← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الإمام يصرفه على ما يؤدي إليه اجتهاده من المصالح (١). فالدلالة على أن سهم النبي ﷺ لم يسقط بموته وأنه يصرف إلى أهل الديوان؛ ما روى محمد بن جبير بن مطعم (٢) عن أبيه (٣) أن النبي ﷺ قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (٤) وظاهر هذا أنه مردود على الجماعة، وعندهم قد سقط ولأنه إجماع الصحابة روي أن أبا بكر ﵁ قال في خبر طويل حين طالبته فاطمة ﵂ بميراث النبي ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله إذا أطعم نبيا طعمة فإنها للذي بعده" وقد وليت ذلك وقد رأيت أن أردها على المسلمين (٥) فأخبر أنه يردها على جماعتهم، وقوله: "يكون للذي بعده" يعني تكون الولاية فيها للذي بعده فيتصرف فيه بحق النظر والاجتهاد بدلالة قول أبي بكر وقد وليت ذلك ورأيت أن أردها على المسلمين فعلم أن المراد بذلك حق الولاية والنظر دون الملك، ولأنه صنف من أهل الخمس له سهم فوجب أن يكون سهمه على التأكيد كاليتامى والمساكين وأبناء السبيل (٦). واحتج المخالف: بأنه سهم كان يستحقه في حياته فسقط بوفاته (٧).

стр. 527

دليله: الصفي من الغنيمة (١). والجواب: أن الصفي لم يكن سهمًا وإنما كان للملاذة وشهواته وكان يختار من المغنم ما يحب وبموته زال ذلك المعنى، فلهذا سقط بموته وليس كذلك في مسألتنا، فإن كان سهمًا راتبًا وكان مصرفه في حياته؛ لأن الرعب يحصل به فوجب أن يكون بعده لمن الفزع والرعب منه وهم أهل الديوان (٢). واحتج بأنه: لما كان مستحقًا في حال الحياة وجب أن يصير صدقة بعد موته؛ لأنه قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" (٣)، وأقل أحوال السهم أن يكون مما تركه فيجب أن يصير صدقة ويرجع إلى الفقراء والمساكين وابن السبيل ومثل سائر الصدقات (٤). والجواب: أن قوله: "ما تركناه صدقة" أراد به في حكم الصدقة بمعنى أنه لا يورث (٥). فصل وإذا ثبت أن سهم رسول الله ﷺ باق فإن مصرفه إلى أهل الديوان وهم الذين نصبوا أنفسهم للقتال وانفردوا في الثغور، يقسم على قدر كفاياتهم أو تنقص، فإن كانت كفاية واحد مائة وكفاية آخر مائتان وكفاية آخر ثلاثمائة، قسم بينهم فأعطى لصاحب المائة السدس ولصاحب المائتين الثلث ولصاحب الثلثمائة النصف وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية صالح (٦)؛ فقال: يعزل الخمس أعطاه أهل الديوان المقاتلة دون غيرهم، وكذلك قال

стр. 528

في رواية أبي طالب (١): سهم الله والرسول واحدٌ فلما مات رسول الله ﷺ جعله أبو بكر في الكراع والسلاح فهو كما جعله لا يجوز صرفه لغير أهل الديوان فقد نص في رواية صالح (٢): أنه يعطاه أهل الديوان المقاتلة (٣)، وفي رواية أبي طالب (٤) قال: لا يصرف إلى غير أهل الديوان إلا أنه قال يصرف في الكراع والسلاح، ومن قال هو لأهل الديوان قال: لا يصرف في الكراع والسلاح (٥)، وظاهر كلام الخرقي (٦) أنه لمصالح المسلمين؛ لأنه قال: سهم الرسول يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين (٧)، فعلى قوله: ابتداء بالأهم فالأهم يبدأ بأهل القتال الذين ثبتوا في الديوان؛ لأنهم بيضة المسلمين يعطون قدر الكفاية فما فضل قدمنا الأهم فالأهم فيكون في المساجد، والقناطر، والسقايات، وأهل العلم والقضاة فعلى ما نص عليه أحمد لا يتعدى به أهل الديوان، وعلى قول الخرقي يقسم عليهم وعلى غيرهم، فعلى قوله يكون قسمته وقسمة مال الفيء سواء، وللشافعي خمس الفيء والغنيمة يصرف في المصالح قولا واحدًا (٨)، وأما أربعة أخماس الفيء فعلى قولين (٩): أحدهما: مثل خمس الخمس. والثاني: يختص بالغزاة. والوجه لتخصيص أهل الديوان به هو أنه لما كان هذا السهم في حياة النبي ﷺ ؛ لأن الرعب منه والفزع به وجب أن يكون بعده لمن الرعب منه والفزع منه والفزع إنما يحصل بأهل الديوان (١٠).

стр. 529

والوجه لمن عم بذلك جميع المصالح ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (١) فأخبر أنه مردود على الجماعة (٢). والجواب: أنه إذا صرف على أهل الديوان فإنه مردود علينا (٣). فصل والدلالة على أن سهم ذوي القربى يستحق بالقرابة ويستوي فيه الغني والفقير وقد ذكره أبو إسحاق في تعاليقه على كتاب العلل؛ فقال: اعط ذا القربى حقه وحق القرابة صلة الرحم، قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] وفيها دليلان: أحدهما: أنه جعل لذوي القربى قسطًا منه ولم يفرق بين الفقراء منهم والأغنياء. والثاني: أنه علق ذلك باسم القرابة؛ كقولك أوصيت بثلث مالي لقربى فلان فإن الاستحقاق بالقرابة فمن علقه بالفقر فقد عدل عن الظاهر (٤). فإن قيل: ذوي القربى لا يختص بقرابة النبي ﷺ دون غيره؛ ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] ولم يرد به قربى النبي ﷺ فاحتمل أن يريد بالقربى قربى المسلمين دون قربى النبي ﷺ (٥). قيل: لو كان المراد به قربى المسلمين لم يعطف عليه اليتامى والمساكين وأبناء السبيل قربى المسلمين، وأما قولهم "وآت ذا القربى حقه" فالمراد به: قربى النبي ﷺ هكذا ذكره مقاتل في تفسيره وقال في نسخة: اعط ذا القربى حقه وحق القرابة صلة الرحم (٦).

