← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

دليلنا: ما روي أن معاذ بن [عمرو] (١) (٢) وابني عفراء (٣) (٤) اثخنوا أبا جهل بن هشام يوم بدر بالجراح وقتله عبد الله بن مسعود ودفعه إلى معاذ بن [عمرو] (٥) فدل على أن من قتل بعد الإثخان لا يستحق السلب (٦). فإن قيل: فلم حرم ابني عفراء ودفعه إلى معاذ بن عمير (٧)؟ قيل: لأنه روي أن أحد ابني عفراء أندر فخذه (٨)، وبهذا الفعل ما كفى المسلمين شره؛ لأنه قد يحضر ويكثر ويهيب. قال الواقدي في كتاب المغازي: اجتمع قول أصحابنا على أن معاذ بن عمرو وابني عفراء أثبتوه وضرب ابن مسعود عنقه في آخر رمق؛ فكان قد شرك في قتله، قالوا: وقف رسول الله ﷺ على مصرع ابني عفراء فقال: "يرحم الله ابني عفراء؛ فإنهما قد شركا في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر" (٩). فقيل: يا رسول الله، ومن قتله معهما؟

стр. 352

قال: "الملائكة، وذافه (١) ابن مسعودٍ؛ فكان قد شرك في قتله" (٢). قال الواقدي: وحدثني أبو إسحاق (٣) عن يونس بن يوسف (٤) قال: حدثني من حدثه معاذ بن عمرو أنه قضى له النبي ﷺ سلب أبي جهل قال: فأخذت درعه وسيفه فبعت سيفه بعده (٥)، وفي لفظ آخر: أن النبي ﷺ أرسل إلى عكرمة بن أبي جهل: من (٦) قتل أباك قال: الذي قطعت يده فدفعه النبي ﷺ إلى معاذ بن عمرو، وكان عكرمة قد قطع يده يوم بدرٍ (٧)، وروى محمد بن إسحاق (٨) في كتاب الفتوح بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: كنا مواقفي المشركين يوم بدر وابنا عفراء الأنصاريان مكتنفاي وليس وراءي أحد غيرهما، فقلت في نفسي: ما يوقفني ههنا، فلو كان شيء لأجلا هذان الغلامان عنى وتركاني فبينا أنا أحدث نفسي أن انصرف إذا التفت إلي أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما تريد منه يابن أخي؟ قال: أرينه فإني أعطيت الله أن أنا عاينته أن أضربه بسيفي حتى أقتله، أو يحال بيني وبينه فالتفت إلي الآخر فسألني عن مثل ما سألني عنه أخوه، وقال مثل مقالته فبينا أنا كذلك إذ برز أبو جهل على فرس ذنوب يقوم

стр. 353

الصف فقلت: هذا أبو جهل فضرب أحدهما فرسه حتى إذا اجتمع له حمله عليه فضربه بسيفه فأندر فخذه، ووقع أبو جهل عن فرسه وتحمل عضروط (١) كان مع أبي جهل على ابن عفراء فقتله فَحُمِلْ ابن عفراء الآخر على الذي قتل أخاه فقتله وكانت هزيمة المشركين فمر عبد الله بن مسعود على أبي جهل فيمن مر من الناس فقال: الحمد لله الذي أخزاك وأعز الإسلام، فقال أبو جهل تشتمني يا رويعي هذيل؟ فقال عبد الله بن مسعود: نعم، والله وأقتلك، فحذقه (٢) أبو جهل بسيفه وقال: دونك هذا إذًا فأخذه فضربه به حتى قتله ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قتلت أبا جهل فقال رسول الله ﷺ : "الذي لا إله إلا هو". فحلف له فأخذ رسول الله ﷺ بيده ثم انطلق معي حتى أراه إياه فقام رسول الله ﷺ عنده ثم قال: "الحمد الذي أعز الإسلام وأهله". ثلاث مرات (٣)، رواه محمد (٤) بإسناده قال: لما جاء المبشر يوم بدر بقتلة أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلًا؛ فحلف له فخر رسول الله ﷺ ساجدًا (٥)، وهذا يدل على ما ذكرنا ولأنه إنما يدفع إلى القاتل؛ لأنه غرر بنفسه في القتل وإنما يحصل التغرير بأن يقتله على الصفات التي ذكرناها فأما إذا قتله وهو مأسور مجروح أو رمى إلى صف المشركين بسهم فقتله أو كان مثخنًا فقتله فإنه لم يغرر في قتله فلم يستحق سلبه. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: من قتل قتيلًا فله سلبه (٦) وهذا عام. والجواب: أنا نخصه بما ذكرنا (٧).

стр. 354

فصل إذا كان مع المقتول دراهم أو دنانير لم يدخل في جملة السلب وكانت غنيمة نص عليه في رواية الميموني (١) وغيره خلافًا لأكثرهم في قولهم ذلك من السلب (٢). دليلنا: أنه ليس بلباس ولا جبة للقتال فلم يكن من السلب. دليله: الرحل والأثاث وكما إذا كان القاتل ذميًا وعكسه السلاح والدابة، وكلما لم يستحقه القاتل إذا كان ذميًا لم يستحقه إذا كان مسلمًا كالرحل والأثاث ولا يصح قولهم: أن الذمي لا يستحق السلب ولا السهم؛ لأنا لا نسلم هذا. واحتج المخالف: بأن يده عليه أشبه الثياب والسلاح (٣). والجواب: أن ذلك لباس وجبة للقتال وهذا بخلاف، ولأن الرجل يده عليه. بدليل: أنه لو ادعاه غيره كان هو أحق به (٤). فإن قيل: فاسم السلب يقع عليه (٥). قيل: وكذلك يقع الاسم على الرحل والأثاث، فيقال: سلب رحله وأثاثه ومع هذا لا يستحقه القاتل كذلك ههنا. فإن قيل: فما تقولون في سلب قاتل صيد المدينة؟ (٦).

стр. 355

قيل: نقول فيه مثل مسألتنا، وأنه أكون له المميان (١). ٤١ - ٢٧ مسألة: إذا قال الإمام من أصاب شيئًا فهو له، فهو كما قال نص عليه في رواية الفضل بن زياد (٢)، وللمروذي (٣) في السرية تخرج فيقول: الوالي من جاء بشيء فله ومن لم يجيء فلا شيء له، فالأنفال إلى الإمام ما فعل من شيء جاز، وبه قال أبو حنيفة (٤) ومالك (٥). فإن رأى أن يفضل بعض الغانمين فهل يجوز أم لا؟ على روايتين: أحدهما: يجوز نص عليه في رواية أبي طالب (٦) في أمير الجيش إذا أمر لرجل من الركاضة (٧) أو طليعة أو ردءا برأس من السبي، هل لهم أن يرجعوا فيما أمر له به إذا لم تطب أنفسهم فقال: لا بأس بذلك إذا كان أنفع لهم وكان فيه تحريض يعني على القتال (٨).

