← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30057

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الأشربة للأيمان

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فصل فإن رمى هدفا أو رمى في الهواء فأصاب صيدا لم يبح أكله (١) خلافًا للشافعي في قوله يباح (٢). والدلالة عليه: أن السهم آلة للاصطياد فإذا أرسله على غيره فأصاب صيدا لم يبح، كما لو أرسل كلبه على الهدف فأصاب صيدا وافق الشافعي أنه لا يباح (٣). فإن قيل: الكلب له قصد واختيار والسهم بخلافه. قيل: ما كان يجب أن يؤثر هذا في المنع إذا وجد الإرسال كما لو أرسله على صيد بعينه فأخذ غيره فإنه يباح وإن علمنا أنه أخذه بقصده واختياره (٤). ٨٧ - ٤ مسألة: إذا أرسل سهما أو كلبا على صيد بعينه فصاد غيره حل أكله، نص عليه في رواية ابن القاسم وابن إبراهيم (٥)، وهو قول أبي حنيفة (٦) والشافعي (٧)، وقال مالك: لا يحل (٨). دليلنا: قوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك"، ولأنه رمى وهو قاصد إلى الصيد، وقد سمى فجاز أكله كما لو أصاب العين التي قصدها، ولأنه قد حكي عن مالك أنه لو رأى صيودًا كبارًا فأرسل عليها وكان بينها صيود صغار فصاد الكلب واحدًا من الصغار حل أكله وإن لم يكن الإرسال على الصغار؛ لأنها لم تكن مشاهدة كذلك ها هنا (٩).

стр. 632

ورأيت ابن القصار (١) يمنع هذا، وقال: إن نوى الكبار دون الصغار لم تؤكل الصغار، وكذلك لو نوى ما رآه، وإنما يجوز إذا نوى [صيدا] (٢) كل ما يصطاد من كبار وصغار، ولأن هذا أمر لا يمكن التحرز منه؛ لأن عادة الكلب أن يأخذ ما قرب منه من الصيد، فإذا أرسل على صيد فعرض له غيره أقرب منه أخذه فلا يمكن حفظه من ذلك، فعفي عن هذا لعدم إمكان التحرز منه كما عفي عن اعتبار المحل في غير الممتنع؛ لأنه لا يمكن التحرز منه (٣). فإن قيل: يمكن الاحتراز منه بأن ينوي كل صيد يصطاده (٤). قيل: فيجب أن يحترز أيضًا في محل الذكاة فينوي كل موضع يصيبه الكلب، ولما لم يعتبر في المحل كذلك في عين الصيد ولأن هذا يوجب أن نقول: إذا رأى خنازير فأرسل عليها كلبه ينوي الصيد أن يباح لوجود النية. فإن قال: يباح، لم يصح؛ لأنه ليس هناك صيد مقصود، وإن قال: لا يباح لا يصح اعتبار النية (٥). واحتج المخالف بأن الذكاة تحتاج إلى نية لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٦). والجواب: أنه قد نوى الصيد؛ لأنه حين رمى قصد صيدا (٧). واحتج بأنه عقر صيدا لم يرسل عليه فهو كما لو استرسل بنفسه (٨).

стр. 633

والجواب: أن المعنى هناك أنه أمسك على نفسه، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، فلهذا لم يبح أكله وليس كذلك ها هنا؛ لأنه أمسك على صاحبه؛ لأنه استرسل بإرساله. ثم هذا يبطل به إذا أرسله على الكبار فأخذ الصغار (١). واحتج بأن الذكاة تفتقر إلى قصد، ولهذا لم تصح ذكاة المجنون (٢). والجواب: أن القصد قد وجد وهو إرساله على صيد في الجملة، ألا ترى أنه لو أرسل على غير صيد فأصاب صيدا لم يبح (٣). ٨٨ - ٥ مسألة: إذا رمى طائرا بسهم فأصابه ووقع على الأرض فوجد ميتا حل أكله نص عليه في رواية جعفر بن محمد (٤) في الصيد إذا رمى بسهم فتردى من جبل لا يؤكل فإن سقط من فوق إلى أسفل ولم يترد أكل، وكذلك الطير إذا سقط من الهواء إلى الأرض يؤكل (٥)، وهو قول أبي حنيفة (٦) والشافعي (٧)، وحكي عن مالك إن لم تنفذ مقاتله لا يحل أكله (٨). دليلنا: ما روى أحمد - في مسائل عبد الله - بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني (٩) أنه قال للنبي ﷺ … وذكر الخبر، إلى أن قال: يا رسول الله أفتني في قوسي؟ قال: "كل ما

стр. 634

أمسكت عليك قوسك" قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: "ذكيا وغير ذكي" (١). وهذا مما قد أمسكه عليه قوسه، ولأنه صيد وقع من الإصابة على ما لا يقتل من وقوعه عليه غالبا فلم يحرم بذلك أكله، كما لو رمى عن إلاوغره من الوحش فأصابه، فوقع على الأرض فمات، ولا يلزم عليه إذا وقع على جبل ثم تردى منه أو في بناء؛ لأن ذلك يقتل مثله غالبا ولأن وقوع الطائر على الأرض يعقب إصابة السهم به أمر لا يمكن التحرز منه فعفي عنه كما عفي عن المحل في غير المقدور عليه لأنه لا يمكن التحرز منه كذلك ها هنا (٢). واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "الذكاة في الحلق واللبة" (٣). والجواب: أنه محمول على ما إذا كان مقدورا عليه (٤). بدليل ما ذكرنا. واحتج بالقياس عليه إذا وقع على جبل فتردى إلى الأرض فمات أو وقع في ماء فمات (٥). والجواب: أن وقوعه على الجبل وفي الماء سبب للتلف، ألا تراه يقتل بانفراده، وإذا اجتمع مع الجرح الذي هو سبب للتلف اجتمع هناك أمر مبيح وأمر حاظر فغلب حكم الحظر (٦)، ووقوعه على الأرض ليس سببا للتلف، فالظاهر حصول تلفه من الجرح الحاصل به فحل أكله، ولأن ذلك مما يمكن الاحتراز منه، ووقوعه على الأرض مما لا يمكن الاحتراز منه (٧).

стр. 635

٨٩ - ٦ مسألة: صيد المجنون وذكاته لا تصح، نص عليه في رواية مهنا في المجنون يذبح إن كان مغلوبا على عقله لم تؤكل ذبيحته، ولا يكون بمنزلة الناسي، وعلى قياسه السكران (١) خلافا لأصحاب الشافعي في قولهم يصح صيده وذكاته (٢). دليلنا: أن القصد معتبر في الذكاة. بدليل أنه يعتبر فيها مذكى مخصوص وهو من له كتاب، فأما المجوسي والمرتد فلا تصح ذكاته، وليس لواحد منهما قصد صحيح فلم تصح ذكاته. يبين صحة هذا أن إزالة النجاسة لما لم يعتبر القصد فيها لم يعتبر مزيلها؛ لأنها تصح من مسلم ومجوسي وغيره، ولأنه لو استرسل الكلب بنفسه أو أرسله صاحبه فأكل الكلب من الصيد لم يبح أكله لفقد قصد صاحبه ووجود القصد من الكلب فدل على أن القصد معتبر فيها، ولأن كل واحد منهما لا يعرف محل الذبح، فربما قطع غير موضع الحاجة فلا يباح، ألا ترى أن الكلب إذا لم يكن معلما لم يبح أكل ما قتله؛ لأنه غير عارف بالصيد، كذلك المرسل (٣). واحتج المخالف بأن الصبي (تصح) (٤) ذكاته وإن لم يكن له قصد ولا تكليف فكذلك المجنون (٥). والجواب: أن الصبي إنما تصح ذكاته إذا كان له قصد وتمييز، فأما إن كان طفلا لا يميز فلا تصح ذكاته، ولهذا قلنا: يصح إسلامه والعبادات منه (٦).