стр. 530

فإن قيل: لا يجوز أن يقال: إن استحقاقه بالاسم؛ لأن النبي ﷺ حرم بني عبد شمس (١) والاسم موجود فيهم؛ لأنه أخو هاشم لأبيه وأمه وأعطى بني المطلب وهو أخو هاشم لأبيه (٢). قيل: الاستحقاق بالاسم ولكن حرمهم لوجود معنى من جهتهم وهو أنهم قعدوا عن نصرة بني هاشم وبني المطلب حين خرجوا عن مكة إلى الشعب، ولا يمتنع أن تكون القرابة واحدة فيفعل بعضهم ما يسقط به حق القرابة كما لو كان له ابنان فقتل أحدهما أباهما سقط ميراثه بالقتل وورثه الآخر وإن كانا في القرابة سواء كذلك ههنا. وجواب آخر وهو: أن الاستحقاق بالقرابة والتقدم بالنصرة ومثل هذا غير ممتنع كما لو خلف أخوين أحدهما لأب وأم، والآخر لأب فإن الميراث للأخ من الأب والأم لامه يدلي بالأم وإن لم يكن لها مدخل في التعصيب مع تساويهما في التعصيب ولا يجوز أن يقال أن هذه وردت في الأقربين الذين كانوا في وقت النبي ﷺ وانقرضوا؛ لأنه لو جاز ذلك في الأقربين لجاز في اليتامى إذ المراد به: الذين كانوا في وقت النبي ﷺ ، واحد ما قال هذا وأيضًا ما روى أبو بكر بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: حدثني جبير بن مطعم أنه جاء وعثمان بن عفان فكلما رسول الله ﷺ فيما قسم من خمس خيبر بين بني هاشم وبين بني المطلب فقال: يا رسول الله! قسمت لإخواننا بني المطلب بن عبد منافٍ ولم تعطنا شيئًا وقرابتنا مثل قرابتهم فقال رسول الله ﷺ : "إنما أرى هاشمًا والمطلب شيئًا واحدًا" (٣). وفي لفظ آخر: قلنا: يا رسول الله، هؤلاء بني هاشم لا ينكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله منهم فما بال إخواننا بنو المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "إنا وبنو المطلب لا نفرق في جاهلية ولا إسلام" (٤) وقسم لبني هاشم وبني المطلب ولم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل فمن الخبر ثلاث أدلة:

стр. 531

أحدها: أن عثمان من أيسر قريش فلم يقل له النبي ﷺ إنما هذا للفقراء منكم وأنت فرجل غني؛ بل احتج عليه بأمر آخر وإن بني المطلب ما افترقوا في جاهلية ولا إسلام وإن النصرة كانت منهم دونكم فإنه روى: أن بني المطلب خرجوا مع بني هاشم إلى الشعب دون بني عبد شمس ونوفل. والثاني: أنه قسم لبني هاشم، وبني المطلب دون بني عبد شمس ونوفل فلو كان الاستحقاق بالفقر لما خص بذلك بطنين ومنع بطنين مع وجود الفقر فيهم بطل اعتبار الفقر (١). فإن قيل: فلو كان مستحقًا بالاسم لم يحرم بطنين والاسم موجود فيهم (٢). قيل: إنما حرمهم لما ذكرنا وهو: أنه وجد من جهتهم ما أسقط أو لأنه حصل مع غيرهم مزية وهي النصرة (٣). الثالث: أن جبير بن مطعم وعثمان قررا على النبي ﷺ أن السهم مستحق بالقرابة فأنكروا حين خص بعضهم بالعطية مع مساواتهم في القرابة فلم ينكر عليهم ذلك بل أقرهم واعتذر في ذلك بأن لهم مزية وهو أنهم ما فارقوه في جاهلية ولا إسلام. وأيضًا ما روى أبو بكر بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٤) قال: سمعت عليًا يقول: "اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقا من هذا الخمس في كتاب الله فاقسمه حياتك كي لا ينازعني أحد بعدك فافعل قال: فقسمته حياة رسول الله ﷺ ثم ولاية أبي بكر حتى كانت آخر سنة من سنين عمر فإنه أتاه مال كثيرٌ فعزل حقنا ثم أرسل إلي فقلت بنا عنه غنا العام وبالمسلمين

стр. 532

إليه حاجة فاردده عليهم ثم لم يدعوني إليه أحد بعد عمر فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر فقال: يا علي أحرمتنا الغداة شيئًا لا يرد علينا أبدًا وكان رجلًا داهيا" (١) فدل هذا الخبر على ثبوت السهم يقول علي: إن رأيت أن توليني حقنا من الخمس في كتاب الله تعالى فاثبت حقنا ونسبه إلى الله تعالى فأقره النبي ﷺ وولاه قسمته ودل على أنه لم يسقط بموت النبي ﷺ ، ويقول علي للنبي ﷺ لئلا ينازعني فيه أحد بعدك، وهذا يدل على بقاءه بعده وأنه ولاه ذلك ليزول النزاع على أن المعنى له مدخل فيه؛ لأن العباس كان يقسم عليه ويتأسف على رد علي لذلك وكان من مياسير الصحابة فدل على ما ذكرنا (٢). فإن قيل: يحتمل أن يكون في ذلك الوقت كان فقيرًا وإن كان قد ثبت يساره (٣). قيل: ذلك كما كان أبو بكر مؤسرًا ثم افتقر. قيل: لم ينقل عن العباس أنه افتقر كما نقل عن أبي بكر؛ لأن عليًا قال لعمر بنا عنه غنى العام ولو كان يومئذ العباس فقيرًا لم يصرفه عنه (٤). فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي ﷺ أعطاه ليفرقه على فقراء قرابته؛ لأنه كان رئيس أهل بيت النبي ﷺ وكان أعرف بمن يستحقه منهم كما يعطي الساعة نقيب الهاشميين. لتفرقة على فقراء بني هاشم (٥). قيل: هذا لا يصح؛ لأنه قال لعلي أحرمتنا الغداة شيئًا لا يرد إلينا وهذا لا يقال فيما طريقه الولاية ولأن عليا قال للنبي ﷺ ولني حقنا من هذا وكان معه العباس فأثبت

стр. 533

بجماعتهم الحق في ذلك، فأما الولاية في القسمة فليست بحق له، ولأنه إن جاز أن يقال: هذا في العباس جاز أن يقال فيما دفعه إلى جابر وغيره من نقباء الأصل ليفرقه عليهم أن ذلك كان على طريق الولاية وأنه لا حق لجابر فيه واحد ما قال هذا، وأيضًا فإن قرابة النبي ﷺ حرموا الصدقات وجعل لهم بإزاية خمس الخمس. بدلالة ما روي أن الفضل بن العباس (١) وقثم طلبا من النبي ﷺ العمالة على الصدقات فقال: "ليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس" (٢) فإذا كان استحقاق الخمس في مقابلة حرمان الصدقات، ثم حرمان الصدقات باقٍ في جميع الأوقات، كذلك استحقاق الخمس وتحريره إن كل قرابة حرمت ما لا وجب أن يعطى بإزائه مالا كأقرباء الميت لما حرموا الوصية أعطوا بإزاءها الميراث (٣). فإن قيل: الذين حرموا الصدقات من ذوي القربى ونحن نجعل لهم حقا في الخمس فأما الأغنياء فما كانت تحل لهم الصدقات لو لم يكونوا من ذوي القربى فيجب أن يجعل لهم سهم من الخمس (٤). قيل: ليس الأمر على هذا؛ لأن الصدقة تحل للأغنياء غير ذوي القربى وهم المؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله وابن السبيل فإذا كانوا من ذوي القربى حظر عليهم ذلك فيجب أن يجعل لهم بإزائه حقا من الخمس (٥).

