← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فإن قيل: فهل يجوز للإمام أن يسقط الخراج عمن وجب عليه إذا كان من أهله؟ قيل: يجوز، نص عليه في رواية الميموني (١) في الوالي يدع الخراج فقال: لا، الخراج فيء لو تركه (٢)، يعني: أمير المؤمنين جاز، فأما من دونه فلا والوجه فيه: أن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه كما قلنا، فمن وجب عليه حق لزيدٍ وله على زيد من جنسه وقع القصاص؛ لأنه لا معنى لأخذه ورده عليه، ويفارق الزكاة إذا كان ممن يجوز له أخذها وقد وجبت عليه وهو أن لا يقوم بكفايته ما في يده؛ لأن الزكاة تجب في العين والدين ليس لعين فلهذا لم يجز تركها (٣). ٤٤ - ٣٠ مسألة: فتحت مكة عنوةً في أصح الروايتين (٤)، قال أحمد في رواية حنبل (٥) والميموني (٦): إنما كره إجارة بيوت مكة؛ لأنها فتحت عنوة دخلها النبي ﷺ بالسيف وعمر قال: لا تمنعوا نازلًا بليل أو نهار فلم يجعل لهم ملكًا دون الناس (٧)، وبهذا قال أبو حنيفة (٨) ومالك (٩). وفيه رواية أخرى فتحت صلحًا قال أبو بكر: نا أحمد بن محمد بن هارون (١٠) قال: حدثني حرب (١١) قال: سمعت أحمد يقول أرض العشر: هو الرجل ليسلم بنفسه من غير قتالٍ وفي يده الأرض فهو عشر، مثل: المدينة ومكة (١٢).

стр. 387

وقال أبو إسحاق ابن شاقلا (١) نا محمد بن إسحاق المقرئ (٢) نا أحمد بن محمد بن مسلم (٣)، حدثنا سعيد بن محمد الرفا (٤) قال: سألت أبا عبد الله عن أمر مكة فقال: دخلت صلحًا فقلت له: وأي شيء في ذلك؟ فقال لي: حديث الزهري (٥). قال أبو إسحاق: المسألة على روايتين: أحدهما: فتحت عنوة (٦). والثانية: فتحت صلحًا (٧) وهو قول الشافعي (٨). وجه الرواية [الأولى] (٩): قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، فنهى عن الصلح إذا كانوا مستعلين عليهم بالقوة والعدة وكذلك كان النبي ﷺ يوم الفتح فلا جائز أن يكون صالحهم مع نهي الله عنه (١٠).

стр. 388

فإن قيل: إنما نهاهم عن طلب الصلح؛ لأنهم كانوا مستعلين ولم يكن طلب الصلح من جهة النبي ﷺ وإنما كان من جهة أهل مكة فلم يدخلوا تحت النهي (١). قيل: النهي إنما كان عن الدخول في السلم في الجملة؛ للعلة التي ذكرنا وهي قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وهذا يوجد فيه إذا دعا إليه أو دعي إليه. وجواب آخر: وهو أصح وهو أنا لا نسلم أنه كان من أهل مكة طلب للسلم بل كانوا على القتال؛ لما نبينه من الأخبار، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٣ - ١٤]، فأمر الله تعالى بقتال أهل مكة لما نقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، ولا يجوز أن يترك قتال من أمره الله تعالى بقتالهم ويعدل إلى الصلح. ويبين هذا: أن الآية نزلت في أهل مكة لما نقضوا العهد بقتالهم خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ما روى مجاهد (٢) في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال: عهدتم وفي قوله: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال: قريشٌ، وفي قوله: ﴿قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]. قال خزاعة (٣). فإن قيل: المراد به إذا لم يطلبوا الصلح والسلم، فأما إذا طلبوا السلم أولى. يدل عليه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، فلما جنح أهل مكة للسلم جنح للسلم كما أمره الله تعالى (٤).

стр. 389

قيل: الأمر بالقتال عام فيه إذا طلبوا السلم أو لم يطلبوا، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، فقال السدي (١): نزلت في بني قريظة ثم نسخ الله ذلك فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ونسختها آية القتال في براءة: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] (٢) ذكر ذلك ابن المنادي (٣) في كتاب الناسخ والمنسوخ وأيضًا قوله تعالى: ﴿الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، فلو كان دخلها صلحًا ما كان هو أولى بأن يوصف بأنه ظفر بهم منهم؛ لأن عقد الصلح إنما يتم بهم جميعًا، ولأن إطلاق الظفر يفيد: ما كان عنوة فقال: ظفر بهم إذا كان قد قهرهم، ولأنه ذكر ظفرًا مضافًا إلى الله تعالى وهذا يفيد ما ينفرد به وعقد الصلح يقع بالمشاركة من الآدميين (٤). فإن قيل: المراد به: القوم الذين نزلوا عليه بالحديبية من جبل التنعيم من قريش فظفر بهم وأطلقهم (٥). يدل عليه: قوله تعالى بعد هذا: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. قيل: لا يجوز أن يكون المراد به الحديبية لقوله: ببطن مكة والحديبية ليست ببطن مكة بل هي خارج الحرم (٦).

стр. 390

فإن قيل: معناه بأرض مكة والحديبية منها (١). قيل: بطن الشيء ما كان منه هذا هو الحقيقة، وأما قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ لا حجة فيه؛ لأن معناه: الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية والهدي معكوفًا الذين أظفركم الله بهم هذا اليوم هم الذين قاتلوهم في يوم الفتح (٢). فإن قيل: لو سلمنا أن المراد به: صلح مكة فلا حجة فيه؛ لأن الظفر قد تقدم بنزوله مر الظهران وتمكنه من دخول مكة عنوة وهذا سابق للأمان الذي كف الأيدي (٣). قيل: قد بينا أن إطلاق الظفر يفيد ما كان عنوة، ولأنه ذكر ظفرًا مضافًا إلى الله، وهذا معدوم فيما كان الظهران وأيضًا قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، والمن: يكون بأعلى أحوال النصر وهو القهر فأما الصلح فيقع مشركًا بأن يقال: فتح على المسلمين بأولى من أن يقال: فتح على أضدادهم (٤). فإن قيل: هذه نزلت آخر ما نزل من القرآن وكان قد فتح هوازن (٥). قيل: في الآية: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] وهذا لم يوجد في فتح هوازن وإنما وجد في فتح مكة؛ لأن القبيلة بعد القبيلة كانت تسلم من قريشٍ على أن ابن عباس قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة (٦) وكذلك عن ابن السائب (٧) (٨)، ومن جهة السنة ما روى أحمد بإسناده في المسند عن أبي هريرة قال: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار، قال: فذكر فتح مكة قال: أقبل

стр. 391

رسول الله ﷺ فدخل مكة قال: فبعث الزبير (١) على إحدى المجنبتين (٢) وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة (٣) على الحسر (٤)، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبته قال: وقد وبشت قريش (٥) أوباشًا (٦) لها فقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سألنا. قال: فقال أبو هريرة: فنظر إلي فرآني فقال: يا أبا هريرة؟ فقلت: لبيك رسول الله، قال: فقال: أهتف لي بالأنصار ولا يأتيني إلا أنصاري، فهتفت بهم، فجاءوا، فأحاطوا برسول الله ﷺ قال: فقال رسول الله ﷺ : "ترون إلى أوباش قريش" فرأيناهم ثم قال بيده أحديهما على الأخرى: احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا. قال: فقال أبو هريرة فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء وما أحد يوجه إلينا منهم شيئًا قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله! أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" قال: فغلق ناس أبوابهم قال: فأقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر استلمه ثم طاف بالبيت، قال: وفي يده قوس آخذ بسيِّة (٧) القوس قال: فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه فجعل يطعن في عينه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل" قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، قال: فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعو، قال: والأنصار تحته قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف

стр. 392

علينا قال: فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضي، قال: فلما مضى الوحي رفع رأسه ثم قال: "يا معاشر الأنصار قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته" قال: قلنا ذلك يا رسول الله! قال: "فمن أنا كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم" قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الظن بالله ورسوله قال: فقال رسول الله ﷺ : "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" (١). فوجه الدلالة: من هذا الخبر من وجوه: أحدها: أنه بعث الزبير على إحدى المجنبتين وخالدًا على الأخرى وأبا عبيدة على الجسر، ووقف هو في كتيبته وهذه تعبية القتال وهيئته. الثاني: قوله: أترون أوباش قريش أحصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا، وقول أبي سفيان: أبيحت خضراء قريش، وقوله: فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء وهذا كله يمنع الصلح؛ لأنه حثهم على القتال بقوله: "احصدوهم" حتى استقال أبو سفيان من كثرة القتل. الثالث: قوله: "من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فلو كان الأمان قد سبق بعقد الصلح لم يحتج إلى هذا واكتفى بما تقدم، فلما قال ذلك بعد الدخول علم أنه لم يكن جرى قبل الصلح بينهم وبينه عقد صلح (٢). فإن قيل: يحتمل أن يكون رتبهم على هذه الصفة وقال: احصدوهم حصدًا، وقال له أبو سفيان: ما قال قبل نزوله بمر الظهران (٣) وقبل عقد الأمان. بدليل: أن ابن المنذر (٤) روى هذا الحديث في كتابه وقال: إذا لقيتموهم غدًا

стр. 393

فاحصدوهم حصدًا (١). قيل: لا يصح هذا التأويل؛ لأنا روينا فيه نصا أنه قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدًا على المجنبة الأخرى وقال: "احصدوهم"، وهذا صريح أنه كان بمكة، ولأن أبا سفيان لما قال له أبيحت خضراء قريش قال: "من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وأقبل إلى الحجر فاستلمه وطاف، وهذا أيضًا صريح في كونه بمكة؛ لأن دار أبي سفيان والطواف والحجر بمكة (٢). فإن قيل: يحتمل أن يكون رتبهم بعد دخوله مكة على الصفة المذكورة؛ لئلا يطمعوا في ترك الأمان لا أنه لم يكن هناك أمانًا سابقًا (٣). قيل: لو كان لهذه العلة فقط لم يقل احصدوهم، ولم يقل أبو سفيان: أبيحت خضراء قريش، ولم يقل: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، والأمان سابق وعلى أن تعبئة الجيش وأخذ عدة الحرب أشعار الغدر أنه قد نقض العهد، ويجوز أن يستظهر بما لا يوهم كالرمل (٤) الذي هو إظهار الجلد وليس فيه ما يوهم نقض العهد (٥). فإن قيل: قول أبي سفيان: أبيحت خضراء قريش كناية عما كان في خالد بن الوليد في يوم الفتح فإنه ذكر أنهم بدءوه بالقتال (٦). قيل: فإذا كانوا بدؤوه بالقتال وقاتلهم وقتل منهم، دل على أنه دخلها بالحرب والقتال إذ لو كان هناك عقد صلح لم يبدءوه (٧).

стр. 394

فإن قيل: ذلك جرى في ناحية منها رأى قومًا بالسلاح لم يقبلوا الأمان فلا يرد بهذا عموم الصلح من الكافة وقبول الأمان من أهل مكة، والاعتبار بالغالب العام دون من وجد في المواضع الخفية على غير شرط القبول للأمان (١). قيل: أبيحت خضراء قريش ولا قريش بعد اليوم، إشارة إلى جملتها أو غالبها وفيه إظهار الأسف عليها، وهذا لا يكون في طائفة منفردة لا يعتد بها. وجواب آخر: وهو أن القتال كان على ما يدل عليه ما نذكره إن شاء الله تعالى فيما بعد من قول شاعرهم. إذ فر صفوان وفر عكرمة (٢) … وهؤلاء كانوا من صناديدها (٣) فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد" (٤) وهذا إنكار لقتال خالد (٥). قيل: هذا غلط عظيم؛ لأنه لم يقل النبي ﷺ هذا لأجل قتاله بمكة وإنما بعث النبي ﷺ السرايا بعد الفتح يدعو الناس إلى الإسلام ولم يأمرهم بالقتال، وبعث خالد بن الوليد داعيًا ولم يبعثه مقاتلًا وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيًا ولم يبعثه مقاتلًا ومعه سليم ومدلج وقبائل من غيرهم، فلما نزلوا الغميضاء وهي ماء من مياه بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة، وكانت بني جذيمة قتلت عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف، والفاكه بن المغيرة عم خالد، فلما رأوه أخذوا السلاح فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا فلما وضعوا السلاح أمرهم فكفوا بعضهم وعرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: اللهم إني أبرأ

стр. 395

إليك مما فعل خالد وبعث بعلي بن أبي طالب وقال: اخرج إلى هؤلاء القوم وانظر في أمرهم فخرج علي ومعه مال ففاداهم (١). وأيضًا ما روى أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٢) قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "ألا لا يجهزن على جريح ولا يتبعن مدبر ولا يقتلن أسير ومن أغلق بابه فهو آمن" (٣) وهذا يدل على أنه دخلها عنوةً إذ لو كان صلحًا لم ينه عن الإجازة على الجريح وعن اتباع المدبر وعن قتل الأسير؛ لأن هذه الأشياء لا تكون إلا مع القتال، وأيضًا ما روى محمد بن إسحاق (٤) في المغازي بإسناده أن حماس بن قيس بن خالد البكري (٥) كان قبل مقدم رسول الله ﷺ يرش نبلًا له ويصلحها، فقالت له امرأته: لم أراك تصنع هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أرى شيئًا يقوم لمحمد، فقال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعض أصحابه ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لي … علة هذا سلاحٌ كاملٌ وأله (٦) وذو غرارين (٧) سريع السلة

стр. 396

وَشهد الخندمة مع سُهيل بن عمرو وصفوان بن أميَّة وعكرمة بن أبي جهل فلما لقيهم المسلمون أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئًا من قتال فقتل كرز ابن جابر بن حسل وحنش وكانا في خيل خالد بن الوليد وأصيب من المشركين ناس قريبًا من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا فلما انهزموا أقبل حماس بن قيس يسعى فدخل على امرأته فقال ويكِ انظري أخفى بيتًا من بيوتك فأغلقيه حتى أنظر ما يفعل الناس فقالت له فأين ما كنت تقول فقال: إنك لو شهدت يوم الحندمة (١) … إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالديمه (٢) … واستقبلتهم بالسيوف المسلمه تطعن كل ساعد وجمجمه … ضربًا فلا تسمع إلا غمغمه (٣) لهم يهتك (٤) خلفنا وهمهمه (٥) … لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه (٦) وهذا يدل: على أنه لم يكن هناك أمان؛ إذ لو كان أمانًا لم يقتل خالد ولم يقاتلوه حتى قال شاعرهم ما قال (٧). فإن قيل: خالد قتل من بني معاثه وهم بنو بكر.