стр. 636

٩٠ - ٧ مسألة: إذا أكل الكلب من الصيد لم يحل أكله ؛ نص عليه في رواية الأثرم وحنبل وأبي طالب والميموني (١)، وهو قول أبي حنيفة (٢)، ونقلت من مسائل حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا أرسله وسمى فقتل أكله، وإن أكل منه الباز والصقر والكلب أكل أيضا؛ لأن التسمية له ذكاة (٣)، وقال مالك: يحل أكله (٤)، وللشافعي قولان (٥): أحدهما: مثل قولنا. والثاني: مثل قول مالك (٦). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، فشرط في إباحة صيد الكلب أن يمسك علينا وإذا أكل منه فلم يمسك علينا وإنما أمسكه على نفسه؛ لأن الإمساك لا يتبعض فيكون بعضه على نفسه وبعضه على صاحبه، وبالأكل قد علمنا في الظاهر إمساكه على نفسه فكان جميعه عليه (٧). فإن قيل: في الآية إباحة ما أمسك علينا وليس فيها حظر ما لم يمسكه علينا. قيل: السؤال وقع عما يحل من الصيد، فخرج الكلام على وجه الجواب، فيجب أن يكون ذلك جوابا عن جميع ما وقع عنه السؤال، فتكون الإباحة مقصودة على الشريطة المذكورة في الآية، على أن الحكم المعلق بالشرط يدل على أن ما عداه بخلافه (٨). فإن قيل: ما لم يأكله فقد أمسكه علينا. قيل: قد بينا أن الإمساك لا يتبعض، وعلى أنه لا يجوز أن يكون المراد به: لا تأكلوا مما أكله لا يمكن أكله فعلم أن المراد به ما لم يأكل (٩).

стр. 637

فإن قيل: نحمله على صيد غير المعلم؛ لأنه أمسكه على نفسه. قيل: قد استفدنا تحريم ذلك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فلا يحمل على التكرار، وأيضا ما روى أحمد في مسائل عبد الله: نا محمد بن جعفر (١)، نا شعبة (٢)، نا عبد الله بن أبي السفر (٣)، وعن ناس ذكرهم شعبة عن الشعبي (٤) قال: سمعت عدي بن حاتم (٥) قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض (٦) فقال رسول الله ﷺ : "إذا أصاب بحده فكله، وإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ (٧) فلا تأكل". قال: قلت: يا رسول الله أرسل كلبي! قال: "إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ، فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه". قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر لا أدري أيهما أخذ. قال: "لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" (٨). فإن قيل: المراد به الاستحباب.

стр. 638

بدلالة ما روي في بعض الألفاظ: "فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه"، وهذا كما قال ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه … " إلى قوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده" (١). قيل: ليس في قوله: "فإني أخاف" ما يمنع تحريمه، ألا ترى أنه قال: "وإن وقع في ماء فلا تأكل فلعل الماء قتله" ولم يمنع ذلك تحريمه. ولا يصح حمله على الاستحباب لأن في الخبر تعليلا وهو قوله: "إنما أمسك على نفسه". وأيضًا كل ما كان شرطا في إباحة الأكل في ابتداء الصيد وجب أن يكون شرطا في الإباحة في استدامته كالاسترسال، ولا يلزم عليه تكرار ترك الأكل لأنه شرط في الإباحة في الابتداء على ما ذكرنا فيما قبل. وإن شئت قلت: ترك الأكل معنى شرط في إباحة الصيد الأول فكان شرطا فيما بعده. ليله: الإرسال، ولأن الذكاة التي هي عقر الكلب يعتبر فيها القصد وهو أن يمسكه على صاحبه. بدليل أنه: لو استرسل بنفسه لم يحل أكله، فاعتبر فيها عقر من غير أكل؛ لأنه إذا أكل فما أمسكه على صاحبه فلم يوجد القصد فلم تكن ذكاة، لأنه كلب أكل من صيده حال الاصطياد أشبه إذا استرسل بنفسه وزجره صاحبه فانزجر. وليس لهم أن يقولوا أنه: لو لم يأكل لم يبح أكله؛ لأنه مباح عندنا، وأيضا فإن أكله يحتمل أن يكون لشدة الجوع، ويحتمل نسيان التعليم، والحظر والإباحة إذا تعارضا غلب الحظر (٢). واحتج المخالف: بما روى أحمد - في مسائل عبد الله - بإسناده عن عبد الله بن عمرو (٣) أن أبا ثعلبة الخشني قال للنبي ﷺ : إن لي كلابًا مكلبة (٤) فأفتني في صيدها. قال:

стр. 639

"إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك". قال: يا رسول الله ذكي وغير ذكي؟ قال: "ذكي وغير ذكي". قال: فإن أكل منه؟ قال: "وإن أكل منه". قال: يا رسول الله أفتني في قوسي. قال: "كل ما أمسكت عليك قوسك". قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: "ذكي وغير ذكي". قال: وإن تغيب عني؟ قال: "وإن تغيب عنك ما لم يصل يعني: تتغير أو تجد فيه غير سهمك" (١). والجواب أنه: يحتمل أن يكون معناه إن أكل منه ثم أدركت ذكاته وذكيته فكل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وإذا احتمل ذلك حملناه عليه. ويحتمل أن يكون قوله: "وإن أكل منه" يعني: إذا قتله وتركه قتيلا ثم مضى وعاد فأكل منه، وقوله في خبرنا: "وإن أكل منه لا تأكل" يعني: إذا اتصل الأكل بالقتل. وجواب آخر: وهو أنا نقابل خبرنا بخبرهم وخبرنا أولى لأنه أحوط، ولأن خبرنا يحرم وخبرهم يبيح، وخبرنا ناقل عن إباحة إلى تحريم فإنا حرمنا ما اصطاد بعد الحكم بإباحة أكله (٢). واحتج: بما ذكره أحمد - في رواية الأثرم - أن أربعة من الصحابة يقولون: كل: سعد (٣)، وابن عمر، وأبو هريرة، وسلمان (٤) (٥).

стр. 640

والجواب: أنه يعارض قولهم ما روي عن ابن عباس وعدي بن حاتم فروى أبو بكر الأثرم بإسناده في مسائله عن إبراهيم (١) عن ابن عباس قال: "إذا أكل الكلب فلا تأكل" (٢). وروى أحمد - في مسائل عبد الله - بإسناده عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن شرب من دمه فلا تأكل؛ فإنه لم يعلم ما علمته (٣). واحتج بأنه جارح إذا قتل الصيد ولم يأكل منه حل أكله، فإذا أكل منه وجب أن يحل أكله. أصله: البازي، وقد نص أحمد على جواز الأكل مما أكل منه البازي في رواية الميموني في البازي إذا قتل وأكل يؤكل ولا يشبهة الكلب؛ لأن البازي يعلم بالأكل (٤). والجواب عنه: ما ذكره أحمد وهو أن تعليم البازي لا يكون بترك الأكل وإنما يكون بأن يدعى فيجيب؛ فأكله من الصيد لا يدل على أنه أمسكه على نفسه، وتعليم الكلب إنما يكون بترك الأكل؛ ألا ترى أنه يضرب لئلا يأكل منه، وترك أكله وإن كان جائعا فإذا أكل منه فالظاهر أنه أمسكه على نفسه فلم يبح، كما لو استرسل بنفسه. وربما قال بعضهم بأن البازي يعلم على الأكل فإذا أكل لم يدل ذلك على عدم التعليم والإمساك على نفسه، وهذا غير صحيح؛ لأن البازي إذا كان يعلم على الطعم والأكل فإذا لم يأكل وجب أن لا يكون معلما ولا يحل صيده، لأنه وإن كان يعلم على الأكل فإنما يعلم عليه من يد صاحبه ولا يأكله قبل مجيء صاحبه، والصحيح ما ذكرنا وأن تعليمه يكون بأن يدعا فيجيب لا بالأكل والكلب تعليمه بترك الأكل (٥). والجواب: بأن ما حل من صيد البازي حل من صيد الكلب.

