← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بإسناده عن الحكم (١) قال: كتب رسول - الله ﷺ إلى معاذ وهو باليمن أن فيما سقت السماء أو سقي غيلًا (٢) العشر، وفيما سقي بالغرب (٣) نصف العشر، وفي الحالم والحالمة دينارا وعدله من المعافري (٤)، ولا يفتن يهودي عن يهوديته" (٥). ولا خلاف أن المرأة لا يؤخذ منها الجزية على غير وجه الصلح (٦). وروى أبو عبيد (٧) بإسناده عن عروة بن الزبير (٨) قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى عبد أو أمة دينار واحد وقيمته من المعافري (٩)، ولا خلاف أن العبد والأمة لا يؤخذ منهم الجزية على غير وجه الصلح، ولأنه يحتمل أن يكون خفف عنهم طمعا في

стр. 562

إسلامهم وتألفهم عليه (١). واحتج: بما روي "أن النبي ﷺ ضرب على يهود آيلة (٢) ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة" (٣) (٤). والجواب: أنه يجوز أن يكون القوم كانوا فقراء، ويحتمل أن يكون على وجه الصلح، ويحتمل أن يكون تألفهم على الإسلام بذلك (٥). واحتج: بأن من جاز إقراره على كفره بالجزية جاز أن يقر عليه بدينار أصله الفقير المعتمل (٦). والجواب: أنه يجوز أن يقر بدينار عندنا على وجه الصلح، على أنه لا يجوز أن يسوي بين الغني والفقير، كما لم يجز في خراج الأرض أن يسوى بين جريب الكرم والنخل وبين الجريب الذي يصلح للزارعة (٧)، وبين الموسر وغيره في الزكاة (٨). واحتج بأن ما جاز إقرار المعسر على كفره به جاز إقرار الموسر به أصله ثمانية وأربعون (٩). والجواب: أنا نقول بموجبه على وجه الصلح، ثم لا يجوز اعتبار المعسر بالموسر كما قلنا في الخراج والزكاة، ولا يجوز اعتبار الثمانية والأربعين في حق الموسر بما دونها كما لم يجز ذلك في الخراج والزكاة (١٠).

стр. 563

واحتج: بأن الجزية في مقابلة حقن الدم والإقرار في دار الإسلام أو البلد الذي ثبت يد الإمام عليه، فإذا كان كذلك وجب أن يسري في قدره الموسر والمعسر المعتمل كسائر الأعواض (١). والجواب: أن تحمل الدية في مقابلة القتل، ويختلف بكثرة المال وقلته (٢)، والزكاة والخراج في مقابلة المال، ويختلف بكثرته وقلته (٣). واحتج: بأنه معنى يحقن به الدم فوجب أن يسوي فيه الموسر والمعسر كالإسلام، ولأنها عقوبة تتعلق بالكفر؛ فاستوى فيها الغني والفقير كالاسترقاق والقتل (٤). الجواب: إن الإسلام والعقل (٥) والرق من حقوق الأبدان، وذلك لا يختلف باليسار والإعسار والجزية من حقوق الأموال؛ فيجب أن يختلف لحق الله كالزكاة (٦). ٧٢ - ٤ - مسألة: لا جزية على الفقير الذي ليس بمعتمل، نص عليه في رواية حرب (٧) فقال: "إذا كان فقيرا أو زمنا (٨) أو نحو ذلك فليس عليه شيء - يعني جزية (٩) - وهو قول

стр. 564

أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها مثل قولنا (٣). والثاني: لا يحقن دمه إلا ببذلها، فإن بذلها في آخر الحول وإلا رد إلى دار الحرب وكان حربًا لنا (٤). والثالث: يحقن دمه بضمانها، ويطالب بها إذا أيسر (٥). دليلنا: ما رواه بعض من نصر هذه المسألة "أن عمر جعل أهل السواد. ثلاث طبقات، ووضع عليهم الجزية" (٦)، ولم يضع على الفقير الذي ليس بمعتمل شيئا، فلو كانت واجبة عليه لما تركه؛ لأنه لا يجوز أن يترك في دار الإسلام من تجب عليه الجزية بغير شيء، ولأن الخراج على ضربين خراج الرءوس وخراج الأرض، ثم ثبت أن خراج الأرض تعتبر فيه الطاقة؛ لأن الأرض التي لا تطيق الخراج - أعني: التي لا تصلح للزراعة - لا يوضع عليها شيء، كذلك خراج الرءوس يجب أن يعتبر فيه الطاقة، والفقير الذي ليس بمعتمل غير مطيق؛ فيجب أن لا يوضع عليه شيء يبين صحة الجمع بينهما: أن كل واحد منهما يؤخذ في كل سنة مرة (٧).

стр. 565

فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم وقد نقل الميموني وإبراهيم بن هانئ بمسح العامر (١) والغامر (٢)، والحال وإن لم ينله الماء، ماء السماء يناله وإن لم ينله ماء السقي، وظاهر هذا أنه أوجب الخراج على أرض لا تصلح للزراعة (٣). قيل له: روى أبو الحارث (٤) عنه أنه قال: "الخراج يجب على أرض السواد على العامر إذا ناله الماء" (٥). قال أبو بكر: وبما رواه أبو الحارث أقول وهذا هو الصحيح، وإن الأرض لا تصلح للزراعة لا يوضع عليها شيء (٦). فإن قيل: لو كانت أجرة لوجبت عن الدور (٧). قيل: قد ذكر ابن المنادي (٨) في كتاب "مطيب سكنى مدينة السلام" (٩): "حدثني جدي محمد بن عبيد الله المنادي (١٠) قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها فأخرج الزكاة عنها في كل سنة أذهب إلى حديث عمر في أرض السواد" (١١). فإن قيل: الخراج أجرة، والأجرة لا تجب عما لا منفعة له، وإنما تكون الأجرة في مقابلة منفعة مسلمة للمستأجر، وليس كذلك الجزية؛ لأنها في مقابلة الحقن والإقرار على

стр. 566

الكفر في الدار، والموسر والمعسر في ذلك سواء؛ فاستويا في الوجوب" (١). قيل: علة الفرع تبطل بالعبد؛ فإنه تسقط الجزية في حقه بعسرته، وإن كان وجوبها للمعنى الذي ذكروا، ولأن الجزية وإن كانت تجب لهذا المعنى فهو من حقوق الأموال، وحقوق الأموال التي يتعلق بها حق الله تعالى لا يستوي فيها الغني والفقير كالزكاة، ولأنه عاجز عن الكسب فلا يجب عليه جزية كالمرأة (٢). فإن قيل: الجزية تجب لحقن الدم، والمرأة محقونة الدم (٣). قيل: الجزية لحقن الدم والمال والمرأة لحقن مالها بالدم، وأيضا فإنه مال يجب بحول الحول فلا يجب على الفقير. دليله: الزكاة والدية، ولا يلزم عليه صدقة الفطر؛ لأنها لا تجب بحول الحول؛ بدليل أنه لو ملك عبدا قبل الهلال بساعة، ثم أهل الهلال لزمه أن يخرج عنه (٤). فإن قيل: الزكاة تجب عندنا على الفقير، وقد لا تجب على الغني؛ لأن من ملك مائتي درهم وليس في فضلها كفايته فهو فقير، ويلزمه الزكاة، ويأخذ الزكاة، ولو ملك ألف دار ودكان فهو غني ولا زكاة عليه (٥). قيل: نريد بقولنا أنها لا تجب على الفقير الذي لا يملك مائتي درهم؛ لأنه غني بها (٦). فإن قيل: الزكاة لا تجب على الفقير المعتمل، ولا على من له عقار وحمير وبغال وعبيد وأثاث، وتجب الجزية بذلك (٧). قيل: لا يمتنع أن نسوي بين المعتمل والغني في إيجاب الجزية، وإن فرقنا بينهما في الزكاة كما سوينا نحن ومخالفنا بين المكتسب وبين الغني في تحريم الصدقة ولم يسو بين

