← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهان على سراة (١) بني لوي … حريق بالبويرة مستطير (٢) وفيها نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الحشر: ٥] الآية (٣). والجواب: أن أحمد قال في رواية مهنا (٤) (٥): لا تثبت عن النبي ﷺ أنه حرق نخل بني النضير، وقال في رواية بكر بن محمد (٦) عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وأحرق ليس لهم إسناد، وظاهر هذا من أحمد تضعيف الحديث، ويجب أن يكون هذا التضعيف من أحمد رجع إلى بعض طرق الحديث، فأما إلى أصل الحديث فلا؛ لأن القرآن قد نزل به وقد ذكره البخاري وغيره فيكون الجواب أنه يحتمل أن يكون هناك حاجة دعت إلى قطعها وتحريقها (٧). واحتج: بأنه لما جاز قتلهم لغير حاجة كذلك إتلاف أموالهم (٨). والجواب: أنه إذا سباهم وظهر عليهم لم يجز قتلهم إلا على وجه المصلحة؛ لأنه مخير بين أربعة أشياء: تخير حفظ ومصلحة (٩). واحتج: بأن للإمام والجيش أن يحرقوا ما عدا الأرواح والحيوان إذا خاف عليها أن يستنقذها المشركون كذلك ههنا وقد قال أحمد في رواية المروذي (١٠) في أمير عسكر باع ما باع من الغنائم ثم أمر بأن يحرق ما بقي قال: لا بأس ولا يترك لهم شيئًا يعينهم (١١).

стр. 317

والجواب: أن منافع تلك الأشياء لا يدوم وليس كذلك في النخل والشجر والبنيان فإنه يدوم منفعتها فربما قويت شوكة المسلمين فظهروا على ذلك وأخذوه (١). ٣٧ - ٢٣ مسألة: إذا لحق المدد بعد تقضي الحرب وضع الغنائم لم يشاركوا في الغنيمة ذكره الخرقي (٢)، ونص عليه في رواية صالح (٣) فقال: إذا وصل إلى العسكر الأعظم بعد ما غنموا ليس له شيء ما شهد معهم، وكذلك نقل أبو طالبٍ (٤) عنه إذا شهد الوقعة والفتح أسهم له وإن لم يشهد يسهم له، وهو قول مالك (٥)، والشافعي (٦). وقال أبو حنيفة (٧): إذا لحق المدد قبل إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام شركهم فيها (٨). دليلنا: ما روى بعض من نصر هذه المسألة عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الغنيمة لمن حضر الوقعة والمدد" (٩) لم يشهد الوقعة فوجب أن يكون لهم من الغنيمة شيء؛ لأنه جعلها لمن حضر والمحفوظ من عن عمر (١٠) هكذا ذكره أبو بكر

стр. 318

من أصحابنا وأيضًا ما روى ابن بطة بإسناده في سننه عن الزهري أن عنبسة بن سعيد (١) أخبره أنه سمع أبا هريرة يحدث عن (٢) سعيد بن العاص (٣) أن رسول الله ﷺ بعث أبان بن سعيد بن العاص (٤) على سرية من المدينة قبل نجد فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله ﷺ بخيبر (٥) بعد أن فتحها وأن حزم خيلهم لليف فقال أبان اقسم لنا يا رسول الله، فقال أبو هريرة: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : اجلس يا أبان" ولم يقسم لهم رسول الله ﷺ (٦). فإن قيل: خيبر لما فتحت صارت دار إسلام فحصلت الغنائم محرزة في دار الإسلام

стр. 319

فلهذا لم يعط من جاء بعد ذلك شيئًا (١). قيل: خيبر أقر أهلها عليها وهم كفار، ولهذا قتل الأنصاري بينهم وهذا ظاهر من مذهب المخالف أنه أقرهم وضرب عليهم الخراج، وأيضًا فإنه مدد لحق بعد تقضي الحرب فلم يستحق المشاركة كما لو لحق بعد القسمة أو لحق بعد الدخول إلى دار الإسلام وكالأسير (٢). فإن قيل: المعنى فيه إذا قسمت أنا قد حكمنا بصحة القسمة ولههنا لم تحكم بصحتها (٣). قيل: يبطل به إذا دخلت دار الإسلام ولم يقسم فإنا لم نحكم بصحة القسمة ولاحق للمدد فيها. فإن قيل: المعني في دار الإسلام فإنا قد حكمنا بملكهم لها وليس كذلك في دار الحرب فإنا لم نحكم بما لهم لها (٤). قيل: لا نسلم ذلك وسنبينه (٥). فإن قيل: المعنى في الأسير أنه لو لحق قبل تقضي القتال ولم يقاتل لم يستحق كذلك إذا لحق بعد تقضي القتال (٦). قيل: لا نسلم لك هذا بل عندنا إذا لحق الأسير بالجيش قبل تقضي الحرب أسهم له سواء قاتل معهم أو لم يقاتل نص عليه في رواية أبي الحارث (٧) وتبني المسألة على أصلٍ، وإن القسمة بعد الحيازة والجمع قد تعلق حق الغانمين بها وهو حق التملك على معنى

стр. 320

أنهم متى اختاروا استقر الملك لهم؛ لأنها غنيمة مجموعة فهو كما لو أحيزت إلى دار الإسلام، ولأن الغانمين لو لم يملكوا الغنيمة بذلك لكانت باقية على ملك المشركين ولو كان كذلك؛ لنفذ عتق أهل الحرب في العبيد الذين حصلوا من الغنيمة فلما لم ينفذ ثبت أن ملكهم قد زال عنهم إلى الغانمين، ولأنه لو لم يتعلق حق الغانمين بها لوجب إذا أسلم الرجل من الكفار بعد الحيازة وقبل القسمة أن يكون أحق بماله فلما لم يملك دل على أن ملكه زال عنها، ولأنهم لو لم يملكوا لشاركهم الأسير فيها (١). فإن قيل: إنما لم ينفذ عتقهم فيها ولم يكونوا أحق بها بعد الإسلام؛ لأنا نقول: إن ملكهم زال عنها ولم يدخل في ملك الغانمين وليس يمتنع مثل هذا على أصلنا كما نقول: زال ملك البايع ولم يدخل في ملك المشتري إذا كان الخيار للمشتري (٢). قيل: كل مملوك لابد له من مالكٍ، ولما لم يملكه الكفار في هذه الحال وجب أن يملكه الغانمون، ولا يلزم على هذا العبد الذي يخدم الكعبة؛ لأن ملكه الله تعالى وكذلك الوقف على المساجد والجوامع الملك فيها الله تعالى والعلامة فيما كان ملكًا لله تعالى أن الإمام يتولى النظر فيه وما كان النظر فيه إلى غيره (٣). واحتج المخالف: بما روي عن عمر ﵁ أنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص: قد (أمددتك) (٤) بمددٍ فإن لحق قبل أن تنفق القتلى فأشركهم (٥) وأراد قبل أن تطول المدة ويتمكن من بلادهم (٦).