стр. 641

أصله إذا لم يأكل. الجواب: أنا قد بينا الفرق بين البازي وبين الكلب، وأما إذا لم يأكل فإنما أمسك على صاحبه وإذا أكل فالظاهر أنه أمسك على نفسه فهو كما لو استرسل (١). واحتج بأن: ما حل من صيد الكلب إذا لم يأكل حل إذا أكل. أصله: إذا لم يمت وذبحه صاحبه (٢). والجواب: أنه إذا لم يأكل فإنما أمسك على صاحبه، وإذا أكل فالظاهر أنه أمسكه على نفسه، وأما إذا لم يمت وذبحه صاحبه فالإباحة لم تحصل بعقره فلهذا لم يعتبر فيها، وإنما حصلت بالذكاة وليس كذلك ها هنا؛ لأن الذكاة حصلت بعقره، فإذا أكل علم أنه أمسك على نفسه فلهذا لم يبح (٣). واحتج بأن: كل عقر لو لم يتعقبه أكل أباح، فإذا تعقبه أكل وجب أن يباح كما لو أمسك الكلب ولم يأكل منه ثم عاد فأكل منه (٤). والجواب: أن هذا الوصف لا يصح في الأصل؛ لأن الأكل لا يتعقب العقر بل كان بعد مدة، ثم يقول: إذا أمسك الكلب الصيد وتركه ولم يأكل منه فقد حكمنا بأنه أمسكه على صاحبه وأن أكله مباح، فإذا عاد بعد ذلك فأكل منه لم ينقض ما حكمنا به، فأما إذا أكل عقب ما اصطاد فالظاهر أنه أمسكه على نفسه (٥). واحتج بأنه مذكى، فأكله لا يحرم كما لو ذبحه إنسان فأكل منه الكلب (٦).

стр. 642

والجواب: أنا لا نسلم أنه مذكى بل هو مراعى، فإن أكل منه علمنا أن الكلب أمسك على نفسه وصيد ما أمسكه على نفسه لا يباح كما لو استرسل، وهذا معدوم فيه إذا ذبحه الغير فأكل منه (١). ٩١ - ٨ مسألة: إذا أكل الكلب من الصيد مرة لم يحرم كل ما اصطاد قبله، وهذا ظاهر كلام أحمد - في رواية أبي طالب - في الكلب إذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه (٢)، فجعل العلة في المنع إمساكه على نفسه، ولم يجعل العلة عدم التعليم (٣)، وهو قول مالك (٤) والشافعي (٥)، وظاهر كلام الخرقي (٦)، أنه يحرم أكله؛ لأنه قال: إذا أكل من الصيد لم يؤكل الذي أمسكه على نفسه فبطل أن يكون متعلما (٧)، وإذا كانت العلة عدم التعليم لم يبح أكل ما اصطاد قبله؛ لأنه صيد كلب غير معلم؛ وهو قول أبي حنيفة (٨). والدلالة على إباحته: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، والصيد الذي لم يأكل منه فالظاهر أنه أمسكه علينا فيجب أن يكون مباحا، وقول النبي ﷺ : "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن قتل ولم يأكل فإنما أمسك عليك" (٩)، وهذا لم يأكل منه فيجب أن يكون مباحًا. وأيضًا فإن الكلب إذا وجد فيه شرائط التعليم وهو استرساله إذا أرسل وزجره إذا زجر وترك الأكل مما يصطاد فقد حكم بوجوده منه، إما من جهة القطع أم من طريق

стр. 643

الاستدلال وغلبة الظن، فإن أكل بعد ذلك احتمل أن يكون الأكل؛ لأنه لم يكن معلمًا فلا يباح أكل ما تقدم، واحتمل أن يكون لفرط جوع أصابه كما إذا اضطر الإنسان إلى الطعام فإنه يأكل طعام غيره، ويحتمل أن يكون أكل لأنه نسي أن صاحبه أرسله كما يرسل الإنسان غيره في حاجة وينسى ذلك، واحتمل أن يكون ينسى التعليم كما ينسى الإنسان الصنعة، فلا يدل ذلك على أنه لم يكن معلما. فإذا كان الأكل محتملا لهذه الأوجه لم يبطل ما كنا قد حكمنا به من الإباحة وحصول التعليم قطعا أو غلبة الظن؛ كما لو شهد شاهدان ظاهرهما العدالة فحكم الحاكم بشهادتهما ثم ظهر منهما فسق، فإنه لا ينقض الحكم لاحتمال أن يكون الفسق طارئا بعد الشهادة وإن جاز أن يكون قبلها، ولا يلزم على هذا الصيد الذي أكل منه؛ لأننا لم نحكم بإباحة أكل الصيد فهو كالفسق الحادث بعد الشهادة (١). وقيل: الحكم بها يمنع من الحكم بها؛ لأنه حدث ما يضاد الشهادة قبل الحكم بها، فهو بمنزلة أن يأكل من الصيد قبل الحكم بإباحته وقبل الحكم بكونه معلمًا (٢). فإن قيل: لو كان معلما لصار الإمساك طبعا له، ولو صار طبعا له لاستمر عليه ولم يفارقه. قيل: لا يمتنع أن يكون معلما وينسى ذلك، ألا ترى أن الآدمي يتعلم القرآن والخط والشعر وينساه. فإن قيل: بفرض المسألة في صيدين بينهما مدة قريبة؛ لأن ما تقدم لا يبقى إلى أن يصطاد بعده. قيل: إذا أحلت هذا في الزمان الكثير أحلناه في الزمان اليسير؛ لأنه لا يوجد منه الأكل إلا إذا تطاول الزمان. وأيضا فإن الكلب حيوان تحل ذكاته فتغير حاله لا يحرم ما تقدم من ذكاته كالمسلم إذا ذكى ثم ارتد (٣).

стр. 644

فإن قيل: لا نسلم أن حاله تغيرت، بل هي تبين بذلك أنه لم يكن معلمًا. قيل: قد أفسدنا هذا فيما تقدم (١). واحتج المخالف بأنه: لما حرم الصيد الذي أكل منه وجب أن يحرم ما قبله؛ كما لو لم يكن الكلب معلما (٢). والجواب: أن الصيد الذي أكل منه وصيد الكلب إذا لم يكن معلما لم يحكم بإباحة أكل الصيد وفي مسألتنا حكمنا بإباحة ذلك الصيد (٣). واحتج بأن: تعليم الكلب إنما يكون بترك الأكل وإمساك الصيد على صاحبه، فإذا أكل منه تبينا أنه لم يكن معلما فيما مضى؛ لأنه لو كان معلما لصار الإمساك طبعا له، ولو صار طبعا لاستمر عليه ولم يفارقه ولم ينسه (٤). والجواب: أنا لا نتبين أنه لم يكن معلما فيما مضى لما بينا وهو أنه يجوز أن يكون الأكل لفرط جوع، أو بينا أن صاحبه انفذ به وقد تطرأ هذه الأشياء على من عرف الشيء وعلمه (٥). ٩٢ - ٩ مسألة: إذا ترك التسمية على رمي الصيد أو إرسال الكلب عامدا أو ناسيا لم يؤكل في أصح الروايات ؛ نص عليها في رواية أبي طالب "إذا نسي وأرسل كلبه لم يأكل وإن نسي أن يسمي إذا ذبح أكل"، وكذلك نقل بكر بن محمد (٦) عنه: إذا ذبح ونسي أن يسمي يأكل، وإذا بعث كلبه أو بازه ولم يسم فلا يأكل نسي أو لم ينس (٧). وفيه رواية

стр. 645

أخرى: إن تركها ناسيا أكل، وإن تركها عامدا لم يؤكل (١)، نقلها حنبل فقال: إذا نسي التسمية على الذبيحة والكلب أكل (٢)، ذكر أبو بكر الخلال (٣) في الأطعمة من الجامع (٤). وفيه رواية ثالثة: إن ترك التسمية على إرسال السهم ناسيا أكل، وإن تركها على إرسال الكلب والفهد لم يؤكل؛ نقلها من مسائل أبي جعفر محمد بن يحيى المتطبب (٥) في الرجل يرمي سهمه ولا يسمي ويذبح ولا يسمي جائز إذا لم يتعمد، وإن أرسل كلبه ولم يسم فلا، وظاهر هذا الفرق بين السهم والكلب؛ فالمذهب الصحيح ما رواه الجماعة وأن العمد والسهو والكلب والسهم سواء في منع الأكل (٦). وأما إن تركها على الذبيحة ناسيا فإنها تؤكل رواية واحدة، وإن تركها عامدا ففيه روايتان: أحديهما: لا يؤكل، نص عليه في رواية ابن إبراهيم وعبد الله، فقال في رواية ابن إبراهيم (٧): إذا لم يسم على الذبيحة ناسيًا فلا بأس به، وأما العمد فلا يعجبني، وفيه رواية أخرى يؤكل (٨)، قال الميموني: قلت: له حديث المغيرة بن شعبة (٩) أمره النبي ﷺ أن يذبح ويسمي، فقال: هذا فيه تأويل من أصحاب النبي ﷺ يرخصون في كل ما لم يسم عليه (١٠).