стр. 567

الفقير الذي ليس له كسب وبين الغني في تحريم الصدقة، وعلى أن المكتسب غني بكسبه؛ فوجبت عليه الجزية، والزكاة لا تجب إلا على غني بمال مخصوص وهو النصاب (١). فإن قيل: الجزية عوض في مقابلة حقن الدم والإقرار في الدار؛ فاستوى فيها الغني والفقير وليس كذلك الزكاة؛ فإنها مواساة؛ فلم تجب على الفقير الذي لا يملك شيئا، وكذلك الدية لما كان يحملها مواساة لم تجب على الفقير (٢). قيل: علة الأصل تبطل بالخراج؛ فإنه عوض عن الأرض أو عن منافعها، ثم لا يجب على أرض لا ماء لها وعلى أرض السكنى (٣) كذلك لا يمتنع أن تكون الجزية عوضا عن القتل، وتجب على القادر على أدائها، وكذلك لا تجب على العبد وإن حصل له حقن الدم (٤)، وعلة الفرع تبطل بصدقة الفطر فإنها مواساة، وتجب على الفقير والموسر (٥)، وأيضا فإنهم قد قالوا: إما أن يؤدي أو يرد إلى دار الحرب (٦) وهذا غلط؛ لأن إقامته في دارنا بغير جزية أصلح للمسلمين من تكثير جمع المشركين به، وقالوا: ينظره إلى اليسار كالمديون، وهذا غلط؛ لأن حقوق الله المبتدأة لا يلزمها الفقر ويؤخر المطالبة كصدقة الفطر (٧). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ولم يفرق، وكذلك قول النبي ﷺ لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارا". والجواب: أن المراد بالآية والخبر من يقدر على الإعطاء؛ لأنه محال أن يأخذ ممن ليس معه شيء ولا له حيلة، ولا معنى لقولهم: إنه يمكنه أن يعطي بأن يقترض؛ لأن هذا لا يلزمه في الجزية، كما لا يلزم في حقوق الآدميين إذ كان مفلسا بها بل الجزية أولى؛ لأنها من حقوق الله، وحقوق الآدميين آكد.

стр. 568

ولا معنى لقولهم: حتى يلتزموا؛ لأن المنطوق الدفع، والالتزام مراد؛ فلا يسقط أحدهما؛ فكأنه قال: حتى يلتزموا إعطاءكم، ومن لا يقدر لا يعطي (١). واحتج: بأنه معنى يسقط به القتل؛ فاستوى فيه الغني والفقير كالإسلام (٢). والجواب: أن الإسلام حق بدل، ولأن الإسلام على ما يؤثر في إسقاط القتل؛ فلذلك عم الغني والفقير، والحرية أدون منه فجاز أن يخص بها الغني دون الفقير (٣). واحتج بأنه كافر مكلف فلا يعقد له ذمة حولا في دار الإسلام بغير جزية كالموسر، وفيه احتراز من المرأة؛ لأنها لا تدخل تحت لفظ المذكر، وفيه احتراز من الصغير والمجنون؛ لأنهما غير مكلفين وفيه احتراز من العبد؛ لأنه لا يعقد له الذمة وإنما يعقد لصاحبه، وربما قالوا لو حصل في الأسر جاز للإمام قتله فلا يجوز إقراره على كفره في دار الإسلام حولا بغير جزية كالموسر (٤). والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الموسر بالمعسر في مسألتنا، كما لم يجز اعتباره في الزكاة وتحمل الدية وخراج الأرضين، وعلى أنه يبطل بالعبد وقولهم: الأمان يعقد لصاحبه غلط؛ لأن حقن الدم هو العوض، وهل يحصل له والمولى يتولى العقد كما يتولى دهقان (٥) القرية لأهلها (٦).

стр. 569

واحتج: بأنها عقوبة تتعلق بالكفر؛ فوجب أن يكون الغني والفقير فيها سواء كالاسترقاق (١). والجواب: أن الاسترقاق حق بدن فلم يختلف حكمه؛ لأجل الفقر والغنى كالحد، والجزية حق في مال يجب لحق الله تعالى؛ فجاز أن يختلف فيه الغني والفقير كالزكاة ونحوها؛ ولأنه لا يمتنع أن يختلف حكم العفويين وإن كان موجبهما واحدا، كما اختلف حكم المهر والنفقة، وإن كان موجبهما النكاح والإعسار لا يؤثر في المهر في قلته وكثرته، ويؤثر ذلك في النفقة عندهم فيختلف باليسار والإعسار (٢). واحتج: بأن الجزية في مقابلة حقن الدم والإقرار على الكفر في دارنا حولا فلما كان الفقير والغني في الحقن سواء كذلك في وجوب الجزية (٣). والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه يبطل بالعبد ويبطل بتحمل الدية ونفقة الأقارب تجب بالتعصيب والنصرة وبالرحم وقد فرق بين الغني والفقير (٤). واحتج بأنه: مال يحقن به الدم؛ فلا تختلف بالغنى والفقر كالمال المصالح به عن دم العمد (٥). والجواب أن ذلك المال يثبت بعقد؛ فلا يؤثر في نفقة الفقر، والجزية تثبت لحق الله تعالى ابتداء فهي كصدقة الفطر وزكاة المال (٦). ٧٣ - ٥ - مسألة: إذا وجبت الجزية عليه فلم يؤدها حتى أسلم سقطت عنه، نص عليه في رواية أبي طالب في: يهودي أسلم وعليه جزية لا تؤخذ منه، وإن كانت قد وجبت عليه؛ لأنه دخل في الإسلام (٧)، وهو قول

стр. 570

أبي حنيفة (١) ومالك، (٢) قال الشافعي: لا تسقط (٣). دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "الإسلام يجب ما قبله" (٤). وروى أبو عبيد بإسناده عن قابوس بن أبي ظبيان (٥) عن أبيه (٦) قال: قال رسول الله ﷺ "ليس على مسلم جزية" (٧). فإن قيل: هذه وجبت في حال كفره فيستوفيها لما مضى في حال الكفر (٨). قيل: إلا أنها تستوفى منه في حال إسلامه، والحر يمنع من ذلك (٩).