стр. 321

والجواب: أن هذا ليس بحد عند مخالفنا، فالظاهر مطرح ويجوز أن يحمل على أنه أراد قبل تقضي الحرب، فأشرك بينهم وعلى أنا قد روينا عنه أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة (١). واحتج: بأن حق الغانمين لا يثبت في الغنيمة بثبوت أيديهم عليها، وإنما يثبت حقهم فيها بإحرازها في دار الإسلام؛ يدل عليه أن لكل واحد من الغانمين أن ينتفع بالطعام من الغنيمة في دار الحرب، وكذلك علف الدابة، فلو كان حقهم يثبت في الغنيمة بحصولها في أيديهم؛ لما جاز لأحد منهم أن يستفيد بشيء من ذلك كما لا يجوز بعد الإحراز في دار الإسلام (٢). والجواب: أنه إذا انهزم العدو عن الغنيمة ملك الجيش أن يتملكوا وثبت لهم حق التملك فيها، فإذا اختاروا ملكها بالقول ملكوها، وهذا قصدنا في الكلام فيه مبينًا في مسألة وطيء الأمة من المغنم إذا علقت من الواطئ هل تصير أم ولد أم (لا) (٣)؟ إذا كان كذلك ولحقهم في المدد دار الحرب فقد لحقهم بعد ثبوت حقهم فيها، ولا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام، وما ذكروه من أكل الطعام والعلف فإنما أبيح ذلك؛ للضرورة لا لعدم الملك؛ لأنهم لا يجدون فيها ما يشترون ويشق عليهم حمل الطعام والعلف من دار الإسلام إلى دار الحرب فأبيح لهم أن يأكلوا ذلك من غير إذن الإمام ولا يحتسب عليهم من حقهم من الغنيمة. يبين صحة هذا: أن غير الطعام لا يجوز لأحد منهم أن ينفرد به على أنه لمعنى في الطعام دون الملك؛ لأنه لو كان لعدم الملك لاستوى فيه الطعام وغيره (٤). فإن قيل: لو كان كذلك لما جاز لأحد منهم أن يستبيحها إلا في حال الضرورة ولما

стр. 322

جاز لكل واحد منهم أن ينتفع بها، وإن كان معه زاد وعلف دل على سقوط هذا الاعتبار وقد قال أحمد في رواية ابن إبراهيم: يحل له أكل العسل والزبيب ما لم يبلغ المأمن (١) وكذلك في رواية أبي طالب (٢): يجوز له العليق والعليقتين من الشعير والطبخة والطبختين من اللحم فأباح على الإطلاق (٣). قيل: الغالب من حالهم أنهم يعدمون الطعام فإن كان فيهم من تجد فهو نادر فألحقنا النادر بالغالب كالمشقة في السفر (٤). فإن قيل: فالغالب من أمر الجيش في دار الحرب أن تكون ثيابهم قد رثت ودوابهم كلت ونفقاتهم فنيت أو قلت، وربما لم يتمكنوا من القسمة في ملك الحال فيجب أن يباح لكل واحد منهم قبل القسمة بأخذ من الغنيمة الثياب والدواب والدراهم والدنانير، وقد قال أحمد في رواية المروذي (٥) في الرجل يجد الجلد: لا يحرز به حقه، وقال في رواية أبي طالب (٦) في الصابون يوجد في بلاد الروم: لا يغسل به ثوبه ليس هو طعام (٧). قيل: الغالب من حال الكسوة أنها تبقى فإن وجدنا من هو محتاج إلى ما يواري عورته فهو نادر، فألحقنا النادر بالغالب، ولأنه لا يمتنع أن يجوز لهم الانتفاع بالطعام وإن لم يجز بغيره كما قالوا يجوز الانتفاع بسلاح البغاة ولا يجوز بغيره (٨).

стр. 323

واحتج: بأن كل حال جاز لكل واحد من الغانمين أن ينتفع فيها بالطعام والعلف من الغنيمة لم يكن حق الغانمين ثابت في الغنيمة في تلك الحال. دليله: حال القتال (١). والجواب: عن أكل الطعام ما ذكرنا، وإما الأصل فالمعنى فيه أنه لم يحصل القهر والغلبة؛ إذ لا غلبة مع قيام أحد الفريقين بحذا الآخر وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد وجد القهر والغلبة وحصلت الغنيمة في أيديهم فهو كما لو أحرزوها في دار الإسلام وإن شئت قلت: المعنى في الأصل أنهم شهدوا الوقعة وليس كذلك ههنا؛ لأنه لم يشهد الوقعة (٢). واحتج: بأنه لو كان حقهم يثبت في أموال المشركين بثبوت أيديهم عليه لوجب إذا دخل جيش المسلمين دار الحرب فحاصروا حصنًا من حصونهم وتركوا حلولة في أراضيهم ومكثوا مدة ثم رجعوا إلى دار الإسلام فدخل جيش آخر وفتحوا الحصن أن لا تكون الأراضي التي حول الحصن للآخرين؛ لأن أيدي الأولين كانت قد ثبتت عليها وربما قالوا: كل حال لو لحقهم فيها المدد شاركهم في الأراضي كذلك يجب أن يشاركوهم في سائر الغنائم. دليله: حالة القتال (٣). والجواب: أنه يبطل بالأسير يشارك في الأراضي ولا يشارك في سائر الغنائم والمعنى في الأصل ما تقدم، وأما الأرض فينظر فإن عادت يد المشركين عليها بعد رجوع المسلمين إلى دار الإسلام فإنها تكون للآخرين؛ لأن الأولين وإن كانت أيديهم قد ثبتت عليها فإنها زالت بعود يد المشركين؛ لأنهم يملكون أموال المسلمين بالقهر، فإن لم تعديد المشركين عليها فإنها تكون للأولين دون الآخرين وهو مذهب الشافعي في الحالين جميعًا (٤). واحتج: بأن الجيش يحتاجون إلى من يعينهم على إحراز الغنيمة في دار الإسلام كما

стр. 324

يحتاجون إلى من يعينهم في حال القتال على أخذها من أيدي الكفار بأن [حاجتهم] (١) في هذه الحال أشد؛ لأنهم يكونون متفرقين والعدو خلفهم، فلا يأمنوا أن يلحقهم العدو أو يخرجوا عليهم في كمين فيوقعوا بهم فيحتاجون إلى فضل نجدة إلى أن يحصلوا في مأمنهم فأما في حال القيام فإن وجوههم تكون في وجوه العدو فهم على دفعهم عن أنفسهم وأخذ ما في أيديهم في هذه الحال أقدر، ثم اتفقوا أنهم لو لحقوا الجيش في حال القتال وكانوا ردا لهم على أخذ الغنائم شاركوهم فإذا لحقوهم بعد انقضاء الحرب وكانوا ردًا لهم في إحرازها في دار الإسلام فأولى أن يشاركوهم فيها (٢). والجواب: أن هذا المعنى موجود إذا لحق المدد بعد القسمة والمشركون يدورون عليهم فعاونهم في الإخراج فإن المعاونة موجودة ولا يستحقون المشاركة وكذلك الأسارى إذا لحقوا بعد تقضي الحرب فعاونهم في الإخراج إلى دار الإسلام (٣). فصل وإذا انفلت الأسير من يد المشركين فلحق بجيش المسلمين قبل تقضي القتال وحيازة الغنيمة استحق السهم سواء قاتل أولم يقاتل، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث (٤) في الأمير يفادي في غزاته بقوم أسارى من أسراء المسلمين فإن فودي بهم قبل الوقعة وقبل أن يغنموا أسهم لهم معهم وإن فودي بهم بعد القسمة فلا شيء، فقد اعتبر حضوره ولم يعتبر قتالهم، وكذلك نقل المروذي (٥) عنه في الأسير يفلت فيدخل في العسكر يضرب له بسهم إذا شهد الوقعة، وبهذا قال الشافعي (٦)، قال أبو حنيفة: إن قاتل استحق السهم، وإن لم يقاتل لم يستحق (٧).

