← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أعشر قومي؟ قال: "إنما العشور على اليهود والنصارى" (١). وروى بإسناده عن حرب بن عبيد الله (٢) عن جده أبي أمه عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور". فقد أثبت أن عليهم [عشورا] (٣)، وعند الشافعي: لا عشر عليهم (٤). وروى أحمد فيما ذكره أبو بكر: نا سفيان (٥)، نا هشام (٦)، عن أنس بن سيرين (٧) قال: بعثني أنس بن مالك (٨) على العشور، فقلت: تبعثني على العشور من بين عمالك؟ قال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر وممن لا ذمة له العشر (٩)،

стр. 597

ولا معنى لقولهم أن هذا على الشرط أو على أنهم كانوا يأخذون من تجارنا؛ لأن هذا تخصيص بغير دليل، ولأنه مال مأخوذ من كافر، فلا يعتبر فعلهم فيه. أصله: الجزية ورأيت بعضهم يقول: إن أخذوا من تجارنا الجزية أخذنا من تجارهم الجزية فعلى هذا يكون القياس على الجزية المأخوذة من أهل الذمة. ويبين صحة هذا: وأنه لا اعتبار بفعلهم أنه لو كان ينهبون أموال المسلمين إذا دخلوا إليهم لم يجز لنا نهب أموالهم كذلك ههنا لا يجب أن تعتبر أفعالهم، ويكون ثبوت ذلك عليهم، ولأن ما يؤخذ من أموال التجارات لا يحتاج إلى شرط. دليله: ما يؤخذ من أموال المسلمين إذا كانت للتجارة (١). فإن قيل: لو كان هذا جار مجرى أموال المسلمين لاعتبر فيها النصاب الكامل بمعنى لا يقابله دين ولا اعتبر وجوبه في الحول مرة (٢). قيل: هكذا يعتبر وقد نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فقال: إذا مر أهل الذمة بالعشار في السنة مرتين لم يؤخذ منهم إلا مرة واحدة، وإن كان أقل من عشرين دينارا لم يؤخذ منه شيء (٣) فقد نص على اعتبار النصاب وإيجاد مرة واحدة، وقال في رواية يعقوب ابن بختان في الذمي يمر بالعشار فيقول: علي دين لا يقبل منه (٤)، فإن كانت معه جارية، فقال: أختي فهو واحد بقوله لا تقبل منه، يفتقر أنه لو أتى ببينة بالدين سقط العشر عنه، وأيضًا أنه استعاد حظر المال والدم بدخوله فلزمه حق يؤخذ من ماله كما لو عقد له الذمة وكما لو شرط عليه (٥).

стр. 598

واحتج المخالف: بأنه مال لم يشترطه الإمام أو من ينوب عنه فوجب أن يكون محظورا بالأمان المطلق. دليله: ما زاد على العشر (١). والجواب: أنه لا يمتنع وجوب أخذه وإن لم يكن مشروطا كالعشر المأخوذ من زروع المسلمين، ولأنه ليس إذا لم يؤخذ ما زاد على العشر لم يؤخذ العشر بدليل: أموال المسلمين، ولأن ما زاد على العشر لا يتقدر الحقوق المأخوذة من المسلمين به فلم يتقدر به ما يؤخذ من مال الكافر وهذا بخلافه (٢). واحتج بأنه: أمان لم يشرط فيه عوض فوجب أن لا يكون مستحقا. أصله إذا عقد الهدنة لأهل بلد من بلاد الحرب أو أذن لحربي بالدخول إلينا برسالة (٣). والجواب: أن عقد الهدنة لأهل بلد يخالف الإقرار في دارنا ألا ترى أنه تجوز الهدنة لهم بغير جزية أكثر من حول ولو دخل إلى دارنا حربي بأمان لم يجز إقراره في دارنا أكثر من حول بغير جزية فجاز أن يختلفا في عشور الأموال وأما الرسول فيؤخذ مما معه من الأموال فلا فرق بينهما (٤). ٨٠ - ١٢ مسألة: يمنع الكافر من دخول الحرم، نص عليه في رواية ابن منصور: ليس لليهودي والنصراني أن يدخلوا الحرم (٥)، وهو قول مالك (٦)،

стр. 599

والشافعي (١) قال أبو حنيفة: لا يمنعوا من ذلك (٢). دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فذكر المسجد والمراد به: جملة الحرم، كما قال سبحانه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وأراد به مكة؛ لأنه أسري به من بيت خديجة ﵍ ويبين صحة هذا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] يعني إن خفتم انقطاع الميرة (٣) من مكة، وقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] والمراد به: جملة الحرم، وقال تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] والمراد به: جملة الحرم. بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وهذا لا يختص المسجد (٤). فإن قيل: المراد بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] نفس المسجد، وإنما نهاهم عن قربه للطواف (٥).

стр. 600

قيل: قد بينا أن إطلاق المسجد المراد به: جملة الحرم وإن في سياق الآية ما دل على أن المراد به الحرم وهو قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وإن هذا لا يختص المسجد وعلى أن عندهم لا يمنع الكافر من دخول المسجد الحرام وقد استوفينا الكلام على هذه الأسئلة في هذه الآية في كتاب الصلاة في دخول الكافر المسجد الحرام (١). وروى ابن عباس قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء، قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". وسكت عن الثالث (٢). وروى عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ولا أدع أن ينزلها إلا مسلما" (٣) وأجلاهم. وروت عائشة عن النبي ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٤)، وعن عمر أنه أجلى أهل الذمة من الحجاز (٥) فلحق بعضهم سواد الكوفة وبعضهم سواد الشام وإنما فعله عمر ﵁ امتثالا لأمر النبي ﷺ

стр. 601

وهو قوله: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (١)، وكان أبو بكر ﵁ مشغولا في أيامه، وكانت أيامه قصيرة (٢). واحتج المخالف: بأن النبي ﷺ دخل عام الفتح ولم يمنع المشركين من دخول مكة لتجارة أو غيرها، وكذلك الكفار كانوا مقيمين في سائر بلاد العرب في زمن أبي بكر ﵁ إلى أن قال عمر ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٣) فنقلهم (٤). والجواب: أنا قد روينا عن النبي ﷺ أنه أمر بإجلائهم ووعد بذلك، وأن عمر امتثل ذلك وأن أبا بكر ﵁ قصرت أيامه عن ذلك (٥). واحتج بأنه: لا يمنع من دخول سائر البقاع فلا يمنع من دخول الحرم كالمسلم وكل موضع لا يمنع المسلم من دخوله لا يمنع الكافر منه كسائر المواضع (٦). والجواب: أنه ليس إذا جاز للمسلم دخوله لكماله جاز للكافر؛ لنقصانه. بدليل: أن المتطهر لا يمنع من المسجد لكماله، والجنب والحائض يمنعان منه لنقصانهما وليس إذا جاز له دخول غير الحرم من البلاد لنقصان حرمتها جاز في الحرم لكمال حرمته وقد ثبت أن الحرم أكمل (٧).