стр. 571

فإن قيل: يحمله على ابتداء الوجوب (١). قيل: الحر عام في الابتداء والاستدامة، وأيضا فإن الجزية عقوبة وجبت بسبب الكفر، والإسلام يسقطها كالقتل الواجب ابتداء قبل قبول الجزية، ولا يلزم عليه الاسترقاق؛ لأنه ليس بعقوبة، ألا ترى أن النساء والصبيان يسترقون، ومعلوم أنهم لا يستحقون العقوبة (٢). فإن قيل: لا نسلم أن الجزية عقوبة؛ وإنما هي عوض من الحقن والمساكنة في دارنا بدليل النساء والصبيان لا تجب عليهم الجزية؛ لأن دماءهم محقونة. وبدليل: أنه يجوز عقد الهدنة معهم في دار الحرب أكثر من سنة بغير جزية، ولا يجوز مثل ذلك في دار الإسلام؛ فثبت أنها لحقن الدم والمساكنة (٣). قيل: الدلالة على أنها عقوبة أنه لا يجوز ابتداؤها في الإسلام، ولا يجب على من ليس من أهل العقوبة، وهم النساء والصبيان، ولو كانت تجب لأجل المساكنة لوجبت على النساء والصبيان؛ لأنهما لا يختلفان في الأجرة؛ لأن العوض إذا وجب بشيئين فتعذر أحدهما وجب بالآخر بقسطه، كرجل ابتاع عبدين؛ فخرج أحدهما مستحقا استحق العوض الآخر بقسطه، فلو كانت تستحق لحقن الدم والمساكنة، وقد عدم شرط الحقن استحقت بالمساكنة، ولأن الذمي يتصرف في دار الإسلام في ملكه؛ فكيف يجوز أن يؤخذ منه البدل؛ فلم يبق إلا أنها عقوبة وجبت؛ لأجل الكفر إلا من شرط استحقاقها السكنى في دارنا، كما أن القتل عقوبة؛ لأجل الكفر، ومن شرطها أن يكون من أهل القتال، وإنما لم يجز إقراره في دارنا بغير جزية؛ لأن من شرط إقراره في دارنا أن يكون محقون الدم وحقن دمه إنما يحصل ببذل الجزية. وجواب آخر يدل على أنها لا تجب لحقن الدم والمساكنة؛ وإنما هي معاقبة للقتل، متى سقط القتل وجبت الجزية؛ فإذا سقط بالإسلام سقط ما يعاقبه.

стр. 572

بدليل: أن المستأمن في دار الإسلام إذا أقام أكثر من حول وجبت عليه الجزية، وإن لم يجز قتله. وبدليل: أن الذمي لو خرج تاجرا إلى دار الحرب فأقام بها حولا لم تسقط جزيته، وإن لم توجد المساكنة (١). فإن قيل: فالعلة منتقضة بالاسترقاق؛ فإنها عقوبة (٢). بدليل: أنه يزيل ملكه عن نفسه وماله وزوجته، ومع هذا فلا يسقط بالإسلام، وكونه جاريا على النساء والصبيان لا يخرجه عن أن يكون عقوبة؛ لأنهم يجرون في الاسترقاق مجرى آبائهم على طريق التبع، وهذا لا يدل على أنه غير موضوع على وجه العقوبة في الأصل، ألا ترى أن ترك الصلاة على الكفار عقوبة لهم وإن كان أولادهم يجرون في ذلك مجراهم. قيل: كون الاسترقاق مزيلا لملكه عن ماله ونفسه وزوجته لا يدل على أنه عقوبة (٣). بدليل أن هذا المعنى يثبت في حق النساء والصبيان وليسا من أهل العقوبة، ألا ترى أن الشهيد والسقط لا يصلي عليه ولا يكون ذلك عقوبة، وكذلك الميت إذا دفن وأتى عليه زمان طويل (٤). فإن قيل: استرقاق النساء والصبيان يخالف استرقاق الرجال؛ لأن النساء والصبيان يصيرون مالا للمسلمين بنفس السبي، والرجال الإمام فيهم بالخيار بين القتل والاسترقاق (٥). قيل: لو كان الرق عقوبة لم يلحقهم ذلك بنفس السبي؛ لأنهم ممن لا تلحقهم العقوبة (٦). فإن قيل: القتل يجب استيفاؤه للإصرار على الكفر؛ فإذا أسلم لم يكن مصرا على

стр. 573

الكفر، والجزية تجب عوضا عن المساكنة وحقن الدم، وقد حصل له المعوض؛ فوجب أن يستحق عليه العوض (١). قيل: أما قولك في علة الأصل أن القتل يجب للإصرار على الكفر فإذا أسلم لم يكن مصرا؛ فالجزية وجبت أيضا لهذا المعنى (٢). يدل على هذا قول النبي ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإن أبوا فادعهم إلى الجزية" (٣) فجعل سبب إلزامهم الجزية امتناعهم من الشهادتين، كما جعل القتل لهذا المعنى، وقولك في علة الفرع أنها وجبت على وجه العوض لما حصل له من المساكنة وحقن الدم فقد بينا أنها لا تجري مجرى العوض، وإنما هي عقوبة بسبب الكفر، وإن كانوا لا يطالبون بها إلا بعد الالتزام (٤).

стр. 574

فإن قيل: الجزية وإن كانت تؤخذ على وجه العقوبة في حال الكفر فإنها تؤخذ بعد إسلامه على وجه المحبة، لا على وجه العقوبة، كما يقول في الحد الذي يجب ابتداء يكون على وجه العقوبة، فإذا تاب استوفى منه على طريق المحبة، وكذلك المرض والسقم امتحانا لا عقوبة (١). قيل: لا يجوز أن تجب جزية ولا حد على طريق المحبة من غير أن يوجد سببه، ومن ادعى هذا يحتاج إلى دليل، وأيضا فإنها جزية فلا تؤخذ من المسلم، دليله: الجزية المبتدأة (٢). فإن قيل: لا يمتنع أن لا تجب ابتداء، وتجب بأمر سابق كالاسترقاق يستدام ولا يبتدأ وخراج الأرضين (٣). قيل: أما خراج الأرضين فيسقط بالإسلام، فخراج الرءوس - وسنبينه فيما بعد -، وأما الاسترقاق فقد بينا أنه لا يجب على طريق العقوبة، وأيضا فإن الجزية تؤخذ على وجه الصغار (٤). بدليل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وبعد الإسلام لا يجري عليه الصغار، وإن منعوا الوصف وقالوا: يجب على طريق العوض. فقد أجبنا عنه. واحتج المخالف: بما روي عن النبي ﷺ قال: "الزعيم غارم" (٥). وهذا قد ضمن هذه الجزية؛ فوجب أن يغرمها (٦).