стр. 397

قلت: خزاعة ليس لهم بمكة دار ولا مال، فأما هم هربوا إليها وأما من كان بمكة فإنهم ادعوا أن خالد بن الوليد بدأهم بالقتال، وادعى خالد أنهم بدأوه بالقتال وهو أصدق. فدل هذا: على أن الأمان سابق وأما هرب عكرمة؛ فلأنه لم يدخل تحت الأمان؛ لأن النبي ﷺ استثنى أربعة من الرجال وامرأتين فهرب؛ لأجل ذلك (١). قيل: هذا لا يصح؛ لأن النبي ﷺ أمن الناس إلا أربعة رجال وامرأة وما عداهم داخل تحت الأمان وأن القتال كان عاما ولم يعتبر صفات بني بكر. والذي يدل: على أنه لم يختص بالطائفة التي ذكروها: قوله: فر صفوان وعكرمة وأبو يزيد، وهؤلاء سادة القوم وقادتهم قد جمعوا الجمع وباشروا الحروب وأصيب المسلمون بأيديهم وأصابوا منهم فلا يجوز ادعاء الأمان وهؤلاء خارجين منه، وأيضًا ما روى محمد بن إسحاق بإسناده عن أبي شريح الخزاعي (٢) لما افتتح رسول الله ﷺ مكة قتلت خزاعة رجلًا من هذيل، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا، فقال: أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا أو يعضد بها شجرًا، وأنها لا تحل لأحد بعدي (٣) ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبًا على أهلها، ألا ثُمَّ قد رجعت على حالها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال بأن رسول الله قد قاتل بها فقولوا: أن الله أحلها لرسوله ولم يحلها لك يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر، وذكر الخبر (٤).

стр. 398

وروى محمد بن إسحاق بإسناده عن عمرو بن شعيب (١) عن أبيه (٢) عن جده (٣) قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة نادى: "من وضع سلاحه فهو آمن، ومن جاءنا فهو آمن، ومن غلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فوضعوا السلاح إلا جماعة من بني بكر إلى صلاة العصر، والناس آمنون إلا أربعة فإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فاقتلوهم مقبس بن ضبابة (٤)، وعبد الله بن خطل (٥)، وعبد الله بن أبي سرح (٦)، وعكرمة بن أبي جهل" (٧) وامرأة سماها (٨).

стр. 399

فوجه الدلالة: من حديث أبي شريح أنه أخبر أنها أحلت له ساعة للقتال ومن حديث عمرو بن شعيب أن خزاعة لم تضع السلاح عن بني بكر إلى صلاة العصر وقال: كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر ولا يصح أن يأمر بكف السلاح إلا وهو مبسوط فدل على أن دخولها وقع بغير أمان (١). فإن قيل: قوله: أحلت لي ساعة من نهار، فقد كانت أحلت له، وقتل بها ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة استبق إليه سعيد، وعمار فسبق سعيد؛ لأنه كان أشب من عمار، ومقبس بن ضبابة أدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما بنو بكر فإنهم لم يدخلوا تحت الأمان (٢). قيل: أما قولك: إن بني بكر لم تدخل تحت الأمان، فقد أجبنا عنه، وأما قولك: انها أحلت له بقتل ابن خطل، ومقبس فلا يصح؛ لأن المراد بالخبر أنها أحلت له بالقتال ألا ترى أنه قال في الخبر فمن قال لكم: أن رسول الله قد قاتل بها فقولوا: إن الله أحلها لرسوله ومعناه أحلها له للقتال، ولأنه أحلها غضبًا على أهلها وهذا يقتضى العموم. ويدل عليه: ما روى محمد بن إسحاق في المغازي بإسناده عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: لما فتح رسول الله ﷺ مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم، فأجرتهما وأدخلتهما بيتي فجاء أخي علي بن أبي طالب فقال: لأقتلنهما، فقلت: إني قد أجرتهما وغلقت عليهما بابي ثم جئت رسول الله ﷺ بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين وابنته فاطمة تستره بثوب، فلما فرغ من غسله أخذ ثوبه فتوشحه ثم ركع ثمان ركعاتٍ من الضحى ثم أقبل علي فقال: "مرحبًا وأهلًا بأم هانئ ما جاء بك؟ " فأخبرته الخبر فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت" (٣). وهذا يدل: على أن الأمان لم يسبق دخول مكة؛ إذ لو كان سبق لم تحتج أم هانئ إلى الأمان، ولم يقدم علي على قتلهما (٤).

стр. 400

فإن قيل: يحتمل أن يكونا من بني بكر فلم يدخلا تحت الأمان، ويحتمل أن يكونا حاملين للسلاح فلم يكن لهما شرط الأمان؛ لأن شرط الأمان كان بإلقاء السلاح فأراد علي قتلهما لذلك (١). قيل: لو كانا من بني بكر لم تقدم أم هانئ (٢) على أمانهما؛ لامتناع النبي ﷺ من ذلك. وقولهم: يحتمل أن يكونا حاملين للسلاح فلو كان هناك أمانًا لم يحملوا السلاح. وجواب آخر: لا يصح حمله على أنهما من بني بكر؛ لأن في الخبر من بني مخزوم ولا يصح حمله على أنهما كانا حاملين للسلاح يلقى بانفراده، وأيضًا فإن أهل السير والمغازي اتفقوا أن دخول رسول الله ﷺ مكة عنوة، وقد عدوا مغازي رسول الله ﷺ نيف وعشرين غزوة، وذكروا فتوحه وما كان عنوة ولم ينقل عن أحد منهم أنه دخل مكة صلحًا، وما يحكى عن مجاهد فإنه صريح محجوج بما ذكرنا، وأيضًا ما روى أبو الحسين علي بن محمد بن بشران المعدل (٣) من أماليه انتخاب أبي الفتح ابن أبي الفوارس الحافظ (٤) ولي منهما إجازة، قال أبو الحسين علي بن محمد بن بشران المعدل نا أحمد بن إسحاق بن منجاب (٥) نا علي بن الحسين التستري (٦) قال: نا محمد بن الحسن

стр. 401

السوسي (١) قال نا هارون بن عبد الله (٢) قال: نا محمد بن الحسن المخزومي (٣) قال: حدثني مالك بن أنس عن هشام بن عروة (٤) عن أبيه (٥) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "افتتحت مكة أم القرى بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن" (٦) وهذا نص. وروى محمد بن عمر الواقدي (٧) في المغازي بإسناده عن الحارث بن البرصاء (٨)

стр. 402

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة" (١) يعني على الكفر. وقد احتج من وافقنا في هذه المسألة بما لم يقع إلي طريقه وهو ما روى الربيع بن أنس (٢) عن أبي العالية (٣) عن أبي بن كعب (٤) قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ومثل بهم، فقال رسول الله ﷺ : "لئن كان لنا مثل هذا لترهبن عليهم" فلما كان يوم فتح مكة دخلها رسول ﷺ عنوة، فقال رجل لا يعرف لا قريش بعد اليوم فقال رسول الله ﷺ : الأسود والأبيض آمن إلا مقبس بن ضبابة وابن خطلٍ وقيس، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦] فقال النبي ﷺ : نصبر، ولا نعاقب (٥).