стр. 534

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ ثم قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فأمر بقسمة الفيء على وجه لا يكون دولة بين الأغنياء فلو قلنا: إنه يستحق بالاسم استحقه الغنى فصار دولة بين الأغنياء (١). والجواب: أنه منع الله تعالى من صرف جميعه إلى الأغنياء وعندنا أكثره للفقراء وأقله للأغنياء فلا يخالف ما تناولته الآية (٢). واحتج: بما روي عن أبي بكر وعمر كان لا يعطيان منه إلا الفقراء من قرابة النبي ﷺ . وروي عن محمد بن علي (٣) أنه سئل عن سهم ذوي القربى فقيل له ما فعل به علي حين صار الأمر إليه فقال: سلك به سبيل أبي بكر وعمر (٤) وإذا ثبت هذا صح مذهبنا من وجهين: أحدهما: قوله: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٥). والثاني: قوله: "اقتدوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (٦)، وروي "أن عليًا كرم الله وجهه دخل على عمر ﵁ في العام الذي قبض فيه فعرض عليه سهم ذوي القربى فقال علي: إن

стр. 535

بنا العام غنًا وإن بالناس إليه حاجة" (١) فجعل علة الامتناع من أخذه أن بهم غنًا، وروى ابن عباس: أن الخمس الذي كان يقسم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم: لله وللرسول ولذي القربي سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ثلاثة أسهم لليتامى، والمساكين، وابن السبيل (٢) (٣). والجواب: أنا قد روينا عن علي أنه قال: "إن رأيت توليني حقنا من الخمس في كتاب الله" (٤) وهذا يثبت حقا وإن كان أبو بكر ولاه ذلك حياته، وكذلك عمر إلى آخر سنة من سني عمر، وقول العباس حرمتنا شيئًا لا يرد علينا أبدًا، وهذا يعارض ما رووه ويخالفه فلم يكن في ذلك حجة، وروى الحكم بن عيينة (٥) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "لقيت عليًا عند أحجار الزيت فقلت له: بأبي أنت وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس قال علي أما أبو بكر فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد أوفانا، وأما عمر فلم يزل يعطيناه حتى جاء مال السوس، والأهواز، ومال فارس فقال عمر: بالمسلمين خلة فإن أحببتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم، فقال العباس لعلي: لا تطعمه في حقنا، فقلت: يا أبا الفضل ألسنا أحق من أجاب أمير المؤمنين ودفع خلة المسلمين فتو في عمر قبل أن يأتيه مال فيقضيانه" (٦) وهذا كله يعارض ما رووه (٧).

стр. 536

واحتج: بما روى أهل السيرة أن النبي ﷺ نفل الخمس بهوازن فلم يدفع منه إلى هاشمي شيئًا، ولو كان حقا لهم لم يجز أن يسقط حقهم وقسم خيبر فلم يجعل للعباس شيئًا فيها، وقسم لفاطمة ولم يقسم لبنته زينب ولا لأم كلثوم، ولو كان الحق للجماعة لم يخص فاطمة ويمنع أختيها، ولذلك لم يقسم من خيبر للحصين بن الحارث بن المطلب ولا لأخيه الطفيل بن الحارث (١) وقد شهدا بدرًا فروي عن علي أنه قال لفاطمة ذات يوم: "قد جاء الله أباك بسعة ورقيق فاستمدي منه فذكرت ذلك له فقال: والله لا أعطيكما وادع أهل الصفة يطوون بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم ولكن أبيعها وأنفق عليهم" (٢) ولو كان لها في الخمس حق لم يمنعها منه لأجل أهل الصفة (٣). والجواب: أن هذا يعارض ما روى أبو سعيد بإسناده عن أبي العالية (٤) قال: "كان رسول الله ﷺ يؤتى بالغنيمة فيضرب بيديه فما وقع فيها من شيء جعله للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم ما بقي على خمسة فيكون للنبي سهم، ولذي القربي سهم، ولليتامى سهم وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم قال: والذي جعله للكعبة هو سهم الله" (٥)، وقوله: كان إخبار عن دوام الفعل؛ لأنه يحتمل أن يكون من منعه سهمه كان عن إذنه واختياره، وأما حديث فاطمة وأنه منعها لأجل أهل الصفة هو مطرح الظاهر؛ لأن عندهم أنه يدفع

стр. 537

إليهم مع الفقر وقد كانت محتاجة (١). واحتج بأن: هذا سهم من الخمس فوجب أن لا يستحق إلا بالفقر والحاجة. دليله: سهم اليتامى ولا يلزم عليه سهم النبي ﷺ ؛ لأنه سقط بوفاته والتعليل يقع لسهم ثابت، ولأن سهم النبي ﷺ كان يستحق في حياته بالفقر، وقد قال أبو إسحاق في تعاليقه على كتاب العلل: إن قال شافعي على أن سهم ذوي القربى يستحقه الغني والفقير بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، يقال له. لما كان اليتامى إنما يستحقون ذلك متى كانوا فقراء كذلك ذوي القربى وهذا من أبي إسحاق أن ذوي القربى يستحقون بالفقر كاليتامى (٢). والجواب: أنه يبطل بابن السبيل فإنه سهم من الخمس ويأخذون مع الغنى وعلى أن المعنى في الأصل أن الله تعالى خص اليتامى بالذكر، وهو في عرف العادة ينطلق عليهم على وجه الرفق والترحم، ومن كان إعطاءه على هذا الوجه كان سبيل الحاجة والفقر وليس كذلك سهم ذوي القربى؛ لأنه يستحق بالقرابة وبالقرابة والنصرة فلهذا اشترك فيه الأغنياء والفقراء كالورثة، ولأن اليتامى لم يعطوا ذلك في مقابلة حرمان مال وليس كذلك ههنا؛ لأنه جعل لها الخمس بإزاء ما حرمت من الزكاة وهذا المعنى يشترك فيه الغني والفقير من الوجه الذي ذكرنا (٣). فإن قيل: فالصدقة لا تستحق إلا بالفقر فوجب أن لا يستحق السهم الذي هو عوض عنها إلا بالفقر (٤). قيل: قد أجبنا عن هذا وبينا أنها تستحق بالغناء والفقر والخمس في مقابلة ذلك (٥).