стр. 356

وفيه رواية أخرى: ليس له تفضيل بعضهم نص عليه في رواية أبي طالب (١) في موضع آخر في رجل في بلاد الروم وجد خمسة آلاف دينار فجاء بها إلى صاحب المقسم فخمسه فأعطاه ألف دينار له خاصةً الربع بعد الخمس ليس له ذلك إنما أصاب هذه بقوة من معه من الناس. قيل له: أليس قد نفل النبي ﷺ في البداة الربع وفي الرجوع الثلث؟ (٢). قال: ذاك إذا تقدم القول فيه وهذا لم يتقدم له قول، وأومأ إليه أيضًا في رواية إبراهيم بن الحارث (٣) وقد سئل: هل يعطى الأمير من المغنم لقوم دون غيرهم في بلاد الروم؟ قال: ينبغي أن يسوي بينهم ولا يخص قومًا. وكذلك نقل أبو داود (٤) عنه في رجل أخذ عشرة رؤوس فجاء بهم فنادى الإمام من جاء بعشرة رؤوس فله رأس، فجاء بهم ليس له من هذا النفل شيء. وقال الشافعي: ليس له التفضيل وإذا قال: من أخذ شيئًا فهو باطل (٥).

стр. 357

دليلنا: ما روى أحمد بإسناده في مسائل عبد الله (١) عن حبيب بن سلمة أن رسول الله ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بداية ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته وعند مخالفنا لا يجوز له النفل إلا من خمس الخمس الذي كان للنبي ﷺ وذلك لا يحتمل ثلث الغنيمة ولا ربعها وروى بعضهم عن النبي ﷺ أنه قال يوم بدر: "من أخذ شيئًا فهو له" (٢) وهذا نص والذي وجدت في المغازي للواقدي أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "من قتل قتيلًا فله سلبه، ومن أسر أسيرًا فهو له" (٣). فإن قيل: كانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ يحكم فيها كيف شاء ويعطي من شاء فلهذا جاز له أن يقول ذلك، فأما بعد أن نسخ واستقر حكم الغنيمة فلا يجوز قالوا: و [العلة] (٤) على أن الغنائم كانت له: أن أصحاب النبي ﷺ تشاجروا في غنائم بدر وتنازعوها فروى يحيى بن سلام (٥) في تفسيره عن الكلبي (٦)، قال: روينا أن رسول الله ﷺ لما صاف المشركين يوم بدر قال: ليحض الناس على القتال: "إن الله وعدني أن يفتح لي بدرًا ويغنمني عسكرهم؛ فمن قتل قتيلًا فله كذا وكذا من غنيمتهم إن شاء الله، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا من غنيمتهم". وذكر الخبر إلى أن قال: فقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري فقال: يا رسول الله، إنك وعدت أن من قتل قتيلًا أو أسر أسيرًا من غنيمة القوم وإنا قتلنا سبعين وأسرنا سبعين ثم قام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! إنه ما منعنا أن نطلب كما طلب هؤلاء زهادة في الآخرة، ولا جبن من العدو ولكن خفنا أن يعرى صفك ويعطف عليك خيل المشركين فأعرض عنهما رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ

стр. 358

الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] (١)، وفي لفظ آخر عن الكلبي قال: كان النبي ﷺ وعد الأنصار من المغنم وتكلم فيه المهاجرون، فأنزل الله هذه الآية، فقسمه النبي ﷺ بينهم (٢)، وروى أبو بكر (٣)، من أصحابنا في تفسيره (٤) عن مصعب بن سعد (٥) أن سعدًا قال: أتيت النبي ﷺ يوم بدر بسيفٍ فسألته اياه فقال: "إن السيف قد صار لي فأعطانيه". ونزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٦)، وروى معاوية (٧) عن علي (٨) عن ابن عباس في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ

стр. 359

وَالرَّسُولِ﴾ قال: الأنفال المغانم كانت الرسول الله ﷺ (خالصة ليس لأحد) (١) منها شيء فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ جعلتها لرسولي ليس لكم فيه شيء (٢)، ولأنه أعطى منها من لم يشهد مثل عثمان وطلحة وقيل أدخل ثمانية من المهاجرين والأنصار وكان عثمان ﵁ مقيمًا على بنته رقية ﵂ بالمدينة (٣). وقد ذكر أبو بكر في تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فقال: مذهبنا أن الله جعل له وللرسول الأنفال وجعل له أن ينفل من شاء على ما يرى فيه من صلاح المسلمين والواجب على أئمة المسلمين من بعده أن يستنوا بسنته في ذلك وليس في الآية دليل يوجب قسمها (٤) (٥). قيل: قد قال أبو بكر في كتاب التفسير: النفل في كلام العرب هو الزيادة على الشيء (٦) وإذا كان هذا معناه كان قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يرجع إلى الزيادة على السهم، وهو أن ينفل في البداة الربع، وفي الرجعة الثلث ولم يرجع ذلك إلى أصل الغنائم وكلام أبي بكر محمول على هذا الوجه، وقد ذكر أبو بكر هذا في أثناء كلامه فقال: نفل القاتل السلب ونفل في البداءة وفي الرجعة ونفل قومًا بعيرًا بعيرًا في المغازي على ما يرى فيه صلاح المسلمين (٧)، وقد كشف عن هذا في سورة الحشر وأنه لم يرد بالنفل جملة الغنائم فقال في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]، وذلك أن الله جعل ما لم يوجف عليه بخيل لرسول الله ﷺ خاصة دون غيره، وقد روي عن أحمد ما يدل على أنها لم تكن للنبي ﷺ احتجاجه، وفي رواية إبراهيم بن الحارث (٨) في شركة

стр. 360

الأبدان (١) بحديث عبد الله أنه اشترك هو وسعد وعمار في الغنيمة (٢) فقيل له: كيف يشتركون ومن أصاب شيئًا رفعه إلى الإمام فقال: يشتركون من قتل قتيلًا فله سلبه. فقد احتج: في جواز ذلك بحديث ابن مسعود وكان ذلك في غزاة بدر وبين أن ذلك في الأسلاب، فلو كانت للنبي ﷺ وإن ذلك على طريق النفل لم يحتج به على جواز الشركة، ولأنه بين أن الشركة في الأسلاب ومن قال كانت للنبي ﷺ يعم الأسلاب وغيرها. والدلالة على أن الغنائم ما كانت للنبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الحشر: ٧]. وقوله ﷺ : "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس" (٣)، وهذا كله ينفي أن يكون له أربعة أخماسه، ولأنه لو كان كما قالوه لم يصح أن يملك المجهول ويملك بشرط ولأن أبا العاص زوج بنت رسول الله ﷺ كان أسيرًا في غزاة بدر فأفتدت زوجته زينب بقلادة لها لتفديه بها فأخبر النبي ﷺ الغانمين (٤) بذلك، فلو كانت ملكًا له لم يوقف ذلك عليهم،

