← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فإن قيل: الفرس لا يستحق شيئًا وإنما يستحق الرجل فإذا كان حيا وقت الحيازة استحق سهم الفارس بالسبب المقدم وهو دخوله دار الحرب فارسًا، وإذا كان ميتًا في تلك الحال لم يستحق شيئًا؛ لأن الحق ثبت وقت الحيازة بالسبب المتقدم وهذا كما نقول: إذا مات رجل وترك امرأة حبلى أن الولد إن خرج حيا استحق الميراث بالسبب المتقدم وهو الموت؛ لأن الميراث لا يستحق بالولادة وإنما يستحق بالموت وكما نقول في الشفيع أنه إن بقي ملكه في الدار التي بها استحق الشفعة (١) إلى وقت الأخذ استحق الأخذ لأجل العقد المتقدم وإن زال ملكه عن الدار سقط حقه في الأخذ (٢). قيل: لا يكفي في استحقاق السهم بالسبب المتقدم بل من شرطه حضور الفرس مع حضور الفارس، يبين صحة هذا: إذا كان القتال في دار الإسلام ولو أنه لو كان الاعتبار بحال الدخول لوجب إذا دخل فارسًا ثم باع فرسه إن يستحق سهم الفارس فلما ثبت أنه يستحق سهم الراجل علم أن الاعتبار بما يقول، ولأنه لو كان الاعتبار بحال الدخول لوجب إذا دخلها كافر ثم أسلم أو عبد ثم عتق أو صبي ثم بلغ وحضروا القتال أن لا يسهم لهم اعتبارًا بحال الدخول، ولما قالوا: يسهم له بطل اعتبار الدخول وثبت أن الاعتبار بحال تقضي الحرب (٣). فإن قيل: في بيعه روايتان (٤). قيل: الصحيح أنه لا يستحق (٥). فإن قيل: الحق قد يثبت له بدخوله فارسا إلا أنه أبطله بالبيع كما لو دخل دار الحرب للقتال ثم خرج قبل إحراز الغنائم (٦).

стр. 457

قيل: لو كان الحق قد ثبت بدخوله لم يبطل بالبيع كما لو انهزم المشركون وأحرز إلى دار الإسلام فإن الحق لما ثبت لم يسقط بالبيع (١). واحتج المخالف: بأن أول الغلبة يحصل بدخول المسلمين دار الحرب. بدلالة: ما روي عن علي أنه قال: ما غزى قوم في عقر ديارهم إلا ذلوا (٢) فإذا كان كذلك. قلنا: إذا دخلها فارسًا فقد حصلت الغلبة وهو فارس فصار لو قاتل فارسا (٣). فالجواب: أن الغلبة لا تحصل بدخول دار الحرب؛ لأنهم لا يعلمون هل يغلبون أو يغلبون؟ يدل عليه: أن العدد اليسير الذي لا منعة له ولا قوة قد يدخل دار الحرب ولا يقال: أنه غلبه لأهل دار الحرب ولهذا لا يجعل أبو حنيفة الذي أخذوه غنيمة (٤)، والذي روي عن علي لا حجة فيه؛ لأن المراد به: أنه يؤدي إلى ذلهم؛ لأن ذلك لا يفعله إلا العدد الكثير الذي لهم القوة والمنعة فيؤدي إلى ذلهم وقهرهم إذا تلاقوا ثم المعنى في الأصل أنه بقي فارسًا إلى انقضاء الحرب، وليس كذلك في مسألتنا فإنه صار راجلًا قبل انقضاء الحرب أشبه لو كان في دار الإسلام (٥). واحتج: بأن كل من دخل دار الحرب فارسًا ناويًا للقتال استحق سهم الفارس إذا كانت مؤنة الفرس عليه (٦). دليله: إذا بقي فرسه حتى أحرزت الغنيمة ولا يلزم عليه إذا كان الفرس عارية؛ لأن مؤنة الفرس لا تلزمه.

стр. 458

والجواب: أنه لو كان الاعتبار بدخول دار الحرب لوجب إذا دخلها كافرًا ثم أسلم قبل القتال أو عبد فعتق أو صبي فبلغ ثم حضر القتال أن لا يستحق السهم اعتبار بحال الدخول والمعنى في الأصل ما تقدم (١). واحتج: بأن الفرس إنما يسهم له؛ لأجل ما يلحق لأجله من المؤنة وبدخوله دار الحرب قد لزمته المؤنة في طريقه فاستحق السهم (٢). والجواب: أنه لا اعتبار بذلك في استحقاق السهم. بدليل: أن من سار من أقاصي خراسان يقصد الجهاد فلما صار بينه وبين دار الحرب ميلًا أو ميلين نفق فرسه لم يستحق السهم والمؤنة موجودة كذلك ههنا (٣). فصل فإن دخل دار الحرب راجلًا ثم صار فارسا استحق سهم الفارس (٤) نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم (٥) في الرجل تدرب وهو راجل ثم اشترى دابة فأرى أن كل من شهد الوقعة على أي حالة كان يعطى إن كان فارسًا ففارس وإن كان راجلًا فراجل وهو قول مالك (٦)، والشافعي (٧)، وقال أبو حنيفة: يستحق سهم راجل (٨). دليلنا: أنه فارس في حال تقضي الحرب ولا يلزم إذا كان على فرس مغصوب؛ لقولنا يجوز القتال عليه، ولأنه حيوان يسهم له من الغنيمة فإذا كان موجودًا حال تقضي القتال أسهم له كالفارس، ولأنا قد بينا المسألة التي قبلها أنه لا اعتبار بالدخول وإنما

стр. 459

الاعتبار بتقضي الحرب بدلالة أنه لو دخل فباع الفرس قبل تقضي الحرب أسهم له سهم راجل، ولو دخل صبي أو كافر أو عبد ثم بلغ وأسلم وعتق وحضر أسهم له اعتبارًا بحال تقضى الحرب كذلك ههنا وهو في حال تقضي الحرب فارس وكان الاعتبار به، ولأن أموال المشركين إنما تحصل مغنومة وتستقر أيدي المسلمين بعد تقضي الحرب فأما قبل تلك الحالة فإنها معرضة للرجوع إليهم لا يقاتلون عليها ويدفعون فإذا كان ذلك هو وقت الاستحقاق وجب اعتبار وجود الفرس وعدمه في تلك الحالة دون غيرها (١). واحتج المخالف: بأنه دخل دار الحرب راجلًا فلم يستحق سهم الفارس كما لو لم يملك فرسا (٢). والجواب: أن الحرب تقضت وهو راجل وفي مسألتنا تقضت وهو فارس على فرس مباح له القتل عليه (٣). ٥٢ - ٣٨ مسألة: لا يسهم للصبيان (٤) نص عليه في رواية أبي طالب (٥) (٦)، وأبي الحارث (٧) فقال: ليس للعبيد والنساء والصبيان سهم في الغنيمة إذا شهدوا الوقعة ويرضخ لهم وهو قول أبي حنيفة (٨)، والشافعي (٩)، قال مالك: إذا أطاق القتال وقاتل أسهم له (١٠). دليلنا: أنه ليس من أهل القتال.