стр. 538

فصل والدلالة على أنه يفضل الذكر فيه على الأنثى أنه قد ثبت بما ذكرنا أنه يستحق بالقرابة وكل ما استحق بالقرابة شرعًا وجب تفضيل الذكر فيه على الأنثى كميراث الإخوة والأخوات، ولا يلزم عليه سهم اليتامى؛ لأنه غير مستحق بالقرابة ولا يلزم عليه إذا أوصى لقرابة فلان بثلثه أنه يستوي فيه الذكر والأنثى؛ لأن ذلك الاستحقاق يعني الشرع وإنما هو بالوصية (١). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وإطلاق اللفظ يقتضي المساواة ما لم يقم دلالة التفضيل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وكذلك إذا قال هذه الألف لزيد وعمر واقتضى أن يكون بينهما بالسوية كذلك ههنا (٢). والجواب: أنا نحمل قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ على التفضيل بدليل: ما ذكرنا (٣). واحتج بأنه: سهم من الخمس فلا يفضل فيه الذكر على الأنثى كاليتامى (٤). والجواب: أن هناك يستحق بالرحم والرفق وهذا يستحق بالقرابة شرعًا أشبه ما ذكرنا (٥). واحتج بأنه: لو وصى بثلث ماله لذوي قرابة فلان أو وقف عليهم وقفًا أنه لا يفضل الذكر على الإناث كذلك ههنا (٦).

стр. 539

والجواب: أن ذلك الاستحقاق بالقرابة لم يثبت شرعًا وهذا ثبت شرعًا فهو كالإخوة والأخوات (١). فصل والدلالة على مالك (٢) (٣) وأن خمس الغنيمة مقسوم على خمسة ما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية، وما تقدم من حديث ابن عباس: أن الخمس كان يقسم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم وحديث أبي العالية: كان رسول الله ﷺ يقسم ما بقي على خمسة أسهم (٤). واحتج المخالف: بأنه لما كان جميع الفيء يصرف في المصالح موكول إلى اجتهاد الإمام كذلك خمس الغنيمة (٥). والجواب: أن مال الفيء حصل بظهر جماعة المسلمين فلهذا كان بجميعهم وخمس الغنيمة حصل بظهر قوم مخصوصين وهم الغانمون فجاز أن يختص بقوم مخصوصين وهم أهل الخمس كما اختص أربعة أخماس الغنيمة (٦). واحتج بأنه: لما لم يجب استيعاب الأصناف الثمانية في الزكاة كذلك لا يجب استيعاب الخمسة في خمس الخمس (٧).

стр. 540

والجواب: عنه من وجهين: أحدهما: أن الخمس إنما يحصل من جهة واحدة فإذا حرمنا بعضهم لم يحصل له عوضه من جهة واحدة، فإذا حرمنا بعضهم لم يحصل له عوضه من جهة أخرى والزكاة تحصل من جهات فإن لم يعطهم بعض أهل الزكوات أعطاهم غيره؛ لأن إخراجها يكثر. والثاني: أن بعض أهل الخمس يستحق ذلك على طريق العوض وهم بنو هاشم عوضوا به في مقابلة حرمان الزكاة. فإن قلنا: يعدل عنهم أضررنا بهم ليس كذلك الزكاة فإنها مواساة لا على طريق العوض فضعف سببها (١).

стр. 541

كتاب الجزية (١) ٦٩ - ١ مسألة: لا تقبل الجزية إلا ممن له كتاب - كاليهود والنصارى -، أو شبهة كتاب - كالمجوس (٢) -، فأما عبدة الأوثان فلا تقبل منهم، العرب منهم والعجم؛ ذكر ذلك الخرقي (٣) في مختصره (٤)، وهو قول الشافعي (٥)، ونقل الحسن بن ثواب (٦) عن أحمد قال: من سمى من أهل الأديان من العرب والعجم حكمهم واحد إلا العرب إن أسلموا وإلا السيف، وأولئك إن أسلموا وإلا الجزية (٧).

стр. 542

وظاهر هذا: أن الجزية تؤخذ من عبدة الأوثان من العجم دون العرب، وهو قول أبي حنيفة (١). وحكي عن مالك أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا من مشركي قريش؛ فإنهم ارتدوا بعد إسلامهم، وحكي عنه أيضًا أنها تؤخذ منهما أيضًا (٢). وجه ما ذكره الخرقي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ فخص أهل الكتاب بالجزية فدل على أنها لا تؤخذ من غيرهم (٣). فإن قيل: تخصيص أهل الكتاب لا يدل على أن حكم غيرها بخلاف حكمهم (٤). قيل: عندنا تدل على ذلك، يبين صحة هذا أن تخصيص أهل الكتاب لا يخلو: إما أن يكون للمخالفة أو للتنبيه، ولا يجوز أن يكون للتنبيه؛ لأنه لا يجوز أن ينبه بإقرار أهل الكتاب على كفرهم، وكف القتال عنهم بالجزية على عبدة الأوثان؛ لأنهم أغلظ كفر، ولأنهم لا حرمة لهم في أنفسهم، ولا بآبائهم فلم يبق إلا أن التخصيص (٥) للمخالفة بينهم وبين من لا كتاب له. ووجه آخر من الآية: وهو أن قوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يقتضي التبعيض، والتخصيص ما يحكم من طريق اللغة يدل عليه أنه لو قال: فرقوا خمس خمس الغنيمة على بني عبد مناف من بني هاشم، وبني المطلب وجب تخصيصهم بذلك، والمخالفة بينهم، وبين بني عبد شمس، ونوفل بموجب اللغة (٦).

стр. 543

ويدل عليه أيضًا: ما روى ابن المنذر (١) في كتابه عن حذيفة بن اليمان (٢) أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس لما أخذت منهم وتلا: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣). فعقل حذيفة من الآية اختصاصهم بالجزية، فدل على أنه موجب اللغة ومقتضاها، وأيضا ما روى أبو عبيد (٤) في كتاب "الأموال" بإسناده عن الحسن قال: أمر رسول الله ﷺ أن يقاتل العرب على الإسلام، ولا يقبل منهم غيره وأمر أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (٥). وروى أيضًا بإسناده عن عروة بن الزبير (٦) قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها، وعليه الجزية على حكم ذكر أو أنثى، عبد أو أمة دينار، واف أو قيمته من المعافر (٧) " (٨)، وهذا أيضًا يدل على تخصيص أهل الكتاب بذلك (٩).

стр. 544

وروى أيضًا بإسناده عن جعفر بن محمد (١) عن أبيه قال: قال عمر: ما أدري ما أصنع بالمجوس فليسوا بأهل كتاب؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٢)، وهذا أيضًا يدل على أن الجزية تختص بأهل الكتاب، وأيضا فإنه إجماع من الصحابة (٣)؛ روى أبو عبيد بإسناده عن يونس بن زيد الأيلي (٤) قال: سألت ابن شهاب (٥): هل قبل رسول الله ﷺ من أحد من أهل الأديان من العرب جزية؟ فقال: مضت السنة أن يقبل ممن كان من أهل الكتاب من اليهود والنصارى من العرب الجزية وذلك أنهم منهم وإليهم؛ ولأن عمر قال ما أصنع بالمجوس وليسوا بأهل كتاب، فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، فتوقف عن أخذها من المجوس؛ وعلل بأنهم ليسوا من أهل الكتاب، حتى روى له الحديث عن النبي ﷺ ، فأخذها منهم.