стр. 361

فأما قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ لا دلالة فيه على ذلك؛ لأن إطلاق اسم الأنفال ينصرف إلى ما يجوز للإمام أن يخص به بعضهم دون بعض على سبيل التطوع والتبرع، وما روي أنه أسهم لعثمان وطلحة محمول على أنه أعطاهم من الخمس على طريق النفل، وللإمام أن يفعل ذلك، ولأن إضافتها إلى النبي ﷺ لا على طريق الملك لكن على طريق أنه أولى بقسمتها على رأيه واجتهاده؛ لأن القوم اختلفوا فيها، وأيضًا فإن في ذلك تحريضًا على القتال فجاز أن يختص به دون سائر الغانمين كالسلب (١). فإن قيل: السلب يستحق بغير شرط (٢). قيل: لا يمتنع أن يستحق ههنا بالشرط كما لو قال: من دلنا على القلعة الفلانية فله كذا فإنه يستحق بالشرط. فإن قيل: فالسلب لم يتعلق حق الغانمين به وليس كذلك ههنا؛ لأنه قد تعلق حق الغانمين بالغنيمة وهم معنيون فلم يكن للإمام إسقاطه. قيل: إذا قال: من أصاب شيئًا فهو له لم يتعين حق الغانمين فيه كما لم يتعين في السلب وعندك لا يصح، وإما تخصيصه لبعضهم من الغنيمة الموجودة فالصحيح من الروايتين (٣) أنه لا يجوز تفضيل بعضهم منها (٤). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] فجعل الخمس لله تعالى وأربعة أخماسه للغانمين فلا يجوز أن يخص بشيء منها أحد، وقول النبي ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٥). والجواب: أن المراد بالآية والخبر لم يقل الإمام ذلك بدلالة ما ذكرنا.

стр. 362

واحتج: بأن من يستحق جزء من الغنيمة من غير شرط الإمام لا يسقط حقه بشرط الإمام أصله إذا شرطه لغير الغانمين (١). والجواب: إن شرطه لغير الغانمين ضرر عليهم من غير نفع لهم وإذا شرطه لبعضهم ففي شرطه منفعة لهم؛ لأنه يشرط ذلك في مقابلة عناية لهم والتخفيف عنهم فلذلك جاز كما جاز استحقاق السلب للقاتل دون غيره. واحتج: بأن هذا قتال بجعل فلا يجوز. والجواب: أن ما يأخذه لا يكون جعلًا على القتال بل يكون غنيمة ولو كان ذلك جعلا لكان سلب القتيل أيضًا جعلا وكذلك سهمه من الغنيمة. ٤٢ - ٢٨ مسألة: إذا افتتح الإمام أرضًا عنوةً نظر في الأصلح للمسلمين فإن كان الأصلح أن يقسمها قسمها بين الغانمين، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعة المسلمين وقفها، نص عليه في رواية عبد الله (٢) فقال: الأرض إذا كانت عنوة هي لمن قاتل عليها إلا أن يكون وقفها من فتحها على المسلمين كما فعل عمر ﵁ بالسواد وضرب عليهم الخراج فهي على ما فعل الفاتح لها إذا كان من أئمة الهدى (٣)، وقال أبو حنيفة: الإمام بالخيار بين القسمة وبين أن يقرهم فيها بالخراج وبين أن يصرفهم عنها وينقل إليها قومًا آخرين يضرب عليهم الخراج وليس له أن يقفها (٤)، وقال مالك: لا تقسم وتصير وقفًا على جماعة المسلمين (٥). وقد أومأ أحمد إلى هذا في مواضع فقال في رواية حنبل (٦): كلما كانت عنوة كان المسلمون فيه شرعا واحدًا، وعمر ترك السواد كذلك، وكذلك قال في رواية حرب (٧):

стр. 363

أرض الخراج ما فتحها المسلمون فصارت فيئًا لهم، والخراج لا يجب إلا في أرض وقف فأما ما كانت ملكًا للغانمين فلا خراج عليهم فيها، وهو اختيار أبي بكر (١)، قال في كتاب الأموال: فقال: كلما فتحه المسلمون عنوة فعليه الخراج حق الرقبة (٢)، وذكر أبو بكر الخلال (٣) في كتاب الأموال أن عبد الله قال: سألت أبي قال: كل أرض تؤخذ عنوة فهي لمن قاتل عليها بمنزلة الأموال أربعة أسهم لمن قاتل عليها وسهم لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين بمنزلة الأموال (٤) وظاهر هذه الرواية يقتضي أنه يقسمها بين الغانمين بمنزلة الأموال وهو قول الشافعي؛ لأنه قال: يقسمها بين الغانمين إلا أن يسقطوا حقوقهم عنها بطيبة من أنفسهم فيترك قسمتها، ويوقفها على جماعة المسلمين (٥). فالدلالة على أنه يجوز للإمام ترك القسمة خلافًا للشافعي؛ ما روى أبو بكر بإسناده عن (بشير بن بشار) (٦) قال: لما أفاء الله على رسوله خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا جمع كل (سهم مائة سهم) (٧) وعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به وقسم النصف الباقي بين المسلمين وسهم رسول الله ﷺ فيها فلما صارت الأموال في يد رسول الله ﷺ والمسلمين لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الأرض فدفعها رسول الله ﷺ إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج منها فلم تزل معهم، كذلك على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر حتى كان عمر ﵁ فكثر العمال في أيدي المسلمين، وقووا على عمل الأرض فأجلى عمر اليهود إلى الشام، وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم (٨).

стр. 364

فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ قسم خيبر نصفين نصفًا بين الغانمين ونصفًا لنوائبه؛ فلو كانت القسمة مستحقة على الإمام لقسم النصف الآخر بين الغانمين فلما ترك قسمة النصف علم أنه مخيرٌ (١). فإن قيل: قسمة النصف حجة لنا (٢). قيل: نحن لا نمنع جواز القسمة إذا رأى الإمام ذلك (٣). فإن قيل: يحتمل أن يكون عوض الغانمين من ذلك النصف من مال المصالح وهو خمس الخمس وجعل ذلك لما ينوب الإسلام من المصالح (٤). قيل: لو كان الأمر على ما ذكرت لنقل وأيضًا قد ثبت عندنا أن النبي ﷺ فتح مكة عنوةً ولم يقسمها بين الغانمين (٥). فإن قيل: أرض مكة ليست مملوكة عندكم فكيف يدل ترك قسمتها على موضع الخلاف (٦). قيل: كانت مملوكة في ذلك الوقت وإنما خرجت من أن تكون أملاكًا بعد ذلك بالشرع (٧).