стр. 325

دليلنا: ما تقدم من قوله الغنيمة لمن حضر الوقعة ولمن شهد الوقعة (١)، ولأن من استحق السهم الكامل إذا قاتل استحقه إذا حضر ولم يقاتل، أصله غير الأسير، ولأن الحاضر في الصف بمنزلة القاتل لأنه قد كثر العدد وصار ظهرًا وقوة للمسلمين (٢). واحتج المخالف: بأنه لم يدخل في دار الحرب بنية القتال ولا وجد منه فعل القتال فوجب أن لا يكون شريكًا في أربعة أخماس الغنيمة. دليله: من لم يحضر القتال (٣). والجواب: أن الاعتبار بحضور الوقعة لا بفعل القتال، وأما النية فالظاهر ممن حضر الوقعة أنه ناوٍ للقتال أن احتاج إليه، والنية تعتبر في حضور الوقعة دون ما قبله. بدليل: أن من حضر الوقعة من غير الأسارى استحق السهم وإن لم يقاتل، ولم يعتبر مع الحضور فعل القتال (٤). واحتج: بأن الأسير قد حصل له خلاصة من أيديهم وهذا أكثر من السهم فلم يستحق السهم (٥). والجواب: يبطل إذا حضر وقاتل، وبمن حضر القتال ثم أسر ثم انفلت منهم ورجع إلى الصف، وإنه يستحق السهم وقد حصل له خلاصة بنفسه (٦). ٣٨ - ٢٤ مسألة: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب، وقد قال أحمد في رواية بكر بن محمد (٧) عن أبيه (٨) (٩) عن أحمد: لا بأس أن تباع الغنائم في أرض الحرب؛ لأنه

стр. 326

قد ملكوه وهو أنفع للمسلمين، وهذا من كلامه يدل على جواز قسمتها؛ لأنه لو لم يجز قسمتها لم يجز بيعها، وبهذا قال مالك (١) والشافعي (٢)، وقال أبو حنيفة: لا تقسم الغنائم في دار الحرب (٣)، قال أصحابه: إلا أن يجد الإمام [حمولة] (٤) فيقسمها خوفًا أن لا يصل إلى الغانمين حقوقهم (٥). دليلنا: ما روى أبو إسحاق الفزاري (٦) في السير قال: قلت للأوزاعي (٧): هل قسم رسول الله ﷺ شيئًا من الغنيمة بالمدينة قال: لا أعلمه إنما كان الناس يبيعون غنائمهم ثم يقسمونها في أرض عدوهم، ولم يفعل رسول الله ﷺ من غزاةً قط أصاب فيها مغنمًا إلا خمسه وقسمه قبل أن يقفل، من ذلك غزوة بني المصطلق (٨)، وهوازن، وحنين، وخيبر وتزوج بخيبر حين فتحها صفية (٩) (١٠) (١١).

стр. 327

فإن قيل: يحتمل أن يكون القسمة كانت فيما يجري فيه أحكام المسلمين ويصير من جملة دار الإسلام (١). قيل: قوله يقسمون في أرض عدوهم يمنع هذا التأويل؛ لأن أرض العدو ليس بدار إسلام ولا من جملتها (٢). فإن قيل: لما فتح النبي ﷺ أوطاس (٣) وبني المصطلق وخيبر ظهر عليها وتمكن منها وجرى فيها حكم الإسلام صارت من جملة دار الإسلام (٤). قيل: قد روي أن ديار بني المصطلق فتحت سنة خمس وأسلموا بعد ذلك بزمان (٥). فقيل: إنهم أسلموا سنة ثمان فبعث إليهم الوليد بن عقبة مصدقًا سنة عشر، وكان الإسلام بعد الفتح بمدة كبيرة وحال ما قسم النبي ﷺ الغنائم بها كانت دار حربٍ فلم يصح هذا السؤال، وأيضًا ما روى محمد بن عمر الواقدي (٦) بإسناده في المغازي أن النبي ﷺ قسم غنائم يعني بدر بسير (٧) شعب بمضيق الصفراء (٨). فوجه الدلالة: أن الصفراء كانت قريبة من بدر، وكانت بدر إذ ذاك دار حرب. فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك الشعب قريب من أرض المسلمين (٩). قيل: لا يمكن هذا؛ لأن الصفراء قريب من بدر وبين بدر وبين المدينة مسيرة أيامٍ وكان هذا في غزاة بدر بعد الهجرة بسنتين، وكانت دار الحرب على ما قيل إلى قبل

стр. 328

المدينة مسيرة ثلاثة فراسخ (١) (٢). فإن قيل: يعارض هذا ما روى مقسم (٣) عن ابن عباس قال: قسم رسول الله ﷺ غنائم بدر بعد مقدمه المدينة (٤) (٥). قيل: روايتنا أولى؛ لأنها يعاضدها ما روى الواقدي بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا إلى بدر مع رسول الله ﷺ ومعنا سبعون بعيرًا كانوا يتعاقبون الثلاثة والأربعة على بعير فقال النبي ﷺ حين فصل من بيوت [السقيا] (٦): "اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعرايا فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك" (٧). فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهر البعير والبعيران، واكتسى من كان عاريًا، وأصابوا طعامًا من أزوادهم وأصابوا فدى الأسرى، فأغنى به كل عائل (٨)، وهذا يدل على أنهم انقلبوا بعد القسمة.