стр. 602

بدليل: ضمان صيده وشجره (١) وكونه حرما لمن لجأ إليه (٢) وتغلظ به الدية في القتل فيه (٣). ٨١ - ١٣ مسألة: إذا امتنع الذمي من بذل الجزية ومن جريان أحكامنا عليهم إذا حكم عليهم حاكمنا صار ناقضا للعهد، وكذلك إذا فعل ما يجب عليه تركه والكف عنه مما فيه ضرر على المسلمين وآحادهم في مال أو نفس وهي ثمانية أشياء: الاجتماع على قتال المسلمين، وأن لا يزني بمسلمة، ولا يصيبها باسم نكاح، ولا يفتن مسلما عن دينه، ولا يقطع عليه الطريق، ولا يأوي للمشركين عينا، أعني جاسوسا، ولا يعاون على المسلمين بدلالة أعني: لا يكاتب المشركين بأخبار المسلمين ولا يقتل مسلما ولا مسلمة، وكذلك إذا فعل ما فيه إدخال غضاضة ونقص على الإسلام وهي ثلاثة أشياء: ذكر الله تعالى وكتابه ورسوله بما لا ينبغي سواء شرط عليهم الإمام أنهم متى فعلوا ذلك كان نقضا لعهدهم أولم يشرط في أصح الروايتين نص عليها في مواضع (٤)، فقال في رواية أحمد بن سعيد (٥) الذي يمنع الجزية إن كان واحدا أكره عليها وأخذت منه وإن لم يعطها ضربت عنقه.

стр. 603

وقال أيضا في رواية أبي الحارث في نصراني استكره مسلمة على نفسها يقتل ليس على هذا صولحوا (١) وإن طاوعته يقتل وعليها الحد (٢). وقال في رواية حنبل كل من ذكر شيئا يعرض به للرب فعليه القتل مسلما كان أو كافرا (٣). وكذلك نقل عنه جعفر بن محمد في يهودي سمع المؤذن يؤذن فقال له: كذبت يقتل (٤)؛ لأنه شتم، وقال في رواية أبي طالب في يهودي شتم النبي ﷺ يقتل قد نقض العهد فإن زنا بمسلمة يقتل (٥)، أتي عمر ﵁ بيهودي نخس مسلمة ثم غشيها فقتله (٦) فالزنا أشد وقد نقض العهد. وقال الخرقي في مختصره: في الذمي إذا قتل عبدا مسلما قتل لنقض العهد (٧)، وفي رواية أخرى: لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية وجري أحكامنا عليهم (٨).

стр. 604

وقال في رواية موسى بن عيسى الموصلي (١) عنه في المشرك إذا قذف مسلما يضرب (٢)، وكذلك نقل الميموني (٣) في الرجل من أهل الكتاب يقذف العبد المسلم ينكل به بضرب ما يرى الحاكم، وكذلك نقل عبد الله في نصراني قذف مسلما عليه الحد، وظاهر هذا أنه لم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلم مع ما فيه من إدخال الضرر عليه بهتك عرضه (٤). وقال أبو حنيفة: لا ينقض عهدهم بشيء من ذلك إلا أن يكون لهم منعة فيمتنعون على الإمام ويمنعون الجزية، ولا يمكنه إجراء الأحكام عليهم، فأما إذا امتنع الواحد منهم عن أداء الجزية، أو فعل شيئا من هذه الأشياء التي فيها ضرر على المسلمين أو غضاضة في الإسلام لم يصر ناقضا للعهد (٥). وقال الشافعي: إن امتنع من فعل ما يجب عليه وهو بذل الجزية وجري أحكامنا عليه انتقض أمانه وإن امتنع من فعل ما يجب تركه نظرت، فإن لم يكن مشروطا في العقد لم ينتقض وجها واحدا، وإن كان مشروطا في العقد فعلى وجهين. وأما الأشياء الثلاثة فعلى وجهين: أحدهما: الحكم فيها كالحكم فيما يجب فعله (٦). والثاني: أنها كالأشياء التي يجب تركها على التفصيل (٧). فالدلالة على نقض العهد بالامتناع: من بذل الجزية وجريان أحكامنا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ

стр. 605

وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فأمر بالكف عن قتالهم بإعطاء الجزية فإذا امتنع من إعطاء الجزية يجب أن يكون ممن أمر بقتاله (١). فإن قيل: معناه حتى يضمنوا إعطاء الجزية (٢). قيل: قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] يقتضي فعل العطاء دون الضمان، ولأنا قد أجمعنا على أن الضمان لابد منه في عقد الذمة فثبت أن المراد بها: العطاء والضمان جميعًا فإذا ضمنوا وامتنعوا من العطاء لم يحصل الشرط فحل دمه، وأيضا فإنه عقد أمان فوجبَ أن ينتقض بالمخالفة فيما يعقد به كالهدنة، وكل ما كان نقضا للعهد، أو وجد من العدد الكثير كان نقضا للعهد إذا وجد من العدد اليسير. أصله: خيانة أهل الهدنة فإنها لما كانت نقضا للعهد إذا وجد من العدد الكثير كانت نقضا للعهد إذا وجد من العدد اليسير (٣). فإن قيل: لا يجوز اعتبار عقد الذمة بالهدنة؛ لأن الذمة أكد من الهدنة. بدليل: أن أهل الهدنة إذا علموا بخيانة من خان فسكتوا عن الإنكار عليه صاروا ناقضين للعهد، وأهل الذمة إذا علموا بمن خان منهم وسكتوا عنه لم يكونوا ناقضين للعهد، وكذلك إذا خاف من أهل الهدنة الخيانة كان له أن ينبذ إليهم عهدهم ويقاتلهم، ولا يجوز إذا خاف من أهل الذمة الخيانة أن ينبذ إليهم عهدهم وينقض ذمتهم (٤). قيل: هما سواء في فعل العدد الكثير مع وجود هذا الفرق (٥). فإن قيل: أليس قد فرقتم في أهل البغي بين العدد اليسير والعدد الكثير، كذلك لا يمتنع مثله ها هنا (٦).