стр. 460

بدلالة: ما روي عن عبد الله بن عمر قال: عرضت على النبي ﷺ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة (١) فرده في الدفعة الأولى؛ لأنه لم يكن من أهل القتال وإذا ثبت أنه ليس من أهله لم يستحق السهم كالمرأة والعبد (٢). واحتج المخالف: بقوله الغنيمة لمن شهد الوقعة (٣). والجواب: أن له بشهودها حق وهو الرضخ ثم هو محمول على البالغ (٤). واحتج: بأنه مطيق للقتال وهو حر ذكر مسلم أشبه البالغ (٥). والجواب: أنه لا اعتبار بالطاقة؛ بدليل: العبد والمرأة والكافر، ولأن الطاقة منه نادرة فهو كالطاقة الموجودة من المرأة والمعنى في الأصل أنه من أهل القتال (٦). ٥٣ - ٣٩ مسألة: لا يستعان بالمشركين على قتال العدو ولا يعاونوا على قتال عدوهم (٧). قال في رواية أبي طالب (٨) وصالح (٩)، وابن منصور (١٠)، وإبراهيم (١١) لا يستعان

стр. 461

بمشرك فإن اضطروا واستعانوا بهم أسهم لهم وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢): يجوز الاستعانة بهم غير أن الشافعي قال: يجوز بشرطين: أحدهما: إذا كان بالمسلمين قلة وبالمشركين. والثاني: إذا كان يعلم من المشرك حيث حسن رأي في الإسلام وميلًا إليه. دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] والعضد هو: القوة وقد منع تعالى من ذلك، وروى أحمد نا عبد الرحمن (٣) نا مالك عن فضيل بن أبي عبد الله (٤) عن عبد الله بن (نيار) (٥) عن عروة (٦) عن عائشة أن رسول الله ﷺ خرج (إلى بدر) (٧) فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الجمرة؛ فقال: إني أريد أن أتبعك وأصيب معك، فقال: "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا، قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك" قال: ثم لحقه عند الشجرة ففرح بذلك أصحاب رسول الله ﷺ وكان له قوة وجلد فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك فقال: "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا، قال: "ارجع، فلن أستعين بمشرك"، ثم لحقه حين ظهر على البيداء فقال له: مثل ذلك قال: "أتؤمن بالله ورسوله؟ "

стр. 462

قال: نعم فخرج معه (١). فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يستعن بالكافر (٢). فإن قيل: يحتمل أن يكون اتهمه على المسلمين أو كان بالمسلمين كثرة (٣). قيل: لو كان كما ذكرت لكان يكفي فيه رده، فلما قال: "لا نستعين بمشرك" دل على أن العلة في امتناعه وجود الكفر (٤) قيل: لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان التأويل، ونحن نتأول أخبارهم على ما نذكره ولأنه لا يؤمن مكره بالمسلمين ولا يسره قتل أهل دينه؛ قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وإذا كان كذلك لم يستعن به كالمخذل ولأنه لو جاز أن يستعان به لم يفترق الحال بين أن يكون بالمسلمين كثرة أو قلة ولما لم يجز أن يستعان به إذا كان بالمسلمين كثرة لم يجز إذا كان قلة كالمخذل ولأنه لو جاز أن يستعان به علم المشركين جاز أن يستعان به على البغاة كالمسلمين، ولما قال الشافعي: لا يستعان به على قتال البغاة كذلك على قتال الكفار كالمخذل (٥). واحتج المخالف: بما روي أن عبد الله بن أبي السلول (٦) حضر مع النبي ﷺ الجهاد وهو منافق ورأس المنافقين، وروي أنه حمل صفوان بن أمية عام هوازن بعد فتح مكة لثمان من الهجرة وهو مشرك (٧) وحمل يهود بني

стр. 463

قينقاع (١) بعد بدر (٢). والجواب: أنه يحتمل أن يكون فعل هذا؛ لأنه أقرهم على نفقاتهم، والله تعالى ينزل عليه الوحي بما يكون منهم واليوم لا يجوز أن يترك منافق بيننا فعلم باطنه، ويجوز أن يكون النبي ﷺ لم يخرجهم معه للقتال لم يكن جعلهم حيث شاهدوا صبر المسلمين فلعلهم يتركوا النفاق والكفر ويحتمل أن يكون أخذهم معه؛ لأنه لم يأمن كونهم بعده بغير حضرته (٣). واحتج: بأن النبي ﷺ أسهم اليهود غزوا معه (٤). وهذا يدل: على جواز الاستعانة بهم. والجواب: عنه: نحو ما تقدم، وجواب آخر جيد عن هذا الخبر وعن الذي قبله وهو أن النبي ﷺ كان ينزل عليه الوحي فلا يتم عليه مكيدة ولا ينفع معه حيلة، فلهذا أطلعه على كتاب حاطب (٥)؛ فلهذا جاز تركه معه وغيره بخلافه (٦). واحتج: بأن النبي ﷺ قال لبعض اليهود: "أما تقاتلوا معنا أو تعرون أسلحتكم" (٧).

стр. 464

والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال لهم ذلك؛ لأنه علم أنهم لا يقاتلون معه وإنما أراد السلاح وعلى أنهم يؤثرون دفعه إليه لترك القتال على أنا قد بينا أنه كان ذلك جائزًا في حقه؛ لأنه لا يتم عليه مكيدة (١). واحتج: بأن في حملهم منفعة إذا أمن غدرهم؛ لأنه تقدمهم في الصف فيقتلون دون المسلمين ولأن فيه فائدة؛ لأنه وإن قتل ذهب مشرك (٢). فإن قيل: قتل مشركًا فكان فيه فائدة (٣). والجواب: أنه بإزاء هذا أنه لا يؤمن أن يكونوا أول من ينهزم فيعود بهزيمة المسلمين ولا يؤمن مكرهم؛ لأن حسن رأيهم في المسلمين غير موثوق به (٤). فصل فإن استعان الإمام فحضروا القتال أسهم لهم في أصح الروايتين (٥) نقلها صالح (٦)، وأبو طالب (٧)، وابن منصور (٨) وهو اختيار الخرقي (٩)، وأبي بكر الخلال (١٠) ونقل أبو الحارث في أهل الذمة إذا حضروا: يرضخ لهم (١١)، وهو قول أبي حنيفة (١٢) ومالك (١٣)، والشافعي.

стр. 465

وجه الأولة: قوله: "الغنيمة لمن شهد الوقعة". وروى أبو إسحاق الفزاري (١) في السير عن ابن جريج (٢) قال: سمعت ابن شهاب (٣) سئل عن أهل العهد يغزون مع المسلمين؛ فقال: لهم سهمان مثل سهمان المسلمين قد كان رسول الله ﷺ جعل ذلك ليهود غزوا معه جعل لهم سهمان مثل سهمان المسلمين (٤). وروى ابن المبارك في سننه أنا سفيان عن يزيد بن يزيد بن جابر (٥) عن الزهري أن رسول الله ﷺ قسم لليهود (٦). فإن قيل: هذه الأخبار مراسيل. قيل: المراسيل عندنا حجة (٧).

стр. 466

وروى أبو إسحاق عن الأوزاعي قال: كان الزهري يقول: يسهم لأهل الذمة إذا غزوا مع المسلمين، قال: وكان أشياخنا يقولون: ليسهم لهم سهم واحد ولفرسه سهم (١)، وهذه إشارة إلى جميعهم، ولأنه ذكر حر بالغ عاقل معاون على الجهاد أشبه المسلم ولا يلزم عليه المخذل؛ لأنه غير معاون على الجهاد، ولأن الكفر نقص في الدين فلا يحرم السهم؛ كالفسق، ولأن استحقاق السهم بالحضور أحد جهات التمليك يستوي فيه الغني والفقير فكان للكافر مدخل فيه كالشراء والاحتطاب والاحتشاش والأحياء وغيره، وفيها احتراز من الزكاة والكفارات؛ لأنه لا يستوي فيها الغني والفقير. واحتج المخالف: بما روى ابن عباس أن النبي ﷺ استعان بيهود من بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم (٢). والجواب: أنه يحتمل أن يكونوا أسقطوا حقهم من السهم تقربًا إلى النبي ﷺ ، وإلى المسلمين ورضخ لهم النبي ﷺ ؛ لئلا يخليهم من شيء ولأنا نعارض هذا بأخبارنا وهي أولى؛ لأنها مثبتة وهذا نافي (٣). واحتج: بما روى عن إسماعيل بن مسلم (٤) عن بعض أهل مكة أن عمر كان يقول: ليس لهم من المغنم شيء ولكن يحذيان (٥). والجواب: أنا قد روينا عن الزهري أنه قال: كان أشياخنا يقولون: يسهم له سهم واحد وهذا يعارض ذلك (٦). واحتج: بأنه ليس من أهل الجهاد.