стр. 403

فمنه أدلة: أحدها: دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة. والثاني: قول القائل لا قريش بعد اليوم. والثالث قوله: "الأسود والأبيض آمن، إلا فلان" ولو كان صلحًا لدخل مقبس ومن ذكر معه في الصلح، ولم يجز قتلهم فلما قال ذلك بعد الدخول علم أنه لم يكن جرى قبل الدخول بينه وبينهم عقد صلح. والرابع: قوله نصبر ولا نعاقب. وهذا يدل: على أنه لو شاء لعاقب (١). فإن قيل: العنوة هي الذل، والخضوع؛ لأنه يقال: عنا يعنو إذا ذل وخضع ومات أسيرًا ومنه قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] ومعناه: خضعت، وذلت، وقال النبي ﷺ : "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان" (٢)، يعني الإسراء، والعاني: الأسير في اللغة (٣)، فاقتضى قوله: فتحها عنوة أنه على ذل منهم، وخضوع، ولِدَّه من قلوبهم هكذا كانوا عند دخوله وإن كان صلحًا (٤). قيل: العنوة هي الذل والخضوع بالقهر، والغلبة ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾

стр. 404

معناه: ذلك لما شاهدت من القهر بأمر الله، وكذلك النساء مقهورين بالأزواج وكذلك العنين مقهور بحصول الفسخ عليه (١). فإن قيل: قوله: دخلها عنوة معناه صلحًا؛ كما قال الشاعر (٢): فما أخذوها عنوةً عن مودة ولكن بحد المشرفي (٣) استقالها (٤). قيل: هذا السؤال يناقض الذي قبله؛ لأنه قد ثبت أن العنوة هي الذل، والخضوع وهذا إنما لم يحصل مع الغلبة، وحصولهم أسرى في يده، وقول الشاعر: فما أخذوها عنوة عن مودة. لا دلالة فيه؛ لأنه أراد الصلح؛ لأن معناه أنهم لم يأخذوها عن مودة تقدمت بينهم ثم صارت عداوة، ولكن العداوة كانت قائمة فأخذوها على هذا الوجه؛ ليكون أغيظ لهم ويحتمل أنهم يأخذوها بأن أظهروا لهم مودة وعهد ثم نكثوا وغدروا وأخذوها على وجه الغدر والمخادعة لكن أخذوها جهرًا بحد السيف (٥). فإن قيل: قوله: الأسود والأبيض آمن أراد به الأمان الذي عقده بمر الظهران (٦). قيل: لو كان قد سبق الأمان لم يحتج إلى ذكره بعد دخول مكة، ولأنه قال: "الأسود والأبيض آمن إلا فلان وفلان" وأمان أبي سفيان بمر الظهران لم يكن فيه استثناء ولم ينقل أحد فيه ذلك، فدل على أن هذا الأمان غير ذلك الأمان (٧). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ

стр. 405

لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، نزلت بالمدينة، قال أهل التفسير الكلبي (١) والمقاتل (٢) وغيرهما النحل مكية إلا آيات منها فذكر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ إلى آخر السورة (٣). قيل: ظاهر رواية أبي أنها مكية وهو أعرف؛ لأنه شاهد التنزيل، فقوله أولى. واحتج أيضًا: من نصر قولنا بما روي أن النبي ﷺ دخل مكة صعد إلى باب الكعبة فأخذ بعضادتي الباب وقال: "الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده"، ثم التفت إلى قريش وهم حواليه فقال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: نقول أخ كريم وابن أخ كريم قد ملكت فاصنع ما شئت فقال ﷺ : "أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أنتم الطلقاء" (٤). وقد ذكر سعيد الأموي (٥) في مغازيه بإسناده أنه وقف على باب الكعبة وقد استلف له الناس ينظرون إليه وقال: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش، ماذا تروني فاعلًا بكم؟ "، قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٦) فلو كان بينهم صلح لم يقل ملكت: فاصنع ما شئت، ولم يكن النبي ﷺ يقول: "أنتم الطلقاء"؛ لأنهم كانوا طلقاء قبل وجود هذا القول فلا يصيرون طلقاء بقوله ﷺ ألا ترى أنه لما دخل مكة في عمرة القضاء عن صلح لم يكن أهل مكة

стр. 406

طلقاء ولم يقل لهم ذلك وهذا خبر مستفيض؛ لأن الصحابة كانت تسمى الذين أطلقهم رسول الله اليوم الطلقاء، مثل: سهيل بن عمرو، ومعاوية وأضرابهما وكانوا يسمون أولادهم أبناء الطلقاء وعلى هذا قال عمر: إن هذا الأمر يعني به الخلافة لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء (١). فإن قيل: قوله: ملكت فاصنع ما شئت معناه أنا لا نقدر دفعك ولا الامتناع منك أنت القاهر الغالب علينا فاصنع ما شئت. فقوله: أنتم الطلقاء بالأمان الذي عقدته وبذلته بمر الظهران على لسان أبي سفيان (٢). قيل له: إنما لم يقدروا على دفعه؛ لأجل ما كان منه من القهر والغلبة بالقتال، وقولهم أنه أراد بقوله: أنتم الطلقاء بالأمان الذي عقده بمر الظهران لا يصح؛ لأن قوله: ما تقولون تهديد منه لهم، فلو كان هناك أمان حصلوا به طلقاء لم يقل هذا فعلم أنه أحدث لهم أمانًا، وأيضًا لو صالح أهل مكة لم يخل إما أن يصالحهم على أن يقرهم على كفرهم على أن يأخذ منهم الجزية أو على أن يقرهم على الكفر بغير جزية أو يكونوا قد أسلموا ولا جائز أن يكون قد أقرهم على الكفر بالجزية؛ لما روي أنه لما دخلها كسر الأصنام ولأنه لا يجوز أخذ الجزية من مشركي العرب ولا يجوز أيضًا أن يكون أقرهم بغير جزية؛ لأن هذا لا يجوز بالاتفاق، ولا يجوز أيضًا أن يكونوا قد أسلموا فصالحهم من قبل أن الإسلام يغني عن الصلح؛ لأنه يحقن دماءهم وأموالهم من غير صلح فإذا بطلت هذه الوجوه وهي جميع جهات الصلح علمنا أنه لم يدخلها إلا عنوة (٣). فإن قيل: لا خلاف أن النبي ﷺ أقرهم على كفرهم مع اختلافنا أقرهم بمكة أم بمر الظهران (٤).