стр. 606

قيل: ما يجب على العدد الكثير من أهل البغي يجب على العدد اليسير ويكون ذلك أولى، وإنما فرقنا بينهما فيما عاد إلى التخفيف (١)، فقلنا إذا كانت جماعة ممتنعة كبيرة لم يضمنوا ما أتلفوه من مال أو نفس سقط عنهم الضمان، ولا يسقط ذلك عن العدد اليسير، ومسألتنا في حكم التغليظ والتشديد عليهم، وحكم أهل البغي فيما عاد إلى التغليظ يسري حكم العدد اليسير والكثير، وأيضا فإن حقن الدم تعلق ببذل الجزية وجريان حكم الإسلام عليهم؛ فمن امتنع منه يجب أن يعود إلى حال الإباحة كما إذا امتنع المسلم من الشهادتين وأتى بكلمة الكفر (٢). واحتج المخالف: بأنه إذا امتنع من أداء الجزية أمكن الإمام أن يجبره على أدائها؛ فيجب أن لا يصير ناقضا للعهد، ولا يباح دمه، كما لو أودعه المسلم وديعة فخانه فيها أو قذف مسلما أو غصب منه مالا وكذب (٣). والجواب: أنه لا يمكن إجباره عليه إذا كتم ماله وقعد في الحبس وصبر على الضرب، ولأن هذا لا يمنع أن يكون ناقضا للعهد، وإن أمكن إجباره عليه كالمسلم إذا ارتد فإنه ينقض العهد، وإن أمكن إجباره عليه (٤). واحتج بأنه: لو امتنع المسلم من أداء الخراج والعشر لم يصر مباح الدم؛ لأن الإمام يمكنه أن يجبره على أدائه، كذلك الذمي إذا امتنع من أداء الجزية يجب أن لا يصير مباح الدم (٥). والجواب: أنا قد بينا أنه قد لا يمكن إجباره عليه، ويبطل به إذا ارتد المسلم، وأما الأصل فلأنه حقن دمه بالإسلام، وبهذه الأفعال لا يخرج عن الإسلام فلم يبح دمه لبقاء المعنى الذي حقن به دمه والذمي حقن دمه ببذل الجزية، فإذا امتنع من أدائها فقد زال المعنى الحاقن لدمه فصار مباح الدم، وصار كالمسلم إذا ارتد (٦).

стр. 607

فصل والدلالة على أنه إذا فعل شيئا من الأشياء التي فيها ضرر على المسلم نقض العهد: ما روي أن نصرانيا استكره امرأة فرفع إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقال: على هذا صولحوا وفي نسخة أخرى صالحناكم؟! وضرب عنقه (١)؛ فثبت أنه انتقض عهده، وروي في شروط عمر أنه كتب إلى (عبد الرحمن بن غنم) (٢) أن ألحق بالشروط من ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده (٣). وروى أبو عبيد في كتاب "الأموال" عن المغيرة عن علي أنه قال: "لئن تفرغت لبني تغلب لأقتلن مقاتلهم، ولأسبين ذراريهم؛ فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم" (٤). وروى عبد الله في كتاب الحدود والكنائس، حدثني أبي قال: نا وكيع (٥) قال: نا أبو عاصم الثقفي (٦) عن

стр. 608

الشعبي (١) أن رجلا من أهل الذمة زنا بامرأة من المسلمين فصلبه عمر وقال: إنه لم نصالحكم على هذا. وروى سيف (٢) في كتاب الفتوح عن عوف بن مالك (٣) قال: كنا بإيليا وذكر الخبر إلى أن قال: فإذا نبطي (٤) يسوق بامرأة من المسلمين حمارا فلما دنا من الشجر نخس بها حمارها فتعلقت، ثم نخس بها حمارها أشد من الأولى فقمص، فصرعت، فأرادها، فامتنعت، واستغاثت، فأخذت عصاي فمشيت في إثره، فأدركته، فضربت رأسه ضربة وأعجز، ورجعت إلى منزلي، وأتى عمر فاستعداه وبرأسه جرح منكر والدماء تسيل منه، فوافقه حين خرج من المسجد وقال: أبر منه الله ورسوله، فأرسل إلي، فأتاني آت فقال: هلكت يا أمير المؤمنين، غضب مني هاشمي غضبة اليوم، فلقيت معاذا فقلت: أجرني من ظلم عمر، فحدثته الحديث فقال: أنا جارك من ظلمه، وخرج بين يدي، وقال: إذا رأيتني قد جلست إليه فادخل، فدخل معاذ واستأذنت، فأقبل علي غضبانا، فقال معاذ: إني قد أجرته من ظلمك؟ قال عمر: وأنا أجيره من ظلمي، فسألني فحدثته، فقال:

стр. 609

يعرف الصدق إذا حدث، فقال للنبطي: اصدقني، فأخبره، وأرسل إلى المرأة فقال له قائل: علام تبرزها للناس فهتك بقية ستر، أرسل إليها، فأرسل إليها، فأتاه بمثل ذلك، فقال عمر: ما على هذا صالحتهم، فأمر بالرجل فصلب فكان أول مصلوب رأيته بالشام في الإسلام (١)، فإذا كان قد صلب من هم بإصابة مسلمة ولم يقدر على ذلك لاستغاثتها إذا أصابها بزنا أو نكاح. وروى عبد الله بن أحمد في كتاب الحدود والبيع والكنائس بإسناده عن عمر أنه كتب إلى عبد الرحمن بن غنم: امض لها ما سألوا والحق فيه حرفين اشترطها عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا من سبايانا شيئا، ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده (٢)، ففي هذا تنبيه على أن ما زاد على الضرب أولى أن يخلع عهده. وروى سيف في الجزء الخامس عشر بإسناده قال: كان (صلح عمر الذي صالح عليه) (٣) أهل الذمة وإن سبوا مسلما إن انتهكوا عقوبة وإن قاتلوا أن يقتلوا (٤)، ولأنه فعل ما ينافي الأمان وفيه ضرر على المسلمين فأشبه إذا اجتمعوا على قتال المسلمين، (والدليل على الوصف أنه لا خلاف) أنه لا يجوز لهم فعل هذه الأشياء وفعلها ينافي الأمان ولا خلاف أنه إذا اجتمعوا على قتال المسلمين (٥) أنه يبيح دماءهم (٦). واحتج المخالف: بأنهم لو أظهروا منكرا في دار الإسلام مثل إحداث البيع والكنائس في دارنا ورفعوا أصواتهم بكتبهم وبصوت النواقيس (٧) وإطالة البنيان على أبنيه

стр. 610

المسلمين وإظهار الخمر والخنازير وكذلك ما أخذ عليهم تركه من التشبه بالمسلمين في ملبوسهم ومركوبهم وكتابهم وشعورهم (١). والجواب: أن من أصحابنا من جعله ناقضا للعهد بهذه الأشياء وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه قال: ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه عاد حربا فعلى هذا لا نسلم وإن سلمنا فالمعنى فيه أنه لا ضرر على المسلمين فيها وإنما نهوا عن فعلها لما في إظهارها من المنكر وفي مسألتنا في فعلها ضرر بالمسلمين فافترق (٢). فصل والدلالة على أنه إذا ذكر الله تعالى وكتابه ورسوله بما لا ينبغي أن ينقض العهد ما روى أحمد نا هشيم (٣) قال: نا حصين (٤) عمن حدثه عن ابن عمر قال: مر به راهب فقيل: إن هذا يسب رسول الله ﷺ فقال ابن عمر: لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا (٥)، ولأن الذمة معنى يحقن بها الدم فوجب أن يبطل لشتم النبي ﷺ كالأيمان، بل الأيمان آكد من عقد الذمة ثم ثبت أنه يبطل الإسلام بذلك فالأمان أولى. فإن قيل: فالقول بالتثليث (٦) ينقض الأيمان ولا ينقض الأمان وكذلك ها هنا.