стр. 467

بدليل: أنه لا يجب عليهم الجهاد وإذا حضروا الصف لم يتعين عليهم فهو كالمرأة والعبد والصبي ولأنه منقوض بالكفر، من المرأة والمعنى في الأصل أنه من أهل القتال (١). ولأنه لا يصفو قلبه مع أهل دين الله فلم يسهم لهم، ولأنه لا يملك الحضور بنفسه وإنما يملك بإذن الإمام فهو كالمرأة والعبد (٢). والجواب: أن نقصانه بالكفر وأنه لا يصفو قلبه لا يمنع التملك بالاحتشاش والاحتطاب والأحياء وسائر أسباب التملك، ولأن ذلك لم يمنع من جواز الاستعانة بهم عند مخالفنا، وأما كونهم ليس من أهل الجهاد فلا يمنع ذلك حصول السهم ليكون تحريضًا له على القتال وليتألفه به على الإسلام كما جاز أن يدفع إليهم سهمان الزكاة تألفًا على الإسلام، وأما المرأة والصبي والمجنون فإنه ليس من أهل القتال في العادة وهذا المعنى معدوم في الكافر فإنه من أهل القتال، وأما العبد فإنه لا يملك وما يحصل فلسيده والكافر له ملك تام، وأما كونه لا يملك الحضور بنفسه فلا يمنع السهم كالولد في حق والديه والمدين في حق مدينه (٣). فإن قيل: فعندكم لا يجوز الاستعانة فكان يجب أن لا يسهم لهم كالمخذل في الجهاد لما لم يجز الاستعانة به لم يسهم له (٤). قيل: المخذل غير معاون على الجهاد ولهذا لا يرضخ له وهذا معاون على الجهاد ولهذا يرضخ له عندهم، وعلى أنه لا يمتنع أن لا يجوز الاستعانة بهم؛ كالابن إذا حضر بغير إذن أبيه، والمدين إذا حضر بغير إذن صاحب الدين (٥).

стр. 468

٥٤ - ٤٠ مسألة: تجار العسكر إذا حضروا الوقعة ليسهم لهم وإن لم يقاتلوا وكذلك الأجير (١) نص عليه في رواية الجماعة منهم أبو داود (٢) فقال: يسهم للتاجر والمكاري (٣) وإن كان على نعال الساقة كل من شهد القتال يسهم. وقال أيضًا في رواية أبي طالب (٤): يسهم للتاجر، وفي البيطار (٥)، والحداد، والخياط، والإسكافى، والصناع يعطون سهامهم إذا شهدوا وللناس فيهم منفعة؛ وبهذا قال أبو بكر الخلال (٦) وأبو بكر صاحبه (٧) وقد قال في موضع آخر (٨): إذا استأجر قومًا يغزون معه فلهم ما يستوجروا بلا سهم وقد بينا تأويل هذه الإجارة على الخروج مع الجيش في المسألة التي بعدها، وقال أبو حنيفة (٩)، ومالك (١٠) فيما حكاه ابن القصار (١١): إن قاتلوا استحقوا وإن لم يقاتلوا فلا شيء لهم (١٢). وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولهما (١٣)،

стр. 469

والثاني: لا شيء لهم (١). دليلنا: قوله: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٢)، وهؤلاء قد شهدوا ولأن من استحق السهم الكامل إذا قاتل استحقه إذا حضر ولم يقاتل. أصله: غير التاجر، ولأن الحاضر في الصف بمنزلة المقاتل؛ لأنه قد كثر العدد وصار ظهرًا وقوة للمسلمين وإن احتيج إلى قتاله قاتل، فإذا كان كذلك استحق السهم كسائر الجيش، ولأنه حضر الوقعة وهو من أهل السهم فاسهم له كما لو قال قصده القتال (٣). واحتج المخالف: بأنه لم يكن كأنهم ناس في حيازة الغنائم وإحرازها فوجب أن لا يستحق شيئًا من الغنيمة. دليله: إذا قعدوا في منازلهم ولا يلزم عليه غير التاجر إذا دخل ناويًا للقتال لم يقاتل؛ لأنه إذا دخل ناويًا كان ردءًا للمسلمين وظهرًا لهم (٤). والجواب: أنا لم نسلم أنه لم يكن له تأثير في حيازة الغنيمة؛ لأن حضوره الوقعة وقيامه في الصف له تأثير في حيازة الغنيمة وإحرازها فإنه قد كثر العدد ذهبت الجمع وكان ظهرًا لهم وقوةً ولو احتيج إلى قتاله لقاتل فكان تأثيره فيه كتأثير سائر الغانمين (٥). واحتج: بأنهم لم يدخلوا بنية القتال ولا قاتلوا فصاروا كما اجتازوا بهم (٦). والجواب: أن الظاهر ممن حضر الوقعة أنه ناو للقتال إن احتيج إليه، والنية تعتبر في حضور الوقعة دونما قبله وأما القتال فلا اعتبار به.

стр. 470

بدليل: أن غير التاجر والأجير إذا حضر ولم يقاتل يسهم له اعتبارًا بالحضور لذلك ههنا (١). ٥٥ - ٤١ مسألة: لا تصح النيابة في الجهاد لا بتبرع ولا بجعل ولا بأجرة (٢)، وقد قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (٣): لا يؤاجر نفسه في المغنم وهو قياس المذهب؛ لأنه منع من الاستئجار على الأذان، وتعليم القرآن، والحج لما فيه من القرب (٤) وقد علق القول في رواية أبي داود (٥) يعني في الرجل عنده الفرس فيجيء النفير وهو مشغول في بعض حوائجه؛ قال: يعطيه من ينفر عنه، وظاهر هذا: جواز النيابة وهذا محمول على أنه استحب له أن ينفر بفرسه لسفر غيره عليه كالمعاون في الجهاد؛ لأنه قد قال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٦) في الرجل يكون عنده الفرس هل يجوز له أن يتخلف إذا عرف كثرة من ينفر، أو النفير عطب الخيل؟ فقال: يخرج إلى النفر ولا يتخلف، وقال أيضًا في رواية (أبو) (٧) الحارث (٨) في قوم استأجرهم الأمير في دار الإسلام على أن يغزو بهم: هل يسهم لهم مع سهام المسلمين؟ فقال: لهم الأجرة التي استأجروا بها وليس لهم في الغنيمة شيء لا يسهم لهم، وهذا محمول على أنهم استأجروا لخدمة الجيش كالاحتطاب وسقي الماء ونحو ذلك. وقد بين ذلك: في الخرقي فقال: إذا استأجر الأمير قومًا يغزون معه لمنافعهم وليس المراد به استئجار على القتال (٩)، وقال مالك: تصح النيابة فيه بجعل إذا كان النائب ممن لم يتعين عليه الجهاد سواء كان المناب عنه قد يتعين عليه أو لم يتعين (١٠).