стр. 329

ويبين صحتها: ما روى الدارقطني بإسناده عن المقداد بن عمرو (١) أنه ضرب له رسول الله ﷺ يوم بدر بسهمين لفرسه وله سهمًا (٢)، وبإسناده عن الزبير (٣) قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم بدر أربعة أسهم: سهمين لفرسي، وسهمًا لي، وسهمًا لأمي من ذوي القربى (٤)، وهذا يدل على أن النبي ﷺ قسمها من يومه وإذا كانت من يومه كانت بيدر وبدر كانت دار حرب، ولا يقال أنه قدم المدينة من يومه؛ لأن النبي ﷺ أقام ببدر ثلاثًا. يدل عليه: ما روى أنس عن أبي طلحة (٥) أن رسول الله ﷺ كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثًا (٦)، فلما كان يوم بدر أقام

стр. 330

ثلاثًا (١)، وأيضًا ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قسم لمائتي فرس بحنين سهمين سهمين (٢)، وروى أبو إسحاق الشالنجي (٣) بإسناده عن مكحول (٤) قال: أسهم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وسهمًا لصاحبه (٥)، وهذا يدل على أن قسمها في دار الحرب؛ لأنه أضاف القسمة إلى يوم الفتح (٦). فإن قيل: خيبر وحنين صارت دار إسلام (٧). قيل: لا يصح هذا؛ لأن خيبر أقر أهلها وهم كفار؛ ولهذا قتل الأنصاري بينهم، وهذا ظاهر من مذهب المخالف، وأنه أقرهم وضرب الخراج، وأما حنين فيقال: أنهم جاءوا بعد الفتح يسألون النبي ﷺ الإحسان، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا أسلموا. وجواب آخر: وهو أن في الخبر أنه قسم له يوم بدر وخيبر ولو كان ظهوره على الدار يجعلها دار إسلام لم يكن هناك دار الحرب؛ لأن عسكر المسلمين فيها فيزول الخلاف والقياس كل موضع يجوز الاغتنام فيه يجوز فيه الاقتسام. دليله: دار الإسلام. وإن شئت قلت: كل موضع صحت فيه الغنيمة لم تحرم فيه القسمة. أصله: دار الإسلام وكل دار جاز قسمة الغنيمة فيها إذا لم يقدر على نقلها جاز وإن قدر دليله ما ذكرنا (٨).

стр. 331

فإن قيل: المعنى في دار الإسلام أنهم قد ملكوا الغنيمة فيها، وليس كذلك في دار الحرب؛ لأنهم لم يملكوا (١). قيل: قد أجبنا عن هذا في المسألة التي قبلها وبينا أنها لا يملك في الدارين جميعًا، وإنما ملكوا أن يملكوا فلا نسلم المعارضة (٢). فإن قيل: المعنى في دار الإسلام أنه موضع لو حصل فيه شيء من طعام أهل الحرب أو علف الدواب في يد واحد من الغانمين لم يجز له أن ينفرد به، وله في دار الحرب أن ينفرد به (٣). قيل: قد أجبنا عن هذا في التي قبلها وقلنا إنما فرقنا بينهما؛ لأن الحاجة تدعو إلى تناول الطعام في دار الحرب ولا تدعو إلى دار الإسلام، وعلى أن هذا المعنى لما لم يوجب الفرق بينهما في صحة القسمة لم يوجب الفرق بينهما في جواز القسمة وانتفا التحريم، ولذلك لم يوجب هذا المعنى الفرق بينهما في جواز القسمة إذا لم يجد الإمام ظهرًا يحمل عليه الغنائم وإن كان أحد الدارين يجوز تناول الطعام فيها والأخرى لا يجوز، كذلك لا يوجب الفرق بينهما إذا وجد، وأيضًا كل مال جازت قسمته لم تختص قسمته بمكان دون مكان. دليله: المواريث أو الحبس وسائر الأموال (٤). واحتج المخالف: بما روي أن النبي ﷺ قسم غنائم بدر بالمدينة (٥) فلو جاز قسمتها في دار الحرب لما أخرها؛ لأن ذلك حق للغانمين ولا يجوز تأخير حق قد استحقوه (٦).

стр. 332

والجواب: أنا قد روينا خلاف هذا وبينا أن روايتنا أولى وعلى أن أكثر ما فيه أنه قسمها في دار الإسلام ونحن لا نأتي ذلك ولا ننكره لرأي يراه، وليس في ذلك دلالة على امتناع جوازها في دار الحرب (١). واحتج: بما روى مكحول قال: ما قسم رسول الله ﷺ غنيمة قط في دار الحرب (٢). والجواب: أن هذا يعارضه ما روينا عن الأوزاعي لم يقفل رسول الله ﷺ من غزاة قط أصاب فيها مغنمًا إلا خمسه وقسمه قبل أن يقفل (٣)، يعني قبل أن يرجع وهذا أولى؛ لأنه أعلم بالسير وإلا فقوله أولى (٤). واحتج: بأن حق الغانمين لا يثبت في الغنيمة بحصولها في أيديهم على معنى أنهم قد ملكوا أن يتملكوا. ويبين صحة هذا: وأنه قد ثبت حق الغانمين صحة القسمة فيها، ألا ترى أن حال بقاء القتال لم يثبت حق الغانمين لم تُصح القسمة (٥). فإن قيل: إنما صحت القسمة؛ لأن من الفقهاء من يقول يجوز قسمتها فإذا رأى الإمام ذلك وقسم نفذ حكمه. وهذا لا يدل على إباحة قسمتها في الابتداء، ألا ترى أن بيع المكاتب لا يجوز عندنا (٦) ولو حكم به حاكم جاز ونفذ، وليس كذلك حال بقاء القتال؛ لأنه لا خلاف في امتناع جواز

стр. 333

قسمتها في تلك الحال فهو كما لو حكم بجواز بيع لم يجز بحصول الإجماع على منعه (١). قيل: نفس القسمة ليس بحكم من جهته وإنما الحكم أن يقول: أمضيت أو حكمت ولهذا لو باع الحاكم رباع مكة أو لبن الأدميات أو نحو ذلك مما لا يجيزه مخالفنا لم يكن ذلك حكمًا حتى يقول: حكمت به، وكذلك إذا عقد على صغيرة كان العقد باطلًا؛ لأنه ليس بحكم وإنما هو ابتداء عقد والحكم ما رفع إليه مما حكم به غيره (٢). واحتج بأن كل حالٍ جاز لكل واحد من الغانمين أن يستبد بالطعام والعلف من الغنيمة لم يجز للإمام أن يقسم الغنائم فيما بينهم. دليله: حال بقاء القتال (٣). والجواب: أنه يبطل به إذا لم يجد ظهرًا يحمل عليه فإنه يجوز لكل واحد من الغانمين أن يستبدل بالطعام ويجوز القسمة هناك وعلى أن هذا لم يمنع صحة القسمة كذلك لا يمنع جوازها، فالمعنى في الأصل أنه لم يثبت للغانمين فيها حق التملك (٤). بدليل: أنه إذا قال: اخترت أن أملك نصيبي من الغنيمة لم يملك وههنا لم يثبت لهم فيها حق التملك أو نقول: المعنى في الأصل أنه لو قسمها بينهم لم تصح القسمة، وههنا تصح القسمة فلم يحرم وإن تثبت، قلت: المعنى في الأصل أن الأسير إذا لحق بهم جاز أن يشارك الغانمين فيها، وليس كذلك ههنا فإنه لا يشاركهم فيها فجازت قسمتها (٥). واحتج: بأنه لما لم يجز قسمة الأراضي في هذه الحال لم يجز أن يقسم غيره (٦). دليله: حال بعض القتال (٧).