стр. 407

قيل: إلا أنه لم يقرهم بمكة على كفرهم، ويجوز أن يكون الإقرار في غيرها يدل عليه أنه قلب الأصنام، ولأن الغالب منهم أسلم؛ لأنه كانت تأتي القبيلة بعد القبيلة تسلم (١). فإن قيل: عقد الإمام بغير جزية لأهل الحرب جائز مطلقًا ويكون ذلك محمولًا على ما دون الحول (٢). قيل: فكان يجب أن يطالبهم بها بعد الحول ولو طلب لنقل ولما أقرهم أحوالًا ولم يأخذ منهم جزية امتنع أن يكون ذلك على وجه الصلح وأخذ العوض (٣). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢]. والمراد به: أهل مكة هكذا ذكره النقاش (٤) في تفسيره، وسيأتي الكلام يدل عليه لأنه؛ قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، قال المفسرون المراد به سنة الله التي قد خلت من قبل هي بدر فإنه نصر رسوله على كفار أهل مكة فخلدوا وقتل صناديدهم ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤]. والمراد به: أهل مكة ثم قال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، وأراد به أهل مكة،

стр. 408

وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، والمراد به: أهل مكة كان صلح الحديبية لئلا يقتل بمكة من فيها من المؤمنين والرجال والنساء، وقد كان فيهم قوم مؤمنون لا يعرفون، وإذا كان المراد به: أهل مكة دل على أنهم لم يقاتلوه ولو قاتلوه لنصر عليهم ولولوا الأدبار (١). والجواب: أن قوله ولو قاتلوكم، معناه: لو استداموا قتالكم لولوا الأدبار لكن طلبوا الصلح بعد دخول مكة وأمنهم النبي ﷺ وكف القتال عنهم بدليل: ما ذكرنا في حديث أبي هريرة وهو قوله: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن. والذي يدل على صحة هذا: أن القوم قاتلوا وولوا الأدبار وفارق قادتهم الأوطان وأسلموا الأهل والأوطان والأموال ولم يجدوا من ينصرهم على رسول الله ﷺ حتى صفح عنهم ومن عليهم بعد القهر والذل. وجواب آخر: وهو أن ابن السائب قال: هذا راجع إلى أسد وغطفان حلفاء أهل خيبر؛ لأن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا﴾ [الفتح: ١١] إنما أراد بهم أعراب المدينة؛ لأنهم تخلفوا عن النبي ﷺ في الحديبية ولم يقاتلوا مع أهل خيبر (٢) فرجع الكلام إليهم وإذا كان كذلك فلا حجة فيها (٣). واحتج: بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، قال مجاهد: معناه: لا يزال أهل مكة تأتيهم السرايا للقتال حتى تحل قريبًا من دارهم (٤). يعني: بمر الظهران فينقطع القتال ومن يزعم أنها دخلها عنوة يقول: لم ينقطع القتال حتى نزل النبي ﷺ قريبًا من دارهم (٥).

стр. 409

والجواب: أن هذا لا يدل على الصلح؛ لأنه يحتمل أن يريد به: لا يزال تأتيهم السرايا للقتال حتى تحل قريبًا من دارهم فيباشر قتالهم، ويغلبهم، ويظهر عليهم، فينقطع القتال حينئذ. وجواب آخر، وهو: أن قوله: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا﴾ معناه: وتحل قريبا، ولو كان بمعنى حتى لوجب أن تكون اللام منصوبا، فيقول: أو تحل قريبا من دارهم، ويكون معناه: حتى تحل قريبا من دارهم أو إلى أن تحل قريبا من دارهم. وجواب آخر: وهو أن الغاية مصرح بها في هذه الآية وهو قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]، قال أهل التفسير: هو فتح مكة فإن الله تعالى كان وعد بفتحها فإذا كان كذلك كان أو عطفًا على قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] (١) (٢). واحتج بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] يعني: خيبر، ثم قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] يعني مكة. والجواب: أنه معنى لم تقدروا على دخولها عام الحديبية؛ لأنهم أحصروا ومنعوا من الدخول فصالحهم النبي ﷺ وانصرف إلى المدينة، وقد روي أن هذه الآية نزلت عام الحديبية، وقد قيل في التفسير: أن المراد به الروم والفرس (٣). واحتج: بما روى سعد أن النبي ﷺ أمن الناس كلهم إلا ستة نفر فإنه أمر بقتلهم (٤). والجواب: أن هذا حجة لنا؛ لأن هذا الأمان كان بمكة، فدل على أنه دخلها بغير أمان وأنهم لم يقبلوا الأمان الأول، ولولا ذلك لم يكن لتجديد أمان آخر معنى.

стр. 410

ويبين صحة هذا: ما روى في حديث عمرو بن شعيب أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر (١) ولا يصح أن يأمر بكف السلاح إلا وهو مبسوط فدل على أن دخولها بغير أمان (٢). واحتج: بما روى عبد الله بن العباس قال: لما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس: لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه أنه لهلاك قريش، فجلس على بغلة رسول الله ﷺ لعله يجد ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ فيخرجوا إليه فيستأمنوه فإني لأسير سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام فقد خرجوا يتجسسون الخبر عن رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: نعم، ملك بأبي أنت وأمي، قلت: هذا رسول الله ﷺ ما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني؟ فقلت: تركب عجز هذه البغلة ويستأمن لك رسول الله ﷺ ، فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فأردفه وخرج تركض به بغلة رسول الله ﷺ وكلما مر بنار من نيران المسلمين ونظروا إلى البغلة قالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله حتى مر بنار عمر بن الخطاب، فقال: الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ثم اشتد نحو النبي ﷺ وركض العباس البغلة وسبق عمر كما سبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله إني قد أجرته، فقال رسول الله ﷺ للعباس: "اذهب فقد أمناه حتى تغدو به بالغداة" فرجع به إلى منزله فلما أصبح غدا به إلى رسول الله ﷺ إلى أن أسلم وعقد الأمان لأهل مكة على: "أن من ألقى سلاحه فهو آمن ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن "فقال العباس: إن أبا سفيان يحب الصيت وروي ويحب الفخر فاجعل له شيئًا فقال: "ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، وخرج ثم أمره النبي ﷺ أن يجلسه بمضيق الوادي حتى يبصر جنود الله،

стр. 411

فرده العباس فقال أبو سفيان: أغدر يا بني عبد مناف، فقال العباس: لا ولكن تجلس في موضع كذا حتى يبصر جنود الله، فلما مرت به القبائل وكتيبة المهاجرين والأنصار أمره أن يلحق بقومه ويحذرهم، فخرج سريعًا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، قالوا: فمه. قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" قالوا: ويحك وما تغني دارك قال: "ومن دخل المسجد كان آمن ومن أغلق بابه فهو آمن" فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد (١). فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ عقد لهم الأمان بالشرط الذي ذكره فقبلوه وفعلوه فدخلها ودماؤهم وأموالهم محقونة (٢). والجواب: أن هذا يعارضه ما رواه أبو هريرة أن أبا سفيان قال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش فلا قريش بعد اليوم، فقال حينئذٍ: "من ألقى سلاحه فهو آمن" (٣) ولا يجوز أن يقول بمر الظهران أبيدت خضراء قريش والنبي ﷺ لم يقاتلهم بعد، ولا حصل منه نكاية فيهم، فهذا يدل على أنه قاله يوم الفتح بعد ما قتل النبي ﷺ منهم خلقًا كثيرًا وقهرهم وغلبهم. وجواب آخر: وهو أنا لو سلمنا أن النبي ﷺ وقال لأبي سفيان بمر الظهران: "من ألقى سلاحه فهو آمن" لم يدل ذلك على الصلح؛ لأن هذا ليس بصلحٍ وإنما هو أمان معلق بشرط ولم يثبت وجود الشرط، وقولهم: إنهم ألقوا السلاح وتفرقوا فلم يثبت أنهم فعلوا ذلك قبل دخول النبي ﷺ مكة ويجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بعد ما دخلها قهرًا. يبين صحة هذا: ما روينا في حديث ابن شريح وعمرو بن شعيب وأنه أذن في قتالهم بعد دخوله بساعةٍ ثم أمرهم بكف السلاح، فلو كان قد ألقوا السلاح كيف كان يأمر أصحابه بقتالهم.