стр. 646

وظاهر الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] يدل على أنه في الميتة، ونحو هذا نقل أحمد بن هاشم (١)، والرواية الأولى أصح وأنه إن تركها على الذبيحة عامدا لم تؤكل وإن تركها ناسيا أكلت (٢)، ورأيت بخط أبي حفص العكبري (٣) نقل عن أبي طالب عن أحمد أنه سئل: أتجزي الذبيحة بالله أكبر والحمد لله؟ قال: لا تجزئ الذبيحة إلا بالتسمية. وهذه الرواية تدل على أن لفظ التسمية معتبر، فإن أتى بغيره لم يجزه (٤). وقال أبو حنيفة: إن ترك التسمية على الصيد أو على الذبيحة عامدا لم تؤكل، وإن تركها ناسيا أكل (٥). وقال مالك (٦) والشافعي: إن تركها عامدًا أو ناسيًا أكل (٧). فالدلالة على أن ترك التسمية في الجملة يمنع الأكل في الصيد والذبيحة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهذا نهي (٨). فإن قيل: المراد الميتة؛ لأن المشركين كانوا يجادلون المسلمين ويقولون: تأكلون مما قتلتموه ولا تأكلون مما قتله الله! يعني الميتة، فأنزل الله هذه الآية، ويبين ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ ولا خلاف أن أكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها ليس بفسق. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾

стр. 647

[الأنعام: ١٢١] يعني في أكل الميتة (١). قيل: الله تعالى علق التحريم بترك التسمية وتحريم الميتة لا يتعلق بهذا المعنى، ألا ترى أنه لو سمى عليها لكان التحريم قائما، وإذا كان كذلك لم يجز حمل الآية على الميتة؛ وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ لا يدل على ما قالوه؛ لأن من أكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها معتقدا لتحريمها فسق وإنما ينفي الفسق بحق من يأكلها معتقدا لإباحتها؛ لأنه يعدل عن ظاهر الآية بضرب من التأويل، وقد قال أحمد - في رواية أبي طالب - فيمن زنا بامرأة فولدت منه بنتا فتزوجها عليها القتل، وذكر حديث البراء (٢)، نص على إيجاب الحد مع كونه مختلفا في إباحته، وهذا المحمول على أنه كان يعتقد التحريم نقلتها من المسائل، وفي معناه ما رواه عبد الله: من استطاع الحج فلم يحج فهو فاسق، وعلى أن ظاهر الآية يقتضي تحريم الأكل، وتفسيق الأكل قام الدليل على إسقاط أحدهما في حق المتأول بقي الآخر على ظاهره وعلى أن ورود الآية في الميتة لا يوجب أن يكون حكمها مقصورا عليها؛ لأنا لا نعتبر الأسباب وإنما نعتبر عموم اللفظ وعمومه ينتظم الميتة وغيرها (٣). فإن قيل: ما ذبحه المسلم فهو على اسم الله سمى أو لم يسم (٤). قيل: الذكر إذا أطلق فإنما يعقل منه الذكر باللسان على ما نبينه فيما بعد (٥). فإن قيل: قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] يقتضي بعض ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن من للتبعيض، ونحن نحرم بعض ما تركت التسمية عليه وهي الميتة (٦).

стр. 648

قيل: قد بينا أن تحريم الميتة لا يتعلق بترك التسمية عليها، وعلى أن ظاهره يقتضي بعضا شائعا في جنس ما لم يذكر اسم الله عليه، ويوجب تحريم بعض الميتة، وبعض الذبيحة التي تركت التسمية عليها، وإذا ثبت تحريم بعضها ثبت تحريم جميعها؛ لأن أحدا لا يفصل بينهما (١). وجواب آخر: وهو أنها قد ترد والمراد بها الجنس قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] المراد به: جنس الأوثان، وترد زائدة ودخولها كخروجها (٢)، قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] والمراد به ذنوبكم (٣). فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به الذكر بالقلب؛ لأن ضد الذكر النسيان وهو محل القلب (٤). قيل: إطلاقه يقتضي الذكر باللسان؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٤١]. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. وقول النبي ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (٥). عقل من إطلاق ذلك كله

стр. 649

الذكر باللسان كذلك قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولأن أحدًا لا يعتبر في إباحته الذكر بالقلب فلا يجوز حمل الآية عليه، ولأنه لو كان كذلك لما خاطب غير الذاكر والمعتقل؛ لأن ما يضمره بقلبه ويعتقده بلسانه لا يطلع عليه غيره، فلما دخل في الخطاب غيره علم أنه أراد به الذكر باللسان. ويدل عليه أيضًا ما تقدم من حديث عدي بن حاتم وقوله: "إذا أرسلت كلبك وسميت وأخذ فكل، فإن وجدت معه كلبًا آخر فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك" (١)، وفيه دليلان: أحدهما: قوله: "إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل"، فجعل التسمية شرطًا كما جعل كون الكلب معلمًا شرطًا. والثاني: قوله: "إنما سميت على كلبك"، فأخبر أنه إذا شركه كلب لم يسم عليه لم يؤكل صيده، ويدل عليه ما رواه الدارقطني (٢) في سننه بإسناده عن أبي سعيد (٣) عن النبي ﷺ أنه سئل عن الجزور والبقرة وجد في بطنها الجنين فقال: "إذا سميت على الذبيحة فذكاته ذكاة أمه" (٤) فقوله: "إذا سميتم" يدل على أنها شرطا في الذبيحة، ولأنه صيد لم يسم عليه فلم يبح أكله.

стр. 650

دليله: إذا استرسل الكلب وزجره صاحبه وصاح به ولم يسم لا يباح أكل ما صاده، وليس لهم أن يقولوا أن ذلك لو سمى عليه لم يبح؛ لأنا لا نسلم هذا، بل نقول: إذا سمى مع صيحته به يباح، ويعرض الكلام في الضحايا والهدايا فنقول: قربة شرع في أولها ذكر فكان واجبًا. دليله: الصلاة، ولا يلزم عليه الأكل أنه شرع فيه التسمية وليست بواجبة؛ لأنه ليس بقربة، ولا يلزم عليه الإحرام؛ لأن الذكر مشروع إذا أشرف على البيداء (١). وقد قيل بأن ذكاة الوثني والمجوسي والمرتد لا يبيح الأكل؛ لأن التسمية لا تصح منهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالله، وهذا يدل على أن ترك التسمية يحرم أكل الذبيحة؛ يدل على ذلك أن اليهودي والنصراني لما كانا مؤمنين بالله لا يصح منهما ذكر اسم الله عليه حلت ذبيحتهما، والسمك لما لم يحتج إلى ذكر اسم الله عليه حل أكله سواء اصطاده الوثني والمجوسي أو غيرهما. والمخالف يعترض على هذا بأن تحريم ذبيحة الوثني والمجوسي، ليس لعدم التسمية من جهتهم، وإنما هو لتغليظ كفرهم، بدليل أن مناكحتهم محرمة، وليس ذلك لعدم التسمية من جهتهم؛ لأن النكاح لا يجب ذكر الله عليه، وإنما هو لتغليظ كفرهم (٢). ولأنه لو كان لفساد التسمية من جهتهم لم يصح ذبيحة اليهودي والنصراني؛ لأن ذكر اسم الله عليه شرع جاء به رسول الله ﷺ وهما لا يصدقانه ولا يؤمنان بما جاء به فحكمهما في ذلك كحكم الوثني والمجوسي والمرتد، والسمك إنما حل إذا اصطاده المجوسي والوثني لأنه لا يعتبر في إباحته فعل آدمي، وإذا مات بغير سبب حل أكله، ولهذا قلنا: إن الطافي يحل أكله، وقال قوم: إذا انحبس الماء ومات حل أكله، على أن أحمد قد أطلق القول في رواية ابن منصور (٣)

