← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قيل: النساء أخذن يوم أوطاس قبل الظفر بالرجال بعد ذلك؛ لأنهم انهزموا وتركوا الحكم فغلب عليهم ومتى سبي أحدهما وقعت الفرقة (١). واحتج: بأن شخصًا طرأ عليه رق فوجب أن ينفسخ نكاحه. أصله: إذا لم يكن معه زوجته وإن شئت قلت ملكت رقبته بالسبي فوجب أن ينفسخ نكاحه. دليله: ما ذكرناه (٢). والجواب: أن قوله طرأ عليه لا تأثير له في الأصل ولا في الفرع؛ لأن أمة لو سبيت من دار الحرب وهي تحت زوج حر أو عبد وقعت الفرقة بينهما وإن لم يكن هناك حدوث رق؛ لأن الرق كان موجودًا قبل السبي ثم المعنى فيه إذا سبي أحدهما عدم العلم ببقاء الزوج في دار الحرب؛ لأن الغالب أن السبي إذا حصل في أحد الزوجين فلا سبيل إلى بقاء الزوج أو هلاكه فجعلت بمنزلة من ليس لها زوج والأصول على أن ما أشكل أمره بمنزلة ما لم يكن، فلا يلزمنا على هذا إذا علمنا وجود الزوج في دار الحرب أن لا يحكم بفسخ النكاح؛ لأن ذلك نادر والغالب أن لا نعلم فسقط حكم النادر. يبين صحة هذا: فحكمنا وأياهم بإسلام الطفل بإسلام سابيه؛ لأنه لا سبيل له إلى معرفة بقا الدية غالبًا فجعلنا كالمتحقق وإن علمنا وجودهما وحكمنا بإسلام الطفل؛ لأن ذلك نادر كذلك ههنا (٣). وقد قيل: إذا سبي أحدهما انقطعت التوارث بينه وبين الآخر مع الحرية واتفاق الدين وعدم القتل، فدل على زوال النكاح وإذا سبيا جاز أن يتوارثا مع الحرية فلم ينقطع النكاح.

стр. 492

واحتج: بأن الاسترقاق يزيل ملكه عن بضع زوجته كالموت (١). والجواب: أن الموت لما كان حدوثه موجبًا للفسخ كان وجوده مانعًا من العقد والرق بخلافه (٢). واحتج: بأن البضع ملك من أملاك الزوج فزال بحدوث الرق كسائر الأملاك (٣). والجواب: أن الرق الثابت يمنع ابتداء تملكها فلهذا طريانه يوجب زوالها والرق الثابت لا يمنع ابتداء تملك البضع ولا يوجب زواله (٤). واحتج: بأنه عقد على المنافع فحدوث الرق يوجب رفعه. أصله: الإجارة وهو إذا استأجر حربي حربيًا ثم سبيا معًا (٥). والجواب: أن الرق الثابت يمنع ابتداء تملك المنافع بالإجارة ولا يمنع تملك البضع، ولأن الإجارة يتعذر فيها التسليم بالسبي فلهذا بطلت والنكاح لا يتعذر فيه ذلك ففرقنا بينهما (٦). واحتج: بعض الخرسانية بأنها مسبية حلت دون من تحل له فحلت مع من تحل له كالأمة ومعناه أنها تحل منفردة عن زوجها فحلت إذا كانت مع زوجها كالأمة إذا سبيت منفردة عن سيدها ملكت وحل وطيها وتحل وإن سبيت مع سيدها (٧).

стр. 493

والجواب: عنه: إذا سبي منفردًا ما ذكرنا وهو إن الرق الثابت يمنع من ابتداء تملكها فلهذا طريانه موجبًا زوالها والرق (١). ٦١ - ٤٧ مسألة: إذا مات الأبوان أو أحدهما حكم بإسلام الطفل ولذلك إذا عدم الأبوان أو أحدهما من غير موت مثل أن يؤخذ لقيط في دار الحرب أو تعلق امرأة كافرة من زنًا أو يختلط ولد المسلم بولد الكافر بحيث لا يتميز نص على ذلك في مواضع؛ فقال في رواية أبي طالب (٢): في يهودي أو نصراني مات وله ولد صغير فهو مسلم إذا مات أبواه ويرث أبويه، وقال أيضًا في رواية أبي طالب في أمة نصرانية ولدت من فجور (٣): ولدها مسلم وقال في رواية المروذي في مسلم ونصراني في دار الحرب ولهما أولاد فلم يعرف ولد النصراني من ولد المسلم: يجبر على الإسلام (٤)، وقال أبو حنيفة (٥)، ومالك (٦) والشافعي لا يحكم بإسلامه شيء من ذلك (٧). دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "فأبواه يهودانه وينصرانه" (٨) فجعله في الدين تبعًا لهما.

стр. 494

دليله: أنه بعدهما لا يتبعهما في الدين فإذا عدما وجب أن يحكم بإسلامه؛ لأنه تبع لغيره في الدين لا يلزم عليه إذا كان بالغًا بقولنا هو تبع والبالغ ليس بتابع (١). فإن قيل: إنما حكمنا بإسلامه؛ لأن الدار دار إسلام. قيل: فيجب إذا مات الأبوان وهما ذميان في دار الإسلام يحتمل أن يكون أبواه مسلمين وهذا هو الظاهر وليس كذلك ههنا؛ لأنا علمنا كفر الأبوين (٢). قيل: وإذا سبي الولد منفردًا عن أبويه حكمت بإسلامه وإن علمنا كفر أبويه كذلك ههنا (٣). فإن قيل: إنما حكمنا بإسلامه هناك؛ لأجل إسلام سابيه وهذا المعنى معدوم ههنا (٤). قيل: فلو سبي مع أبويه أو أحديهما لم يحكم بإسلامه وإن كان إسلام سابية موجودًا. ويبين صحة هذا: أنهم حكموا بإسلامه بإسلام سابيه؛ لأن الظاهر عدم الأبوين وموتهما وإذا كان لهذه العلة فهذا المعنى موجود بموتهما فيجب أن يحكم بإسلامه، وهذه الطريقة معتمدة وإنه لما كان تابعًا لهما وبالموت قد زال حكم التبع. بدليل: أنه لا يصح استلحاق النسب بعد الموت؛ لأنه قد عدم المتبوع ويفرض المسألة في لقيط وجد في دار الحرب فيقول: لقيط وجد في أحد الدارين يحكم بإسلامه. دليله: لو وجد في دار الإسلام (٥).

стр. 495

فإن قيل: الظاهر في دار الإسلام أنه ولد مسلم، والظاهر في دار الحرب أنه ولد كافر (١). قيل: لا يمتنع أن يكون الظاهر أنه ولد كافر ويحكم بإسلامه بمعنى يحدث كما لو سبي منفردًا عنهما، ولأن عدم الأبوين معنى لو وجب في دار إسلام الطفل، فإذا وجد في دار الحرب أوجب إسلامه كإسلام الأبوين (٢). فإن قيل: إنما حكمنا بإسلامه؛ لوجود إسلامهما، وههنا قد ماتا على الكفر (٣). قيل: فإذا سبي منفردًا فإنا نحكم بإسلامه وإن كانا على كفرهما، وأيضًا فإن الموت معنى يسقط حريته وأحبه عندنا (٤)، وعند أبي حنيفة موجود يوجب الحكم بإسلام الطفل كالإسلام ولأن الموت كالإسلام (٥)؛ لأنه بوجوده يخرج عن أن يكون من أهل القتال وأن يجري عليه الصغار وطريقة أخرى جيدة وهو أن كل شخص غلب حكم كفره حال وجوده وجب أن يغلب حكم الإسلام عند عدمه. دليله: حله السبي وذلك أنه لو سبي الطفل مع أبويه أو أحدهما على إحدى الروايتين غلب حكم كفره ولم يحكم بالطفل؛ لوجود الأبوين ولو سبي منفردًا عنهما غلب حكم الإسلام في الطفل؛ لعدم الأبوين يبين صحة هذا أن بموتهما قد تحققنا عدمهما وبالسبي منفردًا عنهما لم يتحقق عدمهما (٦).