стр. 412

والذي يدل على أنهم لم يقبلوا الأمان: ما روى الزهري في حديثه أن أبا سفيان لما دخل إلى مكة فأخبرهم بما كان من النبي ﷺ أتت إليه هند بنت عتبة (١) فأخذت شاربيه وقالت: اقتلوا الخنث (٢) الدسم وقد ذكره الفزاري في سيره (٣)، ولأنهم قاتلوا خالد بن الوليد وكان فيمن قاتل قادة قريش وسادتها، ولأنهم التجئوا إلى الكعبة وهم يرون أن السيف لا يرفع عنهم ولو كان هناك أمان قبلوه لم يغدر به النبي ﷺ وإن قالوا: إن بعض أهلها قبلوا الأمان فدار الحرب إذا استأمن بعض أهلها وأسلموا لم يمنع ذلك دخول المسلمين عنوة وقهرًا، وإنما يمنع ذلك استئمان جميعهم وقد نقلنا خلاف ذلك. وجواب آخر: وهو أن أبا سفيان لم يكن رسولًا لأهل مكة حتى إذا عقد الصلح تم بعقده لهم، وإنما خرج متجسسًا وهو لا يعلم أن النبي ﷺ قد قصدهم ولم يلتمس الأمان وإنما طلب له العباس الفخر فقال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٤) (٥). واحتج: بما روى صفوان بن أمية (٦) قال: عهد رسول الله ﷺ إلى أمراء الأجناد حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا قومًا سماهم (٧).

стр. 413

والجواب: أنه قبل دخوله كان الأمان الأول بحاله فأمرهم أن لا يبتدئوا بقتال، فلما اجتمعت الأوباش وقتلوا من قتلوا من المسلمين [بطل] (١) أمانهم فدخلت الأجناد بغير أمان قاهرين ثم استأنف ﵇ أن المن عليهم بمكة على ما بينا (٢). واحتج: بما روي أن النبي ﷺ أعطى الراية سعد بن عبادة فأخذها سعد وقال: اليوم يوم الملحمة … اليوم نسبي (٣) الحرمة فقال النبي ﷺ لسعد: "مه اليوم نسبي الحرمة" وأمر علي بن أبي طالب بأن يأخذ الراية منه (٤). وهذا يدل: على أن عقد الأمان من رسول الله ﷺ قد صح وتم قبل دخولهم مكة (٥). والجواب: أنه لا يدل على الصلح؛ لأنه لا يجوز أن يكون دخلها عنوة ثم رحمهم ورق لهم ومن عليهم، وقال حينئذ اليوم يوم الحرمة. وجواب آخر: وهو أن هذا كان قبل الدخول، وقد بينا أنه كان قبل أن يدخل كان يجوز أن يقبلوا أفلا يكون يوم ملحمة؟ فأما حال الدخول فزال الأمان بقتالهم وقتلهم المسلمين. يبين صحة هذا: ما روى ثابت عن أنس أن النبي ﷺ مشى ابن رواحة بين يديه

стр. 414

وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله ضربًا يزيل الهام (١) عن مقيله (٢) … ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر، فقال رسول الله ﷺ : "خل عنه يا عمر فوالذي نفسي بيده لهن أسرع فيهن من وقع النبل" (٣). وهذا يدل: على أن حال دخولهم كانت حال قتال مخالفة لما قبل دخولهم (٤). واحتج: بما روي أن حسان بن ثابت قال في قصيدته قبل خروج النبي ﷺ لفتح مكة: هجوت محمدًا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء

стр. 415

عدمنا خيلنا إن لم تروها … تثير النقع (١) موعدها كداء (٢) تنازعنا الأعنة مسرعات … يلطمهن بالخمر النساء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الصلح وانكشف الغطاء فلما رأى النبي ﷺ مسح النساء وجوه الخيل بخمرهن، قال النبي ﷺ أولًا لأبي بكر: "لله در حسان" حيث يقول: قال العباس: فقلت له: تريد الأبيات فأنشدته فقال النبي ﷺ : "كأنما ينطق عن روح القدس" (٣). وهذا يدل: على أنه دخلها بغير قتال؛ لأن استقبال النساء ومسحهن وجوه الخيل بخمرهن يدل على عدم القتال، وعلى إظهار الفرح والسرور وقوله "لله در حسان كأنما ينطق عن روح القدس". يدل على: أنهم أعرضوا عن قتالهم وكان الصلح كما ذكر حسان في قصيدته (٤). والجواب: أن المذكور في كتاب ابن إسحاق (٥) وفي ديوان حسان وكان الفتح فجعلوا بدل الفتح الصلح ليصير حجة لهم، وإذا كان كذلك لم يكن فيه حجة؛ لأن إطلاق الفتح ما أخذ عنوة. ويبين صحة هذا: قوله: فيهن انكشف الغطاء، وإنما ينكشف بالفتح، وأما قولهم: إن مسح النساء بخمرهن، يدل على الصلح غلط؛ لأن النساء تضرب وجوه الخيل بالخمر تحريضًا لهم على القتال، فقلن لما عجزوا عن ضرب السيوف لم يبق إلا الضرب

стр. 416

بالخمر فكيف يحمل هذا على المسرة وهو ضدها، ويحتمل أن يكون هذا الفعل وجد من النساء بعد القهر لهم والظفر بهم على طريق الخضوع والتقرب (١). واحتج: بأنه لما دخلها وضاق به وبأصحابه الموضع، قال له: ألا تنزل دارك؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من ربع" (٢) فلو كان دخلها عنوة لنزل داره (٣). والجواب: أن هذا قائم في الصلح؛ لأن الصلح لا يقع على أن لا يرد عليه ملكه، فلو دخلها صلحًا لوجب أن ينزل داره، فإذا كان كذلك علمنا أنه أراد بذلك إفادة حكم شرعي وهو أن ما غلب عليه المشركون من أموال المسلمين فإنهم يملكونها ويجوز بيعهم (٤). واحتج: بأنهم لو دخلوها عنوة لوجب أن يكونوا قد أخذوا الأموال وسبوا النساء والصبيان إلى أن أمنهم رسول الله ﷺ ، ولكان قد قسم الدور والعقار والأموال بين الغانمين؛ لأنهم استحقوا ذلك، فلما لم ينقل أن أحدًا أخذ مالًا أو سبى ذرية أو أخذوها ثم ردها النبي ﷺ باستطابة أنفس الغانمين، دل على أنهم لم يأخذوا شيئًا وإذا لم يأخذوا دل على أنهم دخلوها صلحًا (٥). والجواب: أنه قد روي أنه في حال دخوله قال قائل: لا تعرف لا قريش بعد اليوم فقال النبي ﷺ : "الأحمر والأسود آمن" فالشاغل بالقتال شغلهم عن السلب ولم تنصرم هذه الحال حتى أمنهم رسول الله ﷺ فلم يبق للنهب وقت، وقد روي أن أخت أبي بكر الصديق ﵁ كانت تقود أباها فسلبت (٦). وهذا يدل: على أنهم دخلوها حربًا، وقد روى الأموي في المغازي أن أخت أبي بكر ﵁ كانت تقود أباها لقيتها خيل وفي عنقها طوق فضة فاقتطعه بعضهم فذهب به، وأما قسمة الأرضين فلأن أرض الحرم لا تملك كما لا يملك موضع الطواف وبين الصفا والمروة (٧).