стр. 471

دليلنا: أنه إذا التقى الزحفان تعين عليه الثبات وصار ثابتًا في فرض نفسه فإذا كان فرض نفسه لم يجز أن يفعله عن الغير وعليه فرضه كما قلنا في الحج لا يجوز أن يفعله عن الغير وعليه فرضه، وللقلة في ذلك أنها عبادة يتعلق أداؤها بقطع مسافة بعيدة فلم أن يفعلها عن الغير وعليه فرض نفسه (١). فإن قيل: التعين إنما يحصل في حق النائب في الثاني وهو حضوره في الصف فأما في الابتداء فلم يكن متعينا ومثل هذا لا يمنع النيابة. بدليل: أن الحجة التطوع يجوز أن ينوب فيها عن غيره؛ لأنها غير متعينة عليه في الابتداء وإن كما يعلم أنها تتعين عليه بالإحرام بها ويفارق هذا حج الفرض؛ لأنه متعين حين الشروع فيه فلهذا فرقنا بينهما (٢). قيل: حجة التطوع إنما تتعين عليه بالإحرام والإحرام واقع عن غيره فليس كذلك الجهاد؛ لأنه يتعين عليه بالحضور فإذا حضر لم يكن صرف ذلك الحضور عن غيره بأولى من حمله عن نفسه (٣). فإن قيل: قد تقع الإجارة على من لا يتعين عليه بالحضور ومع هذا لا يصح الاستئجار عندك وهو أن يختار عشرة يغزون ليلتين فإنه لا يتعين عليهم الثبات وإنما يتعين عليهم الثبات في ضعفهم وهم العشرون وكذلك العبد والمرأة (٤). قيل: قد يتعين عليهم وهو أن ينفر من عشرة من الثلثين ويبقى بإزائهم عشرون وعلى أنه إن لم يتعين عليهم في هذه الحالة فهم من أهل فرض الجهاد في الجملة، وأما المرأة والعبد فإنما لم يصح استئجارهم لمعنى وهو أنهما ليسا من أهل فرض الجهاد؛ لأن المقصود من القتل لا يوجد منهم فيقضي إلى أن يستأجر من لا يصح منه إسقاط الفرض فهو كما لو

стр. 472

استأجر من لم يحج عن نفسه لا تصح الإجارة؛ لأنه ليس من أهل فرض الحج (١). واحتج: بما روى أبو بكر بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن رجلًا أتاه فقال: إني أريد أن أغزو معك على أن تلحق سهمي فقال: نعم، ثم بدا للرجل فقال: إني أتخوف أن لا تصيب شيئًا فلست بالذي أخرج معك حتى تفرض لي شيئًا ففرض له ثلاثة دنانير فخرج معه فأصابوا غنائم كثيرة فأراد أن يفرض له ثم سأل النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "لا أجد له في غزاته هذه إلا هذه الثلاثة دنانير" (٢). قالوا: فقد أجاز الاستئجار على الجهاد وحكم له بالأجرة دون السهم (٣). والجواب: أنه يحتمل أن يريد بقوله: أغزوا معك معناه: أخدمك في غزاتك هذه إذ ليس في الخبر أنه استأجره (٤). واحتج: بما روى عن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى" (٥) وهذا النائب قد نوى الجهاد عن غيره فيجب له أن يكون له ذلك (٦). والجواب: أن هذا قصد به بيان اعتبار في الأعمار فإما أن يكون القصد به في مسألتنا فلا، ثم يخصه بما ذكرنا (٧).

стр. 473

واحتج: بما روى ابن بطة بإسناده عن عبد الله بن عمرو (١) أن رسول الله ﷺ قال: "للغازي أجره وللجاعل أجرة وأَجر الغازي" (٢) وبإسناده عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير (٣) عن أبيه (٤) قال رسول الله ﷺ : "مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل يعدون على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها" (٥). قالوا: وهذا يدل على أخذ الجعل (٦). والجواب: أن المراد بالجعل: المعاونة على الجهاد بالنفقة كما قال: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره" (٧). واحتج: بأن الجهاد لم يتعين عليه فعله وفيه مصلحة عامة فجازت النيابة فيه.

стр. 474

دليله: عقد القناطر وبناء المساجد وإقامة الحدود (١). والجواب: أنه يبطل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالإمامة فإن فيه منفعة، ولا تصح النيابة فيه بجعل على أن تلك الأشياء لا تتعين على فاعلها بالشروع فيها وهذا مما يتعين عليه فلم تصح النيابة فيه (٢). واحتج: بأنكم أجزتم للإمام أن يستأجر قومًا يغزون مع المسلمين لمنافعهم وأحرمتموهم السهم وجعلتم له الأجرة ذكره الخرقي في مختصره (٣)، ونص أحمد على إسقاط السهم لهم في رواية صالح (٤)، وابن منصور (٥)، وأبي طالب (٦) فقال في الأجراء: إذا تجري لا يسهم له (٧). والجواب: أن ذلك ليس باستئجار على القتال وإنما هو استئجار لخدمة الجيش كالاحتشاش والاحتطاب وغير ذلك، كذلك قال الخرقي (٨) يغزون مع الإمام لمنافعهم ومعناه هذا (٩). ٥٦ - ٤٢ - مسألة: إذا مات الغازي بعد تقضي الحرب وحصول الغنيمة في أيديهم استحق سهمه وورثوا عنه ورثته (١٠) ذكره الخرقي في مختصره (١١) فقال: ومن مات بعد إحراز الغنيمة قام وارثه مقامه في سهمه، وقد نص عليه في رواية يعقوب بن بختان (١٢) وهو

стр. 475

قول للشافعي (١)، وقال أبو حنيفة: إذا مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام لم يستحق شيئًا منها (٢). دليلنا: أن كل حالة تصح قسمة الغنيمة فيها فإذا مات انتقل حقه فيها إلى ورثته. أصله: إذا مات في دار الإسلام أو كانت الوقعة في دار الإسلام، ولأنه لو مات بعد قسمة الغنيمة ورث فإذا مات قبل القسمة وجب أن يورث. أصله: ما ذكرنا ولأنه شهد الوقعة ومات بعد انقضاء القتال فوجب أن لا يسقط حقه من الغنيمة. دليله: ما ذكرنا (٣). واحتج المخالف: بأن حق الغانمين لا يثبت إلا بإحرازها في دار الإسلام ولا يملكوها إلا بالقسمة، فقد دللنا على ذلك فيما تقدم فإذا لم يثبت حقه فيها حتى مات لم يضرب له بسهم كما لو مات في حال القتال أو قبله (٤). والجواب: أنا لا نسلم أنه لا يملك الغنيمة إلا بإحرازها في دار الإسلام أو بقسمتها في دار الحرب، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم ولا وجه لإعادته (٥). واحتج: بأنه مات في حال يجوز لكل واحد من الغانمين أن ينتفع بالطعام والعلف من الغنيمة فوجب أن لا يسلم كما لو مات في حال القتال (٦).

стр. 476

والجواب: أنه إنما جاز لكل واحد من الغانمين الانتفاع بالطعام والعلف للضرورة لا لعدم الاستحقاق والاشتراك وقد بينا ذلك فيما تقدم (١). واحتج: بأنه مات قبل إحرازها في دار الإسلام وقبل أن يصح قسمتها في دار الحرب فوجب أن لا يسهم له. دليله: قبل تقضي القتال (٢). والجواب: أن المعنى في الأصل أنه حالة لا يصح فيها قسمة الغنيمة فلهذا لم يورث عنه أو نقول؛ لأنه مات قبل تقضي القتال، وههنا مات بعد حضوره الوقعة وتقضي القتال أشبه إذا مات بعد إحرازها إلى دار الإسلام (٣). ٥٧ - ٤٣ مسألة إذا وطئ رجل من الغانمين جارية من المغنم قبل القسمة فلا حد عليه وإن جاءت بولد فهو حر ثابت النسب منه، وعليه قيمته مع المهر يرد في المغنم وتصير أم ولد له (٤) (٥) ذكره الخرقي في مختصره (٦) ونص عليه أحمد في رواية علي بن سعيد (٧) (٨) وغيره فقال: إذا وقع على جارية من المغنم لم يحد وكان عليه مهر مثلها ويدفع عنه منه بقدر حصته وإن حملت كانت أم ولد ويكون عليه قيمتها ويحط عنه من القيمة قدر ما يخصه منها وهو قول الشافعي إلا في فصل وهو أنها هل تصير أم ولد أم لا؟