стр. 496

فإن قيل: هناك متبوع في الإسلام وهو السابي وليس كذلك إذا ماتا؛ لأنه ليس متبوع في الإسلام (١). قيل: فإذا سبي مع أبويه أو أحدهما هناك متبوع في الإسلام وهو السابي ولا يتبعه الطفل في الإسلام يبين صحة هذا أن إسلام السابي قد أجرى مجرى أحد الأبوين؛ بدليل: أنه يتبعه إذا انفرد وعلى أنه إن لم يكن بعد الموت متبوع في الإسلام فليس أيضا متبوع في الكفر؛ لأن بالموت قد زال حكم التبع؛ بدليل: أنه لا يصح استلحاق النسب بعد الموت لعدم المتبوع ولأنه كان تابعًا لهما وبالموت قد زال المتبوع فزال حكم التبع كما قلنا في ولد المكاتبة والمعلق عتقها بصفة فإن الحمل تبع لهما في العتق فلو زال حكم الحرية في الأم التي هي المتبوعة زال حكمها في الولد الذي هو التبع، وبيانه لو كانت المكاتبة قبل الأداء: زال حكم الحرية في الولد لو إذا لم تعتق، وكذلك لو قال لها وهي حامل: إذا دخلت الدار كانت حرة، فلو ولدت ثم ماتت قبل الدخول لم يعلق الولد بدخوله لعدم متبوعه وهي الأم ولو دخلت الأم عتق الولد بعتقها (٢). واحتج المخالف: بأن الموت معنى يسقط التكليف فلا يوجب إسلام الطفل كالجنون (٣). والجواب: أن الجنون لا يوجب عدم الأبوين والموت يوجب عدمهما ولعدمها تأثير في الإسلام كاللقيط، ولأنه لا يمنع أن لا يكون الجنون موجبًا للإسلام والموت موجبًا كما أن الموت يوجب بطلان الرجوع في الهبة والأجل وخيار الشرط والجنون لا يبطله. واحتج بأن الأبوين على دينهما امتنع لو كانا حيين (٤).

стр. 497

والجواب: أنه يبطل سبي الطفل منفردًا عنهما ثم لا يجوز بقاءهما بعدهما كاللقيط (١). واحتج: بأنه لا يصح إسلامه لنفسه ولا هو تابع لغيره في الإسلام فلم يحكم بإسلامه كما لو كان أبواه باقين (٢). والجواب: أنه تابع للمسلمين كاللقيط، والمعنى في الأصل ما تقدم، واحتج بأن الحكم بإسلامه يوجب توريث المسلم من الكافر؛ لأن عندكم أنه يرث الميت منهما وهذا لا يجوز (٣). واحتج أن ثبوت الميراث واختلاف الدين أوجبهما الموت فهما يلتقيان في زمان واحد فلا يصح اجتماعهما، كما لو قال لعبده: إذا مات أبوك فأنت حر لما اجتمع الميراث والحرية في زمان واحد وهو بعد الموت لم يرث كذلك ههنا (٤). والجواب: أن هذا يبطل بالوصية لأم ولد فإن الوصية تستحق بالموت والجزية التي بها تصح الوصية تستحق أيضًا بالموت ومع هذا فإنهما يجتمعان فتحصل الجزية ويحصل الوصية. جواب آخر: وهو أنه وإن كان يلتقيان في زمان واحد إلا أن حقه ثابت في ماله إلى حين الوفاة، واختلاف الدين ليس بمعنى من جهة الوارث فلا يسقط حقه من الميراث كالطلاق في المرض ويفارق هذا العبد؛ لأنه لا حق له في الميراث فلهذا لم يلتقيا بعد الموت لم يرث الثاني لأن الميراث مجمع عليه (٥)؛ لأن الكل قالوا يرث واختلاف الدين مختلف فيه؛ لأنا نحكم بإسلامه فلا يجوز أن نسقط المجمع عليه بمختلف فيه.

стр. 498

الثالث: يمنع أن يحصل الميراث قبل اختلاف الدين كما قال أبو حنيفة: يحصل العتق في الكتابة بعد موت السيد قبل الأداء (١) وكما قال الجميع في رجل مات وترك ابنين وألف درهم وعليه دين ألف درهم أنهما لا يرثان الألف بميراثه عن أبيه وإن لم يكن أبوه مالكًا له يوم الموت لكن جعل في حكم من كان مالكًا لتقدم للفيئة (٢). فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال (٣) (٤)، وجعفر بن محمد (٥) واللفظ لجعفر في نصراني مات وله امرأة نصرانية حبلى وأسلمت بعد موته ثم ولدت: لا يرث إنما مات أبوه وهو لا يعلم ما هو إنما يرث بالولادة وحكم بالإسلام (٦) فظاهر هذا أنه حكم بإسلامه ولم يحكم بالميراث (٧). قيل: يحتمل أن يخرج من هذا رواية وأنا نحكم بإسلامه ولم نحكم له بالميراث وهو القياس لئلا يفضي إلى أن يرث مسلم من كافر ويحتمل أن يفرق بينهما ونقول: إن مات أحد الأبوين وهو مولود حكم بإسلامه وورثه (٨)، وإن مات وهو حمل حكم بإسلامه ولم يرثه وهو ظاهر تعليل أحمد؛ لأنه قال: إنما مات أبوه وهو لا يعلم ما هو فعلى هذا الفرق بينهما أنه إذا أسلمت الأم وهو حمل فقد قوي السبب المانع من الميراث وهو اختلاف الدين؛ لأنه يحصل إسلامه بأمر مجمع عليه (٩) وهو إسلام أمه وهو حمل، وإذا مات أبوه فالسبب

стр. 499

المسقط ضعيف؛ لأنه مختلف في حصول إسلامه بإسلام أبيه ولهذا ورثه (١). ٦٢ - ٤٨ مسألة: فإن قهر أهل الحرب أولادهم وذوي أرحامهم على أنفسهم وباعوهم من المسلمين أو من غيرهم من الكفار هل يصح البيع؟ قال في رواية إسماعيل بن سعيد (٢) في الرجل يدخل أرض الحرب فيشتري منهم أولادهم وأهاليهم: لا بأس بذلك فإن دخل إليهم بالأمان لا يشتري منهم (٣)؛ فظاهر كلام أحمد صحة البيع ويجب أن يحمل على وجه وإنه لم يحكم بهم لمن اشتراهم بعقد البيع، وإنما حكم بهم على طريق التوصل إلى أخذهم بعوض وإن لم يكن معاوضة صحيحة كما قلنا: إذا دخل المسلم دار الحرب بغير أمان فباعهم درهمًا بدرهمين جاز ذلك (٤)، وإن لم يكن أخذه للدرهمين عن عقد صحيح لكن توصل به إلى أخذه بعوض، وقد نص أحمد على ذلك في مسألة الزنا (٥) أو يحمل قوله: يشتري أولاده على أولاد بعضهم إذا سباه بعضهم وبهذا قال أصحاب الشافعي (٦). وقال أصحاب أبي حنيفة: يصح الشراء وبنوه على أصلهم وإن عتق الحربي لا ينفذ سواء كان مباشرة أو من طريق الحكم (٧)، ونحن نبني هذه المسألة على أصلنا وإن عتقهم ينفذ فإذا حصل لهم القهر حصل الملك وعتق عليهم بالرحم فلا يصح الشراء، وإن حملت المسألة على ظاهرها يكون وجهه أن العتق بالرحم من أحكام الإسلام لتحريمه مناكحة ذوي الأرحام والجمع بين الأختين من أحكام الإسلام، فعلى هذا لم يعتقوا بملكهم فلهذا صح البيع والله أعلم (٨).