стр. 417

وقد قيل: الفائدة في الاختلاف في هذه المسألة أنه إذا ثبت أنه دخلها عنوة قد يختلف الرجال في ذلك فيحلف أحدهما بالطلاق والعتاق أنها فتحت عنوة أو صلحا أو يحلف كل واحد منهما أحدهما أنه عنوة والآخر أنه صلحًا فيفتي الفقيه بما صح عنه من ذلك، ومن ذلك أن الله تعالى أعلمنا بذلك نصرة نبيه وإكرامه وإذلال المشركين الذين عادوه وقاسوه فأظفره الله بهم حتى قهرهم وأذلهم وهذه فائدة كبيرة. وقيل: الفائدة ولو كانت صلحًا لكانت باقية على حكم أملاكهم فيجوز ذلك وهذه هي الفائدة المطلوبة بهذه المسألة؛ لأن من أصلنا أن للإمام أن يقف ما فتحه ويمنع الغانمين منه (١). ٤٥ - ٣١ مسألة: يجوز المن على الأسارى والفداء بالمال والأسارى إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك (٢) نص عليه في رواية الجماعة منهم الأثرم، فقال: الإمام مخير في الأسير يقتل أو يفادي أو يمن (٣) وهو قول الشافعي (٤)، وقال أبو حنيفة: لا يجوز (٥) وحكى ابن نصر المالكي (٦) مذهب مالك مثل قولنا (٧)، وحكى ابن القصار (٨) يجوز

стр. 418

الفداء على مالٍ ونفس ولا يجوز المن بلا عوض (١). دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فأجاز الله تعالى المن والفداء على المشركين بعد أسرهم وهذا نص (٢). فإن قيل: هذه منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وهذه الآية في سورة براءة وهي آخر سورة نزلت من القرآن فالمتأخر ينسخ المتقدم (٣). قيل: لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الاستعمال والتأويل ويخرج بجمع بين الآيتين فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إذا رأى الإمام ذلك. وقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] إذا رأى الإمام ذلك فيجمع بينهما، ولأنه روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إِنما كان في غزاة بدر كان في المسلمين قلة، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم أباح الله تعالى المن والفداء (٤)، وقولهم: إنها نزلت في سورة براءة وهي متأخرة لا يصح؛ لأن سورة براءة نزلت سنة تسع في السنة التي بعث النبي ﷺ أبا بكرا على الحج ثم بعث عليًا خلفه ومعه سورة براءة ليقرأها على الناس بالموقف والنبي ﷺ كان ينزل عليه الوحي والقرآن كذلك، فيحتمل أن تكون الآية التي احتججنا بها نزلت بعدها (٥). فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، فلا تخلوا ما أن يكون المراد به جنس الحرب، وذلك لا يكون إلى قيام الساعة فلم يبق إلا أن يكون المراد به: التعريف وتلك الحرب المعرفة قد وضعت أوزارها فسقط الحكم بوجود الغاية (٦). قيل: الغاية ههنا هي الإسلام، ولم توجد في حق الأسارى روي ذلك عن ابن عباس

стр. 419

أنه قال: حتى تضع الحرب أوزارها حتى يسلم كل من على وجه الأرض فلا يبقى عليها إلا موحد (١)، وروي حتى ينزل عيسى ﵇ فيملأها عدلًا كما ملئت جورًا (٢) وإذا كان كذلك فالغاية لم توجد. وأيضًا ما روى أبو إسحاق الفزاري في السير بإسناده عن محمد بن إسحاق (٣) عمن حدثه قال: كان أبو عزة عبد الجمحي أسر يوم بدر فقال للنبي ﷺ : يا محمد إنه ذو بنات وحاجة وليس بمكة أحد يفديني وقد عرفت حاجتي، فحقن رسول الله ﷺ دمه وأطلقه وخلى سبيله وعاهده لا يعين عليه بيد ولا لسانٍ، فامتدح النبي ﷺ حين عفا عنه، فلما اجتمعت قريش لحرب النبي ﷺ بأحد كلمه صفوان بن أمية الجمحي وكان أحد رهطه وابن عمه، فقال: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك فقال: يا صفوان إن محمدًا حقن دمي وردني إلى أهلي وقد أعطيته موثقًا لا أعين عليه بيد ولا لسان، فلم يزل به حتى أطاعه فخرج مع قريش وأُسِرَ أبو عزة يوم أحد، فلما أتي به النبي ﷺ قال: انعم علي وخل سبيلي، فقال رسول الله ﷺ : "لا يتحدث أهل مكة أنك لعبت بمحمد مرتين" فأمر بقتله (٤). وروى أبو إسحاق بإسناده عن عطاء (٥) قال: أتي رسول الله بأسير يقال له أبو ثمامة وكان سيد أهل اليمامة فقال له رسول الله ﷺ : "أقتلك أو أعتقك أو أفاديك أو تسلم؟ " فقال: إن تقتل تقتل عظيمًا، وإن تعتق تعتق عظيمًا، وإن تفادي تفادي عظيمًا، وإما أن أسلم قسرًا فوالله لا أفعل، قال: "فإني قد أعتقتك" قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله (٦).

стр. 420

وهذا يدل: على جواز المن. وروى أبو إسحاق بإسناده عن عمران بن حصين (١) أن رسول الله ﷺ فادي رجلين من المسلمين برجل من المشركين كانت ثقيف أسرتهما وهذا يدل على جواز الفداء بالأسارى (٢). وروى الواقدي في الفتوح قال: كان علي ﵁ يحدث يقول: أتى جبريل ﷺ إلى النبي ﷺ يوم بدر فخيره في الأسارى أن يضرب أعناقهم أو يأخذ منهم الفداء فدعا رسول الله ﷺ أصحابه وقال: "هذا جبريل يخيركم في الأسارى"، قالوا: نأخذ الفدية فقبل منهم الفدية وقتل منهم قابل عدتهم بأحد (٣). وروى الواقدي بإسناده عن (يزيد) (٤) بن النعمان بن بشير (٥) عن أبيه (٦) قال: جعل رسول الله ﷺ يوم بدر الفداء أربعة آلاف لكل رجل (٧). وهذا يدل: على جواز الفداء بالمال (٨). فإن قيل: يجوز أن تكون المفاداة في الوقت الذي كان يجوز رد المسلمين، وقد صالح النبي ﷺ سهيل بن [عمرو] (٩) على أن من جاءه من قريش مسلمًا رده عليهم فرد

стр. 421

النبي ﷺ أبا جندل بن سهيل بن عمرو (١) ورد أبا بصير (٢) وقد جاء كل واحد منهما مسلمًا (٣) ثم نسخ ذلك (٤). قيل: ادعاء النسخ يحتاج إلى دليل، وأيضًا ما كان فيه مصلحة للمسلمين، جاز للإمام فعله في الأسارى. دليله: القتل والاسترقاق، وبيان هذا أنه قد يكون الرجل نضوًا (٥) ضعيفًا لا قتال فيه ويمكن أن يفادى بمالٍ كثير ورجال من المسلمين فيعلم أن المصلحة في ذلك الفداء دون قتله واسترقاقه وقد يكون ممن يرجى إسلامه إذا من عليه، وربما أسلم معه غيره فتكون المصلحة في المن عليه، فجاز ذلك (٦). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] والأمر بقتلهم يمنع المن والفداء؛ لأن في ذلك ترك للقتل (٧).