стр. 545

وروى ابن فروة بن نوفل الأشجعي (١) قال: علام نأخذ الجزية من المجوس، وليسوا من أهل كتاب فقام إليه المستورد (٢) وأخذ بلحيته وقال: يا عدو الله، تطعن على أبي بكر وعمر وعلي وقد أخذوا منهم الجزية! فذهب به إلى القصر فخرج علي ﵁ وجلس في ظل القصر، فقال: أنا أعلم الناس بهم، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فواقع بنته … وذكر الحديث، إلى أن قال: فأصبحوا وقد أسري بكتابهم، ورفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم، فهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر منهم الجزية (٣). وروى ابن المنذر عن حذيفة أنه قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس لما أخذت منهم. وتلا ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وهذا كله يدل على إجماعهم أنها لا تقبل منه الجزية كالمرتد. والقياس: أنه وثني ولا يقر على كفره بالجزية (٤). أصله: العربي ولأن من لم تقبل منه الجزية إذا كان عربيا لم تقبل منه إذا كان عجميا؛ كالمرتد، وعكسه أهل الكتاب لما قبلت من العربي قبلت من العجمي؛ ولأنه ممن ليس له

стр. 546

كتاب ولا شبهة كتاب، فوجب أن لا تقبل منه الجزية كالمرتد والعربي الوثني (١). فإن قيل: العرب في أذية النبي ﷺ وعرضوه المفارقة الوطن فغلظ أمرهم، فهذا لا يوجد في العجمي (٢). قيل: أذية النبي ﷺ كانت من أهل مكة خاصة، فلم وجب أن يغلظ على جميع العرب وعلى أن قد آذاه اليهود ولم يمنع ذلك من قبول الجزية منهم. فإن قيل: المعنى في العرب أن لهم حرمة بكون النبي ﷺ منهم وكذلك المرتد له حرمة الإسلام (٣). قيل: هذه الحرمة لم تمنع من تساويهم في القتل، وأنه لا كتاب لهم وأنهم لا حرمة لآبائهم؛ ولأن الجزية عقوبة تتعلق بالكفر فاستوى فيها العرب والعجم كالقتل. يبين صحة هذا: أن سائر العقوبات يستوي فيها العربي والعجمي من المسلمين وأهل الكتاب كذلك ههنا (٤). واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال حين عرض نفسه على القبائل: "هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم العرب وأدت إليكم العجم الجزية" (٥) ولم يخص فهو عام في الجميع (٦). والجواب: أنه محمول على العجم من أهل الكتاب، وهو أولى من حمله على عبدة الأوثان؛ لأنه ثابت بالإجماع (٧).

стр. 547

واحتج: بما روى علقمة بن مرثد (١) أن النبي ﷺ كان إذا بعث سرية يقول: "اغدوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن أبوا فناجزوهم، واستعينوا بالله عليهم" (٢)، فأجاز أخذ الجزية من المشركين ولم يخص صنفا منهم من صنف (٣). والجواب: أن المراد به أهل الكتاب، بدليل أنه لم يبعث سرية ولا جيشا إلى كفار العجم وإنما كان يبعث إلى كفار العرب، وعلى أنه لو كان عاما فحمله على أهل الكتاب أولى من وجهين: أحدهما: أنه حمل على أمر ثابت بالإجماع (٤) (٥). والثاني: أن إضمار العجم بيان حكم من نأى عنهم وبعدت ديارهم منهم ولا حاجة بهم في الحال إلى قتالهم؛ لأن العرب حواليهم ولا طريق لهم إليهم، وإذا حملناه على الكفار من أهل الكتاب دخل فيه العرب والعجم جميعا فكان حمله عليهم أولى (٦). واحتج: بأن كل مشرك جاز أن يقر على كفره بالرق جاز أن يقر عليه بالجزية. دليله: الكتابي، وعكسه المرتد، وعبدة الأوثان من العجم، ولا يلزم عليه النساء والصبيان؛ لأنهم لا يقرون عليه بالرق، أو على مقرون عليه قبل الاسترقاق (٧).

стр. 548

والجواب: أنا لا نسلم الوصف في الأصل؛ لأنه لا يجوز إقرارهم بالرق، وهذه مسألة تقدم الكلام فيها في أول السير، وذكرنا أن كل من لا كتاب له ولا شبهة كتاب لا يجوز إقراره بالجزية (١). والمعنى في الأصل: أنه تؤخذ الجزية منه إذا كان عربيا، فأخذت منه إذا كان أعجميا، وليس كذلك الوثني؛ فإنه لا يؤخذ منه الجزية إذا كان عربيا، فلم يؤخذ إذا كان أعجميا، ولأنهم من أهل الكتاب، وليس كذلك ها هنا؛ فإنه لا كتاب له ولا شبهة كتاب؛ ولأن آباءهم كانوا على دين حق فروعيت فضيلتهم فيهم، وأقروا على كفرهم بالجزية التي هي عقوبة حقيقية، وليس كذلك عبدة الأوثان؛ فإنه لا فضيلة لهم بأنفسهم ولا لآبائهم؛ فلم تؤخذ منهم الجزية (٢). واحتج بأن المجوس لا كتاب لهم، ومع هذا يجوز أخذ الجزية منهم؛ فدل على أنها لا تختص بأهل الكتاب (٣). والجواب: أنه إنما أخذت منهم لإلحاقهم بحكم أهل الكتاب بدليل: أن عمر لما توقف فيهم روى له عبد الرحمن قول النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فأخذها منهم، ولأنه لما أشكل أمرهم استعملوا فيه الاحتياط، فحقنوا دماءهم بالجزية لئلا يقدموا على إراقة دمائهم بالشك، ومنعوا من مناكحتهم وذبائحهم؛ لئلا يقدموا على الفروج وأكل الذبائح بالشك؛ ولهذا قيل فيمن دخل من عبدة الأوثان في دين أهل الكتاب وأشكل أمرهم فلم يعلم هل دخلوا في دين من بدل أو في دين من لم يبدل، أو قبل النسخ (٤) أو بعده - وجب استعمال