стр. 477

على قولين (١)، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه ولا يثبت نسب ولدها منه وهو مملوك يرد في الغنيمة وعليه العقر (٢). فالدلالة على ثبوت نسب الولد: أنه وطئ يسقط فيه الحد الشبهة الملك، فوجب أن يثبت نسب الولد وحريته. أصله: إذا وطئ الأب جارية ابنه وأحد الشريكين الجارية المشتركة، ولا يلزم عليه وطئ المجنون لأمة غيره أن الحد يسقط، ولا يثبت نسبه؛ لأن الحد هناك يسقط لأجل الملك لكن لعدم التكليف، وكذلك المستأمن إذا زنى لا يحد ولا يلحق النسب؛ لأن سقوطه عنه لاعتقاده إباحة ذلك ولا يلزم عليه وطئ السيد أمته المزوجة؛ لأنه يستوفي فيه الأصل والفرع؛ لأن الأب لو وطئ جارية ابنه المزوجة والشريك لم يثبت نسب الولد وحريته (٣). واحتج المخالف: بأن له فيها حق يملك به في الثاني وذلك الحق يمنع غيره من التصرف فيها وهم الباقون من الغانمين فوجب أن لا يثبت نسب ولدها منه كالجارية المبيعة إذا وطئها البائع فولدت لم يثبت نسب الولد منه؛ لأن له فيه حق يملك به في الثاني وهو إذا ماتت ينفسخ البيع ويعود إلى ملكه فيملك من ماله وهذا الحق يمنع غيره من التصرف فيها وهو المشتري كذلك ههنا (٤). والجواب: أنه لا حق للبائع في الجارية وإنما يرجع ملكها إليه بالهلاك؛ لأنه ثابت قبل الهلاك فإذا هلكت الجارية انفسخ البيع وتكون الجارية هلكت من مال البائع ويرد عليه فإذا كان كذلك سقط الوصف، وعلى أن المعنى في الجارية المبيعة أنه يلزمه الحد كالمرتهن إذا وطئ الجارية المرهونة وجب عليه الحد، وليس كذلك ههنا فإن الحد سقط عنه بشبهة الملك أشبه ما ذكرنا من وطئ الأب والشريك، وعلى أن الغنيمة وإن

стр. 478

لم تكن مملوكة قبل القسمة وإنما ملك بها في الثاني فقد أثر ذلك في سقوط الحد فجاز أن يؤثر في الاستيلاد (١). واحتج: بأنها حالة يجوز الانتفاع بها بالطعام من مال أهل الحرب فلا يثبت نسب ولد الواطئ كما قبل الأخذ (٢). والجواب: أنه إنما جاز الانتفاع بالطعام للضرورة ولهذا لا يجوز الانتفاع بالثياب وهذا لا يدل على أن حقهم لم يتعلق بها ثم المعنى في الأصل ما تقدم (٣). واحتج: بأنها مملوكة لا يعرف لها مالك معين فلا يثبت نسبه منها؛ كجارية بيت المال والملتقطة (٤). والجواب: أن الملتقطة أن وطئها يوجب الحد إذا وجد المالك؛ كمسألتنا وربما منع بعض أصحابنا الوصف في الفرع، وقالوا: قد ملكوا الغنيمة بالحيازة؛ لأن أحمد حكم بثبوت الاستيلاد مع قوله أنه لا يثبت حكم الاستيلاد في غير ملك، ولأنهم لو لم يملكوا لم يصح قسمتها بينهم؛ ألا ترى حال القتال لما لم يملكوا لم يصح قسمتها وكل مال صح قسمته بين أهله كان على ملكه (٥). دليله: الموروث والمشترك، والصحيح أنهم لم يملكوا وإن ملكوا أن يملكوا كالشفيع ولهذا قال أبو بكر (٦) في كتاب الزكاة من الخلاف: أجمعنا (٧) أن الغنيمة لا تجب فيها الزكاة إلا بعد القسمة ومرور الحول.

стр. 479

وهذا يدل: على أنهم لم يملكوا إذ لو ملكوا لوجب أن يبتدأ حول الزكاة على الغانمين من يوم الغنيمة؛ كالورثة والشركاء، ولأنهم لو ملكوا لوجب إذا كان في الغنيمة عبد فأعتق بعض الغانمين نصيبه أن يعتق؛ لأنه أعتق ما يملكه ولو كان قد ملكوا لوجب إذا كان في الغنيمة أبوه أو ابنه أن يعتق بقسطه منه قبل القسمة (١). فإن قيل: هكذا نقول يعتق عليه إذا أعتق نصيبه كما صارت أم ولده بالإحبال ووجب تسليمه إليه بالقيمة، ولذلك يعتق عليه ذو رحمه ويجب تسليمه كأم الولد قال: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم (٢) (٣) إذا كان في السبي أب أو ابن أو ذو رحمه: عتق عليه إذا كانت حصته وإلا عتق منه ما عتق في نصيبه، وكذلك نقل المروذي (٤) عنه إذا أعتق حصته من الشيء قومٌ عليه إذا كان له مال وإلا عتق منه ما عتق إن كان موسرًا (٥). قيل معنى قول أحمد عتق عليه ذو رحمه إذا كان حصته يعني بذلك بعد القسمة وكذلك قوله في رواية المروذي عتق عليه ما عتق بعد القسمة، ولا شبهة هذا إذا استولد أم ولد أنها تسلم إليها بالقسمة؛ لأن في جوفها ولد حر فلا يجوز بيعها لأجل الولد الحر وكذلك لا يجوز قسمتها ولا يجوز حتى تضع؛ لأن فيه أضرار بالغانمين فوجب تسليمها إليه بحقه من الغنيمة وهذا معدوم ههنا. والذي يبين صحة هذا وأنهم لم يملكوا أن للإمام أن يقسمها بينهم قسمه تحكم فيعطى لهذا عبدًا ولهذا فرسًا ولهذا ثوبا، ولأن شهادة الغانمين مقبولة في المغنم إذا نازع منازع في شيء منه ولو ملكوا لم يجز شهادة الإنسان فيما هو شريك فيه، ولأن للإمام أن يبيع المغانم ويقسم ثمنها ولو كانت ملكًا لهم ما جاز بيعها إلا بإذنهم، ولأن الغانم إذا قال: تركت حقي وأسقطت حقي سقط حقه منها، ولو كان قد ملك لم يسقط إلا بالهبة

стр. 480

والتسليم ألا ترى أن الوارث لو قال: تركت حقي أو أسقطته من التركة لم يسقط، ولأن الغنيمة إذا قسمت بينهم لم يملك حقه من الغنيمة إلا بالاختيار وهو أن يقول: اخترت تملكها فإذا اختار ملك حقه، وهذا كله يدل على أنه لم يملك وإنما ملك أن يتملك، ولأنه لو كان قد ملك نصيبه منها لوجب إذا أتلف شيئًا من الغنيمة أن لا يضمن نصيبه منها كأحد الورثة إذا أتلف شيئًا من التركة، فلما ثبت أن عليه الضمان ثبت أنه ما ملك منها شيئًا، وما ذكره هذا القائل من أنها تصير أم ولد بالعلوق فهذا لا يدل على الملك؛ ألا ترى أنه إذا علقت أمة ابنه منه أو علقت الجارية المشتركة من أحد الشريكين فإنها تصير أم ولد وإن لم يكن هناك ملك، وقوله: أنه لم يملكوا لم يصح القسمة كما لو كانت الحرب قائمة فإنما لم تصح القسمة هناك؛ لأن أيديهم لم تثبت عليها وبعد تقضي الحرب قد أثبت أيديهم عليها فلهذا صحت القسمة (١). فصل والدلالة على أنها تصير أم ولد خلافًا للشافعي في أحد القولين: إنها علقت بحر (م) لأجل الملك فوجب أن تصير أم ولد (٢). دليله: الأمة المملوكة، وأمة ابنه، والأمة المشتركة إن سلموا ذلك. يبين صحة هذا: قول النبي ﷺ أعتقها ولدها (٣)، فجعل علة كونها أم ولد حرية الولد

