يرث الحي من الميت (٢). ٣٣ - ١٩ مسألة: فإن أقرض الحربي المستأمن ثم لحق بدار الحرب فأسر أو قتل لم يبطل القرض ويكون لورثته (٣)، وقال أبو حنيفة: يبطل القرض ويسقط عن المستقرض (٤)، وقال الشافعي: لا يبطل القرض قولًا واحدًا وأثبته، وحكمه فيه قولان: أحدهما: أنه لورثته مثل قولنا (٥)، والثاني: يكون غنيمة (٦). دليلنا: ما تقدم وأنه مات عن مال له أمان فوجب أن ينتقل إلى ورثته قياسًا على مال الذمي والمستأمن (٧). واحتج المخالف: بأن مال الحربي لا يصير غنيمة إلا بثبوت يد المسلم عليه وحيازته وإحرازه، والدين لا يثبت عليه اليد فلا يمكن إحرازه ولا تأتى حيازته فلا تصير غنيمة ولا ينتقل إلى ورثته لما ذكرنا في الوديعة وهو أنه زال ملكه عنه بالقهر والغلبة فلا ينتقل إلى ورثته كسائر أمواله التي في يده فإذا زال ملكه ولم يصر غنيمة ولم ينتقل إلى الورثة سقطت المطالبة وإذا سقطت المطالبة بالدين بطل (٨).

стр. 299

والجواب: أنا قد بينا أن ملكه زال بالقهر والغلبة فيما كان في يده في دار الحرب ولم يتعد إلى ماله الذي له أمان فيجب أن لا يبطل القرض فيه وأن يكون موروثًا (١). ٣٤ - ٢٠ مسألة: لا يجوز استرقاق من لا كتاب له ولا شبهة كتاب ؛ كعبدة الأوثان ومن عبد ما استحسن سواء في ذلك العرب والعجم ذكره الخرقي (٢) في مختصره؛ فقال: وإنما يكون له استرقاقهم إذا كانوا من أهل كتاب أو فأما مجوس من سوى هؤلاء من [العدو] (٣) فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء (٤)، ونقل بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد أنه قال: قد سبى النبي ﷺ العرب وأبو بكر ﵁ سبى بني ناجية (٥) وظاهر هذا يقتضي جواز استرقاق جميع المشركين من أهل الكتاب وغيرهم من العرب والعجم (٦) وهو قول الشافعي (٧)، وقال أبو حنيفة: يجوز استرقاق عبده الأوثان من العجم ولا يجوز ذلك من العرب (٨)، فالدلالة على الشافعي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، وهذا عام في المشركين، وإذا وجب قتلهم منع ذلك استرقاقهم ولأنهم لا يقرون على كفرهم بالجزية فلم يجز استرقاقهم (٩).

стр. 300

دليله: المرتدون، ولا يلزم عليه النساء والصبيان وعبيدهم البالغين وأولاد المرتد الذين ولدوا بعد الردة إذا كانوا صغارًا؛ لأنا قلنا: فلم يجز استرقاقهم وأولئك صاروا أرقاء بالسبي من غير استرقاق (١). فإن قيل: المرتد له حرمة بالإسلام (٢). قيل: ذلك ما منع من قتله وتحرم مناكحته والحرية ولأنه ضرب من الصغار (٣) يقتضي البقاء على الكفر فلم يثبت في حق من لا كتاب له ولا شبهة كتابٍ. دليله: أخذ الجزية ولا يلزم عليه القتل؛ لأنه يمنع البقاء على الكفر، ولأنه سبب للإقرار على الكفر فلا يثبت في حق عبده الأوثان كالجزية ولأنه لا كتاب له ولا شبهة كتاب فلم يجز استرقاقه. دليله: العربي على أبي حنيفة (٤). فإن قيل: لا يجوز اعتبار الاسترقاق بالجزية؛ لأن الاسترقاق يثبت في حق النساء والصبيان ولا تثبت الجزية في حقهم (٥). قيل: إنما لم تثبت الجزية في حق النساء؛ لأنها تؤخذ لحقن الدم ودمائهم محقونة وليس كذلك في حق الرجال؛ لأن دماءهم غير محقونة فإذا لم يحقن بالجزية لم يحقن بالرق (٦). فإن قيل: الاسترقاق أدخل في اللزوم ألا ترى أنه لو استرق ثم أسلم لم يزل الرق ولو أسلم وعليه جزية لسقطت (٧).