стр. 500

٦٣ - ٤٩ مسألة: إذا صالح الإمام أهل دار من دور الحرب فسباهم قوم آخرون لم يكن لنا أن نشتريهم ونسترقهم أومأ إليه في رواية إسماعيل بن سعيد في الرجل يدخل أرض الحرب فيشتري منهم أولادهم وأغلهم لا بأس بذلك، ولا يشتري منهم إذا دخل إليهم بأمان (١)، وكذلك نقل صالح فمن دخل دار الحرب بأمان أكره أن يشتري أولادهم ونساءهم ودرهم بدرهمين (٢)، وكذلك نقل ابن منصور (٣) وهو قول مالك (٤) والشافعي (٥)، وقال أبو حنيفة: له ذلك (٦). دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي عياض (٧) قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم شيئًا؛ لأنهم خراج بيع بعضهم بعضًا، ولا يقر أحد بالصغار بعد إذ أنقذه الله منه (٨)، وهذا يمنع الشراء في مسألتنا ولأن بيننا وبينهم أمان فهي بمنزلة أهل الذمة (٩). فإن قيل: أهل الذمة على أن نحميهم فهم بمنزلة المسلمين، وهؤلاء ليس عليه أن يحميهم ويدفع عنهم من جاء بهم يقاتلهم فصاروا بمنزلة أهل دار الحرب الذين لم يؤمنهم (١٠)

стр. 501

قيل: هما وإن افترقا من هذا الوجه فقد تساويا في أن أموالهم ورقابهم وذراريهم محرمة علينا كتحريم ذلك من أهل الذمة يجب أن يتساويا في مسألتنا (١). فإن قيل: لا خلاف أنهم إذا سبوهم فقد ملكوهم فكان لنا أن نشتري أملاكهم (٢). قيل: لا يمنع أن يكون ملكا لهم ولا يجوز لنا تملكه منهم؛ كالخمر، والخنزير عند مخالفنا هو ملك لهم ولا يجوز للمسلم تملكه منهم؛ كالخمر، والخنزير عند مخالفنا هو ملك لهم ولا يجوز للمسلم تملكه بنفسه كذلك ههنا (٣). فلزمه، دليله الواجد الراحلة. والجواب: أن هناك لا يلحقه مشقة في الغالب (٤). ٦٤ - ٥٠ مسألة: إذا سرق من الغنيمة من له فيها حق فلا قطع عليه ولكنه يعاقب بأن يحرق رحلة الذي معه في غزاته إلا المصحف وما كان فيه روح كالحيوان (٥) أو كان جنة

стр. 502

للقتال كالسلاح نص عليه في رواية الأثرم (١)، وإبراهيم بن الحارث (٢) (٣) وقال أبو حنيفة (٤) ومالك (٥)، والشافعي (٦): لا يحرق شيء من رحله. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه قد غل فأحرقوا متاعه" (٧). وروي أيضًا عن عمرو بن شعيب (٨) عن أبيه (٩) عن جده (١٠) أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه ومنعوه سهمه (١١). فإن قيل: فالظاهر مطرح؛ لأنه ضربه ومنعه السهم وعندكم لا يجب ذلك (١٢). قيل: أما الضرب على وجه التعزير فقد نص عليه في رواية الأثرم وإبراهيم بن

стр. 503

الحارث (١)، وأما حرمان السهم ففيه روايتان، قال في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث قالوا: يحرم سهمه من الغنيمة (٢) فعلى هذا قد قلنا بظاهره. والثانية: لا يحرم أومأ إليه في رواية ابن منصور (٣) وقد سئل هل يحرم نصيبه من المغنم؟ فلم يعرفه وهذا لا يوجب إسقاط الظاهر؛ لأن الدليل دل على ثبوت السهم وبقي ما عداه على موجب الظاهر كسائر العمومات إذا دخل التخصيص بعضها، وروي أيضًا بإسناده عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من وجدتم في متاعه غلولًا فأحرقوا متاعه واضربوه" فوجد فيه مصحفًا فسأل سالمًا فقال: بعه وتصدق به (٤)، ولأن الغنائم في العادة قبل قسمتها تسبق اليد إليها ويتسارع الناس إلى أخدها؛ لأنها في غير حرز وقد سقط القطع عنه بأخذ شيء منها فجاز أن يغلظ عليه في إتلاف شيء من ماله ليكون ردعًا وزجرًا كما غلظ عليه بالقطع إذا أخذ الشيء من حرزه، ولهذه العلة غلظنا سارق الثمار في القسمة ليكون ردعًا وزجرًا ويفارق سائر المواضع التي يسقط القطع بسرقتها أنه لا يغلظ عليه بذلك؛ لأن تلك في العادة محروزة فاليد لا يسرع إليها فجاز أن لا يعاقب بشيء من ماله (٥). فإن قيل: فالتعزير يحصل به التغليظ فلا يحتاج إلى غيره (٦). قيل: لا يحصل به ذلك كما لم يحصل بمن سرق من الحرز (٧). فإن قيل: لم نجد من الأصول من يعاقب بإتلاف المال بمعصية (٨).

стр. 504

قيل: الأصول من يعاقب بأخذ المال المعصية وهو قوله ﷺ في مانع الزكاة: "من منعها فإنا آخذوها وشطر ماله" (١). وبهذا قال أبو بكر من أصحابنا، وكذلك قوله ﷺ في السرقة: من الثمار عليه غرامة مثليه وجلدات نكالٍ (٢). وعليه أصحابنا ولا يمتنع مثل هذا ههنا (٣). فإن قيل: تحريق الرحل إتلاف، والنبي ﷺ نهى عن عن إضاعة المال (٤). قيل: لا يمتنع مثل هذا الغرض صحيح. بدليل: أن البهيمة إذا صالت على إنسان جاز قتلها والعبد إذا سرق قطعت يده، ونحن نعلم أن هذا إتلاف مال وكذلك إذا ارتد العبد أو حارب (٥). واحتج المخالف: بأن سقوط القطع عن السارق لا يوجب تحريق رحله. دليله: غير الغنائم وقياسًا على ما فيه روح والمصحف وما كان جنة للقتال (٦). والجواب: أنا قد بينا الفارق بين الغنائم وبين غيره، ولأن غير الغنيمة والأموال محروزة محفوظة وفي الغنيمة غير محروزة (٧).

стр. 505

٦٥ - ٥١ مسألة: مال الفيء لا يخمس وجميعه للمصالح وهو ما أخذ من مال مشرك بحق الكفر بغير قتال ؛ كالجزية المأخوذة عن الرؤوس والأرضين باسم الخراج وما تركوه فزعًا وهربوا، ومال المرتد إذا قتل في ردته، ومال من مات منهم ولا وارث له، وما يؤخذ منهم من العشر إذا اختلفوا في بلاد المسلمين وما صولحوا عليه (١)، وذكر الخرقي في مختصره: أن مال الفيء يخمس فيقسم خمسه على خمسة أسهم: سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل (٢). والمنصوص عن أحمد إسقاط الخمس في رواية أبي طالب (٣) في قوم حملتهم الريح فألقتهم في بعض السواحل؛ فقالوا: جئنا للتجارة فإن لم يعرفوا بالتجارة ولا يسهمون التجار لم يصدقوا ولا يخمس مالهم؛ إنما الخمس في الغنيمة وما قاتلوا عليه وهذا لم يقاتلوا عليه فلا يكون غنيمة ولا فيه خمس وقد نص على أنه للمصالح (٤) في رواية أبي النضر وبكر بن محمد (٥) فقال: والفيء ما صولح عليه من الأرضين وجزية الرؤوس وخراج الأرضين (٦) فهذا لكل المسلمين فيه حق بين الغني والفقير على ما يرى الإمام. واحتج: بأن عمر فرض لأمهات المؤمنين في النساء ولأبناء المهاجرين سواء لفظا (٧) وكان يقول: لكل أحد في المال حق إلا العبد وهذا يدل من كلام أحمد على أن الفيء لم يكن على ملك النبي ﷺ ؛ لأنه جعله للمصالح ولو كان له لجعله بعد موته ﷺ لأهل