стр. 334

والجواب: أنا لا نسلم هذا بل يجوز قسمة الأرضين، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله (١) هي لمن قاتل عليها إلا أن يقفها والمعنى في الأصل ما تقدم (٢). واحتج بأنها غنيمة لم تحرز بدار الإسلام فلا يجوز للإمام أن يقسمها (٣). دليله: الأراضي. والجواب: عنه: ما تقدم (٤). ٣٩ - ٢٥ مسألة: لا بأس بأكل الطعام والعلف في دار الحرب بغير إذن الإمام وكذلك الحيوان، وإن خرج منه شيء إلى دار الإسلام كان غنيمة قل أو كثر في أحد الروايتين (٥) نقلها ابن إبراهيم (٦) عنه في الرجل يحمل معه العسل والزبيب وأشياء قد سماها يحل له أكلها ما لم يبلغ المأمن وإذا بلغ المأمن طرحه في المقسم، وبهذا قال أبو حنيفة (٧) وفيه رواية أخرى يرد ما فضل إذا كان كثيرًا ولا يرده إذا كان يسيرًا نص عليه في رواية أبي طالب (٨) في الطبخة والطبختين من اللحم والعليق والعليقتين من الشعير يدخله في طرسوس (٩) لا بأس به إذا كان قليلًا، ونقلت من مسائل إسحاق بن

стр. 335

إبراهيم (١) في الرجل يحتاج إلى الدابة من دواب السبي يركبها؟ نعم ولا يعجفها (٢). قيل له: يأخذ السيف ويلبس الثياب؛ قال: نعم (٣). واحتج: بحديث ابن مسعود أنه أخذ سيف أبي جهل (٤) فضربه به (٥) فقد عمل به في ذلك الوقت وسأل عن الثياب يحتاج إليها قال: يلبس ثيابهم فإذا بلغ المقسم طرحها فيه وظاهر هذا أنه جعل له استعمال الثياب والسلاح والكراع (٦) مثل الطعام. واحتج: فيه بقول ابن مسعود، وقال الشافعي في المزني (٧) وسير الواقدي (٨): إن خرج ومعه فضلة ردها في الغنيمة، وقال في سير الأوزاعي (٩): لا يرد ما فضل، قال بعض

стр. 336

أصحابه وإن كان كثيرًا ردها قولًا واحدًا وإن كان يسيرًا فعلى وجهين: وجه الرواية الأولى: وهي اختيار أبي بكر الخلال (١) وهو أنه لو كان كثيرًا رده إلى جملة الغنيمة كذلك إذا كان يسيرًا كسائر الغنائم، ولأنا إنما أبحنا لهم الطعام في دار الحرب؛ لأنه لا يمكنهم حمله إليهم؛ لأن فيه مشقة عظيمة ويتعذر عليهم شراه؛ لأن الكفار لا يبايعونهم فأبيح له أخذه وأكله؛ للضرورة فإذا أخرجوه إلى دار الإسلام زالت الضرورة فيجب أن يكون غنيمة (٢)، وقد روى محمد بن الحسن (٣) بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال في يوم خيبر: "ردوا الخيط والمخيط وكلوا واعلفوا ولا تخرجوا شيئًا" (٤). والمراد: لا تخرجوا شيئًا للانفراد بالانتفاع به (٥). واحتج المخالف: بأن الطعام كان له مباحًا في دار الحرب فوجب أن لا يلزمه بعد إخراجه إلى دار الإسلام رده؛ كالسلب وما ملكه بشري أو هبة (٦). والجواب: أنه يبطل بالكثير، وعلى أنا قد بينا أنه إنما كان مباحًا في دار الحرب للحاجة وذلك معدوم في دار الإسلام (٧).

стр. 337

٤٠ - ٢٦ - مسألة: السلب للقاتل من أصل الغنيمة سواء شرط الإمام ذلك أو لم يشرط في أصح الروايتين نقلها الأثرم (١) وإبراهيم بن الحارث (٢) (٣)، وهو قول الشافعي (٤)، وفيه رواية أخرى هو له أن شرطه الإمام، وأن لم يشرطه لم ينفرد به وكان غنيمة للجميع نقلها حرب (٥) وهو قول أبي حنيفة (٦). وقال مالك: إن شرطه الإمام كان له من خمس الخمس وهو سهم النبي ﷺ ، فإن كانت قيمته تفي بقدر خمس الخمس استحق جميعه، وإن كانت قيمته أكثر استحق منه بقدر خمس الخمس ولا يستحق ذلك من أصل الغنيمة، وإن لم يشترطه له الإمام فلا حق له فيه (٧). دليلنا: ما روى أبو عبد الله بن بطة (٨) بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلبه" (٩)، وفي لفظ آخر عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل فله

стр. 338

السلب" يوم خيبر، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم (١). وروى بإسناده عن (إياس بن سلمة) (٢) عن أبيه (٣) قال: قتلت رجلًا وأخذت سلبه، فقال النبي ﷺ : "من قتل الرجل". قال: سلمة بن الأكوع، قال: له سلبه أجمع (٤). وروى بإسناده عن أبي قتادة بن ربعي (٥) قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين (٦) فلما التقينا كانت للمشركين جولة فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين قال: فاستدرت له حتى أتيت من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربةً حتى قطعت الدرع قال: فأقبل علي فضمني ضمةً وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلقيت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس فقال: أمر الله ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلبه"، قال فقمت فقلت: من يشهد لي،

стр. 339

ثم جلست ثم قال ذلك الثانية، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﷺ : "مالك يا أبا قتادة؟ " قال: فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي فارضه منه، فقال أبو بكر الصديق ﵁: لاها الله إذًا (١) لا نعمد إلى أسدٍ من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فنعطيك سلبه فقال رسول الله ﷺ : "صدق؛ أعطها إياه". قال أبو قتادة: فأعطانيه فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا (٢) في بني سلمه فإنه لأول مالٍ ما تأثلته (٣) في الإسلام (٤)، وبإسناده عن عوف بن مالك (٥) وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب (٦).