стр. 301

قيل: لأن الجزية عقوبة فلا يجري على المسلم، والرق ليس بعقوبة ولهذا يجري على النساء والصبيان فلهذا جاز أن يستدام فأما في مسألتنا فالحربي من أهل العقوبة فإذا لم تثبت الجزية في حقه يجب أن لا يثبت الاسترقاق (١). فإن قيل: الاسترقاق أغلظ من الجزية؛ لأن الاسترقاق يزيل الملك عن النفس والمال والجزية تبقى على الحرية فيكون ملك الذمي باقيًا على نفسه وماله، فجاز أن يثبت الاسترقاق ولا يثبت ما هو أخف منه وهو الجزية كما ثبت القتل ولم يثبت ما هو أخف منه من الاسترقاق والجزية (٢). قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في مسألتنا كما لم يوجب الفرق في الأصل وهو المرتد وقد ثبت أن المرتد لا يسترق ولا تؤخذ منه الجزية مع أن أحديهما أكمل من الآخر كذلك ههنا، وعلى أنه ما كان يمتنع أن تثبت الجزية وهي أخف ولا يثبت الاسترقاق وإن كان أغلظ (٣). بدليل: جواز المن على الوثني بغير مال ورده إلى دار الحرب فيعود حربًا لنا فقد أقر على الكفر بالأخف وسقط الأثقل وهو القتل وكذلك نصالح أهل الحرب بغير شيء فسقط القتل بالأخف. يبين صحة هذا: أن المرتد لما لم يجز أن يُقوَّ بأحديهما لم يُقرَّ بالآخر والكتابي لما أقرَّ بأحديهما أقرَّ بالآخر (٤). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. والجواب: أن الغنيمة تثبت فيما يتملك ولا نسلم أن عابد الوثن يتملك حتى يدخل تحت الآية (٥).

стр. 302

واحتج: بأن كل طائفة يجوز استرقاق نسائهم وصبيانهم جاز استرقاق رجالهم كأهل الكتاب والمجوس، ولأنه كافر أصلي يجوز قتله فجاز استرقاقه كأهل الكتاب ولا يلزم عليه المرتد؛ لقولنا أصلي، ولا يلزم عليه الذمي؛ لقولنا يجوز قتله، ولا كافر لم يثبت له إيمان ولا أمان فجاز استرقاقه. دليله: ما ذكرنا ولا يلزم عليه من لم تبلغه؛ لأنه إذا بلغته فلم يسلم جاز استرقاقه (١). والجواب: أن المعنى في الأصل أنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية فجاز إقرارهم عليه بالرق، وليس كذلك في مسألتنا فهم كالمرتدين. ثم ليس إذا جاز استرقاق النساء والصبيان جاز في الرجال كما وجب حقن دمائهم ولم يجب حقن دماء الرجال، وكذلك يباح مناكحة أهل الكتاب وذبائحهم ولا يباح ذلك في عبدة الأوثان وإن المعنى في الأصل أن له كتابًا أو شبهة كتاب وهذا بخلافه وعلى أن الميموني (٢) نقل عن أحمد في الرجل يشتري الأمة المجوسية من المجوسي: لا يجبرها على الإسلام لهم ذمة؛ لأنهم كانوا يؤدون الجزية. وقال في موضع آخر: فإن استباء المجوسية ليس هي بمنزلة أهل الكتاب تجبر على الإسلام (٣). وظاهر هذا أنه يمنع من استرقاق النساء المجوسيات؛ لأنه لو أجاز لم يجز على الإسلام (٤). واحتج: بأن الاسترقاق عقوبة تتعلق بالكفر فوجب أن يستوي فيها أهل الكتاب وغيرهم كالقتل (٥).