стр. 506

الديوان كما جعل سهمه من خمس الغنيمة لأهل الديوان (١)، وقال أبو بكر: في كتاب التفسير في سورة الحشر: جعل الله ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركابٍ لرسوله خاصة دون غيره ولم يجعل لأحد فيه نصيبًا (٢). واحتج: بحديث عمر والأول أصح، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: مال الفيء يخمس كما تخمس الغنيمة، وهل يخمس جميعه أو يخمس ما تركوه فزعًا وهربوا؟ على قولين، قال في الجديد: يخمس جميعه، وقال في القديم (٣): لا يخمس منه إلا ما تركوه فزعًا وهربوا؛ مثل أموال بني النضير (٤) وفيه نزل قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وأربعة أخماس الفيء مع خمس الخمس كان للنبي ﷺ في حياته وما يصنع به بعد وفاته فيه قولان (٥): أحدهما: للمصالح. والثاني: يصرف إلى المقاتلة (٦). فالدلالة على أنه غير مخموس: ما روي أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٧)، ونصارى نجران (٨) ويهود

стр. 507

آيلة (١) وأمر معاذًا يأخذها من اليمن (٢) ووضعها عمر على أهل السواد (٣)، والشام ووضعت في بيت المال ولم يخمس، فمن قال: إنها تخمس فقد خالف السنة والإجماع (٤)؛ لأنه لم ينقل عن أحد أنه خمس ذلك وإذا ثبت بالسنة والإجماع (٥) أن الجزية لا تخمس قسنا عليه بقية أموال الفيء؛ بعلة أنه مال صار إلينا من المشركين بغير قتال جعل قسمته إلى الإمام وهذا النوع موجود في جميع أنواع الفيء وفيه احتراز من مال الغنيمة والركاز (٦) (٧). واحتج المخالف: بأن النبي ﷺ خمس أموال بني النضير (٨) (٩). والجواب: أنه يحتمل أن يكون رأى ذلك من طريق المصلحة لا أنه يجب تخميسه (١٠). واحتج بأنه: مال رجع من المشركين إلى المسلمين جعلت قسمته إلى الإمام فوجب تخميسه كالغنيمة (١١).

стр. 508

والجواب: أن الغنيمة مملوكة بشيئين مختلفين بمباشرة الغانمين وظهر المسلمين فاستحق أهل الخمس بمعنى والغانمون بمعنى آخر، والفيء مملوك بسبب واحد وهو الرهب بالمسلمين فإذا استحق بسبب واحد كانت جهته واحدة فلم يتبعض استحقاقه؛ كمال الزكوات والعشر لما استحق بسبب واحد كان المستحق له فريق واحد فلم يختلف مستحقه (١). فصل والدلالة على أنه لم يكن ملكًا للنبي ﷺ : قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] يعني الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]؛ فهذا يدل على ثبوت حق جميع المسلمين في الفيء، فلو قسم على ما قالوه من الخمس وأربعة أخماسه للنبي ﷺ لم يبق فيه حق لمن بعد المهاجرين والأنصار وعلل في الآية فقال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فلو ملك النبي ﷺ أربعة أخماسه وخمس خمسه جاز أن يملكه لمن شاء فيصير دولة بين الأغنياء وهذا بخلاف القرآن. فإن قيل: فظاهر الآية يقتضي أن جميع مال الفيء يقسم على الخمسة المذكورين وأنه لا حق لغيرهم فيه (٢). قيل: أجمعنا على إطراح هذا وأنه ليس على ظاهره (٣). فإن قيل: نحن نتناوله على وجه وهو أن قسمة خمسه يكون على خمسة فتقديره: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فخمسه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين (٤).

стр. 509

قيل: ما في سياق الآية ما يمنع وهو قوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: ١٠]، وفي قسمته عليهم تخصيص لهم ويكون فائدة ذكر الأصناف؛ لئلا يظن ظان أنه لما كان هذا المال مصروفاً إلى المصالح العامة لا يجوز أن يعطى هؤلاء منه؛ لأن المنفعة خاصة لهم. ويدل عليه أيضًا قوله ﷺ : "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم" (١) وهذا ينفي أن يكون له أربعة أخماسه (٢). فإن قيل: الخبر دليل عليكم؛ لأنه قال: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهذا يدل على أنه يخمس (٣). قيل: قد ثبت بالخبر أنه لا يملك زيادة على الخمس وعرضنا بالدليل هذا وكونه دليلًا على تخميس مال الفيء لا يمنع ما ذكرنا من الاحتجاج به في امتناع ملكه فيما زاد عليه على أنه أراد بالخمس السهم الذي يأخذه من مال الفيء لمصالحه هو مردود عليكم لا أنه تخميس في الحقيقة (٤). فإن قيل: المراد بهذا: الغنيمة وأنه ليس لي فيها إلا خمس الخمس. بدليل: أنه: أضافه إلينا بقوله: ما أفاء الله عليكم، والغنيمة فيها بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ فأما الفيء فإنه مضاف إلى الدين خاصة (٥). قيل: الفيء عبارة عن الرجوع ومنه سمى الله تعالى وطئ المولى فيئًا، ويقال: فاء الظل إذا رجع قال امرؤ القيس (٦):

стр. 510

تيممت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الفيء عرمضها طامئ (١) والغنيمة هي: المأخوذة قهرًا فأما الذي يرجع إلينا فهو ما وصل بغير فعلنا وذلك لا يكون في الغنيمة، فصار اسم الفيء بما ذكرناه أخص فحمل الآية عليه أولى، وأيضًا فإنه مال مأخوذ بظهر المسلمين فلا يستحق النبي ﷺ أربعة أخماسه (٢). واحتج المخالف بما روى ابن عيينة (٣) عن الزهري أنه سمع مالك بن أوس بن الحدثان (٤) يقول: سمعت عمر بن الخطاب والعباس بن عبد المطلب وعلي يختصمان إليه في أموال النبي ﷺ ، فقال عمر ﵁ كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله ﷺ خاصة دون المسلمين، وكان رسول الله ﷺ ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ثم توفي رسول الله ﷺ فوليها أبو بكر بمثل ما وليها رسول الله ﷺ ثم وليتها بمثل ما ولى رسول الله وأبو بكر ثم سألتماني أن أوليكماها على أن تعملا فيها بمثل ما وليها رسول الله ﷺ ثم وليها أبو بكر ثم وليتها ثم جئتماني تختصمان تريدان أن أدفع إلى كل واحد منكما نصفه أتريدان مني قضاء غير ذلك فإن عجزتما عنها فادفعاها

стр. 511

إلي أكفيكماها (١). فوجه الدلالة: هو أن عمر ﵁ أخبر أن أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله كان لرسول الله ﷺ خالصًا، فالظاهر أن الفيء كله له وحده وظاهر الآية أن الفيء كله مقسوم على خمسة، فكان الجميع بينهما أولى من إسقاط أحدهما، وأنتم أسقطتم الخبر (٢). والجواب: أن قول عمر ﵁ مما أفاء الله على رسوله فإنما أضافها إليه؛ لأنها موقوفة على تصرفه. وقوله: كانت له خالصًا دون المسلمين له التصرف فيها؛ يبين ذلك ما روى المدايني في كتاب الخلفاء عن سعد بن خالد بالرحمان بإسناده أن فاطمة جاءت إلى أبي بكر ﵁ تطلب إرثها من هذه القرى فقال لها: والله ما خلق الله خلقًا هو أحب إلي من أبيك ولا خلق خلقًا بعد أبيك أحب إلي من أبيك ولا خلق خلقًا بعد أبيك أحب إلي منك ولئن تحتاج عائشة أيسر إلي من أن تحتاجي والذي بعث أباك بالحق ما ملك أبوك هذه الأموال قط (٣) وهذا بحضرة الصحابة، فبان أن قول عمر ﵁ أنها كانت للنبي خالصًا أي موقوفة على رأيه وتصرفه وإنها تخالف الغنيمة التي تقسم فيتصرف فيها أهلها كيف شاءوا، فعلى هذا قد حملنا الآية على ظاهرها كالخبر على وجه صحيح يعضده الإجماع (٤). واحتج: بأن الفيء مأخوذ برعب النبي ﷺ ؛ لأنه قال: "نصرت بالرعب فإن العدو يفزع مني على مسافة شهر" (٥) فإذا كان الرعب منه وجب أن يكون أربعة أخماسه لمن