стр. 651

في النصراني إذا ذبح ولم يسم: لا بأس (١)، فقد أطلق القول في ذلك، وتعليله ما تقدم وهو أن الله أباح طعامهم وإن لم يكن في شرعهم التسمية؛ لأنها مما جاء به نبينا ﷺ وهم لا يؤمنون به، وقال الخرقي: وذبيحة من أطاق الذبح من المسلمين وأهل الكتاب إذا سموا ونسوا التسمية، وظاهر هذا أنها واجبة في حقهم كالمسلمين لعموم الآية؛ ولأن ما كان شرطا في ذكاة المسلم كان شرطا في ذكاة أهل الكتاب (٢). دليله: محل الذكاة وقطع الأوداج (٣). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ولم يشترط التسمية (٤). والجواب: أن معناه ذكيتم وسميتم بدلالة ما ذكرنا وعلى أنا لا نسلم أن هذا مذكا؛ لأن الذكاة اسم شرعي ولم يوجد الشرع في ذلك وليس لهم أن يقولوا أن الذكاة في اللغة: الشق وقد وجد ذلك؛ لأن الذبح في اللغة: هو الشق؛ فأما الذكاة فهو اسم شرعي (٥). يبين صحة هذا: أنك تقول فلان ذكي الفؤاد وليس من الشق في شيء فهو عبارة عن النظافة والطهارة، ونحن لا نسلم وجود الذكاة فيما تركت التسمية عليه (٦). واحتج: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ثعلبة الخشني: "إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك ذكيا وغير ذكي" (٧) ولم يفرق بين أن يكون سمى أو لم يسم (٨).

стр. 652

والجواب: أنه قد روي في حديث أبي ثعلبة ذكر التسمية فروى أحمد - في مسائل عبد الله - بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا نبي الله، أنا بأرض صيد أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرني ماذا يصلح، فقال: "أما ما ذكرت أنكم بأرض صيد، فإن صدت بقوسك وذكرت اسم الله، فكل وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثمّ كل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل" (١)، وهذا زائد والأخذ بالزائد أولى (٢). واحتج: بما روى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم يذبح على اسم الله سمى أولم يسم" (٣) (٤). والجواب: أنه يحتمل أن يريد بقوله: "أو لم يسم"، في حال النسيان. يدل عليه أنه قد روى أبو هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله فقال: "اسم الله على كل مسلم، وروي "على فم كل مسلم"، وروي: "في قلب كل مسلم"، وهذا كله راجع إلى حال النسيان، على أن أبا الحسن الدارقطني رواه عن مروان بن سالم (٥) عن الأوزاعي (٦) عن يحيى بن

стр. 653

أبي كثير (١) عن أبي سلمة (٢) عن أبي هريرة، وكان مروان بن سالم ضعيفا (٣). واحتج بأن: ما لا يشترط في الذكاة مع النسيان لا يشترط مع الذكاة. أصله: الصلاة على النبي ﷺ وعكسه قطع الحلقوم والمريء، وكون المذكي كتابيا (٤). يبين صحة هذا: أن ما كان شرطا في الذكاة لم يسقط بالسهو كقطع الحلقوم والمريء، ولأنه ذكر يسقط بالسهو فلا يكون واجبا. دليله: دعاء الاستفتاح والاستعاذة (٥). والجواب: أن هذا الوصف إنما نسلمه في الذبيحة دون الصيد (٦) فعلى هذا نقول: ترك الأكل شرط في صحة الصوم ويختلف حكم عمده وسهوه عندهم، وكذلك الوقوف بعرفة يوم التاسع واجب ويختلف حكم عمده وسهوه، وكذلك ترك الطيب واللباس في الإحرام واجب وفعله يوجب الكفارة ويختلف حكم عمده وسهوه عند مخالفنا، وكذلك كون البقعة حلالًا في الصلاة واجب والإخلال به عند مخالفنا لا يبطل الصلاة، ولا معنى لقولهم: إن ترك الأكل في الصوم وترك الكلام في الصلاة وترك اللباس والطيب منهي عنه، فجاز أن يفرق بين العمد والسهو، والتسمية مأمور بها ولا يفرق بين عمدها وسهوها في باب الإيجاب، كالقرآن والركوع والسجود وذلك؛ لأنا قد أجبنا عن هذا في غير هذا الموضع. وقلنا: إن الوقوف مأمور به ويسقط بالخطأ والحلاق وتقليم الأظفار وقتل الصيد منهي عنه، ويسوى بين عمده وخطئه. وعلى أن محل الذكاة يسقط في حال العذر وهو إذا لم يقدر عليه، كذلك التسمية في

стр. 654

حال النسيان؛ لأنه حال عذر ثم لا يمتنع أن يجب ذكر الله ولا يجب ذكر النبي ﷺ ولا دعاء الاستفتاح كافتتاح الصلاة يجب فيه ذكر الله ولا يجب ذكر النبي ﷺ ، وكذلك سجود التلاوة والشكر يجب ذكر الله ولا يجب ذكر النبي، وعلى أن الصلاة على النبي ﷺ ذكر لم تشترط في ابتداء الصلاة فلم تشترط على الذبيحة وذكر الله تعالى شرط في ابتداء الصلاة جاز أن يشترط في ابتداء الذبيحة وعلى أن دعاء الاستفتاح والاستعاذة فأصحابنا يختلفون فيه فذكر أبو عبد الله بن بطة (١) تركه يبطل الصلاة، وقد أومأ إليه أحمد - في رواية أبي طالب - فقال: ومن ترك التشهد عامدا أعاد، ومن نسي فلا بأس، ومن ترك شيئا من الدعاء أيضًا عامدًا يعيد (٢). واحتج بأن: ما لا يجب الذكر في آخره لا يجب في أوله. دليله: الصوم والحج (٣). والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يجب في آخره ويجب في أوله كالنية واستحباب الذكر وعلى أن الذبح فعل واحد فلا يتصور له أول وآخر يختص كل واحد منهما بالذكر (٤). واحتج بأن: الذكاة استباحة محظور، أشبه النكاح (٥). والجواب: أنه لا تأثير لقوله: استباحة محظور لأن، استباحة المباح وهو أكل الطعام وشرب الشراب ولبس الثياب لا يفتقر إلى تسمية، ولأنا نشاركهم في الأصل؛ لأنه يتضمن ذكرا واجبًا، ولأن النكاح إباحة فقط والذكاة قد يكون فيها قربة وهو ذبح الهدايا والضحايا والقرب قد يتعلق بها ذكر الله تعالى (٦). واحتج: بأنها ذكاة لم تعدم غير التسمية فكانت صحيحة كما إذا نسيها (٧). والجواب: عنه ما تقدم من الفرق بين السهو والعمد فيما يجب فعله وتركه.

стр. 655

فصل والدلالة على أنه إذا تركها ناسيا على الصيد لم يؤكل خلافا لأبي حنيفة (١) ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهذا عام في العمد والسهو، وكذلك حديث عدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" (٢) فشرط في جواز الأكل التسمية، فظاهر هذا الشرط يقتضي الوجوب في العمد والسهو، كما كان التعليم شرطًا في الحالين جميعًا، ولأنه صيد لم يسم عليه فلم يبح أكله. دليله: إذا تركه عامدًا، ولا يلزم عليه الذبيحة لقولنا: صيد (٣). فإن قيل: فقد فرقت بين العمد والسهو في الفصل الذي تقدم فلا يصح أن يسوى بينهما ههنا. قيل: لا يمتنع أن أفرق بينهما في الذبيحة وإن سويت بينهما في الصيد كما أن المخالف فرق بينهما في الصيد والذبيحة وإن سوى بينهما في أذكار الصلاة، ولأنه من شرائط إباحة الصيد فلم يختلف عمده وسهوه. دليله: إرسال الكلب (٤). واحتج المخالف بأنها ذكاة، فإذا أخل بالتسمية عليها ساهيا أبيح أكلها. دليله: الذبيحة (٥)، والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: من جهة الظاهر. والثاني من جهة المعنى.