стр. 575

والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا بما ذكرنا، وعلى أن الزعيم هو الكفيل، وهذا لم يتكفل بشيء، ولأن من عقد عقدا لزمه عوضه لا يقال أنه زعيم به؛ لأن وجوبه لا يقف على ضمانه (١). واحتج بأنه: مال يجب على الكافر أداؤه في حال كفره؛ فوجب أن لا يسقط بإسلامه كالديون، وقولنا: يصح أداؤه في حال كفره. احتراز من الزكاة؛ فإنها حق مال يجب على الكافر على الظاهر من قول أصحابهم وإنهم مخاطبون بالعبادات بأن الزكاة لا يصح أداؤها في حال كفره (٢)، وقولنا: فلا يسقط بإسلامه احتراز من الكافر إذا تزوج مجوسية بمهر معلوم، وأسلم قبل الدخول أنه يسقط عنه نصفه؛ لأنه لم يسقط بإسلامه، وإنما سقط بوقوع الفرقة كما يسقط إذا طلقها أو ارتدا وهما مسلمان، وربما قالوا: مال وجب على الكافر بالالتزام؛ فلم يسقط عنه بالإسلام (٣). دليله: الديون. والجواب: أنا لا نسلم أنه قد وجب، بل نقول هو مراعًا؛ فإن أسلم بينا أنه لم يجب على أن العلة تبطل بامرأة الكافر إذا أسلمت قبل الدخول فإنه يسقط مهرها، وقولهم: لا يسقط بالإسلام، وإنما يسقط بالفرقة مثله. نقول ها هنا: لا تسقط الجزية بالإسلام، وإنما تسقط بحقن دمه؛ لأنه بالإسلام حقن دمه؛ ففي هذا الجواب قول يوجب العلة وهو صحيح؛ لأنه بدل عن القتل، فإذا سقط القتل لم يلزمه بدله على أن سائر الديون يجوز أن تجب بعد الإسلام؛ فجاز أن لا تسقط بالإسلام، وليس كذلك الجزية؛ لأنها عقوبة لا تجب بعد الإسلام فسقطت بالإسلام، كالقتل المستحق بالكفر، ولا يلزم على علة الفرع الرق أنه لا يجب بعد الإسلام، ولا يسقط بالإسلام؛ لقولنا: عقوبة وقد بينا أنه ليس بعقوبة، ولأن الديون يمكن أخذها بعد الإسلام على الوجه الذي وجبت، وليس كذلك الجزية؛ لأنها مأخوذة على وجه الصغار، ولا يمكن أخذها بعد الإسلام على ذلك الوجه؛ فيجب أن لا تؤخذ (٤).

стр. 576

فإن قيل: إذا امتنع المسلم من الزكاة أخذها الإمام قهرا، ولا تكون قربة في حقه (١). قيل: يمكن أخذها على الوجه الذي يؤديها، وهو أن نية الإمام تقوم مقام نيته في ذلك (٢). واحتج بأن: الجزية تجب بإقرارنا إياهم في دارنا؛ فهي كالأجرة، ثم ثبت أن الأجرة لا تسقط بالإسلام، كذلك الجزية (٣). والجواب: أنا قد بينا فساد هذا الاعتبار؛ فلا وجه لإعادته، وإن قاسوا على الاسترقاق أجبناهم بما قدمنا، وهو أنه غير موضوع على وجه العقوبة، وليس كذلك الجزية؛ لأنها موضوعة على وجه العقوبة؛ لأجل الكفر أشبه القتل المستحق بالكفر. وجواب آخر: وهو أن الرق آكد في ثبوته من الجزية ألا ترى أنه يثبت في الرجال منهم والنساء والصبيان؛ فلا يمتنع أن يكون أكد في بقائه من الجزية؛ فيبقى بعد الإسلام، ولا تبقى الحرية، وإن قاسوا على خراج الأرضين، وأنه لا يسقط بالإسلام، كذلك خراج الرءوس لم يسلم الأصل، بل نقول يسقط بإسلامه كما نقول في جزية الرءوس، وقد قال أحمد في رواية ابن منصور (٤): "ما كان من أرض صولحوا عليها ثم أسلم أهلها وضع الخراج عنها". وقال أيضا في رواية ابن القاسم: "يقال في أرض بني تغلب العشر مضاعف عليهم، فإذا اشتراها مسلم فالعشر" (٥). وقد التزم أصحاب أبي حنيفة هذا، وقالوا: خراج الأرضين غير مأخوذ على وجه الصغار. بدليل: أنا نأخذ منه بعد الإسلام، والجزية لا تؤخذ بعد الإسلام، وهذا لا نسلمه وهذا غير مسلم؛ لأن الخراج الذي يؤخذ بعد الإسلام أجرة وما يؤخذ في حال الكفر جزية تسقط بموته (٦).

стр. 577

فصل فإن وجبت عليه الجزية فلم يؤدها حتى مات فهل تسقط بموته؟ قال شيخنا أبو عبد الله: "لا تسقط" (١)؛ لأن أحمد لما أسقطها عن المسلم جعل العلة فيه دخوله في الإسلام، وهذا المعنى غير موجود هاهنا، وهو قول الشافعي (٢)، أنها لا تسقط بالموت كالإسلام؛ لأن من أصلنا أن الموت كالإسلام في أنه يحكم بإسلام الطفل بكل واحد منهما (٣)، وهو قول أبي حنيفة (٤). والدلالة على أنها تسقط بالموت: أن الجزية مأخوذة ممن هو من أهل القتال؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ فأمر بقتال من لا يؤمن بالله ومحال أن يأمر بقتال من ليس من أهل القتال ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: قاتلوا الأطفال في أنه لا يصح أن يقول قاتلوا الأطفال في المهود (٥)، وبالموت يخرج أن يكون من أهل القتال فيجب أن يخرج من أن يكون من أهل الجزية كالنساء والصبيان، وعلى هذا إذا جن، وزمن (٦) في بعض الحول لم تجب عليه الجزية؛ لأنه خرج من أن يكون من أهل القتال (٧).

стр. 578

فإن قيل: الجزية مأخوذة عما مضى من الزمان وكان فيه من أهل القتال وليس كذلك النساء والصبيان فإن الجزية منهم لا تستند إلى حال القتال (١). قيل: لا يجوز أن يؤخذ عما مضى من الزمان كما لم يجز قبله عما مضى من الزمان، وأيضا فإنها مأخوذة على وجه الصغار بدلالة قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وبعد الموت لا يجري عليهم الصغار فيجب أن لا تؤخذ منه (٢). فإن قيل: لا نسلم أنها تؤخذ على وجه الصغار وإنما تؤخذ على وجه المعاوضة (٣). قيل: قد أجبنا عنه. فإن قيل: فإن سلمنا ذلك فهي تؤخذ عن صغار سابق (٤). قيل: فيجب أن يقتل لكفر، سابق وأيضا الجزية واجبة على طريق العقوبة فوجب أن يسقطها الموت كالحدود (٥) فإن منعوا الوصف وقالوا تجب على طريق المعاوضة (٦) فقد أجبنا عنه فيما تقدم (٧). فإن قيل: لا يجوز اعتبار المال بما يجب على البدن ألا ترى أن من قطع يد غيره

стр. 579

ووجب عليه القصاص (١) في يده أو في الشجاج (٢) فمات سقط القصاص وإن وجب فيه الأرش (٣) لم يسقط واستوفى من ماله. قيل: إنما سقط القصاص بموته؛ لأنه يجب على طريق العقوبة ولم يسقط الأرش؛ لأنه على طريق البدل، فأما الجزية فوجوبها على طريق العقوبة فيجب أن يسقط بموته (٤). واحتج المخالف: بأنه مال ثابت في ذمته أو مال استقر في الذمة أو مال لازم في الذمة فلم يسقط بموت؛ من عليه كسائر الديون (٥)، وفيه احتراز من المال الذي على المكاتب (٦) أنه يسقط بموته؛ لأنه غير ثابت في ذمته؛ لأن له أن يمتنع من أدائه ويسقطه عن نفسه؛ لأن عقد الكتابة جائز من جهته، وفيه احتراز من الدية؛ لأنه قبل الحول غير لازمة، فإذا حال لزمت ولم تسقط بالموت.