стр. 512

الرعب منه كأربعة أخماس الغنيمة لمن الفزع والرعب منه وهم الحاصرون (١). والجواب: أن هذا يوجب أن نقول أن النبي ﷺ إذا كان في جملة الغانمين أن يستحق الأربعة الأخماس؛ لأن ذلك الرعب موجود فيه فلما لم ينفرد بأربعة أخماسه كذلك الفيء؛ لأنه مأخوذ برعب المسلمين (٢). فصل قلنا: يقول الخرقي: وإن الفيء يخمس (٣) فظاهر كلام الخرقي يقتضي أن جميعه يخمس ما تركوه فزعًا وهربوا، وجزية الرؤوس والجزية المأخوذة عن أرضهم باسم الخراج، ومال المرتد إذا قتل في ردته، ومال من مات منهم ولا وارث له وما يؤخذ منهم العشر إذا اختلفوا في بلاد المسلمين وما صولحوا عنه (٤)؛ لأن الخرقي قال: والفيء ما أخذ من مشرك بحال ولم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (٥)، ثم قال: فخمسا الفيء والغنيمة مقسوم على خمسة (٦)؛ فعطف الخمس على جملة الفيء. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا (٧). والثاني: لا يؤخذ إلا مما هربوا وتركوه فزعًا (٨). وجه قول الخرقي: ما روى البراء بن عازب (٩) قال: لقيت خالي ومعه راية فقلت: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل عرس (١٠) بامرأة أبيه أضرب عنقه وأخمس

стр. 513

من ماله (١). فأخبر أن مال المرتد يخمس؛ ولأنه مال أخذ من مشرك بحق الكفر بغير قتال فخمس (٢). دليله: ما هربوا وتركوه فزعًا. واحتج المخالف بأن النبي ﷺ لم يخمس الجزية، وكذلك الصحابة من بعده، وخمس ما هربوا عنه وتركوه فزعًا وهي أموال بني النضير فتحها رسول الله ﷺ صلحًا على أن لهم كل صفراء وبيضاء وما تحمله الركاب وما تركوه فهو له، فحملوا ذاك وتركوا الأرض فقسمها رسول الله ﷺ على خمسة وعشرين سهمًا (٣). والجواب: أن من نصر قول الخرقي يقابل هذا بما روي في حديث البراء وأنه خمس مال المرتد وهو أولى؛ لأن فيه زيادة حكم (٤). ٦٦ - ٥٢ مسألة: النفل (٥) مقدر الأكثر فلا يجوز للإمام أن ينفل في البداءة زيادة على الربع، وفي الرجعة زيادة على الثلث نص عليه في رواية الجماعة منهم ابن منصور فقال النبي ﷺ نفل إذا فصل الربع بعد الخمس وإذا قبل الثلث بعد الخمس يخرج الخمس ثم

стр. 514

ينفل مما بقي ولا يجاوز هذا (١) فقد نص على أنه لا يجاوز ذلك (٢)، خلافًا للشافعي في قوله: لا يتقدر أكثره وهو موكول إلى اجتهاد الإمام ورأيه (٣). دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن حبيب بن مسلمة (٤) أن رسول الله ﷺ "نفل الربع بعد الخمس في بدائته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته" (٥). فوجه الدلالة: من الخبر أن أكثر ما نقل عنه ﷺ أنه نفل الثلث فلو كانت الزيادة جائزة لفعله لتكرر النفل منه (٦). فإن قيل: نحن نقول بظاهر الخبر أن النفل موقوف على اجتهاد الإمام فيحتمل أن يكون أداه اجتهاده في ذلك الوقت إلى أن هذا القدر تحصل به المصلحة والتحريض على القتال من غير زيادة عليه، وليس فيه [أنه لو رأى من المصلحة الزيادة على ذلك] (٧) لا يجوز (٨).

стр. 515

قيل: فيما ذكرنا من الدليل جواب عنه وهو أن النفل تكرر منه ولم ينقل زيادة على ذلك ويبعد مع تكرر النفل منه في أوقات مختلفة أن ينفق قدر المصلحة بحيث لا يختلف. والذي يدل على أن ذلك تكرر منه: ﷺ ما رواه ابن بطة في سننه بإسناده عن حبيب بن مسلمة أن النبي ﷺ "كان ينفل إذا قفل في الغزو الربع بعد الخمس وينفل إذا فعل الثلث بعد الخمس" وقوله: كان أخبار عن دوام الفعل عند أهل اللغة؛ ولأنه مال يستحق بالتحريض على القتال فإذا لم يقف استحقاقه على وجود القتل يقدر أكثره (١). دليله: سهم الفارس والراجل (٢) والرضخ (٣) وفيه احتراز من السلب (٤) والأجرة. فإن قيل: المعنى في السهم أنه يتقدر أقله وهو سهم الراجل فيقدر أكثره وهو سهم الفارس، والنفل لا يتقدر أقله فلا يتقدر أكثره (٥). قيل: وعلة الفرع تبطل بالرضخ لا يتقدر أكثره بسهم الراجل وكذلك الحكومة (٦) فيما دون الموضحة (٧) يتقدر أكثرها بأرش الموضحة ولا يتقدر أقلها (٨). واحتج المخالف: بأنه: مال مأخوذ من الغنيمة لا يتقدر أقله ولا يتقدر أكثره.

стр. 516

دليله: سلب القاتل وأجرة الحمال والنقال (١). والجواب: عنه: ما تقدم وعلى أن إلحاقه بسهم الفارس والراجل والرضخ أولى من إلحاقه بالسلب والأجرة لما بينا وهو أن استحقاق ذلك يقف على وجود فعل من جهته (٢). فصل ويجوز إخراج النفل من أربعة أخماس الغنيمة (٣) نص عليه في رواية ابن منصور فقال: يخرج الخمس ثم ينفل مما قبض على النفل مما يبقى من الغنيمة بعد إخراج الخمس (٤)، وقال أيضًا في رواية صالح (٥) سعيد بن المسيب (٦) ومالك بن أنس يقولان: الخمس والربع والثلث ونحو ذلك نقل المروذي (٧) ويوسف بن موسى (٨) (٩) خلافًا،

стр. 517

والشافعي في قولهم: يكون ذلك من خمس الخمس وهو سهم المصالح (١). دليلنا: ما تقدم من حديث حبيب بن مسلمة أن النبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بدائته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته وهذا نص في أنه لم يكن النفل من خمس الخمس؛ لأنه قال: نقل الربع بعد الخمس فاقتضى ذلك إنه كان بعد كمال الخمس وإذا ثبت أنه لم يكن من الخمس ثبت أنه من أربعة أخماسها وهذا كما قال تعالى في آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] اقتضى ذلك من بعد كمال الدين والوصية وأنه يكون من بقية التركة التي تقدم ذكرها كذلك ههنا (٢). فإن قيل: معناه جعل في البدأة لكل واحد مثل ربع سهمه، وفي الرجعة لكل واحد مثل ثلث سهمه وإذا كان هذا معناه لم يقتض أن يكون النفل من غير الخمس (٣). قيل: إلا أنه إذا حمل على هذا وأنه نفل مثل ربع سهمه من الخمس لن يحصل النفل بعد الخمس بل يحصل منه والخبر يقتضي خلاف هذا. وروى ابن بطة في سننه بإسناده عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة النفل سواء قسم العامة من القسم والخمس في ذلك كله واجب (٤)، وهذا نص في أن النفل كان من الغنيمة؛ لأنه أخبر أن الخمس في ذلك كله، يعني في النفل الخاص وفي السهم العام وإنما يخص مال الغنيمة (٥).