стр. 656

أما من جهة الظاهر فإن النبي ﷺ شرط ذلك في حديث عدي، وظاهر الشرط يقتضي العموم، وفي باب الذبيحة حديث أبي هريرة: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله، فقال: "اسم الله على كل مسلم" (١) (٢). والجواب الثاني: أن الذبيحة فيها شرائط فقويت في نفسها فجاز أن يفرق بين العمد والسهو في شرط منها وليس كذلك في الصيد، فإن شرط الذكاة لم يوجد فيه وهو قطع الحلقوم والمريء فضعف في نفسه، فلهذا لم يفرق بين عمده وسهوه فيما هو هو شرط فيه، ولهذا فرقوا بين التيمم والوضوء، فأوجبوا النية في التيمم لضعفه، وأسقطوها في الوضوء، ولذلك شرطوا في الصيد آلة مخصوصة وهي أن تكون جارحة معلمة، ولم يشترطوا ذلك في الذكاة فقالوا: كل ما ينهر الدم تقع الذكاة به، ولأن الصيد لا استعماله فلا مشقة في تحريمه بالنسيان والذبيحة يعم استعمالها ففي تحريمها عليه مشقة، ولهذا لزم الحائض قضاء الصوم دون الصلاة (٣). واحتج بأن: الكلب آلة في الصيد، فإذا أخل بالتسمية فيه ساهيا لم يمنع كالسهم (٤). والجواب: أن الرواية المشهورة أن السهم كالكلب والفهد وأنه إن ترك التسمية ناسيا لم يبح كالعامد وهذا ظاهر ما ذكره الخرقي (٥)؛ لأنه قال: وإذا ترك التسمية على صيد عامدًا أو ساهيًا لم يؤكل وهو ظاهر السنة في حديث أبي ثعلبة الخشني (٦) لما قال له النبي ﷺ : "فإن صدت بقوسك وذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل"، فشرط التسمية في السهم كما شرطها في الكلب ومن يسلك الفرق من

стр. 657

أصحابنا بين السهم وبين الكلب والفهد ربما يقول: بأن السهم آلة يذكى بها في حق المقدور عليه فقويت في نفسها فجاز أن يفرق فيها بين العمد والسهو والكلب والفهد آلة لا يذكى بها في حق المقدور عليه فضعفت فاستوى فيها العمد والسهو (١). فصل لا يستحب الصلاة على النبي ﷺ عند الذبيحة والصيد نص عليه في رواية عبد الله (٢) وحنبل (٣)، وقد سئل: يصلي على النبي ﷺ عند الذبيحة؟ فقال: ما سمعت فيها شيئا (٤)، وقال الشافعي يستحب (٥)، وهو اختيار أبي إسحاق بن شاقلا (٦) (٧)، ذكره في بعض تعاليقه، فذكر كلام أحمد في رواية عبد الله ثم قال بعد ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] لا أذكر إلا ذكرت معي دليل على أن الصلاة مع اسم الله (٨). دليلنا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسل - ذبح كبشين فقال في أحدهما: "باسم الله هذا عن محمد وأهل بيته" وقال في الآخر: "اللهم هذا منك ولك" (٩)، فلو كانت مستحبة لفعلها.

стр. 658

وروى أبو محمد الخلال (١) بإسناده عن معاذ بن جبل، قال رسول الله: موطنان لا حظ لي فيهما عند العطاس والذبح (٢)، وهذا نص، ولأنه فعل مشروع في أوله ذكر الله تعالى فلم يشرع فيه ذكر النبي ﷺ كافتتاح الصلاة والعطاس والإحرام، ولا يلزم عليه الإيمان، والتشهد الأخير؛ لأنه قول (٣). واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] [الشرح: ٤]، قيل: لا أذكر أو يذكر (٤). والجواب: أن هذا محمول على غير الذبيحة (٥). واحتج بأنه: يستحب ذكر الله تعالى فاستحب ذكر رسوله كالإيمان والتشهد (٦). والجواب: أنه يبطل بتكبيرة الإحرام وعند العطاس، وعلى أن ذلك قول والذبح فعل، فأشبه افتتاح الصلاة والعطاس والإحرام (٧).

стр. 659

٩٣ - ١٠ مسألة: إذا أرسل المسلم كلبا فامتنع عليه الصيد فاعترضه كلب غير معلم أو كلب مجوسي فرده على الكلب المعلم أو على كلب المسلم فأمسكه وقتله حل أكله أومأ إليه في رواية المروذي (١) فقال في حديث عدي بن حاتم: أرسلت كلبي فوجدت معه كلبا آخر قال: "لا تأكل حتى تعلم أن كلبك الذي أمسك عليك" (٢) (٣)، وظاهر هذا أنه أخذ بالحديث والحديث يقتضي أن الإمساك إذا حصل بكلبه فهو مباح وإن شركه كلب لم يسم عليه، وقد وجد هذا المعنى في كلب المسلم فيجب أن يكون الاعتبار به، وهو قول الشافعي (٤)، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يحل (٥). دليلنا: أن إباحة الأكل من الأحكام المتعلقة بالقتل فاعتبر فيه حال المباشرة للقتل دون المعاون عليه، كما لو أمسك مجوسي شاة وذبحها المسلم فإنه يحل الأكل اعتبارًا بالذبح وكذلك لو أمسك آدميا وقتله آخر كان الضمان على القاتل كذلك ههنا، ولأنهم قد قالوا: لو رد على الكلب دابة لا يصطاد بها فأمسكه وقتل حل أكله كذلك الكلب الذي ليس بمعلم (٦). واحتج المخالف بقول النبي ﷺ : "فإن شركه كلب آخر فلا تأكل" (٧) (٨). والجواب: أن المراد به إذا شركه في القتل كلب آخر (٩). واحتج بأن: كلب المسلم لم يمكنه أخذه إلا بمعاونة كلب المجوسي له فهما متعاونان عليه فصار كما لو اشتركا في إمساكه وقتله (١٠).

стр. 660

والجواب: أنه لا اعتبار بحال المعاونة في الأحكام المتعلقة بالقتل، وإنما الاعتبار بالمباشرة بدلالة ما ذكرنا (١). ٩٤ - ١١ مسألة: إذا توارى عنه الكلب والصيد فوجده وقد قتله جاز أكله، وكذلك إن رماه بسهم فغاب الصيد والسهم فوجده مقتولا جاز أكله في أصح الروايات، نقلها الأثرم (٢) وحنبل في رجل رمى صيدًا فغاب عنه ثمّ وجده بعد ميتًا فعرف سهمه فيه يؤكل (٣). وفيه رواية أخرى: إن بات عنه لم يجز أكله، وإن لم يبت جاز أكله؛ نقلها ابن منصور عنه فقال: إذا غاب الصيد عنه لا يأكله إذا كان ليلا وأما إذا كان نهارا ولم ير به آثر غيره يأكله (٤). وفيه رواية ثالثة: إن كانت الإصابة موجبة حل أكله وإن لم تكن موجبة لم يحل أكله، نقلها جعفر بن محمد (٥) في الرجل يرمي الصيد فيغيب عنه فيجد سهمه وقد مات فإن كان رميا يرى أنه يموت منه، وإن خشي أن يكون شركه شيء آخر فلا (٦)، وقال أبو حنيفة: إذا توارى عنه الكلب والسهم والصيد وهو في طلبه فوجده وقد قتله حل أكله، وإن اشتغل بعمل غيره ثمّ ذهب في طلبه فوجده مقتولًا لم يؤكل (٧).

стр. 661

واختلفت الرواية عن مالك فحكى ابن القصار (١) روايتين: إحداهما مباح أكله سواء ذهب في طلبه أو لم يذهب، وسواء بات عنه أو لم يبت ونصر ذلك (٢). والثانية: إن بات عنه لم يبح أكله وإن لم يبت عنه حل أكله (٣). وللشافعي قولان: أحدهما: مباح. والثاني: لا يباح وربما نصروه (٤). والدلالة على إباحته في الجملة: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وقول النبي ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل"، وهذا عام، وأيضًا ما روى أحمد - في مسائل عبد الله - بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله، أفتني في قوسي، قال: "كل ما أمسكت عليك قوسك"، قال: ذكي وغير ذكي، قال: "ذكي وغير ذكي"، قال: وإن تغيب عني، قال: "وإن تغيب عنك ما لم يصل، يعني: يتغير أو تجد فيه غير سهمك". وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت بسهمك فغاب عنك ثلاثا، فأدركته فكله ما لم ينتن" (٥). وروى الدارقطني بإسناده عن عدي بن حاتم (٦) أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: أرمي سهمي فأصيب فلا أقدر عليه إلا بعد يوم أو يومين فقال: "إذا قدرت عليه وليس فيه أثر ولا خدش إلا رميتك فكل فإنك لا تدري أنت قتلته أم غيرك" (٧).