стр. 422

والجواب: أنه محمول عليه إذا كان الصلاح في قتلهم (١). واحتج: بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] نزلت هذه الآية في الفداء الذي أخذوه يوم بدر وإذا ثبت تحريم الفداء ثبت تحريم المن؛ لأن أحدًا ما فرق (٢). والجواب: أنه يحتمل أن يكون العتب على ترك الحظ أنه لا يجوز أخذ الفداء إلا على وجه الحظ إلا أنه محرم في الجملة. يدل عليه: أنه لم يأمرهم برده عليهم ولو كان على ما قالوه لم يملكوه ولوجب رده. ويبين صحة هذا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]، وهذا يدل: على إباحة الفداء (٣). والذي يدل على صحة هذا، وأن العتب إنما كان لعدم الحظ؛ ما روى ابن المنذر بإسناده عن علي بن أبي طلحة (٤) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فجعل الله الخيار إليه وإلى المسلمين في ذلك. واحتج: بأنه يجوز نبقيهم في دارنا على التأبيد فلم يجز ردهم إلى دار الحرب كالمسلمين وأهل الذمة (٥). والجواب: أن المسلمين وأهل الذمة استحقوا السكنى في دار الإسلام، فالمسلمون استحقوه بالإسلام وأهل الذمة بما بذلوه من الجزية؛ عوضًا عن حقن دمائهم وسكناهم، في

стр. 423

دار الإسلام فلا يجوز للإمام ردهم إلى دار الحرب، وليس كذلك في مسألتنا فإن الأسير لم يحصل من جهته عوض المقام والسكنى في دار الإسلام فلم يستحق المقام فيها. وجواب آخر: وهو أن الإمام بالخيار في الأسير بين القتل والاسترقاق ولا يجوز له مثل ذلك في المسلم والذمي فدل على الفرق بينهما (١). واحتج: بأن من وجب قتله لكفره فلم يجز أن يفادى به كالمرتد (٢). والجواب: أنا لا نقول وجب قتله بل الإمام مخير في ذلك بين القتل والمن والفداء وعلى أن المرتد أغلظ حكمًا من الحربي؛ لأنه انتقال من دين حق إلى دين باطل ولهذا تزول أملاكه، ولأن الإمام بالخيار في الأسير بين الاسترقاق، والقتل ولا يجوز مثل ذلك في المرتد (٣). واحتج: بأنه معونة لهم بما يختص القتال فصار كرد السلاح. يبين صحة هذا: أن السلاح لا يقاتل بنفسه، والرجل يقاتل بنفسه فإذا لم يجز رد السلاح فلأن لا يجوز رد الرجال أولى (٤). والجواب: أنه لم يجز رد السلاح لوجهين: أحديهما: أنه ملك للغانمين ومال لهم فلا يجوز دفع مالهم إلى المشركين فأما الرجال فلأنهم لا يملكونهم قبل استرقاق الإمام لهم فجاز ردهم على المشركين، ولأن رد السلاح مضرة بلا منفعة؛ لأنه لا يصلح إلا للقتال ولهذا لم يجز بيع السلاح منهم وليس كذلك في الرجال فإنه قد تكون المنفعة في المن عليهم والفداء؛ لأن فيهم من لا يصلح للقتال والاسترقاق فلا يكون في قتله واسترقاقه فائدة ويكون المن عليه داعيًا إلى إسلامه وإسلام اتباعه والمتصلين به، وقد يكون داعيًا إلى ترك أذية المسلمين، والكف عن قتالهم، وهذا أمر مشهور في العادة، وحكي عن القاضي أبي الفرج أن

стр. 424

الحجاج بن يوسف من على أسير وأطلقه ثم دعي بعد ذلك إلى قتاله فامتنع عنه وقال: هيهات غل يد مطلقها … واسترق رقبة معتقها ثم قال: أأقاتل الحجاج عن سلطانه … بيد تقر بأنها مولاته إني إذا لأخو الدناءة والذي … ظهرت على إحسانه جهلاته ماذا أقول إذا وقفت إزاءه … في الصف واحتجت له فعلاته أأقول جار علي؟ لا أنى إذا … لأحق من جارت عليه ولاته وتحدث الأقوام أن صنائعًا … غرست لدى فحنظلت نخلاته (١) وهذا دليل: على أن ما في المن من التآلف والاستمالة المؤدية إلى المصلحة (٢). واحتج: بأن الرقاب مال مغنوم فلا يجوز أن يمن على أهل الحرب. أصله: سائر الأموال (٣). والجواب: عنه: ما تقدم، وهو: أن سائر الأموال ملك للغانمين فلا فائدة في ردها عليهم وليس كذلك الرقاب؛ لأنها ليست مال لهم قبل الاسترقاق. يبين صحة هذا: أن سائر الأموال لا يجوز إتلافها. والجواب: يجوز إتلافها بالقتل (٤). فإن قيل: فالنساء والصبيان مال للغانمين ويجوز أن يمن عليهم ويردهم إلى دار الحرب (٥).

стр. 425

قيل: لا يجوز ذلك وقد نقل الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث (٢) عنه في الرجل يدخل بأمان يطلب ولدًا له صغيرًا قد لا يدفع إليه ولا يرد إلى الكفر، وقال في رواية يعقوب (٣): رد النبي ﷺ الرجال ومنع النساء فالمرأة لا ترد والرجل بعد (٤). واحتج: بأن مفاداة الوثني إقرار له على كفره بعوض فلا يجوز؛ كالجزية (٥). والجواب: أن قولك بعوض لا تأثير له؛ لأن المن لا يجوز عندك وإن لم يكن بعوض، ولأن المفاداة لا تدل على الإقرار على الكفر كما أن استرقاق المرتدة عندك لم يدل على إقرارها على أن المعنى في الجزية إنما لم يجز أخذها؛ لأن فيها تكميلًا لحاله؛ لأنه يصير من أهل الدار ويساوي المسلمين في بعض الأحكام وهذا معدوم في الفداء (٦). واحتج: بأن رقهم مضرة على المسلمين؛ لأنهم يقاتلونهم، ولأنهم قد وقفوا على عوراتهم فيخيرون بذلك، ولأنهم إذا علموا أنهم يمن عليهم ويفادى بهم طمعوا في قتال المسلمين (٧). والجواب: أن المن إنما يجوز إذا علم في ذلك الحظ والصلاح ولا يكون الحظ والصلاح مع تجويز هذه الأشياء، ولأن هنا يوجب جواز المن على الشيخ الفاني والزمن الذي لا يقاتل ولا رأي له، ولأنه يبطل بالاسترقاق؛ لأنهم إذا استرقوا ربما هربوا فعادوا إلى المشركين فأوقفوهم على أخبار المسلمين وعوراتهم ومع ذلك فإنه جائز (٨).
следующие страницы →