стр. 340

فإن قيل: هذه الأخبار خرجت على سبيل وهو أن أصحاب النبي ﷺ انهزموا وبقي هو في نفر يسير، فقال ذلك تحريضًا لهم على القتال فيجب أن يكون حكمه مقصورًا عليه وهذا كما روى عنه أنه قال: "من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " (١)، ثم كان ذلك محمولًا على الحال التي خرج عليها الكلام كذلك هذا (٢). قيل: لا يصح هذا لوجوه: أحدها: أنه نقل حكم وهو: القضاء بالسلب، وسبب وهو: القتل فاقتضى تعلق الحكم بهذا السبب. والثاني: أن النبي ﷺ قال هذا بعد تقضي القتال ولو كان للتحريض لكان قبل ذلك. وهذا ظاهر في حديث أبي قتادة فإنه قال ذلك بعد انقضاء الحرب وجمع الغنيمة وجلوس رسول الله ﷺ واجتماع الصحابة عنده، وفي تلك الحال لا يحتاج إلى تحريض؛ لأن القصد قد حصل. الثالث: أن أبا بكر ﵁ لما ذكر استحقاق أبي قتادة بالسلب لم يذكر التحريض وإنما ذكر مخاطرته بقتله فقال: لا نعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فنعطيك سلبه ولو كان كما قاله المخالف لم يقبل ذلك؛ لأن التحريض يحصل في حق من هو عنده يأخذه كما يحصل في حق القاتل (٣). فإن قيل: إنما استحقوا السلب بهذا الشرط، وهو قوله: من قتل قتيلًا فله سلبه وخلافنا في عدمه (٤). قيل: هذا شرط مطلق في كل غزاة فيجب حمله على إطلاقه ولو خلينا، وهذا الظاهر لقلنا في قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن"، ومن على

стр. 341

العموم، ولكن اقترن بهذا دليل التخصيص وهو أنه لما عقد الصلح مع أبي سفيان لم يكن بد من علاقة على قبول أهل مكة لعقد الصلح ورضاهم به فجعل ذلك علامة عليه والثاني: أن هذا الشرط قاله بعد تقضي الحرب وجلوسه مع أصحابه. الثالث: أن أبا بكر ذكر مخاطرته بنفسه ولو كان لأجل الشرط لقال: لا يشترط شيئًا ثم يخالفه، فلما لم يذكر الشرط وإنما ذكر القتل دل على إبطال هذا السؤال، فالقياس أنه مال مأخوذ من الغنيمة لا يفتقر تقديره إلى اجتهاد الإمام فلم يفتقر استحقاقه إلى شرط كسهم الفارس والراجل وعكسه النفل لما افتقر إلى اجتهاد الإمام في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث (١) افتقر إلى شرطه (٢). فإن قيل: سهم الفارس لا يختلف فيما يوجد في حال إقبال العدو وفي حال إدباره كذلك ههنا (٣). قيل: إنما لم يختلف في الأصل؛ لأن سبب استحقاقه كونه فارسًا في المعركة وليس كذلك السلب سبب استحقاقه أنه خاطر بنفسه في قتله أو كفاية شره، وهذا المعنى يوجد إذا قتله مقبلًا مبارزًا والحرب قائمة فأما في حال إدباره فلا يوجد هذا المعنى فلهذا فرقنا بينهما، وأيضًا فإنه من أهل السهم غرر بنفسه بقتل كافر ممتنع في حال القتال فوجب أن يكون له سلبه (٤). دليله: إذا كان من يعدم إذن الإمام.

стр. 342

وقولنا: من أهل السهم احتراز من الذمي والصبي والعبد على احتمال في المذهب، وقولنا: غرر بنفسه احتراز ممن رمى من صف المسلمين فقتل رجلًا من المشركين أنه لا يستحق سلبه؛ لأنه لم يغرر بنفسه (١). وقولنا: في حال القتال احتراز من قتله بعد تقضي القتال (٢). فإن قيل: لا يجوز اعتبار حال عدم الإذن من الإمام بحال وجوده كما قلنا في النفل ومال بيت المال (٣). قيل: الأصول مقسومة فبعضها لا يعتبر إذن الإمام فيه وهو سهم الفارس والراجل وخمس الأصناف الخمسة فصح لاعتبار ببعضها لوجود السببية وهو أن النفل سببه مفتقر إلى إذن الإمام فتعلق استحقاقه بإذنه، وليس كذلك ما اختلفنا فيه فإن سببه لا يفتقر إلى إذن الإمام كذلك لا يفتقر استحقاقه إلى إذنه (٤). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فأوجب الخمس في جميع ما غنموه ولم يفرق، وإذا وجب فيه الخمس كان أربعة أخماسه للغانمين وعندكم لا يخمس والخطاب إذا توجه إلى الجماعة تناول كل واحد منهم على الانفراد (٥) كقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. والجواب: أن هذا محمول على ما غنمه الجماعة دون الواحد. بدليل: ما ذكرنا.

стр. 343

واحتج: بما روي عن النبي ﷺ قال: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه" (١). والجواب: أن النبي ﷺ إمام الأئمة وقد طابت نفسه به؛ لأنه دفع السلب إلى القاتل (٢). فإن قيل: إطلاق اسم الإمام لا يتناول النبي ﷺ وإن كان إمامًا في الحقيقة كما لا يتناوله إطلاق اسم المعلم وإن كان معلمًا في الحقيقة (٣). قيل: أجمع المسلمون على إطلاق هذا الاسم عليه (٤)؛ لأنهم قالوا في دعائهم سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ورسول رب العالمين، ولأن الإمام إنما سمى هذا الاسم؛ لأنه يؤمهم وهم يأتمون به وهذا المعنى في الأنبياء أوجد، فهم بهذا الاسم أحق (٥). واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه سئل: هل أحد أحق بشيء من المغنم؟ قال: "لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس أحق به من أخيه" (٦) وهذا عام في سائر الغنائم (٧).

стр. 344

والجواب: أن هذا محمول على غير السلب (١). بدليل: ما ذكرنا (٢). واحتج: بما روى عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة (٣) في غزاة موته (٤) فرافقني رجل من مداد حمير وفي القوم رجل من الروم وذكر الخبر إلى أن قال: فقتل المددي الرومي وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله تعالى للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى ولكني استكثرته، فقلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يرد عليه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد، ما حملك على ما صنعت"؟ قال: يا رسول الله، استكثرته، فقال ﵇: "رد عليه يا خالد ما أخذت منه". قال عوف: دونك يا خالد ألم أقل لك؟ فقال ﵇: "وما ذلك؟ " فأخبرته فغضب رسول الله ﷺ وقال: "يا خالد، لا ترده عليه، هل أنتم تاركو أمرائي لكم صفوة أمركم وعليكم كدره" (٥)

стр. 345

فدل على أنه لا يستحق السلب (١). والجواب: أن النبي ﷺ منعه من ذلك عقوبة لما أقدموا عليه من الاستخفاف بالأمير وإقامتهم على مماراته. فإن قيل: لم يجر من جهة المددي ما يكون عاصيًا به (٢). قيل: جرى من جهته ما اقتضى عقوبته وتأديبه (٣). فإن قيل: لم يجد في الأصول من يعاقب بأخذ المال لمعصية (٤). قيل: قد كان ذلك ونسخ بعضه (٥). يدل عليه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من عل شيئًا من الغنيمة أحرق رحله" (٦) وعلى هذا أصحابنا (٧) ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، وبه قال أبو بكر من