стр. 580

والجواب: أنا لا نسلم أنه ثابت، بل هو مراعى، فإن مات أو أسلم تبين أنه لم يكن ثابتا، والثابت هو الذي لا طريق له إلى إسقاطه (١)؛ لأنه لا يمكن استيفاؤها على الوجه الذي وجبت عليه، ولهذا يسقط في حال الحياة بالإسلام، والمعنى في الأصل أنه غير مأخوذ على وجه الصغار، فيمكن أخذه من ماله بعد الموت على الوجه الذي كان يؤخذ في حياته فلهذا لم يسقط بموته والجزية مأخوذة على وجه الصغار والإذلال، وهذا لا يتأتى بعد الموت فيجب أن يسقط (٢). ٧٤ - ٦ - مسألة: الجزية تجب في آخر السنة نص عليه في رواية الميموني (٣): إذا مضى أكثر السنة ثم أسلم فهو أبعد هذا لم يجب عليه شيء بعد فقد نص على أن الوجوب لم يتوجه عليه قبل الحول (٤) وهو قول الشافعي (٥)، قال أبو حنيفة: "يجب في أول السنة وله المطالبة بها عند الذمة" (٦). دليلنا: أنه مال يتكرر بتكرر الحول، أو مال يؤخذ في كل حول؛ فوجب أن يؤخذ بمضي الحول لا لدخوله. أصله الزكاة والدية على العاقلة ولا يلزم عليه صدقة الفطر؛ لأن وجوبها لا يتكرر بتكرر الحول، ولا يؤخذ في كل حول، وإنما يتكرر بتكرر هلال شوال؛ ألا ترى أنه لو ملك عبدا قبل هلال شوال ثم أهل شوال وجبت الزكاة، فلو أخرجها ثم زال ملكه ثم ملكه من السنة الثانية قبل الهلال وجبت الزكاة وإن لم يتكرر الحول في ملكه (٧).

стр. 581

فإن قيل: من أصحابنا من قال: الزكاة تجب بوجود النصاب والحول فيه وكذلك الصلاة تجب في أول الوقت (١). قيل: هذا قول فاسد؛ لأنه يرد قول النبي ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٢)؛ ولأنها لو كانت قد وجبت قبل الحول لوجب إذا زال ملكه في أثناء الحول أن يطالبه الإمام بها كما إذا زال ملكه بعد الحول فإنه يطالبه الإمام (٣). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فأمر بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية، فإذا أعطوا وجب الكف عنهم، فدل هذا أن وقت وجوبها عليه وقت وجوب الكف عنهم ولا يكون هذا إلا في أول السنة (٤). والجواب: أن معناه: حتى يقبلوا العطاء، كما قال: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، ومعناه: فإن التزموا ذلك. ويبين صحة هذا: أنه يجب الكف عن قتالهم قبل القبض بإجماع (٥). واحتج: بأن الجزية حق في مال يجب أداؤه عن الرقبة، فوجب أن لا يتعلق وجوبه بآخر السنة كصدقة الفطر (٦).

стр. 582

والجواب: أنا لا نسلم أنه حق يجب في المال؛ لأن محله الذمة وعلى أن صدقة الفطر لا تتعلق بالحول وإنما تتعلق بالهلال عندنا وبطلوع الفجر عندهم وليس كذلك هذه فإنها متعلقة بالحول فهي كالزكاة (١). واحتج بأنه: مال يجب لإسقاط القتل، فكان وجوبه حال سقوط القتل كالصلح عن دم العمد (٢). والجواب أنه لو كان مثل الجزية؛ لجاز أن يصالحه عن دم العمد في كل سنة دينار بقية عمره، كما جاز ذلك في الجزية؛ ولأن العوض هناك في مقابلة معوض وهو حقن دمه، وقد حصل له في الحال والجزية لحقن دم في زمان مستقبل ولم يحصل له فيها معنى العوض، فمنع من التداخل كما يقول فيمن قطع يميني رجلين، فإن ضمانهما لا يتداخل، كذلك هاهنا (٣). واحتج بأنه مال وجب بعقد فالتأجيل يدخله لتأخير المطالبة لا للإيجاب أصله: سائر العقود (٤). والجواب: أنه باطل بجزية السنة الثانية، فإنها وجبت بالعقد السابق، والتأجيل يدخل للوجوب لا لتأخير المطالبة؛ لأنها لو وجبت بالعقد تداخلت عنده؛ ولأن سائر العقود قد حصل له العوض في الحال وها هنا بخلافه (٥). واحتج بأنه سبب للإقرار على الكفر، فلا يتأخر وجوبه بعد الإقرار (٦)

стр. 583

كالاسترقاق (١). والجواب: أن الاسترقاق لم يوضع للإقرار على الكفر، بل وضع بحصول المال من رقبته، ألا ترى أنه لا يبطل بالإسلام والجزية لما كانت للإقرار على الكفر سقطت بالإسلام (٢). ٧٥ - ٧ - مسألة: إذا دخلت سنة في سنة لم تسقط جزية السنة الماضية ووجبت عليه جزية سنتين (٣)، وهو قول الشافعي (٤)، وقال أبو حنيفة: تسقط جزية السنة الماضية وتجب جزية واحدة" (٥). دليلنا: قول النبي ﷺ : "الزعيم (٦) غارم (٧)؛ ولأنه مال يتكرر بتكرر الحول، أو ما يجب في كل حول فوجب أن لا يتداخل. أصله: الزكاة والدية على العاقلة (٨). واحتج المخالف بأن الجزية تجب بأول السنة وتجب على وجه العقوبة، فمتى دخلت سنة أخرى وجبت جزية أخرى بأول السنة، فاجتمعت عقوبتان من جنس فيجب

стр. 584

الاقتصار على عقوبة واحدة كالحدود، وربما قالوا عقوبتان من جنس واحد، فوجب أن يكون لاجتماعهما تأثير في الاقتصار على عقوبة واحدة كالحدين من جنسين (١). والجواب: أننا لا نسلم هذا الأصل، وأنها تجب في أول الحول، وقد دللنا على أنها تجب بآخره، ولا يؤدي إلى اجتماع عقوبتين، فإن فرضوا الكلام فيه إذا مضى حولان قبل أن يؤدي أنها تتداخل بالعلة التي تقدمت وأنهما عقوبتان من جنس واحد انتقض بمن أفطر في يوم من رمضان متعمدا وأفطر في يوم آخر من رمضان السنة الثانية فإن كفارتهما لا تتداخل وهما عقوبتان من جنس واحد، وعلى أن الحدين ليس فيهما معنى العوض فمنع من التداخل كمن قطع يميني رجلين، فإن ضمانهما لا يتداخلان كذلك ها هنا (٢). ٧٦ - ٨ - مسألة: إذا حصل المسلم أسيرا في أيدي أهل الحرب فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم ولا ينصرف لزمه هذا الشرط ؛ نص عليه في رواية أبي الحارث (٣)، وكذلك إن شرطوا عليه الفداء، وقالوا: أطلقناك لتنصرف إلى دار الإسلام على أن تبعث إلينا كذا، فإن فعلت وإلا رجعت، فإذا انصرف على هذا الشرط لزمه الوفاء بالشرطين الفداء أو الرجوع نص عليه في رواية أبي داود والترمذي (٤) خلافا للشافعي في قوله: "لا يلزمه الوفاء بذلك" (٥)، وهكذا الخلاف فيه إذا شرط الإمام في عقد الهدنة أن يرد من جاءه من

стр. 585

الرجال مسلما، فالشرط صحيح نص عليه في رواية الترمذي ويعقوب (١) خلافا للشافعي في قوله: إن كان له عشيرة ورهط، وإن لم يكن له لم يرده" (٢). دليلنا: أنه لو شرط الإمام في عقد الصلح لهم أن من جاء منهم مسلما مسلما رددناه وجب الوفاء بهذا الشرط كذلك إذا شرطوا ذلك على الأسير المسلم أن يرجع إليهم، فإن لم يسلَّموا ذلك دللنا على الأصل بما روي أن النبي ﷺ صالحهم عام الحديبية (٣) على ذلك، ووفى بذلك لهم؛ فرد أبا جندل (٤) وأبا بصير (٥) (٦)، وإذا كان كذلك فيقول: صلح علي رد مسلم، فصح ولزم دليله صلح الحديبية، ولا يلزم عليه رد النساء؛ لقولنا على رد مسلم، وهذه الصفة تختص الذكور (٧). فإن قيل: صلح الحديبية لما تضمن جواز رد النساء؛ لهذا تضمن جواز رد الرجال، وهذا بخلافه (٨).