стр. 365

فإن قيل: مكة فتحت صلحًا فلهذا لم يقسمها (١). قيل: مكة فتحت عنوة عندنا وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله وأيضًا ما روى أبو عبيد (٢) في كتاب الأموال بإسناده عن إبراهيم التيمي (٣) قال: لما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر ﵁: اقسمه بيننا فإنا افتتحناه عنوةً فأبى، وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه، قال: فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أرضهم الطسق (٤) (٥) ولم يقسمه بينهم (٦)، وروى أيضًا بإسناده عن الماجشون (٧) قال: قال بلال (٨) لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحوها عنوة: اقسمها بيننا وخذ خمسها فقال عمر ﵁: لا هذا عين المال ولكن أحبسه فيئًا يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا فقال عمر: اللهم اكفني بلالًا وذويه، قال: فما حال الحول ومنهم عين تطرف (٩) وروى بإسناده عن

стр. 366

زيد بن أسلم (١) عن أبيه (٢) عن عمر قال: لولا آخر الناس ما افتتحت قريةً إلا قسمتها (٣). وروى بإسناده عن سفيان بن وهب الخولاني قال: لما افتتح عمرو بن العاص (٤) مصر بغير عهد قام الزبير فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها، فقال عمرو: لا أقسمها، فقال الزبير لتقسمنها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين وكتب إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر: أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة (٥). وروى بإسناده عن حارثة بن مضرب (٦) عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد بين

стр. 367

المسلمين فأمره أن يحصوا فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين فشاور في ذلك فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: دعهم (يكونوا) (١) مادةً للمسلمين، فتركهم وبعث عليهم عثمان بن حنيف (٢) فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر (٣)، وروى بإسناده عن عبد الله بن قيس (٤) أو ابن أبي قيس الهمداني شك أبو عبيد قال: قدم عمر الجابية (٥) فأراد قسم الأرض بين المسلمين والله إذن (٦) ليكونن ما تكره إنك إن قسمته اليوم صار الربع العظيم في أيدي القوم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل والمرأة ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًا وهم لا يجددون (٧) شيئًا فانظر إلى أمر يسع

стр. 368

أولهم وآخرهم فصار عمر إلى قول معاذ. فوجه الدلالة: من هذه الألفاظ أن عمر ﵁ امتنع من قسمة أرض مصر والسواد وتابعه علي ومعاذ وخالفه الزبير وبلال وحاجهم عمر بمن يجيء بعدهم من المسلمين فوافقوه على ذلك وتابعوهم فصار إجماعًا منهم، وقد دل على صحة قول عمر ﵁ ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ منعت العراق (١) درهمها وقفيزها (٢)، ومنعت الشام مدها (٣) ودينارها، ومنعت مصر إردبها (٤) ودينارها وعدتم من حيث بدأتم (٥) شهد على ذلك لحم أبي هريرة (٦)، فذم رسول الله ﷺ من منع هذه الحقوق في آخر الزمان، فدل ذلك على تصويبه وإن ما فعله حكم الله وهذا إجماع ظاهرٌ وأمرٌ منتشرٌ (٧)، وروى الفرائي (٨) في كتاب الخراج بإسناده عن عبد الله بن مغفل

стр. 369

المزني (١) قال: لا يستطيع أحد من دون الجبل أن يبيع أرضه إلا الحيرة وبني صلوبا (٢)، وأهل بانقيا (٣). فإن قيل: كيف يكون إجماعًا (٤) وقد خالف الزبير وبلال؟ (٥). قيل: لما حاجهم لم يدفعوا حجته ولم يقابلوا دليله فالظاهر أنهم سلموا له؛ لأن المجتهد إذا كان عنده حجة لم يمسك عنها (٦). فإن قيل: لا حجة في هذا؛ لأن عمر قسمها بين الغانمين ثم رأى بعد ذلك أن ينقض القسمة فنقضها واستطاب فمنهم من ترك سهمه بغير شيء ومنهم من لم تطب نفسه فعوضه عمر عنه. والدليل: على أنه قسمها بينهم ما روى أبو عبيد بإسناده عن قيس بن أبي حازم (٧) قال: كانت بجيلة (٨) ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد فأخذوا سنتين

стр. 370

أو ثلاثًا، قال فوفد عمار بن ياسر (١) إلى عمر ﵁ ومعه جرير بن عبد الله (٢) فقال عمر لجرير: يا جرير لولا أني قاسمٌ مسؤول لكنتم على ما جعل لكم، وأرى الناس قد كثروا، فأرى أن ترده عليهم ففعل جرير ذلك فأجازه عمر بثمانين دينارًا (٣) وبإسناده عن قيس قال: قالت امرأة من بجيلة يقال لها أم كرز لعمر: يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت على السواد وإني لم أسلم، فقال لها: يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما علمت، قالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء تملأ كفي ذهبًا، قال: ففعل عمر ذلك فكانت الدنانير نحوًا من ثمانين دينارًا (٤). قيل: ما ذكرته من القسمة ودفع العوض إنما نقل في حق بجيلة وهي بعض الغانمين ولم ينقل أنه قسم لغيرهم، فالاحتجاج به باقي، وعلى أنه قد أجاب أبو عبيد عن هذا بأن عمر ﵁ كان نفل جريرًا وقومه ذلك نفلًا قبل القتال وقبل خروجه إلى العراق فأمضى نفله واستطاب أنفسهم؛ لأنهم كانوا قد ملكوه بالنفل، ويجوز أن يتعين حقهم بالنفل؛ لأنه قد وجد من جهة الإمام فعل وهو شرط النفل كما يتعين حقهم بالقسمة، فدفع إليهم العوض؛ لأجل ذلك. يدل على صحة هذا التأويل ما حدثني عفان (٥) قال: حدثنا مسلمة بن علقمة (٦) قال:

стр. 371

نا داود بن أبي هند (١) عن عامر الشعبي (٢) أن عمر كان أول من وجه إلى الكوفة جرير بن عبد الله بعد قتل أبي عبيد فقال: هل لك في الكوفة وأنفلك الثلث بعد الخمس؟ قال: نعم فبعثه (٣) ويدل عليه أيضًا أنه لم يقسم لأحد سواهم ولو كان هذا على طريق القسمة لم يجز تخصيصهم بذلك؛ لمشاركة غيرهم لهم في الحضور فعلم أن تأويله ما ذكرنا. ويبين صحة هذا: أنه لو كان هذا على طريق الشراء لم يدع على بلال وقومه ولهم فيها حق القسمة فلما دعا عليهم علم أنه لم يكن لهم فيها حق قسمة وأن ما فعله مع جرير وقومه كان نفلًا وعلى أنه لم ينقل أحد أنه قسم مصر ولا شك فيها (٤). فإن قيل: فقد قال عمر: لولا أني قاسمٌ مسؤول لتركتكم وما قسمت لكم وهذا يدل على أن هناك قسمة واقعة (٥). قيل: لتركتكم وما قسمت لكم من النفل. بدليل: ما ذكرنا وقد روي عن علي ما يعضد فعل عمر فروى أبو بكر بإسناده عن ثعلبة (٦) عن علي أنه قال: لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعضٍ لقسمت السواد بينكم (٧) فدل هذا على أنه لم يقسم إذ لو قسم مرة لم يقسم ثانيًا، وأيضًا فلما جاز للإمام أن يثبت الخراج

стр. 372

فيه إذا صاروا فيه جاز أن يترك قسمته بين الغانمين إذا ظهر عليه قياسًا على رقابهم (١). فإن قيل: لا يصح وضع الخراج على الأرض وإنما خراج سواد الكوفة الذي وضعه عمر إما أن يكون أجرة أو ثمنًا (٢). قيل: نحن قلنا: يصح وضع الخراج منه إذا صاروا ذمةً، وهذا صحيح في أرض الذمي وهو إذا فتح الإمام بلدًا صلحًا على أن يكون الدار لهم ويقرهم فيها على أملاكهم وضرب عليهم الخراج في رقابهم وهي جزية الروس وخراج أرضهم شيئًا معلومًا في كل سنة فإنه يصح ويسقط ذلك بإسلامهم على قولنا (٣) وقول الشافعي. فإن قيل: فالعلة منتقضة بمواشي بني تغلب وزروعهم وثمارهم، فإن عمر ﵁ صالحهم على ما يؤخذ من مواشيهم وأموالهم التي تجب فيها الزكاة (٤) ومع هذا الاختيار للإمام في ترك قسمة ذلك. قيل: ذلك الخراج عن رقابهم؛ بدليل: أنه لا يجمع عليهم مع ذلك جزية أخرى عن الرقاب والخراج الذي أشرنا إليه هو عين الأرض؛ بدليل: أنه يجتمع معه جزية الروس في حق غير التغلبي (٥). فإن قيل: لو كان عن رقابهم لم يدخل فيه النساء والصبيان؛ لأن النساء والصبيان لا يؤخذ عن رقابهم شيء (٦).

стр. 373

قيل: هو مأخوذ على طريق الصلح فيدخل فيه النساء، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ لمعاذ: في الحالم والحالمة دينار أو عدله معافري (١) ومعلوما أنه كان على طريق الصلح (٢). فإن قيل: المعنى في الرقاب أنها ليست بمالٍ، ولهذا يقول: ما كان منها مالًا فلا خيار للإمام فيه وهم عبيدهم فإنه يجب قسمتهم كما يجب قسمة الأموال ليس كذلك الأرضين؛ لأنها مال فهي كسائر الأموال (٣). قيل: إن لم يكن مالًا ففيها معنى المال؛ لأنه يجوز أن يفادي بها المال ولا يصير مالًا بالاسترقاق، ألا ترى أن المنافع لما كانت في معنى المال وإن لم تكن مالًا في أنفسها أجريت مجرى المال في جواز العقد والضمان فكان يجب أن يجري الرقاب مجرى المال في منع الخيار وأما سائر الأموال فلا حظ للغانمين ولا لجماعة المسلمين في ترك قسمتها؛ لأنه يعود إلى ملاكها وههنا منفعة في ترك القسم فإنه إذا وقفها عاد نفعها لجماعتهم وهو الخراج، فجاز له ما فيه الحظ من القسمة أو الوقف كما جاز له الخيار في الأسارى على وجه الحظ، أو نقول إلحاق الأرض كتاب بالرقاب أولى لما ذكرنا من أنه يثبت الخراج فيه (٤).

стр. 374

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] فأثبت الخمس في جميع ما غنموه، وعندكم للإمام ترك الأراضي في أيدي أهلها ولا يخرج منها الخمس (١). والجواب: أن معناه إذا اختار القسمة، ألا ترى أن الآية عامة في الرقاب ولا خلاف أن معناها في الرقاب إذا اختار قسمتها (٢). واحتج: بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧]. والجواب: أن معناه إذا قسمتموها بينكم أو تقول هي إنما تارة بالقسمة وتارة بالوقف منفعة في ترك القسمة فإنه إذا وقفها عاد نفعها لجماعتهم وهو الخراج فجاز لها ما فيه الحظ من القسمة أو الوقف كما جاز له الخيار في الأسارى على وجه الحظ أو يقول إلحاق الأرض بالرقاب أولى لما ذكرنا من أنه ثبت الخراج فيه (٣). واحتج: بما روى سهل بن أبي حثمة (٤) أن النبي ﷺ قسم خيبر على ثمانية عشر سهمًا (٥) وبيان ذلك أن الجيش كانوا ألفًا وأربعمائة منهم مائتا فارس فجعل ستة أسهم للمائتين وجعل اثني عشر سهمًا بين ألف ومائتي رجل لكل مائة سهم فيكون للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم (٦).

стр. 375

والجواب: أن قوله قسمها معناه على الوجه الذي بين في خبرنا وهو أنه قسمها نصفين فلا يكون حجة (١). واحتج بما روى أبو بكر الصريابي (٢) في كتاب الخراج بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم" (٣). فوجه الدلالة: أنه أثبت سهام المسلمين (٤). والجواب: أن معناه إذا اختار الإمام القسمة فسهمكم فيها؛ بدليل: ما ذكرنا (٥). واحتج: بأنه نوع مال فوجب أن تكون قسمته موكله إلى اختيار الإمام. دليله: ما ينفل ويحرث، ولا يلزم عليه الرقاب؛ لأنها أحرار وليست بمال وإنما يسترقون باختيار الإمام ولا يلزم عليه السلب؛ لأن قسمته ليست موكولة إلى رأي الإمام وإنما هو للقاتل (٦). والجواب: أنا قد بينا الفرق بين الأرض وبين سائر الأموال بما فيه كفاية. وقلنا: أنه ليس في ترك قسمته فائدة تعود إلى المسلمين، فلم يجز إسقاط حق الغانمين عنه وأما الأراضي ففي ترك قسمتها مصلحة للمسلمين؛ لاستحقاقهم خراجها كالرقاب (٧). واحتج: بأن كل سبب يستحق به قسمة ما ينقل ويحول وجب أن يستحق به قسمة ما لا ينقل كالميراث (٨).