стр. 549

الاحتياط فيه في حقن الدم والامتناع من المناكحة، وأكل الذبيحة (١). واحتج: بأن الجزية صغار، فإذا جاز إلحاقه بأهل الكتاب مع فضلهم كان إلحاق ذلك بعبدة الأوثان أولى (٢). والجواب: أنه باطل بعبدة الأوثان من العرب؛ لأنه لا يلحق بهم هذا الصغار، ولو كانوا أهل كتاب لحق بهم، وعلى أن بالإقرار على الدين ببذل الجزية فضيلة؛ لأنه سبب يحقن به، وهذه فضيلة لا نقصان؛ فجاز أن يختص بها أهل الكتاب. وفيما ذكرنا من الدلائل على أبي حنيفة فهو دلالة على مالك (٣)، إلا أن القياس على عبدة الأوثان من العرب يكون أصله مشركي قريش (٤). فإن قيل: إنما لم يجز أخذ الجزية من قريش لأنهم عاندوا الإسلام وأخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من دورهم؛ فعوقبوا بأن لم يقروا على دينهم، وغيرهم لم تكن منها معاندة (٥). قيل: قد كان من أهل الكتاب من عاند النبي ﷺ وقاتله - وهم يهود خيبر - ومع ذلك فإنهم مقرون على دينهم بأخذ الجزية كذلك ها هنا، وعلى أن هذا لم يوجب الفرق بينهما في القتل يجب أن لا نوجب الفرق بينهما في الجزية (٦).

стр. 550

٧٠ - ٢ - مسألة: المجوس ليسوا من أهل الكتاب، نص عليه في رواية المروذي (١) وابن مشيش (٢) فقال: لا يصح عن علي - كرم الله وجهه - أن المجوس أهل كتاب واستعظمه جدا، وإنما يقال: عمر حين شهد عنده عبد الرحمن بن عوف سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية، وأما أن يكونوا من أهل الكتاب فلا (٣)، وبهذا قال أبو حنيفة (٤) ومالك (٥)، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا (٦). والثاني: أنهم من أهل الكتاب (٧). دليلنا: قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، والمراد به اليهود والنصارى، فلو كان المجوس من أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف (٨). فإن قيل: المراد بهذا الكتب الظاهرة (٩). بدليل: أنه قد أنزل غير ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]. وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]. قيل: لا نعلم في نزول كتاب إلا على طائفتين: على بني إسرائيل، وعلى النصارى، وصحف إبراهيم وزبور داود كلها منزلة على من دان بدين موسى، وهم طائفة واحدة والنصارى طائفة (١٠).

стр. 551

وأيضا حديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". لأنه يصير كأنه قال: سنوا بأهل الكتاب سنة أهل الكتاب، وهذا لا يجوز. وقال عمر: ما أصنع بالطائفة الذين ليسوا من أهل الكتاب؟ فشهد له عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". وأيضًا فإنه لا تؤكل ذبائحهم، ولا يجوز مناكحتهم وجب أن لا يكونوا من أهل كتاب كعبدة الأوثان فإن نازعوا الوصف؛ فالدلالة عليه ما روى أبو عبيد في الأموال بإسناده عن الحسن بن محمد (١) قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام؛ فمن أسلم قبل منه، ومن لا ضربت عليه الجزية في ألا تؤكل له ذبيحة، ولا تنكح له امرأة" (٢). وهذا نص (٣). وقال إبراهيم الحربي (٤): بلغنا عن بضع عشرة نفسا من أصحاب النبي ﷺ أن

стр. 552

مناكحة المجوس المسلمين لا تجوز، وهذا إجماع المسلمين (١). واحتج المخالف: بما روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: كان لهم كتاب يدرسونه، فأسري به. والجواب: أن هذا لا يصح عن علي، وقد صرح أحمد بهذا، وهو أعلم بالصحيح من غيره (٢). وقيل: إن مداره على أبي سعد بن المرزبان (٣)، وليس ممن يحتج بحديثه. وقال أبو عبيد: نقل من وجه لا يثبت، ولو ثبت احتمل أن يكون لهم كتاب فيه علم ليس بمنزل، والكلام في كتاب منزل متفق على الإيمان به، ولو صح لم يكن فيه دلالة؛ لأنه ليس معهم كتاب منزل من عند الله الساعة، وإنما يدعون كتاب زرادشت (٤)، وكان كذابا متنبئا؛ فيجب أن لا يكونوا أهل كتاب؛ ألا ترى أن نصرانيا لو صار عابد وثن خرج من أن يكون كتابيا، كذلك إذا فقد كتابهم ورفع على ما روي عن علي وادعوا كتابا آخر يجب أن لا يكونوا من أهل الكتاب (٥). واحتج: بأنه تؤخذ منهم الجزية فكانوا أهل كتاب كاليهود والنصارى (٦).

стр. 553

والجواب: أن الأقيسة الشرعية لا تدل على وجود الكتاب، ثم المعنى في الأصل أنه تجوز مناكحتهم وتؤكل ذكاتهم وهؤلاء بخلافه، وقد نقل عنه الأثرم (١) لفظًا يقتضي الفرق بين أهل اليمن وغيرهم، فقال: "قيل لأبي عبد الله: فأهل اليمن على دينار، فقال: نعم، قيل له: ولا يؤخذ منهم ثمانية وأربعين، قال: كل قوم على سنتهم، ثم قال: أهل الشام خلاف غيرهم أيضا منذ كذا وكذا، أي: كل قوم على ما جعلوا عليه، قيل له: فتؤخذ الجزية غير الذهب والفضة؟ قال: نعم، دينار أو قيمته معافري". وظاهر هذا أنه فرق بين أهل اليمن وبين غيرهم، وأنها في حقهم مقدرة بالدينار اتباعا لظاهر الخبر الوارد (٢)، وقال مالك: اتباعا لظاهر الخبر الوارد فيهم (٣). ٧١ - ٣ - مسألة: الجزية مقدرة الأقل والأكثر؛ فيؤخذ من الفقير المعتمل (٤) اثنا عشر درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرون، ومن الموسر ثمانية وأربعون في أصح الروايات، نص عليها في رواية صالح (٥) وابن منصور (٦) وإبراهيم بن هانئ (٧) وأبي الحارث، وهو اختيار الخرقي (٨)، وبه قال أبو حنيفة (٩)، وفيه رواية أخرى أنها غير مقدرة الأقل والأكثر وهو إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان نقلها الأثرم عنه، فقال: الجزية على