стр. 303

والجواب: أنه يبطل بالجزية ولأنا قد بينا الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم وعلى أنه ليس إذا وجب القتل وجب الاسترقاق كالمرتد (١). فصل والدلالة على أبي حنيفة أنه وثني فلا يستحق أصله العربي، وكل من لا يسترق إذا كان عربيًا لم يسترق إذا كان عجميًا كالمرتد، ولأنه ليس له كتاب ولا شبهة كتابٍ فلا يسترق كالمرتد والعربي، ولأن الرق عقوبة تتعلق بالكفر فاستوى فيها العرب والعجم كالقتل يستويان هناك في الإثبات يجب أن يستويا ههنا في المنع (٢). فإن قيل: العرب بالغوا في أذية النبي ﷺ وعرضوه لمفارقة الوطن فغلظ أمرهم وهذا لا يوجد في العجم (٣). قيل: أذية النبي ﷺ كانت من أهل مكة خاصةً فلم وجب أن يغلظ على جميع العرب وعلى أنه قد آذاه اليهود ولم يمنع ذلك من الاسترقاق (٤). فإن قيل: المعنى في العرب أن لهم حرمة بكون النبي ﷺ منهم وكذلك المرتد له حرمة الإسلام (٥). قيل: هذه الحرمة لم تمنع من تساويهم في القتل وأنه لا كتاب لهم وإن قاسوا على أهل الكتاب فالمعنى فيهم أنهم يسترقون إذا كانوا من العرب وليس كذلك ههنا؛ لأنه لا يسترق العربي منهم كذلك الأعجمي ولأنهم من أهل كتاب وهؤلاء ليسوا من أهل كتاب ولا شبهة كتاب؛ ولأن آباءهم كانوا على دين حق فروعيت فضيلتهم فيهم وأقروا على كفرهم بالرق وليس كذلك عبده الأوثان فإنه لا فضيلة لهم بأنفسهم ولا بآبائهم فلم يسترقوا (٦).

стр. 304

واحتج: بأن المجوس لا كتاب لهم ومع هذا يجوز استرقاقهم فدل على أنه لا يختص بأهل الكتاب (١). والجواب: أنهم استرقوا لإلحاقهم بحكم أهل الكتاب. بدليل: أن عمر ﵁ لما توقف فيهم في الجزية روى له عبد الرحمن (٢) ﵁ قول النبي ﷺ سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٣) فأخذها منهم، ولأنه لما أشكل أمرهم استعملوا فيهم الاحتياط فحقنوا دماؤهم بالجزية والرق؛ لئلا يقدموا على إراقة دمائهم بالشك ومنعُوا مناكحتهم وذبائحهم؛ لئلا يقدموا على الفروج وأكل الذبائح بالشك ولهذا قتل، فيمن دخل من عبدة الأوثان في دين أهل الكتاب وأشكل أمرهم فلم يعلم هل دخلوا في دين من بدل أو في دين من لم يبدل أو قبل النسخ أو بعده؟ (٤). واحتج: بأن الرق صغارٌ فإذا جاز الحاقة بأهل الكتاب مع فضلهم كان إلحاقه بعبدة الأوثان أولى (٥).

стр. 305

والجواب: أنه باطل بعبدة الأوثان من العرب لأنه لا [. . . . . . … ] (١) الصغار ولو كانوا من أهل الكتاب لحق بهم على أن الإقرار بالحرية وبالرق فضيلة؛ لأنه سبب يحقن به الدم وهذه فضيلة لا نقصان فجاز أن يختص بها أهل الكتاب (٢). ٣٥ - ٢١ مسألة: فإن أسلم الأسير سقط القتل ورق في الحال وسقط التخيير بين الرق والمن والفداء، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب في العرب إذا أسلموا بعد أن أخذوا صاروا في حيز المسلمين وقبضتهم ويجري فيهم سهام المسلمين يقسمون بين من قال الله (٣)؛ خلافًا للشافعي في أحد القولين، ولا يرقون بغير استرقاق ويكون الإمام مخيرًا بين ثلاثة أشياء: بين المن والفداء بأسارى في أيدي المشركين والاسترقاق (٤). دليلنا: أن كل أسير لا يجوز قتله رق (٥). دليله: المرأة (٦). فإن قيل: المرأة ترق بنفس السبي فلم يكن هناك تخيير فيسقط وليس كذلك ههنا؛ لأنه كان مخيرًا بين أربعة أشياء فتعذر واحد منها وهو القتل فكان مخيرًا فيما بقي (٧). قيل: إنما تعذر التخيير في القتل من طريق الحكم، ومثله تعذر التخيير في المن والفداء؛ لأن الفداء رد له إلى أيدي المشركين وهذا لا يجوز؛ لأنه كان عام الحديبية ثم نسخ، ولأن الفداء معاوضة فهو كالبيع، ولا يجوز بيع المسلم من كافر وكل أسير