стр. 346

أصحابنا (١)، وقال في السرقة من الثمار: عليه غرامة مبينة وجلدات نكال (٢)، وعليه أصحابنا فلا يمتنع مثل هذا ههنا. واحتج: بأن سلب القتيل الذي لا يعرف قاتله في حكم سائر الغنيمة، فلو كان مستحقًا بالقتل لوجب أن يعرف كاللقطة، فإن جاء صاحبه وإلا تصدق به فلما كان غنيمة علم أنه لم يستحقه القاتل بالقتل ولا يلزم على هذا إذا كان الإمام قد أذن فيه؛ لأنا لا نعرف فيه رواية ويحتمل أن يكون كاللقطة (٣). والجواب: أنا لا نوجب السلب لكل قاتلٍ وإنما نوجبه لقاتل مخصوص وهو أن يكون غرر بنفسه ولسنا نعلم أن قاتل هذا القتيل بهذه الصفة فلم يجب التوقف عن قسمة سلبه؛ لأن الأصل كونه غنيمة (٤). واحتج: بأنه لو قتله في حال الإدبار لم يستحق سلبه؛ لأنه قتله بظهر الجيش ولم يتقدم من الإمام إذن في أخذ سلبه كذلك إذا قتله حال الإقبال (٥). والجواب: أنه إذا قتله في حال الإدبار إنما لم يستحق سلبه؛ لأنه لم يكف المسلمين شره؛ لأنه مكفىً بانهزامه لا لأنه قتله بظهر المسلمين. يبين صحة هذا: أنه لو قتله وهو مثخن لا قتال فيه لم يستحق السلب؛ لأنه لم يكف المسلمين شره بقتله فدل على ما ذكرنا (٦).

стр. 347

فإن قيل: فإذا رماه من صف المسلمين إلى صف المشركين فقتله قد كفى المسلمين شره ومع هذا لا شيء له (١). قيل: إلا إنه لم يغرر بنفسه والاستحقاق يحصل بشرائط: أحدها: كفاية المسلمين شره. والثاني: أن يغرر بنفسه في قتله (٢). واحتج: بأنه مال لو قتل صاحبه في حال إدباره لم يختص به، كذلك إذا قتله في حال إقباله. دليله: حمله ونعله ونقله ورحله (٣). والجواب: أنه إنما لم يستحقه في حال الإدبار للمعنى الذي ذكرنا وهو أنه لم يكف المسلمين شره، والمعنى في الأصل ما تقدم أو المعنى في الأصل: أن القتل لو كان بإذن الإمام لم يستحق ذلك كذلك إذا كان بغير إذنه (٤). واحتج: بأن اختصاصه؛ لأجل التحريض له على القتال، فوجب أن لا يستحق دون الجيش إلا بإذن الإمام كالنفل (٥). والجواب: أنه يبطل بسهم الفارس؛ لأنه للتحريض على ارتباط الخيل والقتال عليه ولا يفتقر إلى إذن الإمام، ولأن النفل يفتقر نسبه إلى اجتهاد أي الإمام وهو في البداءة والرجعة؛ لأن تفريق العسكر وانفراط طائفة في جهة مخصوصة لا يجوز لهم فعله إلا بإذن الإمام وكان المال المستحق به يفتقر إلى إذن الإمام. ويدل عليه: أنه يدفع ذلك من خمس الخمس وهو سهم المصالح (٦).

стр. 348

فصل والدلالة على أنه من أصل الغنيمة خلافًا لمالك (١): ما روى أبو إسحاق الفزاري في السير بإسناده عن سلمة بن الأكوع؛ قال بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غزاة إذ جاء أعرابي على جمل أحمر فنزل عنه ثم قيده ثم جاء وفي أصحاب النبي ﷺ ضعفة في الظهر فلما رأى ذلك آثار راحلته فأطلقها ثم خرج يركض فاتبعناه فسبقت القوم إليه فأخذت بخطام راحلته ثم قلت: اخ فلما وقعت ركبة الجمل إلى الأرض اخترطت سيفي فضربت رأسه، ثم جئت بجمله أقوده واستقبل رسول الله ﷺ الناس فقال: "من قتل الرجل؟ " فقالوا: سلمة بن الأكوع، فقال: "لك سلبه أجمع" (٢) وهذا نص؛ لأن الغنيمة كلها كانت سلب القتيل وبعده، ثم جعله النبي ﷺ جميعه للقاتل، ولأنه مال مأخوذ بسبب وهو القتل ولا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يعتبر من خمس الخمس كسهم الفارس الزائد على سهم الراجل، ولا يلزم عليه النفل؛ لأنه يفتقر إلى الاجتهاد في البداية الربع وفي الرجعة الثلث، هذا القياس الذي في الفرع ليس في الأصل، والقياس الذي في الأصل قد كتبته وهو هذا، ولأنه مال مستحق بالتحريض على القتال فلا يختص بخمس الخمس. دليله: سهم الفارس والراجل ولهذا نقول: أن النفل المشروط في البداءة والرجعة لا يختص بخمس الخمس (٣). واحتج المخالف: بما روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٤) عن صالح بن محمد بن زائدة الليثي (٥) أن مكحولًا حدثهم أن رسول الله ﷺ إنما نفل يوم حنين

стр. 349

من الخمس (١). والجواب: أن هذا لا حجة فيه؛ لأنه محمول على غير السلب وهو النفل المشدد في البداءة والرجعة أنه كان يجوز للنبي ﷺ أن يجعله تارة في خمس الخمس؛ لأنه كان ملكًا له ويجوز أن يجعله في أربعة أخماس الغنيمة (٢). واحتج بما روي أن سعيد بن المسيب (٣) قال: سمعت الناس يقولون: إن السلب من خمس الخمس (٤) وقول سعيد بن المسيب ينصرف إلى الصحابة (٥). والجواب: أنه يحتمل الصحابة ويحتمل أن يكون سمعه من التابعين، والإجماع لا يثبت بالشك، وعلى أنه لو سمعه من الصحابة فهو لم يلحق جميعهم، وإنما لحق بعضهم فلا يكون ذلك إجماعًا (٦).

стр. 350

واحتج بأن السلب إنما يدفع إلى القاتل للتحريض على القتال فكان اعتباره من خمس الخمس كالنفل (١). والجواب: أنا لا نسلم بل يجوز للإمام أن ينفله من الغنيمة (٢). فصل يستحق القاتل السلب بأربع شرائط: أحدها: أن تكون الحرب قائمة حين القتل، فإن قتله بعد تقضي الحرب أو قبلها لم يستحقه. الثاني: أن يغرر بنفسه مثل أن يقتله مبارزة أو منغمسًا في صف العدو فإن رماه إلى صف المشركين من صف المسلمين فقتله فلا يستحق. والثالث: أن يكون المقتول صحيحًا سليمًا فإن كان ذميًا أو مثخنًا (٣) بالجراح فلا. الرابع: أن يكفي المسلمين شره، وهو أن يكون مقبلًا فإن كان منهزمًا أو ضعيفًا مهينًا أو امرأة أو صبيًا لم يستحق، وقد قال أحمد في رواية المروذي (٤) إنما يعطى السلب في المبارزة فأما إن كانت هزيمة أو اختلاط فلا، وظاهر هذا أنه إذا كان منهزمًا أو بعد تقضي القتال أو رماه في صف المشركين لم يستحق؛ لأنه اعتبر المبارزة، وحكي عن داود (٥) أن السلب للقاتل بكل حال.