стр. 662

فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أباح أكله على الإطلاق، ولم يشترط فيه أن يتبع أثره، وإجازة الأكل منه بعد البيتوتة (١) (٢). فإن قيل: روى ابن المنذر (٣) فيه زيادة وهو أنه قال: "إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل" (٤) فرده إلى علمه وها هنا لا يعلم. قيل: الخبر الذي رويناه عن أبي ثعلبة وعدي فليس فيه: "وعلمت أن سهمك قتله"، وإنما اعتبر أن لا تجد غير سهمه، وعلى هذا يجب أن يحمل قوله: "وعلمت أن سهمك قتله" بمعنى: لم تجد سهما غير سهمك؛ لأنه معلوم أنه بالغيب لا يعلم ما يكون منه، فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه شرط ذلك عليه. وأيضًا روى الأثرم بإسناده عن نافع (٥) عن ابن عمر قال: إذا رمى ثم وجد سهمه من الغد فليأكله (٦). وروى أيضًا بإسناده عن زيد بن وهب (٧) قال: جاء رجل إلى

стр. 663

أبي الدرداء (١) فقال: آتي الصيد فيغيب عني ثمّ أجد سهمي فيه من الغد أعرفه؟ قال: أما أنا فكنت آكله (٢). وأيضًا: فإنه لم يكن ههنا بسبب كان منه موته في الظاهر إلا سهمه فوجب أن يجوز أكله (٣). دليله: إذا لم يتوارى عنه أو توارى واتبع أثره، ولأن موت الصيد بالجرح من غير غيبة لا يمكن استدراكه في الصيد؛ لأن الغالب أنه إذا جرح نفر، وبعد وما لا يمكن الاحتراز منه في الصيد يسقط حكمه. أصله: الجرح في محل الذبح. واحتج المخالف: بما روى ابن المنذر بإسناده عن عائشة إن رجلًا أتى النبي ﷺ بظبي قد أصابه بالأمس وهو ميت فقال: يا رسول الله، عرفت فيه سهمي وقد رميته بالأمس قال: لو أعلم أن سهمك قتله لأكلت لا أدري هوام (٤) الأرض، كثيرة (٥) فامتنع من أكله وبين علتهُ وهو أنه لا يدري أقتله سهمك أو شاركه فيه غيره من هوام الأرض ولم يسأله عن طلبه واتباعه إياه من وقته فدل على أن هذا لا اعتبار به وإنما الاعتبار بجواز مشاركة غيره إياه (٦).

стр. 664

والجواب: أنه يحتمل أن يكون امتناعه من أكله على طريق الورع أو يحتمل أن يكون به أثر مع سهمه (١). واحتج بما روى ابن المنذر بإسناده عن عكرمة (٢) عن ابن عباس أنه سئل عن الرجل يرمي فيجد سهمه فيه من الغد. قال: لو أعلم أن سهمك قتله لأمرتك بأكله، ولكن لا أدري لعله قتله من ذي لبوة (٣) غير ذلك (٤) (٥). والجواب عنه: ما تقدم من حديث عائشة وعلي أنا قد روينا عن ابن عمر وأبي الدرداء ما يعارضه (٦). واحتج الشافعي بما روي "أن رجلًا قال لابن عباس: إني أرمي الصيد فأصمي وأنمي فقال: كل ما أصميت ودع ما أنميت" (٧)، قال الشافعي ما أصميت: ما عاينت مقتله، وما أنميت: ما غاب عنك مقتله (٨).

стр. 665

والجواب أنه يحتمل أن يكون منع من أكله أو وجد معه سهما أو كلبا غيره وعلى أنه يعارضه ما رويناه عن ابن عمر وأبي الدرداء (١). واحتج بأن: عنيته عن رؤية العين مع كون الجراحة غير موجبة تمنع الإباحة. دليله: إذا رمى ولم يسم أو استرسل بنفسه وغاب وإذا وجد به أثر غير سهمه (٢). والجواب: أنه إذا لم يسم عليه فالمعنى فيه عدم التسمية ولهذا نقول: لو قتله ولم يغب عن عينه لم يبح أكله وإذا استرسل بنفسه فالمعنى فيه أنه لو لم يغب عن عينيه لم يبح أكله وإذا وجد به أثرا غير سهمه فالظاهر أنه مات من سهمه فلهذا لم يبح أكله وليس كذلك ههنا؛ لأن الظاهر أنه لم يكن هناك شيء كان موته منه في الظاهر إلا سهمه وقد بينا علته حين الإرسال فلهذا كان مباحًا (٣). وجواب آخر: وهو أنه إذا استرسل ولم يزجره إنما لم يبح؛ لأنه أمسك على نفسه ولهذا قلنا إذا أكل من الصيد لم يبح لهذه العلة وأما إذا وجد به أثر غير سهمه فإنما لم يبح؛ لأنه ليس الظاهر أن سهمه قتله، وأما إذا لم يسم فلا يجوز اعتباره أنه إذا سمى كما قلنا في الصلاة إذا دخل بتكبيرة الإحرام (٤). واحتج بأنه: إذا غاب عن عينه لم يأمن أن يكون قد مات من غير السهم فيجب أن لا يؤكل؛ لأن الأصل الحظر فلا يستباح بالشك (٥). والجواب: أنا إذا لم نعلم سبيا حدث منه الموت غير السهم لزمنا أن نحكم بأن الموت حادث عنه ألا ترى أن رجلا لو جرح صيدا مملوكا وغاب عنه ومات كان عليه قيمته وإن كنا نجوز أن يكون مات من غيرها كذلك ها هنا (٦).

стр. 666

فإن قيل: الضمان آكد؛ لأنه يضمن الصيد بما لا يستباح به أكله (١). قيل: الضمان وإن فارق الإباحة في نوع من القتل فقد ساواه فيما تقعُ به الإباحة، ثم ثبت أن الضمان يجب فيما غابَ عنه يجب أن تحصل الإباحة أيضا فيما غاب عنه. وجواب آخر وهو: أن التجويز يؤثر إذا أمكن الاحتراز من سببه فإذا لم يمكن سقط اعتباره بدلالة الصيد إذا وقع من الرمية على الأرض حل أكله مع تجويز أن يكون موته من وقوعه على الأرض؛ لأنه يمكن الاحتراز منه، ولو سقط على جبل ثم تردى إلى الأرض لم يؤكل؛ لأنه يمكن الاحتراز منه وفيما ذكرنا من الأخبار دلالة على أبي حنيفة (٢)؛ لأن النبي ﷺ أباح أكله على الإطلاق ولم يشترط فيه أن يتبع أثره وإنما شرط أن لا يجد أثرا غيره، ولأنه لم يكن ههنا سبب كان موته في الظاهر إلا سهمه فحل أكله. دليله: إذا تبع أثره وسار في طلبه (٣). فإن قيل: إذا خرج في طلبه علم أنه لم يمكن أن يدرك ذكاته وإن اشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا فإنما لم يؤكل؛ لأن موته من السهم لا يكون ذكاة له في جميع الأحوال ألا ترى أنه لو أدركه حيا فلم يدركه حتى مات من وقوع السهم لم يؤكل؛ لأنه لعله أن يتمكن من ذكاته فإذا شككنا في الصيد أو غيره أنه مذكا كرهنا أكله (٤). قيل: قولك في الأصل أنا نعلم أنه يمكنه أن يدرك ذكاته فليس كذلك وإنما العلة فيه أنه مات من سهمه في حال الامتناع وهذا موجود فيه إذا لم يتبعه في الظاهر، وقولك في علة الفرع إنه لعله يتمكن من ذكاته فلا يصح؛ لأن الأصل عدم الإمكان وإن العقر ذكاته فوجب اعتبار ذلك الأصل ثمّ هذا المعنى لم يوجب في باب ضمان الصيد فإنه لو جرح صيدا وغاب ثم وجده ميتا سواء اتبع أثره أولم يتبع كذلك في الذكاة (٥).