стр. 611

قيل: لا نسلم هذا والخلاف في ذكر الله تعالى، وفي ذكر النبي ﷺ وهو الذي نص عليه أحمد في رواية حنبل إذا ذكر شيئا يعرض به الرب (١)، وفي رواية جعفر إذا كذب المؤذن (٢). واحتج المخالف: بما روى الزهري (٣) عن عروة (٤) عن عائشة قالت: دخل رهط من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، قالت: ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال النبي ﷺ : "مهلا يا عائشة؛ فإن الله يحب الرفق في الأمر كله"، فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال النبي ﷺ : "قد قلت: وعليكم" (٥)، ومثل هذا الدعاء لو كان من مسلم لصار به مرتدا ولم يقتلهم النبي ﷺ بذلك (٦). والجواب: أن هذا كان في حال ضعف الإسلام ألا ترى أنه قال لعائشة ﵂: "فإن الله يحب الرفق في الأمر كله" (٧). واحتج: بما روي أن امرأة اتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فقيل له: ألا تقتلها يا رسول الله؟ قال: "لا"، رواه أنس (٨) ومعلوم أن هذا الفعل لو وجد من مسلم لصار مباح الدم ومع ذلك فلم يقتلها (٩).

стр. 612

والجواب: أنه قد قيل أن الواقدي روى أن النبي ﷺ قتل المرأة التي أطعمته الشاة المسمومة (١)، والذي ذكر الأموي في المغازي أن النبي قال لها: "ما حملك على هذا؟ "، قالت: أردت أن أعرف إن كنت نبيا لم يضرك وإن كنت مدعيا أرحت منك (٢) فتركها فعلى هذا لم تقصد قتله (٣). واحتج: بأن سبب النبي ﷺ يجري مجرى سب الله تعالى؛ لأنه يوجب الكفر وقد علمنا أن النصارى يسبون الله بقولهم: ثالث ثلاثة، ومع هذا لا نقتلهم كذلك إذا سبوا النبي ﷺ يجب أن لا نقتلهم (٤). والجواب عنه: ما تقدم وهو أننا لا نسلم والخلاف فيهما سواء (٥). فصل والدلالة على أن نقض العهد يحصل بهذه الأشياء وإن لم يشترطه الإمام في عقد الذمة؛ لأن الأمان يقتضي الكف عن الإضرار وفي هذه الأشياء إضرار فيجب أن ينتقض العهد يفعلها كما لو شرط ذلك في عقد الأمان، ولأنه عقد أمان فانتقض بالمخالفة من غير شرط كالهدنة (٦). واحتج المخالف: بأن الصحابة حكموابنقضه بمخالفة الشرط، ففي حديث أبي عبيدة: "ما على هذا صالحناهم" (٧)، وكذلك قول ابن عمر: "إننا لم نعطهم الذمة على أن

стр. 613

يسبوا نبينا" (١) (٢). والجواب: أن هذا لم [يقتض] (٣) أنا شرطنا عليهم ذلك فلأجل ذلك قتلناهم ويحتمل أن يكون معناه أن عقد الإمام اقتضى الكف عما فيه ضرر علينا (٤). فصل إذا نقض العهد بمخالفة شيء من هذه الشروط فإنه لا يرد إلى مأمنه فإن تاب فالإمام فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق (٥) على ظاهر كلام أحمد في رواية أحمد بن سعيد إذا منع الجزية ضربت عنقه (٦) وفي رواية أبي الحارث إذا زنا بمسلمة قتل (٧)، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا (٨). والثاني: يرد إلى مأمنه (٩).

стр. 614

دليلنا: أنه عقد الذمة لنفسه على أن يكف عنا ونكف عنه فإذا نقض العهد عاد معناه الأول فكأنه وجد لص حربي في دار الإسلام ويفارق هذا إذا دخل إلينا بأمان بين؛ لأنه غير مفرط فلهذا بقي أمانه وها هنا هو مفرط في نقض العهد فلهذا زال أمانه ولأن في رده إلى دار الحرب ضررا على المسلمين؛ لأنه يكثر جمعهم ويكون حربا لنا (١). واحتج المخالف: بأنه عقد الذمة ليكون في أمان، فإذا نقض العهد صار كأنه دخل بأمان صبي وكان على الإمام رده (٢). والجواب عنه: ما تقدم (٣). فإن قيل: فأحمد قد أطلق القول بأنه يقتل فمن أين قلتم أنه مخير بين القتل وبين غيره. قيل: لأنه قد نص في الأسير على الخيار بين أربعة أشياء (٤)، وحكم هذا حكم الأسير؛ لأنه كافر حصل في أيدينا بغير أمان ويحمل إطلاق قول أحمد على القتل إذا رآه الإمام صلاح (٥). فإن قيل: فما تقولون في ماله؟ (٦). قيل: قد قال الخرقي حل دمه وماله (٧)، فأخبر أن ماله غنيمة، وقال أبو بكر (٨) في

стр. 615

كتاب الخلاف (١): إذا أودع الحربي المستأمن في دار الإسلام ثم لحق بدار الحرب فأسر أو قتل أنه يرد إلى ورثته كذلك يجب أن يكون ههنا (٢) فيخرج في المسلمين وجهان: أحدهما: أنه إذا بطل الأمان في نفسه بطل في ماله على ظاهر كلام الخرقي. والثاني: لا يبطل في ماله على ظاهر كلام أبي بكر (٣) وقد سبق الكلام في هذه المسألة في أول السير (٤). فإن قيل: أليس قد قلتم إذا نقض العهد بسبب النبي ﷺ لا تقبل توبته ويتحتم قتله، هلا قلتم في بقية الأشياء يتحتم قتله ولا يخير الإمام في قتله وتركه (٥). قيل: لأن سب النبي ﷺ قذف لميت فلا يسقط بالتوبة كقذف الآدمي (٦). ٨٢ - ١٤ مسألة: في البيع والكنائس التي يجوز إقرارها على ما هي عليه إذا انهدم منها شيء أو تشعب وأرادوا عمارته وتجديده فليس لهم ذلك في إحدى الروايات نقلها عبد الله، فقال: وما انهدم لهم أن يبنوها (٧)، نقلتها من كتاب أحكام أهل الملل تصنيف أبي بكر الخلال (٨) (٩).