стр. 306

لا يجوز قتله لا يفادى به (١). دليله: المرأة والصبي، ولأن الفداء عقوبة فوجد لأجل الكفر فسقطت بالإسلام (٢). دليله: القتل، وقد نص أحمد على إسقاط القتل في رواية أبي طالب (٣) والذي يبين أنها عقوبة أنها تؤخذ عن رقبة الحر لا على وجه الطهرة وهي كالحرية ولا يلزم عليه الرق؛ لأنه لا يجب عقوبة. بدليل: أنه يجري على النساء والصبيان وليسا من أهل العقوبة (٤). واحتج المخالف: بما روي أن العقيلي أسر وأوثق وجعل في الحرة فمر به النبي ﷺ فقال للنبي: بما أخذت وبم أخذت سابقه الحاج فقال: بجريرة حلفائك من ثقيف، فقال: إني جائع فأطعمني وعطشان فاسقني وأنا مسلم فقال: النبي ﷺ : "لو قلت قبل هذا أفلحت كل الفلاح" وفاداه بمسلمين (٥). فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ فاداه فأعطاه وأخذ رجلين ولو كان قد رق بالإسلام صار ملكًا للغانمين ولم يجز المفاداة به دل على أنه ما كان رقيقًا (٦). والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ علم من حاله أنه لم يكن مسلمًا في الباطن وإنما أظهر ذلك تقية ونفاقًا؛ طلبًا للخلاص يدل عليه قوله: "ولو قلتها قبل هذا أفلحت كل الفلاح" ولو كان إسلامًا صحيحًا؛ لكان مفلحًا بعد الرق كما كان قبله؛ لأن الفلاح

стр. 307

حصول الأمان له (١). واحتج: بأن الإمام مخير قبل الإسلام بين أربعة أشياء فإذا أسلم سقط منها واحد وهو القتل، فكان مخيرًا فيما يبقى؛ لأن كل من خير بين أشياء فإذا تعذر بعضها كان التخيير قائمًا فيما بقي، ككفارة اليمين هو مخير بين ثلاثة أشياء: العتق، والكسوة، والإطعام فإذا تعذر واحد منها كان مخيرًا فيما بقي كذلك ههنا (٢). والجواب: أن التخيير في الكفارة حصل على طريق التخفيف والرفق فلو أسقطناه فيما بقي زال معناه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن تخيير الإمام بين أربعة أشياء على طريق العقوبة، والإسلام يسقط العقوبة الواجبة بالكفر كما يسقط القتل فأما الرق فقد بينا أنه ليس على طريق العقوبة (٣). فصل فإذا ثبت أن إسلامه لا يمنع من الرق فادعى إسلامًا سابقًا وأظهره لم تقبل دعواه للآية (٤)؛ لأنه يدعي إسقاط الرق والأصل بقاؤه، فإن أقام شاهدًا واحدًا وحلف معه فالمنصوص عنه: أن يقبل ذلك ولا يسترق؛ فقال: في رواية أبي الحارث (٥) (٦) فيمن أخذ علجا فقال: كنت قد أسلمت قبل أن تأخذوني أسيرًا لم يقبل منه، فإن شهد له رجل من أسراء المسلمين أنه كان قد أسلم قبل أن يؤخذ تقبل شهادته مع غير المدعي ولا يقتل وكذلك إن شهد عبد وحلف معه أو شهدت امرأة وحلف معها نص عليه في رواية أبي طالب (٧) إذا قال: أنا كنت مسلمًا لم يصدق وإن شهد له رجل واحد قبل مع يمينه،

стр. 308

وإن شهدت امرأة أيضًا قبلت شهادتها وإن شهد صبي لم تقبل شهادته، وكذلك نقل يعقوب بن بختان (١) إذا قال: قد أسلمت وشهد رجل من الإسراء جازت شهادته مع يمين المدعي، وكذلك إن شهدت له امرأة وعبد مسلم خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين حرين (٢) فيدل على أن الإسلام يثبت بشهادة رجل، وإذا ثبت الإسلام السابق بشهادته لم يجز استرقاقه؛ فروى أبو بكر (٣) في الجزء الأخير من السير عن أحمد بإسناده عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك قربهم نضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة (٤): يا رسول الله، انظر وادي كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم اضرم عليهم نارًا، فقال العباس: قطعتك رحم فدخل رسول الله ﷺ ولم يرد عليهم شيئًا فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ليلين قلوب رجالٍ حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشد قلوب رجالٍ فيه حتى يكون أشد من الحجارة وأن مثلك يا أبا بكرٍ كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وإن مثلك يا عمر؛ كمثل نوح إذ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وإن مثلك يا عبد الله، كمثل موسى قال: رب ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ

стр. 309

الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] " أنتم عالة ولا نتعار منكم أحد إلا بفدي أو ضرب عنقٍ، قال عبد الله: فقلت: يا رسول الله! إلا سهيل بن بيضا (١) فإني سمعته يذكر الإسلام قال: فسكت النبي ﷺ فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع علي حجارة من السماء ذلك اليوم حتى قال: إلا سهيل بن بيضاء قال: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] (٢). فوجه الدلالة: أنه قبل شهادة عبد الله في سهيل. فإن قيل: فأنت لا تقول بظاهره؛ لأن النبي ﷺ لم يستحلف سهيلًا وعندك يستحلف مع شاهد (٣). قيل: يجوز أن يكون قد استحلفه ولم ينقله الراوي، ومثل هذا كثير يجيء في الأخبار (٤). فإن قيل: فيحتمل أن يكون درأ النبي القتل عن سهيل بقيامه على الإسلام ونحن نقول: إن القتل يسقط عن الأسير بإسلامه بعد الأسر (٥). قيل: النبي درأ القتل والفداء جميعًا بقوله: "لا يبقى منهم أحد إلا بفدًى أو ضرب عنقٍ" وبالشهادة أسقط عنه الأمرين ولولاها كان يسقط عنه أحدهما وهو القتل، ويدل عليه ما روى أبو بكر بإسناده عن الزهري (٦) عن

стр. 310

عاصم (١) أن عمر بن الخطاب لما أتي بالهرمز صاحب الأهواز، قال عمر بن الخطاب: هذا الهرمزان قد تولى على حكم فما ترون فما أرى إلا قتله فسكت من عنده من المسلمين والناس حينئذ ليأتيهم أحد منهم في أن يشير على إمامه بغير رأيه ثم دعا عمر له فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنا فقد رأيته يصلي، فقال عمر: إذًا والله لا نقتله (٢). فوجه الدلالة: أنه درأ القتل عنه بشهادة الرجل له بالصلاة، ولأنه قد تتعذر إقامة البينة الكاملة في دار الحرب على إسلامه فجاز أن تقبل فيه شهادة رجل وشهادة امرأة ولهذا قالوا: الإنبات علم على البلوغ في حق المشركين؛ لأنه لا حكم لقولهم، ولهذا أجاز أحمد شهادة أهل الذمة على وصية المسلمين في السفر إذا لم يوجد مسلمًا (٣) ولذلك قال في السبي: إذا ادعوا نسبًا وأقاموا البينة من الكفار قبلت في رواية حنبل (٤) وصالح (٥) وابن إبراهيم (٦)، ولم تقبل في رواية عبد الله وأبي طالب (٧)، وكذلك قال في الأسير إذا ادعى إسلامًا سابقًا يرجع إلى شاهد الحال فإن لم يكن معه سلاح قبل منه وإن كان معه قتل،

стр. 311

نص عليه في رواية ابن إبراهيم (١)؛ لأن الدعوى قد ترجح بالظاهر (٢). ولهذا قلنا: نحن (٣) وأبو حنيفة (٤) ومالك (٥) في الزوجين إذا تداعيا قماش البيت ما صلح للرجال فهو للرجل، وما صلح للنساء فهو للمرأة اعتبارًا بالظاهر، وبنى المخالف هذه المسألة على أصله وأن الحرية لا تثبت بشاهد ويمين (٦)؛ لأنه ليس بمالٍ ولا المقصود منه المال وهذه الدعوى تتضمن الحرية ونحن نبنيها على ذلك الأصل، وأن الحرية تثبت بشاهد ويمين في الصحيح من الروايتين (٧) وهو اختيار الخرقي (٨) وقد استوفينا ذلك في كتاب العتق (٩) وفيه رواية أخرى لا تثبت إلا بشاهدين (١٠). ٣٦ - ٢٢ مسألة: إذا نزل الإمام على بلد أو حصن لم يكن له رميهم بالنار والنفط (١١) وفتح البثوق (١٢) والسيول إلا بأحد شرطين: أحدهما: أن يكونوا يفعلون بالمسلمين مثل ذلك إذا ظهروا على ديارهم. والثاني: أن لا يقدروا على هلاكهم إلا بذلك فيجوز له، وأما قطع الشجر والنخل