стр. 586

قيل: إنما لم يجز رد النساء؛ لأن الشرع ورد بنسخ ذلك، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولم ينسخ رد الرجال؛ فوجب بقاؤه على حكم الأصل، ولأن في رد الفداء مصلحة للأسرى، وفي منعه مفسدة عليهم؛ لأنه لا يطلق من بعد غيرة، وفي الوفاء مصلحة؛ لأنه يطلق الأسير فيلحق بدار الإسلام، ويتنجز فكاك رقبته؛ ولأنه لو لم يجز رده إذا لم يكن له عشيرة لم يجز، وإن كان له كالنساء. ولا يجوز أن يقال: إذا كان له عشيرة يمكنه أن يفي دينه؛ لأن هذا لا يوجب جواز رد النساء، ولأنه لا يمنع الوفاء لهم بهذا الشرط وإن كان فاسدا كما وجب الوفاء لهم بأمان الصبي وإن كان أمانا فاسدا (١)؛ لأن الكافر يكون في أمان؛ ولأن أكثر ما في ذلك أنه بذل ماله في مقابلة حر هذا غير ممتنع كالإمام عليه أن يفدي الأسارى بالمال، وإن كان بذل المال في مقابلة حر؛ ولهذا المعنى قلنا فيمن أسره أهل الحرب فاشتراه رجل مسلم منهم بغير أمر الأسير محتسبا بالثمن عليه كان له الرجوع عليه، نص عليه في رواية صالح وابن منصور وحرب (٢)، وفيه حديث رواه (السائب بن الأقرع) (٣) - عامل عمر - أنه كتب إليه في سبي (٤) العرب ورقيقهم - وقد كان التجار اشتروه - فكتب إليه: "فأيما حر اشتراه التجار فاردد عليهم رءوس أموالهم؛ فإن الحر لا يباع ولا يشترى" (٥)، وهذا يدل على

стр. 587

إيجاب الوفاء (١). وقد احتج أحمد: بما رواه سعيد الأموي (٢) في "المغازي" بإسناده أن حذيفة بن اليمان أسروه المشركون يوم بدر فأرادوا قتله ثم أخذوا عليه أن لا يعين محمدا عليهم فأتى النبي ﷺ فقال: "نفي لهم ونستعين الله عليهم" (٣) وفي معنى هذا الحديث ما ذكره أبو بكر ابن أبي داود (٤) في سننه في باب غزاة بدر بإسناده عن حذيفة قال: "ما منعنا أن نشهد

стр. 588

بدرا إلا أنا قد أقبلنا أنا وأبي نريد رسول الله ﷺ ببدر، فعرض لنا كفار قريش أخذونا فقالوا: إنكم تريدون محمدا، قلنا: ما نريده، قالوا: فأعطونا عهد الله وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة فلا تقاتلونا، فأعطيناهم عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة فأتينا النبي ﷺ فأخبرناه بذلك فقال: "نستعين بالله عليهم ونفي لهم بعهدهم، ارجعوا إلى المدينة" (١). قال: فذلك الذي منعنا". واحتج المخالف: بأن شرط العود على المسلم إلى دارهم لا يوجب الوفاء به كما لو شرطوا على المرأة المسلمة أن تعود إليهم (٢). والجواب: أن المعنى في المرأة أن النسخ منع من العود إليهم، ولم يوجد مثل هذا في حق الرجل، ولأن الرجل له علم ومعرفة متى أكره على الكفر قاله على وجه الدفع عن نفسه؛ فلا يكون كافرا، والمرأة لا معرفة لها قرت به مع اعتقاده، ولأن الرجل إذا أراد الفرار منهم قدر عليه، والمرأة متى طلبت الفرار لم تقدر؛ لأنها لا تأمن على نفسها، ولأنه إذا ردها لم نأمن عليها أن يواقعها زوجها فنكون قد مكناه منها (٣). واحتج: بأن الهجرة واجبة عليه من دار الحرب إذا لم يكن له عشيرة، فإذا شرطوا عليه الرجوع وجب أن لا يلزمه الوفاء به؛ لأنه وفاء بمعصية (٤).

стр. 589

والجواب: أنه إنما لزمه الهجرة؛ لأنه لا مصلحة في المقام هناك وليس كذلك ها هنا فإن العود إليهم فيه مصلحة من الوجه الذي ذكرنا وعلى أنه كان يجب أن لا يجوز الوفاء وإن كان له عشيرة كالنساء (١). واحتج بأنهم لو أطلقوه بشرط أن يقيم في دارهم على أنه رقيق لهم يخدمهم ويأخذون أكسابه ويتبعونه إن اختاروا كان شرطا باطلا، ولم يلزمه الوفاء به كذلك ها هنا (٢). الجواب: أن إقراره في دارهم، والخدمة، وأخذ أكسابه، ولا يمتنع جواز ذلك؛ لأنه بدل عوض في مقابلة خلاصة من يدهم فهو كبدل المال، وأما كونه رقيقا يباع فلا يصح؛ لأنه يفضي إلى استرقاق كافر لمسلم، وهذا لا يجوز ليس كذلك ها هنا؛ لأن أكثر ما فيه حمل المال إليهم والسكنى في دارهم وهذا غير ممتنع، كما لو فادا الإمام بالمال للأسارى، وكما لو أراد المقام بدار الحرب وله عشيرة فإنه يجوز كذلك ها هنا (٣). ٧٧ - ٩ - مسألة: إذا صالح الإمام أهل الحرب وشرط في الصلح أن من جاء منهم مسلما رددناه، فجاءت امرأة منهم مسلمة لم يجب ردها (٤)، ولا رد مهرها نص عليه في رواية جعفر بن محمد (٥) في المرأة من المشركين تجيء إلى المسلمين: هل يرد على زوجها المهر قال: كان ذلك قيل له: وإن جاءت امرأة من قوم بيننا وبينهم عهد واحد قال: نعم (٦)، وبهذا قال أبو حنيفة (٧) ومالك (٨)، وللشافعي في رد المهر قولان: أحدهما: مثل قولنا (٩).