стр. 376

والجواب: أن الميراث لا يستحق به القسمة، وإنما يستحق بالاشتراك في الملك، وفي مسألتنا أن أقرهم الإمام على غنائمهم حصلت الشركة فوجب القسمة، وإن رأى وقفها لم تحصل الشركة، فلم تجب القسمة وكذلك الميراث إذا لم يثبت به الشركة لم يستحق به القسمة، وهذا إذا كان الوارث واحدًا وهذا كما نقول جميعًا في الرقاب إن رأى الإمام أن يسترقهم لثبوت الشركة فيهم وإن رأى أن يجعلهم أحرارًا لم تثبت الشركة فلا يقسم (١). فصل والدلالة على جواز القسمة خلافًا لمالك ما تقدم من حديث (بشير بن يسار) (٢) أن النبي ﷺ قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه والباقي بين المسلمين وهذا نص. فإن قيل: فقد روى أبو بكر بإسناده عن مالك عن ابن شهاب (٣) أن خيبر كان بعضها عنوةً وبعضها صلحًا (٤) وإذا كان كذلك احتمل أن تكون القسمة لما كان صلحًا (٥). قيل: الصحيح حديث بشير بن يسار أنه قسم خيبر على ستة وثلاثين سهمًا (٦) ولأنه مغنوم فلا يكون وقفًا بنفس الفتح كالخيل، ولأن ما جاز أن يملك على المشرك بالعقد جاز أن يملك عليه بالقهر والغلبة. دليله: ما ينقل ويحول (٧).

стр. 377

واحتج المخالف: بأن النبي ﷺ لم يقسم مكة ولم يقسم جميع خيبر (١). والجواب: أنه محمول على أنه لم ير ذلك صلاحًا، وعندنا يجوز ترك القسمة ويجوز فعلها على وجه المصلحة (٢). واحتج: بأن عمر ﵁ لم يقسم مصر ولا سواد الكوفة (٣). والجواب: أنه لم ير ذلك مصلحةً (٤). فإن قيل: فليس فيه أنه أحدث فيها الوقف بل منع المسلمين من قسمتها وصارت وقفًا بنفس الفتح (٥). والجواب: أن عمر وقفها وهذا ظاهر ما روينا في حديث الماجشون (٦) أن بلالًا قال لعمر: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال: لا، ولكن احبسه فيئًا يجري عليهم وعلى المسلمين، وقوله: احبسه يقتضي فعل الحبس من جهته وعلى قولهم قد صار حبسًا بمجرد الفتح (٧). واحتج: بأنه لو فتح بلدًا فيه نهر يجري فإنه لا يجوز قسمته ويكون وقفًا على جماعة المسلمين كذلك الأرضين (٨). والجواب: أنا لا نسلم هذا بل نقول أن عرضة النهر ملك للغانمين وهو مخير في قسمتها وفي تركها، فأما الماء الجاري في النهر فليس بملك لهم ولا لغيرهم؛ لأن الماء لا يملك بالحيازة (٩).

стр. 378

فصل والدلالة على جواز الوقف خلافًا لأبي حنيفة (١) ما تقدم من قول عمر ﵁ في حديث الماجشون: أحبسه فيئًا فأقرهم عمر فيها كما أقر النبي ﷺ أهل خيبر فيها بعد ملكها عليهم وقسمة بعضها، وأيضًا ما روى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي قال: اشترى عتبة بن فرقد (٢) أرضًا على شاطئ الفرات ليتخذ فيها مصبًا فذكر ذلك لعمر فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أربابها، قال: من أربابها؟ فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر قال: هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم؟ قال: لا، قال: فارددها على من اشتريتها منه وخذ مالك (٣). فإن قيل: لو كانت وقفًا لم يوص أحمد بأن يقضي دينه من الغلة في رواية المروذي (٤) وفوران (٥). قيل: إنما وصى بذلك بأنه يحصل في يده في حكم الإجارة بالخراج المؤدي والإجارة لا تبطل بالموت وتصح الوصية منها، وكذلك قوله: فدفع الأرض في صداق زوجته معناه منافعها وأيضًا فإنها أرض فتحت عنوةً فجاز للإمام أن يجعلها لجماعة المسلمين (٦).

стр. 379

دليله: مكة، وافقنا أبو حنيفة أنها لجماعة المسلمين وهي عنوة (١)، كذلك في بقية الأرضين العنوة؛ ولأنا اتفقنا على أن له ترك قسمة الأرضين ثم اختلفنا فنحن نقول نقفها وأبو حنيفة يقول: نقرها على أملاكهم (٢) فكان ما ذهبنا إليه أولى؛ لأن أملاكنا باقية على أملاك جماعة المسلمين ومنافعها عائدة عليهم، وعلى قولهم تزول أملاكهم عنها ويعود عليهم منفعتها فكان جمع الأمرين لهم أولى. واحتج المخالف: بأن الأرض ملك من أملاك الغانمين فلم يجز وقفه. دليله: الكراع والسلاح (٣). والجواب: إنه يبطل بمكة، ولأن سائر أموال الغنيمة ليس للإمام ترك قسمته وفي الأرض له ترك القسمة عندهم وإقرار أهلها أو ضرب الخراج عليهم، ولأنا نعكس العلة فنقول: فلم يجز له إقرارها على ملك أربابها كسائر الأموال (٤). فصل والدلالة على أنه لا يجوز إقرارها على وجه الملك لهم ولا تمليك غيرهم بالخراج هو أنها أرض مغنومة فلم يجز إقرار أهلها على إملاكها. دليله: مكة وافق أبو حنيفة على ذلك في مكة (٥)، ولأنه مال مغنوم فلم يجز إقرار أهله عليه. دليله: غير الأرضين، ولأن الأرض بالقهر قد صارت ملكًا للغانمين. بدليل: جواز قسمتها بينهم فلم يجز إقرارها على ملك من غنمت منه إذ نقول فلم يجز إزالة ملك الغانمين عنها بغير إذنهم بعوض.