стр. 312

والتخريب فلا يجوز أيضًا إلا بأحد شرطين: أحدهما: أن يكونوا يفعلون بالمسلمين مثل ذلك. والثاني: أن لا يقدروا على قتالهم إلا بذلك لكثرة النخل والشجر فيقطع ويهدم ما يتمكن معه من القتال وقد قال الخرقي في مختصره: وإذا حورب العدو [لم] (١) يحرقوا بالنار ولم يغرقوا النخل ولا يقطع شجرة ولا يحرق زرعهم إلا أن يكونوا يفعلون ذلك في بلادنا فنفعل ذلك في بلادهم لينتهوا (٢)، وقد نص عليه أحمد في رواية الجماعة منهم أبو داود (٣) وأبو الحارث (٤) وأبو طالب (٥) وغيرهم (٦) خلافًا للشافعي في قوله: أن يرميهم بالنار ويفتح عليهم البثوق سواء فعلوا ذلك أو لم يفعلوا وسواء دعت حاجة إليهم أو لم تدع وأما قطع الشجر والنخل وتخريب الديار فإن كان بالمسلمين قوة وطمعوا أن يكون الشجر لهم لم يقطع وإن كان بهم قلة ولم يأمنوا أن ترد منهم قطع (٧). دليلنا: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشًا قال لهم: "انطلقوا باسم الله، وفي سبيل الله" إلى أن قال: ولا تغوروا عينًا، ولا تعقروا شجرًا إلا شجرًا يمنعكم قتالًا أو يحجز بينكم وبين أحدٍ من المشركين" (٨). فقد نهى عن ذلك واسثنى الحاجة ولم يعتني أن رد إليهم ولو كان ذلك معتبرًا لذكره كما ذكر الحاجة.

стр. 313

واحتج: أحمد بما روى أن أبا بكر بعث جيشًا إلى الشام ونهاهم عن قطع الشجر (١). فإن قيل: إنما نهاهم؛ لأن النبي ﷺ أعلمه أنه يملك الشام ويفتحها (٢). قيل: لم يعلمه أنه يفتحها بنفسه وإنما أعلمه أنها ستفتح على المسلمين (٣) ولهذا مات أبو بكر ﵁ قبل فتحها وفتحت في أيام عمر ﵁ في إمارة أبي عبيدة (٤)، ومع هذا فقد نهى أبو بكر عن قطعها؛ ويدل عليه ما روى أبو هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار". ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا أن نخرج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما" (٥) فنهى عن تحريقهم وبين العلة في ذلك من عذاب الله تعالى وروى الدارقطني في الأفراد (٦) بإسناده عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن إحراق الطعام في أرض العدو (٧) ولأن النخل والشجر والبنيان من أموالهم تدوم منفعته فلم يحز إتلافه من غير حاجة كالحيوان، ولأنه مال تثبت أيديهم عليه فإذا لم يجز إتلاف الحيوان منه لم يجز إتلاف غيره.