стр. 616

ورأيت بخط أبي حفص البرمكي (١) في رسالة أحمد إلى المتوكل (٢) في هدم البيع (٣) رواية عبد الله بن أحمد عن أبيه (٤) وذكر فيها كلاما طويلا إلى أن قال: ما انهدم فلهم أن يبنوها (٥) وهذا يقتضي اختلاف اللفظ عن عبد الله ويغلب في ظني أن ما ذكره أبو بكر أضبط ونقل حنبل، فإن كان في المدينة لهم شيء فأرادوا أن يرموه رموه ولا يحدثوا فيها شيئًا؛ فإن انهدمت الكنيسة أو البيعة بأصلها لم يبدلوا غيرها (٦). وظاهر هذا جواز رم ما تشعث (٧) ومنع البناء عند خراب جميعها وهو اختيار أبي بكر الخلال في كتاب أحكام الملل (٨)، ونقل محمد بن موسى بن مشيش (٩) عن أحمد ليس لهم أن يحدثوا إلا ما صولحوا عليه إلا أن يبنوا ما انهدم ما كان لهم قديما، وظاهر هذا جواز ذلك على الإطلاق (١٠).

стр. 617

وقال ركن الفقهاء (١): وجه الأولة ما حدثني أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب (٢) وعبد الكريم بن الحسين القصاني (٣) قالا: نا محمد بن أحمد بن محمد بن رزقويه (٤) ولي منه إجازة قال: نا محمد بن عمرو (٥) إملاء قال: حدثنا محمد بن غالب (٦) نا بكر بن محمد القرشي (٧)، قال: نا سعيد بن عبد الجبار (٨) عن سعيد بن سنان (٩) عن

стр. 618

أبي الزاهرية (١) عن كثير بن مرة (٢) قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله ﷺ : "لا تبنى كنيسه في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها" (٣) وهذا نص. وروى أبو بكر (٤) بإسناده في شروط عمر ﵁ عليهم ولا نجدد ما خرب من كنائسنا (٥) وظاهر هذا أنه إجماع منهم؛ لأنه لم يظهر خلافه عن أحد منهم، ولأنه بناء لا يملك إحداثه فلا يملك تجديده كالبناء في أرض الغير بغير إذنه وذلك لو أرادوا إحداث بناء بيعه في دار الإسلام لم يجز لهم ذلك كذلك لا يملكون تجديدها (٦). فإن قيل: البناء في ملك الغير بغير إذنه لا يملك استدامته فلا يملك تجديده وهذه يملكون استدامتها فملكوا تجديدها (٧).

стр. 619

قيل: لو أعاره حائطا يطرح عليه خشبة جاز له استدامة ذلك فلو انهدم الحائط فبناه صاحبه لم يملك المستعير تجديد المنفعة به وكذلك لو ملك الذمي دارا عالية البنيان، فإن له أن يستديم ذلك، فلو انهدمت فأراد بناءها لم يكن له أن يبنيها على ما كانت بل يساوي بها بنيان جيرانه من المسلمين أو دونهم؛ ولأن الإمام إذا فتح بلدا فيه بيعه خراب لم يجز لهم بناءها بعد الفتح كذلك ها هنا وإن سلم المخالف هذا فهو جيد ولذلك لو ملك الذمي دارا عالية البنيان جاز له أن يستديم ذلك فلو انهدمت فأراد بناءها لم يكن له أن يبنيها على ما كانت بل يساوي بها بنيان جيرانه من المسلمين أو دونهم (١). فإن قيل: ما تقولون لو خربها المسلمون (٢)؟ قيل: لا يعاد كما لو خربت الدار العالية لا تعاد وأنه لو انهدم جميعها زال الاسم عنها؛ ولهذا قالوا: لو حلف لا دخلت دارا فانهدم جميعها ودخل براحها لم يحنث لزوال الاسم فلو قلنا يجوز لهم بناؤها كان فيه إنشاء بيعة في دار الإسلام وهذا لا يجوز كما لو لم يكن هناك بيعة أصلا (٣). واحتج المخالف: بأنا نقرهم فيها فلو منعوا من تجديد ما خرب ورم ما شعث بطلت رأسا؛ لأن البناء لا يبقى أبدا فإذا كان فيه إبطال ما يدل لهم سقط (٤). والجواب: أنا نقرهم فيها مدة بقائها كما نقر المستأمن مدة أمانه، وكان المعنى فيه أنا ملكناها عليهم بالفتح. يبين صحة هذا: أن عمر أقرهم عليها مدة بقائها (٥).

стр. 620

٨٣ - ١٥ مسألة: يجوز مهادنة أهل الحرب أكثر من عشر سنين على ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال في رواية أحمد بن سعيد (١) (٢) وقد سئل عن الموادعة هل تجوز اليوم؟، فقال إذا كان عند الحاجة وادع النبي ﷺ ووادع معاوية فأطلق القول بالجواز. وقال أيضا في رواية حرب (٣) في قوم في نحور العدو وادعوا أهل قرية على أن يعطيهم العدو في كل سنة كذا وكذا: فهو جائز فإن وادعوهم على أن يدفع المسلمون إليهم لم يجز وهو قول أبي حنيفة (٤)، وقال الشافعي: لا يجوز أكثر من عشر سنين (٥) وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا؛ لأنه حكى كلام الشافعي في كتاب الخلاف، وقال: اتفقنا على ذلك (٦). دليلنا: أن عقد الهدنة إنما جاز إذا رأى الإمام في ذلك مصلحة وقد تتفق المصالح في المدة اليسيرة والكبيرة فوجب اعتبار ما يراه الإمام؛ ولأنها مدة تتضمن ترك القتال فلم تختص بهذه المدة كالصلح عن الخراج والجزية؛ ولأن ما اشترط فيه الأجل لم يتقدر بهذه المدة، كآجال الديون والإجارات (٧). واحتج المخالف: بأن القياس يقتضي وجوب قتالهم وأنه لا يجوز تأخيره إلا في القدر الذي حصل الاجتماع عليه وهو مدة عشر سنين بنص السنة وهو ما روى المسور بن مخرمة (٨)، قال: صالح رسول الله ﷺ عام الحديبية سهيل بن

стр. 621

عمرو (١) على وضع القتال عشر سنين ليكف الناس ويأمن بعضهم من بعض (٢) (٣). الجواب: أن القتل المستحق يجوز تأخيره بدليل: قتل الذمي فامتنع أن يكون موجب القياس ما قالوا، وأما صلح النبي ﷺ هذه المدة؛ فلأنه رأى المصلحة في ذلك، وهذا موجود فيما زاد إذا كانت المصلحة فيه (٤).