стр. 667

٩٥ - ١٢ مسألة: فإن غصب سهمًا أو كلبًا أو فهدا فاصطاد به كان الصيد لصاحب الآلة على قياس قول أحمد: إذا غصب فرسا فغزا عليه كان السهم لصاحب الفرس، وكذلك إذا غصب مالا فاتجر فيه خلافا لأكثرهم في قولهم يكون الصيد للغاصب (١). دليلنا: أن النماء تارة يكون من العين وتارة يكون بالتغليب والتصرف ثم ثبت أن النماء من نفس العين يتبع الأصل ويكون للمغصوب وَهوَ إذا غصب طعامًا فزرعَه أو شاة فنتجت عنده كذلك النماء بالتغليب والتصرف يجب أن يتبع (٢). يبين صحة هذا: أن النماء في الزكاة يتبع الأصل سواء أكان من مال عينة كالسخال إذا نتجت أو من غير عينة كالربح في مال التجارة ولهذه العلة قلنا: إذا غصب مالا وتجر فيه وحصل فيه ربح كان لصاحب المال ولا معنى لقولهم أن ذلك من نفس العين لأنا قد بينا أنها سواء بدليل النماء في نصاب الزكاة، ولأن المال إذا تبعه النماء من نفس العين تبعه غيره كالنصاب من الزكاة والغصب وكل نما تبع في الزكاة جاز أن يتبع في غيرها كالنماء من نفس العين (٣) وأيضا قد قالوا: لو غصب في دار الحرب فرسا وصاحبه معه فغزا الغاصب عليه أن السهم لصاحب الفرس دون الغاصب (٤). فإن قيل: إنما كان السهم له؛ لأنه يستحق السهم بحضوره في الصف ومعه فرس وإن لم يقاتل عليه وهذا موجود ههنا (٥). قيل: إنما استحق هناك إذا كانت يده عليه وههنا ليست يده عليه. بدليل: أنه لا تصح إجارته في هذه الحال، ولو أراد أن يقاتل عليه لم يقدر والعلة الجامعة بينهما أنه اكتساب حيوان مغصوب (٦).

стр. 668

واحتج المخالف: بأن الصيد منسوب إليه دون صاحب الكلب ألا ترى أنه يقال هذا صيد فلان ولا يقال صيد سهم فلان (١). والجواب: أن الصيد ينسب إلى الكلب أيضا فيقال: هذا صيد هذا الكلب ويبين صحة هذا: أن للكلب قصد واختيار ولهذا قالوا: إذا فتح القفص عن طائر فطار لا ضمان عليه؛ لأن له قصدا واختيارا (٢). وجواب آخر: وهو أنه إذا غصب طعاما فزرعه ونما فإن النماء لصاحب الطعام وإن كان الزرع مضافا إلى الغاصب فيقال: هذا زرعه فلان (٣). ٩٦ - ١٣ مسألة: إذا أدرك الصيد حيا فلم يقدر على ذبحه حتى مات أكل نص عليه في رواية أبي طالب والميموني (٤) فقال في رواية أبي طالب: إذا أدركه يتشحط (٥) في دمه ومات بالقرب فلا بأس بأكله، وإن تبقى إلى العشي وإلى الليل فلا يأكل حتى يذكيه (٦). وفي رواية الميموني: إذا أخذ الصيد وصار في يده بعد ما جرحه الكلب ومات في يده من غير أن يصطاده أكل (٧)، وبهذا قال مالك (٨) والشافعي (٩). قال أبو حنيفة: لا يؤكل (١٠).

стр. 669

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا قد أمسكه علينا فحل أكله وأيضا ما روى أحمد بإسناده عن أبي ثعلبة قال للنبي ﷺ أن لي كلابا فقال: "كل ما أمسكن عليك"، قال: يا رسول الله ذكي وغير ذكي، وهذا عام فيما أدركه حيا أو لم يدركه وأيضا فإنه لم يدرك زمان ذكاة الصيد أو يقول: لم يدرك زمانا يتسع لذكاته أو نقول: لم يدرك زمانا يتمكن فيه من ذكاته من غير تفريط منه فسقط فيه اعتبار الذكاة. دليله: لو أدركه ميتًا ولا يلزم عليه الشاة إذا خاف صاحبها موتها قبل أن يخطو إليها أو يذكيها إن ذكاتها الذبح دون الرمي وإن لم يتمكن من ذبحها؛ لأنا قلنا في الوصف الأول ذكاة الصيد وهذا ليس بصيد وفي الوصف الثالث لم يدرك زمانا يتمكن فيه من ذكاته من غير تفريط وهناك تعذر فعل الذكاة بتفريط من جهته؛ لأنه كان مدركا لزمان الذكاة فيما قبل، ولأن الأصل في إباحة الحيوان الذكاة وأقيم العقر مكان الذكاة في حال تعذر الذكاة والتعذر في الحالين موجود فوجب أن يكون حكمها سواء (١). يبين صحة هذا: أن التيمم أقيم مقام الماء لتعذر الماء فلم يكن فرق بين أن يكون الماء موجود ألا يتمكن من استعماله (٢). واحتج المخالف: بأنه خرج عن حال الامتناع وحصل في يده حيا فوجب أن تكون ذكاته ذبحه كما لو أدركه حيًّا وقدر على ذبحه فلم يذبحه حتى مات وكالشاة أن ذكاتها ذبحها وإن لم يقدر على ذبحها (٣). والجواب: أنه وإن كان قد حصل في يده حيا فإنه يتعذر عليه الذبح في الحلق واللبة وسقوط الذكاة في الحلق واللبة في الصيد لهذه العلة وهذا موجود في مسألتنا فيجب أن يسقط اعتبار محلها والمعنى في الأصل أنه قد أدرك زمان الذكاة وإنما تعذر فعلها لتفريط من جهته وليس كذلك في مسألتنا فإنه لم يدرك زمان الذكاة فهو كما لو مات قبل أخذه (٤).

стр. 670

٩٧ - ١٤ مسألة: فإن أدرك الصيد وبه رمق قد جرحه الكلب المعلم فإن كانت جراحة لا يعيش من مثلها إلا بمقدار اضطراب المذبوح كشق البطن ونحوه فإنه يؤكل وإن لم يذبح وإن كان يعيش منه اليوم ونحوه أو دمه لم يحل إلا بالذكاة أومأ إليه في رواية أبي طالب فقال: إن أدركه يتشحط في دمه ومات بالقرب فلا بأس بأكله (١) وإن كان إلى العشي وإلى الليل فلا يؤكل حتى يذكيه وبهذا قال محمد وقال أبو يوسف: إذا بلغ إلى حال لا يعيش من مثله لم يكن عليه ذبحه وإن بقي اليوم ونحوه (٢). دليلنا: أنه إذا كان يعيش يوما أو نحوه خرج من أن يكون في معنى المذبوح في جراحه عمر وإذا كان بقاؤه بقاء المذبوح فلا حكم لتلك الحياة كما لا حكم لحياة المذبوح ألا ترى أنه لو قطع مجوسي رأسه في تلك الحال لم يحرم أكله ولو ذبحه مجوسي فلم يخرج روحه حتى قطع رأسه لم يؤكل (٣). واحتج المخالف بأن عقر الكلب موجب أشبه إذا مات بالقرب (٤). والجواب عنه: ما ذكرنا من الدليل. ٩٨ - ١٥ مسألة: إذا استرسل الكلب لنفسه فزجره صاحبه، وسمى، فقوي في سيره واصطاد أكل ؛ ذكره شيخنا وأبو بكر في كتاب الصيد من المقنع فقال: ولو أن كلبا أفلت وقد رأى صيدا فاصطاده فإن سمى عليه وأحاط علمه بأنه قد انزجر بتسميته عليه بعد انفلاته فقتل أنه يأكله (٥) وقد أومى إليه أحمد في رواية الميموني، وقد سئل هل يرسل مع التسمية أو يرسل ثمّ يسمى فقال: تكون التسمية مع الإرسال وإن أرسل ثمّ سمى وانزجر
следующие страницы →