стр. 314

دليله: ما أخذوه من المسلمين على وجه القهر (١). فإن قيل: الحيوان له حرمة في نفسه وبقية الأموال بخلافه (٢). قيل: يجوز إتلاف الحيوان لحاجة ولغرض وهو جواز أكله وقتله؛ ليتوصل به إلى قتل راكبه فكان ينبغي أن يجوز قتله ههنا للحاجة، وهو أن في قتله ضعف للمشركين؛ لقلة الظهر، وللغيظ لهم فلم يجز قتله كذلك بقية الأموال (٣). فإن قيل: ما أخذوا من المسلمين ملك للمسلمين (٤). قيل: لا نسلم هذا بل قد صار ملكًا للمشركين، ولأن اعتباراتهم بأفعالهم بنا مصلحة المسلمين وذلك أنهم إذا علموا أنهم إذا حرقوا أموالنا حرقنا أموالهم، وإذا كفوا كففنا كان فيه ذريعة إلى الكف، ولهذا قال الشافعي: إذا مروا تجار أهل الحرب بعشار المسلمين فإن كانوا يأخذون من المسلمين العشر عشر عليهم وإن لم يأخذوا لم يؤخذ (٥) كذلك ههنا. وقد قيل: من لا يجوز إتلاف الحيوان عليهم لا يجوز إتلاف ديارهم وشجرهم كالبغاة، ولا يجوز أن يقال: أن ذلك مال مسلم؛ لأنه لا يؤثر ذلك في إباحة دمائهم ما كان يمتنع أن لا يؤثر في إتلاف أموالهم (٦). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر:٢]، فأجاز خرابها بأيدي المؤمنين (٧). والجواب: أن ذلك كان لحاجة فروى يحيى بن سلام (٨) في كتابه

стр. 315

قال الكلبي (١): لما أمر رسول الله ﷺ بالمسير إلى بني النضير (٢) فبلغهم ذلك ذمور الأزقة وحصنوا السدود فأتاهم النبي ﷺ فقاتلهم إحدى وعشرين ليلة كلما ظهر على دار من دورهم أو درب من دروبهم هدمه ليتسع المقاتل (٣) فدل على أن ذلك كان للحاجة وهو ضيق المكان وطول الحرب (٤). واحتج: بما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وهي البويرة (٥) وترك العجوة (٦) (٧) وهي التي قال الشاعر (٨):

стр. 316

وهان على سراة (١) بني لوي … حريق بالبويرة مستطير (٢) وفيها نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الحشر: ٥] الآية (٣). والجواب: أن أحمد قال في رواية مهنا (٤) (٥): لا تثبت عن النبي ﷺ أنه حرق نخل بني النضير، وقال في رواية بكر بن محمد (٦) عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وأحرق ليس لهم إسناد، وظاهر هذا من أحمد تضعيف الحديث، ويجب أن يكون هذا التضعيف من أحمد رجع إلى بعض طرق الحديث، فأما إلى أصل الحديث فلا؛ لأن القرآن قد نزل به وقد ذكره البخاري وغيره فيكون الجواب أنه يحتمل أن يكون هناك حاجة دعت إلى قطعها وتحريقها (٧). واحتج: بأنه لما جاز قتلهم لغير حاجة كذلك إتلاف أموالهم (٨). والجواب: أنه إذا سباهم وظهر عليهم لم يجز قتلهم إلا على وجه المصلحة؛ لأنه مخير بين أربعة أشياء: تخير حفظ ومصلحة (٩). واحتج: بأن للإمام والجيش أن يحرقوا ما عدا الأرواح والحيوان إذا خاف عليها أن يستنقذها المشركون كذلك ههنا وقد قال أحمد في رواية المروذي (١٠) في أمير عسكر باع ما باع من الغنائم ثم أمر بأن يحرق ما بقي قال: لا بأس ولا يترك لهم شيئًا يعينهم (١١).

стр. 317

والجواب: أن منافع تلك الأشياء لا يدوم وليس كذلك في النخل والشجر والبنيان فإنه يدوم منفعتها فربما قويت شوكة المسلمين فظهروا على ذلك وأخذوه (١). ٣٧ - ٢٣ مسألة: إذا لحق المدد بعد تقضي الحرب وضع الغنائم لم يشاركوا في الغنيمة ذكره الخرقي (٢)، ونص عليه في رواية صالح (٣) فقال: إذا وصل إلى العسكر الأعظم بعد ما غنموا ليس له شيء ما شهد معهم، وكذلك نقل أبو طالبٍ (٤) عنه إذا شهد الوقعة والفتح أسهم له وإن لم يشهد يسهم له، وهو قول مالك (٥)، والشافعي (٦). وقال أبو حنيفة (٧): إذا لحق المدد قبل إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام شركهم فيها (٨). دليلنا: ما روى بعض من نصر هذه المسألة عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الغنيمة لمن حضر الوقعة والمدد" (٩) لم يشهد الوقعة فوجب أن يكون لهم من الغنيمة شيء؛ لأنه جعلها لمن حضر والمحفوظ من عن عمر (١٠) هكذا ذكره أبو بكر