стр. 554

ما يطيقون، تزاد وتنقص على قدر طاقتهم وما يرى الإمام، (١) وفيه رواية ثالثة: أنها مقدرة الأقل غير مقدرة الأكثر؛ فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر، ولا يجوز أن ينقص عنه، نقلها يعقوب بن بختان فقال: لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك وله أن يزيد، وهو اختيار أبي بكر (٢)، قال مالك: فما حكي لي أنها تؤخذ من الموسر أربعون درهما أو أربعة دنانير، ومن الفقير دينار أو عشرة دراهم (٣)، وقال الشافعي: يؤخذ من كل حالم دينار الفقير والمتوسط والغني في ذلك سواء (٤). وجه الرواية الأولى: ما روى أبو عبيد بإسناده عن حارثة بن مضرب (٥) عن عمر أنه: "بعث عثمان بن حنيف (٦) - يعني: إلى الكوفة -، فوضع عليهم ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين، واثني عشر" (٧)، وكان هذا بمحضر من الصحابة، وتوافر منهم، فلم يخالف فيه مخالف، ولا أنكر عليه منكر؛ فصار إجماعا منهم (٨). فإن قيل: يجوز أن يكون قد أخذ منهم شيئًا على وجه الصلح والتراضي بذلك (٩). قيل له: السواد (١٠) فتحت عنوة، ولم تفتح صلحًا، على أن ظاهر الخبر يقتضي أن

стр. 555

يكون قد ابتدأهم بذلك ووضع عليهم من غير عقد كان بينه وبينهم، ألا ترى أن عمر قال: أراهم يطيقون أكثر من ذلك (١). فإن قيل: ليس في فعله ما يدل على أنه لا يجوز النقصان فيه، كما ليس فيه دليل على أن الزيادة عليه لا تجوز (٢). قيل: على هذه الرواية لا تجوز الزيادة، وأنه متى بذلها أهل الذمة لزم الإمام قبولها، وحرم عليه قتالهم (٣). فإن قيل: فقد شرط على أهل الشام مع الجزية أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وإن علمنا أنه يجوز للإمام ترك هذا الشرط وإذا كان كذلك كانت الزيادة على الدينار مثل ذلك (٤). قيل له: لو خلينا وظاهر الفعل لقلنا: إن شرط الضيافة واجب، لكن قام دليل الإجماع على أنه غير واجب فتركناه، وبقي ما عداه على موجب الظاهر على أن الضيافة عليهم واجبة على قول أصحابنا (٥). فإن قيل: نحن نجيز ما قضى به عمر والدينار الذي أمر به النبي ﷺ ؛ فكان الجمع بينهما أولى (٦). قيل: لا يمكنك الجمع؛ لأن عندك إذا بذلوا الدينار وجب على الإمام إجابتهم،

стр. 556

وأيضا فإن الخراج (١)، على ضربين خراج الرءوس وخراج الأرضين وقد ثبت أن خراج الأرضين يختلف مقداره (٢). بدليل: ما روى أبو عبيد بإسناده عن محمد بن عبيد الله الثقفي (٣) قال: "وضع عمر على أهل السواد على كل جريب (٤). عام أو عامين درهما وقفيزا، وعلى كل جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة، وعلى جريب الشجر عشرة دراهم وعشرة أقفزة، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعشرة أقفزة، ولم يذكر النحل، وعلى رءوس الرجال ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر" (٥). وبإسناده في لفظ آخر عن الشعبي (٦): "أن عمر بعث ابن حنيف إلى السواد، فضرب الخراج، فوضع على جريب الشعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية، وعلى جريب الكرم عشرة، وعلى جريب الزيتون اثني عشر درهما، ووضع على الرجال الدرهم في الشهر والدرهمين في الشهر" (٧). فاعتبر الطاقة ولم يسو بين الأرضين في الواجب فيها، كذلك خراج الرءوس يجب أن يختلف مقداره، ويعتبر فيه الطاقة، ولا يسوى بين الفقير والمتوسط والغني (٨).

стр. 557

فإن قيل: لا حد لأقل الخراج عندنا؛ لأنه بمنزلة الأجرة والثمن ولا يقدر لأكثره، ويعمل الإمام فيه على ما فيه الصلاح، ويجوز أن يفاضل بين الأرضين ويسوي بينهما قالوا: وكذلك عندكم (١). قيل: أما على أصلنا فإن الحكم في خراج الأرضين كالحكم في خراج الرءوس هل يجوز الزيادة عليه والنقصان منه على الروايات الثلاث؟ وظاهر كلام أحمد: أنه يجوز؛ لأن ابن القاسم (٢) نقل عنه ابن سبيل هل يزاد عليهم؟ فقال: حديث الحكم (٣) عن عمرو بن ميمون (٤): "إن زدت عليهم لا تجهدهم". وظاهر هذا أنه أخذ بظاهر الحديث عن عمر، وأنه اعتبر الطاقة، وأما على أصل المخالف فإن لم يسلم دللنا عليه بما ذكرنا من حديث عمر في الخراج وأنه اعتبر الطاقة في قدره، وأيضا فإن الجزية حق في مال يجب بحول الحول؛ فاختلف باختلاف اليسار (٥). دليله: زكاة المال، وفيه احتراز من صدقة الفطر؛ لأنها لا تجب بحول الحول، وإنما تجب بطلوع الهلال. بدليل: أنه لو ملك عبدا قبل طلوع الهلال بساعة ثم طلع الهلال وجب أن يخرج عنه؛ فلهذا لم يختلف باختلاف اليسار (٦). فإن قيل: المعنى في الأصل أنها تجب المال فاختلف باختلافه وليس كذلك الجزية فإنها تجب في مقابلة حقن الدم والإقرار على الكفر في الدار فاستوى فيها الموسر والمعسر (٧).

стр. 558

قيل: لا يمتنع أن لا يجب لأجل المال، ويختلف باختلافه؛ فيلزم الموسر ضعف ما يلزم المتوسط كالدية والنفقة، ثم لا فرق بينهما؛ لأن الجزية تجب للمال أيضا؛ ولهذا نقول: إن الفقير الذي ليس بمعتمل لا جزية عليه لأنه لا مال له (١). فإن قيل: الجزية لا تختلف باختلاف أجناس المال فلا تختلف باختلاف مقدار المال، والزكاة تختلف باختلاف أجناسه؛ فاختلفت باختلاف مقداره. قيل: الزكاة تؤخذ من أجناس المال؛ فاختلفت باختلاف الأجناس، والجزية تؤخذ من جنس واحد؛ فاختلفت باختلاف الإمكان، ولم تختلف باختلاف الأجناس (٢). فإن قيل: الزكاة تجب على طريق المساواة؛ فلهذا اختلفت (٣). قيل: زكاة الفطر مواساة، ولا تختلف باختلاف المال والخراج ليس بمواساة؛ لأنه أجرة، ويختلف باختلاف المال، وقد قيل بأنه يوجد الإسقاط (٤). قيل: واجب فلا يتفق قدره. دليله: ما يقع عليه الأصلح من دم العمد (٥). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ولم يقدر بمقدار، فأي قدر أعطوا وجب أن يكف عن قتالهم (٦). والجواب: أن هذا محمول على المقدار المذكور بدليل ما ذكرنا (٧).