стр. 622

كتاب الصيد (١) والذبائح ٨٤ - ١ مسألة: حد التعليم أن يصطاد ولا يأكل، أومئ إليه في رواية صالح وعبد الله (٢). في كلب علم (٣) المجوسي (٤) إذا أرسله المسلم، فسمى فأخذ فقتل فلا بأس يكون ذلك تعليما، وظاهر هذا أنه يصير معلما بالقتل من غير أكل، وهو قول أبي حنيفة (٥). وقال الشافعي (٦) وأبو يوسف (٧) ومحمد (٨) (٩): حد التعليم أن يصطاد ثلاث مرات ولا يأكل، فإذا اصطاد الرابع أكل منه (١٠). دليلنا: أن التعليم ليس له حد كتعليم الصناعات، ولأن ما لا يعلم حقيقة فإنه يرجع فيه إلى غلبة الظن؛ وكونه معلما لا يعلم حقيقة لأن الكلب قد يمسك الصيد ويترك الأكل لشبع ونحوه، فإذا كان كذلك اعتبر في كونه معلما غلبة الظن وليس اعتبار ثلاث مرات بأولى من اعتبار مرتين، فلما سقط أحدهما وجب أن يسقط الآخر (١١).

стр. 623

واحتج المخالف بأن إمساكه مرة لا يدل على كونه معلما وإمساكه مرارا كثيرة يدل عليه، ولا بد من حد فاصل بين القليل والكثير، فيجب أن يكون ذلك الحد ما ثبت له حكم الكثرة في الأصول، وهو الثلاث (١). والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: إمساكه مرة يدل على ذلك؛ لأن طريقه غلبة الظن؛ ولأنها صنعة من الصنائع فلا يعتبر فيها التكرار (٢). واحتج بأن: ما ورد الشرع به مطلقا مفتقر إلى تحديد كان المرجع في تحديده الشرع واللغة، وإذا لم يكن له في الشرع ولا في اللغة حد كان المرجع في تحديده وتقديره إلى عرف الناس وعادتهم كالحرز والقبض والتفرق والحيض والنفاس (٣). والجواب: أنا قد بينا أن ما لا حقيقة له يجب أن يرجع فيه إلى غلبة الظن، وهذا مما لا حقيقة له (٤). فإن قيل: أليس قد قلتم لا تثبت بأول مرة حتى يتكرر بها ثلاثا فهلا قلتم في التعليم في ذلك. قيل: ثبوت العادة هناك يتضمن ترك الصلاة والصيام وذلك حكم من أحكام الحيض فاعتبر فيه التكرار كالإقرار ليس كذلك ها هنا؛ لأن هذا صفة فلا يعتبر فيه التكرار (٥). ٨٥ - ٢ مسألة: لا يجوز الاصطياد بالكلب الأسود، ولا يباح أكل ما قتل (٦)، نص عليه في رواية حرب (٧) وابن منصور وحنبل، وهو قول إبراهيم (٨) وقتادة (٩) فيما رواه

стр. 624

أبو بكر الخلال (١) عنهما (٢) خلافا لأبي حنيفة (٣) ومالك (٤) والشافعي (٥) في قولهم: يجوز صيده ويباح أكله. دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الذكاة في الحلق واللبة" (٦)، وهذا يقتضي أنه متى وجد العقر (٧) في غير الحلق واللبة لم يبح إلا ما خصه الدليل؛ ولأن الكلب الأسود مأمور بقتله؛ بدليل: ما روى عبد الله بن مغفل (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم" (٩)، وإذا كان مأمورا بقتلها كان ممنوعا من إمساكها، وإذا منع من إمساكها منع من تعليمها، وإذا منع منه حصل وجوده كعدمه، فيجري مجرى الصيد بكلب غير معلم، وذلك لا يجوز (١٠).

стр. 625

فإن قيل: هذا الخبر كان في صدر الإسلام ونسخ (١). قيل: مدعي النسخ يحتاج إلى دليل. فإن قيل: فمسألة الخلاف في الأسود الذي حكم بصحة تعليمه. قيل: لا يمنع من صيده كالكلب العقور. فإن قيل: الأمر بقتله. قيل: الكلب العقور لا يصح صيده؛ لأنه لا يصح تعليمه؛ لأن التعليم (٢) إذا أرسل استرسل وإذا زجر انزجر، وهذا لا يوجد فيه؛ لأن عقره منع من ذلك، وأيضا فإن النبي ﷺ قد أخبر أن الكلب الأسود شيطان بطريق حديث أبي ذر: "الكلب الأسود يقطع الصلاة". قيل: يا أبا ذر (٣) فما بال الأسود من الأصفر! فقال: سألت النبي ﷺ ، فقال: "الكلب الأسود شيطان" (٤). وإذا ثبت أنه شيطان فنقول: هذا صيد قتله الشيطان فكان محرما (٥). دليله: لو سلك الشيطان في صيد فحفظه حتى قتله وهذا يعلم من جهة الظاهر كما قال تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأيضا فإنه صيد كلب أسود فلا يباح أكله (٦).

стр. 626

دليله: إذا أرسله فغاب عن عينه ولم يتبع أثره ثم أدرك الصيد ميتا أو استرسل الكلب بنفسه فزجره فقتل الصيد وليس لهم أن يقولوا: إن هناك (١) لو كان الكلب أبيضا لم يبح أكل صيده لأنا لا نسلم هذا (٢). وأيضًا فإن إباحة الصيد تفتقر إلى مرسل وهو الآدمي، ومرسل وهو الكلب، ثم ثبت أن المرسل وهو الآدمي ينقسم، فمنه ما لا يباح صيده مع وجوب المطلوب منه من الإرسال والتسمية، وهو إذا كان مجوسيا أو مرتدا وكذا يجب أن يكون المرسل ينقسم منه: ما لا يباح صيده مع وجود المطلوب منه من التعليم وليس إلا الأسود (٣). فإن قيل: علة المجوسي والمرتد معلومة، وهو عدم الكتاب، وليس ها هنا ما يمنع صيد الأسود (٤). قيل: لا يمتنع أن لا يعلم علته ويمنع من صيده كما قلتم في السن والظفر (٥) لا يصح الذكاة به وإن لم تعلم علته. فإن قيل: قد علمنا علته وهو أنهما مُدى الحبشة (٦). قيل: ما له حد مُدى للحبشة ولا يمنع الذكاة به. فإن قيل: فهناك منعنا للأثر وهو نهي النبي ﷺ (٧).