стр. 590

والثاني: يجب رد (١). دليلنا: أنه لا يجب ردها فوجب أن لا يجب رد مهرها (٢). دليله: إذا لم يشترط، وعكسه صلح الحديبية لما وجب ردها وجب رد مهرها، ولأنه لو خرج زوجها بعدها مسلما لم يجب ردها كذلك إذا لم يخرج كما لو لم يشترط في الابتداء (٣). فإن قيل: إنما لم يرد عليه؛ لأنه قد التزم حكم الإسلام وليس من حكم الإسلام المطالبة بعد البينونة وهذا معدوم فيه إذا كان كافرا (٤). قيل: فلو خرج كافرا فطالب بها ثم أسلم وجب له المهر وإن كان قد التزم حكم الإسلام، ولأنه لو خرج مسلما لم يستحق مهرها كذلك إذا خرج كافرا كما لو خرج بعد موتها أو انقضاء عدتها (٥). فإن قيل: الحيلولة هناك بغير الإسلام وها هنا بالإسلام (٦). قيل: الحيلولة بالإسلام حيلولة بحق فهي كانقضاء العدة، ولأن النهي عوض عما استوفاه الزوج بوطئه فلا يجوز أن يسلم له العوض والمعوض، كما إذا أسلم له المبيع لم يجز رد الثمن إليه، ولأن هذا الشرط لا يخلو إما أن يكون لرده الإمام من بيت المال أو من مال الزوج فإن كان من بيت المال جاز كما يجوز أن يصالحهم على أموال يسلمها إليهم من بيت المال، وإن كان من مال الزوج لم يجز؛ لأنه لا ولاية للإمام في عقد الصلح على مال الغير، وأيضا فإن هذا شرط فاسد ألا ترى أنه لا يلزمه الوفاء بنفس المشروط فلا يلزم بدله؛ لأن البدل إنما يلزم في الموضع الذي يجب رد الشيء ثم يتعذر رده فيقوم

стр. 591

البدل مقامه، فأما إذا لم يجب رد الشيء لم يجب بدله عند تعذر رده ألا ترى أنه لو شرط أن من هرب من أسرى المسلمين إلينا رده عليهم فهرب لم يجب رد بدله؛ لأنه لا يجب رده عندهم كذلك هذا، ولأن عقد الهدنة يقتضي رد ما كان مالا أو بمعنى المال إن كان قائما وبدله إن كان تالفا، ولا يجب رد ما ليس بمال، والزوجة ليست بمال ولا في معنى المال بدليل: أن حربيا لو عقد الأمان لنفسه مطلقا كان أمانا لنفسه ولماله حتى إذا سبي أهل الحرب لم يسب مال هذا الذي هو في دار الحرب ولو كانت له زوجة هناك سبيت، واسترقت ثبت أنها ليست بمال ولا في معناه، وإذا كانت كذلك لم يجب رد بدلها، ولأنه لو كان رد المهر واجبا لوجب رد مهر المثل؛ لأنه وجب بالحيلولة بينها وبين زوجها كما يجب على المرضعة على قولهم إذا فسخت النكاح، وإنما أوجبوا الذي أعطاها بطل الوجوب برضاعها، فلما ثبت أن مهر المثل لا يجب بكل حال (١). واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]. والجواب: أن الله تعالى إنما أمر برد البدل في الوقت الذي رد المبدل فنسخ رد المبدل، وأقيم البدل مقامه؛ لئلا يكون فيه نقض الصلح، فأما الساعة؛ فلا يجوز الصلح على ردهن، ومتى وقع الصلح على ذلك لم يجب ردهن فلا يجب رد ما يقوم مقامهن (٢). ٧٨ - ١٠ - مسألة: يؤخذ من نساء بني تغلب وصبيانهم ما يؤخذ من رجالهم، نص عليه في رواية ابن القاسم فقال: صدقة أرض بني تغلب العشر العشر (٣) يضاعف عليهم، والمواشي والأرض سواء الصغير والكبير إنما هي زكاة فقد أدخل الصغير فيها، فأولى أن تدخل فيها المرأة. وعلل بأنها زكاة والمرأة تلزمها الزكاة، وقوله: هي زكاة أراد به تسمية لا أنها زكاة في الحقيقة؛ لأنه قد قال في رواية أبي الحارث: ليس على أهل الذمة زكاة إنما يؤخذ العشر

стр. 592

إذا بحروا في السنة مرة؛ فنفى إيجاب الزكاة عليهم (١)، وقال أبو حنيفة: يؤخذ من نسائهم ولا يؤخذ من صبيانهم (٢)، وقال مالك (٣) والشافعي (٤): لأخذ منهن شيئا. دليلنا: أن عمر صالحهم على أن يضاعف عليهم الحقوق التي تؤخذ من أموال المسلمين، ومعلوم أنه يؤخذ من نساء المسلمين وصبيانهم ما يؤخذ من رجالهم [كذلك يجب أن يؤخذ من نساء بني تغلب وصبيانهم ما يؤخذ من رجالهم (٥)، فروى أبو عبيد بإسناده (٦) عن زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة (٧) أنه سأل عمر في بني تغلب، وكان عمر قد هم أن يأخذ منهم الجزية فتفرقوا في البلاد، فقال النعمان أو زرعة بن النعمان: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية وليست لهم من أموال وإنما هم أصحاب حروث (٨) ومواش، ولهم نكاية في العدو فلا تعز عدوا عليك بهم قال:

стр. 593

فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة (١)، قال أبو عبيد: وفي شروطه عليهم أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم مثل ما على أموال رجالهم (٢) وأيضا: من تجب عليه الزكاة إذا كان مسلما يؤخذ منه ضعفًا إذا كان تغليبًا كالرجل. يبين صحة هذا: أن أهل الحرب رجال ونساء فإذا جاز أن تجب الجزية على أحد الفريقين جاز أن يؤخذ من الآخر، وأيضا فإن الجزية إذا كانت مأخوذة على طريق الصلح فإنه يستوي فيها حكم الرجال والنساء (٣). يدل عليه: ما رويناه عن أبي عبيد بإسناده عن الحكم (٤) قال: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ وهو باليمن: فما سقت السماء أو سقي غيلا (٥) العشر وفيما سقي بالغرب نصف العشر، وفي الحالم (٦) والحالمة دينار أو عدله معافري (٧) (٨)، ومعلوم أن ذلك كان على وجه الصلح، كذلك ما يؤخذ من نصارى بني تغلب هو مأخوذ على طريق الصلح؛ فيجب أن يستوي فيه حكم الرجال والنساء (٩). فإن قيل: هذا ينتقض بأصل الجزية؛ فإنها ثبتت بالصلح؛ لأنه لا يجبر أهل الحرب من أهل الكتاب على إلزامها ومع هذا لا يدخل فيها النساء والصبيان (١٠).

стр. 594

قيل: الصلح ما اعتبر فيه رضا كل واحد من المتصالحين والجزية لا يعتبر فيها ذلك؛ لأنهم لو بذلوها لزم الإمام قبولها من طريق الشرع ولا يعتبر رضاه في ذلك. يدل عليه: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فاقتضى أنهم إذا أعطوها لم يقاتلوا (١). واحتج المخالف بأنه مال مأخوذ من الكفار في مقابلة حقن الدم فوجب أن يختص الرجال قياسا على الجزية، ولأنه مال يجب على الذمي ويسقط بالإسلام فلا يجب على النساء والصبيان قياسا على ما ذكرنا، ولأنه مال مأخوذ على وجه الصغار فلا يؤخذ من النساء والصبيان قياسا على ما ذكرنا؛ ولأنه جزية أشبه ما ذكرنا (٢). والجواب: أن تلك غير مأخوذة على وجه الصلح، وهذه مأخوذة على وجه الصلح، ولا فرق في ذلك بين بني تغلب وغيرهم ويخص أبا حنيفة في صبيانهم بأنه حق مال يستوفى من النساء فاستوفى من الصبيان (٣). دليله: صدقة الفطر والعشر وقيم المستهلكات (٤). فإن قيل: النساء تجب في أموالهم الزكاة ولا تجب في مال الصبي (٥). قيل: لا نسلم هذا (٦).