стр. 518

ويدل عليه: ما روى ابن بطة بإسناده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلًا كثيرة وكانت سهامهم اثني [عشر] (١) بعيرًا أو إحدى [عشر] (٢) بعيرًا ثم نقلوا بعيرًا بعيرًا. فوجه الدليل: أن القوم نفلوا بعيرًا بعيرًا وكان سهم كل واحد منهم اثني عشر بعيرًا، فدل على أن خمس الخمس لا يتسع لهذا فإنه إذا كان سهم كل واحد اثني [عشر] (٣) بعيرًا نقص من أعطاهم بعيرًا (٤). فإن قيل: يحتمل أن يكون بعض الغنيمة إبلًا وبعضها غير إبل فقسم على بعضهم فأعطى كل واحد مع سهمه بعيرًا ويكون هناك بقية من الشركة (٥). قيل: قوله: فغنموا إبلًا يقتضي أنه لم يكن هناك غيرها إذ لو كان لنقل كما نقل ذكر الإبل (٦). فإن قيل: فإن سلمنا أنه لو لم يكن الغنيمة كلها فالنبي ﷺ أعطاهم خمس الخمس كله فأعطى كل واحد بعيرًا فلما فني خمس الخمس أعطى كل واحد منهم من بيت المال بعيرًا بعيرًا؛ لأنه من المصالح (٧). قيل: في الخبر "نفلوا بعيرًا بعيرًا" وما يكون من بيت المال لا يقع عليه اسم نفل وإنما يطلق هذا الاسم على الغنائم (٨). وأيضًا فإنه مال يستحق بالتحريض على القتال فوجب أن يكون من أربعة أخماس الغنيمة.

стр. 519

دليله: سهم الفارس والراجل؛ لأن النفل يستحق بمصلحة الغنيمة كأجرة الحمال والحافظ ثم ثبت أن هذه الأجرة من مال الغنيمة لا من خمس الخمس كذلك النفل وأيضًا ثبت من أصلنا أن للإمام أن يفضل بعض الغانمين على بعض من أربعة أخماس الغنيمة على الصحيح من الروايتين وإذا قال: من أخذ شيئًا فهو له رواية واحدة كذلك جاز أن ينفل لبعضهم منها (١). واحتج: بما روى مكحول أن النبي ﷺ إنما نفل من نفل يوم خيبر من الخمس (٢). والجواب: أن مكحولًا عن النبي ﷺ مرسل، وعندهم المرسل ليس بحجة (٣) وعلى أنه لا حجة فيه؛ لأننا نجوز النفل في وقت النبي من خمس الخمس؛ لأنه كان ملكًا له خالصًا يصرفه فيما شاء ويجوز من أربعة أخماسها (٤). واحتج بما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: سمعت الناس يقولون: إن السلب من خمس الخمس (٥). وقوله: كان الناس يعني الصحابة؛ لأنه تابعي لقي كثيرًا من الصحابة. والجواب: أنه يحتمل أن يريد بذلك الصحابة ويحتمل أن يكون سمعه من التابعين والإجماع لا يثبت بالشك وعلى أنه سمعه من الصحابة فهو لم يلحق جميعهم وإنما لحق بعضهم فلا يكون إجماعًا (٦). واحتج بأنه: مالٌ مخرجٌ عن وجه المصلحة فكان من سهم المصالح. دليله: أرزاق الفقهاء والقضاة وبناء المساجد وعقد القناطر والمرابطين للجهاد (٧).

стр. 520

والجواب: أنه لا يستحق بالتحريض على القتال، وهذا يستحق بالتحريض فهو كالسلب والسهم (١). ٦٧ - ٥٣ مسألة: ما فضل من مال الفيء عن المصالح فإنه يشترك فيه الغني الذي لا مصلحة له فيه والفقير (٢)، وقد روي عن أحمد ألفاظ تقتضي الاشتراك على الإطلاق في جميع مال الفيء مع وجود المصلحة ومع عدمها؛ فقال في رواية المروذي وقد ذكر له أن قومًا يقولون: ليس في هذا المال لأحد إلا للعلماء ولحملة القرآن، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا وقال: كيف صار للعلماء، وحديث حصين أن عمر قال: ما أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيبٌ إلا العبد فليس له شيء (٣)، وقال في رواية أبي النضر وبكر ابن محمد: والفيء ما صولح عليه من خراج الأرضين وجزية الرؤس فيه حق لكل المسلمين وهو بين الغني والفقير (٤)، وقال في رواية أحمد بن سعيد: الفيء الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم (٥)، وكذلك نقل أبو طالب (٦): الفيء للمسلمين الغني والفقير سواء، ومن أعان ومن لم يعن فيه سواء (٧)، وقال في رواية الحسن بن علي بن الحسن الإسكافي (٨) (٩) وقد سأله عن الفيء للمسلمين عامة أو لقوم دون قوم؟ قال: للمسلمين عامة (١٠)، فقد أطلق القول في ذلك وهذا محمول على ما ذكرنا فيما فضل عن المصالح، فأما إن كان هناك مصالح كأرزاق العمال والقضاة والقناطر وتجهيز الغزاة ونحو ذلك فإنه يبدأ به، وقد روي عن أحمد ما يدل على

стр. 521

هذا، فقال في رواية المروذي (١) في غلة السواد: أنت تعلم أن هذه لا تقيمنا وإنما أخذها على الاضطرار، وقال في رواية بكر بن محمد (٢): الفيء ما صولح عليه من الأرضين وجزية الرءوس وخراج الأرضين السواد وغيرها لكل مسلم فيه حق إن رآه الإمام وأعطى الناس، وإن لم يبلغ ذلك ولم يعط الإمام وكان عدلًا على ما يرى فيه ويجتهد (٣)، وقال في رواية المروذي (٤): "من كان في العطاء إنما أخذوه على الفقر وأعجبه حديث طلحة (٥) قال مالك قلت: لطلحة يا أبا عبد الله لو وجدت غناءً عن العطا لتركته؟ قال: ما هكذا نقول" وهذا الكلام من أحمد يدل على أنه يصرف في الحاجات؛ لأنه بين أن ما كان أخذ من غلة السواد إنما كان يأخذه على الحاجة وأن من كان يأخذ العطاء كان يأخذه للحاجة وإن الإمام يجتهد في ذلك وله أن يعطي وله أن يمنع، ويجوز أن يحمل قوله أيضًا: الغني الفقير على معنى أن منافع مال الفيء يشترك في الانتفاع بها الغني والفقير؛ كالقناطر والمساجد والسقايات والأذان والقضاء والجهاد ونحو ذلك (٦) خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يجوز صرف ما فضل إلا في مصلحة، ثم اختلفوا فقال بعضهم: يفرق الفضل على أهل الفيء؛ لأن المال للمصالح وقال بعضهم في الكراع والسلاح (٧). دليلنا: ما روى أبو عبيد (٨) في كتاب الأموال بإسناده عن الزهري (٩)، في حديث عمر "حين دخل عليه العباس وعلي يختصمان فذكر عمر الأموال ثم قرأ هذه الآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ

стр. 522

الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٧ - ٩]، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: ١٠]. فاستوعبت هذه الآية الناس ولم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق أو حظ إلا بعض من يملكون من أرقابهم وإن عشت إن شاء الله ليأتين كل مسلم حقه أو قال حظه حتى يأتي الراعي بسرو حمير (١) لم يعرق فيه جبينه" (٢). وظاهر هذا أنه يشترك في أخذه جماعة؛ لأنه احتج بالآية واستثنى من جملة المسلمين العبيد ولم يخالفه أحد من الصحابة (٣). وروى أبو عبيد في موضع آخر من كتابه بإسناده عن مخلد [الغفاري] الرفاعي (٤) "أن ثلاثة مملوكين لبني غفار شهدوا بدرًا فكان عمر يعطي كل إنسان منهم كل سنة ثلاثة آلاف" وتأوله أبو عبيد على أن ذلك على طريق الرضخ من الفيء كما يرضخ له من الغنيمة وليس على طريق العطاء الجاري أن ما يأخذه يكون لسيده وقد فرض لسيده فريضة (٥).