стр. 380

دليله: غير الأرضين ولا يلزم عليه الرقاب؛ لأنها قبل أن يحدث الإمام فيها الاسترقاق ليست بملك للغانمين فإذا استرقهم صاروا أملاكًا فلا يجوز إزالة ملكهم عنها كما لا يجوز في النساء والصبيان (١). فإن قيل: فرق بين الأرضين وغيرها من الأموال؛ بدليل: أن غيرها لا يجوز له وقفها وإسقاط حق الغانمين منها وفي الأرض يجوز في مسألتنا كذلك (٢). قيل: إذا وقفها فلم يزل أملاكهم عنها بل هي باقية لهم ولكن منعهم من بيعها بالوقف نظرًا لمن يطرأ من المسلمين وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن في ذلك إزالة أملاكهم عنها؛ فلهذا فرقنا بينها. واحتج المخالف: بأن عمر لما فتح السواد أقر أهله عليه فضرب عليهم بالخراج وكذلك لما فتح النبي ﷺ خيبر أقر أهلها عليها (٣). والجواب: أن عمر أقر أهله عليه على وجه الإجارة لهم وجعل الخراج أجرة لها، يدل عليه قول عمر لما طلب بلال القسمة قال: لا هذا عين المال لكن أحبسه فيئًا يجري عليهم وعلى المسلمين، وأما خيبر فإن النبي ﷺ أقرهم عليها على وجه المساقاة (٤) لا على وجه الملك لهم. بدليل: ما روينا أن النبي ﷺ قسمها نصفين نصفًا للغانمين ونصفًا لنوائبه، ولأنه روي في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ افتتح خيبر على أن له الأرض (٥).

стр. 381

الثالث: أن عائشة روت أن النبي ﷺ بعث ابن رواحة ليخرص الثمار بخيبر ليحصى قدر الزكاة في نصيب المسلمين (١) ولو كان المأخوذ جزيةً لما وجبت فيه الزكاة. الرابع: أن عمر ﵁ أجلى اليهود من خيبر ولو كانت ملكًا لهم لم يجلهم عنها؛ ولأن في حديث عمر ساقى رسول الله ﷺ يهود خيبر على ملك الأموال على الشطر وسهامهم معلومة على أنا إذا شئنا أخرجناكم (٢). ٤٣ - ٢٩ مسألة: قدر الخراج في جريب (٣) الحنطة والشعير قفيز ودرهم (٤) قال في رواية أحمد (٥) بن سعيد اللحياني (٦) وجعفر بن محمد (٧): أعلى وأصح حديثٍ في أرض السواد حديث (ابن سعيد عن) (٨) عمرو بن ميمون (٩) في الدرهم والقفيز (١٠) وقد ذكر

стр. 382

أحمد قدر القفيز في رواية بكر بن محمد (١) فقال: ينبغي أن يكون قفيزًا صغيرًا وذكر أبو عبد الله رجلًا لشيء من هذا فقيل: ينبغي أن يكون ثمانية أرطالٍ (٢) (٣). وقال أبو حنيفة (٤) وقال الشافعي في جريب الحنطة: أربعة دراهم وفي جريب الشعير درهمان (٥) فالخلاف معه في القفيز. دليلنا: ما روى أبو عبيد بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام دينارها ومديها ومنعت مصر دينارها واردبها وعدتم كما بدأتم" (٦)، معناه ستمنع وهذا يدل على القفيز (٧). فإن قيل: يحمل القفيز ههنا على الدينار كما قال الشاعر (٨): (فتغلل) (٩) لكم لا تغل (١٠) لأهلها (١١) … قرىً بالعراق من قفيز ودرهم قيل: حقيقة القفيز المكيل ولأنه لا دينار ههنا (١٢).

стр. 383

واحتج المخالف: بما روى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي أن عمر ﵁ بعث ابن حنيف (١) إلى السواد فكرر الخراج فقطع على جريب الشعير درهمين وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية وعلى جريب الكريم عشرة وعلى جريب الزيتون (٢) اثني عشر (٣) قالوا: ولم يذكر القفيز (٤). والجواب: أن الرواية مختلفة في ذلك، فروى أبو عبيد أيضًا بإسناده عن أبي النضر (٥) عن شعبة (٦) قال: نبأنا الحكم قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر بن الخطاب وأتاه ابن حنيفٍ فجعل يكلمه، فسمعناه يقول له: والله لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهمًا وقفيزًا، .... وروى أيضًا بإسناده عن محمد بن عبيد الله الثقفي (٧) قال: وضع عمر على أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر درهمًا وقفيزًا وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة وعلى جريب الكرم عشرة دراهم

стр. 384

وعشرة أقفزة (١)، وإذا اختلفت الرواية فروايتنا أولى؛ لأنها أصح سندًا على ما نص عليه أحمد (٢)، ولأنه يعضدها السنة، ولأنه أيسر وأسهل على صاحب الأرض؛ لأن ثلاثة دراهم قيمتها صيعان (٣) جماعة (٤). واحتج: بأنه لما لم يجب في بقية الجربان من الكرم والنخل وغيرها قفيز كذلك في جريب الحنطة والشعير (٥). والجواب: من وجهين: أحدهما: أن المرجع في ذلك إلى تقدير عمر؛ لأنه هو الذي أوجب الخراج وإنما أوجبه على هذا الوجه وعلى أنه لا يمتنع أن يكون حقا متعلقًا بخارج من الأرض، ويختص ببعض الخارج دون بعض. بدليل: صدقة الفطر تتعلق بالخارج وتختص ببعضه وهو التمر والزبيب والحنطة والشعير (٦). فإن قيل: ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري (٧) في كتاب الكوفة بإسناده عن عمرو بن ميمون عن عمر أنه وضع على كل جريب وذكر الخبر إلى أن قال وعلى النخل على الفارسية

стр. 385

درهمًا وعلى الرطبين درهمًا (١) وهذا يدل على اعتبار العدد في النخل دون الجربان (٢). قيل: فقد روى أبو زيد بإسناده عن عثمان بن حنيف (٣) حين بعثه عمر ﵁ فأخذ من الرطبة وذكر الخبر إلى أن قال: وكان لا يعد النخل (٤)، وهذا يعارض ذلك فتقابلا وسلم ما رويناه من الأخبار المشهورة في اعتبار الجربان (٥). فإن قيل: هل يجوز لرب الأرض أن يتولى تفرقة الخراج بنفسه؟ قيل: المنصوص عنه يجوز له ذلك، فقال في رواية محمد بن العباس (٦) في الرجل يكون في مثل بغداد فيمسحها ويخرج خراجها على ما وظف عمر على السواد ويقسمه على المسلمين: أن فعل هذا فقد أحسن، وكذلك قال في رواية يعقوب بن بختان (٧) في الرجل يخرج عما في يديه من دار أو ضيعة على ما وظف عمر على كل جريب يتصدق به قال: ما أجود هذا، والوجه فيه أنه مال لا قوام معينين فجاز لمن حصل في يده تفرقته. دليله: اللقطة وزكاة الأموال الظاهرة والباطنة ويشهد لهذه الرواية ما قاله فيمن حصل في يده مال لرجل لا يعرف مالكه يتصدق به ويتحرج المنع وإنه يحمله إلى الإمام؛ لأنه قال فيمن كانت في يده رهون لا يعرف مالكها، قال في إحدى الروايتين: يتصدق بها (٨). وقال في موضع آخر: لا يتصدق به ويرفعه إلى الحاكم (٩).