стр. 559

واحتج: بما روى ابن المنذر عن إسحاق (١) عن عبد الرزاق (٢) عن معمر (٣) والثوري (٤) عن الأعمش (٥) عن أبي وائل (٦) عن مسروق (٧) عن معاذ (٨): "أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا (٩) أو تبيعة، ومن كل أربعين بقرة مسنة (١٠)، ومن كل حالم (١١) دينارا أو عدله من المعافري (١٢) " (١٣). وروي أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا رأيتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم، وإن لم يجيبوك فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك

стр. 560

فخذ من كل حالم دينارا" (١). وروى ابن المنذر (٢) بإسناده عن عمرو بن شعيب (٣) عن أبيه (٤) عن جده (٥) أن النبي ﷺ ما كتبت إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل الكتاب من كل محتلم دينارا (٦). الجواب أن هذا محمول على أنه كان على وجه الصلح؛ بدلالة ما روى أبو عبيد

стр. 561

بإسناده عن الحكم (١) قال: كتب رسول - الله ﷺ إلى معاذ وهو باليمن أن فيما سقت السماء أو سقي غيلًا (٢) العشر، وفيما سقي بالغرب (٣) نصف العشر، وفي الحالم والحالمة دينارا وعدله من المعافري (٤)، ولا يفتن يهودي عن يهوديته" (٥). ولا خلاف أن المرأة لا يؤخذ منها الجزية على غير وجه الصلح (٦). وروى أبو عبيد (٧) بإسناده عن عروة بن الزبير (٨) قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى عبد أو أمة دينار واحد وقيمته من المعافري (٩)، ولا خلاف أن العبد والأمة لا يؤخذ منهم الجزية على غير وجه الصلح، ولأنه يحتمل أن يكون خفف عنهم طمعا في

стр. 562

إسلامهم وتألفهم عليه (١). واحتج: بما روي "أن النبي ﷺ ضرب على يهود آيلة (٢) ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة" (٣) (٤). والجواب: أنه يجوز أن يكون القوم كانوا فقراء، ويحتمل أن يكون على وجه الصلح، ويحتمل أن يكون تألفهم على الإسلام بذلك (٥). واحتج: بأن من جاز إقراره على كفره بالجزية جاز أن يقر عليه بدينار أصله الفقير المعتمل (٦). والجواب: أنه يجوز أن يقر بدينار عندنا على وجه الصلح، على أنه لا يجوز أن يسوي بين الغني والفقير، كما لم يجز في خراج الأرض أن يسوى بين جريب الكرم والنخل وبين الجريب الذي يصلح للزارعة (٧)، وبين الموسر وغيره في الزكاة (٨). واحتج بأن ما جاز إقرار المعسر على كفره به جاز إقرار الموسر به أصله ثمانية وأربعون (٩). والجواب: أنا نقول بموجبه على وجه الصلح، ثم لا يجوز اعتبار المعسر بالموسر كما قلنا في الخراج والزكاة، ولا يجوز اعتبار الثمانية والأربعين في حق الموسر بما دونها كما لم يجز ذلك في الخراج والزكاة (١٠).

стр. 563

واحتج: بأن الجزية في مقابلة حقن الدم والإقرار في دار الإسلام أو البلد الذي ثبت يد الإمام عليه، فإذا كان كذلك وجب أن يسري في قدره الموسر والمعسر المعتمل كسائر الأعواض (١). والجواب: أن تحمل الدية في مقابلة القتل، ويختلف بكثرة المال وقلته (٢)، والزكاة والخراج في مقابلة المال، ويختلف بكثرته وقلته (٣). واحتج: بأنه معنى يحقن به الدم فوجب أن يسوي فيه الموسر والمعسر كالإسلام، ولأنها عقوبة تتعلق بالكفر؛ فاستوى فيها الغني والفقير كالاسترقاق والقتل (٤). الجواب: إن الإسلام والعقل (٥) والرق من حقوق الأبدان، وذلك لا يختلف باليسار والإعسار والجزية من حقوق الأموال؛ فيجب أن يختلف لحق الله كالزكاة (٦). ٧٢ - ٤ - مسألة: لا جزية على الفقير الذي ليس بمعتمل، نص عليه في رواية حرب (٧) فقال: "إذا كان فقيرا أو زمنا (٨) أو نحو ذلك فليس عليه شيء - يعني جزية (٩) - وهو قول

стр. 564

أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها مثل قولنا (٣). والثاني: لا يحقن دمه إلا ببذلها، فإن بذلها في آخر الحول وإلا رد إلى دار الحرب وكان حربًا لنا (٤). والثالث: يحقن دمه بضمانها، ويطالب بها إذا أيسر (٥). دليلنا: ما رواه بعض من نصر هذه المسألة "أن عمر جعل أهل السواد. ثلاث طبقات، ووضع عليهم الجزية" (٦)، ولم يضع على الفقير الذي ليس بمعتمل شيئا، فلو كانت واجبة عليه لما تركه؛ لأنه لا يجوز أن يترك في دار الإسلام من تجب عليه الجزية بغير شيء، ولأن الخراج على ضربين خراج الرءوس وخراج الأرض، ثم ثبت أن خراج الأرض تعتبر فيه الطاقة؛ لأن الأرض التي لا تطيق الخراج - أعني: التي لا تصلح للزراعة - لا يوضع عليها شيء، كذلك خراج الرءوس يجب أن يعتبر فيه الطاقة، والفقير الذي ليس بمعتمل غير مطيق؛ فيجب أن لا يوضع عليه شيء يبين صحة الجمع بينهما: أن كل واحد منهما يؤخذ في كل سنة مرة (٧).

стр. 565

فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم وقد نقل الميموني وإبراهيم بن هانئ بمسح العامر (١) والغامر (٢)، والحال وإن لم ينله الماء، ماء السماء يناله وإن لم ينله ماء السقي، وظاهر هذا أنه أوجب الخراج على أرض لا تصلح للزراعة (٣). قيل له: روى أبو الحارث (٤) عنه أنه قال: "الخراج يجب على أرض السواد على العامر إذا ناله الماء" (٥). قال أبو بكر: وبما رواه أبو الحارث أقول وهذا هو الصحيح، وإن الأرض لا تصلح للزراعة لا يوضع عليها شيء (٦). فإن قيل: لو كانت أجرة لوجبت عن الدور (٧). قيل: قد ذكر ابن المنادي (٨) في كتاب "مطيب سكنى مدينة السلام" (٩): "حدثني جدي محمد بن عبيد الله المنادي (١٠) قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها فأخرج الزكاة عنها في كل سنة أذهب إلى حديث عمر في أرض السواد" (١١). فإن قيل: الخراج أجرة، والأجرة لا تجب عما لا منفعة له، وإنما تكون الأجرة في مقابلة منفعة مسلمة للمستأجر، وليس كذلك الجزية؛ لأنها في مقابلة الحقن والإقرار على
следующие страницы →