стр. 523

وروى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي (١) قال: لما افتتح عمر العراق والشام وجبى الخراج جمع أصحاب النبي ﷺ فقال: إني قد رأيت أن أفرض العطاء لأهله الذين افتتحو قالوا: نعم الرأي ما رأيت يا أمير المؤمنين قال: فيمن أبدأ قالوا: ومن أحق بذلك منك ابدأ بنفسك، قال: لا ولكني أبدأ بآل رسول الله ﷺ عائشة أم المؤمنين في اثني عشر ألفًا وكتب سائر أزواج النبي ﷺ في عشرة آلاف، ثم فرض بعد أزواج رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب خمسة آلاف ولمن شهد بدرًا من بني هاشم (٢). فوجه الدلالة: أنه أعطى أزواج رسول الله ﷺ وغيرهم من النساء وإن لم يكونوا يدفعون عن المسلمين ولا كان جميعهم علماء يأخذون بعلمهم، ولأن مال الغنيمة يختص بها جماعة الغانمين؛ لأن الفزع حصل بهم كذلك ههنا الفزع حصل بجماعة المسلمين فيجب أن يكون لجماعتهم الأغنياء والفقراء كما كان سهام الغنيمة لجماعتهم (٣). فإن قيل: إنما يحصل بمن ربطوا أنفسهم للجهاد دون غيرهم فكان يجب أن يختصوا بذلك (٤). قيل: فكان يجب أن يكون خمس الغانمين دون غيرهم ممن يحضر؛ لأن بهم حصل الفزع والمال ويدل عليه وإن حق جماعة المسلمين ثابت فيه أن من لا منفعة للمسلمين فيه لو سرق من بيت المال لم يقطع فلو أن له حقا فيه لوجب أن يقطع (٥). فإن قيل: إنما سقط القطع؛ لأن حقه قد ثبت في الباقي وهو إذا افتقر (٦). قيل: ما يسقط القطع إنما يعتبر بحالة القطع وكذلك إتلاف العين المسروقة وملكها لا يسقطه، ويدل عليه أن له الانتفاع بما عقد من القناطر وبناء المساجد والسقايات

стр. 524

والجسورة فلولا أن حقه ثابت فيه لم يجز له ذلك (١). فإن قيل: إنما ثبت حقهم في ذلك؛ لأنه لا يمكن تخصيص المستحق منهم من غيرهم (٢). قيل: كان يجب أن يصرف على وجه يختص به المستحق دون غيره كما صرف سهم اليتامى والصدقات على وجه يختصهم دون غيرهم (٣). واحتج المخالف بأن من لا حاجة له إلى الفيء ولا منفعة للمسلمين به لا يجوز أخذه منه كالعبيد وأهل الذمة (٤). والجواب: أن الذمي والعبد لا يحصل الفزع بهما؛ لأنهما ليسا من أهل القتال مع كونهما على صفة القتال. بدليل: أنه لا يجب عليهما الجهاد وإذا حضرا لم يتعين عليهما الثبات فإن لم يستحقا من بيت المال شيئًا وليس كذلك الغنى الحر المسلم؛ لأن الفزع يحصل به. بدليل: أنه من أهل القتال فلهذا فرقنا بينهما، ولأنه ليس إذا لم يكن للكافر والعبد لم يكن للغني؛ ألا ترى أنهما لو حضرا القتال لم يستحقا السهم والغني يستحق كذلك في الفيء وعلى أن العبد لا يملك وما يأخذه لسيده وقد أخذ سيده مرة (٥). واحتج بأنه: لما كان خمس الخمس الذي للنبي ﷺ مصروفًا إلى أهل الديوان أو إلى جميع المصالح يجب أن يكون مال الفيء كذلك (٦). والجواب: أنه لا يجب هذا كما لا يجب في أربعة أخماس الغنيمة فإنها تنصرف إلى الأغنياء والفقراء ومن فيه منفعة بالقتال ومن لا منفعة فيه مثل تجار العسكر والأجراء فإن كان خمس الخمس من الغنيمة يختص بأهل الديوان، قال أحمد في رواية أبي طالب:

стр. 525

النبي ﷺ وأبو بكر اقسموا بالسوية ولم يفضلوا، وفضل عمر فلما كان عثمان كان ست سنين على الأمر ثم بعد ذلك فضل قومًا، وقال في رواية عبد الله: أما علي فلم يفضل (١). ٦٨ - ٥٤ مسألة: خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم، سهم النبي ﷺ مصروف إلى أهل الديوان على ما نذكره فيما بعد، ولذي القربى يستوي غنيهم وفقيرهم للذكر مثل حظ الأنثيين يكون ذلك لبني هاشم وبني المطلب، ولا يستحقه بنو أمية، ولا بنو نوفل ويستحقه من ينسب إلى هؤلاء بأبيه، ولا يستحق ولد البنات شيئًا منه، ولليتامى الفقراء منهم دون الأغنياء، وللمساكين ولأبناء السبيل (٢)، نص على هذا في رواية عبد الله (٣) وحنبل (٤) والمروذي (٥) فقال: أربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة ثم يقسم الخمس على خمسة، خمس الله وللرسول واحد، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم (٦)، وفي رواية أبي طالب (٧): سهم الله والرسول واحد (٨)، فلما مات رسول الله ﷺ جعل أبو بكر وعمر في الكراع والسلاح فهو كما جعلوه، وبهذا قال الشافعي (٩)، وقال أبو حنيفة: الخمس يقسم على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، فمن كان من ذوي القربى بهذه الصفة دخل في جملة المستحقين والذكر والأنثى سواء، ومن كان منهم غنيًا لم يدخل في ذلك، وأما سهم النبي ﷺ فإنه يسقط بموته فلا يجوز صرفه في الكراع والسلاح ونحو ذلك من المصالح، وإن اقتصر في قسمته على واحد من الثلاثة يجزيه كما يجزى ذلك في الزكاة إذا اقتصر على واحد من الأصناف (١٠)، وقال مالك: خمس الغنيمة وجميع الفيء لا يستحقه واحد بعينه بل النظر فيه إلى اجتهاد

стр. 526

الإمام يصرفه على ما يؤدي إليه اجتهاده من المصالح (١). فالدلالة على أن سهم النبي ﷺ لم يسقط بموته وأنه يصرف إلى أهل الديوان؛ ما روى محمد بن جبير بن مطعم (٢) عن أبيه (٣) أن النبي ﷺ قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (٤) وظاهر هذا أنه مردود على الجماعة، وعندهم قد سقط ولأنه إجماع الصحابة روي أن أبا بكر ﵁ قال في خبر طويل حين طالبته فاطمة ﵂ بميراث النبي ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله إذا أطعم نبيا طعمة فإنها للذي بعده" وقد وليت ذلك وقد رأيت أن أردها على المسلمين (٥) فأخبر أنه يردها على جماعتهم، وقوله: "يكون للذي بعده" يعني تكون الولاية فيها للذي بعده فيتصرف فيه بحق النظر والاجتهاد بدلالة قول أبي بكر وقد وليت ذلك ورأيت أن أردها على المسلمين فعلم أن المراد بذلك حق الولاية والنظر دون الملك، ولأنه صنف من أهل الخمس له سهم فوجب أن يكون سهمه على التأكيد كاليتامى والمساكين وأبناء السبيل (٦). واحتج المخالف: بأنه سهم كان يستحقه في حياته فسقط بوفاته (٧).