стр. 481

وهذا موجود ههنا (١). فإن قيل: لا يمتنع أن تعلق بحر ولا تصير أم ولد؛ كالمغرور إذا أحبل الجارية الغارة فولدت وإن الولد حر ولا تصير أم ولد (٢). قيل: حرمة الولد لا تحصل لأجل الملك وإنما حصلت لاعتقاده الوطي في الملك (٣). واحتج المخالف: بأنها علقت بالولد في غير ملك أشبه إذا علقت به الأمة من زوج ثم ملكها فإنها لا تصير أم ولد (٤). والجواب: أن الولد هناك عبد، ولا ههنا في مسألتنا؛ لأنها علقت بحر لأجل الملك أشبه ما ذكرنا (٥). ٥٨ - ٤٤ مسألة: في قوم يسبون (٦) ثم يعتقون فيدعون أنسابهم لم تقبل أقوالهم حتى تقوم البينة ذكره الخرقي في مختصره في كتاب الدعوى؛ فقال: ولو أن رجلين حربيين جاءانا مسلمين من أرض الحرب فذكر كل واحد منهما أنه أخو صاحبه جعلتهما أخوين ولو كانا سبيا فادعيا ذلك بعد أن اعتقا فميراث كل واحد منهما لمعتقه إذا لم يصدقهما إلا أن تقوم بينة بما ادعياه من الإخوة بينة من المسلمين فيثبت النسب فيورث كل واحد

стр. 482

منهما من أخيه (١) وقد نص عليه أحمد في رواية ابن القاسم (٢) وذكر له أن قوما يقولون في الحميل (٣) أنه إنما منعوا الميراث (إلا ببينة) (٤) من أجل الميراث فأما قوم يسبون جاؤوا مسلمين ولم يسلموا في مواضعهم فإنهم خلاف هذا، قال: أجل هذا غير ذاك، فقد نص على أنه لا يقبل قول السبي، وبين أن العلة فيه: إسقاط الميراث بالميراث. وقال أيضا في رواية حرب في ميراث الحميل: إذا قامت البينة أنه أخوه أو ابنه أو وارث له وإلا فلا، فقد نص على اعتبار البينة (٥) في ذلك، وأنه لا يقبل مجرد إقرارهم (٦)، واختلفت الرواية عنه هل من شرط البينة أن تكون من المسلمين أو يجوز بأن تكون من الكفار؟ على روايتين: أحدهما: يسمع من الكفار نص عليه في رواية صالح (٧)، وإسحاق بن هانئ (٨) (٩) والميموني (١٠) فقال: يجيى بينة من الشرك، وإن كان ممن أسلم معهم كان أحب إلي ونقل أبو طالب عنه: لا يقبل إلا مسلم (١١)، وبهذا قال الشافعي (١٢)، قال أبو حنيفة:

стр. 483

يصدقون في كل ما يصدق فيه المسلمون وأهل الذمة (١). دليلنا: ما روى الشعبي (٢) أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح (٣) أن لا يورث حميلًا حتى تقوم به بيئة من المسلمين (٤)، ومعناه المحمول في النسب على غيره وقد جاء عن العرب حميل بمعنى محمول كقولهم قتيل معناه مقتول وجريح معناه مجروح، وأيضا بأنه قد ثبت عليه الولاء (٥) لمسلم، ويريد أن يقطع بإقراره بالبنوة أو بالأبوة فلا يقبل؛ لأن إقرار الإنسان في ملك غيره لا يقبل (٦). فإن قيل: إذا أقر المسلم بابن وله أخ أن لا يقبل إقراره، وكذلك إذا أقر بروحه وصدقته (٧). قيل: فرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الولاء نتيجة الملك فلما لم يملك إسقاط حق مولاه من الرق بإقراره كذلك لا يملك إسقاط حق مولاه من الولاء، وليس كذلك النسب؛ لأنه لم يكن له أصل يمنع أولده به فلهذا نفذ إقراره فيه.

стр. 484

والثاني: ثبوت الولاء آكد؛ لأنه فرع الملك ثبت بعوض وغير عوض؛ فلهذا قوى الملك في بابه كذلك بمزته، وفائدتة وليس كذلك النسب؛ لأنه ضعيف. بدليل: أنه ثبت بغير عوض فلما ضعف في بابه ملك إسقاط الإرث به فالاعتراف بغيره وإن شئت قلت: القصد من الولاء الميراث فإذا أقر بوارث فقد نفى المقصود فلم يصح ويفارق هذا النسب؛ لأن القصد منه غير الميراث وهو استحقاق النفقة وحصول الأخوة وغير ذلك فليس في إقراره إسقاط مقصود (١). واحتج المخالف: بأن النسب يثبت به النكاح أو ملك اليمين ومناكحتهم صحيحه ولهم أيضًا أملاك ويطئون بملك اليمين كالمسلمين وأهل الذمة فلما كان المسلمون وأهل الذمة مصدقين في باب الأنساب كذلك هؤلاء (٢). والجواب: ان المسلمين وأهل الذمة إن لم يكن للمقر وارث غير المقربه فليس في إقراره إسقاط حق الغير، وإن كان له وارث غير المقر به فذلك يستفاد من جهة النسب وهذا الحق مستفاد من جهة الولاء، قد بينا الفرق بينهما وأن سبب الولاء آكد من سبب الميراث بالنسب (٣). واحتج: بأن أنسابهم في الجاهلية تكون معروفة ولا تكون إلا بإقرارهم فإذا سبوا وعتقوا يجب قبول ذلك منهم إذ لم يؤد إلى إسقاط حق الغير وهو إذا جاءوا مسلمين وفي هذا الموضع في إقرارهم إسقاط حق الغير فلا يقبل. واحتج: بأن ثبوت الولاء عليه من جهة المعتق لا يمنع ثبوت النسب من غيره ألا ترى أنه لو كان معروف النسب فأعتقه المولى ثبت الولاء من المعتق وكان نسبه ثابتًا من غيره (٤). والجواب: أنه إذا كان معروف النسب فلم يسقط حق السيد من الولاية بإقراره وإنما سقط بمعرفة نسبه وههنا سقط حقه بقوله فلم يقبل منه ذلك (٥).

стр. 485

٥٩ - ٤٥ مسألة: إذا سبي الطفل مع أحد أبويه تبع السابي في الإسلام في أصح الروايتين نقلها الجماعة ابن إبراهيم (١) (٢)، وصالح (٣) (٤)، والميموني (٥) إذا سبي أحد أبويه فهو مسلم، وفيه رواية أخرى: هو تبع لمن سبي معه من أبيه في الكفر نقلها ابن منصور (٦) فقال: إذا كان مع أبويه أو أحدهما لم يجبر على الإسلام، قال أبو بكر (٧): ما رواه ابن منصور قول أول، وهو قول أبي حنيفة (٨)، والشافعي (٩)، قال مالك: إن سبي مع أمه لم يتبعها وتبع السابي (١٠). دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (١١) فجعله في الدين تبعًا لهما جميعا (١٢). دليله: أنه لا يكون تابعًا لأحدهما، ولأنه لم ينسب مع أبويه وكان على دين سابئه (١٣).

стр. 486

دليله: لو سبي منفردًا عنهما كل شخص غلب حكم الإسلام حال الانفراد غلب حكم إسلامه مع غيره (١). دليله: أحد أبويه إذا أسلم يغلب حكم إسلامه منفردًا ومع الأب الآخر كذلك السابي لما غلب حكم إسلامه منفردًا كذلك مع أحد أبويه، ولأن السبي مع أحد أبويه لا يوجب إلحاقه له في الدين إذا سبي مع أمه وهذا على مالكك يؤكد هذا أن اختصاص الولد بأمه أشد من اختصاصه بأبيه؛ لأنها تساوي الأب في القرابة والنسب، وإن الولد مخلوق من مايهما تنفرد الأم بأنها حملته ووضعته وحضنته وربته وولادتها تدرك بالمشاهدة والقطع وولادة الأب من طريق الاستدلال والظاهر فلما لم يتبع أمه فبان لا يتبع أباه أولى (٢). فإن قيل: إنما لم يتبع أمه في الدين؛ لأنه لا ينسب إليها وليس كذلك في الأب؛ لأنه ينسب إليه (٣). قيل: الإسلام معنى يتعلق بالدين دون الانتساب وما يعلق بالدين لا يعتبر فيه الانتساب. بدليل: الذبيحة وتحريم المناكحة فإنه إذا كانت أمه وثنية والأب كتابي حرم مناكحته وأكل ذبيحته وإن كان الانتساب إلى الأب وهو ممن يباح مناكحته وأكل ذبيحته، وقياس آخر وهو أن كل حاله لم يتبع الولد فيها الأم لم يتبع الأب قياسًا على حالة (الكفر) (٤) (٥).