стр. 627

قيل: وها هنا أمر بقتله وذلك يمنع تعليمه، ولأن علة هذا أيضا معلومة وهو كونه شيطانا، وأيضا فإنها بهيمة ورد الشرع بقتلها فأثر فيما كان مباحا منها (١)، دليله الموطوءة لما أمر الشرع بقتلها حرم أكلها، كذلك ها هنا يجب أن يحرم أكل صيدها، فإن منعوا الأصل دللنا عليه بالخبر وهو قوله: "اقتلوه واقتلوها" (٢)، وأيضا فإن المقدور عليه ينقسم بالآلة التي تحصل الذكاة بها مع وجود المقصود منها، فمنها ما لا يجوز الذكاة كالسن والظفر، ومنها ما يجوز: يجب أن ينقسم في غير المقدور عليه مع وجود المقصود منها، وصيدهم لا ينقسم، وأيضا فإنه حيوان ورد الشرع بقتله فأثر في صيده، دليله: المرتد ولا يلزم عليه من وجب قتله قصاصا (٣). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، وقول النبي ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم فكل" (٤) (٥). والجواب: أن هذا عام فنحمله على غير الكلب الأسود، بدليل ما ذكرنا (٦). واحتج بأنه جارحة معلومة أشبه سائر الكلاب (٧). والجواب: أنه لا يمتنع أن يتفقا في التعليم ويختلفا في الإباحة، كالمسلم والمجوسي اتفقا في الإرسال والتسمية واختلفا في الإباحة، وعلى أنا قد بينا أن هذا التعليم ممنوع منه،

стр. 628

وإذا كان ممنوعا كان وجوده كعدمه؛ ولأن هذه الجارحة فارقت غيرها ألا ترى أن الشرع ورد بقتلها (١). واحتج بأن: كل جارح لو كان أبيضا جاز الاصطياد بالأسود منه كالبازي (٢) والصقر (٣). والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الكلب بالبازي. بدليل: أن البازي لو أكل من الصيد أبيح له والكلب لم يبح (٤). فإن قيل: إنما كان كذلك؛ لأن البازي يعلم بالأكل فلا يدل أكله على أنه غير معلم والكلب يعلم بترك الأكل فإذا أكل من الصيد استدل على عدم التعليم (٥). قيل: لا نسلم أن له تعليما صحيحا لما بينا، فيستوي فيه أكله وعدمه، وعلى أنه إنما استوى الأسود والأبيض لتساويهما في المنع من قتله، وفي الكلب قد اختلفا، فأمر بقتل الأسود، وللقتل تأثير في المنع. ولأن الشرع أخبر أنه شيطان والبازي بخلافه. على أنه قد قيل: إنه لو كان يعلم بالأكل لوجب إذا لم يأكل أن لا يباح أكله كالكلب لما كان تعليمه بترك الأكل لم يؤكل صيده إذا أكل، ولأن تعليمه بالأكل من يد صاحبه لا من غيره (٦). فإن قيل: لا تأثير للون في المنع من الصيد، وإنما التأثير للتعليم وعدمه (٧). قيل: لا نقول أن اللون هو المانع من الاصطياد، وإنما المانع الأمر بقتله، ولأنه شيطان، وهذه علل مؤثرة في الإباحة (٨).

стр. 629

فإن قيل: فما تقولون لو زال سواده بأن حلق شعره فنبت له شعر أبيض وقد قيل أن هذه عادة أهل مصر في الحمر، هل يزول الحظر ويحصل الإباحة؟ قيل: يحتمل أن نقول يجوز الاصطياد به؛ لأن الصفة التي تعلق المنع قد زالت وليس يمتنع أن يزول عنه حكم القتل ويزول كونه شيطانا لزوال الصفة كما تتغير صفات الآدمي من كفر إلى الإسلام (١). ٨٦ - ٣ مسألة: إذا سمع حِسًّا بليل ظنه إنسانا أو دابة فرماه فأصابه فإذا هو صيد، أو أصاب صيد غيره لم يؤكل. ولا يحل أكل الصيد إلا أن يرميه وهو يريد الصيد ويكون الذي أراده وسمع حسه ورمى صيدا (٢). وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية مهنا (٣) فيمن رمي هدفا فأخطأه فأصاب صيدا لم يأكله؛ لأن هذا هدف لم يسم عليه، قيل له: أرأيت إن سمى فأخطأه وأصاب صيدا؟ فقال: لا يسمي على الهدف، فجعل العلة في المنع أن المقصود بالرمي ممن لا يقصد بالتسمية (٤)، وهو قول محمد (٥)، وقال أبو حنيفة (٦) والشافعي (٧): يباح أكله إذا سمى عليه. دليلنا: أن من شرط الاصطياد أن يوجد القصد إلى الصيد، وإذا ظن أنه من إنسان فرماه فلم يقصد إلى الاصطياد فيجب ألا يؤكل الذي أصابه وإن كان صيدا؛ ألا ترى أنه لو رمي غرضا فأصاب صيدا لم يؤكل عند أبي حنيفة (٨). وكذلك لو أرسل كلبه على بهيمة تجربة عليها فأصاب صيدا لم يؤكل، أو أرسل سهمه وهو لا يرى شيئا فأصاب صيدا

стр. 630

لم يبح أكله كذلك ها هنا، ولو أرسل كلبه على الهدف فأصاب صيدا فإنه لا يباح أكله عند الشافعي، كذلك السهم مثاله، ولهم سؤال يأتي ذكره (١). واحتج المخالف بأنه قصد هذه العين وهي صيد وقد سمى وأصاب ما قصده فوجب أن يجوز أكله، فهو مثل أن يتيقن أنه صيد ويرميه فيجوز أكله (٢). والجواب: أن المعنى في الأصل أنه قصد إلى الصيد وها هنا لم يقصد فهو كما لو رمى هدفا أو شاة يجرب عليها (٣). واحتج بأن: الاعتبار بقصده إلى فعل وإن لم يقصد ذكاة شيء. بدليل أنه لو كانت بيده سكين يتلاعب بها على حلق شاة فصار ذبحا من غير قصد حل أكلها (٤). والجواب: أنه لا نسلم هذا، وهكذا الخلاف فيما إذا سمع حسا فظنه سبعا أو خنزيرا فرمى فأصاب ظبيا (٥). واحتج المخالف بأن الخنزير صيد فإذا رمى وسمى فقد قصد الاصطياد وأصاب صيدا مباح الأكل فوجب أن يباح كما لو رمى غيره من الصيود فأصاب ظبيا (٦). والجواب: أنا لا نسلم أن الخنزير صيد، وإنما الصيد عبارة عما يباح أكل لحمه، وعلى أن المعين في الأصل أنه رمى ما يحل أكله وهو إذا رمى ما لا يحل أكله فهو كالآدمي (٧).

стр. 631

فصل فإن رمى هدفا أو رمى في الهواء فأصاب صيدا لم يبح أكله (١) خلافًا للشافعي في قوله يباح (٢). والدلالة عليه: أن السهم آلة للاصطياد فإذا أرسله على غيره فأصاب صيدا لم يبح، كما لو أرسل كلبه على الهدف فأصاب صيدا وافق الشافعي أنه لا يباح (٣). فإن قيل: الكلب له قصد واختيار والسهم بخلافه. قيل: ما كان يجب أن يؤثر هذا في المنع إذا وجد الإرسال كما لو أرسله على صيد بعينه فأخذ غيره فإنه يباح وإن علمنا أنه أخذه بقصده واختياره (٤). ٨٧ - ٤ مسألة: إذا أرسل سهما أو كلبا على صيد بعينه فصاد غيره حل أكله، نص عليه في رواية ابن القاسم وابن إبراهيم (٥)، وهو قول أبي حنيفة (٦) والشافعي (٧)، وقال مالك: لا يحل (٨). دليلنا: قوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك"، ولأنه رمى وهو قاصد إلى الصيد، وقد سمى فجاز أكله كما لو أصاب العين التي قصدها، ولأنه قد حكي عن مالك أنه لو رأى صيودًا كبارًا فأرسل عليها وكان بينها صيود صغار فصاد الكلب واحدًا من الصغار حل أكله وإن لم يكن الإرسال على الصغار؛ لأنها لم تكن مشاهدة كذلك ها هنا (٩).