стр. 527

دليله: الصفي من الغنيمة (١). والجواب: أن الصفي لم يكن سهمًا وإنما كان للملاذة وشهواته وكان يختار من المغنم ما يحب وبموته زال ذلك المعنى، فلهذا سقط بموته وليس كذلك في مسألتنا، فإن كان سهمًا راتبًا وكان مصرفه في حياته؛ لأن الرعب يحصل به فوجب أن يكون بعده لمن الفزع والرعب منه وهم أهل الديوان (٢). واحتج بأنه: لما كان مستحقًا في حال الحياة وجب أن يصير صدقة بعد موته؛ لأنه قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" (٣)، وأقل أحوال السهم أن يكون مما تركه فيجب أن يصير صدقة ويرجع إلى الفقراء والمساكين وابن السبيل ومثل سائر الصدقات (٤). والجواب: أن قوله: "ما تركناه صدقة" أراد به في حكم الصدقة بمعنى أنه لا يورث (٥). فصل وإذا ثبت أن سهم رسول الله ﷺ باق فإن مصرفه إلى أهل الديوان وهم الذين نصبوا أنفسهم للقتال وانفردوا في الثغور، يقسم على قدر كفاياتهم أو تنقص، فإن كانت كفاية واحد مائة وكفاية آخر مائتان وكفاية آخر ثلاثمائة، قسم بينهم فأعطى لصاحب المائة السدس ولصاحب المائتين الثلث ولصاحب الثلثمائة النصف وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية صالح (٦)؛ فقال: يعزل الخمس أعطاه أهل الديوان المقاتلة دون غيرهم، وكذلك قال

стр. 528

في رواية أبي طالب (١): سهم الله والرسول واحدٌ فلما مات رسول الله ﷺ جعله أبو بكر في الكراع والسلاح فهو كما جعله لا يجوز صرفه لغير أهل الديوان فقد نص في رواية صالح (٢): أنه يعطاه أهل الديوان المقاتلة (٣)، وفي رواية أبي طالب (٤) قال: لا يصرف إلى غير أهل الديوان إلا أنه قال يصرف في الكراع والسلاح، ومن قال هو لأهل الديوان قال: لا يصرف في الكراع والسلاح (٥)، وظاهر كلام الخرقي (٦) أنه لمصالح المسلمين؛ لأنه قال: سهم الرسول يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين (٧)، فعلى قوله: ابتداء بالأهم فالأهم يبدأ بأهل القتال الذين ثبتوا في الديوان؛ لأنهم بيضة المسلمين يعطون قدر الكفاية فما فضل قدمنا الأهم فالأهم فيكون في المساجد، والقناطر، والسقايات، وأهل العلم والقضاة فعلى ما نص عليه أحمد لا يتعدى به أهل الديوان، وعلى قول الخرقي يقسم عليهم وعلى غيرهم، فعلى قوله يكون قسمته وقسمة مال الفيء سواء، وللشافعي خمس الفيء والغنيمة يصرف في المصالح قولا واحدًا (٨)، وأما أربعة أخماس الفيء فعلى قولين (٩): أحدهما: مثل خمس الخمس. والثاني: يختص بالغزاة. والوجه لتخصيص أهل الديوان به هو أنه لما كان هذا السهم في حياة النبي ﷺ ؛ لأن الرعب منه والفزع به وجب أن يكون بعده لمن الرعب منه والفزع منه والفزع إنما يحصل بأهل الديوان (١٠).

стр. 529

والوجه لمن عم بذلك جميع المصالح ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (١) فأخبر أنه مردود على الجماعة (٢). والجواب: أنه إذا صرف على أهل الديوان فإنه مردود علينا (٣). فصل والدلالة على أن سهم ذوي القربى يستحق بالقرابة ويستوي فيه الغني والفقير وقد ذكره أبو إسحاق في تعاليقه على كتاب العلل؛ فقال: اعط ذا القربى حقه وحق القرابة صلة الرحم، قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] وفيها دليلان: أحدهما: أنه جعل لذوي القربى قسطًا منه ولم يفرق بين الفقراء منهم والأغنياء. والثاني: أنه علق ذلك باسم القرابة؛ كقولك أوصيت بثلث مالي لقربى فلان فإن الاستحقاق بالقرابة فمن علقه بالفقر فقد عدل عن الظاهر (٤). فإن قيل: ذوي القربى لا يختص بقرابة النبي ﷺ دون غيره؛ ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] ولم يرد به قربى النبي ﷺ فاحتمل أن يريد بالقربى قربى المسلمين دون قربى النبي ﷺ (٥). قيل: لو كان المراد به قربى المسلمين لم يعطف عليه اليتامى والمساكين وأبناء السبيل قربى المسلمين، وأما قولهم "وآت ذا القربى حقه" فالمراد به: قربى النبي ﷺ هكذا ذكره مقاتل في تفسيره وقال في نسخة: اعط ذا القربى حقه وحق القرابة صلة الرحم (٦).

стр. 530

فإن قيل: لا يجوز أن يقال: إن استحقاقه بالاسم؛ لأن النبي ﷺ حرم بني عبد شمس (١) والاسم موجود فيهم؛ لأنه أخو هاشم لأبيه وأمه وأعطى بني المطلب وهو أخو هاشم لأبيه (٢). قيل: الاستحقاق بالاسم ولكن حرمهم لوجود معنى من جهتهم وهو أنهم قعدوا عن نصرة بني هاشم وبني المطلب حين خرجوا عن مكة إلى الشعب، ولا يمتنع أن تكون القرابة واحدة فيفعل بعضهم ما يسقط به حق القرابة كما لو كان له ابنان فقتل أحدهما أباهما سقط ميراثه بالقتل وورثه الآخر وإن كانا في القرابة سواء كذلك ههنا. وجواب آخر وهو: أن الاستحقاق بالقرابة والتقدم بالنصرة ومثل هذا غير ممتنع كما لو خلف أخوين أحدهما لأب وأم، والآخر لأب فإن الميراث للأخ من الأب والأم لامه يدلي بالأم وإن لم يكن لها مدخل في التعصيب مع تساويهما في التعصيب ولا يجوز أن يقال أن هذه وردت في الأقربين الذين كانوا في وقت النبي ﷺ وانقرضوا؛ لأنه لو جاز ذلك في الأقربين لجاز في اليتامى إذ المراد به: الذين كانوا في وقت النبي ﷺ ، واحد ما قال هذا وأيضًا ما روى أبو بكر بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: حدثني جبير بن مطعم أنه جاء وعثمان بن عفان فكلما رسول الله ﷺ فيما قسم من خمس خيبر بين بني هاشم وبين بني المطلب فقال: يا رسول الله! قسمت لإخواننا بني المطلب بن عبد منافٍ ولم تعطنا شيئًا وقرابتنا مثل قرابتهم فقال رسول الله ﷺ : "إنما أرى هاشمًا والمطلب شيئًا واحدًا" (٣). وفي لفظ آخر: قلنا: يا رسول الله، هؤلاء بني هاشم لا ينكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله منهم فما بال إخواننا بنو المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "إنا وبنو المطلب لا نفرق في جاهلية ولا إسلام" (٤) وقسم لبني هاشم وبني المطلب ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل فمن الخبر ثلاث أدلة:
следующие страницы →