стр. 487

واحتج المخالف: بأنه سبي مع من هو جزء منه فتبعه في دينه كما لو سبي مع أبويه (١). والجواب: أن المعنى في الأصل أنه سبي مع أبويه فلهذا تبعهما في الدين وليس كذلك ههنا، فإنه لم يسب مع أبويه فتبع السابي في الدين كما لو سبي منفردًا (٢). ٦٠ - ٤٦ مسألة: إذا سبى الزوجان معًا فهما على نكاحهم، وإن سبي أحدهما وقعت الفرقة، والمنصوص عن أحمد إذا سبيا معًا أنه لا ينفسخ في رواية أبي طالب، فقال: لا يفرق بين السبي ولا المماليك، ولا نفرَّق بين المرأة وزوجها وكذلك نقلت من مسائل حرب وظاهر هذا أنه حكم ببقاء النكاح بالسبي (٣)، وقد ثبت عنه في المسبية لا توطأ حتى تستبرأ بحيضة، ولم يفرق بين أن يكون لها زوج في دار الحرب أم لا، وقد روى عنه ما يدل على ذلك في رواية عبد الله (٤) فقال: إذا سبيت تستبرأ بحيضة، قال أبو سعيد (٥): إن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبيًا يوم أوطاس (٦) لهم أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب النبي ﷺ تأثموا من غشيانهم فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٧) [النساء: ٢٤]. وبهذا قال أبو حنيفة (٨).

стр. 488

واختلفت الرواية عن مالك ينفسخ النكاح سواء سبيا معًا أو أحدهما (١)، والثالثة إن سبيت قبل الزوج انفسخ النكاح وحلت لمالكها؛ إذ لا عهد لزوجها قال ابن القصار: وهذا يدل على أن الزوج إذا سبي واسترق فقد حصل له عهد فيقتضي أنه إذا سبيت بعدة أن تكون معه على نكاحها؛ لأنه حصل له عهد (٢)، وقال الشافعي: ينفسخ النكاح سواء سبيا معًا أو أحدهما (٣). دليلنا: أن الرق لم يوضع للفرقة فإذا لم يمنع ابتداء العقد لم يوجب فسخه كالبلوغ والعتق، ولا يلزم عليه الخلع لا يمنع الابتداء ويوجب الفسخ؛ لأنه موضوع للفرقة ولا يلزم عليه الرضاع وشراء الزوجة ووطئ أم الزوجة والردة؛ لأن ذلك ابتداء العقد فأوجب فسخه ولا يلزم عليه إذا سبي أحدهما؛ لأنه ليس الموجب لفسخ الرق وإنما الموجب عدم العلم ببقاء الزوج في دار الحرب على ما يبينه فيما بعد ولا يلزم عليه العيب؛ لأن حدوثه لا يوجب الفسخ وإنما يثبت خيار الفسخ (٤). فإن قيل: الموجب لفسخ النكاح هو حدوث الرق وهذا لا يتصور أن يجتمع مع ابتداء النكاح وإنما تجتمع استدامته مع ابتداء به (٥). قيل: ما كان حدوثه موجبًا للفسخ كانت استدامته مانعة من ابتداء النكاح (٦). بدليل: الرضاع، وشراء الزوجة، ووطئ أم الزوجة، والردة فلو كان طريان الرق يوجب لكان استدامته يمنع، ولأنه لم يختلف بهما دين فلا تقع الفرقة بينهما؛ لأجل الدين

стр. 489

كالمسلمين والكافرين والفرقة عندهم واقعة لأجل الدين وهو [ ....... ] (١). وأيضًا فإن الاسترقاق سبب لاستحقاق رقبتهما فلا يوجب الفسخ كالبيع والقتل. وإن شئت قلت: حدوث ملك في رقبتهما فلا يوجب التفريق بينهما كما لو بيعا، ولأنه ليس فيه أكثر من تعلق حق برقبتهما فصار كما لو وجب القصاص ويفرض الكلام فيه إذا سبيت وزوجها مسلم معها، فإن قال: لا تقع الفرقة ثبت أن حدوث الرق غير موجب للفرقة، وإن قال: الفرقة تقع، فنقول البضع ملك مسلم قبل الأسر فلم يستحق عليه بالسبي كسائر أمواله التي في دار الحرب، ويفرض الكلام فيه إذا سبي الزوجان وهما عبدان. فإن قال: تقع الفرقة بطل قوله: إن علة الفرقة حدوث الرق، وإن قال: لا تقع الفرقة قلنا: سبي الزوجين معابة الفرقة أصله سبي العبدين (٢). فإن قيل: الرق الأول لم يكن مستقرًا؛ ألا ترى أنه لو قهر مولاه على نفسه وغلبه عليه وحمله إلى دار الإسلام بأمان كان هو السيد وسيده هو المملوك (٣). قيل: عله الشافعي في الفرقة حدوث الرق لاستقراره وعلى أن رق عبد الحربي مستقر لكن أملاكه غير مستحقة فيجوز أن يزول ملكه عنها بالغلبة (٤). فإن قيل: السبب قد طرأ عليه وهو سبب لحدوث الرق فيكون رقه معلقًا بما تقدم وبما تأخر، كما أن من زنا ثم زنا فإن الحد الواحد متعلقا بالجميع وإذا كان كذلك فحدوث الرق موجود ههنا (٥). قيل: هذا غلط؛ لأن الاسترقاق هو: طريان الرق على الحرية وهذا لا يوجد في سبي المملوك، فالسبب وجد غير تثبت للمسبب فلا يقال حدث الرق، وأما الزنا بعد الزنا كل واحد من اللفظين أوجب حدا كالآخر.

стр. 490

بدلالة: أن الفعل الأول لو طرأت فيه شبهة حد بالثاني لكن الشريعة أسقطت أحد الحدين بعد وجوبه، وأما العجز الثاني فحدوث العلم بالبنوة لا يتعلق به لمن عرف العجز الثاني فحدوث العلم بالبنوة لا يتعلق به لمن عرف العجز الأول كما أن السبي في مسألتنا لم يحدث الرق. والجواب: الصحيح عن هذا: إنما جاز أن يطرأ بسبب الزنا على الزنا والمعجزة على المعجزة والحدث على الحدث لوجود أسبابها؛ لأن معنى الزنا بمحض تحريمه وانتفت شبهة وهذا موجود في الثاني، والمعجزة ما خرقت العادة، والحدث خروج النجاسة من البدن وهذا موجود في الثاني، فأما الاسترقاق فهو طريان الرق على الحرية وهذا معلوم (١). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] معنى ذوات الأزواج محرمات عليكم إلا ما ملكتم منهن وهذا قد ملكها فيجب أن لا تكون محرمة عليه، وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول النبي ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حايل حتى تستبرئ بحيضة" (٢). والجواب: أنا نخص الآية والخبر ونحملهما على المسبية إذا لم يكن معها زوجها. بدليل: ما ذكرنا (٣). فإن قيل: روى أبو سعيد الخدري أن الآية نزلت في سبايا أوطاس لما أخذ النساء مع أزواجهن (٤).