стр. 632

ورأيت ابن القصار (١) يمنع هذا، وقال: إن نوى الكبار دون الصغار لم تؤكل الصغار، وكذلك لو نوى ما رآه، وإنما يجوز إذا نوى [صيدا] (٢) كل ما يصطاد من كبار وصغار، ولأن هذا أمر لا يمكن التحرز منه؛ لأن عادة الكلب أن يأخذ ما قرب منه من الصيد، فإذا أرسل على صيد فعرض له غيره أقرب منه أخذه فلا يمكن حفظه من ذلك، فعفي عن هذا لعدم إمكان التحرز منه كما عفي عن اعتبار المحل في غير الممتنع؛ لأنه لا يمكن التحرز منه (٣). فإن قيل: يمكن الاحتراز منه بأن ينوي كل صيد يصطاده (٤). قيل: فيجب أن يحترز أيضًا في محل الذكاة فينوي كل موضع يصيبه الكلب، ولما لم يعتبر في المحل كذلك في عين الصيد ولأن هذا يوجب أن نقول: إذا رأى خنازير فأرسل عليها كلبه ينوي الصيد أن يباح لوجود النية. فإن قال: يباح، لم يصح؛ لأنه ليس هناك صيد مقصود، وإن قال: لا يباح لا يصح اعتبار النية (٥). واحتج المخالف بأن الذكاة تحتاج إلى نية لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٦). والجواب: أنه قد نوى الصيد؛ لأنه حين رمى قصد صيدا (٧). واحتج بأنه عقر صيدا لم يرسل عليه فهو كما لو استرسل بنفسه (٨).

стр. 633

والجواب: أن المعنى هناك أنه أمسك على نفسه، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، فلهذا لم يبح أكله وليس كذلك ها هنا؛ لأنه أمسك على صاحبه؛ لأنه استرسل بإرساله. ثم هذا يبطل به إذا أرسله على الكبار فأخذ الصغار (١). واحتج بأن الذكاة تفتقر إلى قصد، ولهذا لم تصح ذكاة المجنون (٢). والجواب: أن القصد قد وجد وهو إرساله على صيد في الجملة، ألا ترى أنه لو أرسل على غير صيد فأصاب صيدا لم يبح (٣). ٨٨ - ٥ مسألة: إذا رمى طائرا بسهم فأصابه ووقع على الأرض فوجد ميتا حل أكله نص عليه في رواية جعفر بن محمد (٤) في الصيد إذا رمى بسهم فتردى من جبل لا يؤكل فإن سقط من فوق إلى أسفل ولم يترد أكل، وكذلك الطير إذا سقط من الهواء إلى الأرض يؤكل (٥)، وهو قول أبي حنيفة (٦) والشافعي (٧)، وحكي عن مالك إن لم تنفذ مقاتله لا يحل أكله (٨). دليلنا: ما روى أحمد - في مسائل عبد الله - بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني (٩) أنه قال للنبي ﷺ … وذكر الخبر، إلى أن قال: يا رسول الله أفتني في قوسي؟ قال: "كل ما

стр. 634

أمسكت عليك قوسك" قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: "ذكيا وغير ذكي" (١). وهذا مما قد أمسكه عليه قوسه، ولأنه صيد وقع من الإصابة على ما لا يقتل من وقوعه عليه غالبا فلم يحرم بذلك أكله، كما لو رمى عن إلاوغره من الوحش فأصابه، فوقع على الأرض فمات، ولا يلزم عليه إذا وقع على جبل ثم تردى منه أو في بناء؛ لأن ذلك يقتل مثله غالبا ولأن وقوع الطائر على الأرض يعقب إصابة السهم به أمر لا يمكن التحرز منه فعفي عنه كما عفي عن المحل في غير المقدور عليه لأنه لا يمكن التحرز منه كذلك ها هنا (٢). واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "الذكاة في الحلق واللبة" (٣). والجواب: أنه محمول على ما إذا كان مقدورا عليه (٤). بدليل ما ذكرنا. واحتج بالقياس عليه إذا وقع على جبل فتردى إلى الأرض فمات أو وقع في ماء فمات (٥). والجواب: أن وقوعه على الجبل وفي الماء سبب للتلف، ألا تراه يقتل بانفراده، وإذا اجتمع مع الجرح الذي هو سبب للتلف اجتمع هناك أمر مبيح وأمر حاظر فغلب حكم الحظر (٦)، ووقوعه على الأرض ليس سببا للتلف، فالظاهر حصول تلفه من الجرح الحاصل به فحل أكله، ولأن ذلك مما يمكن الاحتراز منه، ووقوعه على الأرض مما لا يمكن الاحتراز منه (٧).

стр. 635

٨٩ - ٦ مسألة: صيد المجنون وذكاته لا تصح، نص عليه في رواية مهنا في المجنون يذبح إن كان مغلوبا على عقله لم تؤكل ذبيحته، ولا يكون بمنزلة الناسي، وعلى قياسه السكران (١) خلافا لأصحاب الشافعي في قولهم يصح صيده وذكاته (٢). دليلنا: أن القصد معتبر في الذكاة. بدليل أنه يعتبر فيها مذكى مخصوص وهو من له كتاب، فأما المجوسي والمرتد فلا تصح ذكاته، وليس لواحد منهما قصد صحيح فلم تصح ذكاته. يبين صحة هذا أن إزالة النجاسة لما لم يعتبر القصد فيها لم يعتبر مزيلها؛ لأنها تصح من مسلم ومجوسي وغيره، ولأنه لو استرسل الكلب بنفسه أو أرسله صاحبه فأكل الكلب من الصيد لم يبح أكله لفقد قصد صاحبه ووجود القصد من الكلب فدل على أن القصد معتبر فيها، ولأن كل واحد منهما لا يعرف محل الذبح، فربما قطع غير موضع الحاجة فلا يباح، ألا ترى أن الكلب إذا لم يكن معلما لم يبح أكل ما قتله؛ لأنه غير عارف بالصيد، كذلك المرسل (٣). واحتج المخالف بأن الصبي (تصح) (٤) ذكاته وإن لم يكن له قصد ولا تكليف فكذلك المجنون (٥). والجواب: أن الصبي إنما تصح ذكاته إذا كان له قصد وتمييز، فأما إن كان طفلا لا يميز فلا تصح ذكاته، ولهذا قلنا: يصح إسلامه والعبادات منه (٦).
следующие страницы →