стр. 595

٧٩ - ١١ - مسألة: إذا مر الحربي على عاشر (١) المسلمين بمال التجارة أخذ منه العشر، وإن مر عليه الذمي أخذ منه نصف العشر نص عليه في رواية أبي طالب (٢) فقال: هو مثل الزكاة من المسلمين (٣) من كل أربعين درهما درهم ومن أهل الذمة درهمين وممن لا ذمة له العشر من العشرة درهم، وكذلك نقل أبو الحارث (٤). وقال أبو حنيفة: إن كانوا يأخذون من تجارنا أخذنا منهم مثل ذلك وإن لم يأخذوا منهم لم نأخذ نحن منهم (٥)، وقال مالك: إن باعوا أمتعتهم أخذ منهم العشر، وإن لم يبيعوا لم يؤخذ منهم (٦). وقال الشافعي: لا يؤخذ منهم إلا أن يشترط عليهم ذلك سواء عنده أهل الذمة وأهل الحرب (٧). دليلنا: ما روى (بكر) (٨) بإسناده عن وائل بن خالد (٩) قال: قلت: يا رسول الله

стр. 596

أعشر قومي؟ قال: "إنما العشور على اليهود والنصارى" (١). وروى بإسناده عن حرب بن عبيد الله (٢) عن جده أبي أمه عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور". فقد أثبت أن عليهم [عشورا] (٣)، وعند الشافعي: لا عشر عليهم (٤). وروى أحمد فيما ذكره أبو بكر: نا سفيان (٥)، نا هشام (٦)، عن أنس بن سيرين (٧) قال: بعثني أنس بن مالك (٨) على العشور، فقلت: تبعثني على العشور من بين عمالك؟ قال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر وممن لا ذمة له العشر (٩)،

стр. 597

ولا معنى لقولهم أن هذا على الشرط أو على أنهم كانوا يأخذون من تجارنا؛ لأن هذا تخصيص بغير دليل، ولأنه مال مأخوذ من كافر، فلا يعتبر فعلهم فيه. أصله: الجزية ورأيت بعضهم يقول: إن أخذوا من تجارنا الجزية أخذنا من تجارهم الجزية فعلى هذا يكون القياس على الجزية المأخوذة من أهل الذمة. ويبين صحة هذا: وأنه لا اعتبار بفعلهم أنه لو كان ينهبون أموال المسلمين إذا دخلوا إليهم لم يجز لنا نهب أموالهم كذلك ههنا لا يجب أن تعتبر أفعالهم، ويكون ثبوت ذلك عليهم، ولأن ما يؤخذ من أموال التجارات لا يحتاج إلى شرط. دليله: ما يؤخذ من أموال المسلمين إذا كانت للتجارة (١). فإن قيل: لو كان هذا جار مجرى أموال المسلمين لاعتبر فيها النصاب الكامل بمعنى لا يقابله دين ولا اعتبر وجوبه في الحول مرة (٢). قيل: هكذا يعتبر وقد نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فقال: إذا مر أهل الذمة بالعشار في السنة مرتين لم يؤخذ منهم إلا مرة واحدة، وإن كان أقل من عشرين دينارا لم يؤخذ منه شيء (٣) فقد نص على اعتبار النصاب وإيجاد مرة واحدة، وقال في رواية يعقوب ابن بختان في الذمي يمر بالعشار فيقول: علي دين لا يقبل منه (٤)، فإن كانت معه جارية، فقال: أختي فهو واحد بقوله لا تقبل منه، يفتقر أنه لو أتى ببينة بالدين سقط العشر عنه، وأيضًا أنه استعاد حظر المال والدم بدخوله فلزمه حق يؤخذ من ماله كما لو عقد له الذمة وكما لو شرط عليه (٥).

стр. 598

واحتج المخالف: بأنه مال لم يشترطه الإمام أو من ينوب عنه فوجب أن يكون محظورا بالأمان المطلق. دليله: ما زاد على العشر (١). والجواب: أنه لا يمتنع وجوب أخذه وإن لم يكن مشروطا كالعشر المأخوذ من زروع المسلمين، ولأنه ليس إذا لم يؤخذ ما زاد على العشر لم يؤخذ العشر بدليل: أموال المسلمين، ولأن ما زاد على العشر لا يتقدر الحقوق المأخوذة من المسلمين به فلم يتقدر به ما يؤخذ من مال الكافر وهذا بخلافه (٢). واحتج بأنه: أمان لم يشرط فيه عوض فوجب أن لا يكون مستحقا. أصله إذا عقد الهدنة لأهل بلد من بلاد الحرب أو أذن لحربي بالدخول إلينا برسالة (٣). والجواب: أن عقد الهدنة لأهل بلد يخالف الإقرار في دارنا ألا ترى أنه تجوز الهدنة لهم بغير جزية أكثر من حول ولو دخل إلى دارنا حربي بأمان لم يجز إقراره في دارنا أكثر من حول بغير جزية فجاز أن يختلفا في عشور الأموال وأما الرسول فيؤخذ مما معه من الأموال فلا فرق بينهما (٤). ٨٠ - ١٢ مسألة: يمنع الكافر من دخول الحرم، نص عليه في رواية ابن منصور: ليس لليهودي والنصراني أن يدخلوا الحرم (٥)، وهو قول مالك (٦)،

стр. 599

والشافعي (١) قال أبو حنيفة: لا يمنعوا من ذلك (٢). دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فذكر المسجد والمراد به: جملة الحرم، كما قال سبحانه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وأراد به مكة؛ لأنه أسري به من بيت خديجة ﵍ ويبين صحة هذا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] يعني إن خفتم انقطاع الميرة (٣) من مكة، وقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] والمراد به: جملة الحرم، وقال تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] والمراد به: جملة الحرم. بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وهذا لا يختص المسجد (٤). فإن قيل: المراد بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] نفس المسجد، وإنما نهاهم عن قربه للطواف (٥).

стр. 600

قيل: قد بينا أن إطلاق المسجد المراد به: جملة الحرم وإن في سياق الآية ما دل على أن المراد به الحرم وهو قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وإن هذا لا يختص المسجد وعلى أن عندهم لا يمنع الكافر من دخول المسجد الحرام وقد استوفينا الكلام على هذه الأسئلة في هذه الآية في كتاب الصلاة في دخول الكافر المسجد الحرام (١). وروى ابن عباس قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء، قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". وسكت عن الثالث (٢). وروى عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ولا أدع أن ينزلها إلا مسلما" (٣) وأجلاهم. وروت عائشة عن النبي ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٤)، وعن عمر أنه أجلى أهل الذمة من الحجاز (٥) فلحق بعضهم سواد الكوفة وبعضهم سواد الشام وإنما فعله عمر ﵁ امتثالا لأمر النبي ﷺ
следующие страницы →