стр. 386

فإن قيل: فهل يجوز للإمام أن يسقط الخراج عمن وجب عليه إذا كان من أهله؟ قيل: يجوز، نص عليه في رواية الميموني (١) في الوالي يدع الخراج فقال: لا، الخراج فيء لو تركه (٢)، يعني: أمير المؤمنين جاز، فأما من دونه فلا والوجه فيه: أن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه كما قلنا، فمن وجب عليه حق لزيدٍ وله على زيد من جنسه وقع القصاص؛ لأنه لا معنى لأخذه ورده عليه، ويفارق الزكاة إذا كان ممن يجوز له أخذها وقد وجبت عليه وهو أن لا يقوم بكفايته ما في يده؛ لأن الزكاة تجب في العين والدين ليس لعين فلهذا لم يجز تركها (٣). ٤٤ - ٣٠ مسألة: فتحت مكة عنوةً في أصح الروايتين (٤)، قال أحمد في رواية حنبل (٥) والميموني (٦): إنما كره إجارة بيوت مكة؛ لأنها فتحت عنوة دخلها النبي ﷺ بالسيف وعمر قال: لا تمنعوا نازلًا بليل أو نهار فلم يجعل لهم ملكًا دون الناس (٧)، وبهذا قال أبو حنيفة (٨) ومالك (٩). وفيه رواية أخرى فتحت صلحًا قال أبو بكر: نا أحمد بن محمد بن هارون (١٠) قال: حدثني حرب (١١) قال: سمعت أحمد يقول أرض العشر: هو الرجل ليسلم بنفسه من غير قتالٍ وفي يده الأرض فهو عشر، مثل: المدينة ومكة (١٢).

стр. 387

وقال أبو إسحاق ابن شاقلا (١) نا محمد بن إسحاق المقرئ (٢) نا أحمد بن محمد بن مسلم (٣)، حدثنا سعيد بن محمد الرفا (٤) قال: سألت أبا عبد الله عن أمر مكة فقال: دخلت صلحًا فقلت له: وأي شيء في ذلك؟ فقال لي: حديث الزهري (٥). قال أبو إسحاق: المسألة على روايتين: أحدهما: فتحت عنوة (٦). والثانية: فتحت صلحًا (٧) وهو قول الشافعي (٨). وجه الرواية [الأولى] (٩): قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، فنهى عن الصلح إذا كانوا مستعلين عليهم بالقوة والعدة وكذلك كان النبي ﷺ يوم الفتح فلا جائز أن يكون صالحهم مع نهي الله عنه (١٠).

стр. 388

فإن قيل: إنما نهاهم عن طلب الصلح؛ لأنهم كانوا مستعلين ولم يكن طلب الصلح من جهة النبي ﷺ وإنما كان من جهة أهل مكة فلم يدخلوا تحت النهي (١). قيل: النهي إنما كان عن الدخول في السلم في الجملة؛ للعلة التي ذكرنا وهي قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وهذا يوجد فيه إذا دعا إليه أو دعي إليه. وجواب آخر: وهو أصح وهو أنا لا نسلم أنه كان من أهل مكة طلب للسلم بل كانوا على القتال؛ لما نبينه من الأخبار، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٣ - ١٤]، فأمر الله تعالى بقتال أهل مكة لما نقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، ولا يجوز أن يترك قتال من أمره الله تعالى بقتالهم ويعدل إلى الصلح. ويبين هذا: أن الآية نزلت في أهل مكة لما نقضوا العهد بقتالهم خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ما روى مجاهد (٢) في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال: عهدتم وفي قوله: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال: قريشٌ، وفي قوله: ﴿قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]. قال خزاعة (٣). فإن قيل: المراد به إذا لم يطلبوا الصلح والسلم، فأما إذا طلبوا السلم أولى. يدل عليه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، فلما جنح أهل مكة للسلم جنح للسلم كما أمره الله تعالى (٤).

стр. 389

قيل: الأمر بالقتال عام فيه إذا طلبوا السلم أو لم يطلبوا، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، فقال السدي (١): نزلت في بني قريظة ثم نسخ الله ذلك فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ونسختها آية القتال في براءة: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] (٢) ذكر ذلك ابن المنادي (٣) في كتاب الناسخ والمنسوخ وأيضًا قوله تعالى: ﴿الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، فلو كان دخلها صلحًا ما كان هو أولى بأن يوصف بأنه ظفر بهم منهم؛ لأن عقد الصلح إنما يتم بهم جميعًا، ولأن إطلاق الظفر يفيد: ما كان عنوة فقال: ظفر بهم إذا كان قد قهرهم، ولأنه ذكر ظفرًا مضافًا إلى الله تعالى وهذا يفيد ما ينفرد به وعقد الصلح يقع بالمشاركة من الآدميين (٤). فإن قيل: المراد به: القوم الذين نزلوا عليه بالحديبية من جبل التنعيم من قريش فظفر بهم وأطلقهم (٥). يدل عليه: قوله تعالى بعد هذا: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. قيل: لا يجوز أن يكون المراد به الحديبية لقوله: ببطن مكة والحديبية ليست ببطن مكة بل هي خارج الحرم (٦).

стр. 390

فإن قيل: معناه بأرض مكة والحديبية منها (١). قيل: بطن الشيء ما كان منه هذا هو الحقيقة، وأما قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ لا حجة فيه؛ لأن معناه: الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية والهدي معكوفًا الذين أظفركم الله بهم هذا اليوم هم الذين قاتلوهم في يوم الفتح (٢). فإن قيل: لو سلمنا أن المراد به: صلح مكة فلا حجة فيه؛ لأن الظفر قد تقدم بنزوله مر الظهران وتمكنه من دخول مكة عنوة وهذا سابق للأمان الذي كف الأيدي (٣). قيل: قد بينا أن إطلاق الظفر يفيد ما كان عنوة، ولأنه ذكر ظفرًا مضافًا إلى الله، وهذا معدوم فيما كان الظهران وأيضًا قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، والمن: يكون بأعلى أحوال النصر وهو القهر فأما الصلح فيقع مشركًا بأن يقال: فتح على المسلمين بأولى من أن يقال: فتح على أضدادهم (٤). فإن قيل: هذه نزلت آخر ما نزل من القرآن وكان قد فتح هوازن (٥). قيل: في الآية: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] وهذا لم يوجد في فتح هوازن وإنما وجد في فتح مكة؛ لأن القبيلة بعد القبيلة كانت تسلم من قريشٍ على أن ابن عباس قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة (٦) وكذلك عن ابن السائب (٧) (٨)، ومن جهة السنة ما روى أحمد بإسناده في المسند عن أبي هريرة قال: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار، قال: فذكر فتح مكة قال: أقبل
следующие страницы →