стр. 351

دليلنا: ما روي أن معاذ بن [عمرو] (١) (٢) وابني عفراء (٣) (٤) اثخنوا أبا جهل بن هشام يوم بدر بالجراح وقتله عبد الله بن مسعود ودفعه إلى معاذ بن [عمرو] (٥) فدل على أن من قتل بعد الإثخان لا يستحق السلب (٦). فإن قيل: فلم حرم ابني عفراء ودفعه إلى معاذ بن عمير (٧)؟ قيل: لأنه روي أن أحد ابني عفراء أندر فخذه (٨)، وبهذا الفعل ما كفى المسلمين شره؛ لأنه قد يحضر ويكثر ويهيب. قال الواقدي في كتاب المغازي: اجتمع قول أصحابنا على أن معاذ بن عمرو وابني عفراء أثبتوه وضرب ابن مسعود عنقه في آخر رمق؛ فكان قد شرك في قتله، قالوا: وقف رسول الله ﷺ على مصرع ابني عفراء فقال: "يرحم الله ابني عفراء؛ فإنهما قد شركا في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر" (٩). فقيل: يا رسول الله، ومن قتله معهما؟

стр. 352

قال: "الملائكة، وذافه (١) ابن مسعودٍ؛ فكان قد شرك في قتله" (٢). قال الواقدي: وحدثني أبو إسحاق (٣) عن يونس بن يوسف (٤) قال: حدثني من حدثه معاذ بن عمرو أنه قضى له النبي ﷺ سلب أبي جهل قال: فأخذت درعه وسيفه فبعت سيفه بعده (٥)، وفي لفظ آخر: أن النبي ﷺ أرسل إلى عكرمة بن أبي جهل: من (٦) قتل أباك قال: الذي قطعت يده فدفعه النبي ﷺ إلى معاذ بن عمرو، وكان عكرمة قد قطع يده يوم بدرٍ (٧)، وروى محمد بن إسحاق (٨) في كتاب الفتوح بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كنا مواقفي المشركين يوم بدر وابنا عفراء الأنصاريان مكتنفاي وليس وراءي أحد غيرهما، فقلت في نفسي: ما يوقفني ههنا، فلو كان شيء لأجلا هذان الغلامان عنى وتركاني فبينا أنا أحدث نفسي أن انصرف إذا التفت إلي أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما تريد منه يابن أخي؟ قال: أرينه فإني أعطيت الله أن أنا عاينته أن أضربه بسيفي حتى أقتله، أو يحال بيني وبينه فالتفت إلي الآخر فسألني عن مثل ما سألني عنه أخوه، وقال مثل مقالته فبينا أنا كذلك إذ برز أبو جهل على فرس ذنوب يقوم

стр. 353

الصف فقلت: هذا أبو جهل فضرب أحدهما فرسه حتى إذا اجتمع له حمله عليه فضربه بسيفه فأندر فخذه، ووقع أبو جهل عن فرسه وتحمل عضروط (١) كان مع أبي جهل على ابن عفراء فقتله فَحُمِلْ ابن عفراء الآخر على الذي قتل أخاه فقتله وكانت هزيمة المشركين فمر عبد الله بن مسعود على أبي جهل فيمن مر من الناس فقال: الحمد لله الذي أخزاك وأعز الإسلام، فقال أبو جهل تشتمني يا رويعي هذيل؟ فقال عبد الله بن مسعود: نعم، والله وأقتلك، فحذقه (٢) أبو جهل بسيفه وقال: دونك هذا إذًا فأخذه فضربه به حتى قتله ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قتلت أبا جهل فقال رسول الله ﷺ : "الذي لا إله إلا هو". فحلف له فأخذ رسول الله ﷺ بيده ثم انطلق معي حتى أراه إياه فقام رسول الله ﷺ عنده ثم قال: "الحمد الذي أعز الإسلام وأهله". ثلاث مرات (٣)، رواه محمد (٤) بإسناده قال: لما جاء المبشر يوم بدر بقتلة أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلًا؛ فحلف له فخر رسول الله ﷺ ساجدًا (٥)، وهذا يدل على ما ذكرنا ولأنه إنما يدفع إلى القاتل؛ لأنه غرر بنفسه في القتل وإنما يحصل التغرير بأن يقتله على الصفات التي ذكرناها فأما إذا قتله وهو مأسور مجروح أو رمى إلى صف المشركين بسهم فقتله أو كان مثخنًا فقتله فإنه لم يغرر في قتله فلم يستحق سلبه. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: من قتل قتيلًا فله سلبه (٦) وهذا عام. والجواب: أنا نخصه بما ذكرنا (٧).

стр. 354

فصل إذا كان مع المقتول دراهم أو دنانير لم يدخل في جملة السلب وكانت غنيمة نص عليه في رواية الميموني (١) وغيره خلافًا لأكثرهم في قولهم ذلك من السلب (٢). دليلنا: أنه ليس بلباس ولا جبة للقتال فلم يكن من السلب. دليله: الرحل والأثاث وكما إذا كان القاتل ذميًا وعكسه السلاح والدابة، وكلما لم يستحقه القاتل إذا كان ذميًا لم يستحقه إذا كان مسلمًا كالرحل والأثاث ولا يصح قولهم: أن الذمي لا يستحق السلب ولا السهم؛ لأنا لا نسلم هذا. واحتج المخالف: بأن يده عليه أشبه الثياب والسلاح (٣). والجواب: أن ذلك لباس وجبة للقتال وهذا بخلاف، ولأن الرجل يده عليه. بدليل: أنه لو ادعاه غيره كان هو أحق به (٤). فإن قيل: فاسم السلب يقع عليه (٥). قيل: وكذلك يقع الاسم على الرحل والأثاث، فيقال: سلب رحله وأثاثه ومع هذا لا يستحقه القاتل كذلك ههنا. فإن قيل: فما تقولون في سلب قاتل صيد المدينة؟ (٦).

стр. 355

قيل: نقول فيه مثل مسألتنا، وأنه أكون له المميان (١). ٤١ - ٢٧ مسألة: إذا قال الإمام من أصاب شيئًا فهو له، فهو كما قال نص عليه في رواية الفضل بن زياد (٢)، وللمروذي (٣) في السرية تخرج فيقول: الوالي من جاء بشيء فله ومن لم يجيء فلا شيء له، فالأنفال إلى الإمام ما فعل من شيء جاز، وبه قال أبو حنيفة (٤) ومالك (٥). فإن رأى أن يفضل بعض الغانمين فهل يجوز أم لا؟ على روايتين: أحدهما: يجوز نص عليه في رواية أبي طالب (٦) في أمير الجيش إذا أمر لرجل من الركاضة (٧) أو طليعة أو ردءا برأس من السبي، هل لهم أن يرجعوا فيما أمر له به إذا لم تطب أنفسهم فقال: لا بأس بذلك إذا كان أنفع لهم وكان فيه تحريض يعني على القتال (٨).
следующие страницы →