стр. 318

من أصحابنا وأيضًا ما روى ابن بطة بإسناده في سننه عن الزهري أن عنبسة بن سعيد (١) أخبره أنه سمع أبا هريرة يحدث عن (٢) سعيد بن العاص (٣) أن رسول الله ﷺ بعث أبان بن سعيد بن العاص (٤) على سرية من المدينة قبل نجد فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله ﷺ بخيبر (٥) بعد أن فتحها وأن حزم خيلهم لليف فقال أبان اقسم لنا يا رسول الله، فقال أبو هريرة: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : اجلس يا أبان" ولم يقسم لهم رسول الله ﷺ (٦). فإن قيل: خيبر لما فتحت صارت دار إسلام فحصلت الغنائم محرزة في دار الإسلام

стр. 319

فلهذا لم يعط من جاء بعد ذلك شيئًا (١). قيل: خيبر أقر أهلها عليها وهم كفار، ولهذا قتل الأنصاري بينهم وهذا ظاهر من مذهب المخالف أنه أقرهم وضرب عليهم الخراج، وأيضًا فإنه مدد لحق بعد تقضي الحرب فلم يستحق المشاركة كما لو لحق بعد القسمة أو لحق بعد الدخول إلى دار الإسلام وكالأسير (٢). فإن قيل: المعنى فيه إذا قسمت أنا قد حكمنا بصحة القسمة ولههنا لم تحكم بصحتها (٣). قيل: يبطل به إذا دخلت دار الإسلام ولم يقسم فإنا لم نحكم بصحة القسمة ولاحق للمدد فيها. فإن قيل: المعني في دار الإسلام فإنا قد حكمنا بملكهم لها وليس كذلك في دار الحرب فإنا لم نحكم بما لهم لها (٤). قيل: لا نسلم ذلك وسنبينه (٥). فإن قيل: المعنى في الأسير أنه لو لحق قبل تقضي القتال ولم يقاتل لم يستحق كذلك إذا لحق بعد تقضي القتال (٦). قيل: لا نسلم لك هذا بل عندنا إذا لحق الأسير بالجيش قبل تقضي الحرب أسهم له سواء قاتل معهم أو لم يقاتل نص عليه في رواية أبي الحارث (٧) وتبني المسألة على أصلٍ، وإن القسمة بعد الحيازة والجمع قد تعلق حق الغانمين بها وهو حق التملك على معنى

стр. 320

أنهم متى اختاروا استقر الملك لهم؛ لأنها غنيمة مجموعة فهو كما لو أحيزت إلى دار الإسلام، ولأن الغانمين لو لم يملكوا الغنيمة بذلك لكانت باقية على ملك المشركين ولو كان كذلك؛ لنفذ عتق أهل الحرب في العبيد الذين حصلوا من الغنيمة فلما لم ينفذ ثبت أن ملكهم قد زال عنهم إلى الغانمين، ولأنه لو لم يتعلق حق الغانمين بها لوجب إذا أسلم الرجل من الكفار بعد الحيازة وقبل القسمة أن يكون أحق بماله فلما لم يملك دل على أن ملكه زال عنها، ولأنهم لو لم يملكوا لشاركهم الأسير فيها (١). فإن قيل: إنما لم ينفذ عتقهم فيها ولم يكونوا أحق بها بعد الإسلام؛ لأنا نقول: إن ملكهم زال عنها ولم يدخل في ملك الغانمين وليس يمتنع مثل هذا على أصلنا كما نقول: زال ملك البايع ولم يدخل في ملك المشتري إذا كان الخيار للمشتري (٢). قيل: كل مملوك لابد له من مالكٍ، ولما لم يملكه الكفار في هذه الحال وجب أن يملكه الغانمون، ولا يلزم على هذا العبد الذي يخدم الكعبة؛ لأن ملكه الله تعالى وكذلك الوقف على المساجد والجوامع الملك فيها الله تعالى والعلامة فيما كان ملكًا لله تعالى أن الإمام يتولى النظر فيه وما كان النظر فيه إلى غيره (٣). واحتج المخالف: بما روي عن عمر ﵁ أنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص: قد (أمددتك) (٤) بمددٍ فإن لحق قبل أن تنفق القتلى فأشركهم (٥) وأراد قبل أن تطول المدة ويتمكن من بلادهم (٦).
следующие страницы →