стр. 491

قيل: النساء أخذن يوم أوطاس قبل الظفر بالرجال بعد ذلك؛ لأنهم انهزموا وتركوا الحكم فغلب عليهم ومتى سبي أحدهما وقعت الفرقة (١). واحتج: بأن شخصًا طرأ عليه رق فوجب أن ينفسخ نكاحه. أصله: إذا لم يكن معه زوجته وإن شئت قلت ملكت رقبته بالسبي فوجب أن ينفسخ نكاحه. دليله: ما ذكرناه (٢). والجواب: أن قوله طرأ عليه لا تأثير له في الأصل ولا في الفرع؛ لأن أمة لو سبيت من دار الحرب وهي تحت زوج حر أو عبد وقعت الفرقة بينهما وإن لم يكن هناك حدوث رق؛ لأن الرق كان موجودًا قبل السبي ثم المعنى فيه إذا سبي أحدهما عدم العلم ببقاء الزوج في دار الحرب؛ لأن الغالب أن السبي إذا حصل في أحد الزوجين فلا سبيل إلى بقاء الزوج أو هلاكه فجعلت بمنزلة من ليس لها زوج والأصول على أن ما أشكل أمره بمنزلة ما لم يكن، فلا يلزمنا على هذا إذا علمنا وجود الزوج في دار الحرب أن لا يحكم بفسخ النكاح؛ لأن ذلك نادر والغالب أن لا نعلم فسقط حكم النادر. يبين صحة هذا: فحكمنا وأياهم بإسلام الطفل بإسلام سابيه؛ لأنه لا سبيل له إلى معرفة بقا الدية غالبًا فجعلنا كالمتحقق وإن علمنا وجودهما وحكمنا بإسلام الطفل؛ لأن ذلك نادر كذلك ههنا (٣). وقد قيل: إذا سبي أحدهما انقطعت التوارث بينه وبين الآخر مع الحرية واتفاق الدين وعدم القتل، فدل على زوال النكاح وإذا سبيا جاز أن يتوارثا مع الحرية فلم ينقطع النكاح.

стр. 492

واحتج: بأن الاسترقاق يزيل ملكه عن بضع زوجته كالموت (١). والجواب: أن الموت لما كان حدوثه موجبًا للفسخ كان وجوده مانعًا من العقد والرق بخلافه (٢). واحتج: بأن البضع ملك من أملاك الزوج فزال بحدوث الرق كسائر الأملاك (٣). والجواب: أن الرق الثابت يمنع ابتداء تملكها فلهذا طريانه يوجب زوالها والرق الثابت لا يمنع ابتداء تملك البضع ولا يوجب زواله (٤). واحتج: بأنه عقد على المنافع فحدوث الرق يوجب رفعه. أصله: الإجارة وهو إذا استأجر حربي حربيًا ثم سبيا معًا (٥). والجواب: أن الرق الثابت يمنع ابتداء تملك المنافع بالإجارة ولا يمنع تملك البضع، ولأن الإجارة يتعذر فيها التسليم بالسبي فلهذا بطلت والنكاح لا يتعذر فيه ذلك ففرقنا بينهما (٦). واحتج: بعض الخرسانية بأنها مسبية حلت دون من تحل له فحلت مع من تحل له كالأمة ومعناه أنها تحل منفردة عن زوجها فحلت إذا كانت مع زوجها كالأمة إذا سبيت منفردة عن سيدها ملكت وحل وطيها وتحل وإن سبيت مع سيدها (٧).

стр. 493

والجواب: عنه: إذا سبي منفردًا ما ذكرنا وهو إن الرق الثابت يمنع من ابتداء تملكها فلهذا طريانه موجبًا زوالها والرق (١). ٦١ - ٤٧ مسألة: إذا مات الأبوان أو أحدهما حكم بإسلام الطفل ولذلك إذا عدم الأبوان أو أحدهما من غير موت مثل أن يؤخذ لقيط في دار الحرب أو تعلق امرأة كافرة من زنًا أو يختلط ولد المسلم بولد الكافر بحيث لا يتميز نص على ذلك في مواضع؛ فقال في رواية أبي طالب (٢): في يهودي أو نصراني مات وله ولد صغير فهو مسلم إذا مات أبواه ويرث أبويه، وقال أيضًا في رواية أبي طالب في أمة نصرانية ولدت من فجور (٣): ولدها مسلم وقال في رواية المروذي في مسلم ونصراني في دار الحرب ولهما أولاد فلم يعرف ولد النصراني من ولد المسلم: يجبر على الإسلام (٤)، وقال أبو حنيفة (٥)، ومالك (٦) والشافعي لا يحكم بإسلامه شيء من ذلك (٧). دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "فأبواه يهودانه وينصرانه" (٨) فجعله في الدين تبعًا لهما.

стр. 494

دليله: أنه بعدهما لا يتبعهما في الدين فإذا عدما وجب أن يحكم بإسلامه؛ لأنه تبع لغيره في الدين لا يلزم عليه إذا كان بالغًا بقولنا هو تبع والبالغ ليس بتابع (١). فإن قيل: إنما حكمنا بإسلامه؛ لأن الدار دار إسلام. قيل: فيجب إذا مات الأبوان وهما ذميان في دار الإسلام يحتمل أن يكون أبواه مسلمين وهذا هو الظاهر وليس كذلك ههنا؛ لأنا علمنا كفر الأبوين (٢). قيل: وإذا سبي الولد منفردًا عن أبويه حكمت بإسلامه وإن علمنا كفر أبويه كذلك ههنا (٣). فإن قيل: إنما حكمنا بإسلامه هناك؛ لأجل إسلام سابيه وهذا المعنى معدوم ههنا (٤). قيل: فلو سبي مع أبويه أو أحديهما لم يحكم بإسلامه وإن كان إسلام سابية موجودًا. ويبين صحة هذا: أنهم حكموا بإسلامه بإسلام سابيه؛ لأن الظاهر عدم الأبوين وموتهما وإذا كان لهذه العلة فهذا المعنى موجود بموتهما فيجب أن يحكم بإسلامه، وهذه الطريقة معتمدة وإنه لما كان تابعًا لهما وبالموت قد زال حكم التبع. بدليل: أنه لا يصح استلحاق النسب بعد الموت؛ لأنه قد عدم المتبوع ويفرض المسألة في لقيط وجد في دار الحرب فيقول: لقيط وجد في أحد الدارين يحكم بإسلامه. دليله: لو وجد في دار الإسلام (٥).

стр. 495

فإن قيل: الظاهر في دار الإسلام أنه ولد مسلم، والظاهر في دار الحرب أنه ولد كافر (١). قيل: لا يمتنع أن يكون الظاهر أنه ولد كافر ويحكم بإسلامه بمعنى يحدث كما لو سبي منفردًا عنهما، ولأن عدم الأبوين معنى لو وجب في دار إسلام الطفل، فإذا وجد في دار الحرب أوجب إسلامه كإسلام الأبوين (٢). فإن قيل: إنما حكمنا بإسلامه؛ لوجود إسلامهما، وههنا قد ماتا على الكفر (٣). قيل: فإذا سبي منفردًا فإنا نحكم بإسلامه وإن كانا على كفرهما، وأيضًا فإن الموت معنى يسقط حريته وأحبه عندنا (٤)، وعند أبي حنيفة موجود يوجب الحكم بإسلام الطفل كالإسلام ولأن الموت كالإسلام (٥)؛ لأنه بوجوده يخرج عن أن يكون من أهل القتال وأن يجري عليه الصغار وطريقة أخرى جيدة وهو أن كل شخص غلب حكم كفره حال وجوده وجب أن يغلب حكم الإسلام عند عدمه. دليله: حله السبي وذلك أنه لو سبي الطفل مع أبويه أو أحدهما على إحدى الروايتين غلب حكم كفره ولم يحكم بالطفل؛ لوجود الأبوين ولو سبي منفردًا عنهما غلب حكم الإسلام في الطفل؛ لعدم الأبوين يبين صحة هذا أن بموتهما قد تحققنا عدمهما وبالسبي منفردًا عنهما لم يتحقق عدمهما (٦).
следующие страницы →